تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصوات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الستون باب أسماء الأفعال والأصوات

[بعض أحكام أسماء الأفعال]

قال ابن مالك: (أسماء الأفعال ألفاظ تقوم مقامها غير متصرفة تصرّفها، ولا تصرّف الأسماء، وحكمها - غالبا - في التعدّي واللزّوم والإظهار والإضمار حكم الأفعال الموافقتها معنى، ولا علامة للمضمر المرتفع بها، وبروزه مع مشبهها في عدم التّصرّف دليل فعليّته).
قال ناظر الجيش: لم يحدّ المصنف هنا اسم الفعل ولكنه حدّه في شرح الكافية بأن قال 1 ما معناه: إنه ما ناب عن فعل ولم يكن معمولا ولا فضلة 2، قال: فنائب عن فعل: جنس يعم المصدر العامل، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة واسم الفعل، والحروف التي فيها معاني الأفعال كـ «ليت» و «لعل» فخرج بـ «لم يكن معمولا» ما سوى اسم الفعل والحرف لأن كلّا منهما غير معمول، وخرج بقولي: «ولا فضلة» الحروف.
انتهى.
وهذا بناء منه على أن أسماء الأفعال غير معمولة لشيء فإنه يرى ذلك 3 وهو الصحيح، وسيذكر الخلاف في المسألة، إذا عرف هذا فقوله في التسهيل: أسماء الأفعال ألفاظ تقوم مقامها يستفاد منه أحد الأمرين وهو: كونها نائبة عن الأفعال، ولم يحتج إلى أن يقول: غير معمولة لأنه قد جعلها قائمة مقام الأفعال فكان حكمها حكمها، ولو أتى هنا بقوله: «نائبة» لاحتاج إلى ذلك، لكن قد يقال: إن ما ذكره صادق على الحروف التي فيها معاني الأفعال؛ لأنها ألفاظ تقوم مقام الأفعال، فهي داخلة تحت عبارته وليس ثمّ ما يخرجها.
وقوله: تقوم مقامها يعلم منه أنها تقوم مقامها في العمل، إذ ليس من شأن -

الجزء: 8 - الصفحة: 3835

................................  الأفعال إذا انضمت إلى الأسماء إلا ذلك فيندفع قول الشيخ 4: إن كلامه فيه إبهام، قال: لأنه لا يدرى من هذا اللفظ في أي شيء قامت مقامها؟.
ثم لما كانت أسماء الأفعال لها استعمال خاص ولم تكن كالأفعال من كل الوجوه، ولا كالأسماء من كل الوجوه أشار إلى ذلك بقوله: غير متصرّفة تصرفها ولا تصرّف الأسماء وذلك أن أبنيتها لا تختلف لاختلاف الزمان كالفعل ولا يسند إليها فتكون مبتدأة أو فاعلا مثلا كالاسم 5. وأما قول زهير 6: 3593 - ولأنت أشجع من أسامة إذ... دعيت نزال ولجّ في الذّعر 7 فهو من الإسناد اللفظي الذي يشترك فيه الاسم والفعل والحرف والجملة 8. وليعلم أن ظاهر قولهم: أسماء الأفعال، أن مسمياتها الألفاظ التي هي أفعال، وعلى هذا فليس لها دلالة على الحدث والزمان، إنما يكون مدلولها لفظا ذلك اللفظ له دلالة على الحدث والزمان 9، لكن قول المصنف: «إنّها تقوم مقام الأفعال» يعطي ظاهره أنها تدل بنفسها على ما تدل عليه الأفعال، ولا يبعد هذا القول - إن -

الحديث: 3593 - الجزء: 8 - الصفحة: 3836

................................  قيل به - عن الصواب، ويدل على صحته عملها أي: رفعها الفاعل ونصبها المفعول، ولو كان مسماها لفظ الفعل لم يكن فيها مسوغ للعمل، لا يقال: فيلزم أن تكون أفعالا لدلالتها على الحدث والزمان، لأنا نقول: إنما كان يلزم ذلك أن لو كانت دلالتها على الزمان بالصيغة والأمر ليس كذلك. وأما القول بأن هذه الكلمات أفعال فليس مما يعوّل عليه ولا ينبغي التشاغل به 10. وقد استدلّ 11 على اسميتها بأنها لا تلزم الاشتقاق، وأنها تجري على أمثلة مختلفة (متخرجة) 12 وأنها تعرّف وتنكّر، وأن منها ثنائيّا ومركبا ومصغرا، وأن بعضها يدخل عليه اللام نحو: النّجاك بمعنى: انج، وأن ما كان منها نحو: نزال - إذا سمي به - أعربه التميميون بخلاف الفعل إذا كان فيه ضمير مستتر وسمي به فإنه يحكى عند جميع العرب 13. وقد حكى الخلاف في هذه الأسماء بين البصريين والكوفيين ابن أبي الربيع فقال: اختلفوا في هذه الأسماء: فذهب الكوفيون إلى أنها [5/ 27] أفعال من جهة المعنى، لكن جعلت ألفاظها ألفاظ الأسماء فقيل لها: أسماء أفعال أي: الأسماء التي معانيها معاني الأفعال، فنزال معناه كمعنى انزل فمعناه كمعنى الفعل، لكن جعل لفظه على فعال وفعال من أوزان الأسماء، وذهب البصريون إلى أنها أسماء من جهة لفظها ومعناها وأنها أسماء للأفعال، فنزال اسم لانزل كما جاء: 3594 - إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء 14

الحديث: 3594 - الجزء: 8 - الصفحة: 3837

................................  فـ «لوّ» المشددة اسم لـ «لو» المخففة 15. انتهى.
ولم يتحقق لي الحال في ما ذكرها من المذهبين، أما مذهب الكوفيين فقوله فيه: «إنها أفعال من جهة المعنى لكن ألفاظها ألفاظ الأسماء» فإن الكلمة إذا أفادت معنى الفعل وهي في اللفظ اسم لا يقال إنها في المعنى فعل، بل يقال: إنها تفيد ما يفيده الفعل، وأما مذهب البصريين فإن كلامه يعطي أنها اسما للفظ الفعل بدليل استدلاله بقول القائل: 3595 - إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء وقد تقدّم البحث في ذلك بأنها لو كان مسماها لفظ الفعل لم يكن فيها ما يسوغ العمل، والمذهبان المذكوران أشار إليهما الفارسي في الإيضاح 16. والذي يظهر أن «نزال» اسم للفعل الذي هو: انزل مع مدلوله لا اسم للفظ الفعل خاصة، وقد أشار ابن عصفور إلى ذلك فقال 17: «إن نزال مثلا يكون اسما للفظ، فيكون «نزال» هو الدال على النزول لا انزل، قال: ويكون مدلول نزال إذ ذاك أزيد من مدلول انزل لأن انزل إنما يدل على المعنى الذي وضع له ونزال يدل على ذلك المعنى مع لفظ انزل».
انتهى.
وهذا الذي قاله هو الحق، والمصنف لم يتعرض إلى ذكر شيء من ذلك لكن الذي يعطيه ظاهر كلامه هو الذي أشرنا إليه والذي ذكره ابن عصفور.
ثم إذا كانت هذه الكلمات نائبة عن الأفعال وقائمة مقامها وجب أن يكون حكمها في التعدي واللزوم حكم الأفعال النائبة هي عنها 18، وهي التي عبر عنها - - مثله.
والبيت في الكتاب (3/ 261) (هارون) والمقتضب (1/ 325)، (4/ 32)، وابن يعيش (6/ 30)، والخزانة (3/ 45).

الحديث: 3595 - الجزء: 8 - الصفحة: 3838

................................  المصنف بقوله: الموافقتها معنى.
فمن ثمّ كان «رويد» متعديا لأنه بمعنى «أمهل» وكان «صه» لازما لأنه بمعنى «اسكت».
ونبه المصنف بقوله: غالبا على كلمة «آمين» قال الشيخ 19: «فإنها لم يحفظ لها مفعول واستجب بمعناها يجوز أن ينصب مفعولا».
وقد جعل المصنف حكمها في الإظهار والإضمار حكم الأفعال الموافقتها معنى أيضا، قال الشيخ 20: «إن غني بذلك أنه كما يضمر الفعل ويظهر كذلك يضمر اسم الفعل ويظهر فليس بصحيح، لأنهم نصوا على أن اسم الفعل لا يضمر وعللوه بأن نيابة الاسم عن الفعل مجاز والإضمار مجاز فكان يكثر المجاز».
وأقول: إن كان هذا هو المستند في عدم جواز الإضمار فلا يخفى ضعفه، ثم قال الشيخ: وفي كتاب سيبويه ما يشعر ظاهره بأن اسم الفعل يضمر أي: يعمل مضمرا فإنه قال 21 في باب الأمر والنهي من أبواب الاشتغال: ومثل ذلك أمّا زيد فاقتله.
فإذا قلت: زيد فاضربه لم يستقم أن تحمله على الابتداء، ألا ترى أنك لو قلت: زيد فمنطلق لم يستقم فهو دليل على أنه لا يجوز أن يكون مبتدأ، فإن شئت نصبته على شيء هذا تفسيره كما كان ذلك في الاستفهام، وإن شئت على عليك؛ كأنك قلت: عليك زيدا (فاقتله) 22. هذا كلام سيبويه وهو ظاهر في أن اسم الفعل يعمل مضمرا أي: مقدرا، ومن 23 حمل كلام سيبويه على أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب فقد خالف الظاهر.
قلت: والمصنف يرى عمله مقدرا وقد صرح بذلك في شرح الكافية ونسبه إلى سيبويه 24. ثم قال الشيخ 25: «وإن عني - يعني المصنف - بالإظهار والإضمار أنه يضمر فيها الفاعل أو يظهر معها ولا يضمر فصحيح لأن «صه» يضمر فيها كما يضمر في «اسكت»، وهيهات يظهر معها الفاعل نحو قوله: -

الجزء: 8 - الصفحة: 3839

................................  3596 - فهيهات [هيهات] العقيق وأهله... وهيهات خلّ بالعقيق نواصله 26 ويضمر فيها أيضا كقوله تعالى في أحد القولين 27 هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ 28، أي: هيهات هو أي الإخراج، وذلك أن مدلولها «بعد» فكان حكمها في الإظهار والإضمار حكمها».
ومما يقارن به اسم الفعل الفعل: أن الضمير يبرز مع الفعل ولا يبرز معه، وهذا الحكم معروف.
وقد نبّه عليه في أول الكتاب حيث قال: «إنّ الفعل يعتبر اتصاله بضمير الرفع البارز» وعلى هذا لا يحتاج إلى التنبيه عليه ههنا، لكن الشيخ جعل قول المصنف هنا: ولا علامة للمضمر المرتفع بها إشارة إلى أن الضمير لا يبرز معها حتى إنه قال: «قوله: ولا علامة للمضمر المرتفع بها عبارة غير صحيحة لأن هذا شيء يشترك فيه اسم الفعل والفعل، لأن الفعل أيضا لا علامة للمضمر المرتفع به إنما يبرز هو بنفسه وليست له علامة تدل عليه، فالعبارة الصحيحة أن يقول: ولا يبرز معه الضمير في حال تثنية ولا جمع بل يسكن 29 مطلقا» انتهى.
وأقول: إن كلام المصنف يسوغ فيه أن يحمل على غير ذلك، فيقال: قد يتوهّم أن حكم أسماء الأفعال حكم الأسماء العاملة من كل الوجوه، ولا شك أن الأسماء العاملة كـ «اسم الفاعل»، مثلا تلحقها العلامات الدالة على الضمير المستتر فيها نحو: الرجلان قائمان، والرجال قائمون، وأسماء الأفعال لا تلحقها علامة فهي مخالفة في ذلك لغيرها من الأسماء العاملة، فالمنصف أراد بقوله: ولا علامة -

الحديث: 3596 - الجزء: 8 - الصفحة: 3840

[أنواع أسماء الأفعال: أمر - ماض - حاضر]

قال ابن مالك: (وأكثرها أوامر، وقد تدلّ على حدث ماض أو حاضر، وقد تضمّن معنى نفي أو نهي أو استفهام أو تعجّب استحسان أو تندّم أو استعظام، [وقد يصحب بعضها «لا» النّافية]).
للمضمر المرتفع بها دفع هذا التّوهم الذي ذكرناه، ولم يرد بها تمييزها عن الأفعال كما فهمه الشيخ رحمه الله تعالى؛ لأنها مميزة عنها بأمور أخرى منها: بروز الضمير المرفوع إذ هو من خصائص الأفعال ومن ثمّ أردف المصنف كلامه هذا بقوله: وبروزه مع شبهها دليل فعليّته أي: وبروز [5/ 28] الضمير مع ما يشبه أسماء الأفعال دليل على فعليته، وذلك نحو: «هلمّ» فإن بني تميم يبرزون الضمير المرفوع بها فيقولون: هلمّا، وهلمّوا، وهلمّي وهلممن 30، فلإبراز الضمير في لغتهم وجب الحكم على هذه الكلمة بالفعلية في لغتهم.
وفي قول المصنف: مع شبهها فيه لطف لأن «هلم» في اللغة الحجازية اسم فعل 31، وهي في لغة التميميين فعل لاتصال ضمائر الرفع البارزة بها 32، ولا شك أن «هلم» في لغة تميم قبل اتصال الضمائر بها شبيهة بـ «هلم» في لغة الحجازيين، وهي محكوم بفعليتها من أجل بروز الضمير المرفوع بها عندهم.
قال ناظر الجيش: اسم الفعل الدال على أمر كثير، واسم الفعل الدال على ما سوى الأمر قليل، وقد ذكر المصنف ما هو للأمر وما هو لغيره في متن الكتاب وعلل النحاة 33 كون الدّال منها على الأمر أكثر من الدال على غيره بكثرة حذفهم فعل الأمر لدلالة الحال عليه، قالوا: ولم يكثر ذلك منهم في الأخبار وإنما يجيء في -

الجزء: 8 - الصفحة: 3841

................................  مواضع قليلة تحفظ ولا يقاس عليها، فكما استغنوا في اللفظ عن ذكر أفعال الأمر في اللفظ لدلالة الأحوال عليها فكذلك استغنوا عن ذكر أفعال الأمر في اللفظ.
والتقدير بأسماء الأفعال، وكما قلّ استغناؤهم عن ذكر الأفعال في الخبر في اللفظ فكذلك قلّ استغناؤهم عن ذكر الأفعال في الخبر في اللفظ والتقدير بأسماء الأفعال.
قال الشيخ 34: «وفي كلام المصنف تسامح لأن الأوامر حقيقة إنما هي الأفعال لا أسماء الأفعال، قال: وكذا الدّالّ على الحدث الماضي والحدث الحاضر إنما هو الفعل».
وأقول: ما قاله الشيخ بناء منه على أن مسمّى أسماء الأفعال ألفاظ الأفعال، وقد عرفت مما تقدم أن الأمر ليس كذلك 35، والعجب إلزام الشيخ المصنف شيئا ليس من القول به في شيء.
ثم قد ذكر المصنف أن أسماء الأفعال قد تضمّن أحد معاني ستة أشياء وهي: النفي، والنهي، والاستفهام، وتعجب الاستحسان، وتعجب التندم، والاستعظام.
أما النّفي فقد مثل له بقول بعض العرب وقد قيل له: أبقي شيء؟ همهام أي: لم يبق شيء 36 وأما النهي فقد قال 37 ابن عصفور في قول الفارسي «إن أسماء الأفعال تستعمل في الأمر والنهي» 38: لم يرد بالنهي النهي الصناعي وإنما أراد به الأمر الذي يراد به التحذير نحو: حذار من كذا، وأراد بالأمر الأمر الذي لا يراد به التحذير نحو: نزال، قال: لأنه لا يوجد اسم فعل بمعنى «لا يفعل» فلا يقال: حذار بمعنى لا يحذر.
وجاء الشيخ فحمل كلام المصنف على هذا أعني على ما حمل عليه ابن عصفور كلام الفارسي، ويبعد أن يكون ما قاله ابن عصفور مراد المصنف.
والعجب أنهم لم ينازعوا في أن اسم الفعل يضمّن معنى النفي ونازعوا في تضمنه -

الجزء: 8 - الصفحة: 3842

................................  معنى النهي وكلاهما سواء، فكان الواجب إما أن يمنع فيهما وإما أن يجاز فيهما. وأما الاستفهام فقد مثّل له 39 بما جاء في الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف 40 رأى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أثر صفرة فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مهيم» 41 قال: تزوّجت يا رسول الله: كأن المعنى - والله تعالى أعلم - أحدث لك شيء؟ قالوا 42: فـ «مهيم» على هذا اسم فعل معناه الاستفهام. ومثال تعجب الاستحسان 43: «وا» في قول الراجز 44: 3597 - وا بأبي أنت وفوك الأشنب... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب 45 ومثال تعجب التّندّم 46 قول الشاعر 47: 3598 - سالتاني الطّلاق أن رأتاني... قلّ مالي قد جئتماني بنكر

الحديث: 3597 - الجزء: 8 - الصفحة: 3843

................................  وي كأن من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ 48 وقد ذكر المصنف في شرح الكافية 49 أن كلمة «وا» بمعنى «أعجب» وأنشد: 3599 - وا بأبي أنت......... وأن كلمة «وي» بمعنى «أتعجب» وأنشد: وي كأن من يكن له نشب......... واستدل بقوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ 50، ولكنه لم يذكر الاستحسان ولا التندّم مع «أعجب» ولا «أتعجب». ثم إن في بعض نسخ التسهيل زيادة في هذا الموضع وهي «وقد يصحب بعضها لا النّافية» قال الشيخ 51: وهي في نسخة رأيت عليها خطه رحمه الله تعالى، قال: ومثال ذلك قولهم: لا لعا قال: ومنه قول ابن دريد: 3600 - فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا: لا لعا 52

الحديث: 3599 - الجزء: 8 - الصفحة: 3844

................................  ومعنى «لعا»: أقاله.
فإذا أدخل عليها لا فكأنه قيل: لا أقاله، انتهى 53. ولم ينتظم لي تفسير «لعا» بـ «أقاله» مع كونها اسم فعل 54، وقال في الصحاح 55: ويقال للعاثر: لعا لك عاليا، دعاء له بأن ينتعش قال الأعشى: 3601 - بذات لوث عفرناة إذا عثرت... فالتّعس أدنى لها من أن أقول لعا 56 وذكر أبو البقاء أن معنى «لعا» أسلم 57، وهذا هو الأقرب بل الحق، وعلى هذا يكون معنى «لا لعا»: لا أقول له لعا، لا أقول له أسلم 58. وإذا كان التقدير كذلك لم يكن حرف النّفي قد صحب اسم الفعل فلا يصح تمثيل الشيخ به لما قاله المصنف، وإن تمّ ما قلناه فليكن قول ابن دريد «فقولا: لا لعا» فقولا: لا أقول لك أسلم.

