تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق

1 [تعريفه، وذكر حروفه]

قال ابن مالك: (وهو المجعول تابعا بأحد حروفه وهي «الواو»، و «الفاء»، و «ثمّ»، و «حتّى»، و «أم»، و «أو»، و «بل»، و «لا»، وليس منها «لكن» وفاقا ليونس، ولا «إمّا» وفاقا له ولابن كيسان وأبي عليّ، ولا «إلّا» خلافا للأخفش والفرّاء، ولا «ليس» خلافا للكوفيّين، ولا «أي» خلافا لصاحب المستوفي).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: المجعول تابعا يعم الأقسام الخمسة.
وتقييد الجعل بأحد الحروف مخرج للأربعة وقاصر العبارة على المقصود وهو المعطوف عطف النسق.
والضمير في قولي: بأحد حروفه عائد على النسق وذكرتها الآن متتابعة عارية من شرح معانيها وبيان أحكامها لتحفظ جملة ويعلم منها المجموع عليه والمختلف فيه فنفيت أن يكون منها لكن موافقا ليونس فإنها عنده حرف استدراك لا حرف عطف 3 فإن وليها مفرد معطوف فعطفه بواو وقبلها لا يستغنى عنها إلّا قبل جملة مصرح بجزءيها نحو ما قام سعد لكن سعيد قائم.
ولا بد قبل المفرد من الواو نحو: ما قام سعد ولكن سعيد، ولا تزر زيدا ولكن عمرا، ولو كانت عاطفة لاستغني بها عن الواو كما استغنى ببل وغيرها.
وما يوجد في كتب النحويين من نحو ما قام سعد لكن سعيد ولا تزر زيدا لكن -

الجزء: 7 - الصفحة: 3423

................................  عمرا فمن كلامهم لا من كلام العرب، ولذلك لم يمثل سيبويه في أمثلة العطف إلا بولكن 4. وهذا من شواهد أمانته وكمال عدالته؛ لأنه يجيز العطف بها غير مسبوقة بواو.
وترك التمثيل به لئلّا يعتقد أنه مما استعملته العرب.
ومع هذا ففي المفرد الواقع بعد ولكن إشكال؛ لأنه على ما قررته معطوف بالواو مع أنه مخالف لما قبلها وحق المعطوف بالواو أن يكون موافقا لما قبلها.
فالواجب أن يجعل من عطف الجمل ويضمر له عامل كأنه قال: ما قام سعد ولكن قام سعيد.
ولا تزر زيدا ولكن زر عمرا؛ لأن الجملة المعطوفة بالواو يجوز كونها موافقة ومخالفة.
فالموافقة نحو: قام زيد وقام عمرو، والمخالفة نحو: قام زيد ولم يقم عمرو.
ونفيت أن يكون إما حرف عطف؛ لأنها أيضا لا يليها معطوف إلا وقبلها الواو كقوله تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ 5 فالعطف بالواو لا بها؛ لأن عطفية الواو إذا خلت من أما ثابتة وعطفية أما إذا خلت من الواو منفية والأصل استصحاب ثبوت ما ثبت ونفي ما نفي وأيضا فإن توسط الواو بين إما وأما كتوسطها بين لا ولا في نحو: زيد لا بخيل ولا جبان والعطف قبل لا بالواو بإجماع فليكن بها قبل إما ليتفق المتماثلان ولا يختلفان.
ولمن زعم أن ما عاطفة شبهتان أحدهما: أن الواو قد تحذف ويستغنى بإما كقول الشاعر: 3231 - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها... إيما إلى جنّة إيما إلى نار 6 [4/ 148] وكقول الراجز: 3232 - لا تتلفوا آبالكم... إيما لنا إيما لكم 7 الثانية: أن أو تعاقبها كقراءة أبي - رضي الله تعالى عنه - (وإنّا أو إيّاكم إمّا -

الحديث: 3231 - الجزء: 7 - الصفحة: 3424

................................  على هدى أو في ضلال مبين) 8، وأو عاطفة بإجماع فلتكن إما كذلك ليتفق المتعاقبان ولا يختلفان.
والجواب عن الأولى: أن ذلك معدود من الضرورات النادرة فلا اعتداد به ومن يرى أنها عاطفة فلا يرى إخلاءها من الواو قياسا على ما ندر من ذلك فلا يصح استناده إليه واعتماده عليه.
والجواب عن الشبهة الثانية: أن المعاقبة التي في قام إما زيد وإما عمرو وقام إما زيد أو عمرو شبيهة بالمعاقبة التي في لا تضرب زيدا ولا عمرا ولا تضرب زيدا أو عمرا ولا خلاف في انتفاء تأثيرها مع لا فليكن منتفيا مع إما ليتفق المتماثلان ولا يختلفان.
وأجاز الأخفش العطف بإلا وحمل عليه وقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ 9 وأنشد مستشهدا على ذلك: 3233 - وأرى لها دارا بقدوة الس... سندان لم يدرس لها رسم إلا رمادا هامدا دفعت... عنه الرّياح خوالد سحم 10 قال الأخفش: أراد وأرى لها رمادا.
وقال الفراء في قوله تعالى: لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ 10 إِلَّا مَنْ ظَلَمَ 11 وقال بعض النحويين: إلا بمعنى الواو أي لا يخاف لدى المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، واستبعد ذلك، وأجاز أن تكون إلا بمعنى الواو في نحو: له عندي ألف إلا ألف آخر 12، وفي قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ 13 قلت: ولا يلزم كون إلا بمعنى الواو في شيء من هذه المواضع لإمكان الاستثناء فيها وإمكانه في الآية بأن يكون التقدير: إلا ظلم الذين ظلموا وعنادهم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما تقول: لا بكاء في الدار إلا من لا يجري أي إلا بكاء من لا يجري ويجوز كون إلا بمعنى لكن «والّذين» مبتدأ وخبره فَلا تَخْشَوْهُمْ 14. -

الحديث: 3233 - الجزء: 7 - الصفحة: 3425

................................  وعلى هذا يحمل إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ 15، وكذا له عليّ ألف إلا ألف آخر، أي لكن ألف آخر له علي فأبقى المبتدأ وصفته وحذف الخبر وأما إلا رمادا فاستثناء محقق، لأنه وصف الرماد بالهمود ودفع الأثافي عنه الرياح المترددة عليه. وفي هذا إشعار بأنه درس بعض الدروس. وأما إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ 16 فاستثناء محقق من فيها، لأن لأهل النار أنواعا من العذاب غير النار مما وصف لنا وما لم يوصف ولأهل الجنة أنواع من النعيم غير الجنة مما وصف لنا وما لم يوصف. فإلى ذلك أشير ب إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ والله تعالى أعلم. وأجاز الكوفيون استعمال ليس حرفا عاطفا فيقولون: قام زيد ليس عمرو كما يقال: قام زيد لا عمرو ومن أجود ما يحتج لهم به قول أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - «بأبي شبيه بالنّبي ليس شبيه بعليّ» 17. كذا ثبت في صحيح البخاري يرفع شبيه كما يقال: «بأبي شبيه بالنبي لا شبيه بعليّ» ومما يحتج لهم به أيضا قول الراجز: 3234 - أين المفرّ والإله الطّالب... والأشرم المغلوب ليس الغالب 18 كما يقال: والأشرم المغلوب لا الغالب وهذا التقدير لا يلزم لإمكان غيره مما لا خلاف في جوازه، وذلك بأنه يجوز أن يجعل خبر كان وأخواتها ضميرا متصلا ثم يحذف منويّا ثبوته كما يفعل إذا كان الضمير مفعولا به فيقال: صديقك إني أكرمت فكذلك تقدر قول أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - «ليس شبيه بعليّ» فيجعل شبيه اسم ليس والهاء خبرها فحذف واستغنى بنيته عن لفظه كما قال الشاعر: 3235 - فأطعمنا من لحمها وسديفها... شواء وخير الخير ما كان عاجله 19 ومثله قول الآخر: 3236 - معينك إنّي ما برحت فلا يزل... معيني على ما ملأمور أروم 20

الحديث: 3234 - الجزء: 7 - الصفحة: 3426

................................  أراد الأول ما كان عاجله وأراد الثاني ما برحته فحذفا الخبرين ونوياهما والتقدير في ليس الغالب ليسه الغالب والضمير ضمير الأشرم وهو خبر ليس واسمها الغالب.
وأجاز أبو علي أن يكون هذا القبيل قول الشاعر: 3237 - عدوّ عينيك وشائنيهما... أصبح مشغول بمشغول 21 على تقدير أصبحه مشغول بمشغول.
ومما يجوز أن يكون من هذا قول أبي أمامة 22:

  • رضي الله تعالى عنه -: «يا نبيّ الله أو نبيّ كان آدم» 23. وجعل صاحب المستوفي 24 أي التفسيرية حرف عطف في نحو: مررت بغضنفر أي أسد، ونهيتك عن الونى أي الفتور.
    والصحيح أنها حرف تفسير وما يليها من تابع عطف بيان موافق ما قبلها في التعريف والتنكير وجعلها حرف عطف يستلزم مخالفة النظائر من وجهين: أحدهما: أن حق حرف العطف المعطوف به في غير توكيد أن يكون ما بعده مباينا لما قبله نحو: مررت بزيد وعمرو وما بعد أي بخلاف ذلك.
    الثاني: أن حق حرف العطف المعطوف به غير صفة أن لا يطرد حذفه وأي بخلاف ذلك.
    فإن لك أن تقول في مررت بغضنفر أي أسد مررت بغضنفر أسد ويستغنى عن أي استغناء مطردا ولا يجوز ذلك في شيء من المعطوفات.
    فالقول بأن أي حرف عطف مردود وباب الأخذ به مسدود.
    انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
    والذي ذكره من الحروف ثلاثة عشر: منها: ما فيه خلاف وهو خمسة: لكن، وأما، وإلا، وليس، وأي.
    ومنها: ما هو مجموع عليه وهو الثمانية (الباقية) 25. وهذا ما يعطيه ظاهر كلامه.
    -

الحديث: 3237 - الجزء: 7 - الصفحة: 3427

................................  وقد ذكر الشيخ أن في أم وحتى خلافا 26 أما أم فقال ابن النحاس عن أبي عبيدة [4/ 149] أنها بمعنى الهمزة 27. والحق أن مثل هذا الخلاف لا يعتد به فلا ينبغي أن يتعرض لذكره.
وأما حتى فقال أنها ليست عند الكوفيين للعطف وأن الواقع بعدها معمول لعامل مقدر 28. وأقول: قد ذكروا أن العطف بها قليل وقد نص على قلته جماعة.
حتى قال ابن أبي الربيع: ولكون العطف بها قليلا احتاج الفارسي إلى أن يقول يعني في الإيضاح: وقد رواه سيبويه وأبو زيد وغيرهما عن العرب 29. وذكر ابن عصفور عن الكوفيين أنهم جعلوا من أدوات العطف أيضا كيف وأين وهلا مستدلين على ذلك بمجيء الاسم بعدها على حسب إعراب الاسم المتقدم قالوا: فإن العرب تقول: ما أكلت لحما فكيف شحما، وما يعجبني لحم فكيف شحم، ولقيت زيدا فأين عمرا، وهذا زيد فأين عمرو، وضربت زيدا فهلا عمرا (وجاءك زيد فهلا عمرو) 30. هكذا ذكر ابن عصفور.
ولا أعلم كيف يتوجه كون ما بعد هذه الكلمات الثلاث تابعا مع كونها أسماء فاصلة بين التابع والمتبوع الا أن يدعى أنها حال العطف بها حرف.
ثم لا أعلم ما معنى هذا الكلام إذا قيل بالعطف.
ثم إن ابن عصفور أبطل مذهبهم بأنها لو كانت للعطف لعطفت المخفوض على المخفوض لأنه لم يوجد ما يعطف المرفوع والمنصوب ولا يعطف المخفوض.
والعرب إنما تقول: ما مررت برجل فكيف بامرأة 31، وذكر الشيخ من أدوات العطف أيضا لولا ومتى 32. وأقول:

الجزء: 7 - الصفحة: 3428

................................  أن مثل هذا لا يتحقق.
والواجب الاضراب عن مثله ولم أذكر ذلك إلّا تبعا لذاكريه.
وبعد...... فقد عرفت أن الأحرف التي ذكر المصنف أن فيها الخلاف خمسة وأن القول بأن غير لكن منها عاطف لا ينهض الدليل عليه، وكلام المصنف على ذلك فيه غنية - على أن ابن عصفور ذكر أن أما ليست حرف عطف بالاتفاق وأنها إنما ذكرت مع حروف العطف لمصاحبتها لها 33. وأما لكن فمذهب سيبويه أنها من الحروف العاطفة كما عرفت وقد اختار المصنف منها مذهب يونس واستدل لمختاره بما تقدم.
أما ابن عصفور فقد قال في شرح الجمل: قد استعملت لكن دون الواو وحكى من كلامهم: ما مررت برجل صالح لكن طالح بغير واو 34. وقال: ولا يجوز أن يكون التقدير: لكن مررت بطالح بإضمار الخافض وإبقاء عمله فذلك لا يجوز إلا في الشعر أو في نادر كلام.
وقال في شرح الإيضاح بعد الكلام لكن: والصحيح عندي ما ذكره يونس من أنها لا تستعمل إلا مع الواو نحو قوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ 35. وقال الشاعر كذا وأنشد أبياتا قد قرنت لكن فيها بالواو.
ثم قال: ولكن مع ذلك هي عاطفة والواو زائدة كما زيدت ثم لما دخلت عليها الفاء في قول زهير: 3238 - [أراني إذا ما بتّ بتّ على هوى]... فثمّ إذا أصبحت [أصبحت غاديا] 36 قال: وما ذهبوا إليه من أن الواو هي العاطفة ولكن مخلصة للاستدراك باطل.
والدليل على ذلك أن الواو اذا عطفت مفردا على مفرد شركت بينهما في الإعراب -

الحديث: 3238 - الجزء: 7 - الصفحة: 3429

................................  والمعنى، وما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة وأن الواو زائدة مثلها في قول الشاعر: 3239 - ولمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل... فكانوا عليهم مثل راعية البكر 37 يريد صب عليهم.
وقول الآخر: 3240 - [و] إنّ رشيدا وابن مروان لم يكن... ليفعل حتّى يصدر الأمر مصدرا 38 يريد إن رشيد بن مروان، ولزمت زيادتها كما لزمت زيادة ما في قولهم: أفعله إثر ما وفي إذ ما في الجزاء.
وعلى ما ذكرته ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش لأنهما قالا إن لكن من حروف العطف فلما مثلا العطف بها مثلاه بالواو 39، فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة عندهما لا الواو 40. انتهى.
وقد رأيت ما بين كلاميه من المخالفة.
ثم إن سيبويه لا يجيز زيادة الواو 41 وإنما المجيز لذلك الأخفش وإذا كان سيبويه لا يرى ذلك فكيف ينسب إليه ما يلزم منه القول بشيء هو لا يجيزه.
وأما قوله: إن ما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى والمعطوف بالواو يجب أن يكون موافقا في المعنى كما هو موافق في الإعراب فقد رفع المصنف هذا الإشكال بأن قال: يجب أن يكون ذلك من عطف الجمل ويضمر عامل في نحو: ما قام سعد ولكن سعيد التقدير ولكن قام سعيد وتقدم تقرير ذلك.
وأما حذف حرف الجر وإبقاء عمله فقد تقدم في باب حروف الجر أن الجر بحرف محذوف يكون قياسا في مواضع.
والذي ذكره ابن عصفور من أنهم يقولون: ما مررت برجل صالح لكن طالح إن كان محكيّا عن غير يونس فلا كلام، وإن كان عن يونس فالذي نقله المصنف عن -

الحديث: 3239 - الجزء: 7 - الصفحة: 3430

[حديث خاص بالواو]

قال ابن مالك: (فالسّتّة الأولى تشرك لفظا ومعنى، و «بل» و «لا» لفظا لا معنى وكذا «أم» و «أو» إن اقتضتا إضرابا.
وتنفرد الواو بكون متبعها في الحكم محتملا للمعيّة برجحان، وللتّأخّر بكثرة وللتّقدم بقلة.
وبعدم الاستغناء عنها في عطف ما لا يستغنى عنه، وبجواز أن يعطف بها بعض متبوعها تفصيلا، وعامل [4/ 150] مضمر على عامل ظاهر يجمعهما معنى واحد، وإن عطفت على منفيّ غير مستثنى ولم تقصد المعيّة وليتها «لا» مؤكّدة وقد تليها زائدة إن أمن اللّبس).
يونس أنه حكى عن العرب مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح على تقدير إلا أمر صالح فقد مررت بطالح وجعل هذا من المقيس.
على أن قوله في شرح الإيضاح: والصحيح عندي أنها لا تستعمل إلّا مع الواو يدفع ما قاله الجمل أنه حكى من كلامهم: ما مررت برجل صالح لكن طالح بغير واو 42. قال ناظر الجيش: قال المصنف 43: تشريك الواو والفاء وثم وحتى لفظا ومعنى مجمع عليه، وكذلك تشريك بل ولا لفظا لا معنى، ومثلهما لكن عند غير يونس وكثر في كلام النحويين جعل أم وأم مشتركين لفظا لا معنى والصحيح أنهما يشركان لفظا ومعنى ما لم يقتضيا إضرابا لأن القائل: أزيد في الدار أم عمرو، عالم بأن الذي في الدار هو أحد المذكورين غير عالم بتعينه فالذي بعد أم مساو للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه وحصول المساواة إنما هو بوساطة أم فقد شركتهما في المعنى كما شركتهما في اللفظ وكذلك أو مشركة لما بعدها وما قبلها في ما يجاء بها لأجله من شك وتخيير وغيرهما وقد تقع موقع الواو على ما يلي بيانه إن شاء الله تعالى فيكون حكمها حينئذ حكم ما وقعت موقعه ويأتي الكلام على بل ولا إن شاء الله تعالى.

الجزء: 7 - الصفحة: 3431

................................  وكذا يأتي الكلام على أم وأو الموافقتين بل في الإضراب. والمعطوف بالواو إذا عرى من القرائن احتمل المعية احتمالا راجحا والتأخر احتمالا متوسطا والتقدم احتمالا قليلا ولذلك يحسن أن يقال قام زيد وعمرو معه وقام زيد وعمرو بعده وقام زيد وعمرو قبله فتؤخر عمرا في اللفظ وهو متقدم في المعنى ومنه قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ 44، وقوله تعالى: وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ 45 في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر، وعاصم 46 وحمزة 47. ومن عطف المقدم على المؤخر قول أبي العيال الهذلي 48: 3241 - حتّى إذا رجب تولّى وانقضى... وجماديان وجاء شهر مقبل شعبان قدّرنا لوقت رحيلهم... سبعا يعدّ لها الوفاء فتكمل 49 ومنه قول الفرزدق: 3242 - وما نحن إلّا مثلهم غير أنّنا... بقينا قليلا بعدهم وتقدّموا 50 ومنه قول جرير: 3243 - راح الرّفاق ولم يرح مرّار... وأقام بعض الظّاعنين وساروا 51 ومنه قول الآخر: 3244 - وإنّي لأرضى منك يا ليلى بالّذي... لو أبصره الواشي لفرّت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى... وبالوعد حتّى يسأم الوعد آمله

الحديث: 3241 - الجزء: 7 - الصفحة: 3432

................................  وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي... أواخره لا نلتقي وأوائله 52 ومنه قول أبي الصلت: 3245 - سدت عثمان يافعا ووليدا... ثمّ سدت الملوك قبل المشيب 53 وقد اجتمع عطف المقدم على المؤخر وعطف المؤخر على المقدم في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ 54 ومن عطفها بقصد المعية قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ 55 ونسب قوم إلى الفراء أن الواو مرتبة ولا يصح ذلك.
فإنه قال في معاني سورة الأعراف، فأما الواو فإن شئت جعلت الآخر هو الأول والأول هو الآخر فإذا قلت: زرت عبد الله وزيدا فأيهما شئت كان هو المبتدأ بالزيارة 56. هذا نصه، وهو موافق لكلام سيبويه 57 وغيره من البصريين والكوفيين.
ونبهت بقولي: وبعدم الاستغناء عنها في عطف ما لا يستغنى عنه: على أنه لا يقوم مقام الواو وغيرها في نحو: اختصم زيد وعمرو ولا في نحو هذان زيد وعمرو وإن إخوتك عبد الله ومحمدا وأحمد نجباء.
ونبهت بقولي: ويجوز أن يعطف بها بعض متبوعها تفصيلا على نحو: وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ 58، وعلى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى 59. وبقولي: وعامل مضمر على عامل ظاهر يجمعهما معنى واحد على نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ 60 فإن أصله تبوءوا واعتقدوا الإيمان فاستغنى بمفعول واعتقدوا عنه هو معطوف على تبوءوا، وجاز ذلك لأن في اعتقدوا وتبوءوا معنى لازم واستصحب.
فهذا معنى قولي: يجمعهما معنى واحد ومن هذا القبيل قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا -

الحديث: 3245 - الجزء: 7 - الصفحة: 3433

................................  أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ 61 أي وأجمعوا شركاءكم لأن أجمع لا يوقع على الشركاء وشبهه من الأشخاص وإنما يوقع على الأمر والكيد وشبههما من المعاني ومن هذا القبيل قول الشاعر: 3246 - إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا 62 لأن الأصل وكحلن العيون فاستغنى بمفعول كحلن عنه وهو معطوف على زججن، وجاز ذلك لأن في زجج وكحل معنى حسّن.
وأمثال ذلك كثيرة.
وإن عطف بالواو على منفي غير مستثنى ولم يقصد المعية وليتها لا مؤكدة نحو: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى 63 فبذكر لا علم نفي التقريب عن الأموال والأولاد مطلقا أي في افتراق وفي اجتماع ولو تركت لاحتمل أن يكون المراد نفي القريب عند الاجتماع لا عند الافتراق.
وذلك أنك إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو فبذكر لا يعلم نفي القيام عن زيد وعمرو مطلقا أي في وقت واحد وفي وقتين بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر وبتركها يحتمل نفي القيام عنهما في وقت واحد وفي وقتين ونفيه عن أحدهما دون الآخر إلا أنّ الأولى عند الترك قصد المعية.
فإن كانت المعية مفهومة ببعض الجملة كاستوى جاز أن تزاد لا توكيدا للنفي المتقدم؛ لأن اللبس مأمون كقوله تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا 64 فلا قبل المسيء زائدة، وكذا التي قبل النور والحرور في فاطر 65. وقيدت المنفي بكونه غير مستثنى احترازا من نحو: قاموا إلّا زيدا وعمرا فإنه بمعنى قاموا لا زيد ولا عمرو، فالواو فيه عاطفة على منفي في المعنى لكنه [4/ 151] لا يعرض فيه لبس تزيله لا فاستغنى عنها.
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 66.

الحديث: 3246 - الجزء: 7 - الصفحة: 3434

[حديث خاص بثم والفاء]

قال ابن مالك: (ويقال في ثمّ فمّ وثمت (وثمت)، وتشركها الفاء في التّرتيب.
وتنفرد ثمّ بالمهلة، والفاء العاطفة جملة أو صفة بالسّببيّة غالبا، وقد يكون معها مهلة وتنفرد أيضا بعطف مفصّل على مجمل متّحدين معنى وبتسويغ الاكتفاء بضمير واحد في ما تضمّن جملتين من صلة أو صفة أو خبر، وقد تقع موقع ثمّ، وثمّ موقعها، وقد يحكم على الفاء وعلى الواو بالزّيادة وفاقا للأخفش، وقد تقع ثمّ في عطف المقدّم بالزّمان اكتفاء بترتيب اللّفظ).
وليس فيه إلا أمر واحد وهو قوله إن لا في مثل: ما قام زيد ولا عمرو إذا لم تقصد المعية تكون مؤكدة لأن في جعلها مؤكدة منافاة لما قرره؛ لأن تقريره أفاد أن دخول لا وعدم دخولها إنما يكونان بحسب ما يراد من المعنى.
فإن قصد نفي الحكم عن المتعاطفين حالة الاجتماع وحالة الافتراق أتى بها، وإن قصد نفيه حالة الاجتماع لا حالة الافتراق لم يؤت بها، وإذا كان كذلك كان ذكر لا مفيدا معنى يفوت بعدم ذكرها، وما كان شأنه ذلك فهو مسوق للتأسيس لا للتأكيد بل يكون دخولها عند قصد نفي الحكم في الحالين وعدم دخولها عند قصد نفيه في أحدهما متعينين.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 67: قول من قال فم هو من إبدال الثاء فاء كقولهم في الحدث: حدف وفي الغاثور غافور.
وزيادة الثاء مفتوحة وساكنة كزيادتها في ربّ، ومن ذلك قول الأسود بن يعفر 68: 3247 - بدّلت شيئا قد علا لمّتي... بعد شباب حسن معجب صاحبته ثمّت فارقته... ليت شبابا زال لم يذهب 69 وحق المعطوف بها أن يكون مؤخرا بالزمان مع مهلة وحق المعطوف بالفاء أن يكون مؤخرا بلا مهلة ومن ذلك أن جبريل عليه السّلام نزل فصلّى فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 70 -

الحديث: 3247 - الجزء: 7 - الصفحة: 3435

................................  فعطف بالفاء المتأخر بلا مهلة وبثم المتأخر بمهلة.
والغالب في الجملة المعطوفة بالفاء أن يكون معناها متسبّبا عن معنى الأول نحو: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ 71، وفَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ 72، [و] وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ 73، [و] كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ 74، وفَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ 75، [و] وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ 24 فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ 76. [و] وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ 77 وفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ 78، ونحو: أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً 79، ونحو: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ 80 أو يكون بين مفصّل ومجمل متحدي المعنى نحو: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ 81 ونحو: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً 82 ونحو: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ 83 ونحو: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ 84 ونحو: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً 35 فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً 36 عُرُباً أَتْراباً 85. وقد يعطف بها لمجرد الترتيب في الجمل نحو: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ 26 فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ 86، ونحو: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ 87 ونحو: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها 88، وفي الصفات نحو: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ 51 لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ -

الجزء: 7 - الصفحة: 3436

................................  مِنْ زَقُّومٍ 52 فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ 53 فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ 54 فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ 89، ومنه قول الشاعر: 3248 - يا ويح زيّابة للحارث الصّا... بح فالغانم فالآيب كأنه قال صبح فغنم فآب، وقد تكون مع السببية مهلة كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً 90، وتنفرد الفاء أيضا بتسويغ الاكتفاء بضمير واحد في ما تضمن جملتين من صلة أو صفة أو خبر أو حال نحو: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، ومررت برجل يبكي فيضحك عمرو، وخالد يقوم فيقعد بشر، كل هذا جائز بالفاء ولو جيء فيه بدلها بالواو لم يجز؛ لأن حق المعطوف بالواو على صلة أو صفة أو خبر أن يصلح لما صلح له المعطوف عليه والجملة العارية من ضمير الموصول والموصوف والمخبر عنه لا تصلح للوصل بها ولا للوصف بها ولا للإخبار بها فلا يجوز أن تعطف بالواو على صلة ولا صفة ولا خبر، واغتفر ذلك في الفاء؛ لأن ما فيها من السببية يسوغ تقدير ما بعدها وما قبلها كلاما واحدا. ألا ترى أن قولك الذي يطير فيغضب زيد الذباب بمنزلة الذي إن يطر يغضب زيد الذباب، ومثل هذا التقدير لا يتأتى مع الواو فلذلك لم يجر العطف بها في هذه الجمل مجرى العطف بالفاء. وقد تقع الفاء موقع ثم كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ 12 ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ 13 ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً 91 فالفاء من (فخلقنا) ومن (فكسونا) واقعة موقع ثم لما في معناه من المهلة؛ ولذلك جاءت ثم بدلها في أول الحج 92. ومن وقوع الفاء موقع ثم قول الشاعر: 3249 - إذا مسمع أعطيك يوما يمينه... فعدت غدا عادت عليك شمالها 93

الحديث: 3248 - الجزء: 7 - الصفحة: 3437

................................  وقد تقع ثم موقع الفاء كقول الشاعر: 3250 - كهزّ الرّدينيّ تحت العجاج... جرى في الأنابيب ثمّ اضطرب 94 فثم هنا واقعة موقع الفاء التي يعطف بها مفصل على مجمل؛ لأن جريان الهز في الأنابيب هو اضطراب المهزوز لكن في الاضطراب تفصيل وفي الهز إجمال.
[4/ 154] وقد تزاد الواو والفاء.
فمن زيادة الواو قوله تعالى: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها 95 قال [أبو] الحسن معناه قال لهم خزنتها 96. ومن زيادتها قول مروان ابن أبي حفصة 97: 3251 - فما بال من أسعى لأجبر عظمه... حفاظا وينوي من سفاهته كسري 98 ومن زيادتها قول الأسود بن يعفر: 3252 - حتّى إذا قملت بطونكم... ورأيتم أبناءكم شبّوا وقلبتم ظهر المجنّ لنا... إنّ اللّئيم الفاحش الخبّ 99 ومن زيادتها قول الشاعر: 3253 - فلمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم... رشيد ولا ناء أخاه عن الغدر وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل... فكانوا عليهم مثل راعية البكر 100 ومن زيادتها أيضا قول الآخر: 3254 - ولقد رمقتك في المجالس كلّها... فإذا وأنت تعين من يبغيني 101 ومثله: -

الحديث: 3250 - الجزء: 7 - الصفحة: 3438

................................  3255 - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن... إلّا كلمة حالم بخيال 102 وقال الأخفش في «المسائل الصغرى»: يقولون: كنا ومن يأتنا نأته يجعلون الواو زائدة في باب كان ولا يحسن زيادة هذه الواو في غير باب كان 103 يعني أنه لا يطرد زيادتها إلا في باب كان.
ومن زيادة الواو قول عدي بن زيد: 3256 - ولكن كالشهاب وثمّ يخبؤوها... هادي الموت عنه لا يحار 104 ومن زيادة الفاء قوله: 3257 - يموت أناس أو يشيب فتاهم... ويحدث ناس والصّغير فيكبر 105 ومن زيادتها قول الآخر: 3258 - لما اتقى من عظيم جرمها... فتركت صاحبي جلده يتذبذب 106 ومنه قول زهير: 3259 - أراني إذا ما بتّ بتّ [على] هوى... فثمّ (إذا) أصبحت أصبحت غاديا 107 وقال الأخفش: زعموا أنهم يقولون أخوك فوجد يريدون أخوك وجد 108. قال الفراء: والعرب تستأنف بثم والفعل الذي بعدها قد مضى قبل الفعل الأول من ذلك أن يقول الرجل: قد أعطيتك ألفا ثم أعطيتك قبل ذلك مالا فيكون ثم عطفا على خبر المخبر كأنك قلت: أخبرك أني أعطيتك (اليوم) ثم أخبرك أني أعطيتك أمس 109. وإلى هذا أشرت بقولي: وقد تقع ثمّ في عطف المقدّم بالزّمان.
قلت: ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ 110؛ -

الحديث: 3255 - الجزء: 7 - الصفحة: 3439

................................  لأن قبله: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ 111 والوصية لنا بعد إيتاء موسى الكتاب.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 112. ولم يكن فيه تعرض إلى ذكر خلاف في كون الحرفين المذكورين أعني ثم والفاء يفيدان الترتيب أو لا يفيدانه.
وقد ذكر المغاربة الخلاف في ذلك.
أما الفاء: فقال ابن عصفور 113: مذهب أهل البصرة أنها للترتيب في كل موضع، والفراء موافق لهم في أنها للترتيب إلا في الفعلين اللذين أحدهما سبب للآخر ويؤولان إلى معنى واحد فإنها لا تكون عنده إذ ذاك مرتبة وذلك نحو قولك: أعطيتني فأحسنت إليّ وأحسنت إليّ فأعطيتني فيجوز عنده أن يقدم الإحسان على الإعطاء وإن كان إنما وقع بعد الإعطاء؛ لأن الإعطاء سبب في الإحسان وهو إحسان في المعنى 114. ومذهب الجرمي أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فزعم أنك تقول: عفا موضع كذا فموضع كذا وإن كانت هذه الأماكن إنما عفت في وقت واحد ونزل المطر مكان كذا فمكان كذا وإن كان المطر قد نزل في هذه الأماكن في وقت واحد 115. وذهبت طائفة من الكوفيين إلى أن الفاء لا ترتب بمنزلة الواو.
أما الفراء فاستدل بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ 116، وبقوله جل ذكره: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا 117 ومعلوم أن القراءة والإهلاك مؤخران عن الاستعاذة ومجيء البأس وذلك لأن مجيء البأس من سبب الإهلاك وهو إهلاك في المعنى والاستعاذة من سبب القراءة شرعا فهي قراءة في المعنى 118. والجواب: أن ذلك يتخرج على أن يكون «قرأت» بمعنى أردت أن تقرأ؛ لأن العرب قد تقول: فعل فلان بمعنى قارب أن يفعل أو أراد أن يفعل ومنه قولهم: «قد قامت الصّلاة» 119 أي قد قرب قيامها أو أريد قيامها، وقول الفرزدق: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3440

................................  3260 - إلى ملك كاد النّجوم لفقده... يقعن وزال الرّاسيات عن الصّخر 120 يريد: وأرادت الراسيات أن تزول أو قاربت أن تزول، وأما قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها 121 الآية الشريفة فيحتمل أمرين: أن يكون كما تقدم كأنه قيل: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا وأن يكون أريد [بأهلكناها] أنها أهلكت إهلاكا من غير استئصال فجاءها بأسنا فهلكت هلاك استئصال.
وأما الجرمي فاستدل على ما ذهب إليه بقول الشاعر: 3261 - عفا ذو حسي من فرّتنا فالفوارع... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع 122 ومعلوم أن هذه الأماكن لم تعف على ترتيب إذ الوقوف على أن يكون الآخر من الأماكن قد عفا عند انقضاء عفاء الأول من غير مهلة بينهما متعذر 123. وكذا قولهم: نزل المطر فمكان كذا فمكان كذا إنما نزل المطر بهذه الأماكن في حين واحد.
والجواب عن ذلك: بأن يجعل الترتيب في مثل هذا بالنظر إلى الذكر وذلك أن القائل عفا موضع كذا فموضع كذا لا تحضره أسماء الأماكن في حين الإخبار دفعة واحدة فيبقى في حال الإخبار متذكرا لها متتبعا فما سبق إلى ذكره أتى به أولا وما تأخر في ذكره عطفه بالفاء.
واستدل من ذهب إلى أن الفاء لا ترتب مطلقا بما استدل به الفراء والجرمي إلا أنهم حملوا سائر الأماكن على ذلك.
قال: والذي يدل على فساد مذهب هؤلاء أن العرب تقول: اختصم زيد وعمرو ولا تقول: فعمرو، ولو كانت الفاء بمنزلة الواو في جميع الأماكن لوجب أن يجوز مثل هذا العطف بالفاء 124. وأما ثم: فللجمع والترتيب والمهلة.
وزعم بعض النحويين أنها بمنزلة الواو لا ترتب.
واستدل على ذلك بقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [4/ 153] ثُمَّ جَعَلَ -

الحديث: 3260 - الجزء: 7 - الصفحة: 3441

................................  مِنْها زَوْجَها 125 ومعلوم أن جعل زوج آدم منه إنما كان قبل خلقنا، وبقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ 126 ومعلوم أن أمر الملائكة بالسجود لآدم إنما كان قبل خلقنا وتصويرنا فدل ذلك على أن ثم بمنزلة الواو.
والجواب عن ذلك: أما قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها فالفعل الذي هو جَعَلَ معطوف على ما في وحدة: من معنى الفعل كأنه قيل من نفس وحدت أي أفردت ثم جعل منها زوجها، وأما قوله تعالى: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فمعطوف على خَلَقْناكُمْ إلا أن الكلام محمول على حذف مضاف لفهم المعنى كأنه قيل: ولقد خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم.
ومما يدل على فساد هذا المذهب امتناع اختصم زيد ثم عمرو ولو كانت ثم بمنزلة الواو لجاز ذلك كما جاز اختصم زيد وعمرو 127. انتهى كلام ابن عصفور - رحمه الله تعالى -. والظاهر أن الترتيب في مثل عفا مكان كذا فكذا ونزل المطر بمكان كذا فكذا إنما هو بالنظر إلى الذكر، أي الإيراد بمعنى أن المتكلم قصد إلى أن يوردها مترتبة بهذا الترتيب الخاص.
ثم إنه ذكر في شرح الإيضاح أدلة أخر استدل بها القائلون بأن الفاء لا تقتضي الترتيب وهي قوله تعالى: فَتَعاطى فَعَقَرَ 128، وثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى 129، وفَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها 130، وقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ 7 وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 131 بعد قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ 132 وقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ 133... الآية.
قال: ومن ذلك قول الشاعر: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3442

................................  3262 - وإنّي متى ما أدع باسمك لا تجب... وكنت جديرا أن تجيب فتسمعا 134 وقول الآخر: 3263 - ويعزر أناسا عزة يكرهونها... فنحيا كراما أو نموت فنقتل 135 أي: أو نقتل فنموت.
ثم أجاب عن ذلك بأن قال: ليس المراد فتعاطى الذنب فعقر، بل يمكن أن يكون المراد: فتعاطى السبب فعقر، وليس المراد به ثم تدلى فدنا بتدليه بل المراد ثم دنا فبقى بعد الدنو متدليا، والتدلي هو التعلق في الهواء وليس المعنى على أنهم عقروا وكذبوا بعد العقر، بل المعنى فكذبوه في أنها آية وحملهم التكذيب بكونها آية على عقرها.
قال: والمراد بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ: ومن يظهر في صحيفته مثقال ذرة من الخير يره.
قال: وأما قول الشاعر: أن تجيب فتسمعا، فالمراد منه أن تجيب فيتبين من ذلك أنك قد سمعت دعائي باسمك، ويكون ذلك نظير قولهم: من يقتصد في نفقته فهو عاقل إذ المراد فقد ظهر عقله بذلك ولو لم يكن التقدير كذلك لزم أن يكون جواب الشرط متقدما عليه؛ لأن عقله قبل اقتصاده وذلك باطل قال: وأما قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.... الآية فقال ابن جني: معناه إذا عزمتم وتهممتم بها.
قال: فليس الغرض والله تعالى أعلم في قمتم النهوض والانتصاب الذي هو ضد القعود.
وقال أبو سعيد: إذا أردتم القيام إلى الصلاة 136. قال: وأما قول الآخر: فنحيا كراما أو نموت فنقتل فإنه أراد بقوله نموت نقارب أسباب الموت.
وذكر في الشرح المذكور 137 أدلة أخر أيضا استدل بها القائلون بأن ثم لا تقتضي الترتيب وهي قوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ 138، ثم قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ 139 لأن السماء مخلوقة قبل الأرض بدليل قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها 140 إلى أن قال تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها 141. -

الحديث: 3262 - الجزء: 7 - الصفحة: 3443

................................  وقوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى 142؛ لأن الاهتداء هو ما تقدم ذكره فتراخيه عنه لا يتصور. وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا 143؛ لأن الاتقاء والإيمان لم ينقطعا ثم حدث بعدهما بمهلة اتقاء وإيمان آخران. وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ 144 لأن التوبة لا تتراخى عن الاستغفار. وقوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ 7 ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ 8 ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ 145؛ لأن التسوية والنفخ لآدم المتقدم ذكره في وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، وقد تقدم عليهما جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ وهو متأخر عنهما، وقوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها 146؛ لأن إنكار النعمة غير متراخ عن معرفتها. وأورد أبياتا منها قول الشاعر: 3264 - سألت ربيعة من خيرها... (أبا) ثمّ أمّا فقالت لمه 147 قال: لأن كون الشخص خيرا أمّا من غيره لا يتأخر عن كونه خيرا أبا من غيره. وقول الآخر: 3265 - إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه 148 لأن المدح إنما هو بتوارث السؤدد كما قال القائل: 3266 - ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا 149 وكما قال الآخر: 3267 - بقيّة قدر من قدور تورّثت... لآل الجلاح كابرا بعد كابر 150

الحديث: 3264 - الجزء: 7 - الصفحة: 3444

................................  وكما قال الآخر: 3268 - وكابرا سادوك عن كابر 151 ثم ذكر الأجوبة عن ذلك فقال: أما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ 152 ففيه جوابان: أحدهما: أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوة ثم دحيت بعد ما ذكره الله تعالى من أمر السماء.
والآخر: أن تكون بعد بمعنى مع كما أنها بمعناها في قوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ 153 أي مع ذلك.
وأما قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ 154 الآية فالمعنى من ثم اهتدى داوم على الهدى ويقوي ذلك أنهم قد أمروا بالدوام على الإيمان في قوله [4/ 154] تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا 155 وكذا معنى اتَّقَوْا وَآمَنُوا 156: ثم داوموا على الاتقاء والإيمان ثم داوموا على الاتقاء والإحسان.
وكذا معنى قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ 157 ثم دوموا على التوبة.
وأما قوله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ 158 الآية فمعناها وبدأ خلق آدم من طين ثم حكم بجعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه، هذا إن جعل النفخ والتسوية لآدم - عليه الصلاة والسّلام - كما أنهما له في قوله تعالى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ 71 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ 159 وإن جعلا لنسله لم يحتج في الآية الشريفة إلى تأويل.
وأما قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها 160 فإن ثُمَّ فيه للبعد المعنوي الذي بين المعطوف والمعطوف عليه لا للبعد الزماني لأن من عرف شيئا ينبغي أن يكون أبعد الناس عن إنكاره.
ونظير ذلك في البعد من جهة الزمان قولك: أشعر الناس فلان ثم فلان إذا تباعد ما بينهما في جودة الشعر.
وكذلك هي للبعد المعنوي في البيت الذي هو: سألت ربيعة، لأن الشر الذي يلحق في الأنساب من -

الحديث: 3268 - الجزء: 7 - الصفحة: 3445

[حديث خاص بحتى وأم وأو]

قال ابن مالك: (المعطوف بحتّى بعض متبوعه أو كبعضه، وغاية له في زيادة أو نقص مفيد ذكرها، وإن عطفت على مجرور لزم إعادة الجارّ ما لم يتعّين العطف ولا يقتضي ترتيبا على الأصحّ، و «أم» متّصلة ومنقطعة، فالمتّصلة المسبوقة بهمزة صالح موضعها لأيّ، وربّما حذفت ونويت، والمنقطعة ما سواها، وتقتضي إضرابا مع استفهام ودونه، وعطفها المفرد قليل.
وفصل «أمّ» ممّا عطفت عليه أكثر من وصلها.
و «أو» لشكّ أو تفريق مجرّد أو إبهام أو إضراب أو تخيير.
وتعاقب الواو في الإباحة كثيرا وفي عطف المصاحب والمؤكّد قليلا، وتوافق «ولا» بعد النّهي والنّفي).
قبل الأب أشد من الشر الذي يلحق من قبل الأم لأن الاعتماد في الانتساب إنما هو على الآباء.
وأما قول الشاعر: 3269 - إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه... ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّه فإنّه ينبغي أن يحمل على ظاهره ويكون الجد قد أتاه السؤدد من قبل الأب وأتى الأب من قبل الابن؛ لأن ذلك مما يمدح به وإن كان الأكثر في كلامهم المدح بتوارث السؤدد، ويكون البيت إذ ذاك مثل قول القائل: 3270 - وكم أب قد علا بابن ذرى شرف... كما علت برسول الله عدنان 161 قال: ومما يبين لك أن معاني هذه الحروف الثلاثة يعني الواو والفاء وثم على حسب ما تقرر فيها قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ 79 وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ 80 وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ 162 فجاء عطف (يحيي) بـ (ثمّ) للتراخي الذي بين وقت الإماتة ووقت الإحياء، وأتى بالفاء في فَهُوَ يَشْفِينِ؛ لأن الشفاء يعقب المرض من غير مهلة، وجاء عطف وَيَسْقِينِ على يُطْعِمُنِي بالواو لأن كلّا من الإطعام والسقي قد يتقدم على الآخر وقد يتأخر عنه.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 163: لا يعطف بحتى إلا بعض أو كبعض وغاية -

الحديث: 3269 - الجزء: 7 - الصفحة: 3446

................................  للمعطوف عليه في زيادة أو نقص فيدخل في الزيادة الأقوى والأعظم والأكثر.
ويدخل في النقص الأضعف والأحقر والأقل نحو: فاق على - رضي الله تعالى عنه - الأبطال حتى عنترة وعجز في العلم الأذكياء حتى الحكماء وقصر عن جوده الغيوث حتى الديم وقهر الجبان الناس حتى النساء.
ومن كلام العرب استنت الفصال حتى القرعي 164. وقد أجمعت غايتا القوة والضعف في قول الشاعر: 3271 - قهرناكم حتّى الكماة فإنّكم... لتخشوننا حتّى بنينا الأصاغرا 165 فالمعطوف في هذه الأمثلة بعض محقق وقد يكون شبيها ببعض لا بعضا كقولك: أعجبتني الجارية حتى حديثها، فالحديث ليس بعضا ولكنه كبعض لأنه معنى من معاني المحدث، والمعتمد عليه في ما يصح عطفه بحتى أن يصح استثناؤه بإلا فيصح أعجبتني الجارية حتى حديثها كما يصح أعجبتني الجارية إلا حديثها ويمتنع أعجبتني الجارية حتى ابنها كما لا يمتنع أعجبتني الجارية إلا ابنها.
وقد يكون المعطوف بحتى مباينا فتقدر بعضيته بالتأويل - كقول الشاعر: 3272 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها 166 فعطف بحتى وليس بعضا لما قبلها ولكنها بالتأويل بعض لأن المعنى ألقى ما يثقله حتى نعله ويروي بالجر والرفع.
وقيدت الغاية بأن يكون ذكرها مفيدا تنبيها على أنك لو قلت: أتيتك الأيام حتى يوما لم يجز لأنه لا فائدة فيه.
وهكذا لو قلت في الاستثناء: صمت الأيام إلا يوما فلو وقت ما بعد حتى والأحسن وكانت فيه فائدة نحو: صمت الأيام حتى يوم الجمعة وإلا يوم الجمعة.
وإن عطف بحتى على مجرور وخيف توهم كون المعطوف مجرورا بحتى لزم إعادة الجار نحو: اعتكفت في الشهر حتى في آخره فإن أمن ذلك لم يلزم إعادة الجار نحو: -

الحديث: 3271 - الجزء: 7 - الصفحة: 3447

................................  عجبت من القوم حتى بنيهم.
ونحو قول الشاعر: 3273 - جود يمناك فاض في الخلق حتّى... بائس دان بالإساءة حينا 167 وحتى بالنسبة إلى الترتيب كالواو فجائز كون المعطوف بها مصاحبا كقولك: قدم الحجاج حتى المشاة في ساعة كذا، وجائز كونه سابقا كقولك: قدموا حتى المشاة متقدمين.
ومن زعم أنها تقتضي الترتيب في الزمان فقد ادعى ما لا دليل عليه وفي الحديث: «كلّ شيء بقضاء وقدر حتّى العجز والكيس» 168، وليس في القضاء ترتيب، وإنما الترتيب في ظهور المقضيات، وقال الشاعر: 3274 - لقومي حتّى الأقدمون تمالئوا... على كلّ أمر يورث المجد والحمدا 169 فعطف بحتى الأقدمين مع كونهم يتعين متقدمين.
وأم المعتمد [4/ 155] عليها في العطف هي المتصلة نحو: أزيد عندك أم عمرو، وسميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى أحدهما عن الآخر ولا تحصل الفائدة إلا بهما.
وشرط ذلك أن يكون متبوعهما مسبوقا بهمزة صالح موضعها لأي كالواقعة في أزيد عندك أم عمرو، وفي قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 170، [و] وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 171، وأَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ 172، وأَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ 173، وأَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ 174، وقد يكون مصحوبا هما فعلين لفاعلين متباينين.
كقول حسان - رضي الله تعالى عنه -: 3275 - ما أبالي أنبّ بالحزن تيس... أم جفاني بظهر غيب لئيم 175 وقد يكون مصحوباهما جملتين ابتدائيتين كقول الشاعر: -

الحديث: 3273 - الجزء: 7 - الصفحة: 3448

................................  3276 - ولست أبالي بعد فقدي مالكا... أموتي ناء أم هو الآن واقع 176 ومثله: 3277 - لعمرك [ما] أدري وإن كنت داريا... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن [منقر] 177 أراد ما أدري أشعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر. فهذه الأبيات شواهد على وقوع أم المتصلة بين جملتين إذا كان المعنى معنى أي. وابن سهم وابن منقر خبران لا صفتان وحذف التنوين من شعيث على حد حذفه في قول الشاعر: 3278 - عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه... ورجال مكّة مسنتون عجاف 178 وخرج بقولي: صالح موضعها لأي أم المسبوقة بهمزة صالح موضعها للنفي كقوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها 179 فأم في هذه المواضع الثلاثة منقطعة؛ لأنها لا تصلح لأي. وكذا إذا كان معنى ما هي فيه تقريرا كقوله تعالى: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 180، وكقول الراجز: 3279 - ألعبا بألف أم توانيا... والموت يدنو رائحا وغاديا 181 وكذا كل موضع لم تتقدم فيه الهمزة استفهاما كان أو إخبارا. فالاستفهام كقوله: 3280 - أنّى جزوا عامرا سوءا بفعلهم... أم كيف يجزون بالسوءى من الحسن أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن 182

الحديث: 3276 - الجزء: 7 - الصفحة: 3449

................................  والإخبار كقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ 183 فأم في هذين الموضعين وما أشبههما منقطعة لعدم الهمزة قبلها كما هي منقطعة في أَمْ لَهُمْ 184 لعدم معنى أي.
وقد تحذف الهمزة ويكتفى بظهور معناها قبل أم المتصلة كقول الشاعر: 3281 - فأصبحت منهم آمنا لا كمعشر... أتوني وقالوا من ربيعة أم مضر 185 ومثله: 3282 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا... بسبع رمين الجمر أم بثمان 186 ومنه قراءة ابن محيصن (سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم) 187، وأكثر وقوع أم المنقطعة إضرابا واستفهاما كقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ 188 إلى أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ 189. وقد يجاء بها لمجرد الإضراب ومن علامات ذلك في اللفظ أن يليها استفهام نحو: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 190 ونحو: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ 191 ونحو قول الشاعر: 3283 - أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به... رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن 192 وإن ولي المنقطعة مفرد فهو معطوف بها على ما قبلها كقول بعض العرب أنها لإبل أم شاء فأم هنا لمجرد الإضراب عاطفة ما بعدها على ما قبلها كما كان يكون بعد بل فإنها بمعناها.
وزعم ابن جني أنها بمنزلة الهمزة وبل وأن التقدير: بل أهي شاء، وهذه دعوى لا دليل عليها ولا انقياد إليها.
وقد قال بعض العرب: إن هناك إبلا أم شاء فنصب ما بعد أم حين نصب ما قبلها وهذا عطف صريح مقوّ لعدم -

الحديث: 3281 - الجزء: 7 - الصفحة: 3450

................................  الإضمار قبل المرفوع.
وفصل أم المتصلة بما عطفت عليه نحو: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ 193 أكثر من وصلها نحو: أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 194 ومن ادعى امتناع وصلها أو ضعفه فمخطئ؛ لأن دعواه مخالفة للاستعمال المقطوع بصحته، ولقول سيبويه 195 والمحققين من أصحابه.
ومن العطف بأو في الشك قوله تعالى: قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ 196، ومن العطف بها في التفريق المجرد قوله تعالى: لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى 197 وقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 198. والمراد بوصف التفريق بالمجرد خلوه من الشكّ والإبهام والإضراب والتخيير فإن مع كل واحد منهما تفريقا مصحوبا بغيره.
والتعبير عن هذا المعنى بالتفريق أولى من التعبير عنه بالتقسيم؛ لأن استعمال الواو في ما هو تقسيم أجود من استعمال أو كقولك: الكلمة اسم وفعل وحرف، والاسم ظاهر ومضمر والفعل ماض وأمر ومضارع، والحرف عامل وغير عامل.
ومنه قول الشاعر: 3284 - وننصر مولانا ونعلم أنّه... كما النّاس مجروم عليه وجارم 199 ولو جيء هنا بأو لجاز وكان التقدير الملقى منهم مجروم عليه أو جارم، والتقدير مع الواو منهم مجروم عليه ومنهم جارم أو بعضهم مجروم عليه وبعضهم جارم.
ومن الجائي بأو مع كون الواو أولى قول الشاعر: 3285 - فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما... صدور رماح أشرعت أو سلاسل 200 ومن مجيء أو في الإبهام قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 201 ومثله قول الشاعر: -

الحديث: 3284 - الجزء: 7 - الصفحة: 3451

................................  3286 - نحن أو أنتم الألى ألفوا الحق... قّ فبعدا للظّالمين وسحقا 202 ومن مجيئها للإضراب قراءة أبي السمال 203 أو كلما عهدوا عهدا 204 قال أبو الفتح: معنى أو هنا معنى بل بمنزلة أم المنقطعة فكأنه قيل: بل كلما عاهدوا عهدا.
قال: وأو التي بمنزلة أم المنقطعة موجودة في الكلام كثيرا» 205 وقال الفراء في قوله تعالى: إِلى مِائَةِ أَلْفٍ [4/ 156] أَوْ يَزِيدُونَ 206: أو هنا في معنى بل كذا جاء في التفسير مع صحته في العربية 207. وحكى الفراء: اذهب إلى زيد أو دع ذلك فلا تبرح اليوم 208. وقال ابن برهان في شرح اللمع: قال أبو علي أو حرف يستعمل على ضربين.
أحدهما أن يكون لأحد الشيئين أو الأشياء، والآخر: أن يكون للإضراب 209، قلت: ومن مجيء أو للتخيير قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ 210 ومن مجيئها للإباحة قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ 211 إلى أَوِ الطِّفْلِ 212. ومن علامات التي للإباحة استحسان وقوع الواو موقعها ألا ترى أنه لو قيل: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن وآباء بعولتهن لم يختلف المعنى.
ومنه جالس الحسن أو ابن سيرين 213 أي جالس الصنف المبارك الذين منهم الحسن وابن سيرين فلو جالسهما معا لم يخالف ما أبيح له والاعتماد في فهم المراد من هذا الخطاب على القرائن.

الحديث: 3286 - الجزء: 7 - الصفحة: 3452

................................  ومن معاقبة أو الواو في عطف المصاحب قول الشاعر: 3287 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... من بين ملجم مهره أو سافع 214 ومثله قول الآخر: 3288 - حتّى خضبت بما تحدّر من دمي... أكناف سرجي أو عنان لجامي 215 ومثله أيضا: 3289 - فظلت وظلّ أصحابي لديهم... عريض اللّحم نيّ أو نضيج 216 فأوفى هذه المواضع بمعنى الواو التي للمصاحبة.
ومن أحسن شواهد هذا المعنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اسكن فما عليك إلّا نبيّ أو صديق أو شهيد» 217 وقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: «كل ما شئت واشرب ما شئت ما أخطأك ثنتان سرف أو مخيلة» 218. ومن معاقبة أو الواو في عطف المؤكد قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً 219، وقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً 220، ومنه قول الشاعر: 3290 - حواسر ممّا قد رأت فعيونها... تفيض بماء لا قليل ولا تزر 221 وإذا وقع نهي أو نفي قبل أو كانت بمعنى الواو مردفة بلا.
فمثال ذلك مع النهي قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 222 ومثال ذلك مع النفي قوله تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ إلى: أَوْ صَدِيقِكُمْ 223 أي: ولا تطع منهم آثما ولا كفورا، ولا على أنفسكم أن تأكلوا -

الحديث: 3287 - الجزء: 7 - الصفحة: 3453

................................  من بيوتكم ولا من بيوت آبائكم 224. هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى.
ولنتبعه بالتنبيه على أمور: منها: أنك قد عرفت في أول هذا الباب أن العطف بحتى قليل.
ثم إن العطف بها مشروط بأربعة أمور: الأمران اللذان ذكرهما وهما أن يكون المعطوف بها بعض متبوعه أو كبعضه وأن يكون غاية له في زيادة أو نقص.
والأمران الآخران أن يكون المعطوف بها أيضا مفردا أو أن يكون ظاهر.
أما كون المعطوف بها لا يكون جملة فقد علله ابن أبي الربيع بأن قال: العطف بها قليل، واستعمالها حرف ابتداء كثير.
(قال: وهذا مما يدل على أنها إذا وقعت بعدها الجملة فليست بحرف عطف؛ إذ وقوع الجملة بعدها كثير والعطف بها في المفردات وهو أصل العطف قليل 225. وقال ابن عصفور: ولا يجوز أن يعطف بها إلّا الأفعال والجمل؛ لأن المعطوف بها لا يكون إلّا بعضا مما عطف عليه وغاية له ولا يتصور ذلك في الأفعال والجمل 226. انتهى.
وعلل غيره ذلك بأن الأصل في العاطفة أن تكون جارة نحو قط على أصلها من استعمالها مع الأسماء.
وأما كون المعطوف بها لا يكون ضميرا فالظاهر أنه كما امتنع فيها أن تجر المضمر امتنع فيها أن تعطفه ليكون حكمها في البابين واحد.
قال الخضراوي: لا يجوز العطف إلا حيث يجوز الجر، ولذلك لا يعطف المضمر على المظهر ولا على المضمر.
ولا يجوز ضربت القوم إلا إياك ولا قاموا معهم حتى أنت لأن حتى لا تجر المضمر فلا تعطفه.
وأعلم أن تعبير المصنف عن المعطوف بها بالبعضية وشبهها أحسن وأخضر من قول ابن عصفور أن المعطوف بها لا يكون إلا مختلطا بما عطف عليه أو جزءا من -

الجزء: 7 - الصفحة: 3454

................................  أجزاء أو واحدا من أحاده إن كان المعطوف عليه جمعا نحو قولك: قتلت الجند حتى دوابهم وأكلت السمكة حتى رأسها وضربت القوم حتى زيدا ولو قلت: ضربت زيدا حتى عمرا وضربت الرجلين حتى أفضلهما لم يجز لأن المعطوف بها ليس شيئا من ذلك 227 ومن ثم قال الشيخ: وكان ينبغي للمصنف أن يقيد المتبوع بأن يكون ذا أجزاء أو واحدا من جمع فلو قلت: ضربت الرجلين حتى أفضلهما - لم يجز 228. انتهى.
ومقتضى كلامه هنا أن عدم جواز ضربت الرجلين حتى أفضلهما لا يفهم من عبارة المصنف وهو عجب، فإن أفضلهما ليس بعض الرجلين فيحتاج إلى التقييد.
ومنها: أن الشيخ قال مشيرا إلى قول المصنف مفيد ذكرها وأنه قيد الغاية بأن يكون ذكرها مفيد تنبيها على أنك لو قلت: أتيتك الأيام حتى يوما لم يجز لأنه لا فائدة فيه - فقال الشيخ: هذا القيد لم يذكره النحويون لأنه لا فائدة في ذكره لأن الشرط أن يكون المعطوف غاية للمعطوف عليه في زيادة أو نقص، ويوما من المثال المذكور لا يتصف بأنه غاية فضلا عن أن يتصف بقوة أو ضعف أو عظم أو حقارة 229. انتهى.
وما قاله ظاهر.
ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف وإن عطفت على مجرور لزم إعادة الجار ما لم يتعين العطف لكن قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: الأحسن أن يعيد الخافض.
والذي قاله المصنف هو الظاهر بل المتعين.
وقد نقل الشيخ عن رجلين كبيرين أنهما نصّا على أنه لا بد من إعادة الخافض كما قال المصنف.
ثم إن الشيخ قال في المثال الذي مثّل به المصنف وهو عجبت من القوم حتى -

الجزء: 7 - الصفحة: 3455

................................  [4/ 157] بنيهم إن بنيهم هنا ليس معطوفا بحتى.
قال: لأنهم ليسوا واحدا من جمع إذ ليسوا مندرجين في القوم ولا تنزلوا منزلة جزء.
قال: لأنك لو قلت عجبت من القوم إلا بنيهم لم يصح.
فالذي يظهر أن حتى في هذا المثال هي الجارة لا العاطفة.
قال: وكذلك لا يتعين أن تكون عاطفة في البيت الذي أنشده 230. انتهى.
وما قاله الشيخ غير ظاهر؛ فإن القوم صادق على الآباء والأبناء جميعا.
لكن إذا قيل عجبت من القوم فربما يتوهم أن العجب إنما حصل من الآباء دون الأبناء فعطف الأبناء على القوم لتحقيق أن العجب حصل منهم كما حصل من آبائهم.
كما أن قولك: قدم الحاج صادق على الحاج بأجمعهم 231، ثم تقول حتى المشاة لتحقيق قدومهم إذ قد يتوهم أنهم لضعفهم ربما تأخر قدومهم كما قد يتوهم أن الأبناء لصغرهم ربما لا يصدر منهم ما يحصل منه عجب وإذا كان القوم صادقا على الآباء والأبناء جميعا كان الأبناء بعضا من القوم وإذا كانوا بعضا صح العطف والاستثناء، ثم إذا حكم بأن حتى في المثال المذكور جارة كانت بمعنى إلى.
وإذا كان كذلك كان المعنى في المثال عجبت من القوم إلى بنيهم وفي البيت فاض في الحق إلى بائس، وهذا لا يقال؛ إذ لا معنى لقولنا إلى بنيهم ولا إلى بائس.
ومنها: أن ابن عصفور قال ما ملخصه: والاسم الواقع بعد حتى إذا استوفى الشرط المشروط في عطفه بها فإن دلت قرينة على أنه شريك لما قبله في المعنى لم يجز فيه إلا العطف نحو: ضربت القوم حتى زيدا أيضا بنصب زيد لدلالة أيضا على تكرار الفعل، وإن دلت قرينة على أنه غير شريك لما قبله في المعنى كانت حتى جارة ولم يجز العطف نحو صمت الأيام حتى يوم الفطر بالخفض وإن لم تكن قرينة تدل على أنه شريك أو غير شريك جاز في حتى أن تكون عاطفة وخافضة.
والخفض أحسن لأن العطف بها لغة ضعيفة فتقول: ضربت القوم حتى زيدا بالنصب -

الجزء: 7 - الصفحة: 3456

................................  والخفض 232. هذه الأمور المتعلقة بحتى.
أما الأمور المتعلقة بأم فمنها: أن قول المصنف أن أم المتصلة هي المسبوقة بهمزة صالح موضعها لأي يقتضي أن المعتبر هو صلاحية وقوع أي موقع الهمزة خاصة.
ولا شك أن أيا إذا أتى بها في مثل هذا الكلام إنما تكون واقعة موقع الهمزة وأم معا لا موقع الهمزة وحدها.
ثم إنه لم يتعرض لذكر همزة التسوية مع أنه ذكرها في غير هذا الكتاب 233. وكلامه يقتضي أن همزة التسوية) صالحة لوقوع أي موضعها، ولذا مثل لذلك بقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 234 وذلك غير ظاهر؛ لأن أيّا إنما تصلح مكان الهمزة وأم إذا كان معنى الاستفهام مرادا.
ولا شك أن معنى الاستفهام في التسوية مفقود، فافترقت الهمزتان حينئذ.
وكلامه في شرح الكافية أبين وأخلص من كلامه هنا.
فإنه بعد أن ذكر أن أم المعتمد عليها في العطف هي المتصلة وأنها سميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغني أحدهما عن الآخر.
قال: وشرط ذلك أن يقرن ما يعطف بها عليه بهمزة التسوية أو بهمزة يطلب بها وبأم ما يطلب بأي، وعلامة ذلك صحة الاستغناء بها عنهما فمن لوازم ذلك كون الناطق بأم المذكورة مدعيا العلم بنسبة الحكم إلى أحد المذكورين دون تعيين 235 انتهى.
وأفهم قوله: فمن لوازم ذلك كون الناطق بأم المذكورة مدعيا العلم بنسبة الحكم إلى أحد المذكوريين دون تعيين المسألة التي يذكرها النحاة وهي أن: جواب السائل بالهمزة وأم إنما هو بأحد الشيئين أو الأشياء.
وذلك بأن تقول زيد أو تقول عمرو في جواب من قال: أقام زيد أم عمرو أو تقول: زيد أو عمرو أو جعفر في جواب من قال: أقام زيد أم عمرو أم جعفر لأن الغرض أن السائل عالم بالنسبة الواقعة وهي القيام ولكنه لم يتعين عنده من قامت به تلك النسبة فوجب أن يكون الجواب بتعيين من جهل تعينه، ولا يجاب عن ذلك بنعم أو لا.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3457

................................  وأن السائل بالهمزة وأو إنما سأل عن حصول النسبة لا عمن قامت به.
فاذا قال القائل: أقام زيد أو عمرو جاز أن يقال في جوابه نعم أو لا؛ لأن المعنى أقام أحدهما أو لا، وكذا إذا قلت أعبد الله عندك أو جعفر جاز أن قال نعم أو لا، لأن المعنى أأحدهما عندك أو لا، ويجوز أن يجاب بالتعيين أيضا فيقال في جواب المثال الأول: زيد أو يقال عمرو.
وفي جواب المثال الثاني عبد الله أو جعفر - لأن قائل ذلك أتى بالجواب وهو حصول النسبة وزاد بأن غين من قامت به النسبة ثم إن ابن عصفور بعد تقرير أن جواب السائل بالهمزة وأم المتصلة إنما يكون بأحد الشيئين أو الأشياء.
قال 236: فإن قال قائل كيف قال ذو الرمة: 3291 - تقول عجوز مدرجي متروّحا... على بابها من عند أهلي وغاديا أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة... أراك لها بالبصرة العام ثاويا فقلت لها لا إنّ أهلي حيرة... لأكثبة الدّهناء جميعا وما ليا وما كنت مذ أبصرتني في خصومة... أراجع فيها يا ابنة العمّ قاضيا 237 فأجاب أم من قوله: أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة بقوله: لا وهي متصلة، ألا ترى أنها تقدمتها الهمزة وما بعدها مفرد.
فالجواب أن قوله: لا جواب لاعتقادها وذلك أنها لم تسأل بأم المتصلة إلا بعد ما قطعت في ظنها [4/ 158] بأنه إما ذو زوجة وإما ذو خصومة فأجابها عن ذلك بلا كأنه قال: لست ذا زوجة ولا ذا خصومة، ولو كان سؤالها بأم سؤالا صحيحا لم يكن الجواب إلا بأن يقول: ذو زوجة أو ذو خصومة فإن قال قائل فلعل أم هذه منفصلة وتكون ذو خصومة خبر ابتداء مضمر كأنه قيل: أم أنت ذو خصومة فيكون ما بعدها جملة، ولذلك أجاب بلا 238. وكان قد تقدم في كلامه أن أم المنقطعة لا يقع بعدها إلا الجملة ثم أجاب عن -

الحديث: 3291 - الجزء: 7 - الصفحة: 3458

................................  ذلك بأن قال: أم المنفصلة إنما يجاب ما بعدها خاصة لأن ما قبلها مضرب عنه فلا يحتاج إلى جواب وهو ها هنا قد أجاب عن قولها أذو زوجة وعن قولها أم ذو خصومة فنفى أن يكون ذا زوجة بالمصر بقوله: إن أهلي حيرة لأكثبة الدهناء، ونفى أن يكون ذا خصومة بقوله: وما كنت مذ أبصرتني في خصومة، فلم يبق إلا أن يكون محمولا على ما ذكرت 239. انتهى كلامه.
ويتعلق بالتقرير المتقدم مسألة ذكرها صاحب الإيضاح وهي قول القائل: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية.
فإن الجواب فيها أن يقال أحدهما بهذا اللفظ، ولا يجوز أن يقال الحسن ولا الحسين لأن السائل لم يسأل عن الأفضل من الحسن وابن الحنفية ولا من الحسين وابن الحنفية.
وإنما جعل أحدهما لا بعينه قرينا لابن الحنفية فالمعنى: أأحدهما أفضل أم ابن الحنفية.
والجواب ينبغي أن يكون على ما يقتضيه السؤال 240. ولما ذكر ابن عصفور هذه المسائل في كلام أبي علي قال: هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي جمع فيها بين أو وأم.
ولا ينبغي أن يطلق القول فيها بأن الجواب بذكر أحد الاسمين المعطوف أحدهما على الآخر بأو لا يجوز بل من التفصيل وهو أن يقال: إذا قال السائل: أزيد أو عمرو أفضل أم بكر.
فإما أن يكون كل واحد منهما أفضل من بكر أو يكون الذي هو أفضل منه واحدا، فإن كان الذي هو أفضل منه واحدا فإن الجواب المطابق لسؤاله أن يقول: أحدهما وإن قال زيد أو عمرو كان ذلك جائزا لأنه بمنزلة أن يقول أحدهما أفضل وهو فلان.
وإذا كان بمنزلة ذلك فقد أتى بالجواب وزيادة بيان.
وذكر أحد الاسمين لا يخرج الجواب عن أن يفيد الإخبار بأن أحدهما أفضل من بكر وإن كان كل واحد منهما أفضل من بكر لم يجز أن يقال في الجواب زيد أو عمرو؛ لأن ذلك بمنزلة أن يقول: أحدهما وهو فلان.
وإذا كان كل واحد منهما أفضل من بكر كان القول وهو فلان خطأ، لأنه يعطي أن الآخر ليس أفضل منه فتعين أن يقال أحدهما لأن الجواب إنما يكون على ما يقتضيه السؤال وإذا كان كل واحد منهما أفضل من بكر فأحدهما أفضل منه بلا شك.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3459

................................  قال: والمسألة التي ذكرها أبو علي من هذا القبيل لأن الحسن والحسين رضي الله عنهما تعالى يفضل كل واحد منهما ابن الحنفية من جهة أمه - رضي الله تعالى عنها - فلذلك كان الجواب بذكر الحسن أو الحسين خطأ 241. انتهى.
وليعلم أن الاستفهام المشروط مقارنته لأم المتصلة لا يتعين فيه أن يكون استفهاما من حيث المعنى بل يجوز أن يراد به حقيقة معنى الاستفهام وأن لا يراد.
ومن ثم قال ابن عصفور رحمه الله تعالى شارحا لقول أبي علي: فأما أم فإنها لا تكون إلا في الاستفهام.
قال: يريد أنها لا تكون إلا حيث يستعمل لفظ الاستفهام سواء كان معنى الكلام على الاستفهام أم لا يكون.
ولهذا تقول: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو وليت شعري أعمرو قائم أم خالد، وما أبالي أقام زيد أم قعد وسواء على أقمت أم قعدت وإن لم يكن المعنى في شيء من ذلك على الاستفهام.
وانما جاز استعمال همزة الاستفهام في هذه المواضع وإن لم يكن المعنى على الاستفهام لشبهها به من حيث كان المعنى فيها على التسوية كما أن الاستفهام كذلك.
ألا ترى أنك إذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو قد 242 سويت ظن المخاطب في زيد وعمرو لأنه لا يدري أيهما الذي ادعيت العلم بكونه عنده.
وإذا قلت: ليت شعري أعمرو قائم أم خالد فقد استوى عمرو وخالد في ظنك فلم تدر القائم منهما.
وإذا قلت: ما أبالي أقام زيد أم قعد فقد استوى عندك قيام زيد وقعوده وهو أنهما عليك.
وإذا قلت: سواء علي أقمت أم قعدت فقد أخبرت أن قيام المخاطب وقعوده مستويان عليك كما أنك إذا استفهمت فقلت: أزيد عندك أم عمرو فقد استوى زيد وعمرو في ظنك لأنك لا تدري الذي عند المخاطب منهما.
انتهى.
ومنها: أن مصحوبي الهمزة وأم المتصلة يختلف.
فرن كانت الهمزة للتسوية فلا يكون مصحوبا هما إلا جملتين والجملتان في تأويل مفردين وتكونان فعليتين كقوله -

الجزء: 7 - الصفحة: 3460

................................  تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 243 واسميتين كقول الشاعر: 3292 - ولست أبالي بعد فقدي مالكا... أموتي ناء أم هو الآن واقع 244 ومختلفتين كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ 245 وإن كانت الهمزة لغير التسوية بأن تكون للاستفهام حقيقة فقد يكون مصحوبا هما اسمين نحو: أزيد عندك أم عمرو، أو فعلين لفاعل واحد في المعنى نحو: أقام زيد أم قعد، أو فعلين لفاعلين متباينين كقول الشاعر: 3293 - ما أبالي أنبّ بالحزن تيس... أم جفاني بظهر غيب لئيم 246 وجملتين ابتدائيتين كقول الشاعر: 3294 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا... شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر 247 [4/ 159] هذا كلام المصنف في شرح الكافية 248 أعني من فقد يكون مصحوبا هما اسمين.
وقال بعد ذلك مشيرا إلى هذا البيت الآخر: وفي هذا البيت حجة على وقوع أم المتصلة بين جملتين ابتدائيتين لأن المعنى أي كأنه قال: ما أدري أي الشيئين هو الصحيح 249. انتهى.
ومقتضى إيراده أن الهمزة في ما أبالي أنب بالحزن تيس، وفي لعمرك ما أدري وإن كنت داريا.. البيتين ليست للتسوية.
ولهذا قال في البيت الثاني إن المعنى معنى أي 250 وإذا لم تكن للتسوية كانت للاستفهام الحقيقي.
وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن معنى الكلام بعد ما أبالي على الاستفهام وقرن ذكر ما أبالي أقام زيد أم قعد بذكر سواء على أقمت أم قعدت.
وذكر غيره لا أدري أيضا مع أبالي مسويا بينهما في أن الهمزة الواقعة بعدهما للتسوية.
وعلى هذا يشكل كلام المصنف أعني كلامه في شرح الكافية حيث جعل الهمزة -

الحديث: 3292 - الجزء: 7 - الصفحة: 3461

................................  الصالح موضعها لأي قسيمة لهمزة التسوية.
أما كلامه في التسهيل وما شرحه به فع، لأنه جعل الهمزة الصالح موضعها لأي شاملة لكلتا الهمزتين ولا شك أن المسألة تحتاج إلى تحقيق.
ويظهر أن يقال أن ما أبالي يمكن أن يقال لإرادة معنى التسوية بالكلام التي هي فيه بمعنى أن الأمرين المذكورين بعدها مستويان عند المتكلم بها، ويمكن أن يقال لإرادة عدم المبالاة أي لا أبالي فعلك، وكذا لا أدري يمكن أن يراد بها استواء الأمرين عند المتكلم بها بمعنى أنهما استويا عنده في عدم العلم ويمكن أن يراد بها عدم الالتفات والمعنى حينئذ يرجع إلى معنى عدم المبالاة وإذا كان كذلك كان من الكلمتين اعتباران فيحسن الاستشهاد بهما بمعنى التسوية (له) وللمعنى الآخر.
وقد يكون مصحوب الهمزة وأم المتصلة جملتين مختلفتين كقوله تعالى: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ 251 وذلك إذا جعل (أنتم) فاعلا بفعل قد حذف.
ولا شك أن القول بالفاعلية فيه أرجح من القول بابتدائيته.
ومنها: أنك تعلم من قول المصنف: والمنقطعة ما سواها بعد قوله: فالمتصلة المسبوقة بهمزة صالح موضعها لأي أن المنقطعة هي التي سلبت ما ذكره للمتصلة وذلك بأن يكون المتقدم عليها خبرا نحو قوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ 2 أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ 252 أو غير الهمزة من أدوات الاستفهام نحو: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ 253 أو همزة لا يصلح في موضعها أي نحو قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها 254 وقد يعبر عن هذه الهمزة بأن يقال: همزة لا يراد بها الاستفهام فإن الهمزة في قوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ للإنكار وهو إنكار يراد به النفي وفي قوله تعالى: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا 255؛ فإن الهمزة فيه للتقرير.
وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام المصنف.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3462

................................  ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف أنها أعني المنقطعة تقتضي إضرابا واستفهاما في الأكثر وأنها قد يجاء بها لمجرد الإضراب فهي للإضراب والاستفهام في قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ إلى أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ 256 وكذا في قوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ 257، ومنه قول العرب: إنها لإبل أم شاء.
التقدير بل أهي شاء لكن الاستفهام في الآيتين الشريفتين استفهام إنكار، وفي أهي شاء استفهام طلب.
وهي لمجرد الإضراب في قوله تعالى: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ 258 وقوله تعالى: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 259، [و] أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ 260 وذلك لأن استفهاما لا يباشر استفهاما فامتنع تقديره لذلك.
وكذا هي لمجرد الإضراب في قوله تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ 261؛ لأن المراد أن يخبر عنهم أنهم اعتقدوا الشركاء وأم هذه مع جواز مباشرتها أدوات الاستفهام لا تباشر همزة الاستفهام لا يقال: قام زيد أم أعمرو قائم.
نبه على ذلك الشيخ في ارتشاف الضرب 262. ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف جعلها أعني المنقطعة إذا وليها مفرد عاطفة، والجماعة لا يثبتون لها العطف ومن ثم قال الشيخ: وأصحابنا يقولون إن أم المنقطعة ليست للعطف لا في مفرد ولا في جملة.
وقال ابن عصفور: وسميت أم هذه المنفصلة لأن ما بعدها كلام مستأنف منقطع مما قبلها وليست بعاطفة لأن ما بعدها ليس مع ما قبلها كلاما واحدا وحروف العطف ما بعدها مع ما قبلها كلام واحد 263. انتهى.
وقد عرفت أن المصنف استدل لدعواه بقول العرب أن هناك إبلا أم شاء.
فقال الشيخ: إن ثبت هذا عن العرب فلا حجة فيه لاحتمال أن تكون أم متصلة وحذفت الهمزة من أن هناك والتقدير أئن هناك.. ويحتمل إذا لم تقدم الهمزة أن ينتصب شاء على إضمار فعل تقديره أم ترى شاء 264. انتهى.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3463

................................  ولا شك أن القول بأن أم هنا عاطفة مفيدة ما تفيده بل أسهل من هذا التخريج وهي إذا كانت عاطفة كبل كان ما بعدها مع ما قلبها كلاما واحدا فيندفع تعليل ابن عصفور.
ثم إن الشيخ ذكر في شرحه عن النحاة في معنى أم المنقطعة مذاهب.
قال رحمه الله تعالى: اختلف النحويون في أم المنقطعة 265: فذهب البصريون إلى أنها تقدر ببل والهمزة مطلقا وذهب الكسائي وهشام إلى أنها بمنزلة بل وما بعدها مثل ما قبلها.
فإذا قلت: قام زيد أم قام عمرو فالمعنى بل قام عمرو.
وإذا قلت: هل قام زيد أم قام عمرو، فالمعنى بل هل قام عمرو 266. وذهب الفراء إلى أن العرب [4/ 160] تجعل أم مكان بل إذا كان في أول الكلام استفهام مستدلا بقول الشاعر: 3295 - فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت... أم النّوم أم كلّ إليّ حبيب 267 قال: يريد بل كل إلى حبيب 268. وذهب بعض الكوفيين إلى أنها تكون بمعنى بل فقط بعد الاستفهام وبعد الخبر.
قال: وقد تكون بمعنى الهمزة إذا لم يتقدمها استفهام 269، وذهب أبو عبيدة إلى أن أم بمعنى ألف الاستفهام.
قال: ومنه قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ) 270 أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ 271. انتهى.
والحق من هذه المذاهب ما ذكره المصنف وهو أن أم المذكورة تقتضي الإضراب مع الاستفهام وهو الكثير فيها وأنها قد تقتضي الإضراب مجردا عن الاستفهام.
وأما غير هذين المذهبين فلا معول عليه.
ومنها: أنهم قالوا إنما كان الوجه الأحسن أن يتوسط ما وقعت المعادلة من أجله.
-

الحديث: 3295 - الجزء: 7 - الصفحة: 3464

................................  فيجعل أحد الشيئين يلي الهمزة ويلي الآخر أم لأنهما الأداتان اللتان يستفهم بمجموعهما عما يطلب تعيينه وجعل الذي وقعت المعادلة من أجله يلي المتقدم منهما حتى يكون قد فرغ من ذكره وذكر ما وقعت المعادلة من أجله وحينئذ يعدل بالثاني.
وعبارة سيبويه في هذه المسألة أن قال: أزيد عندك أم عمرو، وأزيد لقيت أم بشرا بتقديم الاسم أحسن.
ولو قلت: ألقيت زيدا أم عمرا كان جائزا حسنا، أو قلت: أعندك زيد أم عمرو كان كذلك.
وقال أيضا: وإن شئت قلت: ما أدري أعندك زيد أم عمرا وكان جائز حسنا كما جاز أزيد عندك أم عمرو.
وتقديم الاسمين جميعا مثله وهو مؤخر وإن كان أضعف 272. أما ما يتعلق بأو فأقول: إن المصنف ذكر لها سبعة معان وهي الشك، والتفريق وهو الذي عبر عنه في بقية كتبه بالتقسيم 273، والإبهام، والتخيير، والإباحة، والإضراب، ومعنى الواو وذكر المغاربة معنى آخر وهو التفصيل 274. وما عدا الإضراب ومعنى الواو متفق عليه 275. وكونها للإضراب أو بمعنى الواو منسوب إلى الكوفيين كما سيذكر.
والحق أن المعاني المذكورة إنما تستفاد بقرائن الكلام الذي هي فيه، وأو إنما هي لأحد الشيئين أو الأشياء.
وقد قال ابن أبي الربيع شارحا لقول أبي علي: وأو لأحد الشيئين أو الأشياء في الخبر وغيره.
وهذا الذي ذكره هو المعنى الذي وضعت له.
وقد يصحبها الإبهام والشك والتنويع في الخبر وكذلك يصحبها التخيير والإباحة في الاقتضاء وعني بالتنويع التقسيم لأنه مثل له بقوله: هذه المسألة لا تخلو من كذا أو كذا.
وبعد: فأنا أشير إلى المعاني التي ذكرها المصنف معنى معنى منوطا به ما فيه من بحث وخلاف وأتبع ذلك بالمعنى الذي زاده الجماعة عليه: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3465

................................  أما الشك: فقد تقدم تمثيل المصنف له بقوله تعالى: قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ 276 قال ابن عصفور: وكذا إذا دخلت أداة الاستفهام على الفعل فقلت: أقام زيد أو عمرو لأنك إنما تسأل أوقع هذا القيام الذي ادعى أنه فعله أحد الشخصين وشك في فاعله أم لا 277. هذا كلامه ولم أتحققه، فإن هذا الكلام إنما يصدر من جاهل بحصول النسبة مستفهم هل حصل قيام من أحد المذكورين أولا بخلاف قولك: قام زيد أو عمرو فإنه جازم بحصول القيام ولكنه شاكّ في من نسب إليه.
وأما التفريق: فقد تقدم أن المراد به التقسيم وأنه يعبر عنه بالتنويع أيضا.
وقد عرفت أن المصنف يرى أن التعبير بالتفريق أولى من التعبير بالتقسيم معللا ذلك بأن استعمال الواو في ما هو تقسيم أجود من استعمال أو.
أقول: إن هذا لا يمنع إن يقال ان أو تكون للتقسيم على أن المصنف قد أنشد قول القائل: 3296 - فقالوا لنا ثنتان لا بدّ منهما... صدور رماح أشرعت أو سلاسل 278 وأو فيه للتقسيم بدليل قوله: ثنتان لا بد منهما، وقد قال هو في هذا البيت أنه من الجائي بأو كون الواو أولى وهذا منه اعتراف بأن أو للتقسيم.
وأما الإبهام: فقد مثل له المصنف بقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 279 ومثل غيره بقوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى 280 فإنه تعالى يعلم أي ذلك كان.
وجعل ابن عصفور من ذلك قوله تعالى: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً 281 ولا يظهر في الآية الشريفة ما قاله، وإنما أو فيها للتقسيم أعني تقسيم الزمان الذي يأتي فيه ما يغير تلك البهجة التي اكتسبتها الأرض بمعنى أن الله تعالى إذا أتى أمره يتغير ذلك إما أن يأتي ليلا وإما أن يأتي نهارا وإذا كان كذلك فمن أين يجيء الإبهام.
وجعل ابن عصفور من الإبهام أيضا قول الشاعر وهو لبيد 282: -

الحديث: 3296 - الجزء: 7 - الصفحة: 3466

................................  3297 - تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر 283 قال: فإنه من مضر وليس من ربيعة إلا أنه أبهم وكأنه قال: وهل أنا إلا من إحدى هاتين القبيلتين فسبيلي أن أفنى كما فنيا.
وكان الإبهام أبلغ في ما أراده من تعزية ابنتيه وتسليتهما لما فيه من تكثير المتأسي بهم بل لو زاد في الإبهام فقال: وهل أنا إلا من العرب أو من الناس لكان أبلغ في ما أراده.
وأما الإضراب فقد تقدمت الإشارة (إلى) 284 أن فيه خلافا، وتقدم استشهاد المصنف على مجيئها للإضراب بقراءة أبي السمال: (أو كلّما عاهدوا عهدا) وبقول الفراء في قوله تعالى: إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 285 وبإثبات أبي عليّ لذلك كما نقله عنه ابن برهان في شرح اللمع [4/ 161]. وقال ابن عصفور في شرح الإيضاح: الإضراب ذكره سيبويه في النفي والنهي إذا أعدت العامل وذلك نحو قولك: لست بشرا أو لست عمرا وما أنت ببشر أو ما أنت بعمرو ولا تضرب زيدا أو لا تضرب عمرا أو في جميع ذلك للإضراب وكأنك قلت: لا بل لست عمرا بل ما أنت بعمرو ولا بل لا تضرب عمرا.
وإذا أردت لست واحدا منهما قلت: لست بشرا ولا عمرا أو لست بشرا أو عمرا وما أنت ببشر أو عمرو وكذلك إذا أردت لا تضرب واحدا منهما قلت: لا تضرب زيد ولا عمرا، ولا تضرب زيدا أو عمرا كما، قال تعالى جده: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 286 أي لا تطع واحدا منهما.
قال سيبويه «ولو قلت: أو لا تطع كفورا لا نقلب المعنى 287. يعني إذا أعاد لا تطع يصير إضرابا كأنه ترك النهي عن اتباع الإثم وأضرب عنه ونهي عن طاعة الكفور فقط.
قال: وزعم بعض النحويين أنها تكون للإضراب على الإطلاق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قالوا: -

الحديث: 3297 - الجزء: 7 - الصفحة: 3467

................................  معناه بل يزيدون واحتجوا بما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال كانوا مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا 288 وبقوله تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً 289، وبقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ 290 قالوا المعنى بل هو أقرب واستدلوا أيضا بقول الشاعر: 3298 - بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى... وصورتها أو أنت في العين أملح 291 قالوا المعنى بل أنت في العين أملح.
قال: وهذا الذي ذهبوا إليه فاسد بدليل أنها لو وقعت في هذه المواضع موقع بل لجاز أن تقع ذلك الموقع في غيرها فكنت تقول: ضربت زيدا أو عمرا، وما ضربت زيدا أو عمرا على معنى بل، وذلك مردود عند جميع النحويين.
قال: وأيضا فإن أو في الآي التي استدلوا بها لا يمكن أن تكون بمعنى بل، لأن بل إذا أريد بالإضراب بها إبطال ما قبلها وإثبات ما بعدها لا تجيء إلا بعد غلط أو نسيان وذلك منفي عن الله تعالى، وإن جاء الإضراب بها في كتاب الله تعالى على جهة الإبطال لما قبلها والإثبات لما بعدها فإنما يجيء بعد كلام سيق من غيره والخطأ إذ ذاك إنما الحق كلام الأول.
قال: فأما أَوْ يَزِيدُونَ فأو فيه إما للإبهام على المخاطبين أو للشك وهو مصروف للمخاطبين أيضا.
وأما أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فأو فيه للشك أي إن من شاهدهم فرأى قله تأثير الزواجر فيهم تردد في تشبيه قلوبهم بالحجارة أو بما هو أشد صلابة منها كالحديد أو للتفصيل فصّل القلوب بعد أن ذكرها مجملة إلى ما يشبه الحجارة وإلى ما يشبه ما هو أشد صلابة منها كالحديد.
وأما أَوْ هُوَ أَقْرَبُ فأو فيه للإباحة وكأنه قيل: إن شبه أمر الساعة بلمح البصر أو أخبر عنه بأنه أقرب من ذلك أو جمع بين التشبيه بلمح البصر والإخبار بأنه أقرب من لمح البصر فذلك كله سائغ.
ثم قال: ووجه تشبيه الساعة بلمح البصر -

الحديث: 3298 - الجزء: 7 - الصفحة: 3468

................................  وإن كان ما بيننا وبين الساعة هو أن كل ما يفنى يشبه بما لم يكن لأنه إذا فني بطل حكم وجوده ولذلك يقال: كأنك بالدنيا لم تكن، وما قبل الساعة من قبيل ما يفنى فصار أمر الساعة لذلك مشبها في القرب بلمح البصر ووجه الإخبار عنه بأنه أقرب من لمح البصر هو أن ما يأتي يشبه بما لم يزل؛ لأنه إذا أتى بطل حكم عدمه؛ ولذلك يقال: كأنك بالآخرة لم تزل، وأمر الساعة من قبيل ما يأتي فجعل كأنه موجود، وساغ لذلك أن يقال إنه أقرب من لمح البصر. قال: وأما قول الشاعر: 3299 - بدت مثل قرن الشّمس........... البيت فأو فيه للشك؛ لأن العرب قد تخرج التشبيه مخرج الشك إشعارا بإفراط الشبه، ومن ذلك قوله: 3300 - فيا ظبية الوعساء بين جلاجل... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم 292 فعلى هذا يكون قد شكك نفسه هل هي مثل قرن الشمس أو أملح منه في العين ليمكن بذلك شبهها بالشمس 293. هذا آخر كلام ابن عصفور. وأقول: إن المصنف لم يدع أن أو للإضراب على الإطلاق. وإنما قال: إنها تكون للإضراب ونقل ذلك عن الفراء وابن برهان وأبي علي وأنشد في شرح الكافية قول جرير يخاطب هشام بن عبد الملك 294: 3301 - ماذا ترى في عيال قد برمت بهم... لم أحص عدّتهم إلّا بعدّاد كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية... لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي 295

الحديث: 3299 - الجزء: 7 - الصفحة: 3469

................................  وابن عصفور قد اعترف بأنها تأتي للإضراب ونقل عن سيبويه ذلك أيضا 296. وحاصل الأمر أن أو إذا لم يكن لها معنى سوى الإضراب ولا مانع يمنع منه حمل الكلام عليه.
وأما التخيير: فقد مثل له المصنف بقوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ 297 ومن ذلك أيضا قوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ 298. وأما الإباحة: فنحو قولنا: جالس الحسن أو ابن سيرين أو صاحب الفقهاء أو النحاة.
وقد مثل لها المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ 299 الآية الشريفة، ومثله قوله تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ 300 إلى آخر الآية الشريفة.
قال ابن عصفور: لأن الأكل من بيوت كل صنف من هذه الأصناف على انفرادها أو مع غيرها جائز.
والذي يظهر: أن أو في هاتين الآيتين الشريفتين للتنويع أي التقسيم، والإباحة فيهما إنما هي مستفادة من الشرع الشريف.
والمقصود إنما هو ذكر الإباحة اللغوية أي التي تستفاد من الكلام [4/ 162] ثم قال ابن عصفور: ومثله قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ 301؛ لأن الحكم بالتحريم واقع على كل واحد مما سمي وحده ومع غيره.
قال: وسئل المزني صاحب الشافعي - رضي الله تعالى عنهما - عن رجل حلف فقال: «والله لا كلمت لا كوفيّا أو بصريّا» فكلم كوفيّا وبصريّا فقال: ما أراه إلا حانثا.
فانتهى إلى بعض أصحاب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه -» فقال: أخطأ المزني وحالف الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ 302. وكل -

الجزء: 7 - الصفحة: 3470

................................  ذلك مباح خارج بالاستثناء من التحريم.
وأما السنة فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لقد هممت ألّا أقبل هديّة إلّا من قرشيّ أو من ثقفيّ» 303 والمفهوم من ذلك أن القرشي أو الثقفي كانا جميعا مستثنين.
انتهى.
وتمثيله بهذه الآية الشريفة هنا وهي قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً إلى أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ 304 وذكره الاستدلال بقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ 305 يدل على أنه جعل معيار كون أو للإباحة أن ما ذكر قبلها وبعدها يجوز أن ينفرد كل عن الآخر إتيانا وتركا ويجوز أن يجتمع إتيانا وتركا أيضا.
لا يظهر كون أو للإباحة في هاتين الآيتين الشريفتين.
أما قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية، فلأن الإباحة المراد بها طلب الفعل لا طلب الترك.
وأما الآية الثانية فلأن الإباحة فيها إنما هي الإباحة الشرعية والكلام هنا إنما هو في الإباحة اللغوية.
والظاهر أن أو في الآيتين الشريفتين إنما هي للتنويع.
ففي الآية الأولى لتنويع ما حرم، وفي الآية الثانية لتنويع ما أبيح لهم أعني للذين هادوا.
ثم إن المصنف قال في شرح الكافية: وأكثر ورود الإباحة في تشبيه نحو: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً 306، وكَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ 307 أو تقدير نحو: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى 308، وإِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 309 فلو جيء بالواو في مثل هذا لم يختلف المعنى 310. وبعد: فقد بقي الكلام على أمرين: أحدهما: الفرق بين التخيير بأو والإباحة بها.
أنه لا يجوز الجمع بين الشيئين في التخيير فلا يجوز أخذ الدرهم والدينار معا لمن قيل له: خذ درهما أو دينارا، وفي الإباحة يجوز الجمع فيجوز مجالسة الرجلين معا لمن قيل له جالس الحسن أو ابن سيرين.
ومن ثم يقال: التخيير إنما يكون فيما أصله المنع والإباحة إنما تكون فيما ليس -

الجزء: 7 - الصفحة: 3471

................................  أصله المنع.
وأما قول المصنف في المتن مشيرا إلى أو: وتعاقب الواو في الإباحة كثيرا، وقوله في الشرح: ومن علامات التي للإباحة استحسان وقوع الواو موقعها.
ألا ترى أنه لو قيل: (ولا يبدين زينتهنّ إلّا لبعولتهنّ وآبائهنّ وآباء بعولتهنّ) لم يختلف المعنى، ومنه جالس الحسن وابن سيرين أي جالس الصنف المبارك الذي منهم الحسن أو ابن سيرين فلو جالسهما معا لم يخالف ما أبيح له، فغير ظاهر ولا دليل على ما ذكره.
وأما الآية الشريفة: فقد تقدم أن أو فيها للتنويع أي التقسيم.
ولا شك أن التقسيم يورد تارة بأو وتارة بالواو.
تقول: الكلمة اسم أو فعل أو حرف ولك أن تقول: الكلمة اسم وفعل وحرف.
ثم إن الإباحة في الآية الشريفة لم تستفد من الواو وإنما استفيدت من الشريعة المطهرة كما تقدم.
وأما جالس الحسن وابن سيرين فلا يلزم من جواز مجالستهما معا صحة وقوع الواو موقع أو، لأن مجالستهما إنما جازت لأنها لا مانع منها في الأصل بل مجالسة أهل العلم والدين مطلوبة ومراد القائل دلالة المأمور على الخير بأنه يجالس من هو متصف بصفات حميدة فكأنه قال: جالس هذا الصنف من الناس، وإنما أتى بأو كي لا يضيق عليه ويلزمه بمجالسة كليهما فقصد تخفيف الحال على المأمور وتيسيره، فإذا أتى المأمور بما فوق ذلك من النوع المقصود فقد أحسن حيث أتى بالمأمور به وزاد عليه.
أما لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين وعطف بالواو لكان أمرا بمجالستهما معا.
وقد قال ابن عصفور: فإن قيل: فما الفرق بين أو التي للإباحة وبين الواو إذ يجوز الجمع بين الشيئين كما يجوز مع الواو، فالجواب أن الفرق بين أو التي للإباحة وبين الواو أنه لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين لم يجز له مجالسة أحدهما دون الآخر، وإذا أتى بأو جاز له أن يجالس أحدهما وأن يجالسهما 311 معا (أو أن يجالسهما وغيرهما ممن هو مثلهما في الفضل).
الأمر الثاني: قال ابن عصفور: إذا نهيت عن المباح فإن النهي يستوجب جميع ما كان مباحا باتفاق من النحويين.
فإذا قلت لا تذكر إذا افتخرت عمرا أو زيدا أو خالدا فقد نهيت عن أن يذكروا واحد منهم وحده ومع غيره.
وكأنك قلت: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3472

................................  لا تذكر إذا افتخرت واحدا من هؤلاء، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 312 أي لا تطع واحدا منهما.
وإذا نهيت عما خيرت فيه فإن أبا الحسن ابن كيسان جوّز أن يكون النهي عن واحد، وأن يكون عن الجميع، فإذا قلت: لا تأخذ دينارا أو ثوبا جاز عنده أن يكون قد نهاه عن أحدهما، وأن يكون قد نهاه عن أخذ أحدهما على مقابلة الأمر؛ لأن الأمر كان بأخذ أحدهما، وكذلك إذا أدخلت النفي على كلام تكون أو فيه للشك نحو قولك: ما جاءني زيد أو عمرو.
ويجوز عنده أن يكون المنفيّ مجيء أحدهما وأن يكون المنفي مجيئهما 313. وذهب السيرافي إلى أن النهي والنفي يستوعبان الجميع 314 وهو الصحيح.
والدليل على ذلك أنك إذا خيرته فقلت: خذ دينارا أو ثوبا فقد أمرته بأخذ أحدهما وحظرت [4/ 173] الآخر عليه فإذا نهيته فقلت: لا تأخذ دينارا أو ثوبا فقد حظرت عليه الذي كنت أمرته بأخذه فصار الجميع محظورا، وأيضا فإن قولك: خذ دينارا أو ثوبا بمنزلة قولك: خذ أحدهما، فيلزم أن يكون النهي بمنزلة قولك: لا تأخذ واحدا منهما وأنت لو قلت: لا تأخذ واحدا منهما لكنت قد نهيته عن أخذهما معا؛ لأنه إذا أخذهما معا فقد أخذ أحدهما، وكذلك إذا قيل: جاء زيد أو عمرو، والقائل شاك، فمعناه جاء واحد منهما، فيلزم أن يكون النفي بمنزلة قولك: ما جاء أحدهما.
وإذا قال: ما جاء واحد منهما، فقد نفاهما جميعا، بدليل أنهما لو جاءا معا لكان قولك: ما جاء واحد منهما كاذبا 315. ثم أشار المصنف بقوله: وفي عطف المصاحب والمؤكد قليلا إلى أن أو تعاقب الواو في عطفها المصاحب والمؤكد كما عاقبتها في الإباحة، لكن المعاقبة في الإباحة كثير وفي عطف المذكورين قليل، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك في كلام المصنف.
غير أني لم أفهم مقصوده بإيراده الآية الشريفة في عطف المؤكد، وهي قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً 316 وكذا البيت الذي أنشده وهو: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3473

................................  3302 - حواسر ممّا قد رأت فعيونها... تفيض بماء لا قليل ولا نزر 317 وأما كون أو بمعنى الواو في غير ما ذكره فلم يصرح به المصنف في هذا الكتاب ولكنه صرح به في بقية كتبه ففي الكافية والألفية: وربّما عاقبت الواو إذا... لم يلف ذو النّطق للبس منفذا 318 وقال في شرح الكافية: نبهت بقولي: وربما عاقبت الواو على أن أو قد تقع موضع الواو وذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر: 3303 - جاء الخلافة أو كانت له قدرا... كما أتى ربّه موسى على قدر 319 وكقول الآخر: 3304 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... ما بين ملجم مهره أو سافع 320 ومثله قول امرئ القيس: 3305 - فظلّ طهاة اللّحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 321 ثم قال: ومن المواضع التي يتعاقب فيها أو والواو الإباحة نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين أي جالس الصنف الدين منهم الحسن وابن سيرين 322. فجعل معاقبتها الواو في الإباحة من صور معاقبتها إياها على الإطلاق، وكلامه في هذا الكتاب يعطي أن المعاقبة إنما تكون في الإباحة، وأنها قد تعاقب في عطف المصاحب والمؤكد.
وقال ابن عصفور: استدل القائلون بأن أو تستعمل بمعنى الواو بأشياء منها قوله تعالى: عُذْراً أَوْ نُذْراً 323، ولَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 324 [و]-

الحديث: 3302 - الجزء: 7 - الصفحة: 3474

................................  لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً 325، [و] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ 326، ومنها قول الشاعر: 3306 - [قالت ألا ليتما هذا الحمام] لنا... إلى حمامتنا أو نصفه فقد 327 ومنها قول الآخر: 3307 - فلو كان البكاء يردّ شيئا... بكيت على بجير أو عقاق على المرءين إذ هلكا جميعا... لشأنهما بشجو واشتياق 328 ثم أجاب عن ذلك بأن قال: فأما عُذْراً أَوْ نُذْراً 329 فأو فيه للتفصيل؛ لأنها فصلت الذكر إلى ما هو عذر أي حجة وإلى ما هو نذر أي تخويف.
وأما لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 330، ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً فأو فيهما للإباحة؛ لأن المترجي طالب وقوع أحد الأمرين التذكر وهو التوبة أو الخشية والاتقاء لما في كل واحد منهما من الانكفاف عن الكفر أو مجموعهما؛ لأن ذلك أبلغ في الانكفاف، والترجي في الآيتين مصروف إلى البشر، وأما أَوْ كَصَيِّبٍ 331 فأو فيه للإباحة أيضا وكأنه قيل: شبّه مثل المنافقين بأحد هذين المثلين المضروبين لهما تكن مصيبا، وأما: أو نصفه فقد: فأو فيه للشك والتقدير: أو هذا الحمام ونصفه فحذف المعطوف عليه وحرف العطف وهو الواو.
وأما أو عقاق فأو فيه لإثبات أحد الشيئين في وقت دون وقت وكأنه قال: بكيت على بجير تارة وعلى عقاق أخرى 332. انتهى.
ولا يخفى ما في بعض هذا التخريج الذي ذكره ويمكن المنازعة فيه ولكن قد طال الكلام في مسألة أو، وهذا يؤدي إلى الملل.
وأما قوله: يوافق ولا بعد النهي والنفي فكلام لطيف يؤدي إلى المقصود بسهولة وبانضمامه إلى كلام ابن عصفور وتعليله المتقدم الذكر تصير المسألة في غاية الوضوح.
-

الحديث: 3306 - الجزء: 7 - الصفحة: 3475

................................  ثم لك أن تقول: كلام ابن عصفور إنما هو في أو المفيدة للإباحة أو التخيير.
وكلام المصنف في الشرح يقتضي الإطلاق لقوله: وإذا وقع نهي أو نفي قبل أو كانت بمعنى الواو مردفة بلا فأطلق ولم يقيد.
أما كلامه في المتن فيمكن حمله على التي للإباحة والتخيير.
وذلك بأن تجعل الضمير الذي هو فاعل يوافق عائد على أقرب مذكور وهو أو التي للتخيير أو الإباحة.
على أن المصنف لم يصرح بالإباحة كما بالتخيير لكنه لما قال: وتعاقب الواو في الإباحة كثيرا علم منه أنها تكون للإباحة وكان الواجب أن يصرح بذكرها.
وأما المعنى الذي ذكره الجماعة ولم يذكره المصنف فهو التفصيل.
قال ابن عصفور: وهو أن تأتي بها عقب إجمال لتفصله بها ودلت نحو قولك: اجتمع القوم، فقالوا: حاربوا أو صالحوا أي قال بعضهم حاربوا وبعضهم صالحوا ومن ذلك قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا 333 ألا ترى أن اليهود والنصارى جمعوا في أمر واحد حين أخبر عنهم بأنهم قالوا، ثم فصل بأو ما قالت اليهود [وما] قالت النصارى.
وقوله: قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ 334 فجمع القائلون في شيء واحد حين أخبر عنهم بأنهم قالوا ثم فصل بأو قول بعضهم من قول بعض فكأنه قيل: قال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم مجنون، ومن ذلك قول الشاعر: 3308 - كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة... إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي 335 ألا ترى أن قوله: كلانا لفظ شامل له [4/ 164] ولإلفه وأن أو فصلت خبره من خبر إلفه وكأنه قال: بكى أحدنا وكاد يبكي الآخر، والباكي منهما هو إلفه بدليل قوله واستعجلت عبرة قبلي، وقول الآخر: 3309 - وتلاف قبل الفوت ثأري إنّه... علق بثوبي داهن أو ناعب 336 ألا ترى أن أو فصلت الثوبين وجعلت أحدهما لداهن والآخر لناعب وكأنه قال -

الحديث: 3308 - الجزء: 7 - الصفحة: 3476

الحديث: 3310 - الجزء: 7 - الصفحة: 3477

................................  فِيهِمْ حُسْناً 343، ومجيئها للإبهام كقولك وأنت عالم بمن لقيت: لقيت إما زيدا وإما عمرا، ومجيئها للتفريق المجرد كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 344 ومنه قول الراجز: 3312 - البس لكلّ حالة لبوسها... إمّا نعيمها وإمّا بوسها 345 وبنو تميم يقولون: قام أما زيد وأما عمرو بفتح الهمزة وبعضهم يفتح الهمزة ويبدل الميم التي تليها ياء، ومنه قول الشاعر: 3313 - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها... أيما إلى جنّة أيما إلى نار 346 وقد يستغنى عن إما الأولى بإما الثانية كقول ذي الرمة: 3314 - وكيف بنفس كلّما قلت أشرفت... على البرء من حوصاء هيض اندمالها تهاض بدار قد تقادم عهدها... وإمّا بأموات ألمّ خيالها 347 وقد يستغنى عن الثانية بأو كقراءة أبيّ: (وإنّا أو إيّاكم إمّا على هدى أو في ضلال مبين) وكقول الأخطل: 3315 - وقد شفّني أن لا يزال يروعني... خيالك إمّا طارقا أو معاديا 348 وأنشد الفراء: 3316 - فقلت لهنّ امشين إمّا تلاقه... كما قال أو تشف النّفوس فتعذرا 349 وقد يستغنى عن وإما بـ «وإلا» كقول الشاعر: 3317 - فإمّا أن تكون أخي بحقّ... فأعرف منك غثّي من سميني

الحديث: 3312 - الجزء: 7 - الصفحة: 3478

................................  وإلّا فاطّرحنى واتّخذني... عدوّا أتّقيك وتتقيني 350 وقد تحذف الواو التي قبل إما في الشعر كقول الراجز: 3318 - لا تفسدوا أبا لكم... إيما لنا إيما لكم (2) أراد إمّا لنا وإمّا لكم ففتح الهمزة وأبدل الميم التي تليها ياء وحذف الواو كما قال الشاعر: 3319 - يا ليتما أمّنا شالت نعامتها... إيما إلى جنّة إيما إلى نار 351 وأصل إما إن فزيدت عليها ما.
وقد يستغنى في الشعر بإن كقول الشاعر: 3320 - وقد كذبتك نفسك فاكذبنها... فإن جزعا وإن إجمال صبر 352 أراد فإما جزعا وإما إجمال صبر، ومثله في رأي سيبويه قول النمر: 3321 - سقته الرّواعد من صيف... وإن من خريف فلن يعدما 353 قال سيبويه: أراد إما من صيف وإما من خريف فحذف إما الأولى واقتصر على الثانية بعد حذف ما 354. وقال الأصمعي: إن شرطية والتقدير أو إن سقته من خريف فلن يعدم ريا.
وقال غيره: إن زائدة والتقدير سقته الرواعد من صيف ومن خريف 355. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 356. والمعاني التي ذكرها لإما أربعة شك وتخيير وإبهام وتفريق.
ونقصه معنى خامس وهو الإباحة ولا شك أن الإباحة من معاني إما، وقد نص هو على ذلك في -

الحديث: 3318 - الجزء: 7 - الصفحة: 3479

................................  الكافية 357 والألفية 358. وعلى هذا فالمعاني التي تفيدها إما خمسة.
وبالحقيقة إنما يستفاد أحد المعاني المذكورة من قرائن الكلام المستعمل فيه إما كما تقدم القول في أو، وإما إنما هي لأحد الشيئين أو الأشياء كما أن أو كذلك.
وذكر ابن عصفور من معانيها التفصيل وجعل منه قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 359 قال: فصل بإما جنس الإنسان الذي هداه السبيل إلى شاكر وكفور.
وقد عرفت أن المصنف جعل إما في هذه الآية الشريفة للتفريق أي التقسيم وهو أظهر مما قال ابن عصفور.
ولكن ابن عصفور ذكر أن من ذلك أيضا قول الشاعر: 3322 - ولست بهاج في القرى أهل منزل... على زادهم أبكى وأبكي البواكيا فإمّا كرام موسرون أتيتهم... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا وإمّا كرام معسرون عذرتهم... وإمّا لئام فادّكرت حيائيا 360 قال: فصل بإما أهل المنزل الذي يأتيهم [4/ 165] إلى كرام موسرين يستغنى عما عندهم بما كفاه وكرام معسرين عذرهم ولئام ترك هجوهم؛ لأنه ادّكر حياء ما في السباب والهجو.
انتهى.
وأقول: لا يتعين في هذا الشعر كون أما للتفصيل، بل يجوز كونها للتفريق أي التقسيم.
ثم ليعلم أن أما مع موافقتها لأو قد فارقتها في شيء ذكره أبو علي الفارسي وهو أن إما تؤذن أن مبنى الكلام على الشك وأو قد يجوز فيها أن يكون المبنى قد -

الحديث: 3322 - الجزء: 7 - الصفحة: 3480

................................  وقع على اليقين ثم أدرك الشك بعده 361. قال ابن عصفور: لولا هذا الفرق بين هاتين الكلمتين لكان القياس أن يستغنى بأو عنها؛ لأنها تعطي من المعاني كل ما تعطيه إما مع أنها أخصر منها من جهة أنها لا تكرر وإما لا تستعمل في فصيح الكلام إلا مكررة.
إلا أنه قال: كان الأحسن - يعني لأبي علي - أن يقول: إنها تؤذن أن مبنى الكلام على المعنى الذي جيء بها من أجله شكا كان أو غيره، وأو ليست كذلك إلا أنه اكتفى بذلك؛ لأنه قد علم أن ما يلزم فيه يلزم في سائر معانيها من جهة أن السبب في إفادتها أن مبني الكلام معها على الشك إنما هو تقدمها على المعطوف عليه وتقدمها عليه لازم بأي معنى كانت فلزم لذلك أن تكون مؤذنة بأن مبني الكلام على المعنى الذي جيء بها من أجله شكّا كان أو غيره.
انتهى.
وكما فارقت إما أو في ما ذكر فارقتها في ثلاثة أمور أخر: أحدها: أن أو عاطفة وإما ليست عاطفة.
الثاني: أن أو لا يلزم أن يكون مبنى الكلام فيها على أحد الشيئين وإما مبنى الكلام فيها على أحد الشيئين.
فإذا قلت: قام زيد أو عمرو احتمل أنك أردت الإخبار عن زيد وحده، ثم لما ذكر زيد عرض لك شكّ أو قصد إبهام فقلت: أو عمرو.
الثالث: أن إما يلزمها التكرير وأو لا يلزم فيها ذلك.
ثم قد تقدم في أول الباب ذكر الخلاف في كونها حرف عطف وأن المصنف لم يثبت لها العطف موافقة ليونس، وابن كيسان، وأبي علي، وتقدم ذكر استدلال المصنف على ذلك.
والحق أنها ليست عاطفة والخلاف بينهم إنما هو في إما الثانية.
أما إما الأولى في مثل قام إما زيد وإما عمرو فليست عاطفة إجماعا لأن حرف العطف لا يلي العامل، وقد استدل ابن عصفور على أنها ليست حرف عطف، وأطال 362. وفي ما تقدم من كلام المصنف في ذلك كفاية.

الجزء: 7 - الصفحة: 3481

[من حروف العطف: بل، لكن، لا]

قال ابن مالك: (والمعطوف ببل مقرّر بعد تقرير نهي أو نفي صريح أو مؤوّل أو بعد إيجاب لمذكور موطّأ به، أو مردود أو مرجوع عنه وقد تكرّر «بل» رجوعا عن ما ولي المتقدمة أو تنبيها على رجحان ما ولي المتأخّرة وتزاد «لا» قبل «بل» لتأكيد التّقرير وغيره «ولكن» قبل المفرد بعد نهي أو نفي كـ «بل»، ويعطف بـ «لا» بعد أمر أو خبر مثبت أو نداء).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 363: معنى المقرر الممكن في ما يراد به من ثبوت نحو: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا 364، أو نفي نحو: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ 365 فما بعد بل مقرر على كل حال فإن كان قبلها نهي أو نفي فهي بين حكمين مقررين كقوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ 366 وكقولك: لا تضرب خالدا بل بشرا، وما قام زيد بل عمرو.
فخالد قد قرر النهي عن ضربه وبشر قد قرر الأمر بضربه وزيد قد قرر نفي القيام عنه وعمرو قد قرر إثبات القيام له.
هذا هو الصحيح ولذلك لم يجز في ما بعد بل من نحو ما زيد قائما بل قاعد إلا الرفع لأن ما لا تعمل إلا في منفي.
ووافق المبرد في هذا الحكم وأجاز مع ذلك أن تكون بل ناقلة حكم النهي والنفي لما بعدها 367 وهو خلاف الواقع في كلام العرب كقول الشاعر: 3323 - لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدى... بل أولياء كفاة غير أوكال 368 وكقول الآخر: 3324 - وما أتيت إلى خور ولا كشف... ولا لئام غداة الرّوع أوزاع 3325 - بل ضاربين حبيك البيض إن لحقوا... شمّ العرانين عند الموت لذّاع 369

الحديث: 3323 - الجزء: 7 - الصفحة: 3482

................................  وكقول الآخر: 3326 - لا تلق ضيفا وإن أملقت معتذرا... بعسرة بل غنيّ النّفس جذلانا 370 وحكم النفي المؤول حكم النفي الصريح نحو: زيد غير قائم.
بل قاعد ومنه قوله تعالى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ 39 بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً 371 ومثله أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ 372 وإن كان ما قبل بل موجبا فما بعدها إما مقرر بعد مقرر على سبيل التوطئة كقوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا 373 وكقول عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه -: [ربّ إنّا كنّا على عمل النّار كالأنعام بل أضلّ سبيلا] 374، وإما مقرر بعد مردود كقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ 375 وكقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ 376 وإما مقرر بعد مرجوع عنه لكونه غلطا في اللفظ نحو: أنت عبدي بل سيدي، أو لكونه غلطا في الإدراك نحو: سمعت رغاء بل صهيلا، ولاح برق بل ضوء نار، أو لعروض نسيان نحو: له عليّ درهمان بل ثلاثة، أو لتبدل رأي نحو: ادع لي زيدا بل عمرا، وائتني بفرس بل بعير، واشتر لي زيتا بل سمنا.
وقد تكرر بل فيكون ما بعد المتقدمة مقصود الانتفاء كقوله تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ 377 فما بعد الأولى من الإخبار بالأضعاث مقصود الانتفاء لأنه مرجوع عنه، وكذا ما بعد الثانية.
وقد تكرر تنبيها على أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد [4/ 166] عليه مع ثبوت معنى ما قبله كقوله تعالى: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ 65 بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ 378. وتزاد «لا» قبل «بل» لتأكيد الإضراب عن الأول نحو: قام زيد لا بل عمرو، -

الحديث: 3326 - الجزء: 7 - الصفحة: 3483

................................  وخذ هذا لا بل ذاك فلا في هذين المثالين زائدة لتأكيد الإضراب عن جعل الحكم الأول.
وكذا كل ما لا نهي فيه ولا نفي فلو وجد أحدهما قبل لا أفادت تأكيد تقريره ولم تقتض إضرابا نحو: ما قام زيد لا بل عمرو ولا تضرب خالدا لا بل بشرا.
فلا في هذين المثالين زائدة لتأكيد بقاء النهي والنفي.
ومن زيادة لا مع عدم النفي والنهي قول الشاعر: 3327 - وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول 379 ومثله: 3328 - وكأنّما اشتمل الضّجيع بريطة... لا بل تزيد وثارة وليانا 380 ومن زيادتها بعد النفي قول الشاعر: 3329 - وما سلوتك لا بل زادني شغفا... هجر وبعد تمادي لا إلى أجل 381 ومن زيادتها بعد النهي قول الشاعر: 3330 - لا تملّنّ طاعة الله لا بل... طاعة الله ما حييت استديما 382 والمعطوف بلكن مثبت مسبوق بنفي أو نهي نحو: ما وجدتني عادلا لكن عادرا فلا تكن لي خاذلا لكن ناصرا، ولو جعلت بل بدل لكن لم يختلف المعنى إلا أن بل لا يلزم أن يتقدم عليها نفي أو نهي ولا بد من أحدهما قبل لكن، فإن خلت منهما لزم أن يكون بعدها جملة مخالفة لما قبلها لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا نحو: قام زيد لكن عمرو لم يقم وقام بشر لكن خالد قعد.
والمعطوف بلا منفي بعد أمر أو خبر مثبت أو نداء نحو: اضرب زيدا لا عمرا، وهذا محمد لا عمرو، ويا سالم لا سلمان.
وزعم ابن سعدان أن العطف بلا على منادى ليس في كلام العرب شاهد على استعماله 383 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 384.

الحديث: 3327 - الجزء: 7 - الصفحة: 3484

................................  وأنا أذكر الآن ما يتعلق بكل من الأحرف الثلاثة حرفا حرفا.
أما بل: فلم يتعرض عند ذكرها إلى تفصيل الواقع بعدها بين أن يكون جملة أو مفردا.
والإشارة إلى ذلك متعينة فان الواقع بعدها جملة ليست بعاطفة وإنما هي لمجرد الإضراب وظاهر كلامه يقتضي بنسبة العطف إليها على الإطلاق.
ونصوص النحاة على أن بل إنما يعطف بها المفرد وكلامه في شرح الكافية يقتضي الإطلاق أيضا.
فإنه قال: وأما بل فإنها للإضراب وحالها فيه مختلف فإن كان الواقع بعدها جملة فهي للتنبيه على انتهاء غرض واستئناف غيره ولا تكون في القرآن العزيز إلا على هذا الوجه.
وإن وقع بعدها مفرد وليس قبله نفي ولا نهي فهي لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها نحو: جاء زيد بل عمرو، وخذ هذا بل ذاك.
وإن كان قبل المفرد نفي أو نهي آذنت بتقرير حكمه وبجعل ضده لما بعده فزيد من قولك ما قام زيد بل عمرو قد قرر نفي قيامه وعمرو قد أثبت قيامه وخالد من قولك: لا تضرب خالدا بل بشرا قد قرر النهي عن ضربه وبشر قد أمر بضربه 385. انتهى.
وقوله: في ما وليت نفيا أو نهيا أنها آذت بتقرير حكمه وبجعل ضده لما بعده أصرح في المقصود من قوله - أنا أعني في متن الكتاب - أنه مقرر بعد تقرير نهي أو نفي لأنه وإن كان مقررا فلا يدري أهو مقرر الثبوت أم النفي.
ولهذا الذي قلته ذكر في الشرح الثبوت والنفي فقال: معنى المقرر الممكن في ما يراد به من ثبوت أو نفي.
على أن هذا الكلام غير واف بالمقصود لأنه وكّل أمر الثبوت والنفي إلى إرادة المتكلم.
والغرض أن بل إذا وليت نهيا أو نفيا أفادت إثبات ضد ذلك لما بعدها بالوضع فليس الأمر في ذلك موكولا إلى الإرادة.
ثم إن قوله في شرح الكافية أن بل إذا لم يكن قبلها نفي ولا نهي كانت لإزالة حكم ما قبلها وجعله لما بعدها لا يطابق قوله هنا: أو بعد إيجاب لمذكور موطأ به بل ربما يدافعه؛ لأنه إذا كان موطأ به كان حكمه ثابتا غير مزال.
وقد قال الإمام بدر الدين في شرح قول والده في الألفية: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3485

................................  وانقل بها للتّان حكم الأول... في الخبر المثبت والأمر الجلي أن بل بعد غير النفي والنهي لإزالة الحكم عما قبلها حتى كأنه مسكوت عنه وجعله لما بعدها 386 وقد أشكل عليّ هذا الموضع وتعذر عليّ الجمع بين ما قاله في التسهيل وما قاله في شرح الكافية وكذا ما قاله في الألفية.
والذي يظهر لي أن الذي ذكره في التسهيل من أنها تكون بعد إيجاب موطأ به ليس راجعا إلى بل العاطفة بل إلى بل التي لمجرد الإضراب، ويدل على ذلك أن المثال الذي مثل به لهذا الحكم وهو قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا 387 ليست بل فيه عاطفة لمجيء الجملة بعدها.
وكان المصنف ذكر أحكام ما يذكر قبل بل وبعدها على الإطلاق من غير تعرض إلى تفصيل الواقع بعدها ما هو.
وبعد... فأنا أورد كلام ابن عصفور على هذا الحرف فإنه أوضح من كلام المصنف.
قال رحمه الله تعالى ما ملخصه 388: بل إن وقع بعدها جملة كانت للإضراب عن الكلام الذي قبلها وإثبات الكلام الذي بعدها.
والإضراب قسمان: إضراب انتقال: وعبر هو عن الانتقال بالترك.
مثال إضراب الإبطال قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ 389، ومثال إضراب الانتقال قوله تعالى: وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ 62 بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا 390 قال: ولا تكون إذ ذاك عاطفة؛ لأن المتكلم أضرب عما قبلها واستأنف ما بعدها فصار ما قبلها [4/ 167] بالنظر إلى المعنى كأنه لم يذكر وكأنها هي أول الكلام الذي قصد إثباته.
وإن وقع بعدها مفر كانت عاطفة وتستعمل بعد الإيجاب والنفي والنهي فإن كانت بعد الإيجاب فإنما يؤتى بها لتدارك نسيان أو غلط.
فقائل: ضربت زيدا بل عمرا إنما أراد أن يقول: ضربت عمرا فغلط أو نسي فتدارك ببل.
وأما بعد النفي والنهي فإنما -

الجزء: 7 - الصفحة: 3486

................................  يؤتى بها لإثبات ما نفي أو نهي عنه للثاني.
وخلاف المبرد في ذلك معروف 391 قال: ومستنده أن بل لا يتكلم بها إلا غالط.
قال: فإذا قلت: رأيت زيدا بل عمرا إنما أردت أن تقول: رأيت عمرا فغلطت فتداركت ببل وكذلك في النفي فإذا قلت: ما رأيت زيدا بل عمرا إنما أردت أن تقول: ما رأيت عمرا فغلطت فأضربت عن الجحد الأول واعتمدت في الجحد على الثاني.
ومع قول المبرد بهذا القول أجاز ما أوجبه الجماعة فقال: وقد تكون بمعنى لكن فيكون المعنى: بل رأيت عمرا.
ثم إن ابن عصفور أبطل ما أجازه المبرد بأن قال: بل حرف عطف وحرف العطف إنما ينوب من جهة المعنى مناب العامل فإذا قلت: ما قام زيد بل عمرو فينبغي أن يكون المعنى بل قام عمرو فتنوب بل مناب قام لأنه هو العامل في المعطوف عليه ولا يسوغ أن يكون المعنى بل ما قام عمرو لأن ما غير عاملة فلا يجوز أن تنوب بل منابها من جهة المعنى.
ثم أورد على هذا التعليل نحو: ما يقوم زيد وعمرو فإن معناه ما يقوم زيد وما يقوم عمرو فقد ناب حرف العطف مناب حرف النفي من جهة المعنى.
وأجاب عن ذلك بأن حرف العطف إنما ناب مناب الفعل وكأنك قلت: ما يقوم زيد ويقوم عمرو لكن يلزم أن يكون ذلك الفعل الذي ناب حرف العطف منابه منفيّا كما يلزم ذلك فيه إذا لفظت به بعد حرف العطف من جهة أنه إذ ذاك يكون معطوفا على الفعل المنفي الذي قبله بالواو وهي من الحروف المشتركة في اللفظ والمعنى ولا يلزم ذلك في العطف ببل؛ لأنها إنما تشرك في اللفظ لا في المعنى.
ثم ذكر ابن عصفور مسألة كأنه يعضد بتقريرها ما كره ردّا على المبرد.
وهي أن بل لا يعطف بها بعد الاستفهام فلا يقال: هل يقوم زيد بل عمرو لأنك إما أن تريد بل يقوم عمرو أو بل هل يقوم عمرو.
فلا يجوز أن يراد بل يقوم عمرو لأن إنما يستدرك بها للثاني ما أثبت للأول غلطا أو نسيانا أو ما نفي عنه.
والمستفهم لم يثبت لزيد قياما ولا نفاه عنه فيستدركه لعمرو، ولا يجوز أن يراد به: بل هل يقوم عمرو، لما ذكرناه من أن بل إنما تنوب من جهة المعنى مناب العامل في المعطوف عليه وأداة الاستفهام ليست بعاملة فيه فتنوب بل منابها.
قال: وكون العرب لم تعطف بها بعد الاستفهام دليل على بطلان ما ذهب إليه -

الجزء: 7 - الصفحة: 3487

................................  المبرد 392. ثم قد علمت من كلام المصنف أن لا تزاد قبل بل لتأكيد الإضراب عن الأول إذا لم يكن قبلها نفي ولا نهي، وأنه إن وجد أحدهما قبل لا أفادت تأكيد تقريره ولم تقتض إضرابا نحو: ما قام زيد لا بل عمرو، وعلم منه أن لا تزاد قبل بل بعد النفي كما تزاد بعد الإيجاب.
وهذا هو المعمول به.
لكن نقل ابن عصفور عن ابن درستويه: أن لا تزاد قبل بل بعد الإيجاب وأنها لا تزاد بعد النفي 393. قال: لأنها حرف نفي فأغنى عنها تقدم النفي فتقول: ما جاءني زيد بل عمرو ليس إلا.
ولا شك أن الجماعة يجيبون عن هذا بأن لا في مثل هذا أتى بها توكيدا.
وأما لكن: فقد كان الواجب أن لا يذكرها المصنف لأن مختاره أنها ليست عاطفة فكيف يذكرها مع العواطف.
والعجب قوله في الشرح: والمعطوف بلكن.
أما عبارته في المتن فليس فيها تعرض إلى العطف وإنما تعرض إلى معناها فقال: ولكن قبل المفرد بعد نهي أو نفي كبل.
ومراده بذلك أن لكن إذا تقدمها نفي أو نهي وذكر بعدها مفرد كان الحكم المسلوب عما قبلها ثابتا لما هو بعدها ولكن حينئذ حرف استدراك فقط.
وقد تقدم من كلامه ما يعضد ذلك وهو قوله في أول الباب: فإن وليها مفرد معطوف فعطفه بواو قبلها لا يستغنى عنها إلا قبل جملة مصرح بجزئيها ولا بد قبل المفرد من الواو «ولو كانت لا يستغنى بها عن الواو كما استغنى ببل.
وغيرها» وإذا علم أن لكن عنده ليست عاطفة علم أنه إنما ذكرها هنا تبعا لذكر بل وذلك لموافقتها لها في ما تقدم ذكره.
وبعد: فأنا أورد ما ذكره الجماعة في لكن ليتبين ما وقعت فيه الموافقة والمخالفة لكلام المصنف، قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: لا تكون لا عاطفة إلا إذا وقع بعدها مفرد ولا بد أن يتقدمها نفي أو نهي؛ لأنه نفي في المعنى ويكون المراد بها استدراك ذلك الفعل المنفي أو المنهي عنه لما بعدها.
فإذا قلت: ما ضربت زيدا ولكن عمرا فالمعنى ولكن ضربت عمرا وإذا قلت: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3488

................................  لا تضرب زيدا ولكن عمرا فالمعنى ولكن اضرب عمرا.
وإنما امتنع وقوعها بعد الإيجاب لأن ما بعدها لا بد أن يخالف ما قبلها لأن وضعها لذلك فيلزم أن يكون ما بعدها منفيّا إذا كان ما قبلها موجبا، والنفي في كلام العرب لا يكون إلا بأداة نفي.
وكما امتنع وقوعها بعد الإيجاب امتنع وقوعها بعد الاستفهام لأنها لاستدراك المنفي قبلها أو المنهي عنه لما بعدها والمستفهم لم ينف شيئا ولا أثبته [4/ 168] ولا نهى عن شيء ولا أمر به.
ولا تكون لكن عاطفة عند أكثر النحويين إلا إذا لم تدخل عليها الواو، فإذا دخلت عليها الواو كانت هي العاطفة عندهم وتخلصت لكن لمعنى الاستدراك.
واستعمال لكن إذا وقع بعدها المفرد لفظا وتقديرا بغير واو لم يسمع من كلام العرب، وإنما قاله النحويون بالقياس.
وذكر أبو علي عن يونس أنه كان ينكر أن يقال: ما ضربت زيدا لكن عمرا 394. قال: وموضع الإنكار أن نقول: إن هذا حرف كان يدخل قبل التخفيف على المبتدأ والخبر فينبغي أن يكون بعد التخفيف كذلك 395. ألا ترى أن سائر أخواتها كذلك.
وأطال ابن عصفور الكلام في ذلك ثم قال: والصحيح عندي ما ذكره يونس من أنها لا تستعمل إلا بالواو.
وأنشد أبياتا إلا أنه بعد ذلك قال: ولكن مع ذلك هي العاطفة والواو زائدة كما زيدت، ثم لما دخلت عليها الفاء في قول زهير: 3331 -........ فثمّ إذا أصبحت.... قال: وذلك لأن الواو تشرك لفظا ومعنى وما بعد لكن مخالف لما قبلها في المعنى فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة وأن الواو زائدة مثلها في قول الشاعر: 3332 - ولمّا رأى الرّحمن أن ليس فيهم... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر وصبّ عليهم تغلب ابنه وائل... وكانوا عليهم مثل راعية البكر 396 يريد صب عليهم.
قال: وعلى ما ذكرته ينبغي أن يحمل مذهب سيبويه والأخفش لأنهما قالا إن لكن من حروف العطف فلما مثلا العطف بها مثّلاه بالواو -

الحديث: 3331 - الجزء: 7 - الصفحة: 3489

................................  فدل ذلك على أن لكن هي العاطفة عندهما لا الواو.
انتهى.
وأما دعواه زيادة الواو مستدلا بأن الواو تشرك لفظا ومعنى وما بعد لكن مخالف لما قبلها فقد عرفت أن المصنف أشار إلى هذه المسألة وقال: الواجب أن يجعل ذلك من عطف الجمل ويضمر له عامل لأن الجملة المعطوفة بالواو يجوز كونها موافقة ومخالفة.
وقال في شرح الكافية: «وأما المعطوف بلكن فمحكوم له بالثبوت بعد نفي نحو: ما قام زيد لكن عمرو، أو بعد نهي نحو: لا تضرب زيدا لكن عمرا، فإن دخلت عليها الواو كقوله تعالى: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ 397 عريت لكن من العطف وقدر ما بعدها جملة معطوفة على ما قبلها بالواو؛ لأن بقاء لكن بعد الواو عاطفة ممتنع لامتناع دخول عاطف على عاطف وجعل الواو عاطفة وحدها مع كون ما بعد لكن مفردا ممنوع لمخالفته في الحكم للمعطوف عليه.
وحق المعطوف بالواو إن كان مفردا أن يستوي هو والمعطوف عليه في الحكم.
فإن كانا جملتين اغتفر تحالفهما في الحكم كقولك: قام زيد ولم يقم عمرو، واطع الله ولا تتبع الهوى» 398. انتهى.
ولا شك أن ما ذكره أولى مما ذكره ابن عصفور من زيادة الواو.
وأما جملة كلام سيبويه وتمثيله على هذا الذي اختاره فهو موقوف على أن سيبويه يجيز زيادة الواو 399 وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
ثم قد عرفت من كلام المصنف أن لكن لا يليها إلا جملة فإن صرح بجزأيها فلا كلام وقد تذكر الواو حينئذ وقد لا تذكر وإن كان الذي وليها مفرد قدر مفردا آخر ليصير ما بعدها جملة واقتضى كلامه أنه لا بد مع المفرد من ذكر الواو، أما من لكن عنده عاطفة وقد وليها مفرد فلا يقدر شيئا لأنها إنما يعطف بها المفرد كما أن بل كذلك إلا أن ابن أبي الربيع قال: الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنها عاطفة في المفردات والجمل وأنشد قول زهير: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3490

................................  3333 - إنّ ابن ورقاء لا تخشى بوادره... لكن وقائعه في الحرب تنتظر 400 ولم يقتصر على لكن بل عدّى الكلام إلى بل فقال: إنها تعطف المفردات والجمل.
وما قاله فيه نظر وهو مخالف لنصوص الجماعة.
ولما أنهى الشيخ الكلام على الخلافة في لكن قال: فتخلص فيها أقوال: أحدها: أنها ليست عاطفة وأن العطف للواو عطف مفرد على مفرد.
الثاني: كذلك إلّا أن العطف هو من باب عطف الجمل.
الثالث: أن العطف بها ولا يأتي بالواو.
الرابع: كذلك ولا بد من الواو وهي زائدة.
الخامس: التخيير بين أن يأتي بالواو وأن لا يأتي بها 401. انتهى.
والذي يقتضيه النظر أن لا مدخل لها في عطف الجمل وأنها إذا وليها مفرد والواو مذكورة فالعطف للواو وهي تفيد الاستدراك لا غير وإن لم تذكر الواو فلكن نفسها هي العاطفة بهذا إن كان مسموعا وإلا فالقياس لا يدفعه، وهذا الذي ذكرته ماش على القواعد وليس فيه مصادمة لشيء تقتضيه الصناعة النحوية.
بقي التنبيه على أمرين: أحدهما: أن اشتراط تقدم النفي أو النهي على لكن إنما يكون إذا وليها مفرد أما إذا وقع بعد لكن جملة فإنه يجوز أن يتقدمها إيجاب وغير إيجاب وإنما الشرط أن يكون بين ما قبلها وما بعدها منافاة.
وقد تقدم قول المصنف: ولا بد من النفي أو النهي قبل لكن فإن خلت منهما لزم أن يكون بعدها جملة مخالفة لما قبلها لفظا ومعنى أو معنى لا لفظا نحو قام زيد لكن عمرو لم يقم، وقام بشر لكن خالد قعد.
ثانيهما: قال ابن أبي الربيع: لا أعلم خلافا بين المتقدمين في أن معنى لكن الاستدراك إلا أني رأيت لابن الطراوة كلاما يقتضي أن لكن توجب للثاني ما نفي عن الأول، والاستدراك فيها باطل؛ لأن حقيقته أن تستدرك شيئا فاتك أولا وأنت إذا قلت: ما قام زيد لكن عمرو لم يفتك أولا شيء؛ لأن إخبارك بنفي القيام عن زيد صحيح ولم ينقص منه شيء فيستدرك بالثاني، وإنما جئت بعد لكن بخبر آخر -

الحديث: 3333 - الجزء: 7 - الصفحة: 3491

................................  وهو إيجاب القيام لعمرو 402. وكان الأستاذ أبو علي ينفصل عن هذا بأن يقول: الكلام بلكن إنما يأتي جوابا لمن يقول [4/ 169] قام زيد فتقول له: ما قام زيد لكن عمرو فقصدك أن تخبر بنفي القيام عن زيد وتثبت أن هناك قياما فكأنك تقول له: أما القيام فحق وأما نسبته لزيد فباطلة إنما هو لعمرو.
فتقول: ما قام زيد فإذا قلته تحصل أن القيام منفي عن زيد وبقي عليك الإيجاب لعمرو.
فقولك بعد ذلك: لكن عمرو استدراك لما بقي عليك مما قصدت الإخبار به 403. وهذا الذي قاله الأستاذ أبو علي صحيح.
ومن نظر كلام العرب بأن له ذلك: قال: وكذلك الكلام في لا بد الاستدراك ببل فقد تأتي بل جوابا بمنزلة لكن يقول القائل: قام عمرو فتقول ما قام عمرو بل زيد على معنى لكن زيد.
انتهى.
وقوله: فقد تأتي بل جوابا بمنزلة لكن يوافقه قول المصنف المتقدم ولو جعلت بل بدل لكن لم يختلف المعنى إلا أن بل لا يلزم أن يتقدم عليها نفي أو نهي ولا بد من أحدهما قبل لكن.
وأما لا: فقد عرفت أن المصنف ذكر أنها يعطف بها بعد التحضيض والدعاء.
قال: لأنهما في معنى الأمر فيقال هل لا تضرب زيدا لا عمرا وغفر الله لزيد لا بكر.
ولما كانت لا تنفي عن التاني ما وجب للأول وجب لذلك أن لا يعطف بها إلا بعد الإيجاب فهي لكن، لأن لكن لا يعطف بها إلّا بعد النفي؛ لأنها توجب للثاني ما نفي عن الأول كما أن لا تنفي عن الثاني ما وجب للأول، وقد ذكروا لكون لا عاطفة شرطين: أن يكون المعطوف بها مفردا وأن يكون ما بعدها غير صالح لإطلاق ما قبلها.
والمراد بذلك ألا يصح إطلاق ما قبلها على ما بعدها ولا ما بعدها على ما قبلها.
وليس في عبارة المصنف تعرض لذكر هذين الشرطين، ولكن تمثيله بما مثل يشعر باشتراطهما.
وقال ابن عصفور 404: إلّا من حروف العطف إلا أنها لا يعطف بها الجمل التي لا موضع لها من الإعراب.
ولم يتحقق لي ذلك.
ومن الأمثلة التي ذكرها -

الجزء: 7 - الصفحة: 3492

[ما لا يشترط وما يشترط في صحة العطف]

قال ابن مالك: (لا يشترط في صحّة العطف وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه، ولا تقدير العامل بعد العاطف، بل يشترط صلاحيّة المعطوف، أو ما هو بمعناه لمباشرة العامل).
ابن عصفور: زيد يقوم لا يقعد، وهذا رزق الله لا كدك، والصدق ينبئ عنك لا الوعيد، فكدك معطوف على الخبر، والوعيد معطوف على المبتدأ.
ولم يظهر لي أن المعطوف في هذين المثالين جملة.
وأما لا يقعد من قولك زيد يقوم لا يقعد فهو من عطف المفردات لا عطف الجمل.
ثم قال ابن عصفور: وزعم بعضهم 405 أن العطف بها بعد الماضي غير جائز.
ثم رد هذا القول 406. ولا شك أن الجمهور على خلافه، لأن الماضي ورد في الكتاب العزيز منفيّا بلا قال تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى 407، وقال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ 408 ومن العطف بها بعد الماضي قول الشاعر: 3334 - كأنّ دثارا حلّقت بلبونه... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل 409 قال ناظر الجيش: قال المصنف 410: يجوز قام زيد وأنا وإن لم يصلح مباشرة قام لأنا لأنه بمعنى التاء المضمومة في قمت وزيد وكذا رأيت زيدا وإياك وإن لم تصلح مباشرة رأيت لإياك لأنه بمعنى الكاف في رأيتك وزيدا.
ويجوز رب رجل وأبيه وإن لم تصلح مباشرة رب لأبيه لأنه بمعنى رب أي رجل ورجل.
ويجوز الواهب المائة الهجان وعبدها وإن لم يصلح مباشرة الواهب لعبدها لأنه بمعنى الواهب عبد المائة والمائة.
ويجوز أن زيدا وأباه قائمان وإن لم يصلح أن يباشر إن أباه لأنه بمعنى أن أبا زيد وزيدا قائمان، ويجوز مررت برجل قائم أبواه -

الحديث: 3334 - الجزء: 7 - الصفحة: 3493

................................  لا قاعدين وإن لم يصلح وقوع قاعدين موقع قائم؛ لأنه بمعنى لا قاعد أبواه أو لا قاعدهما، أو لأنه بمعنى لم يقعدا ويجوز أن زيدا قائم لا عمرا وإن لم يصلح تقديران بعد لا؛ لأن تقدير العامل بعد العاطف ليس شرطا بل هو ممتنع مع مواضع نحو: اختصم زيد وعمرو، ومن يأتني ويسلني أعطه، وعرقت ابني زيد عمرو.
فلو كان ما بعد العاطف لا يصلح لمباشرة العامل ولا هو بمعنى ما يصلح لمباشرته أضمر له عامل مدلول عليه بما قبل العاطف وجعل من عطف الجمل نحو قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 411 وفَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ 412، فـ «زوجك» و «ربك» مرفوعان «بليسكن» «وبليذهب» مضمرين مدلول عليهما ما باسكن واذهب.
والمحوج إلى هذا التقدير أن فعل الأمر لا يرفع إلا ضمير المأمور المخاطب.
لكنه وإن لم يكن صالحا لرفع غيره فهو صالح للدلالة على ما يرفعه.
ولو كان ما قبل العاطف فعلا مضارعا مفتتحا بالهمزة أو النون لفعل بعده من التقدير والإضمار ما فعل بعد الأمر نحو: لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ 413 فأنت مرفوع بفعل مضمر مدلول عليه بنخلفه، والتقدير ولا تخلفه أنت لأن نفعل وأفعل لا يرفعان إلا ضميري المتكلم.
وكذا لو كان الفعل مفتتحا بتاء الخطاب لعومل ما بعد العاطف الذي بعده بهذه المعاملة نحو: تقوم أنت وزيد.
وكذا لو كان مفتتحا بتاء المضارعة الدالة على التأنيث كقوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ 414 أي ولا يضار مولود.
ولا بد من هذا [4/ 170] التقدير لأن الفعل المفتتح بتاء التأنيث لا يرفع إلا مؤنثا.
وكل ما استحقه المعطوف من التقدير المذكور مستحق في البدل نحو: ادخلوا أولكم وآخركم فيقدر قبلهما ليدخل؛ لأن ادخل لا يرفع إلّا ضمير المأمور المخاطب نص على هذا المعنى سيبويه 415 رحمه الله تعالى.
فإن جعل أولكم وآخركم بدلا فهو عامله من إبدال الجمل بعضها من بعض كما يقال في العطف.

الجزء: 7 - الصفحة: 3494

................................  ومن المستحق لهذه المعاملة قول الشاعر: 3335 - نطوّف ما نطوّف ثمّ نأوي... ذوو الأموال منا والعديم إلى حفر أسافلهنّ جوف... وأعلاهنّ صفاح مّقيم 416 فذوو الأموال مرفوع بنأوي مضمرا مدلولا عليه بنأوي، لأن المضارع ذا النون لا يرفع إلا ضمير المتكلم وإن جعل ذوو الأموال والعديم توكيدا كما جعل على أحد الوجهين الظهر والبطن من قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن جاز وكان العامل فيه نأوي كما يكون عاملا في كلنا إذا قيل: نأوي كلنا لأن التوكيد بمنزلة تكرير المؤكد.
هذا كلامه رحمه الله تعالى.
ونقله الشيخ عنه ولم يدفعه بشيء غير أنه قال: وما ذهب إليه من أنه إذا لم يصلح يعني المعطوف لمباشرة العامل ولا هو بمعنى ما يصلح لمباشرته أضمر له عامل مدلول عليه بما قبل العطف ويجعل من عطف الجمل - مخالف لما تظافرت عليه نصوص النحويين والمعربين من أن وَزَوْجُكَ (2) معطوف على الضمير المستكن في اسْكُنْ 417 وكذلك فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ 418. انتهى.
فلم ينازع المصنف في اشتراط صلاحية المعطوف أو ما بمعناه لمباشرة العامل وكأنه سلم له ذلك.
وإذا كان هذا الاشتراط مسلما وجب الاعتراف بتقدير عامل للمعطوف في الآيات الشريفة والأمثلة التي ذكرها.
وبعد: فللباحث في هذه المسألة أحد مسلكين: إما أن يقول: هذا الشرط الذي ذكر غير مسلم، ويقول: كما لا يشترط صحة وقوع المعطوف موقع المعطوف عليه لا يشترط صلاحية المعطوف لمباشرة العامل.
وإما أن يقول: كما اكتفى في صحة العطف بصلاحية ما هو بمعنى المعطوف للمباشرة هكذا يكتفي فيه بصلاحية المعطوف لمباشرة عامل يعطي معنى ذلك العامل ويؤكد هذا أن عدم صلاحية الاسم الظاهر لمباشرة أمر المخاطب مثلا ليس لأمر يرجع إلى المعنى إنما هو لأمر يرجع إلى الاستعمال فزيد في مثل قولنا: ادخل أنت وزيد إن -

الحديث: 3335 - الجزء: 7 - الصفحة: 3495

[العطف على الضمير المتصل، والعطف على عاملين]

قال ابن مالك: (ويضعف العطف على ضمير الرّفع المتّصل ما لم يفصل بتوكيد أو غيره أو يفصل العاطف بـ «لا». وضمير النّصب المتّصل في العطف عليه كالظّاهر، ومثله في الحالين الضّميران المنفصلان. وإن عطف على ضمير جرّ اختير إعادة الجارّ، ولم تلزم وفاقا ليونس والأخفش والكوفيّين، وأجاز الأخفش العطف على عاملين إن كان أحدهما جارّا واتّصل المعطوف بالعاطف، أو انفصل بـ «لا» والأصحّ المنع مطلقا، وما أوهم الجواز فجرّه بحرف مدلول عليه بما قبل العاطف).  لم يصلح لمباشرة ادخل فإنه صالح لمباشرة ليدخل الذي هو بمعنى ادخل. فكانت صلاحية المعطوف في مثل ذلك لمباشرة عامل بمعنى العامل المذكور مسوغة لعطفه. وبهذا الذي قررته في العطف يتقرر الحال في البدل أيضا فلا يحتاج فيه إلى تقدير عامل. وكان الشيخ سلم ذلك في البدل فإنه قال: الفرق بين البدل والعطف أن البدل على نية تكرار العامل فهو من جملة أخرى ولا يمكن أن يقدر ادخل، لأن ادخل لا يرفع الظاهر فاضطر إلى تقدير ليدخل، وأما العطف فليس على تقدير العامل بدليل، اختصم زيد وعمرو 419. انتهى. وهذا الذي ذكره إنما يفيد عند القائل بأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه، والمصنف لا يرى ذلك. وقد تقدم في باب البدل أن العامل في البدل والمبدل منه هو العامل المذكور، وأنه الصحيح، وأن ذلك مذهب سيبويه رحمه الله تعالى. قال ناظر الجيش: قال المصنف 420: إن كان المعطوف عليه ضميرا متصلا مرفوعا فالجيد الكثير أن يؤكد قبل العطف بضمير منفصل كقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 421 أو بتوكيد إحاطي كقول الشاعر: 3336 - دعرتم أجمعون ومن يليكم... برؤيتنا وكنّا الظّافرينا 422

الحديث: 3336 - الجزء: 7 - الصفحة: 3496

................................  أو يفصل بينه وبين العاطف بمفعول أو غيره كقوله تعالى: يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ 423 ويتناول غير المفعول التمييز كقول الشاعر: 3337 - ملئت رعبا وقوم كنت راجيهم... لمّا دهمتك من قومي بآساد 424 والنداء كقوله: 3338 - لقد نلت عبد الله وابنك غاية... من المجد من يظفر بها فاق سؤددا 425 ويقوم مقام فصل الضمير من العاطف الفصل بلا بين العاطف والمعطوف كقوله تعالى: ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا 426 ولا يمتنع العطف دون فصل كقول بعض العرب: مررت برجل سواء والعدم فعطف العدم دون فصل ودون ضرورة على ضمير الرفع المستتر في سواء، ومنه قول جرير: 3339 - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه... ما لم يكن وأب له لينالا 427 وهذا فعل مختار غير مضطر لتمكن قائله من نصب أب على أن يكون مفعولا معه، ومثله قول ابن أبي ربيعة: 3340 - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى... كنعاج الفلا تعسّفن رملا 428 فرفع زهرا عطفا على الضمير المستكن في أقبلت مع التمكن من جعله مفعولا [4/ 171] معه.
وأحسن ما يستشهد على هذا بقول عمر - رضي الله تعالى عنه - «وكنت وجار لي من الأنصار»، وقول علي - رضي الله تعالى عنه -: «كنت أسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: قمت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر» أخرجهما البخاري في صحيحه 429. ونبهت بقولي: -

الحديث: 3337 - الجزء: 7 - الصفحة: 3497

................................  وضمير النصب المتصل في العطف عليه كالظاهر على أن ضمير النصب المتصل يعطف عليه الظاهر وضمير النصب المنفصل كما يعطفان على الاسم الظاهر، فيقال: رأيته وإياك ورأيته وعمرا كما يقال: رأيت زيدا وإياك ورأيت زيدا وعمرا، وسكت عن عطفه تنبيها على أن حرف العطف لا يليه ضمير النصب بلفظ الاتصال بل بلفظ الانفصال.
وفي هذا رد على من زعم أن حرف العطف عامل في المعطوف إذ لو كان عاملا للزم كون ما وليه من ضمائر النصب بلفظ الاتصال كما يلزم ذلك مع أن وأخواتها.
والهاء من قولي: ومثله في الحالين عائدة على الظاهر.
والمراد بالحالين حالا عطفه والعطف عليه فنبهت بذلك على أن الضمير المنفصل منصوبا كان أو مرفوعا في عطفه والعطف عليه بمنزلة الظاهر فيقال: رأيت زيدا وإياك، وإياك وزيدا رأيت، وصاحباك زيد وأنا، وأنا وزيد صاحباك، كما يقال: رأيت زيدا وعمرا، وزيدا وعمرا رأيت، وصاحباك زيد وعمرو، وزيد وعمرو صاحباك.
وإذا كان المعطوف عليه ضمير جر أعيد الجار كقوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ 430 [و] وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ 431 ويُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ 432 وإعادته مختارة لا واجبة وفاقا ليونس والأخفش والكوفيين 433. وأجاز الفراء في «ما» من قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ 434 الرفع عطفا على اللَّهُ والجرّ عطفا على فِيهِنَّ 435 وأجاز عطف وَمَنْ لَسْتُمْ 436 على لَكُمْ فِيها مَعايِشَ 437. وللموجبين إعادة الجر حجتان: إحداهما: أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقب له فلا يعطف عليه كما لا يعطف - - والتصريح (2/ 151) وشواهد التوضيح (ص 112) والهمع (2/ 138، 139).

الجزء: 7 - الصفحة: 3498

................................  على التنوين.
الثانية: أن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصلحا لحلول كل واحد منهما محل الآخر، وضمير الجر غير صالح لحلوله محل ما يعطف عليه فامتنع العطف عليه إلّا مع إعادة الجار.
وفي الحجتين من الضعف ما لا يخفى؛ لأن شبه ضمير الجر بالتنوين لو منع من العطف عليه بلا إعادة الجار لمنع منه مع الإعادة لأن التنوين لا يعطف عليه بوجه، ولأنه لو منع من العطف عليه لمنع من توكيده والإبدال منه، لأن التنوين لا يؤكد ولا يبدل منه وضمير الجر يؤكد ويبدل منه بإجماع.
فللعطف أسوة بهما.
فقد تبين ضعف الحجة الأولى.
وأما الثانية: فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرط في صحة العطف لم يجز: ربّ رجل وأخيه، ولا أي فتى هيجا أنت وجارها، ولا كل شاة وسلحتها بدرهم، ولا الواهب المائة الهجان وعبدها... وأمثال ذلك كثيرة.
فكما لم يمتنع فيها العطف لا يمتنع في نحو: مررت بك وزيد، وإذا بطل كون ما تعلقوا به مانعا وجب الاعتراف بصحة الجواز.
ومن مؤيدات الجواز قوله تعالى: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ 438 فجر المسجد بالعطف على الهاء لا بالعطف على سَبِيلِ 439 لاستلزامه العطف على المصدر قبل تمام صلته لأن المعطوف على (جزء) الصلة داخل في الصلة.
وتوقي هذا المحذور حمل أبا علي الشلوبين على موافقة يونس، والأخفش، والكوفيين في هذه المسألة 440. ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة تسائلون به والأرحام 441، وهي أيضا قراءة ابن عباس، والحسن، وأبي رزين 442، ومجاهد، -

الجزء: 7 - الصفحة: 3499

................................  وقتادة 443، والنخعي 444 والأعمش، ويحيى بن ثابت 445. ومثل هذه القراءة ما روى البخاري في باب الإجارة إلى العصر من قوله عليه الصلاة والسّلام: «إنّما مثلكم واليهود والنّصارى» بالجر 446، وقول بعض العرب ما فيها غيره وفرسه.
ومن الشواهد الشعرية ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: 3341 - فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا... فاذهب فما بك والأيّام من عجب 447 وأنشد أيضا: 3342 - آبك أيّه بي أو مصدّر... من حمر الجلّة جأب حشور 448 وأنشد الفراء: 3343 - نعلّق في مثل السّواري سيوفنا... وما بينها والكعب غوط نفانف 449 وأنشد الفراء أيضا: 3344 - هلّا سألت بذي الجماجم عنهم... وأبي نعيم ذي اللواء المحرق 450 ومن الشواهد الشعرية قول العباس بن مرداس 451 رحمه الله تعالى: -

الحديث: 3341 - الجزء: 7 - الصفحة: 3500

................................  3345 - أكرّ على الكتيبة لا أبالي... أحتفي كان فيها أم سواها 452 ومنها قول رجل من طيّئ: 3346 - إذا بنا بل بنينا أتّقت فئة... صلّت مؤمّنة ممّن يعاديها 453 وله أيضا: 3347 - بنا أبدا لا غيرنا يدرك المنى... وتكشف غمّاء الخطوب الفوادح 454 ومنها قول الآخر: 3348 - إذا أوقدوا نارا لحرب عدوّهم... فقد حاب من يصلى بها وسعيرها 455 ومنها قول الآخر: 3349 - لو كان لي وزهير ثالث وردت... من الحمام عدانا شرّ مورود 456 وأجمعوا على منع العطف على عاملين إن لم يكن أحدهما جارّا وكذا إن كان أحدهما جارّا وفصل المعطوف من العاطف عليهما نحو: في الدار زيد والحجرة عمرو والخيل لخالد وسعيد الإبل، ووهبت لأبيك دينارا وأخيك درهما، ومررت بعمرو راكبا وعمار ماشيا، والفصل بلا مغتفر نحو: ما في الدار (زيد) ولا الحجرة عمرو 457. والصور الموافقة لما أجاز الأخفش كثيرة.
وفي قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ [4/ 172] مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 4 وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 458 كفاية.
وقد ذكرت منها في باب حروف الجر جملة، وبينت أن الوجه في استعمالها أن -

الحديث: 3345 - الجزء: 7 - الصفحة: 3501

................................  يجعل الجر بعد العاطف بحرف محذوف مماثل لما تقدم. وحذف ما دل عليه دليل من حروف الجر وغيرها مجمع على جوازه فالجمل عليه أولى من العطف على عاملين فانه مختلف فيه، والأكثر على منعه وموافقة الأكثر أولى. وأيضا فإن العطف على عاملين بمنزلة تعديتين بمعد واحد فلا يجوز كما لا يجوز ما هو بمنزلته 459. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ولنتبعه بذكر أمور: منها: أن المغاربة لا يرون العطف على الضمير المرفوع المتصل دون تأكيد ولا فصل ضعيفا كما قال المصنف بل قبيحا. حتى قال ابن عصفور أنه لا يكون إلا في الضرورة 460. وفي شرح الشيخ: وقد نص على قبحه سيبويه والخليل 461. لكن في الشرح المذكور أيضا، وفي كتاب سيبويه ما يشعر بالجواز. قال سيبويه حين ذكر انفصال بعض الضمائر: وكذلك: كنا وأنتم ذاهبين 462. قال: إلا أن الشرّاح تأولوا ذلك 463. انتهى. وأنت قد عرفت ما استدل به المصنف ويكفي حديث البخاري. ولا شك أن كلام من حفظ حجة على كلام من لم يحفظ على أن الأمر في ذلك قريب. وقد أنشد الشيخ في شرحه شاهدا على ذلك أيضا قول الشاعر: 3350 - فلمّا لحقنا والجياد عشيّة... دعوا يا لبكر وانتمينا لعامر 464 وقول الآخر: 3351 - ولمّا توافقنا وقيس بن عاصم... مررن إلى العلياء وأودين بالنّهب 465

الحديث: 3350 - الجزء: 7 - الصفحة: 3502

................................  وذكر الشيخ هنا فرعا.
وهو أنك تقول: رويدك أنت وزيد فلا تعطف على الضمير المستكن في رويدك إلا بعد تأكيده.
قال: ولم يعتدوا بالكاف فاصلة لأنها قد تنزلت منزلة الجزء مما قبلها وصارت كنا وأنت من أنا.
قال: وإذا كانوا لا يعطفون على تم من قمتم وزيد لاتصاله بما قبله مع أنه المعطوف عليه فأحرى أن لا يعطف مع هذا 466. ومنها: أن المصنف ذكر في العطف على ضمير الجر مذهبين.
جواز ترك إعادة الجار مع المعطوف ووجوب إعادته.
فذكر الشيخ مذهبا ثالثا وهو جواز ترك إعادة الجار في الكلام أن أكد الضمير نحو مررت بك أنت وزيد وإن لم يؤكد الضمير فلا يجوز 467. قال: وهذا مذهب الجرمي والزيادي 468. ثم إنك قد عرفت من كلام المصنف أن إعادة الجار مع المعطوف مختارة لا واجبة وأن ذلك مذهب يونس والأخفش والكوفيين.
وقد أطال الشيخ الكلام في المسألة بما نقله عن النحاة 469 ثم قال: والذي أختاره في المسألة جواز العطف لفساد العلل التي ذكروها ولا يلتفت إليها على تقدير صحتها لمصادمتها النص من لسان العرب.
ثم استدل على ذلك بما استدل به المصنف من السماع والقياس على التوكيد منه والبدل، وأنشد بيتا زائدا على ما أنشده المصنف وهو قول الشاعر: 3352 - وقد رام آفاق السّماء فلم يجد... له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا 470 ثم إنه ذكر أن لولا تجر المضمر في مذهب سيبويه 471 قال: فلو عطفت على مجرورها مظهرا لم يجز لما يلزم من جر لولا المظهر وهو لا يجوز.
قال: وعلى هذا ينبغي أن يفيد العطف على الضمير المجرور بأن يكون الحرف ليس مختصّا -

الحديث: 3352 - الجزء: 7 - الصفحة: 3503

................................  بجر الضمير 472. ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف: وأجمعوا على منع العطف على عاملين إن لم يكن أحدهما جارّا وكذا إن كان أحدهما جارّا وفصل المعطوف من العاطف بغير لا.
ويعضد نقل المصنف الإجماع في هذه المسألة ما ذكره الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - وهو أنه في قول ابن الحاجب: وأما الذين أجازوا العطف على عاملين مطلقا 473 قال: «ما ذكره - يعني - ابن الحاجب من جواز العطف على عاملين مطلقا مذهب لم أر أحدا حكاه غيره مع جهدي في الكشف عن هذا المذهب.
وكذلك قال شيخه ابن عمرون رحمهما الله تعالى» 474. لكن الشيخ قال: إن الذي قاله ابن الحاجب ذكره الفارسي في بعض كتبه عن قوم من النحويين ثم إنه أطال الكلام في المسألة 475. ولكنه أشار في الارتشاف إلى ذكر ما بسطه في الشرح فاقتصرت على إيراده.
قال رحمه الله تعالى: «لا يجوز نيابة حرف العطف عن أكثر من عاملين.
وتصوير ذلك أن تقول: أن زيدا في البيت على فراش والقصر نطع عمرا.
التقدير: وإن في القصر على نطع عمرا.
فنابت الواو مناب إن ومناب في ومناب على.
ومثل ذلك: جاء من الدار إلى المسجد زيد والحانوت البيت عمرو نابت الواو مناب جاء ومناب من ومناب إلى إذ التقدير: وجاء من الحانوت إلى البيت عمرو.
فلو نابت مناب عاملين فمذاهب: أحدها: القول بالجواز مطلقا، سواء أكان أحد العاملين جارّا أم لم يكن، فإن لم يكن جارّا نحو: كان آكلا طعامك زيد وتمرا عمرو.
أي: وكان آكلا تمرا عمرو.
فذكر ابن مالك في شرحه الإجماع على منع ذلك، وليس بصحيح، بل ذكر الفارسي في بعض كتبه جواز ذلك مطلقا عن قوم من النحويين ونسب إلى الأخفش.
وإن كان أحد العاملين جارّا فقال المهدوي 476: إن تأخر المجرور نحو: زيد في الدار وعمرو القصر -

الجزء: 7 - الصفحة: 3504

................................  لم يجزه أحد 477. وليس كما ذكر، بل من أجاز ذلك مطلقا أجاز هذه الصورة.
ونص بعضهم على أنه لا بد في العطف على من أن يكون أحدهما جارّا، وإذا كان أحدهما جارّا وتقدم [4/ 173] المجرور والمعطوف فالمشهور عن سيبويه المنع مطلقا 478. ونقل عنه أبو جعفر النحاس الجواز.
وأما الأخفش فعنه في هذه الصورة قولان: أحدهما: الجواز مطلقا وهو المشهور عنه وهو مذهب الكسائي والفراء والزجاج وتبعهم من أصحابنا أبو جعفر بن مضاء 479 وأبو بكر بن طلحة 480. والقول الثاني: المنع ذكره في كتاب «المسائل» 481 له وهو مذهب هشام والمبرد وابن السراج 482. فعلى المشهور من مذهب الأخفش ومن تبعه يجوز ذلك.
وسواء أكان المجرور متقدما في المعطوف عليه نحو: إن في الدار زيدا والحجرة عمرا.
أم متأخرا نحو: إن زيد في الدار والحجرة عمرا.
وفصل قوم بين أن يتقدم المجرور في المتعاطفين معا فيجوز نحو: إن في الدار زيدا والقصر عمرا، أو لا فيمتنع نحو: إن زيدا في الدار والحجرة عمرا 483 فتحصل في هذه المسألة مذاهب.
القول بالجواز مطلقا والقول بالمنع مطلقا والتفصيل بين أن يكون أحد العاملين جارّا فيجوز أو ليس جارّا فيمتنع.
وإذا كان جرّا فمذهبان.
إن تقدم المجرور والمعطوف جاز وإلا فيمتنع.
والثاني: إن تقدم المجرور في المتعاطفين جاز وإلّا فلا.
انتهى.
واعلم أنا لم نستفد من ذلك إلا ذكر خلاف في صور المسألة.
والذي ذكره المصنف كاف؛ لأنه جرى نصّا وتمثيلا على ما قال الشيخ أنه الأصح في كل صورة -

الجزء: 7 - الصفحة: 3505

[من أحكام الواو، والفاء، وأم، وأو

....] قال ابن مالك: فصل: (قد تحذف الواو مع معطوفها ودونه، وتشاركها في الأوّل الفاء و «أم»، وفي الثّاني «أو» ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرا وبالفاء قليلا، ونذر ذلك مع «أو».
وقد يقدّم المعطوف بالواو للضّرورة، وإن صلح لمعطوف ومعطوف عليه مذكور، بعدهما طابقهما بعد الواو، وطابق أحدهما بعد «لا» و «أو» و «بل» و «لكن».
وجاز الوجهان بعد «الفاء»، و «ثمّ»).
من صور المسألة على أنه قال آخرا: والأصح المنع مطلقا وأن ما أوهم الجواز كان جره بمحذوف مدلول عليه بما قبل العاطف وإذا كان الأصح هو المنع على الإطلاق حصل الاستغناء عن تفاصيل تذكر.
واعلم أن الشيخ قال: في قول المصنف: واتصل المعطوف بالعاطف يحتاج أن يقيده فيقول: واتصل المعطوف المجرور بالعاطف لأن غير المجرور لو اتصل بالعاطف لا يجيزه الأخفش نحو: إن في الدار زيدا وعمرا الحجرة 484. قال ناظر الجيش: اشتمل كلامه هذا على مسائل أربع: الأولى: أن كلّا من أربعة الأحرف أعني الواو والفاء وأم وأو [قد تحذف] لكن الواو قد تحذف مع معطوفها وقد تحذف هي دون معطوفها، والفاء وأم قد يحذف كل منهما لكن مع معطوفه، وأو قد تحذف لكن دون معطوفها.
فمن أمثلة حذف الواو مع معطوفها: قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ 485 أي تقيكم الحر والبرد ومنه: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ 486 أي ولم تعبدني والتعبد: الاستعباد، ومنه: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ 487 أي ومن أنفق من بعده وقاتل.
ومنه: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ 488 أي بين أحد وأحد، ومثله قول النابغة الذبياني: -

الجزء: 7 - الصفحة: 3506

................................  3353 - فما كان بين الخير لو جاء سالما... أبو حجر إلّا ليال قلائل 489 أي فما كان بين الخير وبيني إلّا ليال قلائل، ومنه قول امرئ القيس: 3354 - كأنّ الحصى من خلفها وأمامها... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا 490 ومنه قول الراجز يصف رجلا خشن القدم: 3355 - قد سالم الحيّات منه القدما... الأفعوان والشّجاع الشّجعما 491 أراد قد سالم الحيات منه القدما والقدم الأفعوان الشجاع الشجعا وذات قرنين. ومن أمثلة حذف الفاء مع معطوفها: قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 492 أي فأفطر فعدة من أيام أخر قال المصنف: وقد حذفت الفاء دون المعطوف بها ومعه ومع المعطوف عليه وفي قوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ 28 قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ 493 لأن المعنى فذهب فألقاه فقالت: وحذف أكثر من ذلك في قوله تعالى: فَأَرْسِلُونِ 45 يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ 494؛ لأن المعنى فأرسلوه فأتاه فقال. وأقول: إن قوله وقد حذفت الفاء دون المعطوف بها ينقض قوله في المتن: وتشاركها في الأول الفاء؛ لأن الأول إنما هو حذف الواو مع المعطوف. ودلّ هذا منه على أن الفاء لا تشارك الواو في الثاني وهو حذفها دون المعطوف. ومن أمثلة حذف أم مع معطوفها: قول أبي ذؤيب: 3356 - دعاني إليها القلب إنّي لأمرها... سميع فما أدري أرشد طلابها 495

الحديث: 3353 - الجزء: 7 - الصفحة: 3507

................................  أي فما أدرى أرشد طلابها أم غيّ.
ومن حذف الواو وبقاء ما عطفت قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تصدّق رجل من ديناره من درهمه من صاع برّه من صاع تمره» 496 أي من ديناره إن كان ذا دنانير، ومن درهمه إن كان ذا دراهم، ومن صاع بره إن كان ذا بر، ومن صاع تمره إن كان ذا تمر.
ومنه سماع أبي زيد: أكلت خبزا لحما تمرا أراد خبزا ولحما وتمرا.
ومنه قول الشاعر: 3357 - كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا... يغرس الود في فؤاد الكريم 497 أراد قول: كيف أصبحت وكيف أمسيت، فحذف المضاف والواو.
ومن حذف أو بقاء ما عطفت: قول عمر رضي الله عنه «صلّى رجل في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء» 498 أي ليصل رجل في إزار ورداء أو في إزار وقميص أو في إزار وقباء.
وحكى أبو الحسن في المعاني أن العرب تقول: أعطه درهما درهمين ثلاثة بمعنى أو درهمين أو ثلاثة.
وليعلم أن منع ابن جني، والسهيلي، وابن الضائع حذف حرف العطف 499 فيه نظر؛ لأن هذه [4/ 174] الشواهد المذكورة تدفعه.
وقد تأول المانع بعض ما استشهد به على وجه لا يقبل ظاهرا.
والحق ما ذكره المصنف، وكلام ابن عصفور موافق له في إجازة ذلك.
المسألة الثانية: جواز حذف المعطوف عليه استغناء عنه بالمعطوف، وذلك مع ثلاثة أحرف: الواو والفاء وأو إلّا أنه مع الواو كثير، ومع الفاء قليل، ومع أو نادر.
ومثال ذلك مع الواو قولك لمن قال: ألم تضرب زيدا: بلى وعمرا، ولمن قال: -

الحديث: 3357 - الجزء: 7 - الصفحة: 3508

................................  ألقيت سعدا: نعم وأخاه، وقول بعض العرب: وبك أهلا وسهلا لمن قال: مرحبا وأهلا أي: وبك مرحبا وأهلا، ومنه قول نهشل بن ضمرة 500: 3358 - قبح الإله الفقعسيّ ورهطه... وإذا تأوهت القلاص الضمر 3359 - ولحا الإله الفقعسيّ ورهطه... وإذا توقد في النجاة الخزوّر 501 أي قبحه الله كل حين وإذا تأوهت القلاص، ولحاه الله كل حين وإذا توقد في النجاة الخزور، ومنه والله أعلم قوله تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 502 أي لو ملكه ولو افتدى به ومثله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي 503 أي لترحم ولتصنع على عيني، ومثل ذلك مع الفاء قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً 504 وقوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ 505 أي: فضرب فانفجرت، وفضرب فانفلق، ومثال ذلك مع أو قول أمية الهذلي: 3360 - فهل لك أو من والد (لك) قبلنا... يوشّح أولاد العشار ويفضل 506 أراد فهل لك من أخ أو من والد.
ولابن عصفور في قوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ تقرير عجيب، وهو أن حرف العطف لم يحذف وإنما حذف المعطوف عليه وحده دون الفاء وحذفت الفاء من المعطوف وأقرت الفاء من المعطوف عليه واتصلت بالمعطوف فأبقى من كلّ ما دلّ على المحذوف 507. قال الشيخ: وهذا ليس بشيء؛ لأن القرآن العزيز ملآن من حذف جمل معطوفة -

الحديث: 3358 - الجزء: 7 - الصفحة: 3509

................................  بالفاء وكثر ذلك في قصة يوسف وقصة سليمان مع الهدهد عليهما الصلاة والسّلام وقد حذف في قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 508 تقديره «فأفطر»؛ إذ لا يجوز أن تنوب فاء المعطف مناب فاء الجزاء 509. المسألة الثالثة: أن المعطوف بالواو قد يقدم على المعطوف عليه للضرورة. وقد أنشد المصنف شاهدا على ذلك قول أبي مسافع الأشعري 510: 3361 - إن الغزال الّذي كنتم وحليته... تقنونه لخطوب الدّهر والغير طافت به عصبة من شرّ قومهم... أهل العلا والنّدى والبيت ذي السّتر 511 وقول كثير: 3362 - كأنّا على أولاد أحقب لاحها... ورمي السّفى أنفاسها بسهام جنوب ذوت عنها التّناهي وأنزلت... بها يوم ذبّات السّبيب صيام 512 والأصل في الأول: كنتم تقنونه وحليته، والأصل في الثاني: لاحها جنوب ورمي السفى. ومن الشواهد أيضا قول الآخر: 3363 - جمعت وفحشا غيبة ونميمة... ثلاث خصال لست عنها بمرعوي 513 أي جمعت غيبة وفحشا ونميمة. وقول الآخر: 3364 - ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام 514

الحديث: 3361 - الجزء: 7 - الصفحة: 3510

................................  أي عليك السّلام ورحمة الله.
وقول الآخر: 3365 - وأنت غريم لا أظنّ قضاءه... ولا العنزيّ القارظ الدّهر جائيا 515 أي لا أظن قضاءه جائيا هو ولا العنزي.
وعرف من تقييد المصنف هذا الحكم بالواو أنه لا يجوز تقديم المعطوف بغيرها من أدوات العطف.
ولهذا قال ابن عصفور: ولا يجوز تقديم المعطوف على المعطوف عليه إلّا في الواو خاصة 516. ثم قال: فإن قيل قد جاء التقديم في أو قال الشاعر: 3366 - فلست بنازل إلّا ألمّت... برحلي أو خيالتها الكذوب 517 يريد إلا ألمت الكذوب أو خيالتها.
فالجواب: أن الكذوب صفة لخيالتها.
وقوله: أو خيالتها عطف على الضمير في ألمت.
ولم يحتج لتأكيد؛ لطول الكلام بالمجرور وهو: برحلي.
إلا أنه ذكر لجواز تقديم المعطوف بالواو ثلاثة شروط: أحدها: أن لا يؤدي التقديم إلى وقوع حرف العطف صدرا فلا تقول: وعمرو زيد قائمان.
ثانيها: أن لا يؤدي إلى مباشرة حرف العطف عاملا غير متصرف فلا تقول: إن وعمرا زيدا قائمان.
ثالثها: أن لا يكون المعطوف مخفوضا فلا تقول: مررت وعمرو بزيد 518. وفي شرح الشيخ أن مذهب هشام أن الفعل لو كان مما لا يستغنى بفاعل واحد نحو اختصم زيد وعمرو لا يجوز تقديم المعطوف في مثله.
وجعله أبو جعفر النحاس مذهب البصريين.
قال الشيخ: فتكون إذ ذاك الشروط خمسة - يعني هذا الشرط والثلاثة التي -

الحديث: 3365 - الجزء: 7 - الصفحة: 3511

................................  ذكرها ابن عصفور والخامس: كون العطف بالواو - ثم إن التقديم مع ذلك لا يجوز إلّا في الشعر.
قال الشيخ: هذا مذهب البصريين وهو عندهم في المنصوب أقبح منه في المرفوع لأن الفعل بالمرفوع مرتبط ومذهب الكوفيين جواز ذلك في الشعر وفي الكلام.
وذكر الشيخ أيضا أن هشاما أجاز تقديم المعطوف بالفاء وثم وأو ولا 519. المسألة الرابعة: الإشارة إلى حكم ما يذكر بعد التعاطف مما هو صالح لما قبله من ضمير وخبر وغيرهما بالنسبة إلى مطابقته لما تقدمه أو إفراده.
وأقسام المسألة ثلاثة: ما يجب فيه المطابقة للمجموع، وما تجب فيه الواحد، وما يجوز فيه الأمران كما يستفاد ذلك من متن الكتاب.
قال المصنف: حكم الاسمين المعطوف [4/ 175] أحدهما على الآخر بالواو حكم المثنى فلابد في ما تعلق بهما من خبر وضمير وغيرهما من المطابقة كما لا بد منها في ما تعلق بالمثنى فيقال: زيد وعمرو منطلقان، ومررت بهما، كما يقال: الرجلان منطلقان ومررت بهما.
فان كان العطف بلا أو بأو أو ببل أو بلكن وجب إفراد ما بعده من خبر وغيره، فيقال: زيد لا عمرو منطلق، ومررت به، وكذا يقال بعد أو وبل ولكن.
وإن كان العطف بالفاء أو ثم جاز الإفراد والمطابقة فيقال: زيد فعمرو منطلق ومررت به، وبشر ثم محمد ذاهب ونظرت إليه، ويجوز: منطلقان ومررت بهما وذاهبان ونظرت إليهما.
وقال ابن عصفور 520: إذا تقدم معطوف ومعطوف عليه وتأخر عنهما ضمير يعود عليهما: فإما أن يكون العطف بالواو أو بالفاء أو بثم أو بحتى أو بغير ذلك من حروف العطف.
فإن كان بالواو كان الضمير على حسب ما تقدم نحو زيد وعمرو قاما، وزيد وعمرو وجعفر خرجوا، ولا يجوز أن يفرد الضمير فيجعل على حسب الآخر إلا حيث سمع ويكون على الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ 521 التقدير والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه -

الجزء: 7 - الصفحة: 3512

................................  فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ومن ذلك قول الشاعر: 3367 - إنّ شرخ الشّباب والشعر الأس... ود ما لم يعاص كان جنونا 522 التقدير إن شرح الشباب ما لم يعاص كان جنونا والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا وحتى في ذلك بمنزلة الواو.
فإن كان العطف بالفاء جاز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم فتقول: زيد فعمرو قاما؛ لكون الأول شريك الثاني في اللفظ.
والمعنى ويجوز أن تقول: زيد فعمرو قام فتفرد، ويحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
وإنما جاز ذلك لأن الفاء لما فيها من الترتيب تقتضي إفراد خبر الأول من خبر الثاني وكلاهما حسن.
وإن كان العطف بثم جاز الوجهان معا والأحسن الإفراد لما في ثم من المهلة الموجبة لفصل خبر الأول من الثاني.
وإن كان العطف بغير ذلك من حروف العطف فانما يكون الضمير على حسب المتأخر خاصة، فتقول: زيد أو عمرو قام.
وكذلك في سائر ما بقي من حروف العطف ولا يجوز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم إلا في أو خاصة قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 523. انتهى 524. وليعلم أن قول المصنف: يطابق أحدهما بعد لا وأو وبل ولكن أولى من قول ابن عصفور: وإن كان العطف بغير ذلك من حروف العطف فإنما يكون الضمير على حسب المتأخر.
بل هو المتعين؛ لأن لا يتعين معها كون المذكور بعد المتعاطفين للمعطوف عليه، وبل ولكن يتعين معهما كونه للمعطوف.
وأما أو فيجوز معها كونه لهذا أو لهذا فيقال: زيد أو أمة الله منطلق وكذا يقال: زيد أو أمة الله منطلقة لا يقال أن المصنف أبهم في قوله أحدهما؛ لأن الأمر مختلف كما عرفت فمع بعض الحروف تكون المطابقة للأول ومع بعض تكون المطابقة للثاني؛ لأن كون الحكم مع لا للمعطوف عليه ومع بل ولكن للمعطوف معلوم.
فالمذكور بعد إنما يكون لمن سبق الحكم له وأما مع أو فمعلوم أيضا أن أحدهما غير متعين فكان كل -

الحديث: 3367 - الجزء: 7 - الصفحة: 3513

[عطف الفعل على الاسم والماضي على المضارع، وعكسه]

قال ابن مالك: (ويعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، والماضي على المضارع، والمضارع على الماضي، إن اتّحد جنس الأوّل والثّاني بالتأويل).
منهما صالحا لتعلق المذكور بعد به.
ثم استثناء ابن عصفور أو بقوله: ولا يجوز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم إلا في أو خاصة غير مرضي.
والآية الشريفة لا دليل له فيها على ما ادعاه؛ لأن الأئمة ذكروا أن فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 525 جملة اعتراضية اعترض بها بين الشرط وجوابه وهذا هو الظاهر.
وإذا كان كذلك لم يكن قوله تعالى: فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما مرتبطا بقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً (2)، فيلزم توحيد الضمير العائد على ما تقدم.
وأما ما ذكره من أن ثم محذوفا في قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ 526 وكذا يقدر محذوف في قول الشاعر: 3368 - إنّ شرخ الشّباب........ البيت فهو المشهور لكن المنقول عن الفارسي أنه إنما ساغ الإفراد في الآية الشريفة لأن إرضاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم إرضاء الله تعالى فهما في حكم واحد وعلى هذا فلا حذف.
وكذا ذكر في قوله: إن شرخ الشباب... قال: لأن كلّا منهما بمعنى الآخر، ألا ترى أنهما لا يفترقان 527. قال ناظر الجيش: قال المصنف 528: يجوز عطف الفعل على الاسم وعطف الاسم على الفعل إذا سهل تأولهما بفعلين أو اسمين.
فمن عطف الفعل على الاسم قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ 529، وقوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً 3 فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً 530 ومن عطف الاسم على الفعل قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ 531. وقول الراجز: -

الحديث: 3368 - الجزء: 7 - الصفحة: 3514

................................  3369 - يا ربّ بيضاء من العواهج... [أمّ] صبيّ قد حبا أو دارج 532 ومثله قول الآخر: 3370 - بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسؤقها وجائر 533 وحسن ذلك سهولة تأول المخالف بموافق كتأول «ويقبضن» بقابضات و «أثرن» بالمثيرات و «مخرج» بيخرج.
ونبهت أيضا على جواز عطف الفعل الماضي على المضارع والمضارع على الماضي إذا كان زمانهما واحد نحو قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً 534 وإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 535. انتهى.
وعلم من قوله: إذا كان زمانهما واحدا [4/ 176] أن قوله: (إن اتّحد جنس الأول والثاني بالتأويل) راجع إلى (المسألتين) 536 أعني التعاطف بين الاسم والفعل والتعاطف بين الماضي والمضارع لأن الفعلين إذا اتحد زمانهما كان جنسهما متحدا.
قال ابن عصفور: ولا يجوز عطف الاسم على الفعل ولا الفعل على الاسم إلا في موضع يكون الفعل فيه في موضع الاسم أو الاسم في موضع الفعل.
فالموضع الذي يكون فيه الاسم في موضع الفعل اسم الفاعل واسم المفعول اذا وقعا في صلة الألف واللام نحو: الضارب والمضروب فلذلك يجوز أن يعطف الفعل على الاسم هنا فتقول: جاءني الضارب وقام تريد الذي ضرب وقام.
وقام قال الله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً 537. فـ (أقرضوا الله) معطوف على (المصّدّقين) كأنه قيل إن الذين تصدقوا وأقرضوا.
والموضع الذي يقع فيه الفعل في موضع الاسم أن يقع خبرا لذي خبر أعني خبرا لمبتدأ أو لكان وأخواتها أو لإن وأخواتها أو لما أو حالا لذي حال أو صفة لموصوف أو في -

الحديث: 3369 - الجزء: 7 - الصفحة: 3515

................................  موضع المفعول الثاني من باب ظننت أو الثالث من باب أعلمت.
فمما جاء من عطف الاسم على الفعل لوقوع الفعل موقع الاسم قول القائل: 3371 - فألفيته يوما يبيد عدوّه... وبحر عطاء يستخفّ المعابرا 538 وقول الآخر: 3372 - بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسؤقها وجائر 539 يريد قاصد في أسؤقها وجائر.
ومما جاء من عطف الفعل على الاسم لكون الفعل في موضع الاسم أيضا قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ 540 التقدير وقابضات.
ولا يجوز عطف فعل على فعل إلا بشرط أن يتفقا في الزمان نحو: إن قام زيد ويخرج عمرو يقم خالد، ومن ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً 541 ومنه قول الشاعر: 3373 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني 542 لأن أمر في المعنى ماض ألا ترى أن المعنى: ولقد مررت فعطفت عليه مضيت 543. انتهى.
والتقييد الذي ذكره في التعاطف بين الاسم والفعل غير ظاهر، لأنه قال: فالموضع الذي يكون فيه الاسم في موضع الفعل اسم الفاعل واسم المفعول... إلى آخره، وهذا يقتضي ألا يجوز عطف الفعل على الاسم في غير هذا، وقد قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ، ولا شك أن «صافّات» لم يكن واقعا موقع الفعل؛ لأنه حال والأصل في الحال الإفراد، وكذا قال في الشق الآخر: والموضع الذي يقع فيه الفعل في موضع الاسم أن يقع خبرا لذي خبر... -

الحديث: 3371 - الجزء: 7 - الصفحة: 3516

الفصل بين العاطف والمعطوف

قال ابن مالك: (وقد يفصل بين العاطف والمعطوف إن لم يكن فعلا بظرف أو جارّ ومجرور، ولا يختصّ بالشّعر، خلافا لأبي عليّ، وإن كان مجرورا أعيد الجارّ أو نصب بفعل مضمر).
إلى آخره... وهذا أيضا يقتضي أن لا يجوز عطف الاسم على الفعل في غير ما ذكره.
وقد قال الله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ 544. ولا شك أن «يخرج» كلام مستأنف وليس خبرا ولا حالا ولا صفة ولا في موضع مفعول ثان لشيء من باب ظننت ولا في موضع ثالث لشيء من باب أعلمت.
وإذا تقرر هذا علم أن عبارة المصنف في ذلك أسد مع ما اشتملت عليه من الاختصار لأنه إنما اشترط اتحاد جنس الأول والثاني بالتأويل وعلى هذا فـ «يقبضن» هو المؤول وكذا «أثرن» وكذا «مخرج» كما تقدم من كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وليعلم أن الجملة إذا كانت في تأويل مفرد جاز عطفها عليه؛ قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 545. وقد ذكر الشيخ عن بعضهم أنه خالف في عطف الفعل على الاسم 546، ومثل هذا الخلاف لا يعبأ به؛ كيف وقد ثبت العطف في الكتاب العزيز.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 547: جعل أبو علي الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف والجار والمجرور مخصوصا بالشعر واستدل بقول الأعشى: 3374 - يوما تراها كشبه أردية العص... ب ويوما أديمها نغلا 548 وهو جائز في أفصح الكلام المنثور إن لم يكن المعطوف فعلا ولا اسما مجرورا وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ 549، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ -

الحديث: 3374 - الجزء: 7 - الصفحة: 3517

................................  إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ 550 وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا 551 وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ 552. فلو كان المعطوف فعلا لم يجز الفصل المذكور بوجه.
فلو كان اسما مجرورا أعيد معه الجار نحو: مر الآن بزيد وغدا بعمرو، وإن لم يعد وجب النصب بفعل مضمر، كقوله تعالى: فبشرنها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب 553 «في قراءة حمزة وابن عامر وحفص، أي: ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب» 554. ويجوز جر يعقوب بباء محذوفة وهو أسهل من الجر بمضاف محذوف بعد فصل كقراءة من قرأ: (والله يريد الآخرة) أي عرض الآخرة 555. انتهى.
ويتعلق بما ذكره تنبيهات: الأول: أن الآيتين الشريفتين وهما قوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً 556. وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ليس فيهما فصل بل عطف في كل منهما معمولان على عاملين.
وقد قال الشيخ: لا حجة في الآيتين الشريفتين، لأن هذا من عطف المجرور على المجرور والمفعول على المفعول.
فـ فِي الْآخِرَةِ معطوف على فِي الدُّنْيا وحَسَنَةً على حَسَنَةً وكذلك وَمِنْ خَلْفِهِمْ عطف على مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [4/ 177] وسَدًّا على سَدًّا، وليس من باب الفصل في شيء 557. والذي قاله حق، والعجب كيف خفي هذا على المصنف.
وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.. 558 الآية الشريفة فالفصل فيها ظاهر.
وكذا في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ... الآية -

الجزء: 7 - الصفحة: 3518

................................  الشريفة الأخرى.
وقد ذكر الشيخ أن الآية الأولى تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ثم ظرف محذوف لدلالة المعنى عليه.
والتقدير أن الله يأمركم إذا أؤ تمنتم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وتكون الواو عاطفة ظرفا على ظرف ومفعولا على مفعول.
والثاني: أن بعد الواو فعلا محذوفا لدلالة السابق عليه تقديره ويأمركم إذا حكمتم أن تحكموا بالعدل فيصير ذلك من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وأن الآية الثانية يضمر فيها فعل بعد الواو وتقديره: وخلق من الأرض مثلهن، فيصير من عطف الجمل حينئذ 559. انتهى.
ولا شك أن تقدير محذوف خلاف الأصل والقول بالفصل أقرب وأولى.
ثم إن البيت الذي استدل به أبو علي وهو: 3375 - يوما تراها كشبه أردية العص... ب ويوما أديمها نغلا 560 قد ذكر الناس ألّا فصل فيه أيضا.
وإنما الظرف معطوف على الظرف والمفعول على المفعول والحال على الحال.
وهذا هو الحق.
ولابن أبي الربيع كلام في هذا البيت تكلف فيه تقدير ما قاله أبو علي، ولكنه ليس بظاهر.
الثاني: أنك قد عرفت أن المصنف لم يفرق في مسألة الفصل بين حرف وحرف، بل أطلق القول.
ونقل الشيخ عن المغاربة أنهم يفصلون في ذلك بين أن يكون حرف العطف على حرف واحد أو أكثر.
إن كان على الأكثر جاز الفصل بينه وبين المعطوف بالقسم والظرف والجار والمجرور 561. قال: وقد أهمل المصنف ذكر القسم نحو: قام زيد ثم والله عمرو، وقام زيد بل والله عمرو، وما ضربت زيدا لكن في الدار عمرو.
وإن كان على حرف واحد كالواو والفاء فلا يجوز الفصل إلا في ضرورة الشعر، فلا يجوز في الكلام أن تقول: قام زيد فو الله عمرو ولا قام زيد وو الله عمرو، ولا ضربت زيدا ففي البيت عمرا، ولا خرج زيد والساعة عمرا» 562. انتهى.
وما ذهب إليه المغاربة غير ظاهر.
وكفى بما استشهد به المصنف من الكتاب -

الحديث: 3375 - الجزء: 7 - الصفحة: 3519

................................  العزيز دافعا لما ذكروه.
وقد استثنى المصنف المعطوف إذا كان فعلا بقوله: إن لم يكن فعلا وقد تقدم قوله في الشرح: فلو كان المعطوف فعلا لم يجز الفصل المذكور بوجه.
ومثال ذلك: قام زيد وفي الدار قعد، وزيد يقوم وو الله يقعد.
لكن قال الشيخ: وإطلاق أصحابنا - يعني المغاربة - يقتضي جواز ذلك إذا كان حرف العطف على أكثر من حرف واحد نحو: قام زيد ثم في الدار قعد، وقام زيد ثم والله قعد، وقام زيد بل والله قعد 563. انتهى.
ولا يظهر لامتناع الفصل اذا كان المعطوف فعلا وجه.
والظاهر أنه لا فرق بين الفعل والاسم في ذلك.
الثالث: إنما وجب مع الفصل النصب في المعطوف على المجرور أو إعادة الجار لأن الخافض ضعيف غير متصرف فلم يقو أن يعطف على معموله مع الفصل بين المتعاطفين على أن المنقول عن الفراء أنه خرج قراءة حمزة وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ 564 على أنه مجرور بالعطف على المجرور قبله 565. وهذا يدل على أنه يجيز العطف على المجرور مع الفصل دون إعادة الجار.
وبعد: فقد عرفت ما ذكره من أن يعقوب: في الآية الشريفة منصوب لا مجرور، والنصب فيه بفعل مقدر، التقدير: ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب، ونظير هذا ما ذكره سيبويه في قراءة من قرأ «وحورا عينا» فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه معنى الكلام، التقدير: ويعطون حورا عينا، ومن رفع وَحُورٌ عِينٌ 566 فإنه معطوف على المعنى أيضا لأن ما قبله معناه عندهم ذلك وعندهم حور عين، ومن جر وَحُورٌ عِينٌ فجرّه يحتمل الحمل على المعنى أي وينعمون بذلك وبحور عين 567، ويحتمل أن يكون الولدان يطوفون على المؤمنين بالحور العين، فيكون ذلك عطفا على لفظ بأكواب وأباريق وكأس.
وقد أجاز المصنف أن يكون يعقوب مجرورا بباء محذوفة كما عرفت.
-

الجزء: 7 - الصفحة: 3520

................................  ولنختم الكلام على الباب بمسألتين: الأولى: أن الشيخ قال في الارتشاف: من أحكام حروف العطف أن ما كان معمولا لعامل بعدها لا يجوز أن يتقدم ذلك المعمول على حرف العطف فلو قلت: زيد قائم وضارب عمرا ما جاز أن تقول عمرا وضارب 568. وأقول: إن امتناع تقديم المعمول في ما ذكره ظاهر، لأن المعمول إنما يتقدم حيث يجوز تقديم العامل غالبا، وإذا كان كذلك فذكر هذه المسألة مستغنى عنه.
الثانية: أن ابن عصفور قال: وإذا نفيت في هذا الباب فمذهب المازني أن الكلام يكون بعد دخول حرف النفي عليه على حسب ما كان قبل دخوله فتقول في نفي قام زيد فعمرو: ما قام زيد فعمرو، وفي نفي مررت بزيد وعمرو: ما مررت بزيد وعمرو، وفي نفي قام زيد ثم عمرو: ما قام زيد ثم عمرو.
وسيبويه يوافقه في ذلك كله إلا في الواو 569 فإذا قلت: مررت بزيد وعمرو فإنه يفصّل فيقول: لا يخلو أن يكون الكلام على فعلين، أعني أن يكون مررت بزيد على حدته ومررت بعمرو على حدته، أو يكون على فعل واحد، أعني أن يكون مررت بزيد وعمرو مرورا واحدا فتقول في النفي: إذا عنيت مرورين ما مررت بزيد وما مرت بعمرو فتكرر الفعل.
وتقول في النفي اذا عنيت مرورا واحدا: ما مررت بزيد وعمرو.
وإنما لم يكن في الأول بدّ من تكرير الفعل؛ لخوف اللبس لأنك لو قلت: [4/ 178] ما مرت بزيد وعمرو لاحتمل أن تريد أنك لم تمر بهما ولا بواحد منهما، وأن تريد أنك لم تمر بهما معا، بل مررت بأحدهما، فلما كان النفي من غير إعادة العامل ملبسا لذلك لم يكن بد من إعادته.
وحجة المازني أن حرف النفي لا يغير ما بعده عما كان عليه قبل دخوله نحو: ما قام زيد ألا ترى أنه كان قبل دخول ما قام زيد 570. والصحيح ما ذهب إليه -

الجزء: 7 - الصفحة: 3521

................................  سيبويه؛ لأنه قد وجد النفي مغيرا لما دخل عليه عن حاله قبل ذلك.
ألا ترى أنك تقول في نفي سيفعل: لن يفعل، وفي نفي قد فعل: لما يفعل، وفي نفي فعل: لم يفعل، ولا تقول لن سيفعل، ولا لما قد فعل، ولا لم فعل.
فإذا كانوا يغيرون ما بعد حرف النفي عما كان عليه مع أنه لم تدع إليه ضرورة، فالأحرى أن يجوز ذلك إذا دعت إليه ضرورة (وهي) 571 خوف اللبس 572. انتهى.
وأقول: إنني لم يتجه (لي) 573 الأمر في هذه المسألة؛ لأن القائل يقول اللبس الذي قيل إنه يحصل في النفي حاصل في الإثبات أيضا.
فلأي شيء لم يوجب التكرير في قولنا: مررت بزيد وعمرو إذا كان المرور بكل منهما على حدته، وإذا كان لا فرق بين الإثبات والنفي في ذلك فلأي شيء يتعرض إلى ذكر النفي دون الإثبات.
ثم قول ابن عصفور أنه قد وجد النفي مغيرا لما دخل عليه عن حاله قبل ذلك قد ينازع فيه.
وما ذكره من الاستدلال فيه بحث؛ لأن الذي ظهر أن مراد النحاة بقولهم: لن لنفي سيفعل أن المنفي بلن مستقبل كما أن المقرون بالسين مستقبل، وكذا مرادهم بقولهم إن لما لنفي قد فعل وأن لم لنفي فعل أن لما لنفي الماضي القريب زمنه من زمن الحال وإن لم لنفي الماضي البعيد زمنه من زمن الحال.
وبتقدير أن يكون مرادهم أن ثلاثة ألأحرف لنفي هذه الصيغ أنفسها، فلا يتم الاستدلال؛ لأن التغيير عند دخول حرف من هذه الأحرف واجب، وذلك أن لن للاستقبال والسين للاستقبال فلا يتأتى اجتماعهما.
وأما لما ولم فإنهما لا يباشران إلا لفظ المضارع فكان العدول عن لفظ الماضي إليه متعينا وليس معينا في قام زيد وعمرو إذا قلنا: ما قام زيد وعمرو ما يوجب التغيير.
والذي يظهر في هذه المسألة أنه لا فرق بين الإثبات والنفي.
فمن قصد الإخبار بمرورين مثبتا لهما أو نافيا لهما لا بد له أن يكرر الفعل، ومن لم يقصد ذلك استغنى عن التكرير.

الجزء: 7 - الصفحة: 3522

................................  وبعد..... فالذي ذكره ابن عصفور يحتاج إلى تحقيق.
وقد تعرض في المقرب إلى ذكر هذه المسألة أيضا 574. فقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - متكلما عليها بما نصه: اعلم أن الفاء تعطي الترتيب والتعقيب كما مر فنفيه حينئذ يكون بأحد أمور خمسة.
وهو إما أن يكون لم يقم واحدا منهما، أو لم يقم زيد فقط، أو لم يقم عمرو فقط، أو قاما لكن عمرو قام قبل زيد، أو قاما وعمرو بعد زيد كما في اللفظ لكن تخلل بين قياميهما زمان كان ممكن فيه قيام عمرو ولم يقم فينتفي هاهنا التعقيب الذي تقتضيه الفاء.
أما إذا قلت: قام زيد وعمرو، ثم نفيت، فقلت: ما قام زيد وعمرو، فإن نفيه هنا يكون بأحد أمور ثلاثة.
إما بأن لم يقم واحد منهما، أو بأن قام زيد دون عمرو، أو بأن قام عمرو دون زيد؛ لأن الواو للجمع فقط، وانتفاء الجمع يكون بأحد الأمور الثلاثة كما ذكرنا.
وفي كل حرف يكون النفي داخلا على ما أعطاه ذلك الحرف من المعنى على حسب ما ينتفي به ذلك المعنى.
انتهى.
فلم يتعرض إلى الذي ذكره صاحب الكتاب من أنك في النفي تكرر العامل إن كان مروان، ولا تكرر إن كان مرور واحد 575. والمسألة تفتقر إلى نظر.
والله تعالى أعلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 3523

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل