الباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]
[تعريف الصرف وشرح التعريف]
قال ابن مالك: (باب منع الصّرف).
قال ناظر الجيش: الصرف: هو التنوين اللاحق اسما معربا للدلالة على بقاء أصالته 1.
فقيد «المعرب» مخرج تنويني التنكير والعوض من الإضافة فإنهما لا يلحقان معربا.
وقيد «دلالة الأصالة» مخرج تنويني المقابلة والعوض من غير إضافة، وتنوين الترنم اللاحق معربا.
واختلف في اشتقاقه 2، فقيل: من صرف الشيء عن الشيء لأنه صرف الخفيف عن حكم الثقيل، ويظهر أنه اختيار المصنف فإنه قال 3 «وسمي منصرفا لانقياده إلى ما يصرفه من عدم تنوين إلى تنوين، ومن وجه من وجوه الإعراب إلى غيره».
وقيل: من صرف القعو 4، أي صوته، وقيل: من صريف الباب، وهو صوت رفع أنياب البعير المسن بعضها على بعض 5، وقيل: من الصّرف وهو الخالص، فكأن الاسم خلص وامتاز عن غيره 6، وذهب بعضهم إلى أن الصرف: -
الجزء: 8 - الصفحة: 3961
................................
التنوين مع الجر 7، قال: لأنه زيادة تصريف، وردّ بأنه لو كان كذلك لكان تصريفا لا صرفا.
ولما كان المقصود في هذا الباب إنما هو ذكر الأسباب المانعة من الصرف - لأن الصرف الأصل - فلا يحتاج إلى التنبيه عليه ترجمة بذلك.
وههنا أمور ينبغي الإشارة إليها قبل الشروع في الكلام على ألفاظ الكتاب:
منها: أن الاسم المتمكن نوعان: نوع لم يشبه الفعل وهو ما ليس فيه علتان أو واحدة تقوم مقامها من العلل التسع الآتي ذكرها، وهو المنصرف ويسمى أمكن، وهو «أفعل» من قولهم: مكن مكانة كأنه أرسخ قدما من غيره أي أثبت في مكانه من الاسمية 8.
ونوع أشبه الفعل، وهو ما فيه علتان من التسع أو واحدة تقوم مقامهما وهو غير المنصرف 9.
فالاسم المنصرف هو: المعرب السالم من العلل الجاعلية كالفعل في الفرعية والثقل، وغير المنصرف بخلافه، ومنهم من يقول: المنصرف ما دخله التنوين واستوفى حركات الإعراب لعدم شبه الفعل، وغير المنصرف هو الذي اختزل منه التنوين، وجرّ بالفتحة بدل الكسرة لشبه الفعل، قال بعض العلماء: والقسمة بالعبارة الأولى تقتضي الحصر، بخلاف العبارة الثانية؛ فإنها لا تقتضي حصر المتمكن في القسمين أي المنصرف وغير المنصرف [5/ 53] لأن من الأسماء المتمكنة ما لا يدخل تحت واحد منهما كجمع المذكر السالم على رأي من يعربه بالحروف فإنه لا تدخله الحركات الثلاث والتنوين، فلا يكون منصرفا ولم يكن فيه تنوين، وجر بكسرة فيختزل فلا يكون غير منصرف، قال: فعلى مقتضى العبارة الثانية تقول: من الاسم ما هو منصرف وما هو غير منصرف 10، وقد قال الجزولي 11: «الأسماء ثلاثة أضرب: منصرف، وغير منصرف، وما لا يقال فيه منصرف ولا غير منصرف، وهو أربعة: المضاف، وما عرّف باللام، والتثنية، والجمع، لا يقال فيها منصرفة إذ ليس -
الجزء: 8 - الصفحة: 3962
................................
فيها تنوين ولا غير منصرفة إذ ليس فيها علة تمنع الصرف» انتهى.
ولك أن تلتزم اقتضاء العبارة الثانية الحصر أيضا فتقول: الإضافة واللام والتثنية والجمع أمور طارئة على الاسم مانعة من تنوينه لفظا، وإنما يعتبر حال الاسم قبل ما يطرأ عليه، وإذا فرض تعرّيه عن هذه الأمور قبل التنوين إن لم يمنع منه مانع، وإذا كان كذلك فينبغي أن ينظر في الأسماء المذكورة إلى حالها عريّة عما طرأ عليها، إن كان شيء منها منونا حكم بصرفه وإلا حكم بعدم انصرافه، وعلى هذا: رجلان مثنى رجل منصرف، ورجلان اسم امرأة غير منصرف نظرا إلى حاله مزالا عنه لفظ التثنية 12، وكذا مسلمات الجمع منصرف بخلاف مسلمات العلم، وكذا الأحمر يحكم عليه بأنه غير منصرف لأنه بتقدير عدم اللام لا ينون، وأما قول أبي علي 13: لا أقول منصرف لوجود العلتين.
ولا غير منصرف لأن التنوين لم يذهب بهما فغير مرضي عنه، بل يقطع بعدم صرفه، وإن كانت الألف واللام لم يذهبا التنوين لأنهما دخلا على اسم مزال تنوينه فهو قبل دخولهما غير منصرف، ولم يؤثر دخولهما في صرفه شيئا.
ومنها: أن الاسم إنما يمتنع صرفه إذا خرج عن أصله وصار فرعا على غيره من الأسماء، وإنما تعلم جهات الفرعية إذا حصل التنبيه على الأصالة، فأصل الاسم:
أن يكون مفردا مذكرا نكرة عربي الوضع، غير وصف ولا مزيد فيه ولا معدول، ولا خارجا عن أوزان الآحاد في العربية، ولا موافقا الفعل في الزنة الخاصة به ولا الغالبة عليه، فالتركيب والتأنيث والتعريف والعجمة والوصف والزيادة والعدل وصيغة الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ووزن الفعل فروع وهي تسع ويجمعها البيتان المشهوران [وهما]:
عدل ووصف وتأنيث ومعرفة... وعجمة ثمّ جمع ثمّ تركيب
والنّون زائدة من قبلها ألف... ووزن فعل وهذا القول تقريب 14
وإنما يمتنع عند اجتماع سببين منها، أو لسبب يقوم مقامهما ليصير فرعا على غيره من الأسماء من جهتين فيشبه بذلك الفعل؛ لأن الفعل فرع على الاسم من جهتين: -
الجزء: 8 - الصفحة: 3963
................................
إحداهما: أن الاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل يخبر به لا عنه، وما أخبر به وعنه كان أصلا، لأنه يستقل كلاما، فلو لم تكن أفعالا لاستقلت الأسماء بالدلالة فهو مستغن والفعل غير مستغن فهو فرع.
الثانية: أن الفعل مشتق من الاسم، والمشتق فرع المشتق منه، وإنما بنيت هذه الجهة على رأي البصريين 15، وههنا إيراد وهو أن يقال: شبه الاسم الحرف مخرج له عن أصله وهو الإعراب إلى البناء ولم تعتبر فيه إلا جهة واحدة، وشبهة الفعل لا يخرجه عن أصله واعتبر فيه جهتان!!
ويجاب عنه بأن الاسم بعيد من الحرف فشبهه به يكاد يخرجه عن حقيقته فلا جرم اكتفى به بوجه واحد، والأولى أن يقال في الجواب: شبه الاسم الحرف إنما هو في شيء هو للحرف، يعني أن المعنى الذي في الحرف هو بعينه موجود في ذلك الاسم فجهة الشبه قوية، فاكتفى فيها بوجه واحد، وأما شبه الاسم الفعل فإنما هو في مطلق الفرعية وليست الفرعية في الفعل هي بعينها الموجودة في الاسم فجهة الشبه بينهما ضعيفة فلا يقتصر فيها على جهة واحدة.
منها: أنه ليس كل شبه بين شيئين يوجب حكما لأحدهما هو في الأصل للآخر بل الشبه إذا قوي أوجب الحكم وإذا ضعف لم يوجبه، وكلما كان الشبه أحصر فهو أقوى وإذا كان أعم فهو أضعف، فالشبه الذي من الاسم والفعل من جهة الدلالة على معنى لا يوجب حكما؛ لأنه عام في كل اسم وفعل، وليس كذلك الشبه من جهة أنه ثان باجتماع سببين؛ لأن هذا يخص نوعا من الأسماء فهو خاص مقرب للاسم من الفعل.
ومنها أن يقال: لم اختصت هذه العلل بأنها توجب الفرعية دون غيرها مما هو موجود في الأسماء ليس بأصل كالعمل مثلا، فإن كون الاسم عاملا فرع على العمل، فكان ينبغي على هذا إذا انضم إلى الاسم العامل سبب آخر أن يمتنع من الصرف.
والجواب عنه أن يقال: لم تعتبر إلا معان يصير الاسم بها فرعا عن غيره لا معان اشترك فيها الأصل والفرع، ألا ترى أن العجمة إنما اعتبرت لأن الاسم إذا قامت به العجمة صار أعجميّا فيكون فرعا على العربية، فالذي اعتبر إنما هي معاني فروع -
الجزء: 8 - الصفحة: 3964
................................
تقوم بالاسم فيصير فرعا على أمر ذلك المعنى غير موجود فيه، وما ذكر إنما هو معنى اشترك فيه الاسم والفعل جميعا فلا يتحقق فيه كون الاسم فرعا عما ليس ذلك فيه بل فرع عما ثبت ذلك فيه فاقترن البابان، ونقض هذا الجواب بوجهين:
الأول: أن بعض العلل المذكورة قد وجد مشتركا فيه كالوصف والتأنيث ووزن الفعل، وأجيب عنه بأن الوصف بالاسم على [غير] جهة الوصف بالفعل، لأن الوصف بالاسم للتقييد، والوصف بالفعل للإخبار فافترقا، وبأن التأنيث اشترطوا فيه اللزوم [5/ 54] ليخالف التأنيث في الفعل، وأما وزن الفعل فقيل: إذا جاء الاسم على وزنه يكون فرعا لأنه جاء على غير أوزان الأسماء أو على وزن يكثر في غير الأسماء، فجعل وزن الفعل ضابطا لذلك.
الثاني: أن ثمّ فروعا غير مشترك فيها ولم تعتبر كالتوكيد وعطف البيان ومطلق الجمع، وأجيب عنه بأن الأولين مشترك فيهما لأن التوكيد اللفظي يدخل الفعل، وعطف البيان يشارك عطف النسق في مسمى العطف، وأيضا فلأن معناه ليس لمعنى يخص الاسم بل لإقامته مقام الصفة وليس بصفة، فكأنه ليس بأصل فلم يعتد به، وأما مطلق الجمع فإن جمع التكسير صيغة مستأنفة فهو كالآحاد ولذا أعرب بالحركات، وباب «مساجد» لما فارق الواحد في الوزن تبين أنه فرع عليه، ولأنه لما لم يكسر مرة ثانية تأكدت فيه الفرعية فأشرت.
ومنها: أن طائفة من النحاة منهم السيرافي 16 زادوا على العلل التسع علة عاشرة وهي: ألف الإلحاق المقصورة، وشبهوها في المنع بألف التأنيث وهي بالحقيقة من فروع ألف التأنيث، لكن المصنف عدها مانعة برأسها 17 فنحن نراعي ما ذكره.
ثم التأنيث قسمان: بالألف وبغيرها، صارت العلل إحدى عشرة علة، منها ما يمنع مفردا وهو شيئان: ألف التأنيث والجمع، وأما التسع الباقية فمنها المعرفة والمراد بها العلمية، وهي والوصفية لا يجتمعان، والسبع الباقية منها ما شرطه العلمية أي لا يمنع إلا معها وهو أربع: العجمة، والتركيب، والتأنيث بغير الألف، وألف الالحاق، -
الجزء: 8 - الصفحة: 3965
[ما يمتنع صرفه لعلة واحدة]
قال ابن مالك: (يمنع صرف الاسم ألف التّأنيث مطلقا أو موازنة «مفاعل» أو «مفاعيل» في الهيئة لا بعروض الكسرة، أو ياءي النّسب، أو الألف المعوّضة من إحداهما تحقيقا أو تقديرا).
ومنها ما ليس شرطه العلمية، أي يمنع معها تارة ومع الوصفية تارة، وهو ثلاث:
العدل ووزن الفعل والنون الزائدة بعد الألف، فالوصفية تمنع مع ثلاث، وهي الثلاث المذكورة، والعلمية تمنع مع سبع، وهي هذه الثلاث المذكورة أيضا والأربع قبلها، وإنما كان المعتبر في التعريف العلمية دون غيرها لأن ما يعرف بغيرها إما مبني كالمضمر واسم الإشارة، وإما باللام أو بالإضافة، ومعلوم أن لا مدخل لهما في هذا الباب بالنسبة إلى منع الصرف.
وإذا تقرر أن التأنيث [الألف] والجمع الذي لا نظير له يمنعان مفردين، وأن الوصفية تمنع مع ثلاثة وهي: العدل في نحو: ثناء ومثنى، وأخر، والنون والألف الزائدتان في نحو.
سكران وظمآن، ووزن الفعل في نحو: أحمر، وأن العلمية تمنع مع سبعة وهي هذه الثلاثة كما في: عمرو وعثمان وأحمد، والتأنيث بغير الألف، والعجمة والتركيب، وألف الإلحاق المقصورة، علم أن أقسام الاسم الذي لا ينصرف اثنا عشر قسما، منها خمسة لا تنصرف مطلقا أي نكرة كانت أو معرفة، وسبعة لا تنصرف معرفة وتنصرف نكرة.
ثم إن المصنف في شرح الكافية جعل الكلام موجها إلى ذكر الأقسام فذكر [خمسة] الأقسام أولا قسما قسما 18، وثنى بذكر سبعة الأقسام الأخر كذلك 19، وأما في هذا الكتاب فإنه [جعل] كلامه موجها إلى ذكر العلل المانعة علة علّة، ولا شك أنه ينشأ عن ذلك معرفة الأقسام أيضا، فنحن نراعي مع ذكر العلل ذكر الأقسام.
قال ناظر الجيش: لما كان الصرف [عنده] عبارة عن التنوين قال: يمنع صرف الاسم، أي تنوينه ولم [يتعرض لامتناع] الجر بالكسرة لأن امتناع الجر إنما هو تبعي لا أصلي، وذلك أنه امتنع لامتناع التنوين، هذا هو الصحيح، على أن هذا ليس -
الجزء: 8 - الصفحة: 3966
................................
موضع ذكره إنما موضعه باب الإعراب وقد ذكر ثمّ.
وبدأ المصنف بذكر العلتين المانع كل منهما مفردا، وهما: ألف التأنيث والجمع المتناهى، وينشأ عن معرفتهما معرفة قسمين من الأقسام الخمسة [التي] لا تنصرف في تعريف ولا تنكير 20.
أما العلة الأولى: فالألف، وأراد بقوله «مطلقا» شيئين:
أحدهما: يرجع إلى الألف وهو أنها تمنع مقصورة وممدودة 21.
والثاني: يرجع إلى ما الألف فيه فتمنعه الصرف اسما كان أو صفة مفردا أو جمعا، معرفة أو نكرة كـ «حبارى» و «صحراء» و «حبلى» و «حمراء» و «حبالى» و «أصدقاء»، و «سلمى» و «حواء» والمقصورة أصل الممدودة 22، والهمزة فيها بدل من ألف، هذا رأي البصريين، ولذلك قيل 23 في صحراء: صحار كما قيل في حبلى: حبال، ولو كانت الهمزة غير مبدلة لسلمت من الانقلاب لأن الهمزة الواقعة بعد كسرة حكمها السلامة، وإنما منعت الألف مفردة لقيامها مقام شيئين، وإنما كانت كذلك دون التاء لأن لحاقها شبيه بلحاق الحروف الأصلية مزجا ولزوما، بخلاف التاء فإنها طارئة زائلة مقدرة الانفصال، ولذلك لا يعتد بها في نسب ولا تكسير ولا تصغير، كما اعتد بألف التأنيث ولا عبرة بلزومها في بعض الكلمات كـ «همزة» و «حذرية» 24 و «عرقوة» لنذرة ذلك 25، ولهذا 26 عوملت الألف خامسة في التصغير معاملة خامس أصلي فقيل في قرقري: قريقر كما قيل في سفرجل، سفيرج، وعوملت التاء معاملة عجز المركب فلم ينلها تغيير التصغير كما لا يناله، فقيل في دجاجة: دجيجة 27، كما قيل في بعلبك: بعيلبك، فحكم لها بما حكم للمنفصل.
ومن فروع هذه المسألة: أنه إذا سميت بـ «كلتا» من: قامت كلتا أختيك، -
الجزء: 8 - الصفحة: 3967
................................ امتنع الصرف لأن ألفه للتأنيث بمنزلتها في «شروى» 28، فإن سميت بها من: رأيت كلتي أختيك في لغة من قال ذلك 29، أو من: رأيت كلتيهما صرف لأن الألف إذا ذاك تكون منقلبة فلا تكون للتأنيث، لأن ألف التأنيث لا تكون منقلبة، وكذا لو سميت بـ «حبلى» المرخم [5/ 55] من: حبلوى انصرف لذلك 30. وأما العلة الثانية: فالجمع، وهو الذي لا نظير له في الآحاد، واختلفوا في المراد بهذه العبارة فقيل: المراد ألا يكون على وجه واحد وهو ما وازن «مفاعل» أو «مفاعيل» بغير تاء لأنه إن كان بالتاء كـ «فرازنة» 31 كان له نظير كـ «رفاهية» ونقض بأفعال وأفعل وأفعلة فإنها مصروفة مع أنها لا نظير لها في الآحاد، وقيل: المراد أن لا يكسّر ثانيا، ومن ثمّ عبّر عنه بالجمع المتناهي أي تناهى في الجمعية فلا يجمع مرة أخرى وعلى هذا يندفع النقض المذكور لأن الصيغ المذكورة تجمع كـ «أناعيم» في «أنعام» و «أكالب» في «أكلب» و «أحامر» في «أحمرة» فتكون مصروفة 32. ونقض ذلك أيضا يمثل: ملائكة وصياقلة 33، فإنهما مصروفان 34 مع أنهما لا يكسران فتعين أن يكون المراد بقولهم: الجمع الذي لا نظير له في الآحاد: مجموع الأمرين، وهو أنه ليس له نظير في المفردات، ولا يكسّر ثانيا، وإنما عدل عن قولنا، ولا يجمع ثانيا إلى قولنا: ولا يكسّر ثانيا، لأن ما هو على زنة «مفاعل» أو «مفاعيل» وإن لم يجز تكسيره قد يجمع بالواو و [النون أو با] الألف والتاء كقولهم في نواكس: نواكسون وفي أيامن: أيامنون، وفي حدايد: حدايدات، وفي صواحب: صواحبات 35، ولكون هذه الصيغة قد تجمع جمع تصحيح أجرى بعضهم عليها حكم الآحاد فادعى أنه يصرف، وحمل عليه ما ورد في القرآن العزيز -
الجزء: 8 - الصفحة: 3968
................................
منه مصروفا نحو: سَلاسِلَ وَأَغْلالًا 36، وقَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا 37، ولا معول على قول هذا القائل، والأقرب ما قاله ابن الحاجب 38 من أن علة الجمع لما لم تبلغ مبلغ غيرها جاء صرفه كثيرا في الشعر، وفي الكلام للفواصل وللتناسب حتى توهّم أن منع الصرف بها غير متحتم.
والمعتبر هنا وزن اللفظ أي المماثل لـ «مفاعل» و «مفاعيل» في الحركة والسكون وعدد الحروف لا وزن التصريف أي لا تعتبر الأصالة والزيادة فلا فرق بين «مفاعل» «وفعالل» و «فواعل» و «أفاعل» و «مفاعيل» و «فعاليل» و «فواعيل» و «أفاعيل» وإنما أقامت هذه اللغة أعني الجمع المذكور مقام علتين من جهة أن الكلمة جمع، وانضم إلى ذلك كونه جمعا لا نظير له في الآحاد وأنه على صيغة منتهى الجموع، فكأنه جمع مرتين، وقد علل بأمور ترجع عند التأمل إلى ما ذكر، قال ابن الحاجب 39: «ولكون علة الجمع لم تبلغ مبلغ غيرها جاء صرفه كثيرا في الشعر وفي الكلام للفواصل مثل: قَوارِيرَا الأول، وللتناسب مثل: سَلاسِلَ وَأَغْلالًا ومثل قَوارِيرَا الثاني، حتى توهم بعضهم أن منع الصرف بها غير متحتم... انتهى.
إذا تقرر هذا فاعلم أن المشهور تقييد هذا القسم بالجمع كما تقدم، وعلى هذا لا يحتاج إلى الاحتراز عن نحو: ترام ويمان وما أشبههما، وكذا «سراويل» على قول من صرفه إذ ليس شيء منها بجمع، ولكن يرد عليه ما خرج من ذلك عن الجمعية وصار علما كـ «حضاجر» 40 و «شراحيل» 41 فإنه ممنوع الصرف، وما منع أيضا مما ليس جمعا وهو «سراويل» على قول من منعه ولم يجعله جمعا، ولما كان التقييد بالجمع يرد عليه ما ذكر عدل المصنف إلى الضابط الذي ذكره فأشار بقوله أو موازنة مفاعل أو مفاعيل في الهيئة إلى أمرين: -
الجزء: 8 - الصفحة: 3969
................................
أحدهما: أن المعتبر وزن اللفظ لا وزن التصريف كما تقدم.
والثاني: أنه لا بد من هذه الحركات الخاصة، والمراد بذلك كل اسم أوله مفتوح، وثالثه ألف بعدها حرفان أولهما مكسور لفظا أو تقديرا، أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن، فدخل بذكر التقدير نحو: دواب، لأن أصله: دوابب 42، وخرج: عبالّ وحمارّ، جمعا عبالّة وهي الثقل 43، وحمارّة القيظ 44، على حد تمر وتمرة، فالحركة فيهما ليست مقدرة بعد الألف مهما منصرفان، نعم إن كان عبالّ تكسيرا لم ينصرف، وتكون الحركة مقدرة 45، وقال الزجاج 46: تصرفه أيضا لأنها ليس لها أصل في الحركة، ورد عليه بأنه إذا كان جمع تكسير لزم تقدير الحركة فيه جريا على أمثاله.
وخرج بقولنا «أوسطها ساكن» 47 نحو: صياقلة، لتحركه، فإذا وجدت هذه القيود امتنع الصرف سواء أكانت الجمعية موجودة أم مفقودة كـ «حضاجر»، و «مساجد» علما، ولما لم يقيد المصنف ذلك بالجمع دخل في ضابطه المذكور بعض الأسماء المفردة، فلذلك أخرجه بالقيود التي ذكرها، فأخرج بقوله «لا بعروض الكسرة» نحو: تعاد وترام وتوان، لأن الكسرة فيه ليست أصلية بل عارضة لأجل الياء وأصله: تفاعل كـ «تضارب» 48.
وأخرج بقوله «أو ياءي النّسب» نحو: رباحى 49 وكلاعى 50 وظفارى 51، وما في آخره ياء مشددة من هذه الصيغة لغير نسب إن وجدت بعد وجود الألف -
الجزء: 8 - الصفحة: 3970
................................
فحكمها حكم ياء النسب لشبهها بها في كونها لم توجد قبل الألف وذلك نحو:
حواري وهو الناصر 52 وحواليّ وهو المحتال 53، أما إذا تقدم وجود الياء على وجود الألف وجب المنع كـ «قماري» جمع قمري 54، و «كراسي» «جمع كرسيّ»، و «أواقيّ» و «أمانيّ» جمع أوقيّة وأمنية، وذلك لأنها لم تشبه ياء النسب 55.
والتحقيق في هذا أنه حيث وجدت الجمعية امتنع الصرف وإلا فلا.
وإذا سميت بـ «كراسي» ثم نسب إليه صرف لأن الياء التي كانت لغير النسب حذفت وجيء بياء النسب فزال المنع 56.
وأخرج بقوله «أو الألف المعوضة من إحداهما تحقيقا نحو: يمان وشآم، فإن الألف عوض من إحدى الياءين 57.
وبقوله: «تقديرا» نحو: ثمان، قالوا: أصله ثمنيّ - بضم الثاء وسكون الميم - منسوب إلى الثّمن، ففتحوا أوله على المألوف من تغيير النسب ثم خففوه بحذف إحدى الياءين وتعويض الألف 58، ومثله «شناح» للطويل 59 و «رباع» 60، وإنما جعل الألف معوضة تقديرا؛ لأن هذه الكلمات [5/ 56] استعملت مصروفة حالة النصب، فقالوا: رأيت ثمانيا، ورجلا شناحيا 61، وقد استعمل بعضهم «ثمانيا» غير مصروفة 62 وسيأتي.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 3971
................................
والذي اعتبره المصنف فيه تطويل، ويلزم من عدم اعتباره الجمعية أن تكون الصيغة مستقلة بالمنع من الصرف، وقد تقدم أن العلة في هذا القسم والذي قبله قائمة مقام علتين، ولا يتحقق ذلك إلا أن يكون جمعا، وأن يكون على هذه الصيغة الخاصة، فالأولى التقييد بالجمع، وإذا قيد به حصل الاستغناء عن هذه القيود، وكان يكفي المصنف أن يقول: أو موازنة مفاعل أو مفاعيل في الهيئة جمعا، وقد تقدم أن المصنف إنما لم يقيد بالجمع لئلا يرد عليه نحو: مساجد علما، وسراويل على قول من منعه ولم يكن عنده جمعا.
والحق أن هذا غير وارد، أما ما جعل علما فليس منعه لمجرد الصيغة، وإنما اختلف في سبب منعه فقيل: شبهه بأصله 63 يعني في الجمعية والصيغة، وقيل: المانع العلمية وشبه العجمة من حيث إنه مثال لا يكون في الآحاد العربية، كما أن إسماعيل كذلك 64، وسيأتي الكلام على القولين.
فعلى القول الأول الجمعية معتبرة تقديرا، وعلى القول الثاني المانع العلمية وشبه العجمة.
وأما «سراويل» فاعلم أنهم اختلفوا فيه، فقيل منصرف، وحكى الأخفش 65 صرفه عن العرب ولم يحفظ سيبويه ذلك لقلته 66، وقيل غير منصرف وهو رأي سيبويه والزجاج والمبرد، لكنهم اختلفوا في التعليل، فسيبويه يقول 67: إنه وافق من - - يحدو ثماني مولعا بلقاحها... حتّى هممن بزيغة الإرتاج وانظر التذييل (6/ 293).
الجزء: 8 - الصفحة: 3972
................................
كلام العرب ما لم ينصرف وهو: قناديل، فأعطي حكمه، وقال الزجاج 68: إنما هي بالفارسية: شروال، فبنتها العرب على ما لا ينصرف من كلامها، وقال المبرد 69: هو جمع لـ «سروالة» وهي قطعة وأنشد:
3701 - عليه من اللّؤم سروالة... فليس يرقّ لمستعطف 70
فيكون كـ «عثكالة» 71 و «عثاكيل»، وضعّف 72 هذا بأن البيت هجو ولا مبالغة في الهجو بأن عليه قطعة من اللؤم، إنما المراد أنه قام التردّي، كما أن «السراويل» تمام اللباس وإنما «سروالة» لغة في «سراويل» 73.
وإذا كان كذلك فالمانع له إما الجمعية المحققة كما هو رأي المبرد 74، وإما شبهه بما هو جمع، فالجمعية ملاحظة قطعا.
-
الحديث: 3701 - الجزء: 8 - الصفحة: 3973
[ما يمتنع صرفه لعلتين: الوصفية، وعلة أخرى]
قال ابن مالك: (ويمنع صرفه أيضا عدله صفة أو كصفة أو كعلم، أو كونه صفة على فعلان ذا فعلى بإجماع، ولازم التّذكير بخلف، وصرف سكران وشبهه للاستغناء فيه بفعلانة عن فعلى لغة أسديّة، ويمنع صرف الاسم أيضا وفاقه الفعل فيما يخصّه أو هو به أولى من وزن لازم لم يخرجه إلى شبه الاسم سكون تخفيف مع وصفيّة أصليّة باقية أو مغلوبة فيما لا تلحقه هاء التّأنيث، أو مع العلميّة أو شبهها).
وشاهد استعماله غير مصروف قول ابن مقبل 75:
3702 - يمشّي بها ذبّ الرّياد كأنّه... فتى فارسيّ في سراويل رامح 76
أي فتى فارسي رامح في سراويل 77.
واعلم أن «سراويل» اسم مؤنث 78 فلو سمى به مذكر ثم صغّر لقيل فيه: سريّيل غير مصروف للتأنيث والتعريف، ولولا التأنيث لصرف كما يصرف «شراحيل» لو صغّر لزوال صيغة منتهى التكسير، نبه على ذلك المصنف في شرح الكافية 79.
قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على الأمرين القائم منهما مقام علتين شرع في ذكر العلل الثلاث المانعة مع
الوصفية، وينشأ عن معرفتها معرفة ثلاثة الأقسام الباقية من الخمسة.
والمراد بالوصفية: كون الاسم موضوعا لذات باعتبار معنى هو المقصود، وقد -
الحديث: 3702 - الجزء: 8 - الصفحة: 3974
................................
علمت أنها ثلاث وهي: العدل والزيادة ووزن الفعل، وهذه الثلاث لما كانت تمنع مع العلمية أيضا أدرج المصنف ذكر حكم وزن الفعل معها هنا واستوفاه، وذكر حكم العدل مع ما يشبه العلمية، وأخّر الكلام على حكمه مع العلمية إلى مكان آخر، ولم يتعرض لحكم الزيادة مع العلمية هنا وإنما ذكره بعد، وكان حقه أن يؤخر الكلام على حكم العلل الثلاث مع العلمية إلى أن ينهي على حكمها مع الوصفية، أو يستوفى عند ذكر كل منها حكمه مع الوصفية وحكمه مع العلمية، ثم يذكر ما لا يمنع إلا مع العلمية وهو بقية العلل، وسيتضح كل قسم من الآخر وإن روعي في الشرح ترتيب لفظ الكتاب.
وقد علمت أن الأقسام التي تنشأ عن هذه العلل الثلاثة:
الأول: الممنوع للوصفية والعدل، أمّا المراد بالوصفية فقد ذكر، وأما العدل: فهو خروج الاسم عن صيغته الأصلية تخفيفا أو تقديرا، وإنما نوع إلى النوعين لأن العدل ضربان: ضرب تعلم عدليته بالنظر إليه في نفسه، وضرب لا
يعلم إلا بمنعهم صرفه، ولا يصدق هذا الحد على العدل عن مصاحب الألف واللام إلى المجرد منها إلا بتجوز؛ لأن الصيغة واحدة في الحالتين، إلا أن يقال: صيغة المنكّر لفظا غير صورة المعرّف فيستقيم، والعدل غير الاشتقاق الصناعي، فإن المشتق مع دلالته على ما اشتق منه يدل على معنى آخر زائد، والمعدول لا دلالة له على معنى آخر غير معناه الأصلي.
ثم العدل يمنع مع الوصفية ومع العلمية كما علمت، وزاد المصنف شبه الصفة أو العلمية، والمراد بالأمرين واحد وهو «جمع» وبابه 80.
فذكر أن المانع فيه مع العدل إما شبه الصفة وإما شبه العلمية، وسيأتي الكلام على ذلك في الفصل الخامس، ولا شك أن شبه الصفة راجع إلى الصفة، وشبه العلمية راجع إلى العلمية فلا زيادة على أصل التقسيم.
والممنوع للعدل والوصفية [5/ 57] ضربان: أحدهما المعدول في العدد، والآخر: أخر المقابل لـ «آخرين»، والممنوع للعدل والعلمية أضرب، وقد عقد المصنف للضربين فصلا فأخرنا الكلام عليه إلى الوصول إليه.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 3975
................................
القسم الثاني: الممنوع للوصفية والزيادة، والمراد بها: زيادة الألف والنون، وذلك صيغة «فعلان» كسكران، وريّان 81، وصديان 82، وغضبان، [واختلف 83 النحاة في العلة المانعة من الصرف في صيغة «فعلان»، فمنهم من جعل المنع فيه لعلة واحدة، فقال: الألف والنون ضارعتا ألفي التأنيث في نحو: صحراء، فقامت هذه العلة مقام علتين، ومنهم من جعل المانع فيه الوصفية والزيادة وهو الصحيح].
قالوا 84: وإنما منعت الألف والنون يعني دون غيرهما من الحروف التي تزاد لشبهها بألفي التأنيث في «حمراء» في منع لحاق تاء التأنيث، واتحاد وزن ما سبقهما، وفي أن بناء مذكر ما هما فيه على غير بناء مؤنثه، وفي كون أولاهما ألفا، وثانيهما حرفا معبرا به عن المتكلم في «أفعل» و «نفعل» فعلى هذا إن جاء مؤنث «فعلان» على «فعلى» امتنع من الصرف 85 كالأمثلة المتقدمة، وإن جاء على «فعلانة» صرف كندمان 86 لقولهم ندمانة، وإن لم يثبت فيه واحد منهما كـ «لحيان» 87 فقد اختلف فيه 88:
فمن صرف علّل بفقد الشبه لألفي التأنيث لأنه إنما يكمل بوجود التذكير والتأنيث على الوجه المشروح، و «لحيان» بخلاف ذلك فضعف داعي منعه.
ومن منعه الصرف قال: لحيان، وإن لم يكن له «فعلى» وجودا فله «فعلى» تقديرا وذلك أن معناه غير لائق بمؤنث، فلو فرض خرق العادة بوجود معناه لامرأة لكان إلحاقه بباب «فعلان فعلى» أولى من إلحاقه بباب «فعلان فعلانة» لأن الباب الثاني ضيق بقلة النظير، والباب الأول واسع فالإلحاق به أولى.
الجزء: 8 - الصفحة: 3976
................................ وقوّى المصنف 89 المنع بأن قولهم في العظيم الكمرة 90: أكمر لا مؤنث له، ولا خلاف في منع صرفه 91 ولو فرض له مؤنث لأمكن أن يكون كمؤنث «أرمل» وأن يكون كمؤنث «أحمر» لكن حمله على «أحمر» أولى لكثرة نظائره، فكذلك «لحيان» حمله على «سكران» أولى. وعدل المصنف عن التمثيل بـ «رحمن» وإن مثل به غيره إلى التمثيل بـ «لحيان» لوجهين نبّه عليهما في شرح الكافية 92: أحدهما: أن الرحمن بغير ألف ولام دون نداء ولا إضافة غير مستعمل فلا فائدة في الحكم عليه بانصراف ولا منع. الثاني: أن الممثل به في هذه المسألة معرّض لأن يذكر موصولا بالتاء أو بألف «فعلى» ومجردا منهما لينظر ما هو اللاحق به، وتعريض الرحمن لذلك مع وجدان مندوحة عنه مخاطرة من فاعله. وقد فهم من قول المصنف «ذا فعلى بإجماع ولازم التّذكير بخلف، أنه إن كان ذا فعلانة انصرف بلا خلاف، وقد جمع 93 المصنف ما جاء مؤنثه على «فعلانة» 94 في أبيات وهي: أجز فعلى لفعلانا... إذا استثنيت حبلانا ودخنانا وسجنانا... وسيفانا وصحيانا وموجانا وعلّانا... وفشوانا ومصّانا وموتانا وندمانا... وأتبعهنّ نصرانا 95
الجزء: 8 - الصفحة: 3977
................................
وشرح هذه الألفاظ 96، رجل حبلان: ممتلئ غيظا، ويوم دخنان: فيه كدرة في سواد، ويوم سخنان حارّ، ورجل سيفان: طويل ضامر البطن، ويوم صحيان لا غيم فيه، و [بعير] صوجان: يابس الظهر، ورجل علّان: صغير حقير، ورجل قشوان: دقيق الساقين ورجل مصّان: لئيم، ورجل موتان الفؤاد أي غير جديد، ورجل ندمان: من الندامة والمنادمة، ورجل نصران أي نصرانيّ، وكذلك مؤنثاتها، فهذه اثنتا عشرة كلمة بينها وبين مؤنثها هاء التأنيث، قال الشيخ 97: «ونقصه ما عده غيره قول العرب [كبش] أليان، ونعجة أليانة 98 ورجل خمصان 99 - بفتح الخاء - لغة في خمصان حكاها سيبويه 100 انتهى.
وبنو أسد 101 يؤنثون باب «سكران» بالتاء، ولما ألحقوا التاء فقد الشبه بباب «حمراء» فصرفوا الباب أجمع، فقالوا: رأيت رجلا سكرانا، وصبيّا غضبانا، وغصنا ريّانا، وشبه ذلك.
القسم الثالث: الممنوع للوصفية ووزن الفعل، وقد تقدم التنبيه على أن المصنف أدرج هنا حكم وزن الفعل مع
العلمية وإن كان ليس موضع ذكره، فلنذكر حكمه مع الوصف أولا ثم مع العلمية ثم نعود إلى لفظ الكتاب.
اعلم أن الأوزان بالنسبة للاسم والفعل على خمسة أقسام 102: وزن يختص به الاسم، ووزن يختص به الفعل، ووزن يشتركان فيه، والمشترك فيه إما أن لا يغلب في أحدهما أو يغلب في الاسم دون الفعل أو العكس والمانع للصرف منها شيئان (8):
الغالب في الفعل والمختص به، أما الوزن المختص فلا يتصور منعه إلا مع العلمية وسيأتي، وأما الوزن الغالب فيمنع تارة مع العلمية، وتارة مع الوصفية والمراد بكونه غالبا 103 أن -
الجزء: 8 - الصفحة: 3978
................................
توجد في أوله زيادة هي أحد حروف المضارعة، وهو المراد بقول المصنف: «أو هو به أولى»، وإنما كان أولى لأن أوله زيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم 104، وما زيادته لمعنى أصل زيادته لغير معنى 105، وسيذكر للأولوية وجه آخر عند التعرض لذكر منعه مع العلمية؛ إذا تقرر هذا فاعلم أن ما وجد فيه الوصفية، ووزن الفعل المذكور لمنعه شرطان:
أحدهما: أصالة الوصفية كـ «أحمر» وشبهه، فلا أثر لعروضها في المنع ولا لعروض الاسمية في الصرف، ولذلك صرف «أرنب» من: مررت برجل أرنب أي ذليل، و «أكلب» من مررت بقوم أكلب أي أخسّاء، وامتنع «أدهم» للقيد، و «أسود» للحية، فلم يعتد بالعارض [5/ 58] في القسمين.
الشرط الثاني: أن لا تلحقه تاء التأنيث، إما لأن للمؤنث فيه صيغة تخصه كـ «أحمر» وإما لأنه لا مؤنث له من لفظه
نحو: رجل آلي، والمرأة 106 عجزاء 107، وإما لأنه لا مؤنث له لفقدان ذلك المعنى في المؤنث كـ «أكمر» 108، و «آدر» 109، وإما لأنه لا مؤنث له لاشتراك المذكر والمؤنث فيه، وذلك أفعل التفضيل إذا كان مصحوبا بـ «من» لفظا أو تقديرا، فهذه الأنواع الأربعة لا تنصرف لأن التاء لا تلحقها، أما ما تلحقه فمصروف، ولذلك صرف «أرمل» وهو الفقير لقولهم:
أرملة، و «يعمل» وهو الجمل السريع لقولهم: يعملة، و «أباتر» وهو القاطع رحمه لقولهم: أباترة، و «أدابر» وهو الذي لا يقبل نصحا لقولهم: أدابرة 110، وإنما بطل حكم الوزن بلحاق التاء لأن لحاقها مزيل لشبه المضارع إذ لا تلحقه تاء التأنيث.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 3979
................................
و «أربع» أحق بمنع الصرف من «أرمل» لأن فيه ما في «أرمل» من لحاق التاء، ويزيد عليه لأن وصفيته عارضة 111، وخالف الأخفش في هذا الشرط وحكم على «أرمل» بمنع الصرف قال 112: «ومن صرفه من العرب فهو على لغة من يصرف من لا ينصرف».
وخالف الكوفيون 113 في العلة الموجبة لمنع صرف: أفعل من «أفعل من» فزعموا أنه امتنع للزوم «من»، وهو خطأ لصرفهم: خير منك، وشرّ منك وقد لزما «من»، هذا حكم وزن الفعل مع الوصف.
وأما الوزن المانع مع العلمية: فهو الوزن الخاص بالفعل أو الذي الفعل به أولى، أما الخاص 114 فهو الذي لا يوجد في غير فعل إلا في علم أو عجميّ معرّب، أو إلا أن يكون نادرا، فالعلم نحو: خضّم 115 لرجل، وشمّر لغرس،
والعجميّ نحو:
بقّم، وإستبرق، والنادر نحو دئل لدويبّة 116، وينجلب لخرزة 117، وتبشّر لطائر 118، ووجد أن هذه الثلاثة لا يمنع اختصاصها بالفعل لأن العلم منقول من فعل، والعجمي والنادر لا حكم لهما، فالاختصاص باق، فمن المختص 119 بالفعل ما افتتح بتاء المطاوعة كـ «تعلم» أو بهمزة وصل كـ «انطلق» وما سوى «افعل»، و «نفعل» و «يفعل»، و «تفعل» من أوزان المضارع، وما صيغ لما لم يسمّ فاعله بشرط سلامته من الإعلال، وما صيغ للأمر من غير ثلاثي وغير «فاعل» نحو:
انطلق ودحرج، وأما الوزن الذي الفعل أولى به فهو قسمان 120: -
الجزء: 8 - الصفحة: 3980
................................
لأن الأولوية إما لكثرة الوزن في الفعل وقلته في الاسم كـ «إثمد» 121، و «إصبع» و «أبلم» 122 فإن أوزانها تقل في الأسماء وتكثر [في] فعل الأمر من الثلاثي.
وإما لأن أوله زيادة تدل على معنى في الفعل دون الاسم كـ «أفكل» 123 و «أكلب» فإن نظائرهما كثيرة في الأسماء والأفعال، لكن الهمزة تدل على معنى في الفعل ولا تدل على معنى في [الاسم] فكان المفتتح بها من الأفعال أصلا
للمفتتح بها من الأسماء، وقد تكون الأولوية في بعض الأوزان للفعل بالوجهين المذكورين في «إثمد» و «أفكل».
ومثال ذلك: «يرمع» 124 و «تنضب» 125 فإنهما كـ «إثمد» في كونه على وزن يكثر في الأفعال ويقل في الأسماء، وك «أفكل» في كونه مفتتحا بما يدل على معنى في الفعل دون الاسم، فإذا سمّي بشيء من الأمثلة المتقدمة امتنع من الصرف لوزن الفعل والعلمية، ولا متناعه شرطان.
أحدهما: لزوم زنة واحدة فلو سمّي 126 بـ «امرئ» و «ابنم» انصرفا لأنهما حالة الرفع كـ «أخرج» وحالة النصب كـ «أعلم» وحالة الجر كـ «اضرب» فلم يستقر لهما وزن، وهذا إنما هو على لغة من اتبع، أما من يلتزم فتح ما قبل الآخر فيهما فحكم لهما عند التسمية بمنع الصرف للوزن اللازم والعلمية.
الثاني: أن يكون الوزن المعتبر منطوقا به، فإن كان مقدرا لإعلال، أو إدغام لم يؤثر وذلك نحو: قيل وردّ، فإن وزن «فعل» غير باق لفظا، بل أخرجهما الإعلال -
الجزء: 8 - الصفحة: 3981
................................
والإدغام إلى مشابهة «ديك» و «مدّ» فصرفا مسمّى بهما.
ولنرجع إلى لفظ الكتاب:
قوله: ويمنع صرف الاسم أيضا وفاقه الفعل فيما يخصّه أو هو به أولى قد علمت 127 ما يخصه وما هو به أولى، ووجهي الأولوية.
واحترز بقوله: من وزن لازم من نحو: امرئ 128، وبقوله: لم يخرجه إلى شبه الاسم سكون تخفيف من نحو: قيل وردّ 129، وقد عرفت ذلك، وإنما قال المصنف: سكون تخفيف ولم يقل: سكون إعلال؛ ليشمل سكون الإدغام
أيضا.
وقوله: مع وصفيّة أو مع العلمية إشارة إلى كل من السببين المانعين مع الوزن المذكور، وفي عبارته إيهام أن الوصفية مع الوزن الخاص وأن العلمية كذلك، أما العلمية فقد تقدم أنها تمنع معهما، وأما الوصفية فلا تتصور مع الوزن الخاص ولا تمنع مع الأولى إلا باعتبار أحد وجهيه 130، وليس في كلام المصنف إشعار بذلك.
واحترز بقوله: أصلية من الوصفية العارضة 131.
ونبه بقوله: أو مقلوبة على أن عروض زوال الوصفية لا أثر له في الصرف وك «أدهم» للقيد و «أبطح» للمكان المتسع.
وبقوله: فيما لا تلحقه هاء التّأنيث على أن نحو: أرمل منصرف.
وأشار 132 بقوله: أو شبهها أي: شبه العلمية، إلى أن المانع في «أجمع» وبابه 133 وزن الفعل، وشبه العلمية 134، وهي التعريف بنية الإضافة، وسبق ذلك عند الكلام على «جمع» وبابه.
الجزء: 8 - الصفحة: 3982
[خلاف فيما كان علما على وزن الفعل]
قال ابن مالك: (وعارض سكون التّخفيف كلازمه خلافا لقوم، وفي «يغفر» مضموم الياء، و «ألبب» علما خلاف، ولا يؤثّر وزن مستوى فيه، وإن نقل من فعل خلافا لـ «عيسى»).
قال ناظر الجيش: اعلم أنه لما كان يحصل لبعض صيغ الفعل تغيير ووقع الخلاف في صرفه نبّه المصنف على
ذلك وذكر ثلاث صور:
الأولى: «فعل» نحو: ضرب، إذا سمي به رجل ثم خفف بتسكين الراء، فيه خلاف، مذهب سيبويه صرفه 135، جعل التسكين العارض هنا كاللازم؛ لأن الأصل الصرف 136 [5/ 59] ومذهب المازني 137، والمبرد 138، وابن السراج 139، والسيرافي 140 منعه الصرف؛ لأن هذا التخفيف عارض، والأكثر أن لا يعتد بالعارض، ويدل عليه قولهم في مخفف دني له: دني له بإبقاء الياء، وفي مخفف: قضو الرجل: قضو الرجل بإبقاء الواو، فإقرار الياء في «دني» والواو في «قضو» بعد زوال الموجب دليل على أنهم لم يعتدوا بالسكون لعروضه.
وقالوا في «الأحمر» بعد النقل: «ألحمر» بإثبات ألف الوصل وإن زال موجبها لذلك 141، وسيبويه يعتبر ما اعتبروه، لكنه قوّى عنده الاعتداد بالعارض هنا أن الأصل الصرف فاعتضد بذلك، واستدل 142 لمذهب سيبويه بصرف «جندل» ولولا الاعتداد بحذف الألف العارض لما صرف، وإنما قلنا: إن حذف الألف عارض؛ لأن ترك القول بعروضه يؤدي إلى توالي أربعة حروف متحركة في كلمة.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 3983
................................ وفي هذا الاستدلال نظر 143، لأنا نمنع أن التنوين في «جندل» تنوين صرف، وإنما هو تنوين عوض جيء به عوضا من الألف، كما جيء بتنوين «جوار» عوضا من الياء، وقد نبه المصنف على ذلك في شرح الكافية 144. واحتج ابن السراج والسيرافي على ما ذهبا إليه بمنع صرف «جيل» اسم رجل إذا خفف بعد التسمية، وإن كان قد صار في اللفظ ثلاثيّا 145. والجواب: الفرق بين «ضرب» و «جيل» بأن حركة الهمزة باقية محرزة لها ودليلة عليها وليس في «ضرب» ما يدل على الأصل 146. وهذا الذي ذكر إنما هو في المخفف بعد التسمية، أما إذا خفف ثم سمي به فإنه ينصرف 147. الصورة الثانية: «يعفر» 148 علما، إذا ضمّت ياؤه إتباعا 149؛ لأنه إذا فتحت كان غير منصرف 150، وعند ضمها فيه خلاف 151: فأبو الحسن يستصحب المنع لعدم اعتداده بضم الياء لعروضه.
الجزء: 8 - الصفحة: 3984
................................
وغيره يصرف لذهاب وزن الفعل لفظا.
قال المصنف 152: «وهو شبيه بـ «ضرب» إذا خفف بالتسكين بعد التسمية، وقد عرفت المذهبين فيه، فـ «يعفر» إذا ضمّت ياؤه بعد التسمية إتباعا بمنزلة ضرب إذا سكنت راؤه بعد التسمية تخفيفا، فالصرف لازم لسيبويه والمنع لازم للمبرد.
قال الشيخ 153: وحكى أبو زيد 154 أن من قال: «يعفر» بضم الياء صرف، قال 155: فلا وجه لهذا الخلاف مع وجود السماع.
الصورة الثالثة: «ألبب» 156 علما، ومذهب سيبويه منع صرفه 157، قال سيبويه 158: وإذا سميت الرجل بـ «ألبب» فهو غير منصرف.
قال المصنف 159: وحكى أبو عثمان 160 أن أبا الحسن يرى صرف «ألبب» علما؛ لأنه باين الفعل بالفك، وهذا عندي لا يكون مانعا من اعتبار الوزن؛ لأن الفك رجوع إلى أصل متروك فهو نظير تصحيح ما يحق إعلاله كـ «استحوذ»، ولا خلاف في أن التصحيح لا يمنع من اعتبار الوزن فكذلك الفك 161، ثم قال:
ولا يلزم أيضا الرجوع إلى قياس الإدغام فيقال فيه: استحاذ، لكن لو سمي بـ «يردد» من قولنا: لم يردد؛ لرجع إلى الإدغام؛ لأن الفك كان متسببا عن الجزم وقد زال السبب بالتسمية فيزول المسبّب، وليس لفك «ألبب» وتصحيح «استحوذ» سبب زال فيزولا لزواله، وإنما جيء بهما قبل التسمية تنبيها على الأصل -
الجزء: 8 - الصفحة: 3985
................................
المتروك في «أكفّ» و «استقام» ونحوهما من النظائر 162، وذلك مطلوب بعد التسمية فوجب بقاؤه.
انتهى.
وقد علمت مما تقدم أن المانع من الأوزان المختص بالفعل والأولى به، وأن غيرهما لا أثر له، ولما كان في الوزن المستوي فيه بين الاسم والفعل خلاف أشار المصنف إليه بقوله: ولا يؤثر وزن مستوى فيه أي: لا يغلب في الفعل، وذلك نحو: «فعل» فإنه جاء في الأسماء كثيرا وفي الأفعال كثيرا كـ «فرس» و «ضرب»، وكذا «فعلل» نحو: «جعفر» و «دحرج»، و «فاعل» كـ «ضارب» اسم فاعل من «ضرب» و «ضارب» صيغة أمر من «ضارب»، وقد خالف في ذلك عيسى بن عمر وهو الثقفي البصري أخذ عنه الخليل وسيبويه وغيرهما 163.
وأفهم قول المصنف: أن الوزن المذكور يؤثر وإن لم ينقل من فعل، لكن الذي ذكره ابن عصفور 164: أن الذي يخالف فيه عيسى هو المنقول من فعل: مثل أن تسمي رجلا بـ «ضرب»، ومن ثم استدرك الشيخ على المصنف الإتيان بالواو، وقال 165: تصحيح كلامه أن تسقط الواو في قوله: وإن نقل من فعل.
انتهى.
والظاهر أن الواو زائدة من الناسخ 166، وكلام المصنف في شرح الكافية يبين مراده فإنه قال 167: وإذا كان الفعل المسمى به على وزن يشاركه فيه الاسم دون مزية لم يؤثر، وذهب عيسى بن عمر 168 إلى أن المسمى بفعل على وزن مشترك فيه لا يصرف اسمه.
انتهى.
واستدل عيسى لمذهبه 169 بقول الشاعر 170: -
الجزء: 8 - الصفحة: 3986
................................
3703 - أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا... متى أضع العمامة تعرفوني 171
فلم يصرف «جلا»، ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون قائله أراد: أنا ابن رجل جلا الأمور وجرّبها فـ «جلا» جملة من فعل وفاعل حذف موصوفها وأقيمت هي مقامه 172، أو يكون سمي بـ «جلا» مسندا إلى فاعله فحكى 173 كما حكى في قوله:
3704 - نبّئت أخوالي بني يزيد 174
قال سيبويه 175 عند حكاية مذهب عيسى: وهو خلاف قول العرب سمعناهم يصرفون كعسبا وهو فعل.
قال المصنف 176: وقد أجمعت العرب على صرف «كعسب» اسم رجل مع أنه -
الحديث: 3703 - الجزء: 8 - الصفحة: 3987
قال ابن مالك: (وربّما اعتبر تقدير الوصفيّة في «أجدل» و «أخيل» و «أفعى»، وألغيت أصالتها في «أبطح» ونحوه). منقول من «كعسب» إذا أسرع 177، فانتصر من خالف عيسى بن عمر. قال ناظر الجيش: قال المصنف 178: أكثر العرب يصرف «أجدلا» وهو الصقر 179، و «أخيلا» وهو طائر عليه نقط كالخيلان 180، و «أفعى» لأنها أسماء مجردة عن الوصفية وضعا إلا أن بعضهم [5/ 60] لحظ فيها معنى الوصفية فمنعها من الصرف، وذلك في «أفعى» أبعد منه في «أجدل» و «أخيل»؛ لأنهما من الجدل وهو الشدة 181، ومن المخيول وهو الكثير الخيلان 182، وأما «أفعى» فلا مادة لها في الاشتقاق 183، لكن ذكرها يقارنه تصور إيذائها فأشبهت المشتق وجرت مجراه على ضعف. وشاهد استعمالهن غير مصروفة قول الشاعر 184: 3705 - كأنّ بني الدّعماء إذ لحقوا بنا... فراخ القطا لاقين أجدل بازيا 185
الحديث: 3705 - الجزء: 8 - الصفحة: 3988
................................
وقول الآخر:
3706 - ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي... فما طائري يوما عليك بأخيلا 186
وقول الآخر 187:
3707 - مطرق يرشح موتاكما أط... رق أفعى ينفث السّمّ صلّ 188
وذكر الشيخ أن لهذه الألفاظ الثلاثة استعمالين: فالأكثر استعمالها اسما فيصرف، فـ «الأجدل» هو الصقر، و «الأخيل» اسم لنوع من الطير، و «أفعى» اسم لنوع من الحيات، وبعض العرب استعملها صفات فمنعها الصرف، فـ «أجدل»
بمعنى: شديد، و «أخيل» أفعل من الخيلان و «أفعى» بمعنى: خبيث؛ فهي إذ ذاك صفات خلفت موصوفاتها ووليت العوامل كما تليها الأسماء 189.
وأشار بقوله: وألغيت أصالتها في أبطح إلى أن بعض العرب يعتد بالاسمية - - والشاهد فيه: قوله: «أجدل»؛ حيث منع من الصرف لوزن الفعل ولمح الصفة؛ وذلك لأنه مأخوذ من الجدل وهو الشدة وأكثر العرب يصرفه لخلوه عن أصالة الوصفية.
والبيت على الرواية التي بين أيدينا في اللسان «جدل»، والتذييل (6/ 327)، وشرح ابن الناظم (ص 639).
الحديث: 3706 - الجزء: 8 - الصفحة: 3989
[ما يمتنع صرفه للعلمية وعلة أخرى]
قال ابن مالك: (ويمنع أيضا مع العلميّة زيادتا «فعلان» فيه وفي غيره، أو ألف الإلحاق المقصورة أو تركيب يضاهي لحاق هاء التّأنيث، أو عدل من مثال إلى غيره، أو مصاحبة الألف واللّام إلى المجرّد منها، أو عجمة شخصيّة مع الزّيادة على ثلاثة أحرف، أو حركة الوسط على رأي، فإن تجرّدت العجمة منهما تعيّن الصّرف خلافا
لمن أجاز الوجهين).
العارضة في «أبطح» منصرف 190 واللغة المشهورة فيه وفي أمثاله كـ «أجرع» 191، و «أبرق» 192 منع الصرف 193؛ لأنها صفات استغني بها عن ذكر موصوفاتها فيستصحب منع صرفها كما استصحب منع صرف «أرنب» و «أكلب» حين أجريا مجرى الصفات لعروض الاسمية في الأول والوصفية في الثاني لكونه أصلا ربما رجع إليه بسبب ضعيف 194، بخلاف منع الصرف؛ فإنه خروج عن الأصل فلا يصار إليه إلا بسبب قوي.
وذكر الشيخ أن صاحب الإيضاح قال: ذكر سيبويه أن من العرب من يجعلها بمعنى «أجدل»، و «أخيل»، و «أفعى» صفات، وأكثر العرب يجعلها أسماء فيصرفها: وذكر أن كل العرب لا يصرف «أدهم» اسم القيد، و «أسود» من: أسود سالخ، وهو نوع من الحيّات، و «أرقم» من الحيّات، فكذلك «أبرق» و «أجرع» و «أبطح»، وذكر أن العرب لم تختلف في منع هذه الستة من الصرف 195 وصرح ابن جني بأن هذه الأسماء كلها تنصرف 196، ثم قال الشيخ 197: وظهر بهذا النقل أن قول المصنف: (وألغيت أصالتها في «أبطح» ونحوه)، مخالف لمذهب سيبويه.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن العلمية تمنع مع سبع، وقد ذكر المصنف من المانع -
الجزء: 8 - الصفحة: 3990
................................
معها وزن الفعل مدرجا له مع ذكر منعه مع الوصف 198، ثم شرع في ذكر الست الباقية، وأورد الآن منها خمسا وسيذكر السابعة 199 بعد.
أما الخمس فمنها: الألف والنون الزائدتان، فمتى كانا في اسم علم منعا الصرف لمضارعهما ألفي التأنيث 200.
وإنما قال المصنف: فيه وفي غيره تنبيها على أن ذلك غير مختصّ بوزن «فعلان» بل أي وزن جدا فيه امتنع للتعريف والزيادتين 201، وذلك نحو حمران، وغيلان، وذبيان، وعثمان، ونعمان، وعلامة 202 زيادة الألف والنون سقوطهما في بعض التصاريف، كسقوطهما في بعض التصاريف في رد: شنآن ونسيان وكفران إلى: شنئ ونسي وكفر، فإن كانا فيما لا يتصرف فعلامة الزيادة أن يكون قبلهما أكثر من حرفين، نحو الأمثلة المتقدمة بخلاف نحو: سنان وعنان، فإن كان قبلهما حرفان ثانيهما مضعّف كان لك اعتباران: إن قدرت أصالة التضعيف فالألف والنون زائدتان، وإن قدرت زيادته فالنون أصلية، ومثال ذلك: «حسّان» هو إما من الحسّ فهو: «فعلان» ولا ينصرف، وإما من الحسن فهو: «فعّال» وينصرف، وكذا ما أشبهه.
والأولى حمل النون على الزيادة 203، وكذا كل ما أمكن فيه اشتقاقان تكون النون في أحدهما زائدة وفي الآخر أصلية جاز فيه الوجهان، قال سيبويه 204:
وسألته - يعني الخليل - عن رجل يسمى: دهقان 205 فقال: إن سميته من -
الجزء: 8 - الصفحة: 3991
................................
التّدهقن 206 فهو مصروف، وكذلك: شيطان إن أخذته من التّشيطن، فالنون في مثل هذا من نفس الحرف.
انتهى.
ومن قضى على النون فيهما بالزيادة منع الصرف.
وإذا سميت بـ «رمّان» فمذهب الخليل وسيبويه منع صرفه 207 لاعتقادهما زيادة النون، ومذهب الأخفش صرفه لاعتقاده أصالتها 208، وحكى ابن خروف 209 أن الأخفش حكى: أرض رمنة: إذا أنبتت الرّمّان، ولم يحفظ الخليل وسيبويه ذلك 210، فلذا قضيا بالزيادة؛ لأنه اسم قبل الألف والنون فيه ثلاثة أحرف، وما سبيله كذلك حكم على نونه بالزيادة.
واعلم أن ابن عصفور وقع له وهم هنا فزعم 211 أن الذي لا ينصرف مما اجتمع فيه العلمية والزيادة شرطه ألا يجمع على «فعالين» ولا يصغّر على «فعيلين»، قال الشيخ 212: هذه غفلة منه، نص سيبويه 213 على أنك إذا سميت بسرحان منعته الصرف ويقال في جمعه: سراحين وفي تصغيره: سريحين.
ومنها: ألف الإلحاق المقصورة، واعلم أن ألف الإلحاق على ضربين: مقصورة، وممدودة، فالمقصورة تشبه ألف التأنيث المقصورة بأمرين:
أحدهما: أنها زيدت دون إبدال من غيرها كنظيرتها من ألف التأنيث.
الثاني: [5/ 61] أنها تقع في مثال صالح لنظيرتها، فإن «علقى» 214 على وزن: سكرى، و «عزهى» 215 على وزن: ذكرى 216، وألف الإلحاق الممدودة -
الجزء: 8 - الصفحة: 3992
................................
مبدلة من «ياء» ولذلك صحت في «درحاية» 217 كما أتوا بتاء التأنيث، وعند عدم التاء قالوا: درحاء، والمثال الذي تقع فيه لا يصلح لألف التأنيث الممدودة، ألا ترى أن «علباء» 218 لم يجئ على وزنه اسم فيه ألف التأنيث الممدودة، وقوله تعالى: مِنْ طُورِ سَيْناءَ 219 ليست الهمزة فيه للتأنيث، وإنما امتنع الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي لأنها اسم بقعة، فلشبه المقصورة بألف التأنيث من هذين الوجهين منعت الصرف مع العلمية؛ لأن شبه العلة في هذا الباب علة، بخلاف الممدودة فإنك إذا سميت بـ «علباء» صرفته؛ لعدم الشبه بألف التأنيث الممدودة 220 كما تقدم.
وقال سيبويه 221: لا يمتنع من الصرف؛ لأنه لا يشبه ألف حمراء لأنه بدل مع حرف لا يؤنث به فهو يصرف على كل حال، فيجري عليه ما جرى على ذلك الحرف، وذلك الحرف بمنزلة الياء والواو اللتين من نفس الحرف.
قال الشيخ 222: ونقص المصنف أن يقول: أو ألف التكثير لأن ما فيه ألف التكثير إذا سمي به منع الصرف نحو: «فبعثرى» 223، وذلك لشبه ألف التكثير بألف التأنيث المقصورة من كونها غير منقلبة مع زيادتها آخرا ولا تدخل عليها تاء التأنيث، كما أن ألف التأنيث كذلك.
ومنها: التركيب، والمراد: تركيب المزج نحو تركيب: بعلبك ومعدي كرب 224، وعجز عنه المصنف بقوله [تركيب] يضاهي لحاق هاء التّأنيث يعني أن الاسم الثاني يتنزل من الاسم الأول منزلة هاء التأنيث من الاسم التي هي فيه [ولذلك حذفا في -
الجزء: 8 - الصفحة: 3993
................................
الترخيم] وعند قصد التصغير صغرا من غير حذف للاسم الثاني، ولا للتاء، وللشبه المذكور حرك آخر الاسم الأول بالفتح كما حرك ما قبل هاء التأنيث إلا إن كان ياء نحو: معدي يكرب.
وقال المصنف 225: التزم سكونه تأكيدا للامتزاج، ولأن ثقل التركيب أشد من ثقل التأنيث فجعلوا لمزيد الثقل مزيد تخفيف بأن سكنوا ياء معدي كرب ونحوه وإن كان مثلها قبل تاء التأنيث فتح.
وذكر الشيخ 226 أن آخر الاسم الأول يسكن أيضا إن كان نونا نحو: باذنجانة، قال: وزعم النحويون أن «مسلمات» لو ركب مع «زيد» تحركت التاء منه بالكسر فقيل: هذا مسلمات [زيد، كما أن «مسلمة» لو ركب مع «زيد» لحركت التاء منها بالفتح؛ لأن كسرة التاء في مسلمات] نظير فتحتها في مسلمة؟
ومنها: العدل، وقد تقدم بيانه والعدل المانع مع العلمية نوعان: عدل عن مثال إلى غيره، وعدل من مصاحبة الألف واللام إلى المجرد عنها، والأول أقسام:
منها المعدول من «فاعل» علما إلى «فعل» 227 كـ «عمر» و «زفر»، و «مضر» و «ثعل» و «هبل» و «زحل» و «جشم» و «قثم»، و «جمح» و «قزح» و «جحا» و «دلف»، و «بلع» 228.
وعلامة العدل فيه منع العرب صرفه مع انتفاء التأنيث، ولهذا جعل عدله تقديريّا، فإن صرف حكم بأنه غير معدول كـ «أدد» 229، أو أمكن تأنيثه فكذلك أيضا نحو: «طوى» في لغة من لم يصرف، فإن تأنيثه باعتبار كونه اسم بقعة ممكن، فهو أولى من ادّعاء العدل؛ لأن العدل قليل والتأنيث كثير؛ لأن ما ثبت عدله وتعريفه فمنعه لازم ما لم ينكّر، و «طوى» ذو وجهين فلا يكون معدولا، وهذه -
الجزء: 8 - الصفحة: 3994
................................
الأسماء معدولة عن فاعل، وقال الشيخ 230: وبعضها عن «أفعل» وذلك «ثعل» هو معدول عن «أثعل»، وفاعل المعدولة هي عنه علم منقول من الصفة، وقد جوّز في «أدد» أن يكون منقولا من أصل لا يحفظ وإن كان مرتجلا، واختلف في اشتقاقه، فذهب سيبويه 231 إلى أنه مشتق من الودّ، وأن همزته بدل من واو، وذهب بعضهم إلى أنه مشتق من الأدّ وهو العظيم.
ومنها: ما جعل علما من المعدول إلى «فعل» في النداء كـ «غدر».
ومنها: «فعل» الذي في التوكيد.
ومنها: فعال، وسيأتي الكلام على الأقسام المذكورة إن شاء الله تعالى.
وأما المعدول عن مصاحبة الألف واللام فكلمتان: «سحر» و «أمس»، أما «سحر» فإذا قصد به سحر يوم بعينه، وجعل ظرفا كقولك: جئت يوم الخميس سحر؛ فإنه يمتنع الصرف للعدل والعلمية 232، وطريق العدل أنه كان نكرة فقياسه أن يعرّف إذا قصد تعريفه بما تعرّف به النكرات وهو اللام فعدلوا عن ذلك وعرفوه بالعلمية 233، وتقدم في باب الظروف أنه يمتنع التصرف أيضا.
وذكر المصنف في شرح الكافية 234 أن المانع له من الصرف العدل والتعريف، قال 235: والأصل أن يذكر معرفا بالألف واللام فعدل عنهما وقصد تعريفه فاجتمع فيه العدل والتعريف، ويمنع قصد تعيينه وظرفيته مصاحبة الألف واللام، فلو لم تقصد ظرفيته وقصد تعيينه لم يستغن عن الألف واللام أو الإضافة كقولك: استطبت السّحر، وطاب السّحر، وقمت عند السّحر، ولو قصدت ظرفيته دون تعيين انصرف، وزعم صدر الأفاضل 236 أن: «سحر» المشار إليه مبني على الفتح -
الجزء: 8 - الصفحة: 3995
................................
لتضمنه معنى حرف التعريف، ورد المصنف ذلك بثلاثة أوجه 237:
أحدها: أنه يلزم من دعواه الخروج عن الأصل بكل وجه، ودعوى غيره يلزم منها الخروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع الصرف باقي الإعراب فكانت أولى.
الثاني: أنه لو كان مبنيّا لكان غير الفتحة أولى به؛ لأنه في موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة فيه لئلا يتوهم الإعراب كما اجتنبت في «قبل» و «بعد» والمنادى المبني.
الثالث: أنه لو كان مبنيّا لكان جائز الإعراب جواز إعراب «حين» في قوله:
3708 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا 238
لتساويهما في ضعف سبب البناء لكونه عارضا.
وقد نازعه الشيخ في الوجهين الآخرين بما ليس بالقوي قال 239: ودعوى الجمهور فيها إشكال؛ لأن مقتضى عدله [5/ 62] عن الألف واللام أن يضمن معناهما؛ لأن معنى المعدول عنه يتضمنه المعدول إليه كـ «عمر» المتضمن معنى: «عامر»، و «حذام» المتضمن معنى: «حاذمة»، وك «مثنى» فإنه تضمن معنى: اثنين اثنين، وك «فسق» في النداء فإنه تضمن معنى: يا فاسق، وإذا كان كذلك فكيف يكون «سحر» على معنى ما فيه الألف واللام ويكون علما، وتعريف العلمية لا يجامع تعريف ما عرف بالألف واللام، فكذلك لا يجامع تعريف ما عدل عن الألف واللام.
انتهى.
وقد يجاب عن ذلك بما تقدم من أن المراد بالعدل فيه أنه عدل عما كان قياسه أن -
الحديث: 3708 - الجزء: 8 - الصفحة: 3996
................................
يعرف به وهو الألف واللام إلى تعريف العلمية لا أنه عدل عن المعرف باللام وأريد تعريفه بالعملية بعد ذلك، على أن الإلزام الذي ذكره إنما يتوجه على من يقول إنه علم، أما من يقول: إن المانع له العدل والتعريف بالألف واللام المرادتين، وأنه منع لشبهه بتعريف العلمية 240 فلا يتوجه عليه ذلك، وقد قيل: إن المانع له مع العدل التعريف بالغلبة على ذلك الوقت المعين 241، لا تعريف العلمية، وهو غير واضح إذ ليس من أقسام التعريف بالغلبة، بل ذلك راجع إلى تعريف العلمية بالغلبة، ومنهم من لم يحكم عليه بعدم الصرف 242، ثم اختلفوا:
فقيل: منع التنوين؛ لأنه منوي فيه الإضافة فهو معرفة بالإضافة.
وقيل: لأنه معرفة بنية «ال» 243.
وإذا استعمل «سحر» نكرة وجب له التصرف والانصراف 244؛ قال الله تعالى:
نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ 245.
وأما «أمس» فإن استعمل طرفا كان مبنيّا 246، وإن استعمل غير ظرف بناه الحجازيون على الكسر كحاله حين كان ظرفا، تقول: ذهب أمس بما فيه، وأحببت أمس، وما رأيتك منذ أمس، وأما بنو تميم فيعربونه ويمنعونه من الصرف حال الرفع خاصة، ويوافقون الحجازيين في البناء على الكسر حالة النصب والجر 247، ومنهم من يعربه مطلقا إعراب ما لا ينصرف فيجيء حال الجر بالفتحة 248، وسبب -
الجزء: 8 - الصفحة: 3997
................................
بنائه تضمين معنى حرف التعريف، وأما منع صرفه عند من منع فللعدل والتعريف 249 كما ذكر في «سحر»، وبقية أحكامه ذكرت في باب الظروف 250.
ومنها: العجمة الشخصية:
والمراد بالشخصية 251: أن ينقل الاسم في أول أحواله علما إلى لسان العرب نحو:
إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، فأول ما استعملته العرب استعملته علما في لسانها، واحترز بذلك من الجنسية والمراد بها 252: أن ينقل الاسم من لسان العجم إلى لسان العرب نكرة نحو: ديباج 253، ولجام، ونيروز 254، وإنما تنصرف هذه حال التسمية بها؛ لأنها لما نقلت نكرة أشبهت ما هو من كلام العرب فتصرفوا فيها بإدخال اللام المعرفة عليها.
وهل يشترط في ما منع أن يكون علما في لسان العجم؟ فيه خلاف 255.
ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط 256، وزعم أبو علي الشلوبيين أنه مذهب سيبويه 257.
وذهب جماعة منهم المصنف إلى اشتراط ذلك وهو ظاهر كلام سيبويه 258 فإنه قال في إبراهيم وإسماعيل ونحوهما: لأنها لم تقع في كلامهم إلا معرفة على حد ما كانت في كلام العجم 259.
وشرط منع العجمة والعلمية الصرف أن تجاوز الكلمة ثلاثة أحرف كإسحاق -
الجزء: 8 - الصفحة: 3998
................................
ويعقوب، وإبراهيم كما أشار المصنف إلى ذلك بقوله: (مع الزّيادة على ثلاثة أحرف).
أما إن كان الكلمة ثلاثية فإنها تكون منصرفة على الأصحّ، قال المصنف في شرح الكافية 260: شرط ما لا ينصرف للتعريف والعجمة أن يكون عجمي الوضع عجمي التعريف زائدا على ثلاثة أحرف فإن كان عجمي الوضع غير عجمي التعريف انصرف، وكذا إن كان ثلاثيّا ساكن العين أو متحركها فإنه منصرف قولا واحدا في لغة جميع العرب، ولا التفات إلى من جعله ذا وجهين مع السكون، ومتحتم المنع مع الحركة؛ لأن العجمة سبب ضعيف فلم يؤثر بدون زيادة على الثلاثة، ومما يدل على ضعف العجمة أنها لا تعتبر مع عملية متجددة كـ «ديباج» سمي به رجل ولا مع الوصفية كـ «سفسير» 261 ولا مع وزن الفعل كـ «بقّم» ولا مع الألف والنون كـ «صولجان» 262 ولا مع التأنيث كـ «صنجة» 263 وممن صرح بإلغاء عجمة الثلاثي مطلقا: السيرافي وابن برهان 264 وابن خروف، ولا أعلم لهم من المتقدمين مخالفا ولو كان منع صرف العجمي الثلاثي جائزا لوجد في بعض الشواذ كما وجد من الوجوه الغربية» انتهى.
وإلى الثلاثي المتحرك أشار المصنف بقوله: (أو حركة الوسط على رأي)، وإلى الساكن أشار بقوله: (فإن تجرّدت منهما - أي من الزيادة ومن حركة الوسط - تعيّن الصّرف خلافا لمن أجاز الوجهين).
وليعلم أن الأعجمي لو كان على أربعة أحرف وأحد حروفه «ياء» التصغير لا يمتنع صرفه 265، وقد نبه المصنف على ذلك في باب النداء.
الجزء: 8 - الصفحة: 3999
................................
وقال في شرح الكافية 266 لما تكلم على أن المخبر عنه بـ «ابن» قد يعامل معاملة المنعوت به: ومما جاء في نثر قراءة غير عاصم والكسائي 267: وقالت اليهود عزيز ابن الله 268 فإنه مبتدأ وخبر، و «عزيز» منصرف حذف تنوينه لالتقاء الساكنين ولشبهه بتنوين العلم المنعوت بابن ثم قال 269: وإنما حكمت بانصراف «عزيز»؛ لأن عاصما والكسائي قرآ به 270 فصح كونه منصرفا إما لأنه عربي الأصل، وإما لأن أصله: «عازار» أو «عيزار» ثم صغر الترخيم حين عرّب، فصرف لصيرورته ثلاثيّا، ولا اعتداد بياء التصغير؛ لأن «نوحا» لو صغر لبقي مصروفا، ولأن سيبويه حكى 271 في تصغير «إبراهيم وإسماعيل»: «بريها وسميعا» مصروفين.
انتهى.
وإذا كان كذلك فلا يستدرك 272 ذلك على المصنف ويحمل قوله هنا: مع الزّيادة على ثلاثة أحرف على ما هو زائد على ثلاثة أحرف في أصل الوضع دون ما زيادته بسبب أمر يطرأ.
ثم المراد بالعجمي 273: كل ما نقل إلى اللسان العربي من لسان غيره سواء أكان من لغة الفرس أم الروم [5/ 63] أم الحبش أم الهند أم البربر أم الإفرنج أم غير ذلك.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4000
................................
وفي شرح الشيخ 274 وتعرف عجمة الاسم بوجوه:
أحدها: أن ينقل ذلك الأئمة، قال: وقد صنّف أبو منصور الجواليقي 275 في ذلك كتابا حسنا 276.
الثاني: بخروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو: إبريسم 277.
الثالث: أن تتبع الراء النون من أول الكلمة نحو: نرجس 278، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية، وقد تتبعها في الكلمة العربية من آخرها نحو: دنّر ومدنّر 279.
الرابع: أن تتبع الزاي الدال نحو: مهندز وهو بناء عظيم كالجبل، ببلخ يضرب لعظمه به المثل، ولا يكون ذلك في كلمة عربية.
الخامس: أن يجتمع فيه الجيم والقاف بغير حاجز نحو: أبجق 280 وقج 281، فإن كان بينهما حاجز فأكثر ما يجتمعان في الكلمة الأعجمية نحو: القبج 282 -
الجزء: 8 - الصفحة: 4001
................................ والمنجنيق 283. السادس: أن يكون خماسيّا عاريا من حروف الذلاقة 284 وهي خمسة 285 يجمعها قولك: «ملف نبرّ» فإنه متى كان عربيّا فلا بد أن يكون فيه شيء منها نحو: سفرجل 286، وقرطعب 287 وحجمرش 288، وقذعمل 289، ولذلك إن كان رباعيّا وعري منها فهو أعجمي إلا إن كانت فيه سين نحو: عسجد 290 وهو قليل جدّا 291. ثم قال 292: وأما ما يبنى على قياس كلام العرب ويسمى به نحو أن تبني على وزن «برثن» 293 من الضرب فتقول: ضربب، أو على مثال «سفرجل» فتقول: ضربّب، فإذا سميت بشيء من هذا أو نحوه فذلك يبنى على اختلاف الناس فيما بنى على ذلك هل يلحق بكلام العرب أو لا يلحق؟ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4002
................................
فمنهم من قال: يلحق فيحكم له بحكم العربي وإن كان فيه مانع منع وإلا صرف.
ومنهم من قال: لا يلحق فيمنع الصرف لأنه ليس من كلام العرب فصار بمنزلة الأعجمي.
ومنهم من قال: لا يلحق إن بني على قياس ما لم يطرد في كلامهم مثل أن تبني من: الضّرب مثل «كوثر» 294 فتقول:
ضورب، لأن الإلحاق بالواو ثانية لم يكثر فمثل هذا يمنع الصرف إذا سمي به وإن بنى على قياس ما اطرد في كلامهم مثل أن تبنى من: الضّرب: مثل: «قردد» 295 فنقول: ضربب فيلحق بكلامهم، لأنه قد كثر الإلحاق بتكرار اللام فيمنع الصرف إن كان فيه مانع وإلا صرف، قال: وهذا هو الصحيح» 296.
وفي الشرح المذكور 297 أيضا «وما كان من الأسماء الأعجمية موافقا في الوزن لما في اللسان العربي نحو: إسحاق فإنه مصدر لـ «أسحق» بمعنى: أبعد 298، أو بمعنى ارتفع، يقال: أسحق الضرع أي: ارتفع لبنه 299، ونحو: يعقوب فإنه ذكر القبج 300، فإن كان شيء منه اسم رجل تبغ فيه قصد المسمى فإن قصد اسم النبي صلّى الله عليه وسلّم منع الصرف للعلمية والعجمة، وإن عني مدلوله في اللسان العربي صرف، وإن جهل قصد المسمى حمل على ما جرت به عادة الناس وهو القصد بكل منهما موافقة النبي عليه الصلاة والسّلام.
ثم قال: وما وافق من الأسماء الأعجمية لمادة عربية فلا يسوغ أن يقال: إنه اشتق من تلك المادة:، لا يقال: إدريس مشتق من الدرس، ولا قابوس مأخوذ من:
قبست، ولا يعقوب مأخوذ من: العقبى، ولذلك رد أبو علي في «القصريات» 301 -
الجزء: 8 - الصفحة: 4003
[ما يمتنع صرفه للعلمية والتأنيث]
قال ابن مالك: (ويمنع مع العلميّة أيضا تأنيث بالهاء أو بالتّعليق على مؤنّث، وإن سمّي مذكّر بمؤنّث مجرّد فمنعه
مشروط بزيادة على الثّلاثة لفظا أو تقديرا كاللّفظ، وبعدم سبق تذكير انفرد به محقّقا أو مقدّرا، وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم، وبعدم استعماله قبل العلميّة في المذكّر، وربّما ألغي التّأنيث فيما قلّ استعماله في المذكّر، فإن كان علم المؤنّث ثنائيّا أو ثلاثيّا ساكن الحشو وضعا أو إعلالا غير مصغّر ففيه وجهان أجودهما المنع، إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميّا فيتعينّ منعه، وكذا إن تحرّك ثانيه لفظا خلافا لابن الأنباريّ في كونه ذا وجهين، وكذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه).
على أحمد بن يحيى 302 ما ادّعاه من أن إبليس من: أبلس وأنه مسمى بذلك لانقطاع رجائه من الله تعالى فقال: هذا لا يصح لأنه غير معروف وليس بمؤنث 303، على أن 304 أحمد بن يحيى يمكن أن يعتقد في إبليس أنه عربي ولذلك اشتقه من:
أبلس وامتنع الصرف للتعريف وشبه العجمة من حيث إنه قلّت التسمية به».
قال ناظر الجيش: قد عرفت أن العلمية تمنع الصرف مع سبع فقدم الكلام على ست منها ونشأ عن معرفة ذلك معرفة ستة أقسام مما أحد علتيه العلمية، وها هو الآن يتكلم في السابعة وهي التأنيث بغير الألف وينشأ عنها معرفة القسم السابع الذي هو تكملة الاثني عشر قسما وبه تتم أقسام الممتنع الصرف، والمصنف قد أورد الكلام على هذا القسم في شرح الكافية 305 إيرادا حسنا، وقد لخصت كلامه فأنا أورد أولا ما لخصته كي يستظهر الطالب على ضبط صور مسائل القسم المذكور ثم أعود إلى لفظ الكتاب، فأقول: المؤنث إما بالتاء أو بالمعنى، فالمؤنث بالتاء ممنوع الصرف حتما على الإطلاق 306 أي سواء أكان كثير الحروف أم قليلها، مؤنث المسمى أم -
الجزء: 8 - الصفحة: 4004
................................
مذكره كـ «عمرة» و «حمزة» و «طلحة» و «ضباعة» و «عكاشة» و «ثبة» و «هبة» وأما المؤنث بالمعنى فممنوع الصرف حتما أيضا إن زاد على ثلاثة كـ «زينب» و «سعاد»، أو كان ثلاثيّا محرّك الوسط كـ «سفر» أو ساكن الوسط
عجميّا كـ «حمص» أو منقولا من مذكر كـ «زيد» إذا جعل اسم امرأة، فإن انتفت العجمة والنقل من مذكر عمّا هو ساكن الوسط جاز فيه الصرف وعدمه 307 كـ «جمل» و «دعد» و «هند» إلا أن ترك الصرف فيه أجود 308.
والزجاج 309 لا يرى فيه إلا المنع، على أن الساكن الوسط المنقول من مذكر إلى مؤنث كـ «زيد» لامرأة فيه خلاف:
فعند عيسى بن عمر 310 وأبي زيد والجرمي والمبرد 311 هو ذو وجهين 312، وعند الخليل وسيبويه وأبي عمرو ويونس [5/ 64] وابن أبي إسحاق 313 يتعين المنع، لأنهم جعلوا نقل المذكر إلى المؤنث ثقلا يعادل الخفة التي بها صرف نحو هند 314 وكذا الثلاثي المحرك الوسط ممتنع 315 الصرف عند جميعهم 316، وهو عند ابن الأنباري 317 ذو وجهين 318، هذا كله إذا كان المسمّى مؤنثا.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4005
................................ أما إذا كان المسّمى مذكرا فإن كان الاسم ثلاثيّا فتأنيثه غير معتبر في منع الصرف، وسواء في ذلك الساكن الثاني والمحركه 319، وإن كان الاسم زائدا على الثلاثة اعتبر تأنيثه 320، لأن الحرف الزائد منزل منزلة التأنيث وذلك كـ «زينب» و «سعاد»، ويستثنى من هذا الأصل شيئان: أحدهما: ما هو من أسماء 321 الإناث إلا أنه مذكر الأصل كـ «دلال» و «وصال» فإنهما من أسماء النساء وأصلهما التذكير لأنهما مصدران، فإذا سمي بمثل هذا مذكر بعد أن سمّى به مؤنث انصرف ولم يعتبر تأنيثه لأنه مسبوق بتذكير 322، بخلاف نحو: زينب وسعاد من المؤنث الذي ليس مسبوقا بتذكير. ثانيهما: ما هو من صفات المؤنث لكنه مستعمل بلفظ التذكير نحو: حائض، فإنه إذا سمي به مذكر انصرف 323 لأنه مذكر وصف به مؤنث لأمن اللبس فلما سمي به مذكر عاد إلى أصله ولم يعتبر فيه تأنيث فيقال في حائض اسم رجل: هذا حائض ورأيت حائضا ومررت بحائض، ومن هذا النوع، جنوب ودبور وشمال وحرور وسموم، إذا سميت بشيء منها رجلا صرفته لأن كلّا من هذه الكلمات بمنزلة حائض في الوضعية والتّعرّي من العلاقة وإن كان مخصوصا في الاستعمال بالريح وهي مؤنثة لكنه مذكر الأصل كحائض. قال سيبويه 324 بعد أن حكى قول العرب: ريح شمال وريح سموم وريح جنوب: «سمعنا ذلك من فصحاء العرب لا يعرفون غيره»، وأنشد للأعشى: 3709 - لها زجل كحفيف الحصا... د صادف باللّيل ريحا دبورا 325
الحديث: 3709 - الجزء: 8 - الصفحة: 4006
................................
ثم قال 326: ويجعل اسما وذلك قليل قال الشاعر:
3710 - حالت وحيل بها وغيّر آيها... صرف البلى يجري به الرّيحان
ريح الجنوب مع الشّمال وتارة... رهم الرّبيع وصائب التّهتان 327
قال 328: «فمن جعلها اسما لم يصرف شيئا منها اسم رجل وصارت بمنزلة الصعود والهبوط» يعني بذلك أن الصعود والهبوط ونحوهما أسماء لا صفات فلا غنى عن تأنيثها لتأنيث مسمّاها وهو الأرض.
قال المصنف 329: «حاصل كلام سيبويه أن الواقع من أسماء الأجناس على مؤنث حقيقي أو مجازي إذا لم يكن فيه علامة فهو إما اسم أو صفة، فالاسم تأنيثه معتبر حتما كـ «هبوط» و «صعود» والصفة تأنيث الاسم معها غير معتبر إن سمي به مذكر كـ «حائض» و «ضناك» 330، وإن كان صفة على لغة [واسما على لغة] كجنوب اعتبر تأنيثه إن سمي به مذكر على لغة من جعله اسما، ولم يعتبر على لغة من جعله صفة.
وليعلم أن تأنيث الجمع غير معتبر إذا كان المسمى بذلك الجمع مذكرا كأن تسمى رجلا بـ «كلاب»، قال في شرح الكافية 331: «جمع التكسير المجرد كواحد مذكر - - يعني أن صوتها إذا تحركت على لابسها كصوت الحصاد إذا هبت عليه الدبور، وصف كتيبة تلك حال دروعها.
والشاهد: في جعله الدبور وصفا للريح، فعلى هذا إذا سمي به مذكر انصرف في المعرفة والنكرة، لأنه صفة مذكرة وصف بها مؤنث كطاهر وحائض، ومن جعل الدبور اسما للريح ولم يصفها به وسمى به مذكرا لم يصرفه لأنه بمنزلة عقرب وعناق ونحوهما من أسماء المؤنث.
والبيت في ما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج وديوان الأعشى (ص 71)، وابن السيرافي (2/ 217)، واللسان (دبر).
الحديث: 3710 - الجزء: 8 - الصفحة: 4007
................................
اللفظ، فإذا سمي به مذكر انصرف، ولو كان جمع مؤنث حقيقي، فيقال في رجل اسمه «نساء»: هذا نساء ورأيت نساء ومررت بنساء، [فـ «نساء» في تسمية المذكر به كـ «رجال» في تسمية رجل به]، قال: والمراد بكونه مجردا أن لا يكون على وزن الفعل كـ «أكلب» ولا على وزن منتهى التكسير كمساجد، ولا ذا علامة تأنيث كـ «بعولة» و «أولياء»، ولا مزيدا فيه ألف ونون كـ «غلمان» ولا ذا عدل كـ «أخر» انتهى.
ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب فنقول:
قوله: ويمنع مع العلمية أيضا تأنيث بالهاء أفاد بإطلاقة أن المؤنث بالهاء ممنوع الصرف مؤنثا كان المسمى به أو مذكرا، كثير الحروف كان أو قليلها، وكأنه إنما عدل عن أن يقول «تأنيث بالتاء» إلى قوله «بالهاء» لئلا يلزم منه أن نحو: «بنت» و «أخت» حكمها في التسمية بهما حكم «هبة» و «ثبة» مسمّى بهما وليس كذلك، فإن بنتا وأختا إذا سمي بهما مؤنث كان حكمهما حكم «هند» فيجيء فيهما الوجهان 332، وإن سمي بهما مذكر كان حكمهما الصرف عند سيبويه وأكثر النحويين 333، لأن التاء فيهما قد بنيت الكلمة عليها وسكن ما قبلها فاشبهتا تاء «جبب» 334 و «سحت» 335.
وقوله: أو بالتّعليق على مؤنّث أشار به إلى المؤنث بالمعنى، لكن قد عرفت أن شرط تحتم منعه الصرف أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف أو محرك الوسط إن كان ثلاثيّا، وإن كان ساكن الوسط فشرط منعه أن يكون أعجميّا أو منقولا من مذكر، وقد أشار المصنف إلى ذلك كله في أثناء الفصل حيث قال: فإن كان علم المؤنّث ثنائيّا أو ثلاثيّا ساكن الحشو وضعا أو إعلالا غير مصغّر ففيه وجهان أجودهما المنع إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميّا فيتعيّن منعه، وكذا إن تحرّك ثانيه لفظا خلافا لابن الأنباري في كونه ذا وجهين، وكّذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4008
................................
فقوله: فإن كان علم المؤنّث ثنائيّا أو ثلاثيّا ساكن الحشو ففيه وجهان - يستفاد منه أن قوله قبل: أو بالتّعليق على مؤنّث مصروف إلى غير هذين الشيئين من أسماء وهو الثلاثي المحرك الوسط والزائد على الثلاثة.
ثم إنه لما قال: إن الثلاثي الساكن الحشو ذو وجهين، وكان فيه ما هو متحتم المنع كما عرفت قبل - استثنى ذلك بقوله: إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميّا فيتعيّن منعه، وبقوله بعد: وكذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه.
فإن قيل: أيّ شيء أحوجه إلى أن يقول: وكذا إن تحّرك ثانيه لفظا [5/ 65] نحن قد عرفنا ذلك من قوله أولا: أو بالتّعليق على مؤنّث وهو لم يخرج من ذلك إلا الساكن الحشو فـ: ما لم يكن ساكن الحشو داخل تحت قوله: أو بالتّعليق على مؤنّث، فيكون متحتم المنع؟.
فالجواب: أنه لم يكن محتاجا إلى ذكر ذلك لما قلت، وإنما ذكره لأمر آخر وهو التنبيه على أن فيه خلاف ابن الأنباري حيث لم يقل بتحتم المنع فيه وجعله ذا وجهين.
ومثال الثنائي «يد» إذا سميت به امرأة قال في شرح الكافية 336: «وإذا سميت امرأة بيد ونحوه مما هو على حرفين جاز فيه ما جاز في هند ذكر ذلك سيبويه 337 انتهى.
وأنت قد عرفت أن في نحو «هند» وجهين أجودهما المنع، فلتكن «يد» إذا سمّي بها مؤنّث كذلك.
ثم إنه فصّل الساكن الحشو إلى ما سكونه بالوضع وذلك كـ «هند» و «دعد» وإلى ما سكونه بالإعلال كـ «دار»، وإنما احتاج إلى ذكر ما سكونه بالإعلال لئلا يقول قائل: هذا متحرك الحشو وإنما عرض له ما أوجب إعلاله فليكن ممنوع -
الجزء: 8 - الصفحة: 4009
................................ الصرف، فأزال هذا التخيل بقوله أو إعلالا. وأما قوله غير مصغّر فاحترز به كما ذكر الشيخ 338 من نحو: «يد» و «هند» إذا صغّرا فقيل فيهما: يديّة وهنيدة، فإنهما يتحتم فيهما المنع، وإذا كان هذا كما ذكر الشيخ فالمصنف قد كان في غنى عن ذكر ذلك، لأنه قد عرفنا أولا أن التأنيث بالهاء مانع مع العلمية فيصير ذكر هذا ثانيا تكريرا. قال الشيخ 339: «فإن لم تلحقه الهاء في التصغير نحو: حرب وناب اسمين لامرأة، إذا صغّرا وقيل فيهما: حريب ونييب جاز فيهما الوجهان، فقد أطلق المصنف في قوله: غير مصغّر، فكان ينبغي أن يقول: غير مصغّر بالهاء» انتهى. وقول المصنف: أجودهما المنع هو قول الجمهور 340، وقال أبو علي 341: إن الصرف أفصح، وغلّطوه في ذلك حتى قال ابن هشام 342: «ولا أعرف أحدا قال هذا القول قبله». وذهب الزجاج 343 إلى أن الصرف غير جائز، وربما علل ذلك بأن الموانع المعنوية لا يعارضها اللفظ 344 وقد أبطل 345 مذهب الزجاج بالسماع والقياس، أما السماع: فنقل النحويون كافة عن العرب أنها تصرف ومن ذلك قول الشاعر: 3711 - فأبكي إلى هند إذا هي فارقت... وأبكي إذا فارقت هندا إلى دعد 346
الحديث: 3711 - الجزء: 8 - الصفحة: 4010
................................ وقال آخر: 3712 - أعلنت في حب جمل أي إعلان... وقد بدا شأنها من بعد كتمان 347 وقال آخر: 3713 - أتصبر عن جمل وأنت صفيّها... أبا هاشم ليس المحبّ أخا الصّبر تبيت خليّا ترقد اللّيل كلّه... وجمل تراعي الفرقدين إلى النّسر 348 وقال آخر 349: 3714 - إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل... لزمان يهمّ بالإحسان 350 وقال آخر: 3715 - أهيم بدعد ما حييت فإن أمت... فوا كبدي ممّا أحنّ إلى دعد 351 ومما جاء غير مصروف قول الشاعر: -
الحديث: 3712 - الجزء: 8 - الصفحة: 4011
................................ 3716 - ما بال همّ عنيد بات يطرقني... بالواد من هند إذ تعدو عواديها؟ 352 وقال آخر: 3717 - على جمل منّي إذ دنا الموت بغتة... سلام كثير كلّما ذرّ شارق 353 وقال آخر: 3718 - لم تتلفع بفضل مئزرها... دعد ولم تغد دعد في العلب 354 فجمع بين اللغتين الصرف وتركه في بيت واحد 355. وأما القياس 356: فصرفهم «لوطا» و «نوحا» وهما أعجميان معرفتان لخفة الوزن، قالوا 357: فكما قاومت الخفة أحد السببين فيهما فكذلك قاومت أحد -
الحديث: 3716 - الجزء: 8 - الصفحة: 4012
................................
السببين في «هند»، و «دعد» ونحوهما.
وأقول: إن في ذلك نظرا؛ لأن الاسم الأعجمي الثلاثي مصروف، ولو كان محرّك الوسط فكيف يقال: إن السكون في «نوح» و «لوط» قاوم أحد السببين والعجمة لا أثر لها في الثلاثي جملة 358؟
وقوله إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميا قد تقدم التمثيل لذلك بـ «حمص» ومثله:
ماء وجور 359، ووجه منعه من الصرف أن العلم الثلاثي المؤنث الساكن الوسط غير المنقول من مذكر فيه وجهان: الصرف وتركه، وكان القياس منعه للتأنيث والعلمية، ولكنه حصل له خفة بالسكون فجاز فيه الصرف، فلما انضاف إلى ذلك عجمة ثقل الاسم بها، فكأن العجمة قاومت السكون فرجع الاسم المذكور إلى ما يقتضيه القياس فيه من منع الصرف، فالعلة المانعة من الصرف فيه هي العلمية والتأنيث، والعجمة شرط لتحتم المنع.
وفي شرح الشيخ 360: «وبعض النحويين جعله كهند فجوز فيه الوجهين ولم يجعل للعجمة تأثيرا».
ومثال ما تحرك ثانيه: قد تقدم تمثيله بـ «سقر» ومثله أيضا «قدم» 361، وقد عرفت أن ابن الأنباري جعله ذا وجهين فخالف النحاة أجمعين، ومستند منع الصرف فيه أن حركة الوسط تنزلت منزلة الحرف الرابع، والدليل على أن حركة الوسط تتنزل منزلة الحرف الرابع أنهم يقولون في النسب إلى جمزى جمزيّ بحذف الألف، كما يحذفونها من حبارى ونحوه مما قبل الألف فيه أربعة أحرف، فلو سكن الوسط أجازوا إبقاء الألف ولم يوجبوا الحذف نحو: حبلى، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4013
................................
فإنه يجوز أن يقال في النسب إليه: حبلويّ وإن جاز فيه: حبليّ أيضا.
وقيد الحركة - أعني حركة الثاني - بكونها لفظا احترازا من نحو: دار ونار مسمّى بهما، فإن ثانيهما متحرك تقديرا، والحاصل: أن الحركة المقدرة لا أثر لها فكما احترز عنها عند ذكره سكون الحشو احترز عنها عند ذكر تحركه أيضا.
وقوله: وكذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه قد تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة، وأن مذهب الخليل وسيبويه وأبي عمرو ويونس وابن أبي إسحاق في المنقول من مذكر المسمى به مؤنث منع الصرف، وعلى ذلك الأخفش والمازني والفراء 362 أيضا، والعلة في ذلك أن الاسم نقل من الأخف - وهو باب التذكير - إلى الأثقل - وهو باب التأنيث - وهذا بخلاف [5/ 66] إذا سميت رجلا بـ «شمس» فإنك تصرفه؛ لأنه خرج من الباب الأثقل إلى الباب الأخف، واحتج سيبويه - رحمه الله تعالى - بأن الأصل أن يسمى المؤنث بالمؤنث والمذكر بالمذكر 363، فلما كان ثقل المذكر إلى المؤنث الذي يلائمه خلافا لوضع كلامهم والمعتاد من ألفاظهم ثقل فعادل ذلك نهاية الخفة التي لها صرف «هندا» من صرف فلم يجز فيه إلّا منع الصرف 364.
واعلم أنني قدمت الكلام على ما في أثناء الفصل لتعلّقه بما المسمّى فيه مؤنث، فيكون الكلام مرتبطا بعضه ببعض؛ لأن صور المسائل المذكورة داخلة تحت قسم واحد فلا ينبغي التفريق بينهما في الذكر.
بقي الكلام على القسم الذي ما سمي فيه مذكر فنقول:
قوله: وإن سمّي مذكّر بمؤنّث مجرّد يريد به أن يكون مجردا من الهاء 365 وهو أمر معلوم.
وقوله: فمنعه مشروط بزيادة على الثّلاثة قد تقدم أن تأنيث الثلاثي غير معتبر في هذا القسم، وأن شرط منع الصرف الزيادة على الثلاثة، لكن زعم ابن خروف 366 أن «قدما» ونحوه من المؤنث إذا سمي به مذكر منع الصرف، لأن حركة العين -
الجزء: 8 - الصفحة: 4014
................................
قامت مقام الحرف الرابع، وردّ ذلك عليه بأن العرب إنما حكمت للحرف الرابع في «زينب» ونحوه بحكم علامة التأنيث لمعاقبته لها، والحركة لم تعاقب علامة التأنيث، فلم يحكم لها بحكمها، كأنهم يعنون بهذا الكلام أن المؤنث الثلاثي إذا صغّر ولم يكن فيه «ياء» لحقته في التصغير «تاء» كقولهم في عين: عيينة، ويد:
يديّة، وأذن: أذينة وإن كان المؤنث رباعيّا كـ «عقرب» مثلا وصغر لم تلحقه التاء، فحيث لم يوجد الحرف الرابع أتوا بالتاء، وحيث كان الحرف الرابع موجودا امتنعوا من الإتيان، وهذه معاقبة بين الحرفين، ولم توجد هذه المعاقبة بين حركة وحرف.
ومذهب الفراء وثعلب 367 أن الاسم الثلاثي المجرد المؤنث إذا سمي به مذكرا امتنع من الصرف: ولم يفرقا بين المتحرك الوسط والساكنه وذلك نحو: فخذ وريح، وعللا ذلك بأن فيه أمرين يوجبان له النقل، وهما: التعريف والتعليق على ما لا يشاكله في الثقل.
وردّ ذلك بأن نقل اللفظ الثقيل إلى ما لا يلائمه في الثقل لم تجعله العرب من الأسباب المانعة للصرف بدليل صرفهم «كعسبا» اسم رجل وهو منقول من الفعل، والفعل ثقيل، ولأن السماع إنما ورد بالصرف ولم يرد بغيره، قال الشاعر:
3719 - تجاوزت هندا رغبة عن قتاله... إلى ملك أعشو إلى ضوء ناره 368
وقوله: لفظا ظاهر وذلك كـ «سعاد» و «عناق» و «أبان» مسمّى بها.
وقوله: أو تقديرا مثاله: «جيل» إذا سميت به المذكر هو اسم للضّبع 369، وأصله: جيأل؛ نقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت، فهو ثلاثي في اللفظ، زائد على الثلاثة في التقدير.
وقوله: كاللّفظ يريد به أن هذا المقدر بمنزلة الملفوظ به؛ لأنه قد يصير مخففا في الكلية فينطق به، بخلاف ما لا يمكن النطق به وهو مقدر، وذلك نحو: كتف -
الحديث: 3719 - الجزء: 8 - الصفحة: 4015
................................
وقدم إذا سميت بهما مذكرا، فإنهما يصرفان، ومع ذلك فالنحاة يقولون: إذا سمي بهما مؤنث امتنع الصرف، لأن الحركة تنزلت منزلة الحرف الرابع فكأنه مقدر فيه؛ ولذلك إذا صغّروا ذلك ألحقوه هاء التأنيث فقالوا: كتيفة وقديمة، ومع ذلك فإن كان الحرف الرابع مقدّرا قامت الحركة مقامه، فلا يجوز اللفظ به وهو مكبر، فهذا تقدير لا يلفظ به، ومانع للصرف، لكن في المؤنث لا في المذكر.
هذا تقرير الشيخ 370.
ولم أتحقق ما قاله، وقد يقال: إن تقدير الهمزة في «جيل» لتصير الكلمة أربعة أحرف فيمنع الصرف إذا سمي به مذكر، إنما كان كاللفظ من جهة أن الحركة التي كانت على الهمزة باقية بعد حذف الهمزة، وهي ملقاة على الياء التي هي ساكنة في أصل وضع الكلمة، فكان بقاء الحركة كأنه بقاء لما كان محرّكا بها، فمن ثمّ قيل: إن هذا التقدير كاللفظ، وليس لقوله كاللفظ مفهوم لأنه يريد أن التقدير حكم له بحكم اللفظ.
وقوله: وبعدم سبق تذكير انفرد به محقّقا أو مقدّرا أقول: قد تقدم أن الاسم المؤنث الزائدة حروفه على ثلاثة إذا سمّي به مذكر امتنع صرفه إلا اسمين: ما هو مذكر الأصل وقد سمي به مؤنث قبل أن يسمى المذكر به كـ «دلال» و «وصال»، وما هو من صفات المؤنث ولكن لفظه لفظ المذكر كـ «حائض» و «طامث» 371، فأشار إلى القسمين الآن بقوله: «وبعدم سبق تذكير» وقصده إخراجهما مما يمتنع صرفه إذا سمي به مذكر، وذلك أنه جعل عدم سبق التذكير التسمية شرطا لمنع الصرف، وهذه الكلمات سبق تذكيرها التسمية بها، فلم يوجد فيها عدم السبق، بل وجد السبق فتكون مصروفة، ولكن سبق التذكير في «دلال» و «وصال» محقق، و «حائض» و «طامث» سبق التذكير فيهما مقدر؛ لأنهما لم يستعملا لمذكر أصلا، لكنهما مع ذلك اسمان مذكران في اللفظ، فمن هذه الحيثية كان سبق التذكير فيهما مقدرا، وإنما وصف بهما وبأمثالهما المؤنث، إما لأمن اللبس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وإما للحمل على المعنى؛ لأن معنى امرأة حائض:
شخص حائض 372. -
الجزء: 8 - الصفحة: 4016
................................
وأما قوله: «انفرد به» فهو فيه زائد في التسهيل، ولا تعرض إليه في شرح الكافية.
قال الشيخ 373: «وهو احتراز من نحو: ظلوم وقتول، فإنك إذا سميت به رجلا لم ينصرف عنده، لأنه سبقه تذكير ولم ينفرد به المذكر؛ لأنه يطلق على المؤنث كما يطلق على المذكر، قال: ولا يأتي هذا الذي ذكره على مذهب البصريين؛ لأنهم لا فرق عندهم في سبق التذكير [بين] ما انفرد به المذكر كدلال ووصال.
وما لم ينفرد به [5/ 67] كظلوم، وقتول، قال (2): وعلى هذا لا فرق بين وصف مختصّ معناه بالمؤنث، ووصف يشترك في معناه المذكر والمؤنث، فإذا سمي بشيء منها مذكر كان منصرفا نظرا إلى أصالة التذكير فيها؛ لأنها أسماء مذكرة وصف بها مؤنث، قال 374: ومما يدل على اعتبار التذكير السابق في ما ذكر أنهم إذا صغروا شيئا من هذه الأوصاف لا يدخلون فيه تاء التأنيث فإنهم يقولون في نصف 375 إذا صغّروا: امرأة نصيف، فجعلوا لهذه الأوصاف - وإن كانت صفات إناث - حكم المذكر، وأما الكوفيون فإنهم لا يصرفون نحو: حائض وطامث اسمي مذكر كما نقل الشيخ في شرحه 376 وذكر عنهم تعليلا وتفصيلا في ذلك عن بعضهم، فتركت إيراده خشية الإطالة، ولأن قول البصريين هو المعمول به في هذه المسألة.
وقوله: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم أقول: قد تقدم أن هذه الكلمات وهي: جنوب، ودبور، وشمال، وحرور، وسموم حكمها الصرف إذا سمي بشيء منها مذكر بمنزلة «حائض» في الوصفية والتعري من العلامة، وإن كانت مخصوصة في الاستعمال بالريح وهي مؤنثة، لكنها مذكرات في الأصل كـ «حائض»، وتقدم أن بعض العرب يجعلها أسماء فتكون حينئذ كـ «الصّعود» و «الهبوط» فتمنع الصرف والذي تقدم تقريره مما تحصل من كلام سيبويه أن الواقع من أسماء الأجناس على مؤنث حقيقي أو مجازي إذا لم يكن فيه علامة فهو إما اسم أو صفة، فالاسم تأنيثه معتبر حتما كـ «هبوط» و «صعود» والصفة التأنيث فيها غير معتبر إن سمي -
الجزء: 8 - الصفحة: 4017
................................
بها مذكر كـ «حائض» و «ضناك» وإن كانت صفة على لغة واسما على لغة كـ «جنوب» اعتبر تأنيثه إن سمي به مذكر على لغة من جعله اسما، ولم يعتبر على لغة من جعله صفة، وإذا كان الحكم في هذه بالنسبة إلى الصرف وعدمه حكم «حائض» فلا حاجة إلى أن يشار إليه ثانيا؛ لأن حكمها قد علم مما علم مما علم منه حكم «حائض» المسمى به وهو قوله: وبعدم سبق تذكير، لكنه قد قال: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم فقال الشيخ في شرحه 377: يعني أنه يمنع الاسم الصرف في المذكر بشرط زيادة على ثلاثة وعدم سبق تذكير وعدم ما ذكر في هذا، فإن كان ثلاثيّا انصرف وإن سبقه تذكير انصرف، وإن احتاج مؤنثه إلى تأويل فإما أن يكون غير لازم أو لازما، إن كان غير لازم انصرف، وذلك اسم الجنس بغير علامة لمؤنث نحو: جنوب ودبور وشمال وسموم وحرور، وذلك أنها مؤنثة تحتاج إلى تأويل ولكنه لا يلزم، قال: والتأويل فيها أنها أوصاف جرت على الريح، والريح مؤنثة، ولكن تأويلها هذا ليس بلازم، ألا ترى أن بعض العرب يجعلها أسماء لمؤنثات ولا يلحظ فيها معنى الصفة كـ «الصّعود» و «الهبوط» فعلى هذا إذا سميت بها مذكرا منعتها الصرف، فمتى كان هذا المؤنث يحتاج إلى تأويل لازم كحال هذه إذا جعلت أسماء فإنه يلزم أن تؤوّل بمؤنث وتمنع الصرف إذا سمي بها مذكر وتصير كـ «زينب»، وإن لم يلزم أن تؤوّل بمؤنث كمشهور استعمالها، فإنها إذا سمي بها مذكر انصرفت قال 378: وملخص هذا: أن ما كان اسما على لغة وصفة على لغة فهو ذو وجهين:
الصرف وتركه، وذلك كـ «جنوب» ونحوه إذا سميت به مذكرا.
انتهى.
وملخص ما قال: أن هذه الكلمات وهي «جنوب» وما ذكر معها إن استعملت صفات ففيها تأويل، والتأويل فيها أنها أوصاف جرت على الريح، والريح مؤنثة، وأن تأويلها ليس بلازم معللا عدم اللزوم بأن بعض العرب يستعملها أسماء لمؤنثات، وإن استعملت أسماء فإنها تؤول بمؤنث ويكون التأويل فيها لازما، وأقول: إن في ذلك نظرا؛ لأننا إن سلمنا أن فيها تأويلا حال استعمالها صفات، فتأويلها لازم ما دامت صفات، ولا ينفى عنها لزوم التأويل باستعمال بعض العرب لها أسماء؛ لأن حال استعمالها أسماء غير حال استعمالها صفات فلا تعلق لإحدى الحالين بالأخرى.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4018
................................
وأما قوله: إنها إذا استعملت أسماء كان تأويلها بمؤنث لازما فغير ظاهر أيضا؛ إذ لا تأويل في هذه الحالة؛ لأن الاسم تابع المسمى، إن كان المسمى مذكرا فالاسم مذكر، وإن كان المسمى مؤنثا فالاسم مؤنث.
وبعد، فهذا الموضع قد أشكل عليّ فيه كلام الشيخ وكذا عبارة المصنف وهي قوله: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لازم لأن هذا اللفظ يعطي بظاهره أن نحو:
جنوب، ودبور، وما ذكر معهما له مؤنث وليس كذلك، إنما المؤنث هي أنفسها إن كانت أسماء، وإن كانت صفات حكم بتأنيثها لجريانها على مؤنث إلّا أن لفظها مذكر، فروعي تذكير اللفظ عند التسمية بها فصرفت، بخلاف ما إذا نقلت وهي أسماء وسمي بها، فإنها لا تصرف حينئذ كما تقدم تقرير ذلك.
والحق أن المصنف قد كان في غنية عن ذكر ذلك، لأنه إن كان المراد به أن نحو «جنوب» إذا سمي به منقولا من الصفة انصرف، فهذا قد عرف من قوله وبعدم سبق تذكير كما قدّمنا، وإن كان المراد به غير ذلك فسبحان العالم بما تضمر النفوس.
وقوله: وبعدم غلبة استعماله قبل العلميّة في المذكّر يريد به أن منع الصرف في ما سمي به مذكر من المؤنث مشروط أيضا بغلبة استعمال ذلك الاسم قبل العلمية في المذكر، فمعناه أنه إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر انصرف، قال الشيخ 379:
«ومثال ذلك ذراع، فإنه مؤنث، وسمي به المذكر حتى صار كأنه من أسماء المذكر وبقي بعد مصروفا لكثرة استعمال [5/ 68] العرب له في أسماء الرجال 380، قال:
وقول المصنف: إنه غلب استعماله قبل العلمية في المذكر، يعني أنه قبل أن يصير علما غلب استعماله في المذكر أي تابعا للمذكر، فإن العرب تصف به المذكر فتقول: هذا ثوب ذراع أي: قصير 381، فعومل لذلك معاملة ما سمي به من الأسماء المذكرة الزائدة على ثلاثة أحرف، قال: ولا يزيد المصنف أنه غلب استعماله قبل العلمية في المذكر جنسا واقعا على مدلوله في المؤنث غير موصوف به؛ لأن ذلك ليس في كلام العرب وهو أنه يغلب استعماله مذكرا على غير الوجه الذي -
الجزء: 8 - الصفحة: 4019
................................
قدمناه من الوصف به، قال: ويحتمل أن يزيد المصنف أنه إذا غلب استعماله في المؤنث قبل العلمية في المذكر، أي قبل أن يصير علما في المذكر فإنه إذ ذاك يصرف ويكون إذ ذاك ذراع سمع فيه التذكير والتأنيث، ولكن غلب فيه التأنيث» انتهى.
وهذا الذي ذكره احتمالا لعله هو مراد المصنف لأنه قال في شرح الكافية 382: «وإذا استعمل الاسم بتذكير وتأنيث وزاد على ثلاثة أحرف جاز فيه إذا سمي به رجل الصرف وتركه كذراع وكراع 383، وترك الصرف أجود في هذين؛ لأن تأنيثهما أكثر.
انتهى.
وبعد فلم يتوجه لي كلامه في التسهيل إذا جعلنا المراد به ما ذكره في شرح الكافية؛ لأن كلامه هنا إنما هو فيما يتعين امتناع صرفه من المؤنث إذا سمي به مذكر، لأن قوله: وبعدم غلبة استعماله قبل العلمية في المذكّر معطوف على ما تقدم من المجرور بالياء المتعلقة بقوله: فمنعنه مشروط فالمعنى أنه إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر انصرف وإن لم يغلب الاستعمال المذكور لم ينصرف، فليس الكلام في ما فيه الصرف وتركه، بل فيما يتعين فيه منع الصرف كما ذكرنا، فكيف يمثل لما يتعين منع صرفه بما ذكر هو أن فيه الوجهين أعني الصرف وتركه؟
ثم قال الشيخ 384: وقد شبهوا كراعا بذراع حين سموا به مذكرا، وإن كان مؤنثا في الأصل فصرفوه وليس بقياس، والقياس ترك صرفه وهو أجود في كلامهم من الصرف، قال سيبويه 385، قال 386: وإلى مسألة كراع أشار المصنف بقوله: وربما ألغي التّأنيث في ما قلّ استعماله في المذكّر، وهو صرف «كراع» إذا سمي به، فإنه يقل استعماله في المذكر، بل هو من الأسماء الغالبة في المؤنث، فكان القياس ألا يصرف هو ولا ذراع، لكن عارض هذا كثرة التسمية بهما في المذكر حتى صار كأنهما من أسمائه، وزاد «ذراع» على «كراع» أنه وصف به المذكر؛ فلذلك تحتم صرفه ولم يتحتم صرف كراع «انتهى».
وقد عرفت أن كلام المصنف في شرح الكافية يأبى ذلك؛ لأنه سوى بين «ذراع» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4020
[مسألتان في العلم المختوم بالزيادتين والمجهول الأصل]
قال ابن مالك: (ولا اعتداد في منع الصّرف بكون العلم مجهول الأصل، أو مختوما بنون أصليّة تلي ألفا زائدة خلافا للفرّاء في المسألتين، ولا اكتراث بإبدال ما لولاه لوجب 387 منع الصّرف).
- و «كراع» فكيف يحمل كلامه هنا على ما يأباه ثمّ؟.
وقد ذكر الشيخ عن صاحب الإفصاح 388 ما يقارب كلام المصنف في شرح الكافية قال 389: «ذراع» مسمّى به مصروف سماعا من العرب والقياس ترك الصرف، وقال الخليل وسيبويه 390: ومن العرب من يصرف كراعا شبهه بذراع وهو أخبث الوجهين، يعني أن كليهما خارج عن القياس، لكن ذراع كثر تسمية المذكر به ووصف به، وكراع ليس كذلك، قال 391: وحكى الأصمعي تذكير الذّراع والكراع، فعلى هذا يكون المسموع على القياس، ولم يحفظ الخليل وسيبويه فيهما تذكيرا، ولم يحك أحد في التسمية بذراع عدم الصرف، فكأنهم اتفقوا عند التسمية على التذكير».
هذا كلام صاحب الإفصاح.
وقد تبين أن هذا الموضوع وهو من قوله: «وبعدم احتياج مؤنثه إلى تأويل» إلى قوله: «في ما قلّ استعماله في المذكر» لم يتحصل من شرحه ما يشفي الغليل، مع ما في عبارة الكتاب من القلق، وما في بعضها من الإباء لما فسر به كلامه، ولا شك أن المسألة معروفة، وكلامه في شرح الكافية واف بالمقصود يمكن الاستغناء به عن هذا الذي ذكره في التسهيل.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أنه لا يعتد في منع الصرف بكون العلم مجهول الأصل، ولا يكون الاسم العلم -
الجزء: 8 - الصفحة: 4021
................................
مختوما بنون أصلية تلي ألفا زائدة، فمثال الأول: أبو صعرور 392، قال الشيخ 393:
«ذهب بعض النحويين إلى أن العرب إذا سمت بالاسم المجهول أو بالاسم الذي ليس من عادتهم التسمية به فإنه يجريه مجرى الأعجمي لشبهه به من جهة أنه غير معهود في أسمائهم كما أن الأعجمية كذلك»، وفهمت من كلام الشيخ أنه يرى ذلك لأنه قال 394: «وهذا موافق لما تقرر في هذا الباب من جعل شبه العلة علّة».
ومثال الثاني: سنان 395 وبيان 396، شبه المانع للصرف النون الأصلية بالنون الزائدة، ولا يخفى ضعف هذا المذهب 397.
وقد خالف الفراء 398 في هذين الأمرين فمنع الصرف في المجهول وفي ما آخره نون أصلية بعد ألف زائدة، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: خلافا للفرّاء في المسألتين.
الثانية:
أن نحو «هراق» بإبدال الهمزة هاء ممتنع الصرف وكذا «أصيلال» بإبدال اللام من النون ممتنع الصرف أيضا إذا سمي بكل منهما، لأن «هراق» فيه وزن الفعل والعلمية، و «أصيلال» فيه زيادة الألف واللام التي هي بدل من النون الزائدة التي لو وجدت لكانت مانعة فأجري ما قام مقامها مجراها 399.
ومعنى قوله «بإبدال ما لولاه لوجب منع الصّرف» ما لولا كونه [5/ 69] بدلا لوجب المنع وذلك في «أراق» بالهمزة و «أصيلان» بالنون.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4022
[حكم أسماء القبائل والأماكن]
قال ابن مالك: (فصل: صرف أسماء القبائل والأرضين والكلم ومنعه مبنيّان على المعنى، فإن كان أبا أو حيّا أو مكانا أو لفظا صرف، وإن كان أمّا أو قبيلة أو بقعة أو كلمة أو سورة لم يصرف، وقد يتعيّن اعتبار القبيلة أو البقعة أو الحيّ أو المكان).
قال الشيخ 400: «وثبت في نسخة عليها خط المصنف بدل قوله: «لوجب منع الصّرف»: «لوجب الصّرف»، وذلك إشارة إلى مسألة عكس هذه المسألة وهي أنك لو سميت بـ «حنّان»، وهو الحنّاء أبدلت همزته نونا، لصرفته، لأن النون بدل من حرف أصلي، كما أن اللام في «أصيلال» بدل من حرف زائد، فلم يكن في «حنّان» إلّا سبب واحد وهو العلمية، ولم يحفل بالنون؛ لأنها بدل من أصل كما لم يحفل باللام لأنها بدل من زائد».
قال ناظر الجيش: من المعلوم أن هذا الكلام فيه لف ونشر 401، لأن قوله: فإن كان أبا أو حيّا يرجع إلى «القبائل» وقوله: أو مكانا يرجع إلى «الأرضين»، وقوله: أو لفظا يرجع إلى الكلم، وكذا قوله: وإن كان أمّا أو قبيلة يرجع إلى الأول، وقوله: أو بقعة يرجع إلى الثاني، وقوله: أو كلمة أو سورة يرجع إلى الثالث، فمتى أريد بالأول: الأب أو الحي صرف، لفقد التأنيث، فمثال ما أريد به الأب: «معدّ» و «تميم» و «جذام» و «لخم»، ومثال ما أريد به الحي:
«قريش» و «ثقيف» 402، ومتى ما أريد به الأم أو القبيلة منع، لانضمام التأنيث إلى العلمية، فمثال ما أريد به الأم: «باهلة» 403، ومثال ما أريد به القبيلة: «مجوس» و «يهود» 404 و «آدم» ومتى أريد بالثاني المكان صرف، ومثال ذلك: «بدر» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4023
................................
و «ثبير»، ومتى أريد به البقعة منع، ومثال ذلك: «فارس» «وعمان»، ومتى أريد بالثالث اللفظ صرف، ومثال ذلك: «كتب زيدا فأجاده» - بضمير التذكير - تريد اللفظ، ومتى أريد به الكلمة منع، ومثال ذلك: «كتب زيدا فأجادها» يريد الكلمة، وكذا «كتبت هود» إن أردت السورة منعت الصرف، وإن أردت أنك كتبت هذا الاسم فقط صرفت؛ لأن مدلوله اللفظ وهو مذكر، فالأب والحي يقابلهما الأم والقبيلة، والمكان يقابله البقعة، واللفظ يقابله الكلمة والسورة، قال الشيخ 405: وأما سدوس وسلول فهما منقولان من أب ومن أم، وقد ذهب سيبويه إلى أن سدوس اسم مذكر، اسم أب، وقال 406: تقول: بنو سدوس منصرف، وغلّطه 407 المبرد في ذلك وقال 408: إنما سدوس اسم امرأة، فإذا قلت:
من بني سدوس لم تصرف، وكذلك سلول وقال الشاعر:
3720 - إذا ما كنت مفتخرا ففاخر... ببيت مثل بيت بني سدوسا 409
وتابع الزجاج 410 المبرد في ذلك، والصحيح [5/ 68] ما ذكرناه من أنهما أسماء أب وأم.
انتهى.
وبعد فجميع ما ذكر هنا وما لم يذكر مما يشبهه من كونه لمذكر أو مؤنث موقوف على النقل عن أئمة اللغة لا مجال للنظر فيه، وقد أعلى المصنف قانونا كليّا يتميز به ما يصرف مما لا يصرف، وهذا هو الذي يتعلق بالصناعة النحوية، ثم ههنا أمور نشير إليها:
الأول: أن الشيخ استدرك على المصنف فقال 411: «ظاهر قوله: أنه إذا كان المعنى أبا أو حيّا صرف، وليس كذلك، ألا ترى أن «تغلب» سواء أقصدت به -
الحديث: 3720 - الجزء: 8 - الصفحة: 4024
................................ القبيلة أم الحي فإنه لا ينصرف لأن فيه وزن الفعل، قال: وقد غلط الزجاج 412 فذكر أن «تغلب» إذا أردت به القبيلة منعته الصرف، وإذا أردت به الحي صرفته. انتهى. وهذا الاستدراك يتعجب منه؛ لأن كون نحو «تغلب» ممنوع الصرف قد علم من قبل على ما تقرر في الفصل المفروغ منه، وإذا كان كذلك علم أن الكلام الآن في ما عدا ذلك، ثم إن مبنى هذا الفصل إنما هو على أن بعض الأسماء التي هي أعلام قد يكون معناها صالحا لأن يكون مذكرا وأن يكون مؤنثا، فيترتب على اعتبار كل من الأمرين الصرف وتركه، أما كون العلمية يكون معها مانع آخر غير التأنيث فذلك أمر قد عرف، وكأن الذي أوجب للشيخ هذا الاستدراك هو قول ابن عصفور 413 في تقسيمه: «فإن قصدت به قصد الحي صرفته إلّا أن يكون فيه ما يوجب منع الصرف» فأشار إلى مثل ذلك. والحق أن ابن عصفور مستغن عن ذلك لما ذكرنا. الأمر الثاني: أن ابن عصفور ذكر في شرح الجمل 414 في باب «أسماء القبائل والبلدان والأحياء والسور» أن أسماء القبائل والأحياء تنقسم خمسة أقسام، وملخص ما ذكره: أن أسماء المذكورات تنقسم أربعة أقسام: قسم لا يستعمل إلا للقبيلة وذلك: يهود ومجوس وآدم، قال الشاعر: 3721 - أولئك أولى من يهود بمدحة... إذا أنت يوما قلتها لم تؤنّب 415
الحديث: 3721 - الجزء: 8 - الصفحة: 4025
................................
وقال الآخر:
3722 - كنار مجوس تستعر استعارا 416
وقال آخر:
3723 - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا 417
فأعاد الضمير عليه مؤنثا وصرفه للضرورة، فإن لم يجعل «يهود» و «مجوس» علمين كانا جمع.
يهودي ومجوسي كما تقول: روميّ وروم، وزنجيّ وزنج، ويدل على خروجهما عن العلمية إذا أريد بهما ذلك دخول اللام عليهما فتقول: اليهود والمجوس.
وثلاثة الأقسام الباقية تستعمل لما معناه مذكر ولما معناه مؤنث، فقسم تغلب فيه استعماله للمذكر وهو الحي وذلك: «قريش» و «ثقيف» و «معد» و «عاد» واستعماله للقبيلة قليل، قال الشاعر:
3724 - علم القبائل من معدّ وغيرها... أنّ الجواد محمّد بن عطارد 418
فمنع صرفه لقصد القبيلة، وقال آخر:419
الحديث: 3722 - الجزء: 8 - الصفحة: 4026
................................
3725 - غلب المساميح الوليد سماحة... وكفى قريش المعضلات وسادها 420
وقال آخر:
3726 - لو شهد عاد في زمان عاد... لابتزّها مبارك الجلاد 421
قال: [5/ 70] والعرب تقول: هذه ثقيف بنت قيس فتمنعه الصرف؛ لأنها قصدت به القبيلة، وكما غلب قصد الحي على قصد القبيلة في هذه الكلمات هكذا غلب قصد الأب على قصد القبيلة في كلمة وهي «تميم» سمع من كلامهم: هذه تميم بنت مرّة 422، وقد جعل ابن عصفور هذا قسما برأسه، ولهذا كانت الأقسام عنده خمسة، والواجب أن ما قصد به الحي أو الأب قسم واحد، لأن كلّا منهما إنما قصد به المذكر فحكمهما واحد.
وقسم يتساوى فيه الأمران ومثاله: «ثمود» و «سبأ» قال الله تعالى: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ 423، وقال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ 424، وجاء صرف «سبأ» وعدم صرفه في الكتاب العزيز 425. -
الحديث: 3725 - الجزء: 8 - الصفحة: 4027
................................ وقسم الغالب فيه استعماله اسما للقبيلة وهو ما بقي. انتهى. ويعني بما بقي غير الذي ذكره في الأقسام الثلاثة المتقدمة الذكر، وكان ابن عصفور قد افتتح كلامه في التقسيم الذي أشرنا إليه بأن قال 426: أسماء القبائل إما أن تكون منقولة من اسم أب أو أم أو غير منقولة، فالمنقولة من اسم أم: سدوس وسلول في أحد القولين، وباهلة، قال الشاعر: 3727 - إذا ما كنت مفتخرا ففاخر... ببيت مثل بيت بني سدوسا 427 والمنقول من اسم أب: معد وتميم وجذام ولخم، وغير المنقول منها مثل: قريش، وثقيف، ويهود، ومجوس. فإن كان منقولا من اسم أب أو أم، فإن أضيف إليه «ابن» بقى على ما كان عليه من صرف أو منع صرف؛ لأنه ليس باسم للقبيلة، وإن لم يضف إليه «ابن» فإن كان على نية إضافته إليه، فحكمه حكم المضاف إليه «ابن» لفظا، وإن لم تنو إضافة «ابن» إليه فإن قصد به الحي أو الأب صرفته، وإن قصد به القبيلة منعته الصرف. انتهى. ولا أعرف ما فائدة التفصيل الذي ذكره من إضافة «ابن» أو نية إضافته، والذي يظهر أن مراده أن «ابنا» إذا كان مضافا أو نويت إضافته خرج المضاف إليه عن أن يكون المراد به الحي أو القبيلة، فيكون له حكم نفسه بالنسبة إلى الصرف وعدمه، وإذا لم يضف إليه «ابن» لا لفظا ولا نية تعين حينئذ أن يراد به إما الحي أو القبيلة. ولا شك أن هذا واضح غني عن التنبيه عليه، إلا أن الشيخ لما ذكر هذه المسألة في شرحه قال 428: «والحكم هنا في الأخبار والضمائر وغير ذلك يكون للمحذوف لا للملفوظ به بخلاف المضاف في غير هذا الباب، فإن الحكم للملفوظ به لا للمحذوف، تقول: تميم بن مرّ ناصرون لي؛ لأنك تريد أبناء تميم بن مر، قال امرؤ القيس: 3728 - تميم بن مرّ وأشياعها... وكندة حولي جميع صبر 429
الحديث: 3727 - الجزء: 8 - الصفحة: 4028
................................
فقال: وأشياعها؛ لأنه يريد أبناء تميم بن مر، فلذلك أعاد الضمير مؤنثا ولا تقول: تميم بن مر وأشياعه، فتجري الحكم على تميم كما أجريته في قوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 430 فإنه روعي هنا الملفوظ به القائم مقام المحذوف ولذلك أعيد الضمير مؤنثا في فيها.
انتهى.
وقوله: إن الحكم في غير هذا الباب يكون للملفوظ لا للمحذوف ليس كذلك فقد قال الله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ 431 ولا شك أن الضمير في «يغشاه» عائد على المضاف المحذوف، إذ التقدير: أو كذى ظلمات، وقد تقدم في باب الإضافة أن الأمرين جائزان، أعني مراعاة المضاف المحذوف، ومراعاة المضاف إليه، فكيف يقول: إن الحكم يكون للملفوظ به لا للمحذوف؟
ثم إن الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ليس فيها دليل على ما ذكره؛ لأن المقصود من قوله تعالى: الَّتِي كُنَّا فِيها وصف المضاف إليه الذي هو «القرية» بذلك لا وصف المضاف المحذوف الذي هو «الأهل»، يدل على ذلك أنه لو قيل في غير القرآن العزيز، واسأل أهل القرية التي كنا فيها، لكان صحيحا، ولو كان «التي كنا فيها» مقصودا به وصف «أهل» لما صح ذلك، وقد تقدم الكلام في ذلك في باب الإضافة 432.
فالحق أن الحكم يكون للمضاف المحذوف مطلقا، وقد يراعى الملفوظ به الذي هو المضاف إليه فيجعل الحكم في الإخبار عنه وعود الضمير وغير ذلك إذا دلّ على المراد دليل.
الأمر الثالث: قسم ابن عصفور 433 أسماء الأمكنة غير الواجب منع صرفها لعلمية وتأنيث بعلامة فيه كـ «مكة» و «حزوى» إلى خمسة أقسام كما قسم أسماء القبائل:
قسم لا يستعمل إلّا مذكرا وذلك «بدر» و «ثبير» و «فلج» و «نجد»، قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ 434، وقالت العرب: «أشرق ثبير كيما -
الجزء: 8 - الصفحة: 4029
................................ نغير» 435، ولم يقولوا: أشرقي ثبير، وقال الشاعر: 3729 - وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد 436 وقال الآخر: 3730 - فإن تدعي نجدا أدعه ومن به... وإن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد 437 فصرف «بدر» و «فلج» و «نجد» دليل التذكير، وكذا أمر «ثبير» بما يؤمر به المذكر دليل تذكيره أيضا. وقسم الغالب عليه التأنيث وهما: «فارس» و «عمان» وعليه قول القائل: 3731 - لقد علمت أبناء فارس أنّني... على عربيّات النّساء غيور 438 وقسم الغالب عليه التذكير وهو: منى وهجر ودابق وواسط وحنين، وقد تستعمل مؤنثات وقسم يستوي فيه الأمران وهو: حراء، وقباء، وبغداد، قال الشاعر: 3732 - ستعلم أيّنا خير مكانا... وأعظمنا ببعض حراء نارا 439
الحديث: 3729 - الجزء: 8 - الصفحة: 4030
................................
فمنع «حراء» الصرف، وقال آخر 440:
3733 - وربّ وجه حراء منحن 441
فصرفه.
وقسم لا يستعمل إلّا مؤنثا وهو ما بقى ومنه: دمشق وجلّق.
الأمر الرابع: قسم ابن عصفور 442 أيضا أسماء السور ثلاثة أقسام: قسم هو جملة، وقسم فعل، وقسم اسم.
فالجملة تحكي نحو قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ 443، وأَتى أَمْرُ اللَّهِ 444 وأشباه ذلك.
والفعل يعرب غير مصروف، وإن كان فيه ألف وصل قطعت؛ لأنه قد صار من جملة الأسماء، وألف الوصل لا تكون في الأسماء إلّا في أسماء معلومة وذلك نحو:
اقْتَرَبَتِ 445، وكذا [5/ 71] تقلب تاؤه هاء في الوقف، وتكتب بالهاء أيضا.
والاسم قسمان:
قسم هو حرف من حروف الهجاء، تجوّز ابن عصفور في تسمية ذلك حرفا من حروف الهجاء وإنما هو اسم حرف من حروف الهجاء.
وقسم غير ذلك؛ فالذي هو غير ذلك يمنع الصرف للتعريف والتأنيث نحو:
«هود» و «نوح»، تقول: هذه هود ونوح، وقرأت هود ونوح، وتبركت بهود ونوح، وإن أضفت إليه سورة في اللفظ أو التقدير بقي على ما كان عليه قبل، فإن كان فيه ما يوجب منع الصرف منع، نحو: قرأت سورة يونس 446، وإلّا صرف نحو: قرأت سورة نوح، وسورة هود؛ والذي هو حرف من حروف الهجاء إما أن يكون واحدا أو أكثر، إن كان واحدا؛ فإن أضفت إليه سورة كان موقوفا لا إعراب - - البقعة.
وانظر البيت في الكتاب (3/ 245) والمقتضب (3/ 359).
الحديث: 3733 - الجزء: 8 - الصفحة: 4031
................................
فيه فتقول: هذه سورة ص، وإن لم تضف إليه سورة لا في اللفظ ولا في التقدير جاز فيه ثلاثة أوجه: الوقف على الحكاية، وأن تعربه منصرفا إن قدرته منقولا من مذكر، وغير منصرف إن قدرته منقولا من مؤنث؛ لأن أسماء الحروف يجوز فيها التذكير على معنى الحرف والتأنيث على معنى الكلمة.
وإن كان أكثر من واحد فإن كان على وزن من أوزان الأسماء الأعجمية وأضفت إليه سورة لفظا أو تقديرا فالوقف، وإن لم تضفها إليه لا لفظا ولا تقديرا ففيه وجهان: إعرابه غير منصرف والوقف على الحكاية، وذلك نحو: طس، حم هما على وزن: هابيل وقابيل 447.
وإن لم يكن على وزن من أوزان الأعجمية فإن أمكن جعله اسما مركبا وذلك:
طسم فإن أضفت إليه سورة لفظا أو تقديرا فالوقف، وإن لم تضفها إليه لا لفظا ولا تقديرا فالوقف والبناء نحو «خمسة عشر»، وإعرابه ما لا ينصرف نحو «بعلبك»، وإن لم يمكن جعله اسما واحدا فالوقف ليس إلّا، أضفت إليه سورة أو لم تضف، نحو: «كهيعص»، و «حم عسق» انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وعرف منه أن اسم السورة إذا أضيف إليه سورة لفظا أو تقديرا يكون موقوفا أي محكيّا في ثلاثة مواضع.
الأول: أن يكون اسم الحرف واحدا نحو: سورة ص، وسورة ق، وسورة ن.
الثاني: أن يكون الاسم على وزن من أوزان الأعجمية نحو: سورة طس، سورة حم.
الثالث: أن لا يكون على وزن من الأوزان الأعجمية لكن يمكن تركيبه، أي يمكن أن يركب الأول مع الثاني نحو: سورة طسم، وأجاز الأستاذ أبو علي 448 في هذه المواضع الثلاثة مع الحكاية الإعراب أيضا، ففي نحو: ص وهو الموضع الأول يجيز الصرف وعدمه، لأن أسماء الحروف تذكر وتؤنث، فمن ذكر صرف، ومن أنث كان عنده كـ «هند» فيجوز فيه الصرف وعدمه، وفي نحو: طس وحم وهو الموضع الثاني يعربه إعراب ما لا ينصرف؛ لأنها وازنت هابيل وقابيل، وفي نحو: طسم وهو الموضع الثالث يجعل الاسمين اسما واحدا، ويجري فيه الوجهين في «حضر موت».
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4032
[تعريفات ومسائل في أسماء القبائل]
قال ابن مالك: (وقد تسمّى القبيلة باسم الأب والحيّ باسم الأمّ فيوصفان بابن وبنت وقد يؤنّث اسم الأب على حذف مضاف مؤنّث، فلا يمنع من الصّرف، وكذا قرأت هودا ونحوه إن نويت إضافة السّورة).
فيجوز التركيب بأن يجعل الإعراب في الميم ويفتح النون من «طس»، وتجوز الإضافة أيضا بأن يجعل الإعراب في النون ويجر الثاني بالإضافة إليه بالكسرة، إلّا إن كان فيه ما يمنع الصرف فيجر بالفتحة على ما هو المعروف في هذه المسألة.
والظاهر ما قاله ابن عصفور، أعني أن الوقف أي الحكاية واجب ولا يجوز الإعراب؛ لأن السورة إذا كانت مضافة لفظا أو تقديرا، فإنما تضاف إلى مسماها، ومسماها إنما هو لفظ القرآن العزيز لا غيره، ولفظ القرآن العزيز لا يتغير فيتعين أن يقال سورة ص، سورة طس، سورة طسم بحكاية لفظ القرآن العزيز، نعم هذا الذي قاله أبو علي من جواز الإعراب يتوجه إذا لم تذكر السورة ولم تقدر، بل ذكر الاسم خاصة، فإن الذاكر يمكن أن لا يقصد لفظ القرآن العزيز وأنه قصد ذكر اسم هذه السورة وحينئذ يجوز الإعراب 449.
قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام الإشارة إلى ثلاث مسائل:
الأولى:
أن القبيلة قد تسمى باسم الأب فتوصف بابن من حيث إنه اسم أب، وببنت من حيث أطلق على القبيلة، وكذا الحي قد يسمى باسم الأم فيوصف ببنت من حيث إنه اسم أم، وبابن من حيث إنه أطلق على الحي، مثال الأول: تميم بن مرّ، وتميم بنت مرّ لأن 450 «تميما» اسم الأب وسميت به القبيلة 451، ومثال الثاني: باهلة بنت -
الجزء: 8 - الصفحة: 4033
................................
أعصر، وباهلة ابن أعصر 452 لأن «باهلة» اسم أم وسمي به الحي 453.
المسألة الثانية:
قال الشيخ 454: مثال ذلك: قول الشاعر:
3734 - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا 455
قال: فآدم اسم أب وهو على حذف مضاف مؤنث كأنه قال: سادوا البلاد وأصبحوا في قبائل آدم أو في أولاد آدم ونحو ذلك مما يصلح أن يقدر بمؤنث، ثم أنث آدم بعود الضمير إليه مؤنثا وهو قوله: بلغوا بها، ومع كونه أعاد الضمير مؤنثا لم يمنعه من الصرف؛ لأنه راعى المضاف المحذوف، قال: وقوله: فلا يمنع من الصّرف إشعار بانه لا يتحتم فيه الصرف لأنه يجوز أن يقول: وأصبحوا في آدم فلا يصرف لكن الوزن لا يساعده [و] لأن آدم نقلوا أنه يستعمل للقبيلة وإن كان اسم أب كما استعملوا تميما، فمن هذا الوجه يجوز أن يرد غير مصروف للتأنيث والعلمية انتهى.
وما قاله غير ظاهر فإن «آدم» الذي هو اسم لا ينصرف قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ 456، وعدم انصرافه لوزن الفعل والعلمية، وصرفه في البيت الذي أنشده إنما هو للضرورة، وهو محكوم عليه بمنع الصرف فكيف يحكم عليه بأنه مصروف؟
ولم يستحسن كلام الشيخ هنا على أنه قال 457 عقب ذلك مشيرا إلى المصنف:
«وهذا الذي قاله لا تحقيق فيه [5/ 72] لأن الضمير إنما عاد على ذلك المؤنث المحذوف وهو قبائل».
والذي قاله صحيح ولكن من أين لما أن المصنف أراد هذا الذي ذكره هو؟ فقد -
الحديث: 3734 - الجزء: 8 - الصفحة: 4034
................................
يكون مراده غير ذلك وهو الظاهر، فالشيخ حمل كلام المصنف على معنى يحتمل أن يكون مرادا له، وأن يكون غير مراد، ثم رد ذلك المحتمل بقوله: «وهذا الذي قاله لا تحقيق فيه» مع أننا لم نقطع بأنه قال هذا.
وبعد ذلك فقول المصنف: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث فلا يمنع من الصّرف غير ظاهر أيضا لأن الاسم العلم إذا أنث وجب منع صرفه، فكيف يقال: فلا يمنع من الصرف؟ نعم لو كان الأمر عكس ذلك حتى كأن يقول: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث فيمنع من الصرف لكان أقرب، وذلك أن التأنيث العارض ليس حكمه حكم التأنيث الأصلي، فما عرض تأنيثه لا يذهب الذهن إلى منع صرفه؛ لأن صرفه هو الأصل فلا حاجة إلى أن ينبه عليه بقوله:
فلا يمنع الصرف، وإنما الفائدة في التنبيه على منع صرفه.
المسألة الثالثة:
وهي المشار إليها بقوله: وكذا قرأت عودا ونحوه إن نويت إضافة السّورة، قال الشيخ 458: يقول إن هودا ونحوه لا يمتنع من الصرف إذا نويت إضافة السورة إليه؛ لأنك إذا لم تنو إضافة السورة إليه تحتم منع صرفه؛ لأنه قد انضاف إلى العلمية فيه العجمة في الثلاثي الساكن الوسط المصاحبة للتأنيث، وانضاف إلى تأنيث الثلاثي الساكن الوسط في ذلك كونه منقولا من مذكر، لأنه في الأصل اسم للنبي صلّى الله عليه وسلّم ثم سميت السورة به.
انتهى.
ولا شك أن كون «هود» منصرفا في قولنا: قرأت هودا ناوين إضافة سورة إليه أمر معلوم؛ لأنه بإضافة سورة إليه تعين أن يراد به اسم النبي صلّى الله عليه وسلّم والاسم الأعجمي شرط منعه الزيادة على الثلاثة كما عرف، وكذا من المعلوم أنا إذا جعلناه اسما للسورة يمتنع للعلمية والتأنيث المنضم إليه العجمة، وإذا كان كذلك فإنما أتى المصنف بقوله: وكذا قرأت هودا إن نويت إضافة السورة ليبين أن نية الإضافة حكمها حكم ما لو نطق بالمضاف، فكما أننا إذا قلنا: قرأت سورة هود نصرف هودا هكذا إذا قلنا: قرأت هودا ونوينا إضافة سورة إليه، ولو لم يذكر ذلك لجاز أن يتوهم أن نية إضافة السورة -
الجزء: 8 - الصفحة: 4035
[ما يمتنع صرفه معرفة ونكرة وما يمتنع صرفه معرفة فقط]
قال ابن مالك: (فصل ما منع صرفه دون علميّة منع معها وبعدها أيضا إن لم يكن «أفعل تفضيل» مجرّدا من «من»
خلافا للأخفش في [معدول العدد وفي] مركّب تركيب «حضر موت» مختوم بمثل «مفاعل أو مفاعيل» أو بذي ألف التّأنيث، وله في أحد قوليه، وللمبرّد في نحو:
«هوازن» و «شراحيل» و «أحمر»، وما لم يمنع إلّا مع العلميّة صرف منكّرا بإجماع).
إلى هود صلّى الله عليه وسلّم ليس كإضافتها في اللفظ فنبه بما ذكره أن الحكم فيهما واحد.
قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن ما لا ينصرف ضربان: ضرب لا ينصرف في تنكير ولا تعريف، وضرب لا ينصرف في تعريف وينصرف في تنكير.
أما ما لا ينصرف في الحالين فخمسة أقسام وهي: ما أنث بالألف كـ «سكرى» و «حمراء»، والجمع الذي لا نظير له في الآحاد كـ «مساجد» و «قناديل»، والاسم الذي هو صفة إما مع العدل، أو مع الألف والنون الزائدتين، أو مع وزن الفعل كـ «مثنى» و «أخر» وك «سكران» و «ريّان» وك «أحمر» و «أصفر» فهذه تمنع الصرف منكرات، وكذا إذا سمي بها فصارت أعلاما؛ لأن قسمين منها وهما المؤنث بالألف والجمع، كل منهما ذو علة مستقلة بالمنع، فلا فرق فيه بين النكرة والمعرفة، وأما ثلاثة الأقسام الباقية، فلأن العلمية خلفت فيها الوصف، فاستحق منه الصرف لوجود العلتين.
وأما ما لا ينصرف في التنكير فسبعة أقسام وهي:
ما انضم إلى العلمية فيه تأنيث بغير الألف كـ «طلحة» و «زينب»، أو تركيب كـ «معدى كرب»، أو عجمة كـ «إبراهيم»، أو ألف إلحاق كـ «علقى»، أو عدل كـ «عمر» أو زيادة ألف ونون كـ «عمران»، أو وزن فعل كـ «يزيد» و «تغلب»، فهذه إذا نكرت صرفت، وذلك أن ما كان منها شرط منع صرفه العلمية كالذي فيه تأنيث بغير الألف، أو تركيب، أو عجمة، أو ألف إلحاق مقصورة، فظاهر صرفه إذا نكر لزوال شرط المنع منه وهو العلمية، وما -
الجزء: 8 - الصفحة: 4036
................................
كان ليس شرط منع صرفه العلمية فالذي فيه عدل، أو زيادة ألف ونون، أو وزن فعل، إذا زالت العلمية منه لم يبق فيه إلّا علة واحدة، نعم إن كان ما فيه أحد الثلاثة وصفا في الأصل فنقل وسمي به ثم نكر بعد التسمية فإنه يمنع الصرف على المذهب الصحيح وهو مذهب سيبويه 459 كما سيأتي بيان ذلك.
وقد أشار ابن الحاجب إلى هذا الأصل الذي قرر بعبارة وجيزة مفيدة للحكم والتعليل حيث قال 460: «وما فيه علمية مؤثرة إذا نكر صرف لما تبين من أنها لا تجامع مؤثرة إلا ما هي شرط فيه إلّا العدل ووزن الفعل وهما متضادان فلا يكون إلّا أحدهما، فإذا نكر بقى بلا سبب أو على سبب واحد».
فقوله «مؤثرة» يحترز به من أن تكون العلمية لا أثر لها في منع الصرف لذلك الاسم كـ «مساجد» و «حمراء» اسمي رجلين، فإن العلمية لا أثر لها فيهما لاستقلال الحكم بالجمعية وألف التأنيث.
وإنما انصرف ما فيه علمية مؤثرة إذا نكر لما تبين من أن العلمية لا تجامع شيئا من العلل وهي مؤثرة إلّا ما هي فيه إلّا العدل ووزن الفعل فإنها تجامعهما من غير شرطية بدليل منع «ثلاث» و «أخر» و «أحمر» الصرف، ولو كانت العلمية شرطا فيهما لصرفت هذه الكلمات، فدل ذلك على أن العلمية ليست شرطا فيهما، لاستقلال الحكم دونها إلّا [5/ 73] أن العدل ووزن الفعل متضادان، وبيان التضاد 461 أن العدل لا يكون إلّا بالأوزان المذكورة ولا شيء منها من أوزان الفعل، فلا يجتمع أبدا مع العلمية إلّا أحدهما، فإن لم يكن فيه أحدهما بقي بلا سبب أصلا؛ لأن العلمية تزول بالتنكير، ويزول كون البواقي سببا لكون العلمية شرطا فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، وإذا نكر وفيه أحدهما بقي على سبب واحد وهو إما العدل أو وزن الفعل، والعلمية تزول بالتنكير، هذا شرح ما قصده ابن الحاجب.
وأقول: قد بقي عليه أن يستثنى الألف والنون الزائدتين؛ لأنهما يمنعان مع الوصف كما يمنعان مع العلمية، فهما في ذلك كالعدل ووزن الفعل، وإذا كان -
الجزء: 8 - الصفحة: 4037
................................
كذلك فكان الواجب أن يقول: إلّا العدل ووزن الفعل، والألف والنون المزيدتين وهي متضادة فلا يكون إلّا أحدهما، وقد ذكر هذا الإيراد لبعضهم فأجاب بأن قال:
هو مستغن عن ذلك لقوله 462: «إن كانا - يعني الألف والنون - في اسم فشرطه العلمية، وهذا الجواب لا يفيد، لأن ذلك يقال في العدل أيضا، فيقال: إن كان في اسم فشرطه العلمية وكذا وزن الفعل يقال فيه: إن كان في اسم فشرطه العلمية.
وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب وإبراز صور المسائل المذكورة من منطوقة ومفهومه مع الإشارة إلى التعليل فنقول:
دخل تحت قوله ما منع صرفه دون علميّة منع معها؛ الأقسام الخمسة وهي:
ما امتنع صرفه لسبب واحد كالمؤنث بالألف والجمع المتناهى.
وما امتنع صرفه لسببين أحدهما الصفة والآخر العدل أو الزيادة أو الوزن.
أما المؤنث فلأن الألف كانت مستقلة بالمنع والعلمية تزيد الاسم ثقلا.
وأما الجمع المتناهى فالمانع فيه بعد التسمية به أمران: التعريف وشبه العجمة، لأنك أدخلت في الآحاد العربية ما ليس منها، كما أنك إذا سميت بالعجمي فقد أدخلت في كلام العرب ما ليس منه، هذه الجماعة - أعني المغاربة - وكان المصنف يعلل المنع - أعني منع صرفه - بغير ذلك، والظاهر ما قاله الجماعة.
وقال الشيخ 463: «إن نحو مساجد إذا سمي به يمتنع الصرف للعلمية وشبه العجمة بلا خلاف بين النحويين؛ لأن شبه العلة في هذا الباب علة، وقد استدلوا على أن العلة هنا علة بمنع «شراحيل» الصرف وهو اسم رجل سمي بالجمع، لأن سيبويه ذكر أنه عربي 464، وهذا المثال لا يكون في الآحاد العربية فهو منقول من جمع».
وأما الأقسام الثلاثة الأخر وهي التي امتنع صرفها لسببين أحدهما الصفة فلأنها بعد التسمية بها تخلف الصفة فيها العلمية، وهذا ظاهر، نعم في «أخر» و «مثنى» وأخواتها المعدولة خلاف بعد التسمية بها: مذهب سيبويه منع الصرف 465، وذهب -
الجزء: 8 - الصفحة: 4038
................................
جماعة إلى أنها مصروفة قال [5/ 72] المصنف في شرح الكافية 466: «وكل ممنوع الصرف في التنكير ممنوع الصرف في التعريف؛ لأنه إن كان ممنوعا لألف التأنيث فقد تقدم أنها سبب قام مقام سببين، وإذا كانت كذلك في التنكير فهي في التعريف أحق بذلك؛ لأنه لا يخفف ما هو فيه بل يزيده ثقلا، وإذا كان من باب «سكران» 467 فزيادتاه إما مستقلتان بالمنع لمضارعتهما ألفي التأنيث، وإما معتضدتان بالوصفية، فإن كانتا مستقلتين فمع العلمية أولى، وإن كانتا معتضدتين بالوصفية فالعلمية تخلفها، وكذا الممنوع للوزن والوصفية، ولعدم النظير والجمعية، وهكذا الممنوع للعدل والوصفية كـ «أخر» و «مثنى» صرح بذلك سيبويه 468 وخالفه الأخفش 469 وأبو
علي وابن برهان 470 وابن بابشاذ 471 وقالوا: لأن العدل يزول معناه بالتسمية فينصرف «ثناء» وأخواته إذا سمي شيء منها مذكر، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من منع الصرف؛ لأن لفظ العدل باق فلا أثر لزوال معناه كما لا أثر لزوال معنى الجمعية من «مساجد» علما، ولا لزوال معنى التأنيث من «سعاد» علم رجل.
وقوله - أعني المصنف -: وبعدها يريد به أن الذي منع من الصرف مع العلمية وقد كان ممنوعا دونها وهو الأقسام الخمسة المتقدمة الذكر إذا زالت العلمية عنه عاد إلى الحال التي كان عليها، فيمنع الصرف بعد العلمية أيضا إذا نكر، أما المؤنث فلأن الألف لها الاستقلال بذلك، فلا مبالاة بفقد العملية؛ لأنها لم تكن مؤثرة شيئا يزول الأثر بزوالها.
وأما ما هو بصيغة الجمع: فقالوا: إن العلة في منعه الصرف شبيه بأصله، وذلك أن الاسم نكرة كما كان قبل التسمية به كذلك، وقال المصنف في شرح الكافية 472:
«وإذا سمي بنحو: مساجد ثم نكر لم ينصرف عند غير الأخفش 473، وحكم -
الجزء: 8 - الصفحة: 4039
................................
الأخفش بصرفه بعد التنكير، قال: والصحيح مذهب سيبويه 474، ويدل على صحته استعمال العرب «سراويل» غير مصروف كقول ابن مقبل، يصف مكانا فيه بقر الوحش:
3735 - يمشّي به ذبّ الرّياد كأنّه... فتى فارسيّ في سراويل رامح 475
و «سراويل» اسم مفرد نكرة، والجمعية منتفية في الحال، والأصل بخلاف «مساجد» إذا نكر بعد التسمية فإن الجمعية منتفية منه في الحال لا في الأصل فهو أثقل من سراويل [وأحق] بمنع الصرف.
انتهى.
وليس في كلامه ما يفهم منه علة منع الصرف، غايته أنه استدل على المنع بمنع صرف «سراويل» في لسان العرب.
وأما الثلاثة الأخر - أعني الممتنع للوصف ولأحد الثلاثة التي هي: العدل والزيادة والوزن فلأن الاسم المذكور لما زالت منه العلمية اعتبر فيه الأصل وهو الصفة، وقد علم أن المعتبر في هذا الباب إنما هو أصالة الوصف؛ ولذلك لم يؤثر عروض الاسمية في «أدهم» بل منع الصرف نظرا إلى أنه صفة في الأصل ولم يؤثر عروض الوصفية في «أكلب» من قولك: مررت [5/ 74] بقوم أكلب أي: أخسّاء، فلما كان المعتبر إنما هو أصالة الوصف وكانت هذه الأسماء صفات قبل العلمية اعتبر فيها بعد زوال العلمية ما كانت عليه قبلها.
وبعد ففي كل من الثلاثة خلاف وأنا أذكر ذلك مفصلا:
أما نحو «أحمر» وهو ما كان ممنوعا للعلمية ووزن الفعل كـ «آدر» و «آلى» فإنه إذا نكر بعد التسمية به ففيه مذاهب أربعة:
أحدها: مذهب سيبويه وهو أنه لا ينصرف 476، والظاهر أن العلة في منع صرفه ما تقدمت الإشارة إليه وهو وزن الفعل والصفة التي هي أصله، لكن المغاربة يقولون: إن العلة فيه وزن الفعل وشبهه بأصله؛ لأنه الآن نكرة كحاله إذا كان وصفا 477، وشبه العلة في هذا الباب علة كما تقدم.
ثانيها: أنه منصرف، وعلة ذلك عند القائل به أنه ليس فيه إلّا علة واحدة؛ لأنه قد نكر بعد التسمية ومعنى الوصف كان قد زال عنه حين سمي به، وهذا المذهب -
الحديث: 3735 - الجزء: 8 - الصفحة: 4040
................................ مشهور عن الأخفش 478 لكن قال المصنف في شرح الكافية 479: «وفي أحمر وشبهه خلاف، فمذهب سيبويه أنه لا ينصرف إذا نكر بعد التسمية 480 وخالفه الأخفش مدة ثم وافقه في كتابه «الأوسط» قال: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته، وذكر موافقته أولى لأنها آخر قوليه». ثالثها: التفصيل وهو مذهب الفراء وتبعه ابن الأنباري، زعم أن «أحمر» إذا سمي به رجل أحمر لم يصرف في معرفة ولا نكرة. وإن سمي الأسود مثلا بـ «أحمر» انصرف في النكرة ولم ينصرف في المعرفة 481. رابعها: وهو قول للفارسي في بعض كتبه «أنه إذا نكر بعد التسمية جاز فيه الصرف وتركه قال: لأن فعل هذا الذي هو صفة في الأصل حين سمعت به العرب تارة اعتبرت أصله [فجمعته جمع أحمر وتارة اعتبرت ما آل إليه من الاسمية] فجمعته جمع الأسماء فقالوا في «أحوص» العلم: حوص كما قالوا في أحمر: حمر، وقالوا فيه: أحاوص كما قالوا في أحمد: أحامد ويدل عليه قول الشاعر: 3736 - أتاني وعيد الحوص من آل جعفر... فيا عبد ربّ لو نهيت الأحاوصا 482
الحديث: 3736 - الجزء: 8 - الصفحة: 4041
................................
قال: فمن جمعه جمع الصفات ينبغي له أن لا يصرف، ومن جمعه جمع الأسماء ينبغي له أن يصرفه 483 انتهى.
وأقول: إن القول بجواز الصرف وتركه إذا نكر بعد التسمية ليس ببعيد، لكن ليس للعلة التي ذكرها أبو علي، بل يقال: إن هذا الاسم أصله الوصف وقد زال عنه ذلك بالعلمية، فإذا نكر كان لنا اعتباران: إن اعتبرنا أصله بأن لحظنا الصفة التي كان عليها منعناه، وأما نحو «سكران» وهو ما كان ممنوعا للعلمية والزيادة حين التسمية فإنه إذا نكر بعد التسمية به فمذهب سيبويه أنه لا ينصرف 484، والكلام في علة المنع ما هي؟ كالكلام في علة «أحمر» ما هي؟ فمن راعى الأصل قال: المانع الصفة الأصلية والألف والنون المزيدتان، والجماعة يقولون: المانع زيادة الألف والنون وشبهه بأصله من حيث إن اللفظ في الحالين واحد وإنه نكرة كما كان قبل التسمية، وذكروا أن مذهب الأخفش صرفه كما ذكروا عنه صرف «أحمر» منكرا.
ولك أن تقول: قد ذكرتم أن الأخفش رجع في نحو «أحمر» إلى موافقة سيبويه فكيف تثبت عنه مخالفته في نحو «سكران»؟
والحق أن المسألتين واحدة فإما أن ينسب إليه الموافقة لسيبويه فيهما أو المخالفة له فيهما.
وأما نحو «مثنى» و «أخر» فلا يخفى أن حكمه إذا نكر بعد التسمية به حكم «أحمر»، و «سكران» 485 فمن منع الصرف ثمّ منع هنا، ومن صرف ثمّ صرف هنا، وقال الشيخ 486: «أما ما عدل في العدد وسمي به ثم نكر بعد التسمية ففيه خلاف:
مذهب الجمهور أنه لا ينصرف 487.
وذهب الأخفش إلى أنه ينصرف 488.
واختلف النقل عن أبي علي فمنهم من نقل الصرف ومنهم من نقل ترك الصرف «انتهى».
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4042
................................
ثم العلة في منع الصرف عند الجماعة العدل وشبهه بأصله، وعند غيرهم العدل والصفة الأصلية.
وأما «أخر» فكأنهم لم يختلفوا فيه، فإن الشيخ قال 489: «وأما أخر إذا نكر بعد التسمية فينبغي أيضا أن لا يصرف؛ لأنه اجتمع فيه العدل وشبهه بأصله».
واعلم أن الشيخ تعرض هنا لذكر «جمع» إذا نكر بعد التسمية به فقال: «إنه منصرف؛ لأن العلمية زالت منه ولم يشبه أصله؛ لأنه لم يعدل إلّا في حال التعريف فصار مثل: عمر إذا نكر بعد التسمية به» انتهى.
ولا ينبغي أن يذكر ذلك هنا؛ لأن الكلام الآن هو في ما منع صرفه دون علمية أنه يمنع مع العلمية وبعد العلمية ولم يكن «جمع» يمنع دون علمية إن قلنا إنه معرف بها، أو دون تعريف إن قلنا إن تعريفه بنية الإضافة، وإذا كان كذلك فلا مدخل لذكره مع ما ذكر من الأقسام الخمسة.
ثم ليعلم أن «أفعل» المقصود به التفضيل إذا سمي به فإما أن يسمى به وهو مصاحب لـ «من» أو مجرد من «من» ويسمى به، فإن سمي به مصاحبا لـ «من» فحكمه حكم «أحمر» فيكون ممنوع الصرف على المذهب المختار، وإن سمي به مجردا من «من» ثم نكر كان مصروفا بإجماع، ذكر المصنف ذلك في شرح الكافية 490 معللا الصرف بأن أفعل لا يعود إلى مثل الحال التي كان عليها إذا كان صفة فإن وصفيته مشروطة بمصاحبة «من» لفظا أو تقديرا.
فإلى هذه المسألة أشار في التسهيل فأخرجها مما يمتنع صرفه بقوله «إن لم يكن أفعل تفضيل مجرّدا من من».
وأما قول المصنف: خلافا للأخفش في مركّب تركيب حضر موت مختوم بمثل مفاعل أو مفاعيل أو بذي ألف التّأنيث فأشار به إلى أنك إذا سميت بنحو: زيد مساجد أو بنحو:
عبد حمراء، أو عبد بشرى، وجعلت الاسمين اسما واحدا كما هما في «حضر موت» -
الجزء: 8 - الصفحة: 4043
................................
فمعلوم أن ذلك لا ينصرف للعلمية والتركيب 491، فإذا نكر بعد [5/ 75] التسمية ففيه خلاف:
منهم من يمنع الصرف معللا ذلك بأن قال: لم أر شيئا من هذا النوع مصروفا في كلامهم.
والجمهور على أنه ينصرف، قالوا: لأن المانع في «مساجد» إنما كان بناء الجمع، وأنت الآن قد صرت في منعه الانصراف إلى التركيب، لأنك جعلتهما كـ «حضر موت» وحضر موت إذا نكر بعد التسمية انصرف، فكذلك هذا، ولأن المانع في «عبد حمراء» و «عبد بشري» إنما هو التركيب لا التأنيث اللازم، فإذا نكّرته بعد التسمية صرفته كما تصرف المركب المنكر بعد التسمية 492.
والأخفش موافق الجمهور في الصرف 493، فعلى هذا يستفاد من قول المصنف خلافا للأخفش أن المعنى: خلافا للأخفش في صرفه، فيكون مختار المصنف فيه عدم الانصراف، ولا يقال: قد فهمنا أن مختاره عدم الانصراف من قوله منع معها وبعدها أيضا خلافا للأخفش في كذا فإنه وإن منع في ذلك مع العلمية لا يمنع بعدها؛ لأنا نقول: قوله منع معها وبعدها إنما هو حكم ما منع صرفه دون علمية فلا بد أن يكون الذي منع مع العلمية وبعدها ممنوعا قبل صيرورته علما فيحكم له بهذا الحكم، ولا شك أن مثل: «زيد مساجد» و «عبد حمراء» لم يكن له منع قبل علميته لأنه إنما عرض له هذا التركيب حال العلمية، وإذا كان كذلك فلا يفهم من قوله خلافا للأخفش بعد قوله منع معها وبعدها مختاره ما هو؟ ولولا نقل لنا أن الأخفش مذهبه الصرف ما علمنا أن مختار المصنف الصرف.
ثم اعلم أن الشيخ مثّل لقول المصنف «مختوم بمثل مفاعل أو مفاعيل» بـ «محاريب مساجد» 494، ولم يكن في عبارته - أعني المصنف - افتتاح هذا المركب مفاعل أو مفاعيل، بل اختتامه بمثل ذلك، على أن ما مثل به الشيخ لا ينافيه كلام المصنف، لكن كان ينبغي للشيخ التمثيل بنحو: زيد مساجد أيضا كما مثل بمحاريب مساجد.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4044
................................
وفي شرح المفصل لابن عمرون - رحمه الله تعالى: «لو سمي بمدائن محاريب فقيل: حكمه الإضافة، لأن باب الإضافة أوسع من باب الأسماء المركبة، ولو أجري على طريقة «حضر موت» كان قياسه أن يصرف في النكرة، كذا ذكر الرماني 495، وقال الزمخشري: إذا ركبت اسما من كلب صفراء قلت: هذا كلب صفراء فلم تصرفه للعلمية والتركيب، فإذا نكرته صرفته فقلت: رب كلب صفراء، وقال ابن بابشاذ: لو سمينا رجلا بمحاريب مساجد بالكلمتين معا لكان حكمه كحضر موت؛ لأنك لما أدخلت هذا باب التركيب أعطيته حكمه فصرفته في النكرة كصياقل لا ينصرف، فإذا دخلته تاء التأنيث انصرف في النكرة، ولو سميت باسمين مركبين وفي آخر الثاني علة تقوم مقام علتين، مثل صاحب حمراء لصرفته في النكرة لدخوله في باب ما لا ينصرف في النكرة، ولو ثنيت لم تقلب همزته بل تفردها فتقول: صاحب حمراءان، قال ابن عمرون بعد ذكره ذلك: والذي أراه ما ذكره ابن خروف أن العلة إن كانت مما يمنع من الصرف وحدها لم ينصرف في النكرة؛ ولذلك إذا كان آخر المركب أحد هذه الأسماء نحو: رام سكران الثاني غير مخفوض بالكسرة في المعرفة والنكرة؛ لأنك لما نكرته بقيت فيه علة لا ينصرف الاسم الذي هي فيه أبدا مركبا كان أو غير مركب، وصرف مثل هذا خطأ في النكرة، وكذا تثنية حمراء في التركيب كتثنيتها قبل التركيب، وإثبات الهمزة في التثنية فاسد، وتشبيه ابن بابشاذ المركب بصياقلة لا وجه له؛ لأن التاء دخلت الاسم الأول وركب معها ومنعته ما يكون فيه إذا لم تدخل عليه، ومساجد حمراء لم يدخل عليها شيء، وحمراء آخر الكلمة فلم يجر فيه حكم ما دخلته تاء التأنيث، والذي بمنزلة صياقل الاسم الأول، وعزا ابن بابشاذ القول إلى الأخفش وهو فاسد قاله من قاله» انتهى.
والظاهر ما أشار إليه، وقد قلنا إن الذي يقتضيه كلام المصنف أن مختاره ذلك عدم الصرف، فقد وافق كلام ابن عمرون كلامه في المسألة، ولا يخفى أن ابن عمرون من الحذاق المعتبرين، فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنه وكرمه.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4045
[حكم جوار ونحوه في أحواله الثلاثة]
قال ابن مالك: (فصل: ينوّن [5/ 76] في غير النّصب ما آخره ياء تلي كسرة من الممنوع من الصّرف، ويحكم للعلم منه عند يونس بحكم الصّحيح إلا في ظهور الرّفع، فإن قلبت الياء ألفا منع التّنوين باتّفاق).
وأما قول المصنف: وله في أحد قوليه وللمبرّد في نحو: هوازن وشراحيل وأحمر فيشير به إلى المسألتين المتقدمتي الذكر وهما: الجمع المتناهى إذا سمي به ثم نكر بعد التسمية، و «أفعل» الممنوع الصرف وهو وصف إذا سمي به ثم نكر بعد التسمية، وقد تقدم الكلام على المسألتين بما فيه غنية، والإشارة إلى ذكر خلاف الأخفش فيهما وأنه وافق سيبويه في مسألة «أحمر».
والذي استفدناه زائدا هنا أن المبرد خالف 496 فيكون مذهبه في المسألتين خلاف ما عليه سيبويه والجماعة فيهما.
وأما قوله: وما لم يمنع إلّا مع العلميّة منكّرا بإجماع فقد قامت الإشارة إلى ذلك، والذي لا يمنع إلّا مع العملية هو زيادة الألف والنون في غير «فعلان فعلى» ووزن الفعل في غير «أفعل فعلاء» وما حمل عليه، والعدل في غير العدد، و «أخر» والتأنيث بغير الألف، والتركيب، والعجمة، وألف الإلحاق، وحكم ألف التكثير حكم ألف الإلحاق فتقول: مررت بعثمان وعثمان آخر، وبأحمد وأحمد آخر، وبعمر وعمر آخر، وبطلحة وطلحة آخر، وبمعدي كرب ومعدي كرب آخر، وبإبراهيم وبإبراهيم آخر، وبأرطى 497 وأرطى آخر، وبقبعثرى وقبعثرى آخر، وقد تقدم ذكر الموجب للصرف 498.
وليعلم أن التنوين اللاحق لهذه الأسماء التي ذكرها هو تنوين الصرف، ولا يتوهم الصرف، ولا يتوهم أنه تنوين التنكير؛ لأن تنوين التنكير إنما يلحق الأسماء المبينة فرقا بين معرفتها، ونكرتها، وهذه الأسماء معربة.
قال ناظر الجيش: المراد في هذا الفصل الإشارة إلى كل اسم في آخره «ياء» تلي -
الجزء: 8 - الصفحة: 4046
................................ كسرة مما هو ممنوع الصرف نحو: جوار وأعيم، ونحو: يغزو ويرمي مسمّى بهما، وأنا أورد أولا كلامه في شرح الكافية ثم أعود لما في الكتاب، قال 499 - رحمه الله تعالى -: «المنقوص الذي نظيره من الصحيح غير منصرف إن كان غير علم كجوار وأعيم تصغير أعمى، فلا خلاف أنه في الرفع والجر جار مجرى قاض في اللفظ، وفي النصب جار مجرى نظيره من الصحيح، فيقال: هؤلاء جوار وأعيم، ومررت بجوار وأعيم، ورأيت جواري وأعيمي كما يقال: هذا قاض ومررت بقاض ورأيت صواحب وأسيد، وكذا إن كان علما في مذهب الخليل وسيبويه 500 وأبي عمرو وابن أبي إسحاق 501 وأما يونس 502 وأبو زيد وعيسى والكسائي 503 فيقولون في قاض اسم امرأة: هذه قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي، فلا ينون في رفع ولا جر، بل يثبتون الياء ساكنة في الرفع، ويفتحونها في الجر، كما تفعل بالصحيح، ومذهب الخليل هو الصحيح، لأن نظائر جوار من الصحيح لا ينوّن في تعريف ولا تنكير وقد نوّن، ونظائر قاض اسم امرأة لا ينون في تعريف وينون في تنكير، فتنوينه أولى من تنوين جوار، وقول الراجز: 3737 - قد عجبت منّي ومن يعيليا... لمّا رأتني خلقا مقلوليا 504 من الضرورات على مذهب الخليل، وليس من الضرورات على مذهب يونس 505، وشبه 506 ثمانيا بجوار من قال: -
الحديث: 3737 - الجزء: 8 - الصفحة: 4047
................................
3738 - يحدو ثماني مولعا بلقاحها... حتّى هممن بزيغة الإرتاج 507
انتهى.
وما ذكره عن يونس ومن وافقه أنهم يقولون في قاض اسم امرأة: هذه قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي، فهو جار عندهم في نحو جوار وأعيم إذا سمي بهما فيقولون: هؤلاء جواري، ورأيت جواري، ومررت بجواري، وكذا يقولون:
هذا أعيمي، ورأيت أعيمي، ومررت بأعيمي.
وإذا تقرر هذا فقوله في التسهيل ينوّن في غير النّصب ما آخره ياء تلي كسرة من الممنوع الصّرف يشمل ما كان غير علم، وما كان علما، وكما شمل قوله: من الممنوع الصّرف نحو: جوار وأعيم ويغزو ويرمي مسمى بهما شمل نحو: قاض مسمّى به امرأة، ولما كان يونس يخالف في العلم فيثبت الياء ساكنة في الرفع ويفتحها في حالتي النصب والجر قال: «ويحكم للعلم منه بحكم الصّحيح إلّا في ظهور الرّفع».
اعلم أن «صحار» و «عذار» جمعي: صحراء وعذراء حكمهما في منع الصرف حكم «جوار» 508 لا شك أن نحو: صحراء وعذراء كما يجمع على «فعال» يجمع على «فعالى» بقلب الياء من «صحار» ألفا، لكن لما كان «فعال» ينوّن دون «فعالى» أشار المصنف إلى ذلك بقوله: فإن قلبت الياء ألفا منع التّنوين باتّفاق.
كان الواجب لذلك أن التنوين إنما هو تنوين عوض، وقد تقدم في فصل «التنوين» عنه عند سيبويه عوض من الياء لا من حركتها، والياء إنما حذفت لموجب، فلما حذفت أتى بالتنوين وصاغها، وأما الألف المنقلبة عن الياء فلا موجب -
الحديث: 3738 - الجزء: 8 - الصفحة: 4048
................................
لحذفها وإذا لم تحذف كان الذي يؤتى به عوضا مستغنى عنه حينئذ.
فإن قيل: ما الموجب لتفرقة يونس ومن وافقه بين الاسم الذي هو علم والاسم الذي هو غير علم حتى إنهم نوّنوا نحو: جوار وأعيم ولم ينونوا نحو: قاض مسمّى به امرأة؟
فالجواب: أنهم ذكروا أن المقتضي لإثبات الياء وعدم التنوين على رأي هؤلاء الجماعة أنهم يزعمون أن التنوين في «جوار» ونحوه تنوين صرف لشبه «جوار» بعد حذف الياء بنحو: جناح وسلام، ولا يمكنهم أن يدّعوا في قاض اسم امرأة إذا قلنا: هذه قاض أن التنوين تنوين صرف؛ لأن علة منع صرفه قائمة، ولا يسعهم أن يقدروه عريّا عنها، ولا يمكن أن يكون التنوين للعوض؛ فلذلك حذفوه في «قاض» اسم امرأة، وأثبتوا الياء.
وأقول: مقتضى هذا الجواب أننا إذا سمينا مذكرا بنحو «جوار» أن ينصرف؛ إذا ليس فيه حينئذ إلّا علة واحدة وهي العلمية؛ لأنهم قد حكموا بصرفه قبل التسمية لصيرورته كجناح وسلام، ورأيت في شرح الشيخ 509 أنهم يمنعونه للعلمية وشبه العجمة، ولم يظهر لي وجه شبه العجمة، لأن مثال: جناح وسلام من الأوزان العربية.
وأما قولهم: إن التنوين في «قاض» اسم امرأة لا يمكن أن يكون للعوض فممنوع، فقد ذكروا 510 أن تنوين الصرف حذف منه للعلمية والتأنيث وعادت الياء التي كانت حذفت بسببه ثم حذفت الياء منه رفعا وجرّا كما حذفت من «جوار» قبل التسمية به؛ لأن الياء من «قاض» قد انضاف إلى ثقلها ثقل الاسم الذي أوجب له منع الصرف، كما أنها من «جوار» كذلك ثم عوض منها التنوين بعد الحذف كما فعلوا ذلك بجوار؛ لأن الياء المحذوفة لثقلها وثقل الاسم الذي هي فيه إنما تحذف بشرط أن يعوض منها التنوين، بدليل أنهم لا يحذفونها من «الجواري» ولا من «جواريك» لتعذر تعويض التنوين منها.
وأما إظهارهم الفتحة في الياء حالة الجر لخفتها، فقد قيل: إنها خطأ، لأن العرب أجرتها مجرى ما يستثقل في الياء وهو الكسرة، ولما كانت مثلها علامة خفض فحذفوها لذلك، والدليل على هذا أنهم لم يقولوا قبل التسمية: مررت -
الجزء: 8 - الصفحة: 4049
[الآراء في إعراب المركب المزجي]
قال ابن مالك: (فصل قد يضاف صدر المركّب فيتأثّر بالعوامل ما لم يعتلّ، وللعجز حينئذ ما له لو كان مفردا، وقد لا يصرف «كرب» مضافا إليه «معدي»، وقد يبنى هذا المركب تشبيها بخمسة عشر).
بجواري كما قالوا في النصب: رأيت جواري، ولو كانت الفتحة التي هي علامة للخفض لا تحذف من الياء لخفتها كما ذهبوا إليه لقالوا ذلك 511.
قال ناظر الجيش: لما قدم أن التركيب - وهو تركيب المزج - الذي عبر عنه [5/ 77] بأنه «يضاهي لحاق هاء التّأنيث» يمنع ما هو فيه الصرف مع العلمية، أشار الآن إلى أن له في اللغة استعمالين آخرين وهما: إضافة الجزء الأول إلى الثاني، وبناء الجزء الأول والثاني كالبناء في «خمسة عشر».
وأفاد بقوله هنا: قد يضاف، وقد يبنى إلى أن اللغة الأولى وهو إعراب الاسم بتمامه إعراب ما لا ينصرف هي اللغة الكبرى، وأن الإضافة فيه أشهر من البناء، قال في شرح الكافية 512:
«المركب تركيب مزج نحو: بعلبك، ومعدي كرب، في الأصل اسمان جعلا اسما واحدا لا بإضافة ولا إسناد، بل يتنزل ثانيهما من الأول منزلة تاء التانيث، ولذلك التزم فتح آخر الأول إن كان صحيحا كـ «لام» بعلبك، وإن كان معتلّا كـ «ياء» معدي كرب التزم سكونه تأكيدا للامتزاج، ولأن ثقل التركيب أشد من ثقل التأنيث فجعلوا لمزيد الثقل مزيد تخفيف بأن سكنوا «ياء» معدي كرب ونحوه، وإن كان مثلها قبل تاء التأنيث يفتح، وقد يضاف أول جزأي المركب إلى ثانيهما فيستصحب سكون «ياء» معدي كرب ونحوه تشبيها بـ «دردبيس» 513، فيقال: رأيت معدي كرب؛ ولأن من العرب من سكن مثل هذه الياء في النصب مع الإفراد تشبيها بالألف، فالتزم في التركيب لزيادة الثقل ما كان جائزا في الإفراد، والثاني من الجزأين إذا أضيف الأول إليه يعامل معاملته لو كان مفردا، فإن كان فيه -
الجزء: 8 - الصفحة: 4050
[ما يمتنع صرفه للوصفية والعدل]
قال ابن مالك: (فصل العدل المانع مع الوصفيّة مقصور على «أخر» مقابل «آخرين» وعلى موازن «فعال» و «مفعل» من عشرة وخمسة فدونها سماعا وما بينهما قياسا، وفاقا للكوفيين والزّجّاج، ولا يجوز صرفها مذهوبا
بها مذهب الأسماء، خلافا للفرّاء ولا منكّرة بعد التّسمية خلافا لبعضهم).
مع التعريف سبب يؤثر منع الصرف منع الصرف كـ «هرمز» من «رامهرمز» 514 فإن فيه مع التعريف عجمة مؤثرة، فيجر بالفتحة ويعرب الأول بما تقتضيه العوامل نحو: جاء رامهرمز، ورأيت رامهرمز، ومررت برامهرمز، ويقال في حضر موت:
هذا حضر موت، ورأيت حضر موت، ومررت بحضر موت؛ لأن «موتا» ليس فيه مع التعريف سبب ثان، وكذلك «كرب» في اللغة المشهورة 515، وبعض العرب لا يصرفه فيقول في الإضافة إليه: هذا معدي كرب فجعله مؤنثا.
انتهى.
وقد عرف من هذا شرح ما تضمنه هذا الفصل والذي ذكره هنا من بناء الجزأين زائد على ما ذكره ثمّ 516.
قال ناظر الجيش: قد علم مما تقدم أن العدل من العلل المانعة الصرف، ولكن لم يتعرض إلى ذكر الصيغ التي حصل فيها العدل، فأشير في هذا الفصل إلى ذلك، ولما كان العدل منه ما يمنع مع الوصفية، ومنه ما يمنع مع العلمية ميز المصنف أحدهما عن الآخر، وبدأ بذكر ما يمنع مع الوصفية، ثم ذكر ما يمنع مع العلمية لأن الذي يمنع مع الوصف مقدم الذكر في أول الباب على الذي يمنع مع العلمية، لكن قد ذكر المصنف في هذا الباب أن العدل يمنع مع أمر ثالث أيضا وهو: شبه العلمية أو الوصفية كما سيجيء تقريره.
أما العدل المانع مع الوصفية فهو مقصور - كما ذكرنا - على «أخر» وعلى موازن «فعال» و «مفعل» من أسماء العدد، قال في شرح الكافية 517:
«أما أخر فهو المقابل لآخرين، وهو جمع أخرى أنثى آخر، لا جمع أخرى، -
الجزء: 8 - الصفحة: 4051
................................ بمعنى آخرة، فإن أخرى قد تكون بمعنى آخرة قال الله تعالى: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ 518 وهذه تجمع على «أخر» مصروفا، لأنه غير معدول، ذكر ذلك الفراء 519 رحمه الله تعالى، والفرق بين أخرى وأخرى 520 أن التي هي أنثى آخر لا تدل على الانتهاء كما لا يدل عليه مذكرها؛ فلذلك يعطف عليها أمثالها في صنف واحد [كقولك: عندي بعير وآخر وآخر وآخر، وعندي ناقة وأخرى وأخرى وأخرى، وأما أخرى بمعنى آخرة فتدل على الانتهاء ولا يعطف عليها مثلها في صنف واحد]، وإذا علم الفرق بين أخرى وأخرى، وآخر وآخر، فليعلم أن مانع «أخر» من الصرف الوصفية والعدل، فالوصفية ظاهرة، والعدل أيضا بيّن، وذلك أنه من باب «أفعل التفضيل» وأصله أن لا يجمع إلّا مقرونا بالألف واللام كـ «الكبر» و «الصّغر» فعدل عن أصله وأعطي من الجمعية مجردا ما لا يعطى غيره إلا مقرونا، فهذا عدل من الألف واللام لفظا، ثم عدل عن معناهما لأن الموصوف به لا يكون إلا نكرة، وكان حقه إذا عدل عن لفظهما أن ينوى معناهما مع زيادة كما نوي معنى اثنين بـ «مثنى» مع زيادة التضعيف، وكما نوي بـ «يا فسق» معنى: يا فاسق مع زيادة المبالغة، وكما نوي معنى: عامر بـ «عمر» مع زيادة الوضوح، فلما عدل «أخر» ولم يكن في عدله زيادة كغيره من المعدولات كان بذلك معدولا عدلا ثانيا كـ «مثنى» وأخواتها فهذا اعتبار صحيح وأجود منه أن يقال: كان أصل «أخر» لتجرده عن الألف واللام 521 أن يستغنى فيه بـ «أفعل» عن «فعل» كما يستغنى بـ «أكبر» عن «كبر» في نحو: رأيتها مع نسوة أكبر منها لكنهم أوقعوا «فعلا» موقع «أفعل» فكان ذلك عدلا من مثال إلى مثال وهو أولى من العدل عن مصاحبة الألف واللام لكثرة نظائره وقلة نظائر الآخر، ولأن المعدول إليه حقه أن يزيد معنى، وذلك في هذا الوجه محقق لأن تبين الجمعية بـ «أخر» أكمل من تبيينها بـ «آخر» ولأن الوجه الأول يلزم منه مساواة «أخر» لـ «سحر» في زوال العدل بالتسمية، وقد نص سيبويه 522 على أن «أخر» إذا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4052
................................
سمّي به لا ينصرف لبقاء العدل، ولا يكون ذلك إلّا بالعدل عن مثال إلى مثال بخلاف العدل عن الألف واللام.
وأما المعدول في العدد فهو من «واحد» إلى «أربعة» بلا خلاف وهي على «فعال» أو «مفعل» نحو: رأيت القوم أحاد أو موحد، ومررت بهم ثناء أو مثنى، ونظرت إليهم ثلاث أو مثلث، وأعطيتهم دراهم رباع [5/ 78] أو مربع، وقد
يقال:
ربع، وبه قرأ 523 ابن وثّاب.
ولم تستعمل هذه الأمثلة إلّا نكرات، إما أخبار كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة اللّيل مثنى مثنى» 524، وإما أحوال كقوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 525، وإمّا نعوت لمنكرات، كقوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 526، وامتناعها من الصرف عند سيبويه وأكثر النحويين 527 للعدل والوصفية، ومنهم 528 من جعل امتناعها للعدل في اللفظ وفي المعنى، أما في اللفظ فظاهر، وأما في المعنى فلأن مفهوماتها تضعيف أصولها، فأدنى المفهوم من «أحاد» أو «موحد» اثنان، ومن «ثناء» أو «مثنى» أربعة، وكذلك سائرها، فصار فيها عدلان، وروي فيها عن بعض العرب: مخمس، وعشار، ومعشر، ولم يرد غير ذلك، وأجاز الكوفيون والزجاج 529 أن يقال قياسا: خماس، وسداس، ومسدس، وسباع ومسبع، وثمان ومثمن، وتساع ومتسع» انتهى كلامه ولا يحتاج الطالب معه في -
الجزء: 8 - الصفحة: 4053
[حكم وزن فعل توكيدا]
قال ابن مالك: (والمانع مع شبه العلميّة أو الوصفيّة في فعل توكيدا).
الإبانة عما ذكر في هذا الفصل إلى غيره.
وأما قوله «ولا يجوز صرفها مذهوبا بها مذهب الأسماء خلافا للفرّاء» فالظاهر بل المتعين أن الضمير في «صرفها» و «بها» إنما يرجع للمعدولات من أسماء العدد، ولم يتحقق مراده من قوله: «مذهوبا بها مذهب الأسماء» ولم أعلم مستند الفراء في إجازته صرفها.
وأما قوله: «ولا منكّرة بعد التّسمية خلافا لبعضهم» فقد تقدمت الإشارة إلى ذكر هذه المسألة في الفصل المفتتح بقوله: «ما منع صرفه دون علميّة منع معها» وذكر من خالف في ذلك.
قال ناظر الجيش: قدم المصنف على ذكر العدل المانع مع العلمية [ذكر العدل المانع مع شبه العلمية] أو الوصفية، ومراده بذلك: جمع المستعملة في التوكيد وتوابعها وهي: كتع، وبصع، وبتع وهن جمع: جمعاء وكتعاء وبصعاء وبتعاء، قال في شرح الكافية 530: «ومن الممنوع من الصرف للعدل والتعريف: جمع وتوابعه، فإنها لا تنصرف للعدل والتعريف، فأما تعريفها فبالإضافة المنوية 531، فإن أصل: رأيت النساء جمع: رأيت النساء جمعهنّ، كما يقال: رأيتهن كلّهن، فحذف الضمير للعلم به واستغنى بنية الإضافة وصار جمع لكونه معرفة بغير علامة ملفوظ بها، كأنه علم وليس بعلم؛ لأن العلم إما شخصيّ وإما جنسيّ، والشخصيّ مخصوص ببعض الأشخاص فلا يصلح لغيره، والجنسي مخصوص ببعض الأجناس فلا يصلح لغيره، وجمع بخلاف ذلك، فالحكم بعلميته باطل، قال: وما قررته ظاهر قول سيبويه فإنه قال 532: وسألته - يعني الخليل - عن جمع وكتع فقال: هما معرفة «كلهم» وها معدولتان عن جمع جمعاء، وجمع كتعاء هذا نصه.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4054
................................
وأما العدل فعن «فعلاوات» لأنه جمع «فعلاء» مؤنث «أفعل» وقد جمع المذكر بالواو والنون فكان حق المؤنث أن يجمع بالألف والتاء كـ «أفعل»، و «فعلى»، لكن جيء به على «فعل» فعلم أنه معدول عن «فعلاوات» وليس معدولا عن «فعل» كما قال الأخفش والسيرافي 533، لأن «أفعل» المجموع بالواو والنون لا يجمع مؤنثه على «فعل» بسكون العين، ولا هو معدول عن «فعالى» 534 لأن «فعلاء» لا يجمع على «فعالى» إلّا إذا لم يكن له مذكر على «أفعل» وكان اسما محضا كصحراء، وجمعاء بخلاف ذلك فلا أصل له في «فعالى» ولا «فعل» وإنما أصله: جمعاوات كما قيل في
مذكره: أجمعون انتهى.
وقد جعل المانع من الصرف في هذه الكلمات مع العدل شبه العلمية وبيّن الشبه بقوله: «وصار جمع لكونه معرفة بغير علامة ملفوظ بها كأنه علم»، ولا شك أن كون إحدى العلتين فيها هو: شبه العلمية هو الظاهر، وأما شبه الوصفية فلم يتقرر لي، لكن قال الشيخ 535: «وأما جهة شبه العلمية أو الوصفية فمن حيث جمع مذكره بالواو والنون كان شبيها بالعلمية، ومن حيث كان المؤنث على «فعلاء» والمذكر على «أفعل» كان شبيها بالصفة؛ لأن ما هذه سبيله فهو صفة» انتهى.
وأقول: أما قوله «إنه من حيث جمع مذكره بالواو والنون كان شبيها بالعلمية «فمدفوع» بأمرين:
أن الجمع بالواو والنون ليس مخصوصا بالأسماء الأعلام، بل الصفات تشاركها في ذلك، وأن المصنف بيّن في شرح الكافية أن مراده بشبه العلمية في هذه الكلمات كونها معرفة بغير علامة ملفوظ بها.
وأما ما قاله في شبه الوصفية فربما يقبل على أنه يمكن أن يقال: إن المراد بشبه الوصفية كونها تستعمل أبدا تابعة لما قبلها كما هو شأن الصفات، ثم إن الشيخ -
الجزء: 8 - الصفحة: 4055
................................
قال 536: «أما أن العدل يمنع مع شبه العلمية فقد قيل به، وأما أن العدل يمنع مع شبه الوصفية في باب جمع فلا أعلم له فيه سلفا من النحاة.
انتهى.
وأما ما هذه الكلمات معدولة عنه فقد عرفت أنها معدولة إما عن «فعل» على قول، وإما عن «فعالى» على قول، وإما عن «فعلاوات» على قول، وأن كونها عن «فعلاوات» هو اختيار المصنف، قال الشيخ 537: «والذي نختاره أن جمع معدول عن الألف واللام؛ لأن مذكره جمع بالواو والنون فقالوا: أجمعون كما قالوا: الآخرون، فقياسه أنه إذا جمع كان معرّفا بالألف واللام، فهو في حال الجمع من باب «أفعل» الذي مؤنثه «الفعلى»، وفي حال الإفراد من باب «أحمر وحمراء»، وأشبه «أجمع»، «أحمر» حتى جعلوا مؤنثه على «فعلاء» من حيث لا يقال فيه: هو أجمع من كذا» انتهى.
وهو كلام عجيب ويظهر أنه مدفوع من جهات:
أحدها: أن كلمة واحدة كيف يكون إذا جمعت يكون مفردها من باب، وإذا لم تجمع يكون ذلك المفرد من باب آخر وهذا لا يعرف له نظير؟
ثانيها: أنه يلزم مما قاله من أن قياس «جمع» أن يكون بالألف واللام أن يكون «أجمعون» كذلك فيقال فيه: الأجمعون كما قيل: الآخرون، أو يدعى فيه أنه معدول مما فيه اللام ولا قائل بذلك.
ثالثها: [5/ 79] أنه نقل القولين المشهورين في تعريف هذه الكلمة هل هو بالعلمية أو بنية الإضافة؟ ولا ينافي القول بذلك مع كون الكلمة معدولة عما فيه اللام، فكان الواجب أن يقول عند ذكر هذين القولين: إن التعريف إنما هو بنية اللام كما يقال في تعريف «سحر» فسكوته عن ذلك تقرير منه لما ذكروه من أن التعريف إما بالعلمية أو بنية الإضافة، ومع ذلك يتعذر القول عما فيه اللام.
والحق أنني لم يظهر لي ما قاله في هذه المسألة وقد يكون له توجيه صحيح خفي عني.
الجزء: 8 - الصفحة: 4056
[حكم سحر ووزن فعل ووزن فعال علما وغيره]
قال ابن مالك: (ومع العلميّة في سحر الملازم للظّرفيّة وفيما سمّي به من المعدولات المذكورة، ومن «فعل» المخصوص بالنّداء، وفي «فعل» المعدول عن «فاعل» علما، وطريق العلم به سماعه غير مصروف عاريا من سائر الموانع، وفي حكمه عند تميم «فعال» معدولا علما لمؤنّث كـ «رقاش»، ويبنيه الحجازيّون كسرا، ويوافقهم أكثر تميم فيما لامه راء، واتّفقوا على كسر «فعال» أمرا أو مصدرا أو حالا أو صفة جارية مجرى الأعلام، أو ملازمة للنّداء، وكلّها معدول عن مؤنّث فإن سميّ ببعضها مذكّر فهو كـ «عناق» وقد يجعل كـ «صباح» فإن سميّ به مؤنّث فهو كـ «رقاش» على المذهبين، وفتح «فعال» أمرا لغة أسديّة).
قال ناظر الجيش: هذا شروع في ذكر العدل المانع مع العلمية، فتقدير كلامه: والمانع مع العلمية واقع في كذا وفي كذا، وقد تقدم لنا أن العدل مع العلمية نوعان: عدل عن مثال إلى غيره، وعدل عن مصاحبة الألف واللام إلى المجرد عنها، وأن الأول أقسام أربعة:
المعدول من «فاعل» علما إلى «فعل» كعمر ومضر وثعل وزحل.
وما جعل علما من المعدول إلى «فعل» في النداء كغدر وفسق.
و «فعل» الذي في التوكيد كجمع وتوابعه.
و «فعال» كرقاش.
وأن الثاني كلمتان وهما: سحر وأمس.
فأما «جمع» الواقعة توكيدا وأخواتها فقد أفردها بالذكر؛ لأنه جعل المانع فيها مع العدل شبه العلمية أو الوصفية وتقدم الكلام عليها.
وأما «أمس» فقد تقدم له الكلام عليها في باب «المفعول المسمى ظرفا ومفعولا فيه».
بقي الكلام الآن موجها إلى ثلاثة الأقسام الباقية وإلى كلمة «سحر» وقد أشار إليها المصنف هاهنا وذكر أمرا زائدا وهو الذي أشار إليه بقوله: وفيما سمي به من المعدولات المذكورة، وأراد بالمعدولات المذكورة التي تقدم ذكره لها في هذا الفصل وهي: أخر -
الجزء: 8 - الصفحة: 4057
................................
وأسماء العدد التي هي: مفعل وفعال وجمع وتوابعها، أعني: كتع وبصع وبتع التي عبر عنها بقوله: «في فعل توكيدا» لأن هذه هي التي تقدم له ذكرها، ولا شك أن الأمر كما ذكره، أعني إذا سمي بشيء من هذه الكلمات وجب منع صرفه، لكن ليس الكلام الآن إلّا في العدل الذي لا يمنع الصرف إلّا مع العلمية، أما العدل الذي يمنع الصرف مع غير العلمية فلا مدخل لذكره مع المذكور في هذا الموضع، نعم يذكر ذلك على أنه مسألة مستقلة، وقد ذكره في فصل متقدم حيث قال: «ما منع صرفه دون علميّة منع معها» وتقدم الكلام على ذلك أيضا، وإذ قد تقدم الكلام فيه فلا يتعرض للكلام عليه هنا.
وإذا عرف فلنرجع إلى حل ألفاظ الكتاب فنقول:
قدم المصنف الكلام على ما عدل عن مصاحبة الألف واللام إلى المجرد عنها وهو «سحر» ثم ثنى بذكر ما عدل عن مثال إلى غيره وهو الأقسام الثلاثة التي أشرنا إليها آنفا.
أما «سحر» فله حالات وإنما يمتنع صرفه في حالة واحدة منها، وذلك أنه إما أن لا يراد به معين، وإما أن يراد به معين، وإذا أريد به معين، فإما أن لا يستعمل ظرفا، وإما أن يستعمل ظرفا.
فالحالات ثلاث.
مثال ذلك في الحالة الأولى: قوله تعالى: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ 538.
ومثاله في الحالة الثانية: السحر وقت طيب، وسحر ليلة الجمعة مبارك، ولا بد له في هذه الحالة أن يكون معرفا
بالألف واللام أو بالإضافة.
ومثاله في الحالة الثالثة: صليت يوم الجمعة سحر، ولا بد له في هذه الحالة أن يكون مجردا من الألف واللام والإضافة؛ لأنه لا بد أن يكون معرفا بالعلمية أو بما يشبه العلمية، وذلك إنما يكون بالنية لا بأداة في اللفظ، وهذه هي الحالة التي يمتنع صرفه فيها، وتصرّفه في هذه الحالة ممتنع أيضا فـ «سحر» في هذه الحالة لا يتصرّف ولا ينصرف، أما عدم تصرفه فلكونه لم تستعمله العرب غير ظرف، وأما عدم انصرافه فللعدل والتعريف إما بالعلمية أو بغيرها كما سيذكر، قال المصنف في شرح الكافية 539 ومما منع صرفه للعدل والتعريف «سحر» إذا قصد به سحر يوم بعينه وجعل ظرفا كقولك: خرجت يوم الجمعة سحر، والأصل أن يذكر معرفا -
الجزء: 8 - الصفحة: 4058
................................
بالألف واللام فعدل عن الألف واللام وقصد تعريفه فاجتمع فيه العدل والتعريف، فمنع من الصرف ولا يكون هذا إلّا مفعولا فيه، ويمنع قصد تعيينه مصاحبة الألف واللام، فلو لم تقصد ظرفيته وقصد تعيينه لم يستغن عن الألف واللام أو الإضافة كقولك: استطبت السحر وطاب السحر، وقمت عند السحر، وزعم صدر الأفاضل 540 أن سحر المشار إليه مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف التعريف، وما ذهب إليه مردود بثلاثة أوجه:
أحدها: أن ما ادعاه ممكن وما ادّعيناه ممكن، لكن ما ادعيناه أولى، فإنه خروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع الصرف باقي الإعراب بخلاف ما ادّعاه؛ لأنه خروج عن الأصل بكل وجه.
الثاني: أنه لو كان مبنيّا لكان غير الفتحة أولى به؛ لأنه في موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة فيه لئلّا يتوهم [5/ 80] الإعراض كما اجتنبت في «قبل» و «بعد» والمنادى المبني.
الثالث: أنه لو كان مبنيّا لكان جائز الإعراب جواز إعراب «حين» في قوله:
3739 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا 541
لتساويهما في ضعف سبب البناء لكونه عارضا، وكان يكون علامة إعرابه ثبوته في بعض المواضع، وفي عدم ذلك دليل على عدم البناء وأن الفتحة إعرابية، وأن عدم التنوين إنما كان من أجل منع الصرف فلو نكر «سحر»
وجب التصرّف والانصراف كقوله تعالى: نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا 542 انتهى.
وقد جعل المانع للصرف مع العدل في هذه الكلمة التعريف بنية الألف واللام، وفي التسهيل صرح كما رأيت بأن المانع منها العدل والعلمية، والظاهر ما ذكره في الشرح وهو والذي ذهب إليه ابن عصفور 543، وكلام ابن أبي الربيع موافق لكلام المصنف، فإنه قال عند ذكره «سحر»، أرادوا إلى واحد مخصوص لم يريدوا -
الحديث: 3739 - الجزء: 8 - الصفحة: 4059
................................
شائعا 544 فكان القياس أن يعرفوه باللام أو بالإضافة، فعدلوا عن هذا إلى أن جعلوه علما لهذا الزمان فقالوا: سحر، فلزم هذا القصد من العلمية إلى أن عدلوا من لفظ إلى لفظ بعد أن قصدوا اللفظ الأول ثم تركوه إلى غيره، قال: وهذا بخلاف العدل في عمر، فإنهم أرادوا أن يسموا الرجل بـ «عامر» فعدلوا عنه إلى عمر، وكذلك زفر وقثم وما أشبههما فإنما عدلوا من: عامر وزافر وقاثم من غير شيء كان ذلك».
وقد ذكر الشيخ 545 عن بعضهم 546 أن ترك تنوينه إما هو من أجل نية الألف واللام كما جاء عن العرب: سلام عليكم بترك التنوين على نية الألف واللام في سلام، وعن بعضهم 547 أن ترك تنوينه إنما هو على نية الإضافة، قال: «وعلى هذين القولين لا يكون سحر من باب ما لا ينصرف في شيء».
وثم سؤال ها هنا وهو أن يقال: ما الفرق بين «سحر» و «أمس» المستعمل غير ظرف على لغة من يبنيه؟
وأما ما عدل من مثال إلى غيره فهو ثلاثة أقسام كما عرفت:
الأول: فعل المخصوص بالنداء، قال المصنف في شرح الكافية 548: «ومن الممنوع من الصرف للعدل والتعريف ما جعل علما من المعدول إلى «فعل» في النداء كغدر، وفسق، فحكمه حكم عمر وهو أحق من عمر بمنع الصرف؛ لأن عدله محقق وعدل عمر مقدر» انتهى.
ومن ذلك: خبث ولكع، وذكروا 549 أنها كلمات تحفظ ولا يقاس عليها وهي معدولة عن: فاسق، وغادر، وخبيث، وألكع، وهي مختصة بالنداء فلم تعدل إلّا فيه فإذا سمي بشيء منها امتنع صرفه للعلمية ومراعاة اللفظ المعدول،
ومن ثم قال ابن خروف: «ولا فرق بينه وبين أحاد وجمع، فإن سيبويه يمنعهما الصرف عند التسمية؛ لأن تلك إن كانت معدولة في حال الوصف والتأكيد، فكذلك هذه -
الجزء: 8 - الصفحة: 4060
................................
معدولة في حال النداء، فلا يزول حكم العدل إلّا بزوال البناء، وكذلك فعال في المؤنث» 550 انتهى كلام ابن خروف، وهو كلام حسن.
ونقل الشيخ 551 عن ابن السيد وعن آخر 552، أنهما يريان صرف نحو: فعل المعدول في النداء إذا سمي به قالا: لأنه لم يعدل إلّا في النداء، قال 553: وحكي ذلك عن الأخفش 554 أيضا.
وأقول: إن هذا مما لا يعول عليه، وقد رأيت كلام ابن خروف، ولا شك أن الذي قاله هو الحق.
القسم الثاني: «فعل» المعدول عن «فاعل» علما، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا القسم، وذكر أن علامة العدل فيه منع العرب صرفه مع انتفاء التأنيث؛ ولهذا جعل عدله تقديريّا، فإن صرف حكم بأنه غير معدول كـ «أدد» أو أمكن تأنيثه فكذلك أيضا نحو: طوى في لغة من لم يصرف، فإن تأنيثه باعتبار كونه اسم بقعة ممكن فهو أولى من ادعاء العدل؛ لأن العدل قليل والتأنيث كثير، ولأن ما ثبت عدله وتعريفه فمنعه لازم ما لم ينكر، و «طوى» ذو وجهين فلا يكون معدولا، وهذا هو كلام المصنف في شرح الكافية 555، وإنما أعدت ذكر ذلك قصدا لإراحة الناظر من أن يراجع ما قبل.
ولما كانت علامة العدل في هذا القسم منعه الصرف مع انتفاء التأنيث قال المصنف:
وطريق العلم به - يعني بعدله - سماعه غير مصروف عاريا من سائر الموانع.
ولا شك أن قوله عاريا من سائر الموانع أحسن وأشمل من قوله في شرح الكافية «مع انتفاء التأنيث».
وليعلم أن صيغة «فعل» تكون غير معدولة، وعنها احترز المصنف بقوله المعدول -
الجزء: 8 - الصفحة: 4061
................................
عن فاعل، وغير المعدولة إما اسم جنس كـ «ثغر» 556 و «صرد» 557 أو صفة كـ «حطم» 558 و «لبد» 559 أو مصدر كـ «هدى» و «تقى» أو جمع كـ «غرف» 560، وجعل الشيخ 561 قول المصنف «عن فاعل» احترازا من: فعل المعدول عن غير فاعل كأخر وجمع، وقوله «علما» احترازا عن فعل المعدول عن فاعل في النداء؛ لأنه ليس بمعدول في حال كونه علما.
ثم إنه 562 استدرك عليه «ثعل» فإنه لا ينصرف كـ «عمر» وهو معدول عن: أثعل لا عن ثاعل.
وأقول: إن ذكر هذه المسألة وهي «ثعل» قد تقدم 563، ولقائل أن ينازع في ذلك إلّا إن كانت الأئمة متفقين على أنه معدول «أفعل» فلا كلام.
القسم الثالث: «فعال» علما لمؤنث، فإنه ممنوع الصرف للعلمية والعدل، ولكن هذا في لغة التميميين، وأما الحجازيون فيبنونه على الكسر، قال المصنف في شرح الكافية 564: «ومن الممنوع للعدل والتعريف: رقاش ونحوه من أعلام المؤنث الموزونة بهذا المثال، فهذا النوع في لغة بني تميم معرب ممنوع من الصرف، وهو في لغة الحجازيين مبني على الكسر 565، ووافقهم [5/ 81] التميميون 566 إلّا قليلا في بناء ما آخره «راء» كـ «ظفار» و «وبار» 567، وما التزم إعرابه من موازنات «فعال» فليس بمعدول كـ «دلال» اسم امرأة، ولا يكون المعدول إلّا اسم مؤنث، فإن توهّم تذكير قدّر تأنيث كما قدر سيبويه 568 مسمّى «سفار» وهو ماء 569: -
الجزء: 8 - الصفحة: 4062
................................
ماءة ومسمى «حضار» وهو اسم كوكب: كوكبة.
ولما سمي به مؤنث من نحو: نزال وفساق ويسار وكفاف ما لرقاش في اللغتين من بناء على اللغة الحجازية ومنع صرف على اللغة التميمية، قال: وإنما قيدت ذلك بكونه اسم أنثى؛ لأن المسمى به مذكر من «فعال» كله لا يكون إلّا معربا غير منصرف 570، ومن العرب من يصرف «فعال» المسمى به ذكر تشبيها بـ «صباح» حكى ذلك سيبويه 571 رحمه الله تعالى.
انتهى.
وقد قصر كلامه في التسهيل على ذكر أحكام «فعال» المعدول، ولم يتعرض إلى ذكر غير المعدول مما صيغته موازنة لصيغة المعدول، والجماعة المغاربة كابن عصفور وابن أبي الربيع ذكروا تقسيم الصيغة من رأس،
فذكروا 572 غير المعدول وهو أربعة:
اسم مفرد كـ «جناح» و «عناق».
وصفة كـ «جواد» و «جبان».
ومصدر كـ «ذهاب».
واسم جنس تفصل بينه وبين واحدة تاء التأنيث كـ «سحاب».
والذي اعتمده المصنف من الاقتصار على ذكر المعدول هو الواجب؛ لأن غير المعدول مما صيغته موازنة لصيغة المعدول لا يحتاج إلى ذكره؛ لأنه حكم بقية الأسماء في الإعراب والصرف ما دام نكرة 573، وإن سمي به فالأمر فيه كذلك أيضا؛ لأنه إن كان مسماه مؤنثا لم ينصرف للتأنيث والعلمية، وإن كان مسماه مذكرا انصرف إلا أن يكون أصله التأنيث كـ «عناق» اسم رجل 574.
ولما كان الأمر في غير المعدول كذلك وجه المصنف كلامه إلى المعدول خاصة وقسمه قسمين: ما عدل علما لمؤنث كـ «رقاش» و «حذام» و «قطام».
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4063
................................
وما عدل غير علم وهو أربعة أشياء:
اسم فعل كـ «نزال» وو مصدر كـ «فجار»، وحال كـ «بداد» من قولهم:
جاءت الخيل بداد أي متبددة، وصفة إما مستعملة في غير النداء كـ «حلاق» للمنية وإما مخصوصة بالنداء كـ «فساق».
فإن قيل: كيف جعل نحو: «فجار» مع كونه علما للفجرة - قسيما للمعدول الذي هو علم أيضا كـ «رقاش»؟ قلت: الظاهر أن المراد بالعلمية الشخصية، ولا شك أن علمية نحو: «فجار» جنسية فلم يكن داخلا في المعدول الذي
علميته شخصية.
وإذا عرف أن المعدول المذكور قسمان، فلنذكر القسم الأول ثم الثاني فنقول:
قد أشار المصنف إلى الأول بقوله: وفي حكمه أي وفي حكم «فعل» المذكور في منع الصرف عند تميم «فعال» معدولا علما لمؤنث كـ «رقاش» فبنو تميم 575 يمنعونه الصرف، وعلة منعهم إيّاه الصرف العدل والعلمية فهو جار مجرى «عمر» لأن «رقاش» - مثلا 576 - معدول عن علم، كما أن عمر كذلك، هذا مذهب سيبويه 577 ومذهب المبرد 578 أن علة منع صرفه العلمية والتأنيث، ولكن المشهور في المسألة هو مذهب سيبويه، وإن كان ما ذهب إليه المبرد هو الظاهر، وقد رجّح 579 مذهب سيبويه بأن مذهب المبرد يلزم منه أن يكون «حذام» وأمثالها أسماء مرتجلة لا أصل لها في النكرات، والغالب على الأعلام أن تكون منقولة فتكون هذه الأسماء على رأي سيبويه لها أصول في النكرات قد عدلت عنها بعد أن صيّرت تلك الأصول [أعلاما].
وأما قوله: «معدولا» فيحترز به عن الصيغة الموازنة «فعال» ولكنها غير معدولة كـ «جناح» وشبهه من أمثلة الأقسام غير المعدولة المتقدم ذكرها.
وقوله: «لمؤنّث» نبّه به على ما ذكره في شرح الكافية بقوله 580 «ولا يكون المعدول -
الجزء: 8 - الصفحة: 4064
................................
إلا اسم مؤنث حتى إن توهم تذكير قدّر تأنيث كما قدّر سيبويه 581 مسمى «سفار» وهو ماء: ماءة، ومسمى «حضار» وهو اسم كوكب: كوكبة.
وأشار إلى لغة الحجازيين بقوله: «ويبينه الحجازيون كسرا» قال سيبويه: «هي اللغة الأولى والقدمى»، وسيأتي
الكلام على علة بنائه.
وأما موافقة أكثر تميم للحجازيين فيما لامه «راء» فقد ذكر الأئمة 582 لذلك علة وهي أن الراء توجب من الإمالة ما لا يوجبه غيرها إذا كانت مكسورة، ويمنع من الإمالة ما لا يمنع غيرها إذا كانت مفتوحة أو مضمومة فهم يحافظون عليها.
وإنما قال ««أكثر تميم» لأن بعضهم يعربه كما يفعل في «حذام» وقد جمع الشاعر 583 بين اللغتين قال:
3740 - ومرّ دهر على وبار... فهلكت جهرة وبار 584
والقوافي مرفوعة، وأول القصيدة:
3741 - ألم تروا إرما وعادا... أودى بها اللّيل والنّهار 585
وقد قيل 586: إن «وبار» التي في آخر البيت ليس اسما وإنما الواو عاطفة و «بار» فعل ماض مسند إلى ضمير الجماعة، والمعنى: أن الدهر أهلك أهل وبار، ولا يريد -
الحديث: 3740 - الجزء: 8 - الصفحة: 4065
................................
بذلك المكان وإنما يريد: أهله، فأعاد الضمير في «هلكت» مؤنثا على «وبار» مراعاة للفظ «وبار» ثم أعاد الضمير جمعا على «الأهل» المحذوف أي: وبار أهلها أي: هلكوا على جهة التأكيد من حيث المعنى، ونظير ذلك قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 587.
وإذا سمي مذكر بـ «حذام» و «رقاش» و «قطام» ونحوها فإنه يعرب ممنوع [الصّرف] 588 كان في آخره «راء» أو لم يكن 589، وذكر سيبويه 590 أن من العرب من يصرفه؛ لأنه معدول عن مؤنث وتسمية المذكر به يذهب التأنيث.
ثم أشار إلى القسم الثاني وقد عرفت أنه أربعة أشياء بقوله: واتّفقوا على كسر فعال أمرا أو مصدرا أو حالا أو صفة».
فمثال الأمر 591: «نزال» و «نعاء» و «حذار» و «نظار» و «مناع» وقولهم للضّبع: دباب أي: دبّي 592.
ومثال المصدر 593: «فجار» و «حماد» و «يسار» و «جماد» و «عباب» و «أباب» و «مساس» و «كفاف» و «بوار» و «بلاء» وقال حميد الأرقط [5/ 82]:
3742 - فقلت امكثي حتّى يسار لعلّنا... نحجّ معا قالت: أعاما وقابله؟ 594
كأنه قال: حتى الميسرة 595، وقال الآخر: -
الحديث: 3742 - الجزء: 8 - الصفحة: 4066
................................ 3743 - جماد لها جماد ولا تقولن... طوال الدّهر ما ذكرت حماد 596 يريد الدعاء على امرأة موصوفة بالجمود والبخل كأنه قال: جمدا لها لا حمدا 597. وقالوا: للظّباء إذا وردت الماء: فلا عباب 598، وإذا لم ترد: فلا أباب 599، وقالوا: أنت لا مساس 600، وقالوا: دعني كفاف 601 أي: دع [المكافّة]، وقال رؤبة: 3744 - يا ليت حطّي من جداك الصّافي... والفضل أن تتركني كفاف 602 ويقال: نزلت بوار على الكفار 603، ونزلت بلاء على أهل الكتاب 604. -
الحديث: 3743 - الجزء: 8 - الصفحة: 4067
................................ ومثال الحال: بداد 605، قال الشاعر 606: 3745 - وذكرت من لبن المحلّق شربة... والخيل تعدو بالصّعيد بداد 607 قال السيرافي: «بداد حال» 608. ومثال الصفة الجارية مجرى الأعلام 609: «حلاق» 610 و «جباذ» 611 للمنية، و «ضرام» 612 للحرب، و «كلاح» 613 و «جداع» 614 و «أزام» 615 للسنة الشديدة، و «حناذ» 616 للشمس، و «طمار» للمكان المرتفع، يقال: هوى من طمار 617، و «لزام»، يقولون: سببته سبّة تكون لزاما أي: لازمة 618، و «كرار» خرزة يأخذ بها النساء أزواجهنّ فيقلن: يا كرار 619، و «بلال» يقال: -
الحديث: 3745 - الجزء: 8 - الصفحة: 4068
................................
لا تبلّ فلانا عندي بلال أي بالّة، و «وقاع» يقال: كويته وقاع 620 وهي سمة على الجاعرتين، وقيل في طول الرأس من مقدمه إلى مؤخره 621، قال الشاعر 622:
3746 - وكنت إذا منيت بخصم سوء... دلفت له فأكويه وقاع 623
و «قطاط» قال الشاعر:
3747 - أطلت فراطهم حتّى إذا ما... قتلت سراتهم كانت قطاط 624
أي كانت قطاط، أي كانت الفعلة قاطّة لثأري أي قاطعة له.
625
و «صمام» للدّاهية 626، قال ابن أحمر 627: -
الحديث: 3746 - الجزء: 8 - الصفحة: 4069
................................
3748 - وردّوا ما لديكم من ركابي... ولمّا تأتكم [صمّي] صمام 628
كنى بها عن الدّاهية؛ لأنها تصمّ الأسماع، ويكون على هذا من: أصمّ كـ «دراك» من: أدرك، والأجود أن يكون من:
صمّ الكوّة بحجر، والقارورة:
سدّ فمها، فيكون من ثلاثي غير مزيد، وصمام أيضا للحية؛ لأنها لا تعمل الرّقي لخبثها فلا تجيب كأنها صماء.
أوردت ذلك حسبما أورده الشيخ في شرحه 629.
ومثال الصفة الملازمة للنداء: «يا فساق» و «يا خباث» و «يا لكاع» 630، و «يا رطاب» 631 و «يا دفار» 632 و «يا خضاف» 633 و «يا حباق» 634 و «يا خزاق» 635.
وليعلم أن هذه الأربعة منها ما كثر وروده عن العرب فوجب القياس عليه وهما:
اسم فعل الأمر من الثلاثي كـ «نزال»، والصفة المختصة بالنداء، وقد تقدم التنبيه على ذلك في باب المنادى.
ومنها: ما لم يكثر فوجب الوقوف فيه مع السماع وهما: المصدر والصفة في غير النداء، وهي التي عبّر عنها المصنف «بالجارية مجرى الأعلام».
-
الحديث: 3748 - الجزء: 8 - الصفحة: 4070
................................
وأما قوله: وكلّها معدول عن مؤنّث فهو أمر كالمجمع عليه عند النحاة، ولكن يتعين التعرض لبيان المعدول عنه في كل من الأربعة المذكورة.
أما الصفة المختصة بالنداء: فالظاهر أن فساق معدول عن: فاسقة، وخباث عن خبيثة، ولكاع عن: لكعاء، وكان العدل في مثلها لقصد المبالغة في الذم 636.
وأما الصفة الجارية مجرى الأعلام 637: فذكروا أنها معدولة عن صفات غلبت فاستعملت أسماء كـ «نابغة» في قوله:
3749 - ونابغة الجعديّ بالرّمل بيته... عليه صفيح من تراب منضّد 638
فهو نعت في الأصل إلّا أنه غلب حتى صار اسما 639، قالوا: ولذلك لا يجوز في شيء منها أن يتبع موصوفا، لأنها صارت لغلبتها تشبه الأعلام، والعلم لا يوصف به، هذا ما أشار إليه الشيخ في شرحه 640.
ولا يخفى أن غلبة الاسمية على الوصفية في بعض الكلمات لا يكون عدلا؛ لأن العدل عبارة عن تبديل لفظ بلفظ للدلالة على المبالغة في ذلك المعنى الذي أفاده اللفظ المعدول عنه، ولم يتحقق لي وجه العدل في هذه المسألة.
وأما المصدر: فقالوا: هو معدول عن مصدر مؤنث وإن كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المصدر للمعرفة المؤنث الذي عدل عنه، كما أن «مشابه» و «ملامح» و «مذاكر» جمع لمفرد لم يستعمل في الكلام.
641 انتهى.
وفهمت من هذا أن ذلك ليس بعدل حقيقي وإنما هو عدل تقديري.
وأما الحال: كـ «بداد» فقالوا: إنه عدل عن مصدر مؤنث معرفة، وقد فسر -
الحديث: 3749 - الجزء: 8 - الصفحة: 4071
................................
سيبويه هذا 642 في البيت المتقدم الإنشاد 643 فقال 644: تعد وبددا، إلّا أن «بداد» ليست معدولة عن بدد لأن بددا نكرة، وإنما هي معدولة عن البدّة أو المبادّة.
انتهى.
وهذا العدل أيضا إنما هو تقديري.
وأما اسم فعل الأمر: فلم يذكروا ماذا عدل عنه؟ والعجب أنهم يجعلون اسم الفعل أصلا في العدل والتأنيث حتى قال ابن أبي الربيع: «وبني اسم الفعل على الكسر؛ لأنه مؤنث، والكسرة تناسب التأنيث، ولما ذكر الصفات المبنية على الكسر كحباق وحلاق قال: «وبني لشبهه بنزال، ووجه الشبه بينهما أن كلّا منهما معدول عن علم وهو مؤنث مع اتفاقهما في الوزن» وقال في المصدر أيضا كيسار وفجار:
«إنه بني لشبهه بنزال في الوجوه المذكورة» هذا كلامه في شرح الإيضاح.
وقال ابن عصفور 645: «إن سبب بناء فعال الذي هو علم كرقاش، وفعال المعدول المصدر المعرفة، وفعال المعدول عن الصفة الغالبة شبهها بفعال الذي هو اسم الأمر، ووجه الشبه بينها وبينه هو تساويهما في التعريف والتأنيث والعدل والوزن وقال: «وهذا هو المذهب الصحيح وهو مذهب سيبويه».
انتهى.
ودلّ كلامه على أن اسم فعل الأمر هو الأصل في العدل والتأنيث والتعريف، ولا أعلم توجيه واحد من الثلاثة - أعني العدل والتأنيث والتعريف - وما برحت أتطلب بيان ما عدل عنه «نزال» وبيان كونه مؤنثا، ولم أقف من كلامهم على ما يوضح لي ذلك، والذي يظهر أن القول بالعدل والتأنيث في «نزال» ونحوه من أسماء فعل الأمر ليس على وجه التحقيق، بل على وجه التقدير، وقد قال صاحب الإفصاح 646:
«نزال» عند سيبويه علم معرفة على الجنس، وكل ما عدل منها فهو معرفة، وكذلك فجار علم على المعنى كسبحان ومثله: حلاق وحماد في اسم المنيّة والسنة -
الجزء: 8 - الصفحة: 4072
................................
المجدبة 647، وضرام للحرب، وقد يكون هذا المعدول علما على الشخص كحذام ورقاش، ويرى سيبويه 648 أن هذه الأشياء بنيت حملا على نزال، ونزال بني حملا على الفعل انتهى.
ويظهر من كلامه هذا أن العدل في هذه الأمور إنما هو تقديري، وأما قوله: إن نزال عند سيبويه علم فلم يتسع لي كون نزال علما.
وإذ قد انقضى الكلام على عدل هذه الأشياء فلنذكر سبب بنائها، وحكم الأربعة منها، أعني اسم فعل الأمر والمصدر والحال والصفة [5/ 83] قبل التسمية بها وبعد أن تصير أسماء.
أما سبب البناء: فقد تقدم من كلام صاحب الإفصاح أن هذه الأشياء بنيت حملا على نزال، ونزال بني حملا على الفعل، وتقدم من كلام ابن عصفور 649 أن سبب البناء فيها شبهها بفعال الذي هو اسم الأمر في العدل والتأنيث والتعريف والوزن، قال: وهذا مذهب سيبويه وهو الصحيح، وبعد ذكره هذا قال 650:
«ومنهم من قال: إنما بنيت لتوالي العلل عليها، وذلك أنها قد كانت ممنوعة الصرف قبل العدل للتأنيث والتعريف، فلما زاد العدل - وليس بعد منع الصرف إلا البناء - بنيت، وهو مذهب أبي العباس المبرد 651، ومنهم من قال: إنما بنيت لتضمنها معنى الحرف وهو تاء التأنيث وهو مذهب الرّبعيّ 652.
قال 653: وهذان المذهبان ليسا بصحيحين؛ لأن الأمر لو كان كما قال الرّبعيّ لم -
الجزء: 8 - الصفحة: 4073
................................
يجز في الاسم العلم المؤنث إلّا البناء خاصة كما لم يجز في المعدول عن المصدر وعن الصفة الغالبة إلا البناء؛ لأن الاسم المتضمن معنى الحرف لا يجوز فيه إلّا البناء خاصة، وباطل أيضا أن يكون موجب البناء كثرة العلل؛ لأن هذه العلل إذا وجدت في الاسم كان الاسم بها شبيها بالفعل، وشبه الفعل لا يوجب البناء إنما يوجب منع الصرف.
قال: و [أمّا] من ردّ ذلك بأن كثرة العلل لا توجب البناء 654 مستدلّا على ذلك بـ «بعبلك» وبأنك إذا سميت امرأة بـ «سلمان» فإنك تمنع الصرف ولا يجوز البناء، ففي «بعبلك» التأنيث والتعريف والتركيب وفي «سلمان» الزيادة والعلمية والتأنيث فباطل؛ لأن المبرد إنما ذهب إلى أن الاسم إذا كان لا ينصرف فحدثت عليه علة فإنه يبنى؛ لأنه ليس بعد منع الصرف إلّا البناء، وأما ما دخلته علل كائنة ما كانت في أحواله ولم يثبت له منع الصرف قبل ذلك لا يوجب بناءه؛ لأنها دخلت عليه وهو مصروف فنقلته إلى منع الصرف.
ثم قال 655: فإن قيل: فـ «سلمان» قبل التسمية به لا ينصرف، فالجواب: أنه لم يستقر فيه منع الصرف وهو اسم لمؤنث، فأشبه ما حدثت فيه العلل في أول أحواله ولم يكن قبل ذلك ممنوع الصرف انتهى كلام ابن عصفور.
وأما حكم الكلمات المذكورة بالنسبة إلى الإعراب والبناء فهو أنها قبل أن يسمى بها مبنية على الكسر، وعرف هذا من قبل المصنف: واتّفقوا على كسر فعال أمرا إلى آخره، وأما بعد التسمية بها فإن سمي بها مذكر كانت معرفة غير منصرفة، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: فإن سمّي ببعضها مذكّر فهو كعناق ثم أشار إلى أن من العرب من يصرفه بقوله وقد يجعل كصباح قال سيبويه: «ومن العرب من يصرفه» 656 وهي لغة خيثية خارجة عن القياس.
وإن سمّي بها مؤنث جاء فيها اللغتان - أعني البناء على الكسر في لغة الحجازيين والإعراب إعراب ما لا ينصرف في لغة التميميين - وإلى ذلك الإشارة بقوله: وإن -
الجزء: 8 - الصفحة: 4074
................................
سمّي به مؤنّث فهو كرقاش على المذهبين.
وقد ذكر ابن عصفور خلافا في المسألتين - أعني في تسمية مذكر بها وفي تسمية مؤنث - فقال 657: وفعال المعدولة إذا سميت بها مذكرا امتنعت من الصرف للتأنيث والتعريف، وما قاله ابن بابشاذ 658 من أنها يجوز فيها الإعراب والبناء حملا على الاسم المؤنث المعدول العلم فباطل؛ لأنه لا يشبهه؛ لأن ذلك مؤنث وهذا مذكر، وإن سميت بها مؤنثا فيجوز فيها وجهان:
البناء والإعراب إعراب ما لا ينصرف، وذلك أنها صارت اسما علما لمؤنث فأشبهت حذام فجاز فيها ما جاز في حذام.
قال 659: وزعم أبو العباس 660 أن نزال إذا سمي بها ليس فيها إلّا البناء، واستدل على ذلك بأنه يبقى على ما كان عليه من البناء؛ لأنه نقل من اسم إلى اسم، كما أنك إذا سميت بـ «انطلاق» لم تقطع الهمزة؛ لأنك نقلته إلى بابه، ولو كان المسمى فعلا قطعت الهمزة؛ لأنه خروج عن بابه.
قال 661: وهذا الذي قاله باطل؛ لأن الإعراب ليس بمنزلة همزة الوصل، ألا ترى أن الفعل إذا سمي به أعرب، فإذا أعرب الفعل لأجل التسمية به مع أن بابه لا يعرب كان إعراب هذا أولى، لأن بابه الإعراب، انتهى.
وأشار المصنف بقوله: وفتح فعال أمرا لغة أسديّة إلى أن بني أسد يبنون نحو:
نزال وتراك على الفتح، ولا شك أن أصل الحركة لالتقاء الساكنين الكسر، وبنو أسد فتحوا لمناسبة الألف وقصدا للخفة، وللشيخ كلام مع المصنف في قوله: واتّفقوا، هل المراد به الحجازيون والتميميون فيكون بقية العرب مسكوتا عنهم؟ أو المراد به كل العرب فبنوا أسد لا يكسرون؟ 662 وهذا عجب من الشيخ فإن تخصيص العموم لا يدفع، فالمصنف أفاد العموم بقوله أولا: واتّفقوا يعني جميع العرب، ثم خصص ذلك العموم بقوله بعد: وفتح فعال أمرا لغة أسديّة.
الجزء: 8 - الصفحة: 4075
[حكم الصرف وعدمه بالنسبة إلى الاسم مكبرا ومصغرا]
قال ابن مالك: (فصل: يصرف مصغّرا ما لا يصرف مكبّرا إن لم يكن مؤنّثا أو أعجميّا أو مركّبا أو مضارعا لـ «فعلاء» مكبّرا ومصغّرا، أو ذا شبه بالفعل المضارع سابق للتّصغير أو عارض فيه وقد يكمل موجب المنع في التّصغير فيمتنع مصغّرا ما صرف مكبّرا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 663: «ما لا ينصرف بالنسبة إلى التكبير والتصغير أربعة أقسام: ما لا ينصرف مكبرا [ولا مصغرا، وما لا ينصرف مكبرا وينصرف مصغرا، وما لا ينصرف مصغرا وينصرف مكبرا]، وما يجوز فيه الوجهان مكبرا ويتحتم منعه مصغرا.
فالأول: نحو: بعلبك، وطلحة، وزينب، وحمراء، وسكران، وإسحاق، وأحمر، ويزيد مما لا يعدم سبب المنع في تكبير ولا تصغير.
والثاني: نحو عمر، وشمّر، وسرحان 664، وعلقى 665، وجنادل أعلاما مما يزول بتصغيره سبب المنع فإن تصغيرها: عمير، وشميّر، وسريحين، وعليق، وجنيدل [5/ 84] بزوال مثال العدل، ووزن الفعل، وألفي سرحان وعلقى، وصيغة منتهى التكسير.
والثالث: نحو: تحلئ 666، وتوسّط 667 وترتب 668 وتهبّط 669 أعلاما مما يكمل فيه بالتصغير سبب المنع، فإن تصغيرها: تحيلئ، وتويسط، وتريتب، وتهيبط، على وزن مضارع بيطر، فالتصغير كمل لها سبب المنع فمنعت من الصرف فيه دون التكبير، فلو جيء في التصغير بياء معوضة مما حذف تعيّن الصرف لعدم وزن الفعل.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 4076
................................
والرابع: نحو: هند وهنيدة، فلك فيه مكبرا وجهان، وليس فيه مصغرا إلّا منع الصرف.
انتهى.
فقوله في التسهيل: يصرف مصغّرا ما لا يصرف مكبّرا إشارة منه إلى القسم الذي ذكره في شرح الكافية ثانيا وهو: ما لا ينصرف مكبرا وينصرف مصغرا، وذلك نحو: عمر، وشمّر، وسرحان، وعلقى، وجنادل.
أعلاما، فإن التصغير فيها يزيل سبب المنع وهو العدول في عمر، ووزن الفعل في شمّر، والألف في سرحان، وعلقى وصيغة الجمع في جنادل.
وقوله: إن لم يكن مؤنّثا أو أعجميّا أو مركّبا أو مضارعا لفعلاء مكبّرا، ومصغّرا، أو ذا شبه بالفعل المضارع سابق للتّصغير أو عارض فيه إشارة منه إلى القسم الذي ذكره أولا 670 وهو: ما لا ينصرف مكبرا ولا مصغرا، وذلك نحو: زينب وإبراهيم، وإسماعيل، وبعلبك، وسكران، وتغلب، وأجادل أعلاما، فإنها لا تعدم سبب المنع في تكبير ولا تصغير، فتصغير زينب: زيينب وفيه العلمية والتأنيث وتصغير إبراهيم وإسماعيل: بريهيم، وسميعيل، أو: أبيره وأسيمع على مذهب من يرى تصغيرهما كذلك 671، وعلى كلا القولين هما ممنوعان الصرف للعلمية والعجمة، وتصغير بعبلك، ومعدي كرب: بعيلبك ومعيدي كرب وفيها العلمية والتركيب، وتصغير سكران:
سكيران، فالألف والنون الزائدان مع الوصف كما يمنعان في التكبير يمنعان في التصغير.
وعدل المصنف عن التعبير بالمزيد آخره ألف ونون إلى قوله: «أو مضارعا لفعلاء مكبّرا ومصغّرا» لأمرين:
أحدهما: عدم الاحتياج إلى ذكر العلة الأخرى وهو الوصف.
ثانيهما: الاحتراز من نحو: سرحان أن يدخل تحت عبارته، وسرحان إذا صغر صرف، وأراد المصنف بذلك أن الألف والنون في «سكران» مضارعتان لألفي التأنيث في «حمراء» في الحالين - أعني التكبير والتصغير 672 - فيقال في تصغير -
الجزء: 8 - الصفحة: 4077
................................
سكران: سكيران، كما يقال في تصغير حمراء: حميراء فمصغر كل منهما كمكبره، وسرحان ليس مصغره كمكبره، وتقول في تصغير تغلب ويشكر: تغيلب ويشيكر وفي تصغير أجادل علما: أجيدل فتمنعها الصرف؛ لأن شبه المضارع في تغيلب ويشيكر سابق للتصغير فيمنعان الصرف مصغرين كما يمنعانه مكبرين، وشبه الفعل المضارع في «أجيدل» عارض بعد التصغير إذا صار على وزن، أبيطر فيمنع الصرف مصغرا كما يمنع مكبرا 673، لكن في التصغير منعه للعلمية ووزن الفعل، وفي التكبير منعه إما للعلمية وشبه العجمة، أو للصيغة التي هي منتهى الجموع على القولين المتقدمي الذكر.
ولقائل أن يقول: قول المصنف: أو ذا شبه بالفعل المضارع سابق للتّصغير يقتضي ظاهره أن: تغيلب ويشيكر منعا الصرف للعلمية ووزن الفعل السابق على التصغير وذلك غير ظاهر؛ لأن وزن الفعل المضارع الذي [هو] تفعل في تغلب ويفعل في يشكر قد زال بالتصغير، ومع زوال السبب يزول المسبب عنه.
والذي يظهر أن «تغيلب» المصغر على وزن: تبيطر، ويشيكر المصغر على وزن يبيطر، فهما إنما منعا الصرف فيهما من وزن الفعل بعدد التصغير لا للوزن الذي كان لهما حال التكبير.
واحترز بقوله «المضارع» من الماضي كـ «شمّر» مسمّى به، فإنه إذا صغر صرف كما تقدم.
وقوله - أعني المصنف -: وقد يكمل موجب المنع في التّصغير فيمنع مصغّرا ما صرف مكبّرا إشارة منه إلى القسمين الباقيين اللذين ذكرهما في شرح الكافية ثالثا ورابعا 674 وهما: ما لا ينصرف مصغرا وينصرف مكبرا، وما يجوز فيه الوجهان:
مكبرا ويتحتم منعه مصغرا؛ لأن الذي صرفه مكبرا إما أن يكون صرفه متحتما واجبا، وإما أن يكون صرفه جائزا، وكلاهما يصدق عليه أنه صرف مكبرا.
فالأول: هو الذي مثل له في شرح الكافية بنحو: تحلئ وتوسط وترتب مسمّى -
الجزء: 8 - الصفحة: 4078
أسباب صرف ما لا ينصرف وحكم منع المصروف
قال ابن مالك: (فصل: يصرف ما لا ينصرف للتّناسب أو للضّرورة، وإن كان أفعل تفضيل خلافا لمن استثناه ويمنع صرف المنصرف اضطرارا خلافا لأكثر البصريين، لا اختيارا خلافا لقوم، وزعم قوم أنّ صرف ما لا ينصرف مطلقا لغة، والأعرف قصر ذلك على نحو سلاسل وقوارير).
بها، فهذه يكمل فيها بالتصغير سبب المنع 675.
والثاني: هو الذي مثل له في الشرح أيضا بنحو: هند؛ لأن في هذا الاسم مكبرا وجهين: وإذا صغر وجبت التاء فتحتم المنع من الصرف حينئذ 676.
قال ناظر الجيش: من المعلوم أن الصرف هو الأصل في الأسماء، ولا شك أن ما كان فيه رجوع إلى الأصل أقرب وأولى مما يكون فيه خروج عن الأصل، فلذلك أجمعوا على جواز صرف ما لا ينصرف لتناسب أو ضرورة 677، واختلفوا في منع المنصرف للضرورة كما سيذكر ذلك.
فأما الصرف للتناسب فيكفي وإثباته وروده في كتاب الله تعالى، فمن ذلك قراءة 678 نافع والكسائي سلاسل 679 وقواريرا 680، ومنه قراءة الأعمش 681 -
الجزء: 8 - الصفحة: 4079
................................ ولا يغوثا ويعوقا 682 بالصرف ليناسبا: ودّا، وسواعا. ونسرا 683. وأما الصرف للضرورة [5/ 85] فكثير، منه قول الشاعر 684: 3750 - ممّن حملن به وهنّ عواقد... حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل 685 وقول الآخر: 3751 - تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن... سوالك نقبا بين حزمي شعبعب؟ 686 وقول الآخر: 3752 - فأتاها أحيمر كأخي السّه... م بعضب فقال كوني عقيرا 687
الحديث: 3750 - الجزء: 8 - الصفحة: 4080
................................
وأما قوله: وإن كان أفعل تفضيل خلافا لمن استثناه فإنه يشير به إلى مذهب الكوفيين؛ لأنهم هم المستثنون له، فهم يزعمون أن «أفعل من» لا يجوز صرفه للضرورة معتلين لذلك بأن التنوين إنما حذف من «أفعل» لأجل «من» فلا يمكن أن يجتمع معها كما لا يجتمع التنوين مع الإضافة 688، وهذا ليس بشيء؛ لأن منع الصرف إنما هو لوزن الفعل والوصف، ويدل على ذلك صرف 689: خير منك وشرّ منك مع وجود [من].
وليعلم أن من متأخري النحاة من استثنى من صرف ما لا ينصرف للضرورة في ما آخره ألف قال 690: فإنه لا يصرف إذ لا فائدة في صرفه؛ لأن صرف ما لا ينصرف إما أن يكون لزيادة حرف كما في قول القائل: وهنّ عواقد
وإما لتغيير حركة كما في قول الشاعر:
3753 - إذا ما غزوا في الجيش حلّق فوقهم... عصائب طير تهتدي بعصائب 691
فصرف «عصائب» لأن القوافي مخفوضة، ولا شك أن ما آخره ألف يستوي فيه الرفع والنصب والخفض، فانتفى تغيير الحركة، وإذا زيد فيه التنوين سقطت الألف لالتقاء الساكنين، فيذهب حرف لمجيء حرف آخر.
- - كان وهو فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث.
والشاهد في: «أحيمر» حيث كونه للضرورة مع كونه مستحقّا للمنع، والبيت في المقرب (2/ 202)، والتذييل (6/ 451)، والعيني (4/ 377)، والأشموني (3/ 274).
الحديث: 3753 - الجزء: 8 - الصفحة: 4081
................................ وقد ردّ ذلك لأن في صرفه فائدة وذلك أن الكلمة التي في آخرها ألف كـ «سكرى» إذا نونت فجاء بعدها ساكن؛ واضطر المتكلم إلى النطق بذلك كسر التنوين لالتقاء الساكنين، ولا سيما المحتاج إلى ذلك لإقامة الوزن، فكما يقال: مررت بفتى انطلق، يقال: مررت بسكرى انطلقت، فيكسر التنوين ويقام الوزن بذلك، ولا شك أن ذلك لا يتأتى مع الألف 692. وأما منع صرف المستحق الصرف للضرورة ففيه الخلاف كما ذكرنا أجازه الكوفيون، والأخفش وأبو علي 693. قال المصنف 694: وبقولهم أقول لكثرة استعمال العرب ذلك كقول الكميت: 3754 - سيوف لا تزال طلال قوم... تهتكن البيوت [وتنثنينا] يرى الرّاءون بالشّفرات منها... وقود أبي حباحب والظّبينا 695 ومثله قول الأخطل: 3755 - طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت... بشبيب غائلة النّفوس غدور 696
الحديث: 3754 - الجزء: 8 - الصفحة: 4082
................................
ومثله قول ذي الإصبع:
3756 - وممّن ولدوا عام... ر ذوا الطّول وذو العرض 697
ومثله قول قيس:
3757 - ومصعب حين جدّا لأم... ر أكبرها وأطيبها 698
وأنشد أبو سعيد لدوسر بن دهبل:
3758 - وقائلة ما بال دوسر بعدنا... صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند 699
قال الشيخ 700: «وهذا الذي اختاره المصنف هو الصحيح لكثرة ما ورد من ذلك وأورده ما أورده المصنف وأنشد للعباس بن مرداس 701 أيضا البيت المشهور وهو: - - والشاهد في البيت: منع «شبيب» الصرف للضرورة.
والبيت في الإنصاف (ص 493)، والتذييل (6/ 454)، والعيني (4/ 362)، وشرح التصريح (2/ 198، 228)، والأشموني (3/ 275).
الحديث: 3756 - الجزء: 8 - الصفحة: 4083
................................
3759 - فما كان قيس ولا حابس... يفوقان مرداس في مجمع 702
قال 703: «وهذا من تشبيه الأصول بالفروع» انتهى.
وأما قوله: لا اختيارا خلافا لقوم فإشارة إلى أن بعضهم يجيز منع صرف ما ينصرف دون ضرورة، قال في شرح الكافية 704: «أنشد أحمد بن يحيى»:
3760 - أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي... بأوّل أو بأهون أو جبار
أو التّالي دبار فإن أفته... فمؤنس أو عروبة أو شيار 705
فقال الحامض 706 لأبي العباس: أؤمل أن أعيش موضوع قال: لم؟ قلت: لأن مؤنسا ودبارا مصروفات وقد ترك صرفهما، فقال أبو العباس 707: هذا جائز في الكلام فكيف في الشعر؟ انتهى.
فمراد المصنف بقوله: وزعم قوم أنّ صرف ما لا ينصرف [مطلقا] لغة إلى ما نقل عن الأخفش 708 أنه قال: من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف، قال: وكأن هذه لغة الشعر إلا أنهم قد اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم في -
الحديث: 3759 - الجزء: 8 - الصفحة: 4084
................................
الكلام على ذلك.
ثم قال المصنف: والأعرف قصر ذلك على نحو سلاسل وقوارير ومراده بذلك:
أن صرف ما لا ينصرف لا يجوز في الكلام إلا للتناسب كما في «سلاسل» و «قوارير»، وإذا لم يكن تناسب كان ذلك مقصورا على الضرورة، هكذا يظهر لي من هذا الكلام.
لكن الشيخ حمل كلامه على ما هو أعم من ذلك فإنه قال 709: إن المصنف يعني بذلك أن الأعرف أن يكون الصرف مخصوصا بالجمع المتناهى، قال: وقال الأخفش: إن بعض العرب وإنه سمع ذلك منهم، قال: وذكر الأخفش أن السبب في كون ذلك للجمع المذكور أن العرب يجمعونه جمع سلامة نحو قول بعضهم:
صواحبات، وقال الفرزدق:
3761 - وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم... خضع الرّقاب نواكس الأبصار 710
قال: فأشبه هذا الجمع عندهم الآحاد فصرفوه انتهى.
وأقول: قد ذكر ابن أبي الربيع نحوا من هذا المنقول عن الأخفش لكنه لم ينسبه إليه، فإنه لما ذكر أن نحو «مساجد» ممنوع الصرف لأن فيه علتين: الجمع وعدم النظير في الآحاد فصار بذلك جمعا في اللفظ والمعنى، قال: فيجب على هذا أن من جمع هذا الجمع بالألف والتاء فقال: صواحبات أن يصرفه كما يصرف أكلبا وأجمالا، وقد وجد الصرف في هذا الجمع أكثر مما وجد فيما فيه علتان، قال الله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً 711، وقال تعالى: قَوارِيرَا قَوارِيرَا 712، وكان الأستاذ أبو علي يقول: إن أبا علي كان يذهب في هذا وما -
الحديث: 3761 - الجزء: 8 - الصفحة: 4085
................................
أشبهه مما جاء في القرآن العزيز وفي كلام العرب أنه جاء على من قال: صواحبات وجمعه بالألف والتاء، وإن هذا عندي لحسن.
انتهى كلام ابن أبي الربيع.
ولا يظهر لي أن المصنف قصد [5/ 86] بقوله: والأعرف قصر ذلك على نحو سلاسل وقوارير؛ إلا ما قدمت ذكره والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 8 - الصفحة: 4086