الحديث: 3601 - الجزء: 8 - الصفحة: 3845

الجزء: 8 - الصفحة: 3846

................................  أو يا امرأتان، وهاؤوا يا رجال، وهاءين يا نساء.
وتصريفها تصريف «هب» - من الهبة - فيقال: هأ، هئي، هأا، هأوا، هأن.
وتصريفها تصريف «خف» فيقال: هأ، هائي، هاءا، هاؤوا، هأن.
وعلى هذا ورد عنهم: ما أهاء أي ما آخذ 62، فقد ثبتت الفعلية لهذه الكلمة على لغة من يتكلم بذلك لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها.
وفي شرح الشيخ 63: وأما هات بكسر التاء فمعناه: أعط، والألف منقلبة إما عن ياء أو واو، والتاء غير زائدة.
وقال الخليل 64: إنها مبدلة من الهمزة من: آتى أي: أعطى، وتقول للمرأة: هاتي، وللاثنين: هاتيا، وللجمع المذكر: هاتوا، وللمؤنثات: هاتين 65، ويقوي هذا ما ذكره الخليل من أنه من آتى.
انتهى.
وعرف منه أن التاء عند من خالف الخليل أصلية، وأن الكلمة في الأصل: إما هيت، وإما هوت، ولا يخفى أن قول الخليل في هذه الكلمة هو الأظهر بل المتعين.
وأما هلمّ: فلها معنيان وهما 66: أحضر، وأقبل، فإذا كانت بمعنى: أحضر كانت متعدية كما أن أحضر متعدية، قال الله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ 67 أي: أحضروا شهداءكم، وإذا كانت بمعنى: أقبل تعدّت بإلى كما يتعدى أقبل، قال الله تعالى: هَلُمَّ إِلَيْنا 68، أي: أقبلوا إلينا، وتقول العرب: هلمّ إلى الثّريد أي: حيّ إلى الثّريد، ومنهم من يعديها باللام فيقول: هلم للثّريد، ومنهم من يحذف الحرف فيقول: هلمّ الثّريد أي ائت الثريد 69، هذا حكم هلمّ في اللغة الحجازية.
وأما في اللغة التميمية فإنها عندهم فعل لأنهم يبرزون معها الضمير فيقولون: هلمّ -

الجزء: 8 - الصفحة: 3847

................................  يا رجل، وهلمّي يا امرأة، وهلمّا للرجلين والمرأتين وهلمّوا يا رجال، وهلممن يا نساء 70. ومذهب البصريين 71 أن هذه الكلمة مركبة من (ها) التي للتنبيه و «لمّ» التي هي فعل أمر من قولهم: لمّ الله شعثه، حذفت ألف «ها» تخفيفا، قالوا: والمعنى: أجمع نفسك إلينا، لكن هذا أحد معنييها 72، وقال الخليل 73: إنها بعد التركيب حدث لها معنى لم يكن، وهذا هو الظاهر.
وقال الفراء: هي مركبة من «هل» التي للزجر و «أمّ» بمعنى اقصد، وقد أطالوا الكلام فيها وهو أمر لا يجدي شيئا فلا حاجة إلى الإطالة بذكره 74. ويقال: هلم لك ولك ولكما ولكم ولكنّ، والتقدير: إرادتي لك فاللام للتبيين ومدلول الكاف هو مدلول الضمير المستكن في هلم، وقد اشتقوا منها فعلا وإن كانت مركبة لتنزلها عندهم منزلة كلمة واحدة 75، حكى الأصمعي 76 أنه يقال للرجل: هلمّ إلى كذا فيقول: لا أهلمّ 77 بفتح الهمزة والهاء، وضم اللام وفتح الميم مشددة -، وقالوا أيضا: إلى م أهلم (9)، وذكر أبو علي 78 أنه يقال للرجل: هلم كذا فيقول: لا أهلمه أي: لا أعطيكه، وهذا يدل على أن معنى هلم كذا أعط كذا، فيكون قد ضمّن «هلم» معنى «أعط».

الجزء: 8 - الصفحة: 3848

................................  ومن كلامهم: كان ذلك عام كذا وهلمّ جرّا إلى اليوم، حكاه الجوهري 79، وفي الارتشاف 80 «وهلمّ جرّا معناه: تعالوا على هينتكم متثبتين، قال 81: وانتصاب «جرّا» على أنه مصدر في موضع الحال أي: جارين، قاله البصريون، وقال الكوفيون: هو منصوب على أنه مصدر لأن معنى «هلم» جروا، وقيل: انتصب على التمييز.
انتهى.
ولم يظهر لي بهذا الإعراب الذي نقله توجيه هذا الكلام، وأي معنى بعد قولنا: كان ذلك عاما أول لأن يقال: تعالوا على هينتكم ولا مناسبة بين الأول والثاني؟! والظاهر أن «هلمّ» في قولهم: وهلمّ جرّا أريد بها معنى غير المعنى الأصلي بل ربما يتحتم ذلك، ولم يظهر لي معنى قولهم: وهلمّ جرّا 82. وأما «حيّهل»: فقد ذكر المصنف لها معاني ثلاثة وهي: قدّم أو عجّل أو أقبل، وذكر في شرح الكافية 83 رابعا وهو معنى «ائت» كقولهم: حيّهل الثّريد 84، وذكر فيها أربع لغات بغير تنوين أيضا، والعجب أنه لم يذكر في اللغات التي لها «حيّ» مفردة، وقد ذكرها النحاة 85 قال ابن أبي الربيع: «حيّ تستعمل مركبة وتستعمل غير مركبة، فإذا كانت مركبة كانت بمنزلة «أقبل» فتتعدى بعلى، ومثال ذلك: «حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح» أي: أقبلوا على الصلاة وعلى ما فيه -

الجزء: 8 - الصفحة: 3849

................................  بقاء الخير لكم، والفلاح والبقاء 86، وإذا كانت مركبة كانت متعدية وكانت بمنزلة: ائت، تقول: حيهل الثريد أي: ائت الثريد 87، قال: وزعم أبو الخطاب 88 أنه سمع من يقول: حيّهل الصّلاة 89، ثم قال: وفيها ثلاث لغات 90: منهم من يقول: حيّهلا في الوصل والوقف، وكأن «حيّ» مركبة مع «هلا» التي هي [5/ 30] من الأصوات 91، ثم حدث بالتركيب ما لم يكن، أو يكون من إجراء الوصل مجرى الوقف.
ومنهم من يقول: حيّهل في الوصل؛ فإذا وقف وقف بتسكين اللام.
ومنهم من يقول: حيّهل في الوصل فإذا وقف وقف بالألف فيقول: حيّهلا، قال: وكأن الألف هنا عوض من هاء السكت بمنزلة الألف في أنا» 92 انتهى.
وقال ابن عصفور مشيرا إلى هذه الكلمة 93: هي في الأصل مركبة من «حي» و «هلا» إلا أن الألف من «هلا» حذفت في بعض هذه اللغات تخفيفا، وقد تستعمل كل واحدة منهما على انفرادها 94، فإذا استعملت «حي» على انفرادها كانت بمعنى «أقبل» وإذا استعملت «هلا» على انفرادها كانت بمعنى «تقدّم» -

الجزء: 8 - الصفحة: 3850

................................  و «حي» خاصة باستحثاث العاقل و «هلا» باستحثاث غير العاقل 95، وقد تستعمل «هلا» في العاقل إلا أن ذلك قليل.
ومن ذلك قوله: 3602 - ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلّا 96 وإذا ركبت «حي» مع «هلا» فالأكثر أن تستعمل لاستحثاث العاقل تغليبا لـ «حي» ومنهم من يغلب «هلا» فيستعملها لاستحثاث غير العاقل وذلك قليل 97. ثم إنه ذكر أن فيها ثماني لغات 98: أحدها: حيّهل - يعني بفتح اللام - قال: وإذا وقفت عليها في هذا الوجه جاز أن تقف بالسكون وأن تقف بالألف اللاحقة لتبيين حركة المبني في الوقف.
ثانيها: أن تستعمل بالألف وصلا ووقفا من غير تنوين فيقال: حيّهلا بزيد.
ثالثها: أن تستعمل منونة فيقال: حيّهلا.
رابعها: حيّهل بتسكين اللام في الوصل والوقف.
خامسها: حيّهل بكسر اللام والتنوين كأنه قال: حيّهل على الوقف ثم ألحق التنوين وكسر اللام لالتقاء الساكنين.
-

الحديث: 3602 - الجزء: 8 - الصفحة: 3851

................................  سادسها: حيّهلك بفتح اللام وإلحاق الكاف التي هي حرف خطاب.
سابعها: حيّهل بتسكين الهاء، وفتح اللام من غير تنوين.
ثامنها: حيّهلا بتسكين الهاء وفتح اللام والتنوين.
قال 99: فمن نوّن في شيء من ذلك جعله نكرة ومن لم ينون جعله معرفة 100، قال: وتستعمل في جميع ذلك متعدية بنفسها وبإلى وبعلى وبالباء 101، فإذا تعدّت بنفسها كانت بمعنى «ائت» وإذا تعدت بإلى أو بعلى كانت بمعنى «أقبل»، وإذا تعدت بالباء كانت بمعنى جئ 102. هذا كلامه في شرح الإيضاح 103، وقوله: إنها إذا تعدت بالباء تكون بمعنى «جئ» يطابق في المعنى قول المصنف: إنها تكون بمعنى «عجّل» لأن «عجّل» يتعدى بالباء أيضا.
وأما «تيد» و «رويد»: فاعلم أنهم قد ذكروا 104 أن «تيد» مثل «رويد» في المعنى وأنها تكون مصدرا واسم فعل كما تكون رويد كذلك، حكى البغداديون 105: تيدك زيدا، فإن كان مصدرا فالكاف في موضع خفض، وإن كان اسم فعل فالكاف حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب 106، لكن كلام المصنف -

الجزء: 8 - الصفحة: 3852

................................  يقتضي أن «تيد» لا تكون إلا اسم فعل خاصة لأنه لما قرن بها في الذكر «رويد» حاكما عليهما بأنهما اسما فعل لم يستثن إلا «رويد» فأخرجها عن أن تكون اسم فعل إذا نصبت على الحالية أو المصدرية، وهذا هو الظاهر إذ لم يقم دليل على أن «تيد» مصدر كما قام الدليل على مصدرية «رويد».
ثم إن المصنف ذكر أن معنى «تيد»: أمهل، وأن معنى «رويد»: أمهل أيضا، ولكن سيأتي بحث في كون معنى «رويد» أمهل.
وذكر أن لـ «رويد» استعمالات أربعا 107: أحدها: أن تكون اسم فعل، ثانيها: أن تكون حالا، ثالثها: أن تكون مصدرا، رابعها: أن تكون نعتا لمصدر مذكور أو مقدر.
وقد ذكر ابن عصفور الاستعمالات الأربع لها أيضا فقال 108: «رويد» اسم يستعمل على أربعة أضرب: اسم فعل بمعنى الأمر، ومصدر، وصفة لمصدر، وحال منه، فإذا استعمل اسم فعل كان مبنيّا ومتعديا إلى مفعول، حكى سيبويه 109 من كلامهم: لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشّعر، قال: يريد أرود الشعر كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشّعر، ومن ذلك قول الشاعر: 3603 - رويد بني شيبان بعض وعيدكم... تلاقوا غدا خيلي على سفوان 110 يريد: دعوا يا بني شيبان بعض وعيدكم، وانجزم «تلاقوا» على جوابه اجراء له في ذلك مجرى فعل الأمر الذي جعل اسما له، «رويد» عند البصريين تصغير -

الحديث: 3603 - الجزء: 8 - الصفحة: 3853

................................  «إرواد» مصدر «أرود» بمعنى أمهل على قياس تصغير الترخيم 111، وهو عند الفراء 112 تصغير «رود» بمعنى: مهل وأنشد شاهدا على أن «رودا» بمعنى الرّفق والمهل قول الشاعر: 3604 - يكاد لا تثلم البطحاء وطأته... كأنّه ثمل يمشي على رود 113 وما ذكره البصريون أولى لأن «رويدا» إذا كان تصغير «إرواد» كان موافقا للفعل الذي وضع موضعه وجعل اسما له وهو «أرود» ولو كان تصغير «رود» لم يكن كذلك 114، ألا ترى أن الرود معناه: المهل والرّفق 115 وليس فعل متعدّ بهذا المعنى فيوضع تصغيره موضعه ويصير اسما له، وفاعله مستتر فيه في جميع الأحوال كسائر أسماء الأفعال 116، ومن العرب 117 من يلحقه كاف الخطاب ليتبين ذلك المضمر المستتر فيه فيقول: رويدك زيدا، ورويدكما زيدا، ورويدكم زيدا، ورويدكنّ زيدا، وإنما يلحقها إذا خاف الالتباس 118، ومن لم يخف التباسا لم يلحقها استغناء عنها بعلم المخاطب، وقد يلحقونها مع عدم اللبس على جهة التأكيد للبيان 119، وهي حرف لا موضع لها من الإعراب كالكاف في «ذلك».

الحديث: 3604 - الجزء: 8 - الصفحة: 3854

................................  وإذا استعمل مصدرا نائبا مناب الفعل بقي على إعرابه وذلك نحو قولك: رويدا زيدا، ويجوز إذ ذاك إضافته إلى الفاعل فيقول: رويدك زيدا، وإلى المفعول حكي من كلامهم 120: رويد نفسه، وفي النصب به خلاف، فمنهم من منع ومنهم من أجاز، حجة المانع: تصغيره لأن التصغير يمنع الأسماء العاملة من العمل لكونه من خواص الأسماء وإلى ذلك ذهب المبرد 121، وأما المجيزون فاختلفوا في سبب إعماله فقال الفارسي 122: إنه إنما عمل وهو مصغر حملا على «رويد» اسم الفعل وهذا منه دليل [5/ 31] أنه يمنع إعمال المصدر المصغر.
وأما ابن خروف وأبو بكر بن طاهر فإنهما يجيزان 123 عمل المصدر مصغرا، وإن كانا يمنعان عمل اسم الفاعل المصغر مستدلين بأن المصغر لم يعمل لشبهه بالفعل وإنما عمل لوضعه موضعه فلم يقدح التصغير في إعماله لأنه لم يعمل للشبه كما عمل اسم الفاعل، وهذا المذهب هو الصحيح عندي 124، ولا فرق بين «رويد» وغيره من المصادر المصغرة بالنسبة إلى العمل 125. وكذلك 126 إذا استعمل صفة لمصدر أو حالا كان معربا أيضا إذ لا موجب لبنائه: فمثال استعماله صفة للمصدر قولك: ساروا سيرا رويدا 127 وفيه خلاف: منهم من زعم أن «رويدا» الموصوف به هو الذي استعمل مصدرا إلا أنه وصف به فوقع موقع «مرود» كما وصفوا بـ «رضا» فقالوا: رجل رضا أي: مرضيّ، - - وحيّهلك وكقولهم النجاءك، وقال: فهذه الكاف لم تجئ علما للمأمورين والمنهيين المضمرين ولو كانت علما للمضمرين لكانت خطأ وانظر اللسان (رود).

الجزء: 8 - الصفحة: 3855

................................  ومنهم من زعم أنه تصغير «مرود» تصغير ترخيم وليس بمصدر موصوف به 128، فعلى القول الأول يجوز فيه وجهان: أن يجعل صفة للمصدر.
وأن يجعل حالا منه - وإن كان نكرة - لأن الحال إذا لم يكن صفة في الأصل جاز 129 مجيئها حالا من النكرة متأخرة عنها في فصيح الكلام، ومن ذلك قولهم: هذا عربيّ قحّا 130، ووقع أمر فجأة، ومررت بماء قعدة رجل 131. وعلى القول الثاني لا يكون إلا صفة للمصدر؛ لأن الاسم الذي هو صفة في الأصل لا ينتصب على أنه حال من نكرة وهو متأخر عنها، لا يقال: مررت برجل ضاحكا، ومثال استعماله حالا منه قوله: ساروا رويدا 132، فـ «رويدا» حال من ضمير محذوف عائد على المصدر الذي يدل عليه الفعل، تقديره: ساروه رويدا أي: ساروا السّير رويدا، ولا يجوز 133 أن يكون تقدير ساروا رويدا: ساروا سيرا رويدا فحذف «سير» الذي هو المصدر وأقيمت صفته مقامه؛ لأن «رويدا» صفة غير خاصة بجنس الموصوف المحذوف لأن الإرواد من صفات السير وغير السير أيضا.
-

الجزء: 8 - الصفحة: 3856

................................  هذا كلام ابن عصفور 134. ثم إنه 135 أورد سؤالا فقال: «فإن قيل: القاعدة في الباب 136 أن ما كان في الأصل ظرفا كـ «مكانك» أو مصدرا كـ «حذرك» ثم نقل واستعمل اسما للفعل يبقى على ما كان عليه من الإعراب فكان ينبغي على هذا إذا جعل «رويدا» اسما للفعل أن لا يبنى بل يبقى على إعرابه لأنه مصدر في الأصل؟».
ثم أجاب عن ذلك بأن قال: «إن «رويدا» لما نقل عن المصدرية وجعل اسما للفعل لم يبق على معناه، بل ضمّن معنى ما يقرب منه، فإنّ أرود إروادا معناه: أمهل إمهالا أي: أنظر، ومعنى «رويد» الذي هو اسم للفعل: اترك ودع، وأرود ليست بمعنى دع في أصل وضعها، وإنما صار لها ذلك بالتضمين» انتهى.
وفي كلامه أمران: أما أولا: فمنعه أن يكون «رويدا» من قولنا: ساروا رويدا صفة لمصدر محذوف معللا ذلك بأن الصفة التي هي «رويد» ليست خاصة بجنس الموصوف، لأن لقائل أن يقول: إن المسوغ لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما هو وجود دليل على المحذوف سواء أكانت الصفة خاصة بجنس الموصوف أم غير خاصة!! نعم في بعض التراكيب قد لا يكون دليل إلا كون الصفة خاصة بجنس موصوفها كقولك: نظرت إلى كاتب، وفي بعض الصور قد يكون الدليل غير ذلك كما في قوله تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ 137 أي: دروعا سابغات، ولا يخفى أن الصفة المذكورة ليست خاصة بموصوفها المراد هنا، وقد حذف الموصوف لدلالة ذكر «الحديد» في الآية الشريفة عليه، وعلى هذا فالدليل على الموصوف المحذوف في مثل: ساروا رويدا كلمة «ساروا» إذ من المعلوم أن المراد: ساروا سيرا رويدا؛ فالدليل على الموصوف المحذوف قائم حينئذ.
وأما ثانيا: فقوله: إن مكانك باق على إعرابه بعد نقله وتصييره اسم فعل؛ لأن «مكانك» كان منصوبا على الظرف أعني لفظ «مكان» المضاف إلى الضمير الذي -

الجزء: 8 - الصفحة: 3857

................................  هو الكاف، والمجعول اسم فعل بعد النقل إنما هو مجموع الكلمتين أعني المضاف والمضاف إليه، وإذا كان كذلك سقط اعتبار حركة النون من «مكانك» مثلا، وصارت كحركة الكاف قبلها، أو الميم، إذ مجموع الكلمتين في حكم كلمة واحدة.
ثم إنّا نقول: إما أن يكون لأسماء الأفعال محل من الإعراب أو لا!! فإن لم يكن لها محل فلا كلام، وإن كان لها محل فالحكم بذلك إنما هو على المحل لا على اللفظ، سواء أكان اسم الفعل كلمة واحدة كـ «نزال» أم كلمتين نحو: مكانك وحذرك.
بقي أن يقال: قد قال المصنف: إن معنى «رويد» أمهل، وكلام ابن عصفور يقتضي أن معناها: دع، وعلى ذلك فسر ما حكاه سيبويه 138 من كلام العرب: لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشّعر أي: دع الشعر و «ما» زائدة 139 والذي يظهر أن «رويد» يجوز أن يراد بها كل من المعنيين أعني معنى «أمهل» ومعنى «دع»، وتستفاد دلالتها على أحد المعنيين دون الآخر من سياق الكلام وما يؤدي إليه المعنى في ذلك المحل الذي هي فيه.
واعلم أن ظاهر كلام صاحب الصحاح يقتضي أن «رويد» الذي هو اسم الفعل تصغير «رود»، وأن «رويد» الذي هو المصدر تصغير إرواد تصغير ترخيم، ولم أتحقق ذلك، وكلامه يحتاج إلى من يتأمله ويحرر ما قصده 140. وأما «هيت» و «هيّا» و «هيك»: فمعناها واحد وهو: أسرع 141، والكاف في «هيك» للخطاب 142، وقال الله تعالى: وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ 143، والجمهور على أن معنى «هيت» في الآية الشريفة: أسرع و «لك» تبيين كما هي في قولهم: سقيا لك.
فاللام تتعلق بمحذوف، التقدير: لك أعني 144، وقد قال بعضهم: إن «هيت لك» معناه: جئت لك، فجعل «هيت» اسم فعل ماض -

الجزء: 8 - الصفحة: 3858

................................  وأخرجها من الأمرية إلى الخبرية [5/ 32] ومنهم من قدر «هيت لك» مبتدأ وخبرا وقال: المعنى في الآية الشريفة: أنا مهيئة لك، وكل هذا لا معول عليه. وقد ذكر الشيخ 145 لغات أخر في هذه الكلمة منها: «هيّك» - بكسر الهاء وتشديد الياء، ومنها «هيت» - بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة ثم تاء مفتوحة - و «هيت» - بفتح الهاء وسكون الياء بضم التاء. وأما «بله» و «كذاك»: فمعناهما واحد وهو: دع 146، وقال سيبويه 147: «بله زيدا؛ أي دع زيدا» وقد ذكر المصنف في الألفية 148 أنها تكون مصدرا فيقال على هذا: بله زيد أي: ترك زيد، قال الشاعر 149: 3605 - تذر الجماجم ضاحيا هاماتها... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق 150

الحديث: 3605 - الجزء: 8 - الصفحة: 3859

................................  روي بجر «الأكف» على أن «بله» مصدر 151، ومن رواه بالنصب فـ «بله» عنده اسم فعل 152. ومن استعمالها اسم فعل قول الآخر: 3606 - تمشي القطوف إذا غنّى الحداة لها... مشي النّجيبة بله الجلّة النّجبا 153 وإذا كان اسم فعل كان مبنيّا على الفتح 154، وقد يبنى على الكسر 155، وروي فيه إذا كان مصدرا القلب فيقال: بهل زيد 156، وزعم بعضهم أن «بله» يكون بمعنى: كيف، فيقال: بله زيد، وبعضهم أنها يستثنى بها فيقال: قام القوم بله زيدا أي: إلا زيدا، ولا معول على شيء من ذلك.
وشاهد «كذاك» قول الشاعر: 3607 - يقلن وقد تلاحقت المطايا... كذاك القول إنّ عليك عينا 157

    • «الأكف» مجرورا مضافا إليه، وإما أن تكون اسم فعل بمعنى: دع.
      فيكون الأكف منصوبا على أنه مفعول لـ «بله» وقد روي البيت بالوجهين، وهناك وجه ثالث وهو: رفع الأكف على أن بله بمعنى: كيف.
      وانظر البيت في ابن يعيش (4/ 47، 48) والخزانة (3/ 30)، وشرح شذور الذهب (ص 400) والتصريح (2/ 199) والهمع (1/ 236) والدرر (1/ 200).

الحديث: 3606 - الجزء: 8 - الصفحة: 3860

................................  أي: دع القول، ولا يخفى أنها كلمة مركبة من «كاف» التشبيه ومن اسم الإشارة وزال بالتركيب معناهما، وضمّنت الكلمة معنى: دع، والكاف الواقعة بعدها للخطاب 158. وأما «صه»: فمعناها: اسكت 159 وأمّا «إيها» و «مه»: فمعناهما واحد وهو: انكفف 160. و «صه» و «مه» نقل فيهما اللغات الثلاث: سكون الآخر، وكسره دون تنوين، وكسره مع تنوين، فمن نوّن أجراهما مجرى المصدر المنكر كأنه قال: سكوتا وانكفافا، ومن لا ينون أجراهما مجرى المصدر المعرف باللام وهو: السكوت والانكفاف، ومن جعلهما معارف فلم ينون طلب السكوت عن فعل معين والانكفاف عن فعل معين، ومن نكّرهما لم ينون وطلب السكوت عن كل كلام والانكفاف عن كل فعل، هكذا في شرح الشيخ 161. ولم أتحقق قوله: «ومن نكرهما لم ينون» لأن علامة التنكير في مثل هذه الأسماء إنما هو التنوين، فكيف يصح قوله: «ومن نكّرهما لم ينون»؟.
والذي ينبغي أن يقال: ومن نكرهما نوّن وطلب السكوت عن كل كلام والانكفاف عن كل فعل.
وأما «إيها»: فالتنوين اللاحقها تنوين التنكير، ومعناها: طلب الانكفاف عن كل فعل 162. وقد تستعمل معرفة فيقال: إيه - بفتح الهاء دون تنوين - ولكن ذلك قليل، ومعناه: طلب الانكفاف عن فعل معين 163. - - ومعنى «تلاحقت المطايا» أي لحق بعضها بعضا، والمعنى: دع القول إن عليك رقيبا.
والاستشهاد فيه: في قوله «كذاك» فإنه اسم فعل معناه: دع.
والبيت في التذييل (6/ 185) والعيني (4/ 319) واللسان (لحق).
وقال ابن منظور: الرواية (كفاك القول) أي ارفق وأمسك عن القول.
وعلى هذا فلا شاهد فيه حينئذ.

الجزء: 8 - الصفحة: 3861

................................  وأما «إيه»: فمعناه: حدّث 164، قال ابن عصفور 165: «هي كلمة يراد بها الاستزادة من الحديث 166، وهو في الأصل مبني على السكون إلا أنه حرك لالتقاء الساكنين، وكانت الحركة كسرة على أصل حركة التقاء الساكنين؛ فمن لم ينونه جعله معرفة 167، لأنه يريد به الاستزادة من حديثه معه.
ومنه قول ذي الرمة: 3608 - وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم... وما بال تكليم الرّسوم الطّواسم؟ 168 لأنه إنما طلب من الرسوم حديثا مخصوصا وهو الحديث عن «أم سالم» 169، -

الحديث: 3608 - الجزء: 8 - الصفحة: 3862

................................  ومن نونه جعله نكرة كأنه يقول: حدّث حديثا، ومنه قول القائل 170: 3609 - إيه فداء لك يا فضاله... أجرّه الرّمح ولا تهاله 171 وفي شرح الصّفّار لسيبويه «وأما إيه فمعناه: حدّث أو زد، لكن هو لازم، لا يقال: إيه كذا».
قال الشيخ 172: «وقد استعمله بعض الشعراء المولدين متعديا فقال: 3610 - إيه أحاديث نعمان وساكنه 173 انتهى.
-

الحديث: 3609 - الجزء: 8 - الصفحة: 3863

................................  ومن أشعار المتأخرين أيضا في تعدية «إيه» قول القائل: 3611 - إيه حديثك عن أخبارهم إيه 174 وأما «ويها»: فمعناه: اغر، والغراء: هو اللصوق بالشيء، يقال: غري يغرى غراء - بالمد - ومدّه شاذ 175، والإغراء: هو التسليط وهو راجع لمعنى الإلصاق، فإذا قال: ويها فكأنه قال له: تسلط 176، وفي الفصيح 177: «ويها: إذا زجرته عن الشيء أو أغريته به» ولكن في بعض نسخه: «وويها إذا حثثته على الشيء وأغريته به»، وصوب الناس هذا الكلام وصححوه - أعني ما في هذه النسخة من قوله: «إذا حثثته»، ومن ثمّ قال ابن درستويه في ويها: «إنما هي حضّ لا غير ولا يكون زجرا» 178. وأما «آمين»: فمعناها: استجب، وفيها لغتان: المدّ والقصر، قال الشاعر 179: 3612 - يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا... ويرحم الله عبدا قال آمينا 180 وقال الآخر: -

الحديث: 3611 - الجزء: 8 - الصفحة: 3864

................................  3613 - تباعد منّي فطحل أن سألته... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا 181 وأما «بسّ»: فمعناها: ارفق، قال في الصحاح 182: «البسّ: السّوق اللّيّن»، ولا شك أن اللين فيه رفق، فمن ثم قال المصنف: ولا رفق بسّ. لكن في الصحاح أيضا: «والإبساس عند الحلب: أن يقال للناقة: بس بس، وهو صوت للراعي تسكن فيه الناقة عند الحلب» 183 وهذا الكلام بظاهره يعطي أن هذه الكلمة اسم صوت. وأما «قرقار»: فمعناه: قرقر 184 قال في الصحاح 185: «يقال: قرقر البعير إذا صفا صوته ورجّع، وبعير قرقار الهدير إذا كان صافي الصّوت في هديره، وقرقرى على فعللى موضع، وقولهم: قرقار بني على الكسر وهو معدول، ولم يسمع العدل من الرباعي إلا في عرعار وقرقار. قال الراجز: 3614 - قالت له ريح الصّبا قرقار... واختلط المعروف بالإنكار 186

الحديث: 3613 - الجزء: 8 - الصفحة: 3865

................................  يريد: قالت له: قرقر بالرعد كأنه يأمر السحاب بذلك».
قال الشيخ 187: «ما ذكره المصنف من أن «قرقار» اسم فعل هو مذهب سيبويه 188، وكذلك قال في «عرعار» 189، وزعم المبرد أن سيبويه غلط في هذا وأن «قرقار» و «عرعار» حكاية للصوت 190، وحكى مثله عن المازني وأبي عمرو، قال 191: والأظهر ما ذهب إليه سيبويه، ومما يقوي ذلك وجود مثل «قرقار» - اسم فعل - في غير الأمر.
حكى ابن كيسان أنه يقال: همهام، وحمحام، ومحماح وبحباح أي: لم يبق شيء 192، وأنشد: 3615 - ما كان إلّا كاصطفاق الأقدام... حتّى أتيناهم فقالوا: همهام 193 وليعلم أن المصنف أهمل ذكر صيغة من الصيغ الدالة على معنى الأمر وهي صيغة «فعال» كـ «نزال» و «تراك» و «مناع» فإن هذه الثلاثة معناها: انزل [5/ 33] واترك، وامنع.
ولا شك أن أسماء الأفعال مبنية، وهي في الأصل مبنية على السكون 194 إلا أنها حركت لالتقاء الساكنين، قال ابن عصفور 195: «أو مناسبة للمعنى، لأن أسماء -

