الباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعل
[تعريفه - وزنه من الثلاثي المجرد - الاستغناء ببعض الأوزان عن بعض]
قال ابن مالك: (اسم الفاعل، هو الصّفة الدّالّة على فاعل جارية في التّذكير والتّأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه أو معنى الماضي، ويوازن في الثّلاثّي المجرّد «فاعلا» وفي غيره المضارع مكسور ما قبل الآخر، مبدوءا بميم مضمومة، وربّما كسرت في «مفعل» أو ضمّت عينه، وربّما ضمّت عين «منفعل» مرفوعا، وربّما استغني عن «فاعل» بـ «مفعل» وعن «مفعل» بـ «مفعول» فيما له ثلاثيّ وفيما لا ثلاثيّ له، وعن «مفعل» بـ «فاعل» ونحوه، أو بـ «مفعل»، وعن «فاعل» بـ «مفعل» أو «مفعل»، وربما خلف «فاعل» «مفعولا»، و «مفعول» «فاعلا»).
2145 - فتاتان أما منهما فشبيهة... هلالا والأخرى منهما تشبه البدرا 1
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: ذكر «الصّفة» مخرج للأسماء الجامدة 3، ومتناول لاسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة، والصفة المشبّهة، وغير المشبهة، وذكر (الدالة على الفاعل) مخرج لاسم المفعول، والمؤدّي معناه، وذكر (الجارية -
الحديث: 2145 - الجزء: 6 - الصفحة: 2713
................................
على المضارع) مخرج للجارية على الماضي كـ: فرح، وحسن، ويقظ، ولغير الجارية كـ: سهل، وكريم، ومتناول لاسم الفاعل، ولنحو: ضامر الكشح 4، ومنطلق اللسان، من الصفات الموافقة اسم الفاعل، لفظا، لا معنى ولنحو:
أهيف 5، وأعمى، من الصفات التي على «أفعل» وفعلها على «فعل» فالنوعان جاريان على المضارع من أفعالهما، أي: موافقان له، في عدّة الحروف، وتقابل الحركات، والسكون فخرج باب «ضامر» بقولي: (لمعناه أو معنى الماضي) فإنّ «ضامرا»، ونحوه لا يتعرّض به لاستقبال، ولا مضيّ، وإنّما يراد به معنى ثابت، ولذلك أضيف إلى ما هو فاعل في المعنى، كما تضاف الصفة التي لا تجاري المضارع؛ فيقال: ضامر الكشح، كما يقال: لطيف الكشح، فخالف باب «ضامر» الفعل معنى، وإن وافقه لفظا 6.
وخرج باب «أهيف» بذكر التذكير والتأنيث، فإنّ مؤنثه على فعلاء، فلا مجاراة فيه، إلا في حال التذكير، بخلاف اسم الفاعل، فإنّ تأنيثه لا يغيّر بنيته فيعرى عن المجاراة، بل هو مستصحبها في حالة تذكيره وتأنيثه؛ لأنّ تأنيثه بالتاء، وهي في نية الانفصال، ولزم من تقييد اسم الفاعل بكونه (صفة جارية) خروج أمثلة المبالغة ولم يكن في ذلك ضمير؛ لأنّ اسم الفاعل غيرها، وجريانها في العمل مجراه سينبّه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولمّا كمل الكلام على حدّ اسم الفاعل نبهت على كيفية صوغه من الأفعال:
فأعلمت أنه من الثلاثي المجرّد 7 على زنة «فاعل» كـ: ضارب، وشارب، ومن -
الجزء: 6 - الصفحة: 2714
................................ غيره على زنة المضارع، بكسر ما قبل الآخر، وزيادة ميم مضمومة، موضع حرف المضارعة، كـ: مكرم، ومعلّم، ومتعلّم، ومستخرج، ومدحرج، ومطمئن، ومحرنجم، قالوا: أنتن الشيء فهو منتن، على القياس، وقالوا - أيضا -: منتن؛ بإتباع الميم العين، ومنتن 8؛ بإتباع العين الميم 9، وإليهما أشرت بقولي: (وربما كسرت في (مفعل) أو ضمّت عينه، ومثل «منتن» قولهم في «المغيرة» (3): «مغيرة» 10، ثمّ قلت: وربّما ضمّت عين «منفعل» مرفوعا، فأشرت بذلك إلى قولهم: هو منحدر، بضمّ الدال، إتباعا للراء، حكاه أبو الفتح بن جنّي وغيره 11. ثم قلت: وربّما استغنى عن «فاعل» بـ «مفعل» وعن «مفعل» بـ «مفعول» فيما له فعل ثلاثي، فأشرت بالأول إلى «حبّ» فهو محبّ، ولم يقولوا: حابّ، وأشرت بالثاني إلى قولهم: أحزنه الأمر، فهو محزون، فأغناهم عن محزن، وكذا: أحبّه، فهو محبوب، أغناهم عن محبّ، وندر قول عنترة: 2146 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره... منّي بمنزلة المحبّ المكرم 12 وأشرت بقولي: (فيما له فعل ثلاثي) إلى قول الشّاعر: 2147 - معي ردينيّ أقوام أذود به... عن عرضهم وفريصي غير مرعود 13
الحديث: 2146 - الجزء: 6 - الصفحة: 2715
................................
ولم يقولوا: رعدت الفرائص، وإنّما قالوا أرعدت، ومثل «مرعود» بمعنى «مرعد» قولهم: مرقوق 14 بمعنى «مرقّ».
وأمّا قولي: وعن «مفعل» بـ «فاعل» ونحوه أو بـ «مفعل»، فأشرت [3/ 137] به إلى قولهم: أيفع الغلام إذا شبّ؛ فهو يافع، وأورس الزمت - وهو شجر - إذا اصفرّ؛ فهو وارس، وأقرب القوم؛ فهم قاربون، إذا كانت إبلهم قوارب، ولا يقال: مقربون.
وأشرت بقولي: ونحوه إلى قولهم: أعقّت الفرس فهي عقوق، إذا حملت، وأحصرت الناقة إذا ضاق مجرى لبنها، فهي حصور، وأشرت بقولي: أو بـ «مفعل» إلى قولهم: أسهب الرجل في الكلام، إذا أكثر، فهو مسهب، كذا إذا ذهب عقله من لدغ الحية، وألفج الرجل إذا ذهب ماله، فهو ملفج 15، وقيل أيضا: يفع، ودرس، وعقت، وحصرت، وأسهب اللديغ، وألفج ذو المال 16، فاستغني باسم فاعل الثلاثي عن اسم فاعل الرباعي، وبالمبني على أسهب اللديغ، وألفج ذو المال عن المبني على أسهب وألفج، ولم يرد في «أسهب» إلا فعل الفاعل، هذا إذا كان بمعنى أكثر الكلام 17، فأمّا «أسهب» بمعنى فصح 18 وبمعنى بلغ الرّجل في حفره، وبمعنى أكثر العطاء 19، وبمعنى تغيّر وجهه 20، وبمعنى نزل السهب، أي: المكان السهل 21، فاسم الفاعل الوصف منه بكسر الهاء على القياس، وكذا من: أسهب الفرس، إذا كان سابقا.
- - اللغة: فريصي: من الفريصة، وهي مضغة لحم، عند منبض القلب، أو بين الثدي والكتف، وهما فريصتان ترتعدان عند الفزع.
والشاهد فيه قوله: «مرعود»؛ فإنه اسم مفعول على غير قياس؛ لأنه من قولهم: أرعدت فرائصه.
ينظر الشاهد أيضا في: التذييل والتكميل (4/ 777) رسالة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2716
................................
وحكى ابن سيده 22 أنه يقال: عمّ الرجل بمعروفه، ولمّ متاع القوم فهو معمّ، وملمّ ولم يقل بهذا المعنى عامّ، ولا: لامّ، ولا نظير لهما 23، وإليهما أشرت بقولي: وعن «فاعل» بـ «مفعل» أو «مفعل»، ثم قلت: (وربما خلف «فاعل» «مفعولا»، و «مفعول» «فاعلا») فأشرت بالأول إلى نحو: كاس، بمعنى مكسو، وبالثاني إلى قولهم: قطّ السعر 24 فهو مقطوط، إذا غلا، ولم يقولوا:
قاطّ، ذكره ابن سيده، وهو نادر بمعنى مكسوّ.
وممّا خلف فيه فاعل مفعولا قول الشّاعر:
2148 - لقد عيّل الأيتام طعنة ناشره... أناشر لا زالت يمينك آشره 25
أي: مأشورة، والمأشورة: المقطوعة بمئشار 26، والله تعالى أعلم.
هذا كلام المصنف 27، وقد استفيد من قوله - في حدّ اسم الفاعل -: لمعناه -
الحديث: 2148 - الجزء: 6 - الصفحة: 2717
................................ أو معنى الماضي ما أراده غيره بقوله: إنّ اسم الفاعل العامل هو المذهوب به مذهب الزّمان، فإنّ الذي لا يذهب به مذهبه يجري مجرى الأسماء الجامدة، فلا يعمل أصلا، نحو قول الحطيئة: 2149 - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة... فاغفر عليك سلام الله يا عمر 28 فلم يرد بـ «كاسبهم» أنه كسب لهم، ولا أنّه يكسب لهم في حال ولا استقبال؛ فصار «كاسب» في البيت بمنزلة «والد» 29، كأنّه قال: ألقيت والدهم، فـ «والد» لا يعمل، كما لا يعمل «أب» فكذلك «كاسبهم» إذا أريد به هذا المعنى، وكذا يستفاد من قولي: (جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها) أنّ اسم الفاعل إذا لم يكن بهذه الصفة لا يعمل، فلا يجوز أن يقال: هذه امرأة مرضع ولدها؛ لأن اسم الفاعل - إذ ذاك - لا يذهب به مذهب الفعل، بل مذهب السبب، فمعنى «مرضع»: ذات إرضاع، ولو ذهب به مذهب الفعل لم يكن بدّ من التاء، كما قال: 2150 - كمرضعة أولاد أخرى........ البيت 30
الحديث: 2149 - الجزء: 6 - الصفحة: 2718
[عمل اسم الفاعل غير المصغر والموصوف عمل فعله قد يحول «فاعل» للمبالغة إلى الأمثلة الخمسة]
قال ابن مالك: (فصل: يعمل اسم الفاعل غير المصغّر والموصوف خلافا للكسائي، مفردا وغير مفرد، عمل فعله مطلقا، وكذا إن حوّل للمبالغة من «فاعل» إلى «فعّال» أو «فعول» أو «مفعال» خلافا للكوفيّين، وربّما عمل محوّلا إلى «فعيل» أو «فعل» وربّما وربّما بني «فعّال» و «مفعال» و «فعيل» و «فعول» من «أفعل»، ولا يعمل غير المعتمد على صاحب مذكور أو منويّ، أو على نفي صريح أو مؤوّل، أو استفهام موجود أو مقدّر، ولا الماضي غير الموصول به «أل» أو محكيّ به الحال خلافا للكسائيّ، بل يدلّ على فعل ناصب لما يقع بعده من مفعول به يتوهّم أنّه معموله، وليس نصب ما بعد المقرون بـ «أل» مخصوصا بالمضيّ، خلافا للرّمّاني ومن وافقه، ولا على التّشبيه بالمفعول به، خلافا للأخفش، ولا بفعل مضمر خلافا لقوم). قال ناظر الجيش: قال المصنف 31: قد تقدم أنّ اسم الفاعل هو الصفة الدالة على «فاعل» جارية في التذكير والتأنيث على المضارع، وشرح ذلك ببيان (تامّ) 32، ثم أشير - بعد ذلك - إلى عمله، ليعلم أنّه يعمل عمل فعله، إن أريد به الحال والاستقبال واعتمد على صاحب مذكور، نحو: زيد مكرم رجلا طالبا العلم، محققا معناه 33، أو على صاحب منويّ كقول الشاعر: 2151 - وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب 34
الحديث: 2151 - الجزء: 6 - الصفحة: 2719
................................
وكقول الآخر:
2152 - إنّي حلفت برافعين أكفّهم... بين الحطيم وبين حوضي زمزم 35
وكقول الآخر:
2153 - وكم مالئ عينيه من شيء غيره... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمي 36
ويروى: «ومن مالئ».
وكقول الآخر:
2154 - إنّ النّدى وأبا العبّاس فارتحلوا... مثل الفرات إذا ما موجه زخرا
إن تبلغوه تكونوا مثل منتجع... غيثا يمجّ ثراه الماء والزّهرا 37
أو على نفي صريح كقول الشّاعر:
2155 - ما راع الخلّان ذمّة ناكث... بل من وفى يجد الخليل خليلا 38
-
- ينظر الشاهد في: ديوان أبي الأسود الدؤلي (ص 199)، والمؤتلف للآمدي (ص 224)، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي (2/ 273).
الحديث: 2152 - الجزء: 6 - الصفحة: 2720
................................
أو على نفي مؤوّل كقوله:
2156 - وإنّ امرأ لم يعن إلّا بصالح... لغير مهين نفسه بالمطامع 39
وعلى استفهام موجود كقول الشّاعر:
2157 - أناو رجالك قتل امرئ... من العزّ في حبّك اعتاض ذلّا 40
أو على استفهام مقدّر كقوله:
2158 - ليت شعري مقيم العذر قومي... لي أم هم في الحبّ لي عاذلونا 41
ولا يعمل اسم الفاعل، إذا لم يقصد به معنى الفعل 42 كـ «صاحب» في أكثر - - المفعول به الذي هو قوله: «ذمة ناكث» بعد أن رفع الفاعل المغني عن الخبر، وإنما أعمل اسم الفاعل في المفعول به؛ لكونه معتمدا على حرف النفي، وهو «ما».
ينظر الشاهد في: التذييل والتكميل (4/ 802)، وشرح شذور الذهب بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ص 388).
الحديث: 2156 - الجزء: 6 - الصفحة: 2721
................................
الاستعمال؛ لعدم الاعتماد على صاحب مذكور، أو منويّ، ولا إذا صغّر أو وصف، أو قصد به المضي، ولم يوصل به الألف واللام، ولا حكيت به حال [3/ 138] فلا يقال: هذا ضويرب زيدا، ولا: هذا ضارب عنيف زيدا، ولا: هذا ضارب أمس زيدا، لا اليوم، وإنّما امتنع العمل بالتصغير والوصف؛ لأنّهما من خصائص الأسماء، فيزيلان شبه الفعل معنى ولفظا.
ولم ير الكسائيّ ذلك مانعا؛ لأنّه حكى عن بعض العرب: أظنّني مرتحلا وسويئرا فرسخا، وأجاز أن يقال: أنا زيدا ضارب، أي ضارب 43، ولا حجة فيما حكاه، لأنّ فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل، وأما إجازته: أنا زيدا ضارب، أيّ ضارب؛ فلا حجة فيه؛ لأنّه لم يقل: سمعته عن العرب، بل ذكره تمثيلا، ولو رواه عن العرب لم يكن فيه حجّة؛ لأنّه كان يحمل على أنّ «زيدا» منصوب بـ «ضارب» و «ضارب» خبر «أنا»، وأي ضارب خبر ثان، وهذا توجيه سهل موافق للأصول المجمع عليها، فلا يعدل عنه، وقد احتجّ الكسائي بقول الشاعر:
2159 - إذا فاقد خطباء فرخين رجّعت... ذكرت سليمى في الخليط المزايل 44
ولا حجّة في هذا أيضا؛ لإمكان تخريجه على جعل «فرخين» منصوبا - - لشبهه بالفعل المضارع في اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأن كل واحد منهما في الغالب على عدة حروف الآخر، وكل منهما متحرك الأول ساكن الثاني، وأما المعنى فلاشتراكهما في وقوعهما نعتا، وحالا، وفي لحوق حروف التثنية والجمع لهما، واتصال الظروف بهما، ودخول لام الابتداء عليهما) اهـ. وفيه أيضا: (فإن كان للمضي لم يعمل فلا تقول: مررت بضارب زيدا أمس؛ لأنه إنما عمل لما ذكرناه من الشبه بينه وبين المضارع، وأما الماضي، فلم تقو مشابهته له، فلا يعمل إذا كان بمعناه) اهـ.
الحديث: 2159 - الجزء: 6 - الصفحة: 2722
................................
بـ «رجّعت» على إسقاط حرف الجرّ، وأصله: رجّعت على فرخين، فحذف «على» وتعدّى الفعل بنفسه فنصب، ويجوز نصب «فرخين» بـ «فقدت» مقدرا 45، مدلولا عليه باسم الفاعل الموصوف، فإنّ ما لا يعمل يجوز أن يدلّ على ما يعمل.
وقد يحتجّ الكسائيّ أيضا بقول الشاعر:
2160 - وقائلة تخشى عليّ: أظنّه... سيودي به ترحاله ومذاهبه 46
فإنّ «تخشى» صفة «قائلة» وقد وقعت قبل المقول، الذي هو «أظنّه» والجواب أن يقال: إنّ «أظنّه» محكيّ بـ «قالت» أو «تقول»، مقدرا، فبطل الاحتجاج 47.
ووافق 48 بعض أصحابنا الكسائيّ في إعمال الموصوف قبل الصفة؛ لأنّ ضعفه يحصل بعد ذكرها، لا قبله، فأجاز: أنا زيدا ضارب أيّ ضارب، ومنع: أنا ضارب، أي ضارب زيدا، واستدلّ صاحب هذا الرأي بقول الشاعر:
2161 - وولّى كشؤبوب العشيّ بوابل... ويخرجن من جعد ثراه منصّب 49
فرفع «ثراه» بـ «جعد» ثم نعته بـ (منصّب) 50. -
الحديث: 2160 - الجزء: 6 - الصفحة: 2723
................................
وأجاز الكسائيّ أيضا إعمال اسم الفاعل المقصود به المضي، مع كونه عاريا من الألف واللّام، ومذهبه في هذه المسألة ضعيف؛ لأنّ اسم الفاعل الذي يراد به المضيّ لا يشبه الفعل الماضي إلا من قبيل المعنى، فلا يعطى ما أعطي المشابه لفظا ومعنى، أعني الذي يراد به معنى المضارع، كما لم يعط الاسم من منع الصرف بعلة واحدة ما أعطي ذو العلتين، وأيضا فإنّ الفعل المضارع محمول على اسم الفاعل في الإعراب فحمل اسم الفاعل عليه في العمل، ولم يحمل الفعل الماضي على اسم الفاعل في إعراب فلم يحمل اسم الفاعل عليه في العمل 51.
قال سيبويه: وإذا أخبر أنّ الفعل قد وقع وانقطع، فهو بغير التنوين البتة؛ لأنه إنما أجري مجرى الفعل المضارع له، كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكلّ واحد منهما داخل على صاحبه 52، هذا نصّه، قلت 53: فالمسوي في العمل بين اسم الفاعل المقصود به معنى الماضي، وبين اسم الفاعل المقصود به معنى المضارع كالمسوي بين الفعل الماضي والفعل المضارع في الإعراب وهذا لا يصحّ، فلا يصحّ ما هو بمنزلته، فإن وقع الذي بمعنى الماضي صلة للألف واللام استوى هو والذي بمعنى المضارع في استحقاق العمل؛ لأنّه وقع موقعا يجب تأويله فيه بالفعل، كما يجل تأول الألف واللام بالذي، أو أحد فروعه، فقام تأويله بالفعل مقام ما فاته من الشبه اللفظي، كما قام لزوم التأنيث في المؤنث بالألف، وعدم التكسير 54 في الجمع مقام سبب ثان، في منع الصّرف، وإذا كان في وقوع الذي بمعنى الماضي صلة تصحيح لعمله، بعد أن لم يكن عاملا؛ كان في وقوع الذي بمعنى المضارع صلة توكيد لاستحقاق ما كان له من العمل.
والحاصل: أنّ اسم الفاعل الموصول به الألف واللام يعمل في المضيّ، والحضور، والاستقبال، وقد ظنّ قوم منهم الرماني 55 أنّه لا يعمل إلا في الماضي، وحملهم على -
الجزء: 6 - الصفحة: 2724
................................ ذلك أنّ سيبويه - حين ذكر إعمال اسم الفاعل المقرون بالألف واللام لم يقدره إلا بالذي فعل، فقال: هذا 56 باب من الاستفهام، يكون فيه الاسم رفعا -: وممّا لا يكون فيه إلا الرفع: أعبد الله أنت الضاربه؟ 57 لأنك إنما تريد معنى: أنت الذي ضربه 58. وقال 59 - بعد هذا الباب بأبواب يسيرة -: هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى 60، ثمّ قال بعد ذلك: قولك: هذا الضارب زيدا، فصار في معنى: هذا الذي ضرب زيدا، وعمل عمله 61، هذا نصّه، ثم تمادى على مثل هذا في جميع الباب، ولم يتعرّض للذي بمعنى المضارع؛ لأنّه قد صحّ له العمل دون الألف واللّام، فعمله عند اقترانه بهما، على معنى الذي أحقّ وأولى، للعلّة السابق ذكرها، ولو لم يكن إعمال الذي بمعنى المضارع مسموعا عند وصل الألف واللّام، لوجب الحكم بجوازه؛ للأولوية المشار إليها، فكيف وقد ثبت إعماله في القرآن العزيز وغيره؟. فمن إعماله في القرآن العزيز قوله تعالى: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ 62، ومن إعماله في غير القرآن قول الشاعر: 2162 - فبتّ والهمّ تغشاني طوارقه... منّ خوف رحلة بين الظّاعنين غدا 63 ومنه قول عمرو بن كلثوم [3/ 139]: 2163 - وأنّا المنعمون إذا قدرنا... وأنّا المهلكون إذا أتينا وأنّا الشّاربون الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا 64
الحديث: 2162 - الجزء: 6 - الصفحة: 2725
................................
ومنه قول الآخر:
2164 - إذا كنت معنيّا بمجد وسؤدد... فلا تك إلّا المجمل القول والفعلا
ولا تلف إن أوذيت يوما مكافئا... فمن كافأ الباغين لم يكمل الفضلا 65
ومذهب الأخفش أن النصب بعد مصحوب «أل»، على التشبيه بالمفعول به، وأصحابه يقولون: إن قصد بـ «أل» العهد، فالنصب على التشبيه بالمفعول، وإن قصد معنى الذي فالنصب باسم الفاعل 66، وقال قوم: النصب بفعل محذوف بعد ما قرن بـ «أل» من اسم فاعل، أو مصدر، وكلّ ذلك تكلف، لا حاجة إليه، وقد نبه على ذلك كله، في متن الكتاب، وإذا أضيف اسم الفاعل، الذي بمعنى الماضي، واقتضى بعد الإضافة - من جهة المعنى - مفعولا به، جيء
به منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد (أمس) 67 درهما، ونصبه عند الجمهور بفعل مقدر مدلول عليه باسم الفاعل؛ لأنّ الدلالة يكتفى فيها بالمعنى المجرّد فأن يكتفى فيها بمعنى ولفظ يتضمن حروف المدلول عليه أحقّ وأولى.
وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي 68؛ لأنّه اكتسب - - والشاهد في قوله: «المنعمون إذا قدرنا، المهلكون إذا أتينا»؛ حيث أعمل اسم الفاعل المحلى بـ «أل» مع دلالته على الاستقبال.
ينظر الشاهد أيضا في: شرح معلقة ابن كلثوم (ص 108)، تحقيق د/ محمد إبراهيم البنا، وجمهرة أشعار العرب (1/ 363)، والتذييل والتكميل (4/ 818).
الحديث: 2164 - الجزء: 6 - الصفحة: 2726
................................
بالإضافة إلى الأول شبها بمصحوب الألف واللام، ولأنّ ارتباطه بما يقتضيه لا بدّ منه، والارتباط إما بالإضافة، وإما بنصبه إياه، امتنعت الإضافة؛ لأنّ شيئا واحدا لا يضاف إلى شيئين، فتعيّن الارتباط بنصبه إياه، ونزّل هذا منزلة رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في مسألة الكحل، ونظائرها، وإن كان أصله المنع، وقوى أبو علي الشلوبين 69 مذهب السيرافي بقولهم: هو ظانّ زيد أمس فاضلا، فإنّ «فاضلا» يتعين نصبه بـ «ظان»؛ لأنّه إن أضمر له ناصب لزم حذف أول مفعوليه، وثاني مفعولي «ظان»، وذلك لا يجوز؛ لامتناع الاقتصار على أحد مفعولي ظنّ، والصحيح قول الجمهور والتعليل بشبه المضاف بذي الألف واللّام ضعيف؛ لأنّ عمل ذي الألف واللّام إنما صحّ لوقوعه صلة، ووجوب تأويله لذلك بفعل، والمضاف بضد ذلك.
وأمّا الارتباط بزائد على المضاف إليه، فيكفي فيه شعور الذهن به، وأما: هو ظانّ زيدا أمس فاضلا، فليس إلا حذف أول مفعولي «ظنّ» المدلول عليه بـ «ظان»، وذلك شبيه بحذف ثاني مفعولي «ظنّ» المحذوف في: أزيدا ظننته فاضلا؟ 70، وأمّا «ظان» فليست إضافته على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا، ولكن إضافته كإضافة اسم جامد، وكاستعماله غير مضاف في نحو، هذا ظانّ أمس زيدا فاضلا، على نصب زيد، وفاضل بـ «ظنّ» مدلولا عليه باسم الفاعل فهذا وأمثاله لا خلاف في جوازه، وبه يتخلص من إعمال اسم الفاعل الماضي، غير موصول به الألف واللام، ولا يمنع التثنية، ولا الجمع مطلقا إعمال اسم الفاعل، المستوفي شروط العمل، ولا فرق في ذلك بين جمع التكسير، وجمعي التصحيح، فإن قيل: - - الفعل بعينه؛ وذلك لأن الفعل الماضي فيه بعض المضارعة، ولذلك بني على حركة، فبذلك الجزء من المضارعة يعمل الاسم الجاري عليه عملا ما، دون الاسم الجاري على الفعل المضارع، فعمل في الاسم الثاني لما لم يمكن إضافته إليه؛ لأنه لا يضاف إلى اسمين، فأضيف إلى الاسم الذي قبله، وصارت إضافته بمنزلة التنوين له، وعمل في الباقي بما فيه من معنى الفعل والتنوين) اهـ.
الجزء: 6 - الصفحة: 2727
................................ هلّا امتنع بجمع التكسير العمل، كما امتنع بالتصغير، لاستوائهما في تغيير نظم الواحد، فالجواب: أنّ التصغير لم يمنع العمل، لتغيير نظم الواحد فحسب، بلّ لكونه مغيرا نظم الواحد، ومحدثا فيه معنى غير لائق بالفعل وهو معنى الوصفية، فإنّ معنى قولك: ضويرب: ضارب صغير، والجمع - وإن غير نظم الواحد - ليس محدثا 71 في المجموع معنى لا يليق بالفعل؛ لأن الجمع بمعنى العطف، فإنّ معنى قولك: ضرّاب: ضارب، وضارب، وضارب والعطف لائق بالفعل، فلذلك امتنع عمل اسم الفاعل بالتصغير دون التكسير، وأما التثنية وجمع التصحيح فحقيقان بأن يبقى العمل معهما؛ لأنّهما يساويان جمع التكسير في تضمّن معنى العطف، ويفوقانه بأنهما لم يغيرا نظم الواحد، ويساوي اسم الفاعل - في العمل بالشروط المذكورة، في إفراده وغيره - ما قصد به المبالغة، من موازن: فعّال، ومفعال، وفعول، كقول من سمعه سيبويه: أما العسل فأنا شرّاب 72، وكقول الشاعر: 2165 - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها... وليس بولّاج الخوالف أعقلا 73 وكقول رؤبة: 2166 - كم رامنا من ذي عديد مبز... حتّى وقفنا كيده بالرّجز برأس دمّاغ رؤوس العزّ 74
الحديث: 2165 - الجزء: 6 - الصفحة: 2728
................................ وكقول الآخر: 2167 - هجوم عليها نفسه غير أنّه... متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض 75 وكقول الآخر: 2168 - عشيّة سعدى لو تراءت لراهب... بدومة تجر عنده وحجيج قلا دينه واهتاج للشّوق إنّها... على الشّوق إخوان العزاء هيوج 76
-
- في ديوان رؤبة (ص 64)، من قصيدة يمدح بها أبان بن الوليد البجلي، ولفظ الديوان: إلا وقمنا كيده بالرجز اللغة: الدماغ: مبالغة «دامغ» وهو الذي يبلغ بالشجة إلى الدّماغ، رؤوس العز: أي رؤوس أهل العز، والرجز: العذاب، والرأس: الرئيس.
والشاهد فيه قوله: «دماغ رؤوس العز»؛ حيث نصب «رؤوس العز» بـ «دماغ» صيغة مبالغة.
ينظر الشاهد في: الديوان (ص 64)، والكتاب (1/ 113)، ومنهج السالك (ص 322)، والتذييل والتكميل (4/ 790).
- في ديوان رؤبة (ص 64)، من قصيدة يمدح بها أبان بن الوليد البجلي، ولفظ الديوان: إلا وقمنا كيده بالرجز اللغة: الدماغ: مبالغة «دامغ» وهو الذي يبلغ بالشجة إلى الدّماغ، رؤوس العز: أي رؤوس أهل العز، والرجز: العذاب، والرأس: الرئيس.
الحديث: 2167 - الجزء: 6 - الصفحة: 2729
................................ وكقول بعض العرب: إنّه لمنحار بوائكها 77. وكقول الشاعر: 2169 - ثمّ زادوا أنّهم في قومهم... غفر ذنبهم غير فجر 78 وكقول الآخر: 2170 - شمّ مهاوين أبدان الجزور مخامي... ص العشيّات لا خور ولا قزم 79 فـ «غفر» جمع غفور، و «مهاوين» جمع «مهوان»، وكان أصله «مهينا» فبني على «مفعال»؛ لقصد المبالغة، واستصحب العمل له مفردا أو مجموعا، وكذلك فعول إذا جمع على فعل، كما قال: ...... غفر ذنبهم... ولو كسّر «فعّال» لاستصحب أيضا عمله، إلّا أن العرب استغنت بتصحيحه عن تكسيره، لاستثقال فكّ التضعيف، وألحق سيبويه بالثلاثة «فعيلا» و «فعلا»، -
الحديث: 2169 - الجزء: 6 - الصفحة: 2730
................................ مقصودا بهما المبالغة 80، ثمّ قال: و «فعل» أقل من «فعيل» بكثير 81، ثم قال: (ومنه قول) ساعدة بن جؤية 82: 2171 - حتّى شآها كليل موهنا عمل... باتت طرابا، وبات اللّيل لم ينم 83 قال أبو الحجّاج يوسف بن سليمان الشنتمري 84: قال النحويون: هذا غلط من سيبويه، وذلك [3/ 140] أنّ الكليل هو البرق الضعيف، وفعله لا يتعدّى، والموهن الساعة من الليل، فهو منتصب على الظرف، واعتذر لسيبويه أن «كليلا» بمعنى «مكل»، كأنه قال: هذا البرق مكل الوقت بدوامه عليه، كما يقال: أتعبت يومك، وغير ذلك من المجاز، قال محمد بن مالك: وهذا عندي تكلف، لا حاجة إليه، وإنما ذكر سيبويه هذا البيت شاهدا على أنّ «فاعلا» قد يعدل به إلى «فعيل» و «فعل» على سبيل المبالغة، كما يعدل به إلى «فعول» و «فعّال» و «مفعال» فذكر هذا البيت لاشتماله على «كليل» للعدل عن «كالّ» وعلى «عمل»، للعدل به عن «عامل»، ولم يتعرض لوقوع الإعمال، وإنما يحتج له في ثبوت إعمال «فعيل» بقول بعض العرب: إنّ الله سميع دعاء من دعاه، رواه بعض الثقات 85. وممّا يحتجّ له به قول الشاعر: -
الحديث: 2171 - الجزء: 6 - الصفحة: 2731
................................
2172 - فتاتان أمّا منهما فشبيهة... هلالا والأخرى منهما تشبه البدرا 86
فأعمل «شبيهة»، أنثى «شبيه»، مع كونه من «أشبه»، كـ «نذير» من «أنذر» 87، وإذا ثبت إعمال «فعيل» من «أفعل» مع قلة نظائره، كان إعمال «فعيل» من الثلاثي أولى لكثرته، وأنشد سيبويه - مستشهدا على إعمال «فعيل» 88 - قول الشاعر:
2173 - حذر أمورا لا تضير وآمن... ما ليس منجيه من الأقدار 89
وروي عن المازني أنّ اللاحقيّ 90 قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدّي «فعل» فعملت له هذا البيت.
وينسب مثل هذا القول إلى ابن المقفّع 91، والاختلاف في تسمية هذا المدّعي يشعر بأنّها رواية موضوعة، ووقوع مثل هذا مستبعد، فإنّ سيبويه لم يكن ليحتج بشاهد، لا يثق بانتسابه إلى من يحتجّ بقوله:
وإنما يحمل القدح في البيت المذكور على أنّه من وضع الحاسدين، وتقوّل المتعنتين، وقد جاء إعمال فعل فيما لا سبيل إلى القدح فيه، وهو قول زيد الخيل: -
الحديث: 2172 - الجزء: 6 - الصفحة: 2732
................................
2174 - أتاني أنّهم مزقون عرضي... جحاش الكرملين لها فديد 92
فأعمل «مزقا» وهو «فعل» عدل به للمبالغة عن «مازق».
ووافق الجرمي سيبويه في إعمال «فعل» وقال: إنّه على وزن الفعل، فجاز أن يجرى مجراه، وحقّ لـ «فعل» أن يكثر استعماله؛ لأنه مقصور «فاعل» 93، ومنه قول الشاعر:
2175 - أصبح قلبي صردا... لا يشتهي أن يردا
إلّا عوارا عردا... أو صليانا بردا 94
أراد: عاردا، وباردا.
وكثر ذلك في المضاعف، كقولهم: برّ، وشرّ، بمعنى: بارّ، وشارّ 95، -
الحديث: 2174 - الجزء: 6 - الصفحة: 2733
................................
والمشهور بناء هذه الأمثلة من الثلاثي، وقد يبنى من «أفعل» «فعّال»، كأدرك؛ فهو درّاك، وأسأر، فهو سآر 96، و «فعيل»، كأنذر؛ فهو نذير، وآلم؛ فهو أليم، وأسمع؛ فهو سميع، ومنه قول الشّاعر:
2176 - أمن ريحانة الدّاعي السّميع... يؤرّقني وأصحابي هجوع 97
أي: الدّاعي المسمع.
وقد بني أيضا من «أفعل» «مفعال»، كمعطاء، ومهداء، ومعوان، ومهوان، وندر بناء فعول ذي المبالغة، من «أفعل»، في قول الشاعر يصف ناقة جهول:
2177 - جهول، وكان الجهل منها سجيّة... غشمشمة للقائدين زهوق 98
أي: كثيرة الإزهاق من يقودها، هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى وهو كلام شاف واف بالمقصود 99، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أمور:
منها: أنك عرفت - من قول المصنف: يعمل اسم الفاعل غير المصغّر والموصوف دون تقييد بكون الوصف قبل العمل أو بعده، ومن قوله - في الشرح -: ووافق بعض أصحابنا الكسائيّ في إعمال الموصوف قبل الصفة - أنّ اسم الفاعل متى وصف لا يعمل، سواء أكان الوصف قبل العمل، أم بعده.
-
الحديث: 2176 - الجزء: 6 - الصفحة: 2734
................................
لكنّ ابن عصفور يقول: إن المانع من عمل اسم الفاعل هو وصفه قبل العمل، وأما وصفه بعد العمل فسائغ؛ لأنه لم يوصف إلا بعد أن استحقّ العمل بشبه الفعل، ووصفه قبل العمل يبعد شبهه به، فلا يجوز: هذا ضارب ظريف، زيدا، ويجوز: هذا ضارب زيدا ظريف 100.
ومن ثمّ قال الشيخ في شرحه، عند ذكر هذه المسألة: هذا الذي ذكره - يعني المصنف - لا نعلم فيه خلافا، من أنّه إذا وصف بعد أخذه مفعوله، جاز ذلك، وليس وصفه، بعد أخذه معموله قادحا في عمله 101 انتهى.
والذي اختاره المصنف هو الذي يقتضيه النظر، وذلك أنّ العلة المانعة من عمل الموصوف إنما هي كون الوصف من خصائص الأسماء، كما أنّ التصغير كذلك، ولا شكّ أنه إذا اقترن بالاسم المشبه الفعل، ما هو من خصائص الأسماء، أزال اقترانه به ذلك الشبه.
ومعلوم أنّ اتصال الصفة بالموصوف، أشدّ من اتصال العامل بالمعمول، وإذا كان كذلك فلا فرق، أن يذكر الوصف مقدما على المعمول، أو مؤخرا عنه 102.
ومنها: أنّ من جملة شروط عمل اسم الفاعل الاعتماد - كما عرفت - إما على صاحب من مبتدأ، أو صاحب حال، أو موصوف، وإما على نفي، أو شبهه، من نهي، أو استفهام 103، وإنّما كان ذلك شرطا؛ لأنّ الاعتماد على النفي والاستفهام يقوّي في الاسم جانب الفعلية، وهذا ظاهر، وأما الاعتماد على صاحب فلأنّ الوصف لا يكون إلا بالمشتق، أو بما هو في حكمه وكذلك الحال أيضا لا يكون إلا بما هو كذلك، وأما الخبر فلأنّ المشتق منه يعامل معاملة الفعل، بدليل تحمّله للضمير.
ولا شكّ أن الخبر - إذا كان مشتقّا - هو المبتدأ في المعنى، فلولا أنّه جرى -
الجزء: 6 - الصفحة: 2735
................................
مجرى الفعل، الذي هو غير المبتدأ في المعنى لما احتيج فيه إلى ذكر ضمير يعود إلى المبتدأ، أشار إلى هذا التعليل ابن عصفور 104، ولم يظهره لي ما ذكره، أما قوله: إن الوصف لا يكون إلا بالمشتق، وكذلك الحال أيضا فهذا إنما كان يفيد لو كان اسم الفاعل غير مشتق، فيقال: إنما ساغ عمله؛ لأنه وقع موقعا هو المشتق، لكنّ اسم الفاعل الذي الكلام فيه مشتق، فكيف نعلل اشتراط اعتماده على موصوف، أو ذي حال، بأنّ الوصف والحال لا يكونان [3/ 141] إلا بالمشتق.
وأمّا قوله: إنّ المشتقّ إذا وقع خبرا يعامل معاملة الفعل؛ فهذا إنما كان يفيد أنّه لو كان صالحا لا يحتمل ضميرا، وإنما عمله تشبيها له بالفعل، وليس الأمر كذلك؛ لأنّ المشتقّ من حيث هو مشتق يجب عمله في الضمير مع قطع
النّظر عن الفعل؛ لأنّ المشتقّ في الاصطلاح هو الدالّ على ذات قام بها معنى وإذا كان كذلك لم يتوجه ذكره، والذي ذكره غيره وهو أولى أنّه إنما اشترط اعتماد اسم الفاعل حال العمل على صاحب له؛ لأنّ ذلك أصل وضعه؛ لأنّه صفة في المعنى ولا بدّ من محكوم عليه، والمحكوم عليه به قد يكون مبتدأ وقد يكون موصوفا، ولا شكّ أنّ صاحب الحال حكمه حكم المبتدأ، وحكم الموصوف، فإنما اكتفى بالاستفهام والنفي إذا قدما ولم يحتج إلى اعتماد على صاحب؛ لأنهم لم يستعملوا الصفة قائمة مقام الفعل إلا في هذين الموضعين.
والذي يدلّ على أنّه موضوع موضع الفعل لا موضع الأسماء والصفات أنه يستقل بفاعله كلاما في قولنا: أقائم الزيدان، ولولا أنّه بمثابة قولك: أيقوم الزيدان؟
لم يستقل كلاما؛ إذ الصفة لا يثبت استقلالها بفاعلها، ولو قيل: إنّما اشترط في عمل اسم الفاعل الاعتماد على صاحبه، ليحقق كونه وصفا، فيتبين أنه يستحقّ العمل؛ إذ لو لم يكن خبرا ولا صفة ولا حالا لم تحقق وصفيته واحتمل أن يكون قد استعمل استعمال الأسماء كـ «والد» لكان أقرب.
ومنها: أنّ الأخفش والكوفيين لا يشترطون في إعمال اسم الفاعل الاعتماد، ومن ثمّ أجازوا: قائم «الزيدان»، و: قائم الزيدون؛ على أنّ «قائما» مبتدأ، وما بعده فاعل به 105، -
الجزء: 6 - الصفحة: 2736
................................
واستدل الأخفش بقوله تعالى: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها 106 في قراءة من رفع دانية 107.
والجواب عن ذلك ظاهر، والذي عليه الجمهور أنّ ذلك لا يجوز، قالوا: لأنّ اسم الفاعل لا يسوغ له العمل إلّا في موضع يسوغ فيه وقوع الفعل، قال ابن عصفور:
ولذلك منع النحويون أن يقال: هذان ضارب زيدا وتاركه، إذا أردت أن أحدهما يضربه والآخر يتركه؛ لأنّه لا يجوز أن يقع الفعل في موضعه، لا تقول: هذان يضرب زيدا ويتركه، وأنت تريد أنّ أحدهما يضربه، والآخر يتركه 108 انتهى.
وإنما عمل اسم الفاعل في «أقائم الزيدان؟» لما تقدّم تقريره.
ومنها: أنك قد عرفت أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي ولم يكن صلة للألف واللام لا يعمل إلّا إذا قصد به حكاية الحال لكنّ المصنف لم يذكر مثالا للعامل محكيّا به الحال، والشاهد لذلك قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ 109 قال ابن عصفور: والدليل على أنّ اسم الفاعل إذا كان ماضيا وعمل دون ألف ولام كان المراد به حكاية الحال أنه لا يوجد عاملا إلّا في موضع يسوغ فيه الفعل المضارع، نحو قولنا: كان زيد ضاربا عمرا، فلا شكّ أنّ «ضاربا» معناه المضيّ، وأنت لو صرحت بالفعل فيه لقلت: كان زيد يضرب عمرا.
قال ابن عصفور: وقوع الماضي هنا قبيح، فلولا أنهم أرادوا حكاية الحال في هذا الموضع لما كان وجه لوقوع الماضي فيه، وكذلك قولك: جاء زيد واضعا يده على رأسه، فـ «واضعا يده على رأسه» في هذا الكلام ماض من جهة المعنى، واسم الفاعل قد عمل؛ لأنك لو أتيت بالفعل في موضعه لقلت: جاء زيد يضع يده على -
الجزء: 6 - الصفحة: 2737
................................ رأسه قال: فدلّ ذلك على أنهم قصدوا حكاية الحال، وكذلك قول امرئ القيس: 2178 - ومجر كغلّان الأنيعم بالغ... ديار العدوّ ذي زهاء وأركان 110 فـ «بالغ» - فيه - بمعنى الماضي، بدليل قوله بعده: 2179 - سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 111 وهو - مع ذلك - قد عمل؛ لأنك لو أتيت في موضعه بفعل مضارع لساغ، قال: فلّما رأينا اسم الفاعل، إذا كان بمعنى المضي لا يعمل إلّا في موضع يقع فيه الفعل المضارع دلّ ذلك على أنّه إنما عمل لقصد حكاية الحال قال: «وإذا ثبت ما ذكرناه لم يكن في الآية الشريفة حجّة؛ لأنّ قوله سبحانه تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ 112 جملة في موضع الحال 113. فقد وقع اسم الفاعل في موضع يقع فيه الفعل المضارع بدلا عنه، وإن كان من جهة المعنى ماضيا، ألا ترى أنك تقول: جاء زيد وأبوه يضحك، ولا يحسن أن -
الحديث: 2178 - الجزء: 6 - الصفحة: 2738
................................
تقول: جاء زيد وأبوه ضحك، وإنّما كان يثبت ما قال الكسائيّ: لو جاء من كلامهم: هذا ضارب زيد أمس، ولا يحسن أن تقول: هذا يضرب زيدا أمس، قال: ومما يبين فساد مذهب الكسائي أنّ اسم الفاعل بمعنى الماضي، لو كان عاملا لم يتعرف بالإضافة، ولكنه يتعرف بها ولذلك وصف بالمعرفة، في قول الشاعر:
2180 - لئن كنت قد بلّغت عنّي وشاية... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب 114
انتهى كلام ابن عصفور، ولا شكّ أن مذهب الكسائي في هذه المسألة باطل، لكن في إبطاله بما أنشده نظر، فإنّ الإضافة اللفظية يجوز فيها أن تصير معنوية إلا ما استثني، وحينئذ تعود الإضافة محضة فيحصل بها التعريف، وهو ذكر ذلك في كتبه.
بقي هنا أن يشار إلى مسألتين تتعلقان باسم الفاعل الذي معناه ماض:
إحداهما:
أنّ الخلاف المذكور في عمله إنما هو بالنسبة إلى المفعول به، أما رفعه الفاعل فالظاهر أنه لا بدّ منه، لكن من النحاة من منع رفعه [3/ 142] الفاعل أيضا وبه قال ابن جنّي، واختاره الشلوبين 115، والمتأخرون من المغاربة خلا ابن عصفور، هذا إذا كان الفاعل ظاهرا، فإن كان الفاعل مضمرا؛ فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه.
قال الشيخ: وليس كذلك بل ذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أنّه لا يرفع المضمر أيضا، قال: والذي تلقيناه أنّه لاشتقاقه يتحمل الضمير 116. انتهى.
وأقول: لا يتوجه لي كون اسم الفاعل الماضي لا يرفع، وذلك أنّ المشتقّ بذاته من حيث هو مشتق يستلزم مرفوعا، فليس محله الرفع بمشابهة الفعل، بل العمل الذي يعمله لمشابهته الفعل إنما هو النصب، ومما يدل على ذلك أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض معنى الوصفية فيه باق، ولا يتصور وجود معنى الوصف دون من يقوم به ذلك، وإذا ثبت أنّه لا بدّ له من مرفوع يقتضيه لذاته؛ فلا فرق فيه بين أن يكون مضمرا أو ظاهرا.
-
الحديث: 2180 - الجزء: 6 - الصفحة: 2739
................................ المسألة الثانية: أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض إذا أضيف، واقتضى بعد الإضافة من جهة المعنى مفعولا به، بأن يكون من فعل يتعدّى إلى مفعولين، جيء بذلك الذي يقتضيه بعد الإضافة منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد درهما أمس، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، في كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقد عرفت أنّ مذهب الجمهور أنّه منصوب بفعل مقدّر مدلول عليه باسم الفاعل وأنّ السيرافيّ يرى نصبه باسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي 117، وأنّ المصنف اختار مذهب الجمهور 118، وقد تعرض الشيخ في شرحه 119 لذكر المسألة فقال: ذهب الجمهور ومنهم الجرميّ 120، والفارسيّ 121، إلى أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر يفسّره اسم الفاعل، ووقفوا في ذلك مع الأصل، وهو أنّ اسم الفاعل بغير «أل» لا يعمل إذا كان معناه ماضيا فالتقدير: أعطاه درهما، وذهب السيرافيّ والأعلم، وبعض المحققين، كالأستاذ أبي عليّ 122، وأصحابه إلى أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي، قالوا: لأنه قوّى شبهه بالفعل هنا، وذلك أنه يطلب ما بعده من جهة المعنى ولا يمكن إضافته -
الجزء: 6 - الصفحة: 2740
................................ إليه؛ لأنه قد اشتمل بإضافته إلى الأول فأشبه الفعل بهذا؛ لأنّ الفعل يطلب ما بعده، ولا يمكن إضافته إليه، وصار في ذلك كالمعرّف بالألف واللام، واستدلّ لصحة هذا القول باسم الفاعل من باب «ظنّ» إذا قلت: هذا ظان زيدا قائما أمس، فإنّه يطلب اسمية، ولا يجوز حذف أحدهما اقتصارا ولو نصبت «قائما» بمضمر لزمك حذف الثّاني، الذي يطلب «ظان» ولا يجوز حذفه اقتصارا، فيبقى حذفه اختصارا، والمحذوف اختصارا بمنزلة الثابت، فيلزم أن يكون اسم الفاعل عاملا فيه أو نقدر ذلك المحذوف عاملا فيلزم حذف الثّاني لاسم الفاعل ويرجع الكلام في ذلك إلى المحذوف الثّاني، ويتسلسل إلى ما لا نهاية له، وبهذا اعترض أبو الفتح 123 على أبي عليّ فسكت 124، وإذا لزم إعمال «ظان» بمعنى الماضي في الاسم الثّاني، وجب أن يعتقد أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر، إلا أن يقول: إنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد قائما أمس، وإنها استغنت عنه بقولها: هذا ظنّ زيدا قائما أمس؛ لكن في هذا القول خروج عما عهد في الأفعال المتصرفة، من جواز بناء اسم الفاعل منها للحال والاستقبال، والمضي 125. قال الشيخ: وسألت شيخنا الأستاذ أبا الحسن ابن الضائع عن هذه المسألة، وذكرت له المذهبين، واعتراض ابن جني وسكوت أبي عليّ؛ فقال: سكوت أبي عليّ عنه استهزاء به، وتضعيف لاعتراضه لا قصور 126، والصحيح ما ذهب إليه أبو عليّ، ثم أملى عليّ ما نصّه: فإنّ قيل: هذا لا يتصور في باب الظن من قبيل أنّه لا يجوز فيه الاقتصار، وكذلك الاختصار؛ لأنّ المحذوف اختصارا كالمنطوق به، فإن قدرت عاملا لزم التسلسل، فالجواب من وجهين: أحدهما: أنّ قولهم: هذا ظان زيدا، إنما يكون على حد قولهم: ظننت بزيد، ثمّ جئت باسم الفاعل منه فقلت هذا ظانّ زيد وأصله ظان بزيد فلا يحتاج هذا إلى مفعولين ثمّ حذفت وأضفت فـ «زيد» في الموضعين ليس مذكورا على أنّه مفعول به بل على أنّه محل لوقوع الظن 127. -
الجزء: 6 - الصفحة: 2741
................................
الوجه الثّاني: قال 128 وهو الذي انفصل به شيخنا أبو زكريا ابن ذي النّون 129 عما ألزم به أبو عليّ أنّ حذف الاقتصار وإنما يمتنع حيث لا يذكر المفعول الثاني أما إذا كان الكلام قد اشتمل على المفعولين معا وإن لم يذكر الثاني على أنه مفعول بذلك الفعل فإنّه يجوز كقولهم: ظننت أنّ زيدا منطلق؛ لمّا اشتمل الكلام على ذكر المفعولين معا وإن لم يكن لظننت إلا مفعول واحد هنا جاز، فكذلك مسألتنا قد اشتمل الكلام فيها على ذكر المفعولين معا وكذلك في الاشتغال، إذا قلت: أزيدا ظننته منطلقا فلا يحتاج هنا إلى تقدير مفعول ثان لظننت المحذوفة؛ لأنّ المفعول
الثّاني قد ذكر مع المفسر 130. انتهى.
قال الشيخ في الوجه الأول: هذا الوجه هو إحالة لصورة المسألة؛ لأنّ الخلاف إنما وقع في اسم الفاعل الماضي المضاف إلى المفعول الأول والجائي بعده المفعول الثاني منصوبا فهل ينسب العمل في الثاني إليه أو إلى فعل محذوف فلم يقع الخلاف [3/ 143] في هذا التركيب إلّا على هذا التقدير، وأما إجازته على أنه اسم فاعل من قولهم: ظننت بزيد، (أي: جعلته محلّ ظنّي ولا يتعدّى ذلك إلى مفعولين) 131؛ فليس المتنازع فيه، بل تخريج هذا التركيب على هذا التأويل هو اعتراف بصحّة الإلزام فنقلت:
قال: وأما الوجه الثاني، الذي انفصل به أبو زكريّا فقد تقدمه إلى مثله الأستاذ أبو جعفر أحمد بن أبي الحسن بن الباذش نقلت من خطه ما يدلّ على أنّ (سكنا) من قوله تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً 132 منصوب بإضمار فعل، على ما ذهب إليه أبو عليّ 133 في قولهم: عبد الله أظنّه ذاهبا، ولولا قياس إحدى الجملتين بالأخرى ما جاز أن تقول: أظنّ عبد الله؛ لأنّ الاقتصار لا يجوز، ولكنّ الحذف لدلالة المفعول في الجملة الثانية 134. انتهى ما نقله الشيخ.
-
الجزء: 6 - الصفحة: 2742
................................
وأقول:
أما الوجه الأول من وجهي جواب ابن الضائع، وهو أنّ «ظأنّا» - من قولنا:
هذا ظان زيد أمس قائما - ليس له عمل، ولا يحتاج إلى مفعول، فقد قرره المصنف على وجه أولى من الوجه الذي قرره ابن الضائع عليه، وهو أنّ إضافته ليست على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا، ولكنّ إضافته كإضافة اسم
جامد، وكاستعماله غير مضاف في نحو: هذا ظان أمس زيدا فاضلا، على نصب: «زيد، وفاضل» بـ «ظنّ» مدلولا عليه باسم الفاعل، ثمّ إنه لا يتوجه عليه ما اعترض به الشيخ على ابن الضائع 135، من أنّ هذا تركيب آخر، وهب أنّ هذا الجواب يتمشّى له في: هذا ظان زيد أمس قائما، فكيف يتأتّى له جوابا على حذف المفعول الأول للفعل المقدر، الذي هو «ظنّ»؟ فانظر إلى هذا الرجل - أعني المصنف - كيف أتى بجواب شاف، فتضمّن أن اسم الفاعل، الذي هو «ظان»، لا مفعول له البتة، وأنّ المفعول الأول الذي هو معمول للفعل المقدّر حذف؛ للدلالة عليه بالمضاف إلى «ظان»، وهو «زيد»، وابن الضائع لم يتعرض إلى الجواب عن حذف أول مفعولي الفعل المقدّر أصلا.
وأمّا الوجه الثاني المنقول عن الشّيخ أبي زكريّا، وهو أنّ حذف الاقتصار إنما يمتنع حيث لا يذكر المفعول الثاني، أما إذا اشتمل الكلام على معمولين معا، وإن لم يذكر الثاني على أنه مفعول بذلك الفعل فإنه يجوز، كقولهم: ظننت أنّ زيدا منطلق، إلى آخره؛ ففيه بحث، وهو أن يقال: أما نحو: ظننت أنّ زيدا منطلق فالجملة المشتملة على المسند إليه والمسند واحدة، وما اشتملت عليه مفيد ما يفيده التصريح بذكر المفعولين، فاكتفى بذلك عن مفعول ثان، وأما المسألة التي الكلام فيها، وهي: هذا ظان زيدا أمس قائما، فقد قرر أنّ التقدير فيها: ظنّه أمس قائما، فـ «قائم» الذي هو المفعول الثاني للفعل المقدّر من جملة أخرى مستقلة، فكيف يكون مكتفى به عن ثاني مفعولي «ظانّ» من قولنا: هذا ظانّ زيد أمس، وهو من جملة أخرى لا تعلق لها بالثانية.
وحاصل الأمر: أنّه لا يلزم من الاكتفاء بالمسند إليه، والمسند، عن المفعول الثاني إذا حلّا محلّ المفعول الأول في جملة واحدة، أن يحصل الاكتفاء بهما عنه في جملتين.
-
الجزء: 6 - الصفحة: 2743
................................
فإن قيل: يدلّ على الاكتفاء بذلك في جملتين مسألة الاشتغال، وهي: أزيدا ظننته منطلقا، فإن التقدير: أظننت زيدا منطلقا ظننته منطلقا، فحذف المفعول الثاني من الجملة الأولى، لاشتمال الجملة الثانية عليه، فالجواب: أنّ الجملة الثانية في الاشتغال مفسرة للجملة الأولى، والمفسّرة في باب الاشتغال هي المفسّرة نفسها، ومن ثم لم يجز الجمع بينهما، وكان شرط العامل المقدّر أن يضمر عمله في الاسم السابق، لو سلّط عليه، وإذا كان كذلك فكأنّ الجملة الثانية هي الجملة الأولى، فالمذكور فيها كالمذكور في الجملة التي قبلها، ثمّ هذا البحث، على أنّ الحذف في مسألة اسم الفاعل حذف اقتصار، أمّا الحذف اختصارا فقد عرفت أنّهم أبطلوه، لما لزم من القول به التسلسل، كما مرّ، وفي النفس - من منع الحذف اختصارا - شيء، ولكنّ الأئمة قد قرروه، فلم يسغ إلا التسليم.
واعلم أنّ أبا الحسين 136 بن أبي الربيع أنكر مجيء نحو: هذا ظانّ زيد أمس شاخصا، قال: وإنما يقول العرب: هذا الظان زيدا أمس شاخصا؛ لأنك إن نصبت «شاخصا» بإضمار فعل كنت قد اقتصرت على واحد، ولا يجوز في باب «ظنّ»، وإن نصبته بـ «ظان» أعملت اسم الفاعل، بمعنى الماضي، وهذا لم يثبت.
قال 137: وكان الأستاذ أبو عليّ يأخذ في الانفصال عنه 138 بوجهين:
أحدهما: أنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد أمس شاخصا، وإنما تقول: هذا الظانّ زيدا أمس شاخصا 139.
ثانيهما: أن يفرق بين باب «ظننت» فينصب باسم الفاعل؛ لعدم جواز -
الجزء: 6 - الصفحة: 2744
................................ الاقتصار، وبين باب «أعطيت» فينصب فيه بإضمار فعل؛ لجواز الاقتصار. ومنها: أنّ الكوفيين منعوا إعمال أمثلة المبالغة، كما أشار المصنف إلى ذلك في متن الكتاب، ومستند الكوفيين في عدم إعمالها أنها ليست جارية على الفعل، وإنما هي جارية مجرى الأسماء التي يمدح بها ويذمّ، وعندهم أنّ ما يذكر بعدها يجرّ بإضافتها إليه، فإن نوّن شيء منها، ونصب ما بعده كان نصبه بإضمار فعل يدل على الصفة، ومن ثمّ لم يجيزوا تقديم المنصوب على الصفة؛ لأنّ الصفة دالة على الفعل الناصب له، وباب الدليل أن يكون متقدما على ما يدل عليه 140. [3/ 144] واستدلّ ابن عصفور على بطلان دعواهم بأنّها لو كانت عاملة النصب فيما بعدها لوجب أن تتعرف بالإضافة إلى معرفة؛ لأنها عندهم ليست من نصب، لكنها تضاف إلى المعرفة، ولا تتعرّف، قال الشاعر: 2181 - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها... وليس بولّاج الخوالف أعقلا 141 فوصف «ولّاج الخوالف» مع كونه مضافا إلى معرفة بـ «أعقل» وهو نكرة. وقال الآخر: 2182 - ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعل... طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل 142
الحديث: 2181 - الجزء: 6 - الصفحة: 2745
................................ فـ «طباخ» نكرة، بدليل وصف «ابن عمّ» به، مع كونه مضافا إلى معرفة، وهي: إما «ساعات الكرى»، في رواية من نصب «زاد الكسل»، وإمّا «زاد الكسل» في رواية من خفضه، قال: وأما منعهم تقديم المفعول فباطل أيضا بدليل قول الشاعر: 2183 - قلا دينه واهتاج للشّوق إنّها... على الشّوق إخوان العزاء هيوج 143 وقول الآخر: 2184 - بكيت أخا لأواء يحمد يومه... كريم رؤوس الدارعين ضروب 144 قال 145: وأمّا البصريّون فاتفقوا على جواز إعمال: «فعول، وفعّال، ومفعال»؛ لكثرة ورودها في كلام العرب معملة، واختلفوا في إعمال: «فعل، وفعيل»، فمذهب سيبويه ومن تابعه الجواز، ومنع ذلك البغداديون، ونازعوا فيما استدلّ به سيبويه على الإعمال 146، أشار إلى ذلك ابن عصفور، وأطال، وقد تقدّم من كلام -
الحديث: 2183 - الجزء: 6 - الصفحة: 2746
................................
المصنف في ذلك ما فيه غنية.
قال الشيخ: والإنصاف في هذه المسألة القياس على «فعول، وفعّال، ومفعال»، والاقتصار في «فعيل وفعل» على موارد السّماع 147.
ومن النحويين من أجاز هذه الأمثلة، وإن كان معناها ماضيا، قال: لما فيها من قوة معنى الفعل، بسبب المبالغة، وإلى ذلك ذهب ابن خروف 148 من المتأخرين مستدلّا بقول الشاعر:
2185 - كريم رؤوس الدّارعين ضروب
قال: لأنه يرثي رجلا شجاعا، فمدحه بما ثبت واستقرّ، والجواب أنّ هذا إنما هو على حكاية الحال 149.
ومنها: أنّ الموجب لقول الأخفش: إنّ نصب ما بعد اسم الفاعل المقرون بـ «أل» إنما هو على التشبيه بالمفعول به؛ أنّه يرى أنّ «أل» التي باشرت اسم الفاعل إنما هي للتعريف، كما هي في «الرجل»، فخالف الجمهور في القول بأنها اسم موصول 150، وإذا كانت حرف تعريف كان دخولها على اسم الفاعل مبطلا لعمله كما يبطله التصغير والوصف؛ لأنّه يبعد عن الفعل بمباشرة ما هو من خواصّ الأسماء له: فلذلك احتاج أن يقول: إن النصب على التشبيه بالمفعول به، ولا شكّ أنّ هذا المذهب مرغوب عنه، وقد ذكرت الأدلة على بطلانه في غير هذا الموضع 151.
الحديث: 2185 - الجزء: 6 - الصفحة: 2747
[إضافة اسم الفاعل المجرّد من «أل» إلى المفعول أو ما يشبه المفعول - إضافة المقرون بالألف واللام - حكم المعطوف على مجرور ذي الألف واللام]
قال ابن مالك: (يضاف اسم الفاعل المجرّد الصّالح للعمل إلى المفعول به جوازا، إن كان ظاهرا متّصلا، ووجوبا إن كان ضميرا متّصلا، خلافا للأخفش وهشام في كونه منصوب المحلّ، وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول، أو ظرف، ولا يضاف المقرون بالألف واللّام إلّا إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه، أو كان المفعول به معرّفا بهما، أو مضافا إلى معرّف بهما، أو إلى ضميره، ولا يغني كون المفعول به معرّفا بغير ذلك، خلافا للفرّاء، ولا كونه ضميرا، خلافا للرّماني، والمبرّد، في أحد قوليه، ويجرّ المعطوف على مجرور ذي الألف واللّام إن كان مثله، أو مضافا إلى مثله، أو إلى ضمير مثله، لا إن كان غير ذلك، وفاقا لأبي العبّاس).
قال ناظر الجيش: لما أنهى المصنف الكلام على اسم الفاعل، بالنسبة إلى نصبه المفعول به، وعدم نصبه إياه، شرع الآن في بيان إضافة العامل منه إلى معموله، ولا شكّ أنّ إضافته بحسب مواقعه جائزة، وواجبة، وممتنعة 152، فتجوز في صورتين:
إحداهما: أن يكون اسم الفاعل مجردا من الألف واللّام، ومعموله ظاهر متصل باسم الفاعل، أي: غير مفصول بينهما بشيء، نحو: زيد مكرم عمرو 153.
الثانية: أن يكون اسم الفاعل مقرونا بالألف واللام، وهو مثنّى أو مجموع على - - (199 / أ)، والمساعد لابن عقيل (151 / أ) مخطوط.
وفي التذييل والتكميل (4/ 819): (وردّ هذا المذهب بأن المنصوب بالصفة المشبهة لا يكون إلا سببيّا، مشروطا فيه شروط تذكر في باب الصفة المشبهة، وهذا ينصب السببي والأجنبي، نحو: مررت بالضارب غلامه، وبالضارب زيدا.
وردّ أيضا بأن اسم الفاعل بمعنى الماضي لو كان المنتصب بعده، على طريق التشبيه لجاز أن ينتصب الاسم بعده، وإن لم تدخل عليه «أل» فلما لم ينتصب بعده دل على بطلان مذهبه، وتبين أنه مفعول باسم الفاعل) اهـ.
الجزء: 6 - الصفحة: 2748
................................ حدّه، نحو: هذان الضاربا زيد، وهؤلاء المكرمو عمرو، أو يكون المعمول معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى معرّف بهما، أو إلى ضمير معرّف بهما، نحو هذا الضارب الرجل، والمكرم غلام الرجل، والرجل أنت الضارب غلامه 154. [3/ 145] وتجب في صورة واحدة: وهي أن يكون اسم الفاعل مجردا من الألف واللام، والمعمول ضمير متصل بالعامل، أي لم يفصل بينهما بشيء، نحو: زيد مكرمك، والزيدان مكرماك، والزيدون مكرموك 155، فلو فصل بينهما بمعمول آخر كانت الإضافة إلى ذلك المعمول، ووجب النصب في المعمول الثاني نحو: الدّرهم أنا معطيكه 156، وتمتنع في صورتين: إحداهما: أن يكون اسم الفاعل غير مثنّى، ولا مجموع على حده، وهو مقرون بالألف واللام، والمعمول ظاهر، ليس فيه ألف ولام، ولا مضافا إلى ما هما فيه، ولا إلى ضمير ما هما فيه، نحو: هذا الضارب زيدا والمكرم رجلا 157. الثانية: أن يكون اسم الفاعل غير مثنّى، ولا مجموع على حدّه، وهو مقرون بالألف واللام، والمعمول ضمير، نحو: هذا المكرمك 158، وهذه الصور في بعضها خلاف، كما أشار إليه المصنف في متن الكتاب، وستعرفه، ولكنّ الذي نشير إليه، -
الجزء: 6 - الصفحة: 2749
................................
إنما هو على أصحّ المذاهب فيها، كما سيبين، ثم إنّ المصنف أشار - مع ذكر هذه المسائل، في هذا الفصل - إلى أمرين آخرين:
أحدهما: الفصل بين اسم الفاعل، وما أضيف إليه، من معموله الظاهر.
ثانيهما: حكم المعطوف على مجرور اسم الفاعل المقرون بالألف واللّام بالنسبة إلى جواز جره، وعدم جوازه.
وبعد: فأنا أورد كلام المصنف ليعرف منه تفصيل ما وقعت الإشارة إليه إجمالا، ثم إن تعلق به شيء ذكرته بعد ذلك.
قال - رحمه الله تعالى - 159: اسم الفاعل المجرّد هو العاري من الألف واللّام، وذكره مخرج للمقرون، وذكر الصالح للعمل مخرج للمجرّد الذي أريد به المضي 160، ومدخل للمحوّل إلى أحد أبنية المبالغة؛ فإن اسم الفاعل واقع عليه بعد التحويل.
والحاصل: أنّ اسم الفاعل المشار إليه ذكر بعده مفعول به ظاهر متصل جاز نصبه بمقتضى المفعولية، وجرّه بمقتضى الإضافة، وإن كان المفعول به ضميرا متصلا وجب كونه مجرورا بالإضافة.
فمثال ذي الوجهين لكون المعمول ظاهرا متصلا قوله تعالى: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ 161، وقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ 162.
ومثال ذي الوجه الواحد - لكون المعمول ضميرا متصلا - قولك: هذا مكرمك، وهذان مكرماك، وهؤلاء مكرموك، فالكاف - في الأمثلة الثلاثة - وشبهها في موضع جرّ، على مذهب سيبويه، وأكثر المحققين 163، وهو الصحيح؛ لأن الظاهر هو الأصل، والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها إعراب؛ لا ينسب -
الجزء: 6 - الصفحة: 2750
................................
إليه، إلا إذا كان المضمر بلفظ غير صالح لإعراب الظاهر، كالكاف والهاء من:
لولاك ولولاه؛ فإنّ الجرّ منسوب إليهما عند سيبويه مع أنّه إعراب غير صالح للظاهر، الذي وقع موقعه، وحمله على ذلك أنّ لفظ الكاف والهاء غير صالح للرفع، بل للنصب والجر، ولكنّ النصب ممتنع لامتناع لازمه، وهو أن يقال: لولاني دون لولاي، وإنما يقال: لولاي، دون لولاني، فتعين الحكم بالجر.
وزعم الأخفش، وهشام 164 الكوفي أنّ كاف «مكرمك» وشبهه في موضع نصب؛ لأنّ موجب النصب المفعولية، وهي محققة، وموجب الجر الإضافة، وهي غير محقّقة؛ إذ لا دليل عليها إلا حذف التنوين، ونوني التثنية والجمع، ولحذفهما سبب غير الإضافة، وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا 165، وهذه شبهة، تحسب قوية، وهي ضعيفة؛ لأنّ النصب الذي تقتضيه المفعولية لا يلزم كونه لفظيّا، بل يكتفى فيه بالتقدير، فلذلك جاز أن يراد بعض حروف الجر، مع بعض المفعولات، نحو: رَدِفَ لَكُمْ 166، وخشّنت بصدره 167، ولولا ذلك لامتنعت إضافة اسم الفاعل إلى المفعول به الظاهر، وأيضا؛ فإنّ عمل الأسماء النصب أقلّ من عملها الجرّ، فينبغي - عند احتمال النصب والجر في معمول اسم - أن يحكم بالجر، حملا على الأكثر.
وأمّا جعل سبب حذف التنوين والنونين صون الضّمير المتّصل من وقوعه منفصلا فمستغنى عنه لوجهين:
أحدهما: أن حذفه للإضافة محصّل لذلك فلا حاجة إلى سبب آخر.
-
الجزء: 6 - الصفحة: 2751
................................ الثّاني: أن مقتضى الدليل بقاء الاتصال بعد التنوين، ونوني التثنية والجمع؛ لأن نسبتها من الاسم كنسبة نون التوكيد من الفعل، واتصال الضمير لا يزول بنون التوكيد، فكذلك لا يزول بالتنوين، ونوني التثنية والجمع، لو قصد النصب، وقد نبّهوا على جواز ذلك باستعماله في الشعر، كقول الشاعر: 2186 - هم الفاعلون الخير والآمرونه... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما 168 ومثله قول الآخر: 2187 - ولم يرتفق والنّاس محتضرونه... جميعا، وأيدي المعتفين رواهقه 169 ويتعين - غالبا - نصب معمول اسم الفاعل، إذا انفصل، ظاهرا كان، كقوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً 170، أو مضمرا، كالهاء التي بعد الكاف في قول الشاعر: 2188 - لا ترج أو تخش غير الله إنّ أذى... واقيكه الله لا ينفكّ مأمونا 171
الحديث: 2186 - الجزء: 6 - الصفحة: 2752
................................ ومن هذين المثالين وأشباهما احتزرت بذكر (متصلا) بعد قولي: (إن كان ظاهرا)، وبعد قولي: (إن كان ضميرا)، ثمّ قلت: (وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر، بمفعول أو ظرف) فنبّهت بذلك على قراءة بعض القراء: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله 172 وعلى قول الشّاعر: 2189 - وكرّار خلف المحجرين جواده... إذا لم يحام دون أنثى حليلها 173 وعلى قول الرّاجز [3/ 146]: 2190 - ربّ ابن عم لسليمى مشمعل... طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل 174 ثمّ نبّهت على أنّ المقرون بالألف واللّام يجوز أن يضاف - إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه - إلى المفعول به مطلقا، وإن لم يكن مثنّى، ولا مجموعا على حده لم يضف إلا إلى المعرف بالألف واللام، وإلى مضاف إلى مقرون بهما. فالأول: كقول الشاعر: 2191 - إن يغنيا عنّي المستوطنا عدن... فإنّني لست يوما عنهما بغني 175
الحديث: 2189 - الجزء: 6 - الصفحة: 2753
................................ والثّاني: كقوله: 2192 - ليس الأخلّاء بالمصغي مسامعهم... إلى الوشاة، ولو كانوا ذوي رحم 176 والثّالث: كقول الآخر: 2193 - أبأنا بهم قتلى وما في دمائهم... شفاء وهنّ الشّافيات الحوائم 177 والرّابع: كقول الآخر: 2194 - لقد ظفر الزّوّار أبنية العدا... بما جاوز الآمال بالقتل والأسر 178 والخامس: كقول الآخر: 2195 - الودّ أنت المستحقّة صفوه... منّي، وإن لم أرج منك نوالا 179
الحديث: 2192 - الجزء: 6 - الصفحة: 2754
................................ وأجرى الفراء العلم وغيره من المعارف مجرى ذي الألف واللام، في الإضافة إليه 180: فيقال - على مذهبه -: هذا الضارب زيد، والضارب عبده، والمكرم ذينك، والمعين اللذين نصراك، ولا مستند له في هذا من نثر ولا نظم، وله من النظر حظ، وذلك بأن تقدّر الإضافة قبل الألف واللّام، وهي إضافة كلا إضافة؛ إذ هي لمجرد التخفيف، فلم يمنع لحاق الألف واللّام، عند قصد التعريف، فإنّ مانع اجتماعهما مع الإضافة إنما هو توقّي اجتماع معرفين، وهو مأمون فيما نحن بصدده، فلم يضرّ جوازه، ولا يلزم من ذلك جواز: الحسن وجهه؛ لأنّ المضاف، والمضاف إليه - في ذلك، وفيما أشبهه - شيء واحد في المعنى، فحقّه أن يمنع هو وغيره، ممّا إضافته كإضافته، إلّا أنّ المستعمل مقبول، وإن خالف القياس، وما خالف القياس، ولم يستعمل تعين اجتنابه، كـ: الحسن وجهه، وزعم الزمخشريّ أنّ كاف «المكرمك» وشبهه في موضع جر، مع منعه الظاهر الواقع موقعه 181، وقد تقدّم في قولي: إنّ الظاهر أصل والمضمر نائب عنه، ولا ينسب إلى النائب ما لا ينسب إلى المنوب عنه 182، فمذهب الزمخشري - في هذا - ضعيف، وقد سبقه إلى ذلك الرمانيّ، والمبرد 183، إلّا أنّ المبرد رجع عن ذلك، كذا قال ابن السراج 184. والحاصل: أنّ الضمير المتصل باسم فاعل، مقرون بالألف واللام، غير مثنّى ولا مجموع على حدّه؛ منصوب على مذهب سيبويه والأخفش، مجرور على -
الجزء: 6 - الصفحة: 2755
................................ مذهب الفراء، وعلى مذهب الرماني والزمخشري إلا أنّ في مذهبهما مخالفة النائب للمنوب عنه، ومذهب الفراء سالم من ذلك، وهما يلزمان الحكم بالجر، والفراء يجيز الجرّ والنصب، كما أجازهما في زيد، ونحوه من: هذا الضارب زيد 185، وأمّا الضمير في نحو: جاء الزائراك والمكرموك، فجائز فيه الوجهان بإجماع، لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه 186، ويجوز جرّ المعطوف في نحو: جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب الأبرار، لأنه صالح للوقوع في موضع المعطوف عليه، وكذلك نحو: جاء المشتري الناقة وفصيلها، جائز أيضا؛ لأنّه بمنزلة: جاء المشتري الناقة، وفصيل الناقة؛ لأنّ الضمير عائد عليه، ومثله قول الشّاعر: 2196 - الواهب المائة الهجان وعبدها... عوذا تزجّي خلفها أطفالها 187 فجاز هذا؛ لأنه بمنزلة: الواهب المائة وعبد المائة، فالمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف، فإن المعطوف كـ «زيد» مما لا يقرن بالألف واللّام، ولم يضف إلى مقرون بهما، ولا إلى ضمير المقرون بهما، فإنّ سيبويه يجيز جره أيضا، ومنع ذلك أبو العباس، وهو المختار عند أبي بكر بن السراج 188. -
الحديث: 2196 - الجزء: 6 - الصفحة: 2756
................................
وهو عندي أصح القولين؛ لأنّ العاطف كالقائم مقام العامل في المعطوف عليه، واسم الفاعل المقرون بالألف واللام على مذهب سيبويه وغيره من البصريين لا يجرّ «زيدا» ونحوه، فلا يصح أن نعطف على المجرور به، ولا حجّة في نحو: ربّ رجل وأخيه، ولا في:
2197 - أيّ فتى هيجاء أنت وجارها
لأنّهما في تقدير: ربّ رجل وأخ له، وأيّ فتى أنت وجار لها 189، ومثل هذا التقدير لا يتأتّى فيما نحن بسبيله، فلا يصحّ جوازه، والله تعالى أعلم 190. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنشر بعده إلى أمور:
منها: أنّ الشيخ ذكر أنّ ظاهر كلام سيبويه يدلّ على أن النصب باسم الفاعل أولى من الجر به، إذا أمكن الأمران، وأنّ الكسائيّ يسوي بينهما 191، قال: والذي يظهر أنّ الجرّ بالإضافة أولى؛ لأنّ الأصل في الأسماء - إذا تعلّق أحدها بالآخر - الإضافة، والعمل إنما كان لجهة النسبة للمضارع، فالحمل على الأصل أولى، وهو الإضافة 192. انتهى.
وفيما قال الشيخ (نظر) 193؛ لأنّ اسم الفاعل إنما أضيف إلى معموله بعد استحقاقه العمل فيه، ولهذا كانت إضافته لفظية لا تفيد تعريفا، وإذا كانت إضافته إنما هي مقصودة بعد استحقاقه للعمل، بل إنما حصلت الإضافة لتفيد تحقيقا في اللفظ خاصة، فكيف يقال: إنها الأصل؟!
نعم، لو كانت إضافة اسم الفاعل إلى معموله معنوية، واستفيد بها ما يستفاد من العمل، لو لم يضف؛ حسن أن يقال - حينئذ -: إنّ الأصل في الأسماء، إذا تعلق أحدها بالإضافة جر.
- - عبد رب، ولو جرّه على ما قبله كان عربيّا جيدا، إلا أن الثاني كلما تباعد من الأول قوي فيه النصب واختير) اهـ.
الحديث: 2197 - الجزء: 6 - الصفحة: 2757
................................
ومنها: أنّ الأخفش وهشاما قد يستدلان على ما ذهبا إليه - من أن الضمير في نحو: زيد مكرمك في محل نصب [3/ 147] بقوله تعالى: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ 194 وهو استدلال ظاهر 195، وقد أجيب عنه بأنّ (وأهلك) منصوب بفعل مقدّر، أو أنّه نصب عطفا على الموضع عند من يجوز ذلك دون مجوّز 196.
ومنها: أنّ الشيخ قال 197: وترد على قول المصنف: (ووجوبا إن كان ضميرا):
وقد فسّر هو - يعني المصنف - الاتصال بأن يكون الضمير متّصلا باسم الفاعل مسألة يكون فيها الضمير متّصلا باسم الفاعل ويجوز فيها الجرّ بالإضافة والنصب تقول: زيد كائن أخاك، وزيد كائن أخيك، أجروا اسم الفاعل من «كان» الناقصة وخبره مجرى اسم الفاعل من غيرها؛ فإذا أتيت بالضّمير بعد اسم الفاعل من «كان» الناقصة جاز فيه وجهان:
أحدهما: الجرّ بالإضافة، فتقول: المحسن زيد كائنه.
والثّاني: نصبه فينفصل، فتقول: المحسن زيد كائن إياه.
قال: فهذا ضمير قد اتصل باسم الفاعل ولم تجب فيه الإضافة ثمّ قال:
وللمصنف أن يقول: كلامنا إنما هو في اسم الفاعل الطالب مفعولا به، وهذا ليس بمفعول حقيقة، وإنما هو مشبّه بالمفعول.
ومنها: أنّهم ذكروا أنّ ترك الإضافة والنصب أفصح في ثلاث مسائل هي:
زيد الضارب الرجل 198، ومثله: -
الجزء: 6 - الصفحة: 2758
................................
2198 - وهنّ الشّافيات الحوائم 199
وزيد الضارب غلام المرأة 200، ومثله:
2199 - لقد ظفر الزّوّار أبنية العدا 201
والمرأة أنت الضارب غلامها 202، ومثله:
2200 - الودّ أنت المستحقّة صفوه 203
ومنها: أنّ المصنف قد قال: وأمّا الضّمير في نحو: جاء الزائراك والمكرموك؛ فجائز فيه الوجهان بإجماع؛ لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه؛ وما قاله ظاهر، وإنما جاز الوجهان؛ لأنّ النون يمكن أنّها حذفت للإضافة، ويمكن أنّها حذفت لتقصير الصلة، فيجيء الجرّ على الأول، والنصب على الثاني.
لكن قال الشيخ: دعوى الإجماع باطلة، بل في المسألة خلاف، فمذهب سيبويه ما ذكره من جواز الوجهين وخالفه الجرميّ والمازنيّ والمبرّد وجماعة فجعلوا الضمير في موضع جرّ فقط 204.
قال: وكأنّ سقوط النّون أصله أن يكون للإضافة، واحتمل هنا أن يكون سقوطها للإضافة أو للطول فحملناه على الأصل؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك بخلاف الظاهر فإنّ ما ظهر فيه من النصب اضطرنا إلى تقدير سقوطها لغير الإضافة.
ومنها: أنّ المصنف - لما ذكر ثلاث المسائل، وهي: جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب الأبرار، والمشتري الناقة وفصيلها - قال: والمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف.
فقال الشيخ 205: إنّ في المسألة الثانية والثالثة خلافا، وهما: أن يكون المعطوف مضافا إلى ما فيه «أل» 206، وإلى ضمير ما فيه «أل» 207 ونقل عن ابن عصفور أن المبرد 208 -
الحديث: 2198 - الجزء: 6 - الصفحة: 2759
................................
خالف في المضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فلم يجز إلا النصب على الموضع ومنع الجر، كما خالف في مفعول اسم الفاعل إذا كان مضافا إلى ما فيه ضمير ذي الألف واللام 209، قال: لكنّ الشلوبين حكى عن المبرّد جواز الجرّ فصار النقل عن المبرد مختلفا 210.
وكلام ابن عصفور يقتضي خلاف ما نقله الشيخ عنه بالنسبة إلى المبرّد فإنّه قال:
لا يجوز في قولك: هذا الضارب الرجل وعمرا؛ إلا نصب المعطوف على موضع المخفوض بإضافة اسم الفاعل إليه، هذا مذهب أبي العباس المبرد 211، قال: وسبب ذلك أنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بوساطة حرف العطف، واسم الفاعل المعرف بالألف واللّام - إذا لم يكن مثنّى ولا مجموعا بالواو والنّون - لا يجوز في معموله - إذا لم يكن معرفا بهما ولا بالإضافة إلى ما هما فيه ولا إلى ضميره - إلا النصب.
وأما سيبويه فأجاز في المعطوف على المخفوض - بإضافة اسم الفاعل إليه في المسألة المذكورة وأمثالها - الخفض على اللفظ والنصب على الموضع، واستدلّ على ذلك بقوله:
2201 - الواهب المائة الهجان وعبدها 212
لأنه روي بخفض «عبدها» ونصبه ولا حجة في البيت عند أبي العبّاس المبرّد ومن - - الباب إلى ما فيه الألف واللام تشبيها بالحسن الوجه، وأنت لا يجوز لك أن تقول: الواهب المائة والواهب عبدها، فإنما جاز هذا في المعطوف على تقدير: واهب عبدها؛ كما جاز: رب رجل وأخيه، وأنت لا تقول: رب أخيه، ولكنه على تقدير: أخ له) انتهى.
الحديث: 2201 - الجزء: 6 - الصفحة: 2760
................................
أخذ بمذهبه؛ لأنّ «عبدها» مضاف إلى الضمير العائد على المائة والمضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام قد يجره به العرب مجرى ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام.
كقول الشّاعر:
2202 - فنعم فتى الهيجا ونعم شبابها...... 213
انتهى.
ودلّ هذا الكلام على أنّ المبرّد لا يمنع جرّ المعطوف، في نحو:
2203 - الواهب المائة الهجان وعبدها
لأنه علّل جواز جره بكونه مضافا ذي ألف ولام، وقد عرفت أنّ الشلوبين حكى عن المبرد جواز الجر أيضا، وعلى هذا لم يثبت الخلاف في المسألة الثالثة.
وأما المسألة الثانية فلم يتعرض الشيخ إلى ذكر من خالف فيها، ولا استدلّ بشيء، ولم يزد على قوله: إنّ فيها خلافا.
وإذا كان الأمر كما ذكرنا صحّ قول المصنف: (إنّ المسائل الثلاث جائزة بلا خلاف)؛ إذ خلاف المبرد في إحدى المسألتين لم يثبت، والمسألة الأخرى لم يتحقق المخالف فيها.
ومنها: أنّك قد عرفت [3/ 148] أنّ المصنّف ذكر أنّ سيبويه يجيز: هذا الضارب الرجل وزيد 214، وأنّ المبرد يخالفه، وأنّ المصنف اختار قول المبرد، وتقدم بحث المصنف في المسألة، وهو ظاهر، وليس لما أجازه سيبويه مسوغ، إلّا أن يقال:
يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل، ومما يضعف جواز: هذا الضارب الرجل وزيد؛ أنّهم أوجبوا أن يكون «بشر» في قول الشاعر: -
الحديث: 2202 - الجزء: 6 - الصفحة: 2761
................................
2204 - أنا ابن التارك البكريّ بشر 215
عطفا، لا بدلا، وموجبه أنّ البدل في نية تكرار العامل، وقد قال المصنف: إنّ العاطف قام مقام العامل، فليكن الحكم مع مباشرة العطف كالحكم مع مباشرة العامل.
قال الشيخ 216: الذي يدلّ عليه ظاهر كلام سيبويه أنّ مثل: هذا الضارب الرجل وزيد، سماع من العرب فإنّه قال: والذي قال: هو الضارب الرجل، قال:
هو الضارب الرجل وعبد الله 217، وكان قد تقدم قبل هذا قوله: ولا يكون:
الضارب عمرو، كما لا يكون: هو الحسن وجه، ثم ساق مسألة العطف، قال:
فظاهر قوله: الذي قال كذا... إلى آخره؛ هو سماع من العرب، ورأي سيبويه أنّ حكم التابع بخلاف حكم المتبوع،
وأن الاسم بعينه يجوز فيه تابعا ما لا يجوز فيه لو لم يكن تابعا.
انتهى.
وفي كون كلام سيبويه يدل على أنّ هذا سماع من العرب نظر، وبعد.
ومنها: أنّ المصنف اقتصر - من ذكر معمول اسم الفاعل - على المعطوف ثم لم يذكر حكمه إلا مع اسم الفاعل المقرون باللّام، وأما ابن عصفور فإنه استوفى الكلام؛ بالنسبة إلى التوابع الخمسة، وبالنسبة إلى كون اسم الفاعل مجرّدا من اللام، ومقرونا بها، وأنا أورد كلامه في المقرب 218 برمته، قال رحمه الله تعالى:
وإذا أتبعت معمول اسم الفاعل المرفوع أو المنصوب؛ كان التابع على حسبه في الإعراب، وأمّا المخفوض: فإما أن يتبعه نعت، أو توكيد، أو عطف بيان، أو نسق، أو بدل، فإن أتبعت بنعت، أو تأكيد، أو عطف بيان، فالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، إلا أن يكون خفضه بإضافة اسم الفاعل، بمعنى المضي إليه [وليس فيه ألف ولا لام]؛ فإنه لا يجوز - إذ ذاك - إلا الخفض على اللفظ، نحو -
الحديث: 2204 - الجزء: 6 - الصفحة: 2762
................................
قولك: هذا ضارب زيد العاقل نفسه أمس، وإن اتبعته بعطف نسق أو بدل؛ فإمّا أن يكون في اسم الفاعل ألف ولام، أو لا يكون؛ فإن لم يكن فالخفض على اللفظ، والنصب بإضمار فعل، نحو قولك: هذا ضارب زيدا وعمرا، أي: وضرب عمرا أو ويضرب عمرا، وهذا ضارب زيد أخاك، أي: ضرب أخاك أو يضرب أخاك، وإن كان فيه ألف ولام فإنّه إن كان مثنّى، أو جمع سلامة، بالواو والنون، جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، نحو قولك: هذان الضاربان زيد أخيك وعمرو، بخفض الأخ وعمرو ونصبهما، وإن لم يكن مثنى، ولا جمع سلامة بالواو والنون، فإما أن يكون التابع معرفا بالألف واللام، أو بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام، أو إلى ضميره، أو غير ذلك، فإن كان معرفا بشيء مما ذكر؛ جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع نحو قولك: هذا الضارب الرجل والغلام، وهذا الضارب الغلام وصاحب الدابّة، وهذا الضارب الرجل وغلامه، ومنه:
2205 - الواهب المائة الهجان وعبدها......
روي بخفض «عبد» ونصبه وإن لم يكن معرّفا بشيء ممّا ذكر، فالنصب على الموضع، ليس إلّا، نحو قولك: هذا الضارب الرجل وعمرا، بنصب «عمرا» لا غير، وكذلك البدل، على تقدير تكرار العامل، ولا تجتمع الإضافة، والألف واللام حتّى يكونا في الثاني.
انتهى.
وهو تقسيم حسن جرى فيه على عادته، وكيف لا، وهو الأستاذ الذي انتهت إليه الرئاسة، وحاز قصب السبق، وبرز على الأقران في هذه الصناعة؟! وقد كان رحمه الله تعالى يقصد التقريب على الطالب، والتفهيم، وإيصال المعاني إلى المتعلمين، ويستدل على ذلك بما ضمنه تصانيفه البديعة، ومن وقف على كلامه، وتأمل مقاصده؛ علم ما أشرت إليه، وتحقق ما نبهت عليه، فرحمه الله تعالى.
ونشير إلى شيء من شرح ذلك، وذكر خلاف في بعضه، إن كان حسب ما ذكره هو في شرحه: فنقول في قوله: كان التابع على حسبه في الإعراب: ذهب البغداديّون وبعض الكوفيين إلى أنه يجوز في تابع المعمول - إذا كان المعمول منصوبا - الخفض أيضا على توهّم الإضافة 219، واستدلّوا بقول الشاعر: -
الحديث: 2205 - الجزء: 6 - الصفحة: 2763
................................ 2206 - فظلّ طهاة اللحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 220 قالوا: فـ «قدير» معطوف على «صفيف» بتوهم الخفض فيه، بإضافة «منضج» إليه، ورد ذلك بأن «صفيفا» موضعه نصب كلفظه، وأقول: إنّ لقائل أن يقول: ليس العطف على الموضع إنّما هو باعتبار التوهّم، أي: توهم الجر، بإضافة ما قبله إليه، كما أنشده هو رحمه الله تعالى، وهو قول الشّاعر: 2207 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلّا ببين غرابها 221 في رواية من خفض «ناعب» وقد طعن فيما استدلّوا به بأنه يلزم عنه أن يكون التقدير: من بين منضج أحد هذين، وذلك فاسد المعنى؛ لأنه إنما أراد أن يقسم الطهاة إلى صنفين، صنف يطبخ صفيفا، وصنف يطبخ قديرا، وإذا كان المعنى كذلك لم يكن بدّ في البيت من تقدير مضاف محذوف معطوف على «منضج» وكأنه قال: من بين منضج صفيف شواء، أو طابخ قدير، ثمّ حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه 222. وقوله: فإن أتبعت بنعت [3/ 149] إلى قوله: هذا ضارب زيد العاقل نفسه أمس؛ ظاهر، وعلم باستثنائه الذي هو بمعنى المضيّ وليس فيه ألف ولام أنّ اسم -
الحديث: 2206 - الجزء: 6 - الصفحة: 2764
................................
الفاعل الخافض ما بعده من معمولاته إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، أو بمعنى الماضي، ودخلته الألف واللّام يجوز في تابع معموله الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، إذا كان التابع نعتا أو توكيدا أو عطف بيان.
وقوله: وإن أتبعت بعطف نسق أو بدل، إلى قوله: ويضرب أخاك؛ لا خلاف بين النحويين أنّ مخفوض اسم الفاعل غير المعرّف باللام، إذا أتبع اسما على طريق البدل لا يجوز في تابعه إلا الخفض على اللفظ، وإن نصب كان النصب بفعل مضمر، وإنما امتنع البدل على الموضع؛ لأنّ اسم الفاعل إن كان بمعنى المضي لم يكن مخفوضه في موضع نصب، فينتصب على الموضع، وإن كان بمعنى الحال والاستقبال فالأمر كذلك، أي: لا يجوز إلا الخفض، ولا يجوز النصب حملا على الموضع؛ لأنّ البدل في نية تكرار العامل، فلو جعلت «أخاك» - من قولك: هذا ضارب زيد أخاك غدا أو الآن - بدلا من موضع زيد للزم أن يكون التقدير: هذا ضارب زيدا ضارب أخاك الآن أو غدا، وذلك غير
سائغ؛ لأنّ اسم الفاعل غير المعرّف باللام، إذا كان منويّا لا ينصب، فلم يبق إلّا أن يكون منصوبا بإضمار فعل، وحكم عطف النسق حكم البدل، إلا أن من النحاة من أجاز النصب على الموضع في العطف، إذا كان اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، فتقول: هذا ضارب زيد وعمرا، الآن أو غدا، والأصحّ أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، بوساطة حرف العطف، فلو جعل «عمرو» معطوفا على موضع «زيد» لزم منه أن يكون منصوبا بـ «ضارب» وهو غير منوّن، وهو لا ينصب إلا إذا كان منونا.
ثم سأل فقال: إن قلت: لم جاز في المخفوض بإضافة اسم الفاعل غير المعرف بالألف واللام إليه إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أن ينعت ويؤكد ويعطف عليه عطف بيان بالنظر إلى موضعه، ولم يجز البدل وعطف النّسق إلّا بالنظر إلى اللفظ خاصّة؟
فالجواب: أنّ ذلك إنما امتنع في البدل، وعطف النسق، لما تقدم تقريره، من أنّ البدل في نية تكرار العامل وأنّ العامل في عطف النسق هو العامل في المعطوف عليه، بواسطة حرف العطف، وأما النعت والتوكيد وعطف البيان فليست كذلك، والعامل فيها إنما هو تبعيتها لما قبلها 223.
الجزء: 6 - الصفحة: 2765
[اسم المفعول: عمله عمل فعله الذي لم يسم فاعله وشروط عمله وبناؤه]
قال ابن مالك: (يعمل اسم المفعول عمل فعله مشروطا فيه ما شرط في اسم الفاعل، وبناؤه من الثّلاثيّ على زنة «مفعول»، ومن غيره على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخره ما لم يستغن فيه بـ «مفعول» عن «مفعل» وينوب في الدّلالة لا العمل عن «مفعول»، بقلّة: «فعل، وفعل، وفعلة»، وبكثرة: «فعيل»، وليس مقيسا، خلافا لبعضهم، وقد ينوب عن «مفعل»). قال ناظر الجيش: قال المصنف 224: الهاء من قولي: (يعمل عمل فعله) عائدة على المفعول، فكأنّه قيل: يعمل اسم المفعول عمل فعل المفعول، أي: عمل الفعل الذي لم يسمّ فاعله، فيقال: هذا مذهوب به، ومضروب عبده، ومعطى ابنه درهما، ومعلم أخوه زيدا صديقك 225، ويشترط في إعماله ما شرط في إعمال اسم الفاعل، من اعتماد على صاحب مذكور، أو منوي، أو على نفي صريح أو مؤول، أو على استفهام موجود أو مقدر، وغير ذلك. ومن إعماله معتمدا على مقدر قول الشاعر: 2208 - فهنّ من بين متروك به رمق... صرعى وآخر لم يترك به رمق 226 ومثله: 2209 - ونحن تركنا تغلب ابنة وائل... كمضروبة رجلاه منقطع الظّهر 227
الحديث: 2208 - الجزء: 6 - الصفحة: 2766
................................
وبناؤه من الثلاثي على زنة «مفعول»، نحو: علم فهو معلوم، ومن الرباعي والخماسي والسداسي على زنة اسم فاعله، مفتوحا ما قبل آخره نحو: مدحرج ومجتذب، ومستفهم ما لم يستغن فيه بـ «مفعول» عن «مفعل»، كـ: مزكوم ومحموم ومحزون، ومنه: محبوب في الأكثر، وقد نبّهت على ذلك فيما مضى، ومثال «فعل» النائب عن «مفعول»: ذبح، وطرح، وطحن، بمعنى: مذبوح ومطروح، ومطحون، ومثال «فعل»: لفظ، ولقط، ونقض، وقبض، بمعنى:
ملفوظ، وملقوط، ومنقوض ومقبوض، ومثال «فعلة»: أكلة، ومضغة، ولقمة وغرفة وجرية، ومثال «فعيل»: جريح، وكليم، وصريع، وأخيذ، وقتيل، وأسير، ودهين، وخضيب، ولديغ، وغسيل، ودفين، ومقيل.
وهذا - مع كثرته - مقصور على السّماع، وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له «فعيل» بمعنى فاعل، كـ «قتيل» لا فيما له فعيل بمعنى فاعل كـ «عليم»، وقد يصاغ فعيل بقصد المفعوليّة من «أفعل»، فمن ذلك قولهم: أعقدت العسل فهو عقيد، وأعلّ الله فلانا، فهو عليل.
انتهى كلامه، ويتعلق به الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أنه سيعرف في باب الصفة المشبهة أنّ اسم مفعول المتعدّي إلى واحد يجوز أن يعامل معاملة الصفة المشبهة في الاستعمال، فيقال: مررت برجل مضروب الظّهر 228، وبرجل مجذوع الأنف، ولا شكّ أنّ الأصل في هذين المثالين: برجل مضروب الظّهر [3/ 150] ومجذوع الأنف، بالرّفع، ثم بنصب الظّهر والأنف على التشبيه بالمفعول به، بعد إسناد اسمي المفعول إلى ضمير الاسم السابق، ثمّ جر الظّهر والأنف، بإضافة الصفة إليهما، كما في نحو: برجل حسن الوجه.
قال الشيخ: فإن كان اسم المفعول 229، ممّا يتعدّى لاثنين فأكثر فقياس هذا أن - - اللغة: تركنا تغلب ابنة وائل: أي حجا تغلب.
والشاهد فيه قوله: «كمضروبة رجلاه»؛ حيث أعمل اسم المفعول فرفع قوله: «رجلاه» لكونه معتمدا على موصوف مقدر، والتقدير: كرجل مضروبة رجلاه.
ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 88)، ومنهج السالك (ص 341)، والهمع (2/ 197)، والدرر (2/ 131).
الجزء: 6 - الصفحة: 2767
................................
نقول: مررت برجل مكسو الأب جبّة ومظنون الأخ قائما، ومعلم الغلام عمرا ضاحكا وقد منعوه، والسبب في منع ذلك أنّ الإضافة هي من نصب على الصحيح ورفضوا ذلك؛ لأنه من حيث انتصاب الثاني، أو الثاني والثالث، يكون حكمه حكم اسم مفعول الذي يتعدّى إلى المفعول به، ومن حيث انجرار ما يليه يكون حكمه حكم الصفة المشبهة، ويختلف إذ ذاك حكمه بالنظر إلى المنصوبات، ألا ترى أنه يجوز في ذلك تقديم المنصوب؛ لأنه مفعول به، ويلزم ألا يجوز تقديم ما يلي اسم المفعول لو نصب؛ لأنه معمول الصفة المشبّهة وكلّ ما يجر في باب الصفة يجوز أن ينصب؛ لأنّ الجرّ هو من النّصب.
ولا يوجد في كلامهم عامل ينصب اسمين أحدهما مفعول به، والآخر يشبه بالمفعول به فيتقدم المفعول به عليه ولا يتقدم المشبه بالمفعول به بل ما وجد من ذلك يجوز تقديمه على العامل فإذا قلت: هذا ضارب اليوم زيدا، واتسعت في اليوم فنصبته على التشبيه بالمفعول به فإنه يجوز تقديمه على «ضارب» كما تقدّم «زيدا» عليه، فلمّا كان ذلك مؤديا إلى المنع في باب اسم المفعول المضاف إلى ما بعده، وما بعده منصوب رفض جواز ذلك.
الأمر الثاني: قد فهم من قول المصنف: وينوب في الدلالة لا العمل إلى آخره أنّه لا يجوز بشيء من هذه الألفاظ
الثابتة أن يرفع فلا يقال: مررت برجل ذبح كبشه، ولا: طحن برّه، ولا: برجل كحيل عينه، ولا: برجل قتيل أبوه.
قال الشيخ: وفي كلام ابن عصفور ما يشعر بالجواز، ثم قال: ويحتاج ذلك إلى سماع عن العرب 230، وقد عرف من قول المصنف: «وليس مقيسا، خلافا لبعضهم أنه لا يقال: ضريب في «مضروب» ولا: عكيم في «معكوم»، ولا: قويل في «مقول» ولا: بييع في «مبيع».
وقد استدرك الناس على الإمام بدر الدين ولد المصنف، ذكره الإجماع على أنه لا يقاس على نحو: جريح، وقتيل؛ بأنّ والده قد ذكر أنّ في ذلك خلافا 231.
الجزء: 6 - الصفحة: 2768