الحديث: 3615 - الجزء: 8 - الصفحة: 3866

الحديث: 3616 - الجزء: 8 - الصفحة: 3867

................................  3617 - فهيهات هيهات العقيق وأهله... وهيهات خلّ بالعقيق نواصله 199 وفي تائها الفتح وهو لغة الحجاز 200، والكسر وهو لغة تميم وأسد، والضم وهو لغة لبعضهم 201 وقرئ بهن 202، ولكن قراءة الجمهور بالفتح 203. وذكر ابن عصفور 204 أن فيها سبع عشرة لغة 205: هيهات وهيهاتا - بالفتح منونا وغير منون - ومنه قوله: 3618 - أتذكر أيّاما مضين من الصّبا... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها 206 و «هيهات» و «هيهات» - بالكسر منونا وغير منون - قرأ 207 أبو جعفر: (هيهات هيهات لما توعدون) بالكسر دون تنوين، وقرأ 208 عيسى بن عمر (هيهات هيهات) بالتنوين، و (هيهات هيهات) بالضم منونا وغير منون، وقرأ 209 -

الحديث: 3617 - الجزء: 8 - الصفحة: 3868

................................  أبو حيوة 210 (هيهات هيهات لما توعدون) بالضم والتنوين، فأما قراءة عيسى الهمداني 211: (هيهات هيهات) بسكون التاء فعلى نية الوقف.
و «أيهات» و «أيهاتا» بالفتح منونا وغير منون.
و «أيهات» و «أيهات» بالكسر منونا وغير منون.
و «أيهاك» والكاف للخطاب.
و «إيها» و «أيها» بكسر الهمزة وفتحها.
و «هيها» بحذف التاء.
و «هيهن» بفتح النون، و «أيهان» و «أيهان» بكسر النون وفتحها 212. ثم إنه 213 أطال الكلام في هذه الكلمة أعني «هيهات» وقال: «إن الألف فيها منقلبة عن «ياء» أصلية 214 كما أن الألف في «حاحيت» منقلبة عن «ياء» أصلية، والأصل: حيحيت، وقلبت في الموضعين كراهية اجتماع الأمثال، قال: ولا يجوز أن يجعل الألف في «هيهات» زائدة فتكون من لفظ «هيه» ومعناه من حيث كانت بمعنى «بعد»، و «هيه» زجر وإبعاد؛ لأن قوله 215: 3619 - هيهات من منخرق هيهاؤه 216 -

الحديث: 3619 - الجزء: 8 - الصفحة: 3869

................................  يدل على أنها من باب «حاحيت» ألا ترى أن المعنى: بعد بعده كما قالوا: جنّ جنونه 217، وك «ضلّ ضلالنا» من قول أمية: 3620 - لولا وثاق الله ضلّ ضلالنا... ولسرّنا أنّا نتلّ فنوأد 218 فبنى من «هيهات» مصدرا على «فعلال» كـ «القلقال» و «الزّلزال» وأيضا فإن «الهيه» فاؤه ولامه من جنس واحد كـ «قلق» و «سلس» وهو باب قليل، وباب «حيحيت» أكثر منه.
وإذا كان كذلك فحمله على الأكثر أولى، وإذا ثبت أنها من باب «حيحيت» كانت «هيه» منها كـ «سلس» من «سلسل» و «قلق» من «قلقل» و «جرج» من «جرجر» 219 انتهى 220. وأورد الشيخ ذلك في شرحه 221 مقررا له دون نسبة إلى أحد، ولا يظهر لي ذلك؛ فإن أسماء الأفعال مبنية والمبني ليس له اشتقاق فلا يدخله تصريف.
ثم قال ابن عصفور بعد كلامه المتقدم: «ومن فتح الفاء منها كتبها بالهاء لأنها إذ ذاك واحدة كـ «أرطاة» 222 ومن كسرها كتبها تاء على لفظها لأنها جمع.
والدليل على ذلك وقف العرب على المفتوحة بالهاء وعلى المكسورة بالتاء، قال: وأما إذا ضمّت التاء فإن أبا الفتح يرى كتبها بالهاء؛ لأن أكثر القراءة «هيهات» بالفتح والفتح يدل على الإفراد، وأجاز في الضمة أن تكون بناء والأصل السكون إلا أن التاء حركت لالتقاء الساكنين، كما حرك بعضهم نون المثنى بالضم لالتقاء الساكنين، وأجاز أيضا أن تكون الضمة إعرابا على أن تكون الكلمة بمعنى: البعد، ولم تجعل اسما للفعل فتبنى، قال: وأما أبو علي فيرى كتبها إذا ضمّت بالتاء لأنه يرى أن التاء إنما ضمت في الجمع، وسبب ذلك عنده أنه جاء في هذه اللغة على صورة الرفع، وفي لغة من كسر التاء على صورة النصب، والمبنيات إنما تجيء على -

الحديث: 3620 - الجزء: 8 - الصفحة: 3870

................................  صورة الرفع في حال الجمع، ألا ترى أن «الذين» جمع وهو مبني وبعض العرب يستعمله بالواو في حال الرفع، فلذلك اعتقد في «هيهات» إذا كان مضموما أنه جمع، قال: فعلى قراءة من قرأ (هيهات هيهات لما توعدون) - بالرفع - يكون المجرور في موضع خبر «هيهات» وكذلك أيضا يكون المجرور في أحد قولي ابن جني، ويكون «هيهات» إذ ذاك مصدرا في الأصل 223، ويكون السبب في بنائها في قول أبي علي - قلة تمكنها وإبهامها وأنها بمنزلة الأصوات ولا يمكن أن تكون عنده اسم فعل لأن أسماء الأفعال لا موضع لها عنده من الإعراب 224. قال 225: فإن قال قائل: إذا كانت في حال كسر التاء أو ضمها جمعا لـ «هيهات» المفتوحة التاء؛ فهلا قالوا: هيهيات فقلبوا الألف ياء كما يقال في مصطفاة: مصطفيات، وفي أرطى: أرطيات؟ فالجواب: أن هذا إنما هو حكم المعرب، وأما المبني فإنه يحذف منه الألف في الجمع بالألف والتاء كما قالوا في جمع إلى: إلات 226 [5/ 34]. ثم قال: وهيهات تثنية: هيها، ثم إن ابن عصفور أطال الكلام في هذه الكلمة، واعلم أني لم أتحقق ما قاله، ثم إنه حكم بالجمعية مع حكمه أن الكلمة مبنية لقوله: «وأما المبني فإنه تحذف منه الألف» ولا شك أن المبني لا يجمع، وكذا لا يثنى، وقد حكم بأن «هيهات» تثنية «هيها».
وبعد فلم يتضح لي ما قاله، وأما كونه حكم بأن الكلمة قد تكون مصدرا؛ فإذا صحّ يقال له: لا مجامعة بين المصدر واسم الفعل، فتكلم على الكلمة اسم فعل ثم تكلم عليها مصدرا، كما أورد الكلام في «رويد» و «بله» ولا حاجة إلى خلط حكمها مصدرا بحكمها اسم فعل، وقد ذكر الشيخ في شرحه 227 غالب ما ذكره ابن عصفور دون أن ينسبه إليه، ثم قال 228: «والذي نختاره أن الضم في «هيهات» والكسرة ليست لأجل أنها جمع وأن «أيهان» و «هيهان» ليسا بمثنيين؛ بل يعتقد أن ذلك وغيره من الأوجه المذكورة فيها إنما هو من بلاغتهم واتساعهم في اللفظ الواحد -

الجزء: 8 - الصفحة: 3871

................................  كما تلاعبوا في لفظ «أفّ» ولفظ «ايمن» في القسم وأنها على كل حال اسم فعل في الخبر بمعنى: بعد، قال: ولا حجة في وقفهم على «هيهات» - بالفتح 229 - ولا على «هيهات» - بالكسر أو الضم - بالتاء؛ لأنه لا يجوز في «مسلمة» أن تقف بالتاء وفي «مسلمات» أن تقف بالهاء وإن كان قليلا فيكون هذا قد جاء على أحد الجائزين» انتهى.
والذي قاله الشيخ هو الحق ولا أدري كيف خفي هذا عن ابن عصفور؟ واعلم أن للمعربين في الآية الشريفة وهي قوله تعالى: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ 230 غير القول الذي ذكره ابن عصفور قولين: أحدهما: أن الفاعل مضمر تقديره: هيهات هو أي: التصديق الذي دل عليه المعنى، وقيل: الضمير المذكور يعود على الإخراج.
ثانيهما: أن اللام زائدة و «ما» فاعل 231. وأما «هيهات» الثانية فمقتضى كلام ابن عصفور أن يمنع كونها تأكيدا للأولى؛ لأنه قال في: 3621 - فهيهات هيهات العقيق وأهله الاختيار في «العقيق» أن يكون مرفوعا بالمتأخرة يعني على مختار البصريين 232. ثم قال: فإن قال قائل: كيف جعلت هذا من الإعمال مع أنه كان رفع «العقيق» بـ «هيهات» الأولى وجعل الثانية تأكيدا لها كما في نحو: قام قام زيد فإن قام الثانية تأكيد للأولى؟ فالجواب: أن ذلك عندي لا يسوغ لأن اسم الفعل إنما أتي به دون الفعل اختصارا، لأنك تقول: صه ونزال للواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، فتكراره -

الحديث: 3621 - الجزء: 8 - الصفحة: 3872

................................  للتأكيد 233 مناقض لما أريد به من الاختصار؛ فتأكيد الأولى إن كان الفاعل الضمير، وعلى هذا يكون في الثانية ضمير أيضا ويكون هذا التأكيد من قبيل توكيد الجملة بالجملة.
انتهى 234. ولا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكره، وبتقدير تسليم أن اسم الفعل إنما أتي به اختصارا لا يلزم أن لا يكرر توكيدا، ولو كان ذلك لازما لا متنع توكيد الحرف؛ لأن الحرف إنما عدل إليه قصدا للاختصار أيضا، فالحق أن «هيهات» الثانية في البيت لا يمتنع كونها تأكيدا للأولى، وكذا يكون الحكم في التي كررت في الآية الشريفة أيضا إذ لا مانع من ذلك 235. وأما قول ثعلب: إن هيهات هيهات مثل: هو جاري بيت بيت 236 - يعني أن الكلمتين ركبتا وصار حكمهما حكم الكلمة الواحدة - فقد استبعده ابن عصفور، ولا شك أن مثل هذا لا ينبغي التشاغل به.
وأما «سرعان» و «وشكان»: فإنهما اسمان لسرع والسين تضم وتفتح وتكسر مع سكون الراء 237، وكذا الواو من «وشكان» يجوز فيها الثلاث مع سكون الشين، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: مثلّثين.
وقد ذكر ابن عصفور الأوجه الثلاثة في «سرعان» مسندا ذلك إلى الجوهري، قال 238: وتستعمل خبرا محضا، وخبرا فيه معنى التعجب، حكى الجوهري 239 من كلامهم: لسرعان ما صنعت كذا: أي ما أسرع ما صنعت كذا، وقالوا: سرعان -

الجزء: 8 - الصفحة: 3873

................................  ذي إهالة 240 وهو مثل، وذلك أن بعض حمقاء العرب يقال: إنه اشترى شاة فسال لغامها 241 هزالا فتوهّمه شحما مذابا فقال لبعض أهله: خذ من شاتنا إهالتها فنظر إلى مخاطها فقال: سرعان ذي إهالة أي: سرعت ذي إهالة فـ «ذي» فاعل سرعان و «إهالة» منصوب على التمييز، وهو محول من الفاعل، التقدير: سرعان إهالة ذي.
وأما «وشكان» فإنما هو اسم لـ «وشك» ومعنى وشك: سرع، يقال: وشك يوشك وشكا: سرع، قالوا: وتستعمل «وشكان» موضع المصدر فيقال: عجبت من وشكان ذلك الأمر أي من سرعته، ذكر الشيخ ذلك في شرحه 242 وفي الارتشاف 243 أيضا.
وأما «شتّان»: فهو اسم لـ «افترق» 244 وقال ابن عصفور: إنه اسم لـ «بعد» وهو بعيد.
فإنه لو كان كذلك لكان مرادفا لـ «هيهات» فكان يذكر معها 245، قال ابن عصفور: وهو ساكن في الأصل إلا أنه حرك لالتقاء الساكنين وكانت الحركة فتحة إتباعا لما قبلها وطلبا للخفة، ولأنه واقع موقع الماضي والماضي مبني على الفتح فجعلت حركته 246 كحركته، قال: وزعم الزجاج أنه مصدر واقع موقع الفعل جاء على «فعلان» فخالف أخواته فبني لذلك 247، قال: فإن قيل لنا: فعلان في المصادر، قالوا: لوى يلوي ليّانا 248 وشنئته شنآنا، وأنت لو وضعت ليّانا وشنآنا موضع الفعل لبقيا على إعرابهما -

الجزء: 8 - الصفحة: 3874

................................  ولم يبنيا!! فالجواب: أنهما مصدران قد استعملا بعد فعلهما وتمكّنا؛ فإذا وقعا موقع فعلهما بقيا على إعرابهما وليس كذلك «شتان»، لأنك لا تقول: شتّ يشتّ شتّانا، وإنما استعمل في أول أحواله موضوعا موضع الفعل المبني فبني لذلك. انتهى. وأقول: مقتضى هذا الجواب أن تبنى المصادر الملتزم إضمار ناصبها كـ «سبحان الله» و «معاذ الله» 249. ثم قال ابن عصفور: «والأولى عندي أن يكون اسم فعل غير مصدر؛ لأن هذا البناء في المصادر ولم يجئ منه إلا «ليّان» و «شنآن» [5/ 35] وأسماء الأفعال أوسع في كلام العرب، وأكثر مما جاء من المصادر على فعلان» 250، ثم قال: «وزعم الأصمعي 251 أن العرب لا تقول: شتان ما بين زيد وعمرو وإنما تقول: شتان زيد وعمرو، وشتان ما زيد وعمرو، قال الشاعر 252: 3622 - شتّان هذا والعناق والنّوم... والمشرب البارد في ظلّ الدّوم 253

الحديث: 3622 - الجزء: 8 - الصفحة: 3875

................................  وقال الأعشى: 3623 - شتّان ما يومي على كورها... ويوم حيّان أخي جابر 254 وكان يرد قول ربيعة الرّقّي 255: 3624 - لشتّان ما بين اليزدين في النّدى... يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم 256

    • الدائم، إقامة المصدر مقام الوصف، وصحة رواية المبرد كما في المقتضب «والمشرب البارد والظل الدوم».
      والشاهد فيه: في «شتان» حيث استعمله بدون زيادة لفظ (بين) والبيت في ابن يعيش (4/ 37) والمفصل (ص 162)، وقد ذكره الزمخشري في أساس البلاغة (دوم) (1/ 288) والشطر الأول في المرتجل (ص 257) وأنشده ابن هشام في شرح شذور الذهب (ص 403) كالرواية التي بين أيدينا، وكذلك البغدادي في الخزانة (3/ 49، 57) والبيت في اللسان (دوم) وروايته كرواية المقتضب والمخصص وقال: «ويروى: في الظل الدوم».

الحديث: 3623 - الجزء: 8 - الصفحة: 3876

................................  ويقول: إنه ليس بحجة 257، قال: وكان الذي حمله على ذلك أن «شتان» بمعنى: تباعد وتباعد عنده كتقاطع؛ يحتاج إلى فاعلين 258، والذي يجيزه يجعله بمنزلة «بعد»، فكما يجوز بعد ما بين زيد وعمرو كذلك يجوز: شتان ما بين زيد وعمرو».
انتهى.
وفي شرح الشيخ 259: «ذهب الأصمعي إلى أن شتان مثنى وهو بمنزلة سيّان زيد وعمرو يعني في كونه يقتضي خبرا مثنى أو بالعطف نحو: شتان الزيدان أو شتان زيد وعمرو، فـ «شتان» خبر مقدم وما بعده مبتدأ، ولا يكون بعده مفرد لئلا يخبر بمثنى عن مفرد، قال الشاعر: 3625 - شتّان هذا والعناق......... البيت وقد تزاد بينهما «ما» قال الشاعر: 3626 - شتّان ما يومي على.......... البيت ولا يجوز عنده: شتان ما بين زيد وعمرو 260 وذكر رد الأصمعي قول ربيعة الرقي: 3627 - لشتّان ما بين اليزيدين...... البيت لأن ربيعة مولد 261، وقد رد على الأصمعي بأن «شتان» لو كان مثنى ما فتحت نونه، وبأنه لو كان ما بعده مبتدأ لجاز فيه التقديم فكنت تقول: زيد وعمرو شتان، والعرب لم تقل هذا» 262 انتهى.
والحق أن «شتان» اسم فعل لا يتجاوز ذلك وأنه اسم فعل لـ «افترق» كما قال المصنف.
وأما «بطآن»: فقد قال المصنف: إنه اسم لـ «أبطأ»، لكن قال في الصحاح: - - (ص 119) وابن يعيش (4/ 37، 68) والمفصل (ص 163) وشرح شذور الذهب (ص 404) والخزانة (3/ 45) وانظر شرح البيت في المفضل في شرح أبيات المفصل بهامش المفصل (ص 163، 164).

الحديث: 3625 - الجزء: 8 - الصفحة: 3877

................................  «البطء نقيض السّرعة تقول فيه: بطؤ مجيئك فأنت بطيء ولا تقل: أبطأت، وقد استبطأتك، ويقال: ما أبطأ بك وما بطّأ بك بمعنى، وتباطأ الرّجل في مسيره، وبطآن ذا خروجا أي بطؤ ذا خروجا، فجعلت الفتحة التي في بطؤ على نون بطآن، حين أدت عنه ليكون علما لها، ونقلت ضمة الطاء إلى الباء، وإنما صح فيه النقل لأن معناه التعجب أي: ما أبطأه، أبو زيد: أبطأ القوم إذا كانت دوابّهم بطاء» 263. هذا كله كلام الجوهري رحمه الله تعالى. وأما الذي لغير المضي مما هو موضوع للخبر أيضا فعشر كلمات وهي: «واها» و «وي» و «أوّه» و «أفّ» و «أخّ» و «كخّ» و «هاء» و «بجل» و «قطّ» و «قد». أمّا «واها» و «وي»: فمعناهما واحد، وهما اسمان لـ «أعجب» قال الشاعر: 3628 - واها لسلمى ثمّ واها واها... هي المنى لو أنّنا نلناها 264 وقال الآخر: 3629 - وي كأنّ من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ 265

الحديث: 3628 - الجزء: 8 - الصفحة: 3878

................................  وإذا قيل: ويك فـ «الكاف» للخطاب 266، قال الشيخ 267: «وذهب الكسائي 268 إلى أن ويك محذوفة من ويلك فالكاف على هذا مجرورة بالإضافة، قال الشاعر: 3630 - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها... قول الفوارس: ويك عنتر قدّم 269 يريد: ويلك، وأما قوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ 270 فقال أبو الحسن 271: هو ويك كأنه قال: أعجب لأن الله يبسط الرزق، وذهب الخليل وسيبويه 272 إلى أنه: وي، ثم قال 273: كأن الله يبسط الرزق» انتهى.
-

الحديث: 3630 - الجزء: 8 - الصفحة: 3879

................................  وقد ضم المصنف في شرح الكافية 274 إلى هاتين الكلمتين وهما: «واها» و «وي» كلمة ثالثة وهي «وا» وذكر أنها أقل استعمالا منهما، وأنشد شاهدا على ذلك: 3631 - وا بأبي أنت وفوك الأشنب... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب 275 وأما «أوّه»: فهي السم لـ «أتوجع» 276 وفيها لغات 277: «أوّه» وهي المشهورة، و «أوّه» قال الشاعر: 3632 - فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتها... ومن بعد أرض بيننا وسماء 278 و «أوّه» قال الشاعر 279: 3633 - أوّه من ذكرى حصينا ودونه... نقى هائل جعد الثّرى وصفيح 280 حرّك الهاء بالكسر إتباعا لما اضطر والقياس السكون 281. -

الحديث: 3631 - الجزء: 8 - الصفحة: 3880

................................  و «آوّه» و «أوتاه» و «أوناه» و «أه» و «أه» و «أوّ» و «أوه» و «آووه» و «أو» و «أوّ».
قال الشيخ 282: «وإذا صرّف الفعل منه قيل: أوّه وتأوّه آهة قال الشاعر: 3634 - إذا ما قمت أرحلها بليل... تأوّه آهة الرّجل الحزين 283 انتهى.
ولا شك أن «آهة» لا تلاقي «تأوّه» ولا «أوّه» أيضا، والظاهر أن «آهة» إنما تلاقي «أه» أو «أه»، والذي يظهر أن «آهة» ملاقية «أه» أو «أه» لفظا، وملاقية «تأوّه» معنى، فجاز انتصاب «آهة» بقوله «تأوّه» لملاقاتها له في المعنى كما يقال: أعطني عطاء.
وأما «أفّ» فهو اسم لأتضجر 284، وذكروا أن فيها تسع لغات: «أفّ»، «أفّ»، «أفّ»، «أف»، «أف»، «أف»، «أفا»، «تفّ»، «أفّي» ممالا، فالتنوين مع التنكير، وعدمه مع التعريف، والحركة في جميعها لالتقاء الساكنين، فمن كسر فعلى أصل التقائهما، ومن ضم فللإتباع، ومن فتح فللتخفيف 285، وقد ذكر المصنف أنها تؤنث بالتاء فتنتصب مصدرا، وتقدم له في باب المفعول المطلق أن عامل المصدر يحذف وجوبا إذا كان بدلا من اللفظ بفعل مهمل أو مستعمل ومثّل للمهمل بقوله: أفّة، وتفّة.
قال الجوهري: «يقال: أفّا له، وأفّة، وتفّة، وقد أفّف تأفيفا إذا قال: أفّ، وفيه ست لغات حكاها الأخفش: أفّ، أفّ، أف، أف، أفا، أف، ويقال: أفّا، وتفّا، وهو إتباع له، وقولهم: كان ذلك على أف ذاك وإفّانه - بكسرهما - أي -

الحديث: 3634 - الجزء: 8 - الصفحة: 3881

................................  حينه وأوانه، وجاء على تثفّة ذاك مثال: تعفّة ذاك وهو تفعلة» 286، انتهى. وفهم من قوله: «قولهم: كان ذاك على إفّ ذاك وإفّانه أي حينه» أن «أفّك» يكون للحين وحينئذ يخرج عن الباب. وأما «أخّ» و «كخّ»: فهما اسمان لـ «أتكره» 287 روي أن الحسن 288 - رضي الله تعالى عنه - أخذ تمرة من تمر الصّدقة فجعلها في فيه فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كخّ كخّ» 289 حتّى ألقاها من فيه. وأما «هاء»: فهي اسم لـ «أجيب» 290. وأما «بجل» و «قط» و «قد»: فهي اسم لـ «أكتفي» 291، وأشار المصنف بقوله: في أحد الوجهين إلى أن ثلاث الكلمات قد يستعملن على أن شيئا منها ليس اسم فعل. أما «بجل»: [5/ 36] فتكون حرفا معناه الجواب بمعنى «نعم» ويجاب بها الطلب والخبر 292. تقول: بجل في جواب: اضرب زيدا أي نعم اضربه، وفي جواب: قام زيد أي نعم قام، وقد تقدم في باب المضمرات أن هذه الكلمة أعني «بجل» قد تكون بمعنى «حسب» وعليه قول طرفة: 3635 - ألا بجلي من الشّراب ألا بجل 293

الحديث: 3635 - الجزء: 8 - الصفحة: 3882

................................  والفرق بينها بهذا المعنى وبينها اسم فعل أن ياء المتكلم إذا اتصلت بها وكانت اسم فعل وجبت نون الوقاية، وإذا كانت بمعنى «حسب» امتنعت النون 294، وعلى هذا يكون لهذه الكلمة التي هي «بجل» ثلاثة استعمالات 295:

  • تكون حرفا بمعنى «نعم».
  • واسما بمعنى «حسب» 296.
  • واسم فعل معناه: «أكتفي».
    وأما «قد» و «قط»: فيكونان بمعنى «حسب» 297 أيضا، فلا يكونان اسمي الفعل.
    وحكى الكوفيون أن من العرب من يقول: قط عبد الله درهم، وقد عبد الله درهم، وقط عبد الله درهم، وقد عبد الله درهم، فمن خفض «عبد الله» ورفع «قط» و «قد» جعلهما بمنزلة «حسب» إذ كانتا في معناها، ومن نصب «عبد الله» وبناهما على السكون جعلهما اسمين للفعل والمعنى: يكفي عبد الله درهم، ومن خفض بهما لم يلحقهما نون الوقاية إذا أضافهما إلى ياء المتكلم كما لا تلحق النون «حسب»، ومن نصب بهما ألحقهما النون لأنهما اسما فعل والياء منصوبة بهما 298، وقد تقدم الكلام عليهما أيضا في باب المضمر.
    - - ألا إنني أشربت أسود حالكا الشرح: قوله: «أسود حالكا» أراد به كأس المنية، وقيل: أراد شرابا فاسدا، وقال بعضهم: أراد: السّمّ، يقول: كأنني سقيت سمّا فقتلني وهذا مثل ضربه لفساد ما بينه وبينها، والحالك: الشديد السواد، و «بجلي» أي حسبي.
    والشاهد فيه: مجيء «بجل» بمعنى «حسب»، والبيت في نوادر أبي زيد (ص 307) والمغني (ص 112). وانظر التذييل (6/ 208).

الجزء: 8 - الصفحة: 3883

................................  وفي شرح الشيخ 299 «قال في البسيط 300: قطك اسم بمعنى حسب أي اكتف، وهي ساكنة الطاء مفتوحة القاف ليس إلّا، تقول: رأيته مرة واحدة فقط، فإذا أضفت إلى النفس قلت: قطني بنون الوقاية بمنزلة «عنّي» تقيه من الكسر 301، وإن شئت قطي بحذف النون، وإن شئت قط بالكسر لتدل على الياء، وإذا أضفت إلى غيرك قلت: قطك وقطكما، [وقطكم] وقطكنّ، وهي محذوفة إما عن مضعّف أو غير ذلك» انتهى. وقد تبين ما أراده المصنف بقوله بعد ذكر الكلمات الثلاث: في أحد الوجهين. وأما كون «قد» يكون حرفا مصاحبا للأفعال فمعلوم ولم يرده المصنف، لأنه إنما يريد «قد» التي هي اسم، نعم «قط» تستعمل ظرفا وقد مرّ ذكرها في الظروف. وفيها إذا كانت ظرفا لغات من جملتها أن تكون مفتوحة القاف ساكنة الطاء خفيفتها كالنطق بها إذا كانت غير ظرف 302، فعلى هذا يكون لهذه الكلمة ثلاثة استعمالات أيضا 303. قال الشيخ 304: قد انقضت أسماء الأفعال غير الظروف والمجرورات والمشتقة من المصادر والمعرّفة باللام التي أوردها المصنف وهي إحدى وثلاثون كلمة، ثم قال: وقد نقص المصنف أن يذكر كلمات أخر هي من أسماء الأفعال التي ليست ظروفا ولا حروف جر ولا مشتقة من المصادر. فمنها: لبى خفيفة الباء: بمعنى أجيبك، ومنها: أولى لك: هو اسم لـ «دنوت من الهلاك» 305 قاله الأصمعي في قول الشاعر: 3636 - فأولى لنفسي أولى لها 306

الحديث: 3636 - الجزء: 8 - الصفحة: 3884

................................  وقال تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (34) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى 307، لكن نقل 308 عن صاحب البسيط أنه قال: «أولى استعمل في الوعيد في قوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ونحوه وهو بمعنى: وليه الشرّ وما يكرهه 309، ولا يكون اسما للفعل فيكون «لك» فيها بمنزلة: هلم لك؛ لأن اسم الفعل لا يعرب وهذا قد أعرب لأن أبا زيد حكى رفعه مؤنثا في قولهم: أولاة 310، وإذا بطل هذا وبطل أن يكون أفعل من كذا على أن يكون المعنى: هو أولى بذلك من غيره، أي الوعيد أولى لك من غيرك، لأن أفعل من كذا لا يؤنث بالهاء، وقد نقلنا عن أبي زيد تأنيثه صحّ أنه «أفعل» اسما بمنزلة «أحمد» استعمل علما في الوعيد فامتنع من الصرف، ومن أدخل الهاء جعله اسما مؤنثا مثل: «أرملة» و «أضحاة» 311 وامتنع من التنوين للعلمية في الوعيد والتأنيث، وعلى هذا فقوله تعالى: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى: «أولى» مبتدأ و «لك» الخبر 312، وحذف حرف الجر الثاني لدلالة الأول عليه، وقول الشاعر 313. 3637 - أولى فأولى يا امرأ القيس بعد ما... خصفن بآثار المطيّ الحوافرا 314

    • هممت بنفسي بعض الهموم والشاهد فيه: مجيء «أولى لك» اسم فعل بمعنى: دنوت من الهلاك - وانظر البيت في الكامل (2/ 338) والخصائص (3/ 44) وأمالي الشجري (1/ 243)، (2/ 325).

الحديث: 3637 - الجزء: 8 - الصفحة: 3885

................................  والمعنى في البيت: بعد ما خصفن بآثار قوائم المطي آثار الحوافر» انتهى 315، وعلى هذا لا يكون «أولى» اسم فعل، قلت: وهو الظاهر.
ومنها «دهدرّين»: اسم لـ «بطل» 316، وفي الأمثال: «دهدرّين سعد القين» 317 و «سعد» مرفوع به أي بطل سعد القين، و «دهدرّين» تثنية لا تشفع الواحد وإنما هي توكيد، كأنه قيل: بطل بطل، وقيل: الدّهدر والدّهدن الباطل، وأصله أن القين مضروب به المثل في الكذب، ثم إن قينا ادعى أن اسمه سعد زمانا ثم تبين أن دعواه كاذبة فقيل له ذلك أي جمعت باطلين يا سعد.
فـ «دهدرّين» نصب بفعل مضمر وهو «جمعت» و «سعد» منادى مفرد، و «القين» صفة له، ذكر الشيخ ذلك في الارتشاف 318. ولا شك أن كون «دهدرّين» مفعولا بفعل مضمر أقرب وأولى بل هو المتعين إذ لا يتعقل فيه كونه اسم فعل.
ومنها «دع»: وهي لا يخاطب بها إلا العاثر فيقال له إذا عثر: دع أي قم وانتعش، فمن لم ينون جعله معرفة، ومن نون جعله نكرة، ومثلها: «دعدعا» و «لعا» إلا أنهما لم يستعملا إلا نكرة.
ومنها «النجاء»: وهو اسم لـ «انج» وتلحقها الكاف حرف خطاب فتقول: النّجاءك 319. ومنها «فداء» تقول: فداء لك فلان: تقول العرب: فداء لك أبي وأمي، الأصل: جعل الله أبي وأمي فداءك وجعل الله فلانا فداءك، ثم جعل أمرا لذلك المفادى فقيل: - - والشاهد فيه: أن «أولى» علم للوعيد وليس اسم فعل، والبيت في المفضليات للضبي (ص 306) والخصائص (2/ 306)، وشرح المفضليات للتبريزي (ص 1075)، واللسان (حفر)، و (خصف).

الجزء: 8 - الصفحة: 3886

................................  ليفدك فلان، ثم جعل فداء لك موضعه فهو اسم لقوله: ليفدك، قال الشاعر: 3638 - مهلا فداء لك الأقوام كلّهم... وما أثمّر من مال ومن ولد 320 يروى على ثلاثة أوجه: فداء بالكسر اسم فعل مبني، وبالفتح على المصدر، والرفع على الابتداء والخبر أي: الأقوام فادون لك.
وإذا نون [5/ 37] كان نكرة لأنهم أرادوا: يفديك في ضرب من الضروب 321. وفي الإفصاح 322 أجاز أبو علي في «فدى» أن يكون بمنزلة قول العرب: فداء بالمد والكسر، وكسره دال على بنائه وبناؤه دال على أنه اسم فعل لأن الدعاء بمنزلة الأمر، والتنوين فيه للتنكير وكأنه قال: لتفدك نفسي على معنى الدّعاء 323. ويضعف عندي 324، لأني لم أجد اسم فعل في غير الخبر رفع الظاهر، فالمعنى: أن يكون اسم «يفدي» فيرفع الظاهر كما يرفع اسم الفعل بمعنى الخبر نحو «هيهات» و «شتان» و «سرعان» وأجاز ذلك أبو علي إلا أنه قال: «الأول أكثر وأقيس؛ وذلك لأن أسماء الأفعال بمعنى الأمر والنهي أكثر منها بمعنى الخبر، والدعاء بمنزلة الأمر» 325 وصدق إلا أن رفعها الظاهر غير موجود، وليس لأفعال الأمر من التصرف ما للأفعال أنفسها حتى يكون لفظها يأتي بمعنى الدعاء والأمر كما يكون ذلك في صيغ أفعال الأمر، ولو كان كذلك كانت بمعنى اللام؛ لأن -

الحديث: 3638 - الجزء: 8 - الصفحة: 3887

................................  صيغة الأمر لا ترفع الظاهر وإنما يرفعه المضارع باللام، وهي كلها في ما علمت غير مقدرة باللام، ولو قدرت باللام جاز أن يؤمر بها الغائب ولم يجئ في كلامهم إلا «عليه رجلا ليسني» 326 و «عليه بالصّوم فإنّه له وجاء» 327 ولا يقاس على هاتين الكلمتين، وقد قالت العرب: فداء لك نفسي بالرفع على الخبر المقدم 328، فيحتمل المقصور الوجهين يعني: الرفع على الخبر وأن يكون اسم فعل.
انتهى 329. ومنها «همهام»: قال 330: «وقد ذكرناها فيما عنّ لنا ذكره في الشرح، وشرحها بعضهم بأنها اسم لقوله: لم يبق 331، وقال بعضهم: هي اسم لـ «فني» 332 وفيها لغات: همهام، وحمحام، ومحماح وبحباح، قال الشاعر: 3639 - أولمت يا خنّوت شرّ إيلام... في يوم نحس ذي عجاج مظلام ما كان إلّا كاصطفاق الأقدام... حتّى أتيناهم فقالوا: همهام 333 وذكر 334 كلمتين أخريين: وهما: «هاه» ذكر أنها اسم لـ «قاربت» 335، -

الحديث: 3639 - الجزء: 8 - الصفحة: 3888

................................  و «أولاه» ولم يذكر لها المصنف معنى 336 ثم قال 337: فهذه تسع كلمات استدركناها على المصنف».
وأقول: لم يلتزم المصنف ذكر أسماء الأفعال كلها فيستدرك عليه ما لم يذكره وكيف وهو قد قال: «فمنها لخذ كذا، ومنها لكذا كذا، ومنها لكذا وكذا، ولم يقل: وهي كذا وكذا، وقد كان ينبغي أن يستدرك أيضا نحو: نزال ودراك مثلا فإنه لم يذكرهما، ثم إن الكلمات التي ذكرها تحتاج إلى إقامة دليل على تعين كونها أسماء أفعال، وقد عرفت أن بعضها لم يتعين فيه ذلك وهو: «أولى لك» و «دهدرّين»، وبعضها يمكن فيه المنازعة مع أنه قد قيل في «النجاء»: إنه مصدر 338. وأما «فداء» فإنه موقوف على ثبوت وروده عن العرب مبنيّا على الكسر.
وأما «دع» فالظاهر أنها فعل وهو: دع الذي معناه: اترك، وإذا ثبت استعمالها لمعنى آخر فقد يكون ذلك بطريق التضمين.
وأما «أولاه» فلم يتحقق معناه، وكذا «لبى».
وأما «همهام» فهو قد مثّل بها لما أراده المصنف بقوله: «وقد تضمّن معنى نفي» 339 فإن كان التمثيل صحيحا فالمصنف قد ذكرها لأنه أرادها حيث قال: إن اسم الفعل قد يضمن معنى النفي، وإن كان المصنف لم يردها فيكون تمثيل الشيخ بها غير صحيح.
وأما «هاه» فلم يذكر لها شاهدا من كلام العرب.
واعلم أن «هات» و «تعال» فعلان لا يتصرفان 340، وقد غلط من ادعى أنهما اسما فعلين 341، ويدل على الفعلية: اتصال ضمائر الرفع البارزة بهما وجوبا، نبّه -

الجزء: 8 - الصفحة: 3889

................................  المصنف على ذلك في شرح الكافية 342، وقد قال الله تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ 343، وقال تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ 344 قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا 345، فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ 346، ومن شعر العرب قول القائل: 3640 - إذا قلت هاتي نوّليني تمايلت... عليّ هضيم الكشح ريّا المخلخل 347 وقول الآخر: 3641 - تعالي فانظري بمن ابتلاني 348 ويقال: هاتيا وتعاليا 349، قال في شرح الكافية 350: «وحكى الجوهري أن بعض العرب يصرف هات فيقال: هاتى يهاتي مهاتاة» 351.

الحديث: 3640 - الجزء: 8 - الصفحة: 3890

[أسماء الفعل المنقولة من ظرف وجار ومجرور]

قال ابن مالك: (ومنها ظروف [وشبهها جارة ضمير مخاطب كثيرا وضمير غائب قليلا] كـ «مكانك» بمعنى «اثبت» و «عندك» و «لديك» و «دونك» بمعنى «خذ» و «وراءك» بمعنى «تأخّر» و «أمامك» بمعنى تقدّم و «إليك» و «إليّ» [بمعنى] «تنحّ» و «أتنحّى» و «عليك» و «عليّ» و «عليه» بمعنى «الزم» و «أولني» و «ليلزم»).
قال ناظر الجيش: أسماء الأفعال الدالة على الأمر قسمان: أحدهما: ما وضع اسما للفعل في أول الأمر نحو: نزال، ودراك، وهلمّ، ثانيهما: ما كان في الأصل ظرفا أو جارّا ومجرورا فنقل وسمّي به الفعل، ولما أنهى المصنف الكلام على القسم الأول شرع في ذكر القسم الثاني، وهذا النوع لا يستعمل إلا متصلا بضمير مخاطب، وشذ قولهم: «عليه رجلا» بمعنى: ليلزم، وعليّ الشّيء بمعنى: أولنيه.
وإليّ بمعنى: أتنحّى 352، ذكر المصنف ذلك في شرح الكافية 353. وينبغي أن يعلم أن في «إليّ» بمعنى: أتنحّى شذوذا آخر وهو استعماله في الخبر دون الأمر، لكن لقائل أن يقول: إن معنى: إليّ: لأتنح؛ فيكون أمرا أمر المتكلم به نفسه، وعلى هذا إنما يكون فيه شذوذ واحد وهو اتصاله بضمير المتكلم، وقد يقال: إن قائل هذا إنما قاله جوابا لمن قال له: إليك أي تنحّ فقال: إليّ كأنه قال هذا منكرا على من قال له: إليك، فأعاد اللفظ الذي يقصد إنكاره على قائله له كأنه يقول: أإليّ؟ أي أتأمرني بالتّنحّي وتقول لي هذا اللفظ؟ وعلى هذا فلا يكون «إليّ» اسم فعل، وإنما هي كلمة قصد بها الإنكار على من أمره بمثلها فأعاد اللفظ مضافا إلى نفسه كأنه يقول: أتنحّيني عن مكاني؟ ثم قد عرف من قول المصنف: كمكانك بمعنى: اثبت، وعندك، ولديك، -

الجزء: 8 - الصفحة: 3891

................................  ودونك، بمعنى: خذ، ووراءك بمعنى: تأخر، وأمامك بمعنى: تقدم، إلى آخر كلامه - أن من هذه الكلمات ما وضع موضع فعل متعدّ، ومنها ما وضع موضع فعل لازم، فيكون حكم اسم الفعل في التعدي واللزوم حكم الفعل الذي هو بمعناه.
وفي شرح الإيضاح 354 لابن [5/ 38] عصفور: «وهذه الظروف والمجرورات منها ما وضع موضع فعل متعد وهو: عليك ودونك، وكما أنت في قولهم: كما أنت زيدا، ولديك وكذاك في قول الشاعر: 3642 - يقلن وقد تلاحقت المطايا... كذاك القول إنّ عليك عينا 355 ومنها ما وضع موضع فعل غير متعد وهو: وراءك، وأمامك، وإليك، ومنها ما وضع تارة موضع فعل متعد وتارة موضع فعل غير متعد وهو: مكانك وعندك، ثم ذكر أن عليك وضعت موضع متعد إلى واحد تارة وموضع متعد إلى اثنين أخرى.
فمثال الأول: عليك زيدا، ومثال الثاني: قول العرب: عليّ زيدا: الأصل فيه: اعطف عليّ زيدا واردد عليّ زيدا، فحذف العامل وأنيب «على» منابه وضمّن الكلام معنى: ناولني زيدا» انتهى 356. ولقائل أن يقول: الذي تعدى إلى اثنين على قوله إنما هو «عليّ» لا «عليك»، ثم لم أتحقق قوله «إن الكلام ضمّن معنى: ناولني زيدا» وليس لـ «ناولني زيدا» معنى في هذا التركيب، والأقرب ما قاله المصنف من أن معناها: أولني و «أولى» يتعدى إلى مفعولين، ومن ثمّ قالوا: إن «عليّ» لها في اللفظ مفعول واحد وفي المعنى مفعولان، نابت الياء مناب أحدهما، ولو قيل: إن «على» مع مجرورها إذا نقلت وجعلت اسم فعل إنما تتعدى إلى واحد سواء أكان المتصل بها الكاف أو الياء لكان قولا، أما إذا اتصلت الكاف بها فظاهر، وأما إذا اتصلت بها الياء - مع قلة ذلك - فوجهه أن المتكلم بها آمر نفسه، فمعنى «عليّ زيدا» لألزم زيدا، يأمر الإنسان نفسه باسم الفعل كما يأمرها بالفعل.
-

الحديث: 3642 - الجزء: 8 - الصفحة: 3892

................................  وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى ألفاظ الكتاب فنقول: قوله: كمكانك بمعنى: اثبت يفيد أن مكانك لا يتعدى، وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن مكانك يوضع موضع ما هو متعد وما هو غير متعد، قال ابن عصفور 357: «ولم يحفظ البصريون إلا كون هذه الكلمة لازمة، وحفظ الكوفيون كونها متعدية بمعنى: انتظر، فيقولون: مكانك زيدا» انتهى. ولا شك أن إثبات كونها متعدية يحتاج إلى دليل. وقوله: وعندك ولديك ودونك بمعنى: خذ - يفيد أن ثلاث الكلمات متعدية. أما «عندك» فقد ذكر ابن عصفور أنها تستعمل لازمة كما تستعمل متعدية، ولم يستشهد على ذلك بشيء، وتبعه الشيخ في ذلك فقال 358: «وتكون لازمة فتستعمل بمعنى تخوّف وتقدّم» 359. وأقول: إن ذلك يحتاج إلى دليل، ثم كيف يكون معنى «عندك» تقدّم. ولا شك أن الأمر بالتقدم ينافي قوله: عندك؟ وأما «دونك» فأثبتها ابن عصفور متعدية؛ لكن قال الشيخ: 360: «وتستعمل لازمة بمعنى تأخّر، ولم يذكر على ذلك شاهدا، وأنشد لجرير: 3643 - أعيّاش قد ذاق القيون مرارتي... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطلي 361

الحديث: 3643 - الجزء: 8 - الصفحة: 3893

................................  أي: خذ النار فاصطلي».
وأما قوله: ووراءك بمعنى: تأخّر، وأمامك بمعنى: تقدّم - فواضح.
وأما قوله: وإليك وإليّ... إلى آخره - فـ «تنحّ» راجع إلى «إليك» و «أتنحّى» راجع إلى «إليّ» 362 قال الشيخ 363: «هذا الذي ذكره هو مذهب البصريين أي في كونها لازمة 364 وزعم الكوفيون 365 أنها تتعدى فتقول: إليك زيدا أي: أمسك زيدا، ولذلك اختلفوا في قوله: 3644 - إذا التّيّاز ذو العضلات قلنا... إليك إليك ضاق به ذراعا 366 فقدره البصريون: تأخّر تأخّر، وقدره الكوفيون: أمسك أمسك، قال 367: والصحيح ما ذهب إليه البصريون إذ لا يحفظ من لسان العرب متعديا، لكنه - - والشاهد في البيت: قوله: «دونك» فإنه اسم فعل بمعنى: خذ، والبيت في نوادر أبي زيد (ص 360) والإيضاح للفارسي (ص 165) وشرح ألفية ابن معط (ص 1164) وذكر الشارح أن «دونك» في البيت بمعنى: ادن واقرب فهي على هذا المعنى لازمة، ومعناه: أنه رجل داه.

الحديث: 3644 - الجزء: 8 - الصفحة: 3894

................................  قال 368 - تبعا لابن عصفور - وساغ أن يتعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل في اللفظ لأنه في التقدير على حذف مضاف أي إلى جهتك». انتهى. وهو كلام عجيب فإنه يقتضي أن اسم الفعل هو «إليّ» (2) وحدها، وأنها ناصبة للكاف، وليس الأمر كذلك بل «إليك» (3) بجملته هو اسم الفعل نقل وسمي به، وبعد النقل لا نظر إلى أجزاء الكلمة، وليس ثمّ إلا ضمير واحد مرفوع بجملة «إليك» 369 الذي هو اسم الفعل وهذا أمر لا يرتاب فيه ولا يجوز أن يظن خلافه. وأما قوله: وعليك وعليّ وعليه بمعنى: الزم وأولني وليلزم - فالأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، فمعنى عليك زيدا: الزم زيدا، ونقل ابن عصفور 370 عن المازني أن الأصل فيه: خذ زيدا من عليك أي من فوقك، فحذف حرف الجر ووصل فعل الأمر بنفسه، ثم حذف فعل الأمر وأقيم الظرف الذي هو عليك مقامه، قال: حكى ذلك عنه السيرافي، قال 371: وكأن الذي حمله على إضمار حرف جر أنه رأى العرب لا تقول: خذ زيدا عليك، وتقول: خذ زيدا من عليك أي من فوقك 372 بإدخال من على «على» كما دخلت عليها في قول الشاعر 373: 3645 - غدت من عليه.......... البيت 374

الحديث: 3645 - الجزء: 8 - الصفحة: 3895

................................  قال ابن عصفور: «ما ذهب إليه باطل عندي لما فيه من تكلف إضمار حرف جر من غير داعية إليه إذ يمكن أن يكون التقدير: أمسك عليك زيدا كما قال تعالى: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ 375، وكذلك قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ 376 تقديره: أمسكوا عليكم أنفسكم أي امنعوها من أن تقع في ضلال 377، ولا يكون الفعل المضمر العامل في «عليك» أمسك في كل موضع بل يقدر على حسب ما يساعد المعنى عليه؛ ألا ترى أنك لو قلت: عليك الصوم لكان التقدير: أوجبت عليك الصوم، لأن تقدير: أمسك لا يساعد عليه المعنى» انتهى.
وما ذكره غير ظاهر: أما أولا: فلأنه بنى الأمر على أن أسماء الأفعال معمولة لعوامل مقدرة، وأنها في موضع نصب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة وبيان أنها لا موضع لها من الإعراب.
وأما [5/ 39] ثانيا: فلأنه إذا جعل التقدير في: عليك زيدا: أمسك عليك زيدا - خرج «عليك» عن أن يكون اسم فعل ويكون انتصاب الاسم الواقع بعد «عليك» بذلك الفعل المقدر، و «عليك» متعلقة به؛ لأنا إذا قدرنا «أمسك» مثلا خرج «عليك» عن أن يكون بمعنى: الزم قطعا، وبخروجها عن ذلك تخرج عن أن تكون في هذا التركيب اسم فعل، وكذا ما نسب إلى المازني من أن أصل الكلام: خذ زيدا من عليك أي من فوقك - لا معول عليه.
والحق أن «عليك» من: عليك زيدا بمعنى الزم وهي الناصبة لـ «زيد» وذلك أن هذا الجار والمجرور الذي هو «عليك» وما أشبهه قد كان معمولا لشيء ثم نقل وسمي به الفعل ووجب قطع النظر عن الحالة التي كان عليها أولا 378. وبعد، فالذي ذكره ابن عصفور لم يتجه لي تقريره، وكذا ما ذكره عن المازني - - والشاهد فيه: دخول من على «على» لأنها اسم في تأويل فوق كأنه قال: غدت من فوقه، والبيت في الكتاب (4/ 231)، والمقتضب (3/ 53) والكامل (2/ 82) والخزانة (4/ 253)، والمغني (ص 146)، والعيني (3/ 301) والتصريح (2/ 19)، والهمع (2/ 36) والأشموني (2/ 266).

الجزء: 8 - الصفحة: 3896

................................  أيضا وعلى الناظر أن يتأمل ويعمل بما يتضح عنده في هذه المسألة، ثم ليس المعنى في نحو: عليك الصّوم: أوجبت عليك الصوم، لأن «عليك الصوم» قد يقال لمن لا وجب عليه الصوم إذ الأمر بملازمة الشيء لا يلزم عنه الوجوب، فإنه يقال: عليك نوافل الطاعات، وعليك إيثار المحتاجين، وعليك إسداء المعروف، ولا شك أن المعنى في نحو هذه الأمثلة: الزم كذا الزم كذا.
وقد مشى الشيخ وراء ابن عصفور فقال بعد ذكره رأي المازني والإشارة إلى بطلانه كما ذكر ابن عصفور: «التقدير عندنا: أمسك عليك زيدا» انتهى 379. قالوا 380: وقد جاءت «عليك» متعدية بالباء، ومنه الحديث الشريف: «فعليك بذات الدّين» 381، وقال الأخطل: 3646 - فعليك بالحجّاج لا تعدل به... أحدا إذا نزلت عليك أمور 382 والذي يظهر لي أن «عليك» الذي هو بمعنى الزم ضمن معنى: استمسك فعدّي تعديته.
وأما «عليّ» فقد فسره المصنف بأن معنى «عليّ» أولني، وقد تقدم الكلام عليها، وتفسير ابن عصفور لها بـ «ناولني» والبحث معه.
وأما «عليه» فقد فسره المصنف بأن معناه: ليلزم، وقد عرفت أن إيلاء هذه الكلمات غير ضمير المخاطب قليل 383، ومن كلام العرب: «عليه رجلا ليسني» ذكره سيبويه 384. -

الحديث: 3646 - الجزء: 8 - الصفحة: 3897

[القياس على بعض هذه الأسماء]

قال ابن مالك: (ويقيس على هذه الكسائيّ وعلى قرقار الأخفش ووافق سيبويه في القياس على فعال).
وفي الحديث الشريف: «ومن لّم يستطع فعليه بالصّوم» 385. قال الشيخ 386: «الباء زائدة ويكون الصوم مبتدأ، كما زيدت في قولهم: بحسبك درهم» انتهى.
وأقول: إن ذلك إنما هو على التضمين أيضا كما قلنا في «فعليك بذات الدّين»، وما قاله الشيخ يلزم منه أن الصوم يكون واجبا على من لم يستطع الباءة 387 ولا قائل بذلك، وإنما معنى الحديث الشريف: أنه يلزم الصوم وذلك لأنه يكسر شهوته فيأمن على نفسه من العنت.
قال ناظر الجيش: يشير إلى مسألتين: الأولى: أن الظروف والمجرورات التي نقلت وصيرت أسماء أفعال يقتصر فيها على ما سمع، قال في شرح الكافية 388 بعد الإشارة إليها: «ولا يقاس على هذه الظروف غيرها إلا عند الكسائي فإنه لا يقتصر فيها على السماع بل يقيس على ما سمع ما لم يسمع».
وقال ابن عصفور 389: «اعلم أن عليك ودونك وأمثالهما من الظروف والمجرورات المسمى بها فعل الأمر على جهة الإغراء فيها خلاف، فذهب الكسائي إلى أن ذلك جائز في كل ظرف وجار إلا أن يكون على حرف واحد فإن ذلك لا -

الجزء: 8 - الصفحة: 3898

................................  يجوز فيه نحو: اللام والباء والكاف 390، وذهب البصريون إلى أن ذلك موقوف على السماع يحفظ ولا يقاس عليه 391، قال: والذي سمع من ذلك البصريون: عليك ودونك وعندك، ومكانك وإليك، وحكى الجوهري 392 الإغراء بلديك وأنشد: 3647 - فدع عنك الصّبا ولديك همّا... توقّش في فؤادك واختبالا 393 وحكى بعض أهل اللغة الإغراء بـ «كذاك» 394 وأنشد: 3648 - يقلن وقد تلاحقت المطايا... كذاك القول إنّ عليك عينا 395 وزعم الفراء أن الكسائي سمع: «كما أنت زيدا» وحكى الكسائي الإغراء بـ «بين» وذكر أنه سمع من كلامهم: «بينكما البعير فخذاه» 396، وليس عندي في ذلك دليل على الإغراء بـ «بين» لاحتمال أن يكون «البعير» منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده؛ فتكون المسألة إذ ذاك من الاشتغال بمنزلة قولك: يوم الجمعة زيدا فاضربه، ووجه إجازة الكوفيين ذلك في كل ظرف ومجرور ما عدا ما استثني كون الظروف والمجرورات في باب «الإغراء» معمولات لأفعال مضمرة حذفت للدلالة عليها، قالوا: وإضمار أفعال الأمر لدلالة الأحوال عليها جائز بقياس، ووجه -

الحديث: 3647 - الجزء: 8 - الصفحة: 3899

................................  قصر البصريين ذلك على السماع كون الأفعال لما حذفت عوضت منها الظروف والمجرورات وأعطيت حكمها فعملت في ما كان الفعل المضمر عاملا فيه، وتحملت ضمائر الفاعلين كما كان يتحمله الفعل المضمر، وتعويض لفظ من لفظ وإعطاؤه حكمه لا يجوز بقياس» انتهى 397. والتعليل الذي ذكره عن الفريقين مبني على أن أسماء الأفعال لها موضع من الإعراب، وسيتبين أن الحق خلاف ذلك.
المسألة الثانية: أن أسماء الأفعال المشاركة للفعل في الاشتقاق إنما تكون من الأفعال الثلاثية، وأن الوارد مما فعله زائد على الثلاثة موقوف على السماع، كقولهم: فمنه من مزيد الثلاثي: دراك بمعنى: أدرك، وبدار بمعنى: بادر 398 قال الشاعر: 3649 - بدارها من إبل بدارها... قد نزل الموت على صغارها 399 ومنه من الرباعي المجرد: «قرقار» و «عرعار» و «جرجار» 400، لكن الأخفش قاس على «قرقار» فأجاز أن يقال: قرطاس، وسرهاف، ودحراج، قياسا على ما سمع 401، قال المصنف في شرح الكافية 402: «من أسماء الأفعال: قرقار بمعنى: قرقر، وهو نادر، ومع ندوره عند [5/ 40] سعيد بن مسعدة الأخفش مقيس عليه، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه 403 من كون صوغ اسم الفعل مطردا من الثلاثي -

الحديث: 3649 - الجزء: 8 - الصفحة: 3900

................................  خاصة بشرط كونه على فعال» انتهى.
وأنكر المبرد كون «قرقار» اسم فعل وقال: «لم يأت في الرباعي عدل أصلا وإنما «قرقار» حكاية صوت الرعد، و «عرعار» حكاية صوت الصبيان» 404. لكن سيبويه حكم بأنهما معدولان 405. وذكر الشيخ في شرحه 406 «أن بعضهم يقصر اسم الفعل من الثلاثي على السماع أيضا فلا يجيز أن يقال: قوام ولا قعاد، يراد بذلك: قم واقعد، لأن في ذلك ابتداع اسم لم يتكلم به العرب، وإليه ذهب المبرد 407، قال: والصحيح ما ذهب إليه سيبويه لأن ذلك قد كثر كثرة تسوغ القياس، فيجوز عنده أن يقال: قوام بمعنى: قم، وضراب بمعنى: اضرب» 408 انتهى.
والحاصل: أن بناء «فعال» سائغ من كل فعل ثلاثي، وقد استثنى الشيخ الفعل الجامد كـ «يذر»، و «يدع» و «هب» والفعل الناقص نحو: «كان» و «بات» فإن «فعال» لا يبنى منهما 409، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى التنبيه عليه ولا سيما الفعل الجامد.
ثم إن من المعلوم أن «فعال» الذي هو اسم الفعل مبني على الكسر 410، وحكى الكسائي عن بني أسد بناءه على الفتح إتباعا للفتحة والألف طلبا للتخفيف، وذهب بعضهم إلى أن نحو «نزال» علم حملا على أخواتها في الوزن 411، ولا معول على ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 3901

[خلاف العلماء في موضع الضمير المتصل بها]

قال ابن مالك: (وسمع الأخفش من العرب الفصحاء: عليّ عبد الله زيدا، فموضع الضّمير البارز المتّصل بها وبأخواتها مجرور لا مرفوع خلافا للفرّاء، ولا منصوب خلافا للكسائيّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 412: «اختلف في الضمير المتصل بهذه الكلمات يعني بها: عليك وإليك وعندك ولديك وأخواتها؛ فموضعه رفع عند الفراء، ونصب عند الكسائي وجر عند البصريين 413 وهو الصحيح؛ لأن الأخفش روى عن عرب فصحاء: عليّ عبد الله - بجر عبد الله - فبينّ بذلك أن الضمير مجرور الموضع لا مرفوعه ولا منصوبه، ثم قال: ومع ذلك فمع كل واحد من هذه الأسماء ضمير مستتر مرفوع الموضع بمقتضى الفاعلية، فلك أن تقول في التوكيد: عليكم كلّكم زيدا - بالجر - توكيدا للموجود المجرور، وبالرفع توكيدا للمستكن المرفوع» انتهى.
وليعلم أنه لا وجه لقول الفراء في هذه المسألة؛ إذ ليس ثمّ عامل رفع فيدعى أن الكاف في موضع رفع به، ثم إن الكاف ليست من ضمائر الرفع، وكذا لا وجه لقول الكسائي فيها أيضا إذ ليس ثمّ عامل نصب لأن «على» عامل جر، وبتقدير أن تكون ناصبة فهي في «عليك» جزء كلمة، والكاف هي الجزء الآخر، وجزء كلمة لا يعمل في جزأيها، وإن كان الكسائي يذهب إلى أن أسماء الأفعال في موضع نصب بعامل مقدر فالذي هو في موضع نصب إنما هو «عليك» بتمامها لا الكاف وحدها.
والحق أنها في موضع جر كما هو مذهب البصريين لأن نحو: «عند» و «لدى» لا يستعمل إلا مضافا وكذا «على» و «إلى» لا يستعمل شيء منهما مفردا بل مع ما هو مجرور به، وقد شذّ وأبعد من قال: إن الكاف مع هذه الكلمات حرف -

الجزء: 8 - الصفحة: 3902

................................  خطاب 414، قال بعضهم 415: وهو موضع قد أشكل، لأنها إن كانت حرف خطاب فحرف الخطاب لا يؤكد وأنت تقول: عليك نفسك زيدا، قال 416: ويظهر من سيبويه أن تأكيدها قياس عنده فيها 417، وإن كانت مضافة والتسمية بالمجموع فجزء الاسم لا يؤكد لو سميت بعبد الله، لا تقول: مررت بعبد الله الرحمن، أو بالظرف أو الجار فقط لزم أن يضاف اسم الفعل، وللسيرافي ما هو كالجواب عن هذا الذي ذكر فإنه قال: التزم سيبويه الثاني، يعني أن الكاف ليست حرف خطاب وأن الأول مضاف إلى الثاني أو جار له، وانفصل عن ذلك بأنه روعي الأصل كما يسمى بـ «حارث» وهو يتوهم الصفة ولذلك دخلت عليه «أل» واعلم أن الشيخ قال 418: «في جر عبد الله من قولنا: عليّ عبد الله زيدا - إشكال لأنه على ما زعم - يعني المصنف - تابع للضمير المجرور بـ «على» وهو الياء، وليس بنعت لأنه علم، ولا توكيد لأنه ليس من الألفاظ الموضوعة للتأكيد، ولا عطف نسق لعدم الحرف، ولا عطف بيان لأنه إنما يجاء به للتوضيح، وضمير المتكلم لا يلتبس فيوضح بغيره، ولا بدل لأن بدل المظهر من المضمر المتكلم أو المخاطب لا يجوز إذا كان بدل شيء من شيء - عند غير الأخفش - إلا إن كان البدل يفيد معنى الإحاطة».
انتهى.
ولا يظهر (لي) 419 امتناع كونه عطف بيان؛ لأن عطف البيان هنا لم يوضح المتكلم؛ إذ المتكلم لا يلتبس بغيره كما قال، إنما أوضح اسم مدلول الياء، فبين أن هذا المتكلم هو عبد الله، وعبد الله في هذا التركيب لو لم يذكر لم يعلم اسم المتكلم ما هو.
ويجوز كونه بدلا على رأي الأخفش فإنه قد استدل على ذلك بما يقتضي ظاهره الجواز 420، وربما يشعر كلام المصنف في باب البدل 421 بالجنوح إلى مذهبه.
-

الجزء: 8 - الصفحة: 3903

[أحكام أخرى لهذه الأسماء]

قال ابن مالك: (ولا يتقدّم عند غيره معمول شيء منها، وما نوّن منها نكرة، وما لم ينوّن معرفة، وكلّها مبنيّ لشبه الحرف بلزوم النّيابة عن الأفعال، وعدم مصاحبة العوامل، وما أمكنت مصدريّته أو فعليّته لم يعدّ منها).
ثم قد مر أن في مثل: عليكم كلكم لك أن تجر التوكيد على أنه تابع للمجرور، ولك أن ترفعه على أنه تابع للضمير المرفوع المستكن، وكذا إذا كان التوكيد بالنفس يجوز الأمران، لكن إذا أكدت المرفوع فلا بد من التأكيد بالضمير المنفصل على القاعدة المعروفة 422 فيقال: عليكم أنتم أنفسكم، قالوا 423: ولك أن تجمع بين التوكيدين فتقول: عليك نفسك أنت نفسك زيدا، وكذا إذا قلت: هلم لك، تقول: نفسك إن أكدت الكاف؛ فإن جمعت بين التوكيدين قلت: هلم أنت نفسك (لك نفسك، ولا تقول: هلم لك نفسك أنت نفسك ولا عليك أنت نفسك) 424 نفسك، بل يجب [5/ 41] الترتيب إذا جمع بين التوكيدين لأن المؤكّد من تمام المؤكّد، قال الشيخ 425: «والمغرى به إن كان ضمير متكلم أو غائب جاز اتصاله وانفصاله، تقول: زيد عليكه وعليك إياه وعليكني وعليك إياي، وإن كان ضمير مخاطب فالانفصال فقط، أو يؤتى بالنفس فيقال: عليك إياك، وعليك نفسك».
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على مسائل أربع: الأولى: أن معمول اسم الفعل لا يجوز تقدمه عليه عند غير الكسائي، قال المصنف في -

الجزء: 8 - الصفحة: 3904

................................  شرح الكافية 426: «ومما عزي إليه - يعني إلى الكسائي - دون غيره 427 جواز إعمال هذه الأسماء في ما تقدم عليها كقول الراجز: 3650 - يا أيّها المائح دلوي دونكا... إنّي رأيت القوم يحمدونكا 428 ولا حجة فيه لصحة تقدير «دلوي» مبتدأ أو مفعولا بـ «دونك» مضمرا 429، فإن إضمار اسم الفعل متقدما لدلالة متأخر عليه جائز عند سيبويه» 430 انتهى.
واعتلّ البصريون 431 لمنع تقديم المعمول في هذا الباب على عامله بأن عمل اسم الفعل ليس بحق الأصالة بل بالحمل على الفعل الذي وضع ذلك الاسم موضعه وهو لا يتصرف تصرفه لأنه لا يتصل به ضمير رفع على حد اتصاله بالفعل ولا تلحقه علامة تأنيث، قالوا: وقياس العامل بحق الأصالة إذا لم يكن متصرفا في نفسه أن -

الحديث: 3650 - الجزء: 8 - الصفحة: 3905

................................  لا يكون متصرفا في معموله فكيف إذا انضاف إلى عدم التصرف كونه لم يعمل بحق الأصالة؟ ومما استدل به المجيز 432 قوله تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ 433. وأجيب 434 عن ذلك بأن «كتاب الله» منصوب على المصدر أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا كما قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ 435، قال ابن عصفور: «أو على أن يكون مفعولا بفعل مضمر أي: الزموا كتاب الله» 436. وعلى القول بأنه منصوب على المصدر يكون الدال به على العامل الناصب له ما تقدم، وذلك أن قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ 437 فيه دلالة أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب «كتاب الله» بهذا الفعل الذي دل عليه الكلام المتقدم، التقدير: كتب الله تعالى ذلك عليكم كتابة؛ فلما حذف الفعل والفاعل لم يبق للضمير ما يعود عليه فأتى بالظاهر بدله 438. وأما قول القائل: 3651 - دلوي دونكا...... فقد خرجه المصنف على وجهين كما عرفت، لكن في كون اسم الفعل يعمل مقدرا كلام، قال الشيخ 439: «ودلوي إما مبتدأ أو منصوب بفعل محذوف، ولم يجعل -

الحديث: 3651 - الجزء: 8 - الصفحة: 3906

................................  المقدر اسم فعل، قال: لأنه لا يجوز حذف اسم الفعل وإبقاء معموله، قال: وأجازه بعضهم، وفي كلام سيبويه ما يدل ظاهره على الجواز لكن تأوله الشيوخ».
انتهى.
وقد عرفت أن المصنف أخذ في المسألة بظاهر قول سيبويه، ولا شك أنه لا مانع من عمل اسم الفعل مقدرا من جهة الصناعة النحوية 440. المسألة الثانية: أن ما نوّن من هذه الأسماء كان نكرة وما لم ينوّن فهو معرفة، قال المصنف في شرح الكافية 441: «ولما كانت هذه الكلمات من قبل المعنى أفعالا، ومن قبل اللفظ أسماء جعل لها تعريف وتنكير، فعلامة تعريف المعرفة منها تجرده عن التنوين، وعلامة تنكير النكرة منها استعماله منونا، ولما كان من الأسماء المحضة ما يلازم التعريف كالمضمرات وأسماء الإشارة، وما يلازم التنكير كـ «أحد» 442 و «عريب» 443 وما يعرّف وقتا وينكّر وقتا كـ «رجل» و «فرس» جعلوا هذه الأسماء كذلك فألزموا بعضها التعريف كـ «نزال» و «بله» و «آمين»، وألزموا بعضها التنكير كـ «واها» و «ويها»، واستعملوا بعضها بوجهين فنوّن مقصودا تنكيره، وجرّد مقصودا تعريفه كـ «صه» و «صه» و «أفّ» و «أفّ» انتهى.
وفي شرح الشيخ: قال قوم: هي معارف تعريف علم الجنس، قال: وهو ظاهر -

الجزء: 8 - الصفحة: 3907

................................  كلام ابن خروف 444 إذ المعاني توضع لها الأعلام كـ «سبحان» كما توضع لغير المعاني كـ «أسامة» و «ثعالة» 445. المسألة الثالثة: كون أسماء الأفعال كلها مبنية، أما بناؤها فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف في علة البناء ما هي؟ فعند المصنف أن العلة ما أشار إليه وهي: شبه الحرف بلزوم النيابة عن الأفعال، وعدم مصاحبة العوامل، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الإعراب.
والمراد أن أسماء الأفعال عاملة غير معمولة فشبهها للحرف من هذه الجهة، وقد قال: «إن هذا هو مذهب المحققين» 446، ولا شك أن هذا بناء منه على أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب، وقد تقدمت الإشارة إلى أن هذا هو الصحيح، ولكن المغاربة يخالفون في ذلك ويجعلونها معمولة لعوامل مقدرة، قال ابن عصفور 447: «أسماء الأفعال فيها خلاف بين النحويين: فمنهم من ذهب إلى أنها منصوبة بأفعال مضمرة وهو مذهب سيبويه 448، ومنهم من ذهب إلى أنها لا موضع لها من الإعراب وهو مذهب الأخفش 449، ولأبي علي الفارسي القولان: فإنه في حلبياته لم يجعل لها موضعا من الإعراب، وفي تذكرته 450 جعلها في موضع نصب بأفعال مضمرة فقال: عليك زيدا، أصله: اعطف عليك زيدا أو نحو ذلك، ثم استغني بالمجرور عن الفعل فحذف وصار الضمير الذي كان في الفعل في الجار والمجرور، ثم قال - أعني ابن عصفور -: والصحيح عندي أنها منصوبة بأفعال مضمرة 451، وسواء أكانت من لفظ الفعل كـ «نزال» و «تراك» أم من غير لفظه -

الجزء: 8 - الصفحة: 3908

................................  كـ «صه» و «مه» وهو [5/ 42] مذهب سيبويه، وقد نص على ذلك في كتابه 452، وذلك أنه جعل «نعاء» من قول الشاعر: 3652 - نعاء جذاما غير موت ولا قتل... ولكن فراقا للدّعائم والأصل 453 في موضع نصب بإضمار فعل، وكذلك قد نص أبو علي الدينوري 454 في مهذبه 455 على ذلك، ثم قال 456: ويبتنى على هذا الخلاف خلاف آخر في «دونك» و «مكانك»، و «حذرك» وأشباهها من أسماء الأفعال، فمن زعم أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب اعتقد في هذه الأسماء أنها مبنية؛ إذ لا يتصور أن تكون معربة لأن الإعراب لا يكون إلا بعامل، وهذه الأسماء عنده غير معمولة، ومن اعتقد في الأسماء المذكورة أنها معمولة لعوامل مضمرة اعتقد فيها أنها معربة، وإنما كانت معربة لأنها في الأصل ظرف كـ «مكانك» و «دونك» أو مصدر كـ «حذرك» وقد كانت معمولة لأفعال فلما حذفت تلك الأفعال وأنيبت هي منابها بقيت على ما كانت عليه من الإعراب، قال 457: ومما يبين لك أن المصادر والظروف وما أشبهها من الأسماء التي -

الحديث: 3652 - الجزء: 8 - الصفحة: 3909

................................  أنيبت مناب الفعل ولم تجعل في أول أحوالها اسما له لم يعامل معاملة «نزال» وأشباهها فيلزم بناؤها، وكونها مضافة إلى ما بعدها يدل على افتراقها من «نزال» وشبهه؛ لأن أسماء الأفعال لا تضاف» انتهى كلام ابن عصفور - رحمه الله تعالى - ولم يذكر العامل المقدر في اسم الفعل ما هو؟ بل اقتصر على ما نقله عن أبي علي أن الأصل: اعطف عليك زيدا، واقتصاره عليه دليل أنه رضيه مع أنه قد تقدم له نظير ذلك وهو أنه جعل التقدير في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ 458: أمسكوا عليكم أنفسكم.
لكن لقائل أن يقول: يلزم مما ذكره أن يكون «زيدا» من: عليك زيدا - منصوبا بـ «اعطف» المقدر ويكون «عليك» متعلقا به، وعلى هذا لا يكون عليك اسم فعل حينئذ، وإن قال: إن اسم الفعل ضمّن معنى: «اعطف» بعد حذفه كان معنى عليك زيدا: اعطف زيدا، وليس ذلك معنى هذه الكلمة، إنما معناها: «الزم».
والذي يظهر أن نحو: عليك وإليك بعد أن نقل وسمّي به الفعل يمتنع أن يقدر له عامل من حيث اللفظ والمعنى: أما اللفظ: فلأن «عليك زيدا» ليس معناه: اعطف عليك زيدا كما عرفت، وأما المعنى: فلأن الذي يستفاد من اسم الفعل إنما هو الذي يستفاد من الفعل، والذي يستفاد من الفعل إما طلب فعل أو إخبار عن فعل، وشيء من هذين الأمرين لا يقبل المفعولية.
وأما قوله - أعني ابن عصفور - في «دونك» و «مكانك» و «حذرك» أن من اعتقد في أسماء الأفعال أنها معمولة لعوامل مضمرة فإنه يعتقد في هذه يعني: دونك ومكانك وحذرك أنها معربة؛ وتعليله ذلك بأنها في الأصل ظرف كـ «مكانك» و «دونك» أو مصدر كـ «حذرك»، وقد كانت معمولة لأفعال، فلما حذفت تلك الأفعال وأنيبت هي منابها بقيت على ما كانت عليه من الإعراب - فغير ظاهر؛ لأنها إن كانت باقية (على ما كانت عليه من الإعراب) 459 فالعامل فيها الآن - أعني بعد النقل - إن كان العامل فيها قبل النقل؛ فهي باقية على ما كانت -

الجزء: 8 - الصفحة: 3910

................................  عليه من الظرفية؛ وإذا كانت كذلك فكيف يتصور فيها أن تكون اسم فعل؟ وإن كان العامل فيها بعد النقل غير العامل فيها قبل النقل فقد عرفت أن ذلك ممتنع كما أشرنا إليه آنفا 460. والحق أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب سواء أكانت موضوعة اسم فعل في الأصل أم منقولة من ظرف مضاف أو جار ومجرور 461، وإذا كان كذلك فالحركات التي في «دونك» و «مكانك» - أعني حركة النون فيهما - وفي «حذرك» أعني حركة الراء - ليست بحركات إعراب ولا بناء، وإنما هي حكاية لحركاتها الإعرابية لا غير.
المسألة الرابعة: أن ما أمكن أن يكون مصدرا أو فعلا لا يعدّ من أسماء الأفعال.
أما ما أمكنت فعليته فالظاهر أن المراد به: «هات» و «تعال» فإن المصنف قد تقدم نقلنا عنه أنه قال في شرح الكافية: إنهما فعلان لا يتصرفان 462. فهاتان الكلمتان أمكنت فعليتهما لاتصال ضمائر الرفع البارزة بهما، وإذا كان كذلك كان الحكم بأنهما أسماء فعل خطأ 463. وأما ما أمكنت مصدريته فيمكن أن يمثل له بـ «حذرك» الذي مثل به ابن عصفور على أنه اسم فعل منقول من المصدر؛ فإنه لا داعية تدعو إلى القول بأنه اسم فعل فيدعى أنه باق على المصدرية، وقد مثل الشيخ لذلك بقولهم: «سقيا ورعيا» قال 464: «فلا تقول: إنهما اسمان للفعل بجامع ما اشتركا فيه من دلالتهما على معنى الفعل، ألا ترى أن المعنى: سقاك الله ورعاك»؟.
وما ذكرته من التمثيل بـ «حذرك» أولى فإن أحدا لا يرتاب في أن سقيا ورعيا مصدران.

الجزء: 8 - الصفحة: 3911

[أسماء الأصوات: أنواعها - أمثلة لها - أحكامها]

قال ابن مالك: (فصل: وضع الأصوات إمّا لزجر كـ «هلا» للخيل و «عدس» للبغل و «هيد» و «هاد» و «ده» و «عه» و «عاه» و «عيه» و «حوب» و «حاي» و «عاي» و «هاب» للإبل و «هيج» و «عاج» و «حل وحلا وحل» للنّاقة 465، و «حاب» و «حب» و «جاه» للبعير، و «إسّ» و «هسّ» و «هج» و «قاع» للغنم و «هج» و «هجا» للكلب، و «سع» و «حج» للضّأن، و «وح» و «حو» للبقر 466، و «عز» و «عيز» و «حيز» للعنز، و «حرّ» للحمار، و «جاه» للسّبع، وإمّا لدعاء كـ «أو» [وهبي] 467 للفرس، و «دوه» للرّبع، و «عوه» للجحش، و «بس» للغنم، و «جوت» و «جيء» للإبل الموردة، و «تؤ» و «تأ» للتّيس المنزي، و «نخ» مشدّدا ومخفّفا 468، للبعير المناخ، و «هدع» لصغار الإبل المسكّنة، و «ساء» و «تشوء» للحمار المورد، و «دج» للدّجاج، و «قوس» للكلب، وإمّا للحكاية كـ «غاق» للغراب، و «ماء» للظّبية، و «شيب» لشرب الإبل، و «عيط» للمتلاعبين، و «طيخ» للضّاحك، و «طاق» للضّرب، و «طق» لوقع الحجارة، و «قب» لوقع السّيف، و «خاز باز» للذّباب، و «خاق باق» للنّكاح، و «قاش ماش» و «حاث باث» للقماش كأنّه سمّي بصوته، وحكم جميعها البناء، وقد يعرب بعضها لوقوعه موقع متمكّن، وربّما سمّي بعضها باسم فبني لسدّه مسدّ [5/ 43] الحكاية، كـ «مضّ» المعبّر به عن صوت مغن عن لا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 469: «أسماء الأصوات [ما]-

الجزء: 8 - الصفحة: 3912

................................  وضع لخطاب ما لا يعقل أو ما هو في حكم ما لا يعقل من صغار الآدميين، أو لحكاية الأصوات، وقد قال هنا: إن الأصوات إما لزجر وإما لدعاء، وذكر ما هو للحكاية بعد ذلك، فعلم أن الزجر والدعاء داخلان في ما هو موضوع للخطاب.
وعلى هذا يقال: أسماء الأصوات إما للخطاب أو للحكاية، والخطاب إما لزجر أو دعاء، والحكاية إما لأصوات حيوان أو لاصطكاك أجرام، قال الشيخ 470: «وقد ذكر المصنف ذلك مستوفى، قال: وهو شيء من علم اللغة لا حظّ للنحوي فيه إلا ما كان من الكلام على الأسماء المذكورة أهي معربة أم مبنية؟» انتهى.
وأما علة بنائها: فقد قال المصنف في شرح الكافية 471: «أما بناء أسماء الأفعال فلأنها أشبهت الحروف العاملة في أنها عاملة غير معمولة مع الجمود ولزوم طريقة واحدة فاستغنت عن الإعراب لأن فائدته الدلالة على ما يحدث من المعاني بالعوامل وذلك غير موجود في أسماء الأفعال، وأما أسماء الأصوات فهي أحق بالبناء لأنها غير عاملة ولا معمولة فأشبهت الحروف المهملة، ولأن فائدة الإعراب إبانة مقتضيات العامل وذلك غير موجود فيها فلم يكن لها في الإعراب نصيب».
وأما قوله: وقد يعرب بعضها لوقوعه موقع متمكن - فقد أنشد الشيخ في شرحه 472: 3653 - إذ لمّتي مثل جناح غاق 473 يعني هذا القائل الغراب؛ فـ «غاق» اسم لصوت الغراب، قال الشيخ: لا نعلم -

الحديث: 3653 - الجزء: 8 - الصفحة: 3913

................................  خلافا في ذلك فأطلقه الشاعر على الغراب لأنه لا يمكن أن يكون المعنى: إذ لمتي كجناح اسم صوت الغراب. وأقول: إن الأمر إذا كان كذلك فاسم الصوت لم يعرب، والذي جرى عليه الإعراب إنما هو اسم الغراب، وعبارة المصنف تعطي ذلك لأنه علل الإعراب بوقوعه موقع اسم متمكن، فالكلمة المذكورة لم تعرب وهي اسم صوت؛ بل لما أريد بها ما يراد بالاسم المتمكن - وإن كانت الإرادة مجازا - وركبت الكلمة مع غيرها مسها الإعراب؛ إذ إعرابها يصير متعينا حينئذ، وعلى هذا فالمصنف لم يكن محتاجا إلى أن يقول: وقد يعرب بعضها، بل كان الواجب أن يقول: وقد ينقل بعضها فيسمّى به ما يتوقّف فهم معناه على الإعراب. وأما قوله: وربّما سمّي بعضها باسم فبني لسده مسدّ الحكاية كـ «مضّ» المعبّر به عن صوت مغن عن لا - فمعناه أن «مضّ» اسم عبر به عن صوت وذلك الصوت مغن عن «لا» ومقتضاه أن «مضّ» اسم مستحق للإعراب؛ فلما عبر به عن الصوت لقصد الحكاية بني، وذلك الصوت مغن عن «لا»، لكن لم يعرف ذلك الصوت الذي أغنت عنه لا ما هو؟ 474. ولم أتحقق كلام الشيخ في هذا الموضع فإنه قال 475: «وأما مضّ فهو صوت بضم الشفتين بمعنى لا وفيه إطماع لأنه ليس برد صحيح، قال: وزعم بعض شراح المفصل أنه اسم لاعذر والمراد به الرد مع إطماع 476، قال: فعلى هذا يكون اسم فعل لا اسم صوت وأنشد: 3654 - سألت هل وصل فقالت: مضّ... وحرّكت لي رأسها بالنّغض 477

الحديث: 3654 - الجزء: 8 - الصفحة: 3914

................................  قال: وفي أمثالهم: إنّ في مضّ لمطمعا» 478.

  • للرجل إذا حدث بشيء فحرك رأسه إنكارا له: قد أنغض رأسه.
    والمعنى: أنه سألها الوصل فأشارت بلسانها أن لا وصل.
    والشاهد في قوله: «مض» فإنه اسم صوت بمعنى لا.
    ويرى الشيخ أبو حيان أنه اسم فعل بمعنى اعذر، كما نقله عن ابن يعيش (4/ 78)، وهو غير ظاهر؛ لأن الزمخشري يقول في المفصل (ص 165): «ومض أن يتمطق بشفتيه عند رد المحتاج» وهو واضح في أنه اسم صوت لا اسم فعل.
    وانظر الرجز في معاني القرآن (2/ 121) والشطر الأول في المفصل (ص 165) وابن يعيش (4/ 78) ومجمع الأمثال (1/ 84).

الجزء: 8 - الصفحة: 3915

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل