الباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذا
[معنى كم - نوعاها - حكم تمييز كل نوع]
قال ابن مالك: («كم» اسم لعدد مبهم، فيفتقر إلى مميّز لا يحذف إلّا لدليل، وهو إن استفهم بها كمميّز عشرين وأخواته، لكنّ فصله جائز هنا في الاختيار، وهناك في الاضطرار، وإن دخل عليها حرف جر، فجرّه جائز بـ «من» مضمرة، لا بإضافتها إليه خلافا لأبي إسحاق، ولا يكون مميزها جمعا خلافا للكوفيين، وما أوهم ذلك فحال، والمميز محذوف.
وإن أخبر بـ «كم» قصدا للتكثير فمميزها كمميز عشرة، أو مائة، مجرور بإضافتها إليه، لا بـ «من» محذوفة خلافا للفراء، وإن فصل نصب حملا على الاستفهامية، وربّما نصب غير مفصول [3/ 80] وقد يجرّ في الشّعر مفصولا بظرف، أو جارّ ومجرور، لا بجملة، ولا بهما معا) 1.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: يدلّ على اسمية (كم): الإسناد إليها، وعود الضّمير عليها، في نحو: «كم رجلا زارك؟» ودخول حرف الجرّ عليها، والإضافة إليها، في نحو: «بكم رجل مررت؟» و «رزق كم نفسا ضمنت؟» وتسليط عوامل النصب عليها نحو: «كم يوما صمت؟ وكم فرسخا سرت، وكم كانت دراهمك؟» 3.
وهي في الكلام على ضربين: استفهامية، كالمذكورة آنفا، وخبرية يقصد بها التكثير 4 كقوله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ 5. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2481
................................ وهي في حالتيها أشدّ إبهاما من أسماء العدد 6؛ لأنّ أسماء العدد تدلّ على العدد دلالة تنصيص، ولا تدلّ على جنس المعدود، والأمر أن تذكر (كم) مبهمة، فكان افتقارها إلى مميّز أشدّ من افتقار أسماء العدد 7، ولما كانت الاستفهامية بمنزلة عدد مقرون بهمزة الاستفهام أشبهت العدد المركب، فأجريت مجراه، بأن جعل مميزها كمميّزه في النّصب والإفراد، فقيل: «كم درهما لك؟» 8 كما قيل: لك خمسة عشر درهما 9 ثم قصد امتياز الخبرية، فحملت من العدد على ما يضاف إلى مميّزه: وهو ضربان: مميّز بجمع، كـ: عشرة دراهم، ومميز بمفرد، كـ: مائة دينار، ولم يكن حملها على أحد الضربين بأولى من حملها على الضرب الآخر، فحملت عليهما معا، فتارة تضاف إلى جمع؛ حملا على (عشرة)، وتارة تضاف إلى مفرد؛ حملا على (مائة)، فيقال: «كم رجال صحبت»، و «كم بلد دخلت»، كما يقال: عشرة رجال صحبت، ومائة بلد دخلت 10. ويجوز حذف مميز (كم) كما يجوز حذف مميّز العدد 11 فحذف مميز (كم) كقوله تعالى: (كم لبثتم) 12 وحذف مميّز العدد كقوله تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ 13. ويجوز الفصل بين الاستفهامية ومميزها في السعة، ولا يجوز الفصل بين العدد ومميزه إلا في الضرورة، كقول الشاعر: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2482
................................ 1960 - على أنّني بعد ما قد مضى... ثلاثون للهجر حولا كميلا 14 ولو استعمل مثل هذا في غير ضرورة شعر لم يجز، بخلاف (كم)، فلك أن تفصل بينها وبين مميزها، دون ضرورة، فيقال: «كم لك درهما؟» 15، وإنّما كان الأمر كذلك؛ لأنّ العدد المميز بمنصوب مستطال بالتركيب إن كان مركبا، وبالزيادتين في آخره إن كان العشرين أو إحدى أخواتها، فموقع التمييز منه بعيد دون فصل، فلو فصل بشيء لازداد بعدا، فمنع الانفصال، إلّا في ضرورة، و (كم) بخلاف ذلك فلم يلزم اتصال مميزها 16، وإن دخل على استفهامية حرف جرّ جاز بقاء مميزها منصوبا: كقولك: «بكم رجلا مررت؟»، وجاز أن يجرّ بـ (من) مقدرة، كقولك: «بكم درهم تصدّقت؟» تريد: بكم من درهم، فحذفت (من) وأبقيت عملها، قال ابن خروف - قاصدا إلى حذف (من) وإبقاء عملها -: هو مذهب الخليل وسيبويه والجماعة 17، وزعم ابن بابشاذ أنه ليس مذهب المحققين، وقوله فاسد 18، وإضمار الحرف نصّ في كلامهم، إلا الزجاج وحده، -
الحديث: 1960 - الجزء: 5 - الصفحة: 2483
................................
فابن النّحاس حكى عنه أنّه كان يخفض هنا بـ (كم)، ولا يحذف شيئا 19.
قال ابن خروف: ولا يمكن الخفض بها؛ لأنّها بمنزلة عدد ينصب ما بعده، ولا يخفضه، فلو خفضت ما بعدها مرة، ونصبته مرة لزم تفضيل الفرع على الأصل، وأيضا لو كانت صالحة للجرّ بها إذا دخل عليها حرف جرّ لصلحت للجرّ بها إذا عريت من حرف الجرّ، ولا شيء من المميزات الصالحة لنصب مميزها، ولجرّه بإضافتها إليه يشترط في إضافته أن يكون هو مجرورا، فالحكم بما حكم به الزجاج، ومن وافقه حكم بما لا نظير له، فخولف مقتضيه، ورغب عنه لا فيه.
ولا يجوز جمع مميّز الاستفهامية، كما لا يجوز جمع مميز العدد الذي أجريت مجراه وأجاز ذلك الكوفيّون، ولا حجّة لهم 20، وإن ورد ما يوهم جواز ذلك حمل على أنّ المميز محذوف، وأنّ الجمع الموجود منصوب على الحال، نحو أن يقال: «كم لك شهودا؟» و «كم عليك رقباء؟»، والتقدير: كم إنسانا لك شهودا؟، وكم نفسا عليك رقباء؟ 21 ولو قصد بـ (كم) الإخبار على سبيل التكثير جرت مجرى (عشرة) مرة، ومجرى (مائة) أخرى وقد سبق الكلام على ذلك تبيينا وتمثيلا، ومميزها مجرور بإضافتها إليه، كمميّز ما حملت عليه.
وزعم الفراء أنّ الجرّ بعدها بـ (من) مقدرة، ولا سبيل إلى ذلك، كما لا سبيل إليه فيما حملت عليه، ولأن الجرّ بعدها لو كان بـ (من) مقدرة، لكان جوازه مع الفصل مساويا لجوازه بلا فصل؛ لأنّ معنى (من) مراد واستعمالها سائغ -
الجزء: 5 - الصفحة: 2484
................................ مع الاتصال والانفصال، فلو كان عملها بعد الحذف جائز البقاء مع الاتصال لكان جائز البقاء مع الانفصال في النثر والنظم، وفي كون الواقع بخلاف ذلك دلالة على أنّ الجرّ بالإضافة لا بـ (من) مقدرة 22. وإذا فصل مميز (كم) الخبرية بجملة، أو بظرف وجارّ ومجرور معا وجب نصبه مطلقا حملا على الاستفهاميّة 23: فالأول 24 كقول الشاعر: 1961 - كم نالني منهم فضلا على عدم... إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل 25 والثاني 26 كقول الآخر: 1962 - تؤمّ سنانا وكم دونه... من الأرض محدودبا غارها 27
الحديث: 1961 - الجزء: 5 - الصفحة: 2485
................................
فلو كان الفاصل ظرفا، أو جارّا ومجرورا جاز النصب والجرّ، إلّا أنّ الجرّ مخصوص بالشّعر، كقول الشاعر:
1963 - كم دون ميّة موماة يهال لها... إذا تيمّمها الخرّيت ذو الجلد 28
وكقول الآخر:
1964 - كم بجود مقرف نال العلا... وكريم بخله قد وضعه 29
وربّما نصب مميز الخبريّة متّصلا بها، وزعم بعضهم [3/ 81] أنها لغة بني تميم.
ومنه قول الفرزدق: - - شائك، وهو المطمئن الغائر من الأرض.
المعنى: يصف ناقته فيقول: تقصد سنانا هذا الممدوح على بعد المسافة بينهما ومشقة الطريق.
والشاهد: في قوله: «كم دونه من الأرض محدودبا»؛ حيث فصل بين (كم) الخبرية ومميزها بظرف وجار ومجرور، ونصب التمييز وهو (محدودب) وقال العيني (4/ 491): «ويجوز بقاء جرّه، والمختار نصبه في مثل هذا».
وينظر الشاهد أيضا في: الكتاب (2/ 165)، وشرح المفصل لابن يعيش (4/ 129، 188)، والإنصاف لابن الأنباري (1/ 192)، وتوضيح المقاصد (4/ 322).
الحديث: 1963 - الجزء: 5 - الصفحة: 2486
................................ 1965 - كم عمّة لك يا جرير وخالة... فدعاء قد حلبت عليّ عشاري 30 انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 31. وقد تعرض الشيخ في شرحه لذكر أمور: منها: أنّ النحاة بينهم خلاف في (كم) أهي مفردة، قال: وهو قول الجمهور أم مركبة من كاف التشبيه، وما الاستفهامية، وحذفت ألفها كما تحذف مع سائر حروف الجرّ، كما قالوا: لم؟ وبم؟ وعمّ؟ وكثر الاستعمال لها، فأسكنت، وأجريت مجرى الساكن في الشّعر 32 كقول القائل: 1966 - فلم دفنتم عبيد الله في جدث 33
الحديث: 1965 - الجزء: 5 - الصفحة: 2487
................................
قال: وهو مذهب الكسائيّ والفرّاء 34، وردّه بأنّ الأمر لو كان كذلك لقيل - في جواب من قال: كم مالك؟ - كمال زيد، كما يقال - في جواب من قال: كمن زيد؟ -: كبكر وهذا لا يقوله أحد 35. قال الشيخ: «ويجاب عن هذا بأنّ التركيب حدث معه معنى غير الذي كان لكلّ واحد منهما كما في: لولا، وهلّا» 36. انتهى.
وأقول: إنّ الاشتغال بإيراد مثل هذه الأشياء إضاعة للزمان، مع تسويد الأوراق، وتوجيه الذّهن إلى ما لا فائدة فيه،
ولا ينتج عنه شيء.
ومنها: أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ (كم) حرف للتكثير في مقابلة (ربّ) الدالّة على التقليل 37. انتهى.
وأقول: الكلام في ذلك كالكلام فيما قبله.
ومنها: أنّ ظاهر قول المصنّف: ولا يحذف إلّا لدليل يشمل تمييز (كم) الاستفهامية والخبرية، قال: ونصّ بعض شيوخنا على أنّه لا يجوز حذف مميز الخبريّة معلّلا ذلك بأنّه لا يقتصر على المضاف، دون المضاف إليه، فكما لا يجوز: عندي ثلاثة، تريد: ثلاثة أبواب، لا تقول: (كم) وأنت تريد: كم غلمان؟ 38 قال:
وأجاز ابن عصفور ذلك 39 حتّى قال: ويحسن إذا كان ظرفا، نحو:
1967 - كم عمّة لك يا جرير وخالة 40
في رواية من رفع 41.
قال 42: وأجاز صاحب البسيط أيضا ذلك 43 ومثّل بهذا البيت (11). -
الحديث: 1967 - الجزء: 5 - الصفحة: 2488
................................
وبقول الآخر:
1968 - كم بجود مقرف نال العلا...... 44
في رواية من رفع (مقرف) وكم قد أتاني زيد، وكم عندك ضارب زيدا 45.
قال الشيخ: والذي ينبغي أن يقال في الحذف: أنّه إن كان تمييز الخبرية منصوبا أو مجرورا بـ (من) جاز الحذف لدليل، وإن كان مجرورا بالإضافة فلا يجوز حذفه 46. انتهى.
وأقول: إنّ حذف المضاف إليه إنّما يمتنع إذا بقى المضاف بعد الحذف على الحالة التي كان عليها قبل الحذف، إلا فيما استثني، أعني أن يبقى بصورة المضاف، كقولك في غلام زيد، كتاب عمرو -: هذا غلام، وهذا كتاب، بغير تنوين فيهما، أمّا إذا كان الاسم بحاله، لو لم يكن مضافا، وذلك بأن تكون صورته - مضافا وغير مضاف واحدة كما في (كم) فما وجه امتناعه؟ ثم إنّ المقصود في قولنا: كم رجل، وكم مال إنّما هو ذكر ما يحصل به التمييز لـ (كم)، وليست الإضافة مقصودة لذاتها، وعلى هذا إذا دلّ دليل على ذلك التمييز فما المانع من حذفه؟.
ومنها: أنّ من النّحاة من منع جرّ الاسم الواقع بعد (كم) الاستفهامية ولو دخل على (كم) حرف جرّ.
والحاصل أنّ المذاهب في الواقع بعد كم الاستفهامية ثلاثة:
[المذهب الأول]: جواز الجرّ بـ (من) مقدرة، إذا دخل على كم حرف جرّ، وهو مذهب الخليل وسيبويه 47، والفراء 48، والجمهور 49 فيقال: «على كم جذع بنيت بيتك؟» وجعل حرف الجرّ عوضا من (من) المقدرة، ودخولها على - - وقد سبق تحقيقه قريبا من هذا البحث.
الحديث: 1968 - الجزء: 5 - الصفحة: 2489
................................
المضاف ولذلك لا يجتمعان، لا تقول: على كم من جذع بيتك مبنيّ؟
قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن قولهم: على كم جذع بيتك مبنيّ؟
فقال: القياس النصب وهو قول عامة النّاس، وأما الذين جرّوا فإنهم أرادوا معنى (من) ولكنّهم حذفوها تخفيفا وصارت (على) عوضا منها.
انتهى 50.
[المذهب الثاني]: وجواز خفضه مطلقا، سواء أدخل على (كم) حرف جرّ أم لم يدخل.
قال الشيخ: وهو مذهب الفراء والزجاج وابن السراج وجماعة 51 قال: وحمل عليه أكثرهم:
1969 - كم عمّة لك يا جرير وخالة 52
والمذهب الثالث: منع الجرّ مطلقا، فلا يحمل مميز الاستفهامية على مميّز الخبريّة أصلا.
ومنها: أنك قد عرفت أنّ مميز (كم) الخبرية قد ينصب دون فصل بينها وبينه 53 فاعلم أنّ القول بجواز نصب مميزها على الإطلاق كالقول بجواز جرّ مميز الاستفهامية على الإطلاق والذي يقتضيه النظر أن يقال: إنّما يجوز نصب مميز الخبرية، حيث تدلّ على أن المراد الإخبار، لا الاستفهام، وكذا لا يجوز جرّ مميز الاستفهامية، دون أن يدخل عليها حرف جرّ، إلا إذا دلت القرائن على أنّ المراد هو الاستفهام؛ إذ لو لم يقل بذلك التبس الحال، فلا يعلم المراد أهو إخبار، أم استفهام وذكروا أنّه إذا انتصب مميز الخبرية بفصل، أو بلا فصل جاز أن يكون مفردا أو جمعا كما كان حال خفضه، ولأنّ السيرافي نصّ على جواز الجمع في هذه اللغة، وأنّ في كتاب سيبويه ما يدلّ على ذلك وأنه ظاهر كلام المبرّد وأنّ ابن هشام تبعه 54. -
الحديث: 1969 - الجزء: 5 - الصفحة: 2490
................................
وأقول: قد يقال: إنّ الذي قاله الشلوبين هو الظاهر، فإنّ النصب هو الأصل في مميّز الاستفهامية وقد عرفت أنه لا يكون جمعا في مذهب البصريين، فكيف يكون جمعا فيما هو كالفرع على غيره؟!.
ولكن للمنتصر للسيرافي أن يقول: قد ثبت أنّ مميز الخبرية يكون حال جرّه مفردا ويكون جمعا، فإذا نصب على لغة من ينصبه فالأمران مستمرّان، أعني الإفراد والجمع؛ لأنّ نصب مميزها ليس بالحمل على مميز الاستفهامية 55، وإذا كان كذلك فليس فرعا عنها.
ومنها: أنّ (كم) الخبرية المقصود بها التكثير، كما دلّ عليه كلام المصنف والمغاربة يذكرون أنّ كونها للتكثير هو المشهور؛ قالوا: وهو مذهب المبرّد 56، ومن بعده من النّحاة إلا ابن طاهر 57، وابن خروف فإنهما زعما أنّها تقع على القليل والكثير، وزعما أنّه مذهب سيبويه.
واختار ابن عصفور ذلك، واستدلّ بما توقف عليه من كلامه، وقال سيبويه:
معنى (كم) معنى (ربّ).
قلت: ولا دليل فيه، بل هذا الكلام من سيبويه 58 رحمه الله تعالى يدلّ على أنّ (ربّ) للتكثير، لا للتقليل؛ لأنّ (ربّ) لو كانت للتقليل لوجب أن تكون كم للتقليل أبدا، لقوله [3/ 82]: ومعنى (كم) معنى (ربّ)، وليس كذلك؛ لأنّ من قال: إنّها تكون للتقليل يثبت لها التكثير قطعا.
ومنها: أنّ ثمّ صورا ومسائل تعرض الشيخ لإيرادها في شرحه، فقال: (كم) - - وقال سيبويه في الكتاب (2/ 161): «واعلم أن (كم) في الخبر بمنزلة اسم يتصرف في الكلام غير منون، يجر بما بعده إذا أسقط التنوين، وذلك الاسم نحو: مائتي درهم، ثم قال: واعلم أنّ ناسا من العرب يعملونها فيما بعدها في الخبر كما يعملونها في الاستفهام، فينصبون بها كأنها اسم منون».
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2491
................................
الاستفهامية تقتضي جوابا، وإذا أبدل منها أعيد مع البدل همزة الاستفهام 59.
قلت: وهذان الأمران لا فائدة في ذكرهما؛ لأنّ الاستفهام لا بدّ له من جواب، ولأنّ من المعلوم أننا إذا أبدلنا من اسم يتضمن معنى الاستفهام فلا بدّ من ذكر الهمزة مع البدل.
ثم قال: وإذا دخلت إلّا في حيّزها - يعني الاستفهامية كان إعراب ما دخلت عليه على حدّ إعراب (كم) وأفادت معنى التحقير والتقليل 60 نحو: «كم مالك إلا عشرون».
قال: ولا يعطف عليها بـ (لا) 61 بخلاف (كم) الخبرية، تقول: كم ضربت رجلا، ولا يجوز أن يكون (رجلا) تمييزا، ويجوز أن يكون مفعولا بـ (ضربت) والتمييز محذوف.
وقد ترفع النكرة بعدها، ويحذف التمييز، ويقدّر ما يحمله الكلام، فإذا قلت:
كم رجل جاءك، تقدر: كم مرة، أو يوما، فـ (رجل) مبتدأ، وما بعده الخبر، ولا يتعدّد الرجل، بل فعلاته 62 أو زمانه، أو ما يناسبه.
قال: ولا يجوز أن يكون التمييز منفيّا، لا في الخبريّة، ولا في الاستفهاميّة لو قلت: كم رجل، ولا رجلين صحبت؟ أو كم لا رجل، ولا رجلين جاءك؟ لم يجز كما لم يجز ذلك في عشرين، نصّ على ذلك سيبويه 63، ويجوز أن يعطف على (كم) الخبرية بالنفي، تقول: كم شخص أتاني، لا رجل ولا رجلان، وكم فرس ركبت، لا فرسا ولا فرسين أي: كثير أتاني لا رجل ولا رجلان، وكثيرا من -
الجزء: 5 - الصفحة: 2492
................................
الأفراس ركبت، لا فرسا ولا فرسين 64.
ويقال: كم رجل جاءك، لا ثلاثة، ولا أربعة، معطوفة بـ (لا) على (كم) عند بعضهم، والأحسن أن تكون (لا ثلاثة، ولا أربعة) من نعت (كم).
اه.
ويلتحق بما قدمناه الكلام على بيت الفرزدق المشهور وهو:
1970 - كم عمّة لك يا جرير وخالة... فدعاء قد حلبت عليّ عشاري 65
وهذا البيت يروى بجرّ (عمّة)، و (خالة)، ونصبهما، ورفعهما، فالجرّ على أنّ (كم) خبريّة، وهو ظاهر، وأما النصب فقد تكون معه (كم) خبريّة أيضا؛ لأنك قد عرفت مما تقدم أنّ مميز الخبريّة قد ينصب، وأنّ بعضهم ذكر أنّ نصب مميز الخبريّة بدون فصل بينها وبينه لغة تميميّة 66 والفرزدق تميميّ، وقد قيل في توجيه النصب: إنّ (كم) استفهامية، ولا شكّ أنّ حقيقة الاستفهام غير مرادة فليكن ذلك استفهاما على سبيل التهكّم، وعلى هذا فالتكثير مراد معها أيضا، كما هو مراد مع الخبريّة، ثمّ (كم) مبتدأ، والخبر عنه (قد حلبت) والضمير في (حلبت) لجملة العمّات والخالات.
وأما الرفع فعلى أنّ (عمة) مبتدأ، و (قد حلبت) خبر، لكن (خالة) معطوفة على (عمة) و (حلبت) إنّما يصحّ الإخبار بها عن واحد، لا عن اثنين، فيجب حينئذ تقدير خبر محذوف، لـ (خالة) ليكون الحذف من الثاني لدلالة الأول، وهو أولى من جعل (قد حلبت) خبرا لـ (خالة)، ويكون خبر (عمّة) محذوفا؛ لأنّ الحذف إذ ذاك يكون من الأول، لدلالة الثاني، وهو قليل وإذا كانت (عمّة) مبتدأ، فـ (كم) في محلّ نصب، إما على المصدريّة، والتقدير: كم حلبة، وإما على الظرفية، والتقدير: كم وقت حلبت، والعامل فيها - على التقديرين - (حلبت) 67.
الحديث: 1970 - الجزء: 5 - الصفحة: 2493
[أحكام مختلفة لـ «كم» بنوعيها]
قال ابن مالك: (فصل: لزمت «كم» التصدير، وبنيت في الاستفهام، لتضمّنها معنى حرفه، وفي الخبر لشبهها بالاستفهاميّة لفظا ومعنى، وتقع في حالتيها مبتدأ، ومفعولا، ومضافا إليها، وظرفا، ومصدرا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 68: أداة الاستفهام منبّهة للمستفهم منه، ومؤذنة بحاجة المستفهم، إلى إبداء ما عنده، فنزلت ممّا في حيّزها منزلة حرف النداء من المنادى في استحقاقه التقدم، فلذلك امتنع تأخيرها، والتزم تصديرها، ولا فرق في ذلك بين (كم) وغيرها، فلذلك وجب رفع صاحب الضمير في نحو: «زيد كم ضربته؟» كما وجب في نحو: «زيد أين لقيته؟» و «بشر متى رأيته؟» والخبريّة جارية مجرى الاستفهاميّة في وجوب التصدير، فلذلك لا يجوز في نحو: «زيد كم دراهم أعطيته» إلّا الرفع، وهي أيضا مساوية لها في وجوب البناء لتساويهما في مشابهة الحرف وضعا وإبهاما.
وتنفرد الاستفهامية بتضمّن معنى حرف الاستفهام، والخبرية بمناسبة (ربّ) إن قصد بها التكثير، وبمقابلتها إن قصد بها التقليل، وهو الغالب على (ربّ)، ووقوع (كم) في حالتيها 69 مبتدأ 70 ومفعولا 71، ومضافا إليها 72، كقولك: -
الجزء: 5 - الصفحة: 2494
................................
كم درهما لك؟ 73، وكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً 74 وكم حزبا قرأت؟ وكم من رجال صحبت 75، وحاجة كم رجل قضيت 76.
ووقوعها في حالتيها ظرفا، ومصدرا 77، كقولك: كم فرسخا سرت؟ وكم فراسخ سرت وكم طعنة طعنت؟ وكم طعنات طعنت.
انتهى.
قال الشيخ: أما ما ذكره من لزوم 78 التصدير في الاستفهام والخبر فعليه مناقشتان فيهما:
أمّا في الاستفهام: فإنّه ذكر التزام تصدير (كم) وأنّه لا فرق في ذلك بين (كم) وغيرها 79، وهذا ليس على إطلاقه، كما ذكر، بل بعض أدوات الاستفهام في الاستثبات يجوز ألّا تتصدّر، وأن يتقدمها العامل اللفظيّ غير الجارّ، وذلك (من) و (ما) و (أيّ) فتقول لمن قال: لقيت زيدا - إذا استثبت - لقيت من؟ ولمن قال: أكلت خبزا: أكلت ما؟، ولمن قال: ضربت رجلا: ضربت أيّا؟، ومجوّز ذلك هو أنّ الذي تكلم بالكلام قبلك قد كان أجرى الفعل في كلام، فاستغنيت به عن إعادة آخر مثله، فوقع ذكرك لذلك الفعل كالتكرار، فكأنك لم تذكر قبل أداة الاستفهام فعلا، ولذلك لم يفعلوه إلا في الاستثبات، ولا يجوز ذلك في بقية أدوات الاستفهام، كقول القائل: خرجت يوم الجمعة، فتقول - في الاستثبات -: متى خرجت؟ ولا تقول: خرجت متى؟ وتقول [3/ 83]: سرت ضاحكا، فتقول - في الاستثبات -: كيف سرت؟ ولا تقول: سرت كيف؟ وتقول: قعدت خلف بكر، فتقول - في الاستثبات -: أين قعدت؟ ولا تقول: قعدت أين؟ وتقول - لمن قال: اشتريت عشرين فرسا، إذا استثبتّ -: كم فرسا اشتريت؟ ولا تقول: اشتريت كم فرسا؟ 80. -
الجزء: 5 - الصفحة: 2495
................................
وقد يجيء ذلك في (كم) في العطف، حكى من كلامهم: قبضت عشرين وكم؟ 81، إذا استثبتّ من قال: قبضت عشرين كذا وكذا، ومحسّن ذلك هو أنّه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه، فهذه مناقشة على المصنّف، في نفس (كم) إذا جاز تقدم العامل عليها في العطف، وكونها لم تلزم الصدر وعلى قوله: ولا فرق في ذلك بين (كم) وغيرها، وقد بينّا الفرق بينها وبين بعض أدوات الاستفهام، في كون (أيّ) و (من) و (ما) للاستفهام، يجوز ألّا تقع صدرا، وأن يتقدم العامل عليها في الاستثبات.
وأما في الخبرية: فإنّه ذكر أنّ الخبرية تجرى مجرى الاستفهاميّة، في وجوب التصدير، وهذا الذي ذكره بالنسبة إلى أشهر اللغات، وأما في بعض اللغات فإنّه يجوز ألّا تتصدّر ويتقدمها العامل، فتقول: فككت كم عان وملكت كم غلام.
وهي لغة قليلة، وهذه اللغة 82 القياس؛ لأنّها بمعنى (كثير) 83 وهذه اللغة حكاها الأخفش، ثمّ منهم من أجاز القياس عليها 84، ومنهم من منعه؛ لأنّها من القلّة بحيث لا يلتفت إليها.
ناقض قول المصنّف أيضا: إنها لزمت التصدير قوله - بعد حين ذكر محال إعرابها -: ومضافا إليها، فإنّها إذا كانت مضافا إليها لم تلزم التصدير، إذ قد تقدّمها ما عمل فيها، وما انخفضت بسببه، وكذلك إذا دخل عليها حرف جرّ لم يلزم التصدير، نحو: «بكم درهم اشتريت ثوبك؟»؛ لأنه دخل عليها عامل، فخفضها، فكان ينبغي أن يقيد كلامه فيها، فيقول: (كم) لزمت التصدير، إلا إذا أضيف إليها أو دخل عليها حرف جرّ، أو كانت استفهاما، وعطفت في الاستثبات فإنّه يجوز ألا تتصدر، أو كانت خبرا في اللغة الشهيرة، - - والتكميل (4/ 376).
الجزء: 5 - الصفحة: 2496
................................
وأما في اللغة الأخرى فيجوز ألا تتصدر 85. انتهى كلام الشيخ.
والموجب لذكره المناقشتين المذكورتين هو أنّ أبا الحسن ابن عصفور - رحمه الله تعالى - قال في شرح المقرب 86: إنّ العامل قد يتقدم في الاستثبات على (من) و (ما) و (أيّ)، ومثل لذلك وأردفه بكلام متعلق بالمسألة، لكنّه قال: إنّ هذا مذهب الكوفيّين، وإنّ مذهب البصريين أنّ أسماء الاستفهام كلّها لها الصدر في الاستثبات وغيره»، قال:
ولم يحفظوا من تقديم الكلام عليها، في الاستثبات إلّا قول بعض العرب: ضرب من منّا؟ وهو عندهم شذوذ.
وقال أيضا في الشرح المشار إليه: إنّ (كم) الخبرية في لغة غير فصيحة يعمل فيها العامل المتقدم عليها، وذكر أنّ الأخفش حكى هذه اللغة.
والحقّ أنّ هاتين المناقشتين لا تتوجّهان على المصنّف:
أما الأولى: فلأنّ تقديم العامل على ثلاث الكلمات - في الاستثبات - إن ثبت عن العرب فإنّ التكلم به يكون في غاية القلّة، على أنّه مع ذلك مذهب الكوفيّين، لا مذهب البصريّين، كما ذكر ابن عصفور، ثم إنّ ذلك لا معول عليه عند أرباب الصّناعة، فكلام المصنف حينئذ جار على مذهب البصريّين، وعلى المعروف المشهور، وبتقدير أن يكون ذلك من مذهب البصريّين، فهو في غاية الندارة، وإذا كان بهذه الحيثية فكيف يذكره المصنف؟ بل أقول: لو تعرّض المصنف لذكر ذلك لكان الشيخ يردّ عليه بأن هذا الذي ذكره مذهب كوفي، ويشنّع عليه بذلك، كما فعل هذا في أماكن عدة من هذا الكتاب.
وأما الثانية فلأنّ اللغة التي تنسب إلى حكاية الأخفش، إن ثبتت فهي غير فصيحة؛ لأنّ ابن عصفور قال: اللغة الشهيرة هي الفصيحة، ثم إنّها لا معول عليها، وإذا كان كذلك فكيف يناقش المصنف في أنه لم يذكر لغة ضعيفة؟.
وأما قول الشيخ: ويناقض قول المصنف: إنّها لزمت التصدير قوله - بعد ذلك -:
وتقع مضافا إليها، فإنّها إذا كانت مضافا إليها لم تلزم التصدير؛ إذ قد يتقدمها ما -
الجزء: 5 - الصفحة: 2497
................................
عمل فيها، وكذلك إذا دخل عليها حرف الجرّ لم يلزم التصدير، نحو: «بكم درهم اشتريت ثوبك؟» 87. اه.
حتّى (قال) 88: كان ينبغي للمصنف أن يستثني هاتين الصورتين من الحكم بلزوم التصدير 89، فالجواب عنه أن يقال: تقدّم عامل الخفض كلا تقدّم، لعدم استقلاله؛ لأنّ الخفض - إن كان بالإضافة فالمضاف لا بدّ له من عامل فيه: لأنّ الجملة إنّما يتصور وجودها به، فهو الذي يصير اللفظ جملة، فتقدم الاسم على هذا العامل كاف في التصدير، وتقدم المضاف لازم؛ لأنه عامل جرّ، وعامل الجرّ لا يمكن تأخره، فإذا ذكر مقدما كنّا قد وفينا حقّ الخافض بتقديمه، وحقّ الاسم الذي يستوجب التصدير بتصديره؛ لأنه تقدّم على العامل في المضاف، وذلك العامل هو العمدة في تصيير اللفظ جملة، وإن كان بالحرف فالأمر أقرب؛ لأنّ الحرف إنّما هو موصل معنى العامل إلى الاسم الذي دخل عليه، فالاسم إنما هو معمول للعامل الذي تعلق حرف الجرّ به، ولا شكّ أنّه مؤخر عن الاسم، وإنّما قدّم الحرف؛ لأنّ الخافض لا يكون مؤخرا، وإذا كان كذلك فكلّ من المضاف إليه في نحو: «غلام من أكرمت؟» والمجرور بحرف، نحو: «بكم درهم اشتريت ثوبك؟» 90، مصدّر على جملته، بل على عامله أو على العامل فيما أضيف إليه، وإذا كان كذلك كان كلام المصنّف صحيحا، ولا تناقض فيه وليعلم أنّ معنى قول المصنّف - في المتن -: إنّ (كم) [3/ 84] الخبرية شابهت الاستفهامية معنى، مع مشابهتها لها لفظا، وهو أنّ (كم) الخبرية كناية عن عدد مبهم، كما أنّ (كم) الاستفهامية كذلك، فالمراد المشابهة المعنويّة، ذلك، وإلا فمدلول الخبرية غير مدلول الاستفهامية، ثم إنّ في قوله - في الشرح -: وهو الغالب على (ربّ) بعد قوله: وبمقابلتها إن قصد به التقليل ينافي قوله - في باب حروف الجرّ -: والتعليل بها - يعني (ربّ) - نادر.
والذي تلخّص في الموجب لبناء (كم): أمّا إذا كانت استفهامية فلتضمّنها معنى -
الجزء: 5 - الصفحة: 2498
................................
حرف الاستفهام 91، وأما إذا كانت خبرية فلمشابهتها الاستفهاميّة 92، وقال الشيخ: وزعم بعضهم أنّ (كم)
الخبرية بنيت لشبهها بـ (ربّ) في أن كل واحدة منهما تستعمل في المباهاة والافتخار، ولذلك عطفت (كم) على (ربّ) قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير 93:
1971 - فإن تكن الأيام شيّبن مفرقي... وكثّرن أشجاني وفللن من غربي
فيا ربّ يوم قد شربت بمشرب... شفيت به عنّي الظما بارد عذب
وكم ليلة قد بتّها غير آثم... بساجية الحجلين مفعمة القلب 94
وقد فهم من كلام المصنف أنّ بناء (كم) الخبرية قد يعلّل بأنّ (كم) حملت على (ربّ) وأنّ (ربّ) للتقليل، و (كم) للتكثير، وهذا هو الذي أراده بقوله:
ومقابلتها إن قصد بها التقليل.
يعني أنّ (كم) قابلت (ربّ)؛ لأنّ (كم) -
الحديث: 1971 - الجزء: 5 - الصفحة: 2499
................................ للتكثير، كما أنّ (ربّ) للتقليل 95 ثم إنّك قد عرفت أنّ المصنف ذكر أنّ (كم) في حالتيها 96 تقع في خمسة مواضع من محالّ الإعراب، فتكون مبتدأة، ومفعولا بها، ومضافا إليها، وظرفا، ومصدرا، وتقدمت الأمثلة لذلك. غير أنّ الشيخ تعرض لذكر أمور يقتضي الحال إيرادها: منها: أنّه قال: إذا كانت مبتدأة، فالأحسن في خبرها أن يكون فعلا، واسما نكرة، نحو قولك: كم رجل قام؟ وكم رجل ذاهب؟ وكم رجال قاموا؟ وكم رجال ذاهبون؟ ويقبح أن يكون خبرها اسما معرفة، نحو: كم رجال قومك؟ وكم غلمان غلمانك؟، يريد قوما معهودين، أو غلمانا معهودين 97، وكذلك لا يحسن أن يخبر عنها بالظرف، ولا بالمجرور؛ لأنّ في ذلك ضربا من التخصيص، ألا ترى أنّ قولك: كم غلمان لك؟ معناه معنى قولك: كم غلمان غلمانك؟ سواء بسواء فضعف لذلك 98. وقد يحذف الخبر إذا دلّ عليه دليل، كقوله: 1972 - وكم مالئ عينيه من شيء غيره... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى 99
الحديث: 1972 - الجزء: 5 - الصفحة: 2500
................................
كأنّه قال: في الحجّ أو بمنى، لدلالة الكلام عليه 100. انتهى.
أما قوله: إنّ المعرفة يصحّ وقوعها خبرا عن (كم)، فغير ظاهر؛ لأنّ سيبويه جعل (مالك) خبرا عن (كم) في نحو: كم مالك مع إمكان أن يكون (كم) في هذا التركيب خبرا، و (مالك) مبتدأ، فكيف ترك سيبويه الأمر الجائز، بل الظاهر، الذي هو الأصل - وهو جعل النكرة خبرا عن المعرفة، إلى شيء فيه قبح هذا أمر فيه بعد، وأما أنّ الإخبار عنها بالظرف والمجرور لا يحسن فلم يظهر لي عدم حسنه؛ لأنّني لم أتحقق العلة التي ذكرها، وهي قوله: إنّ في ذلك ضربا من التّخصيص 101، وأمّا قوله: «وأنّ معنى قولك: كم غلمان لك؟ كم غلمان غلمانك 102»، فغير ظاهر؛ فإنّ المعنى: كثير من الغلمان استقرّ لك، ويلزم من ذلك أن الغلمان المستكثرة غلمانه، فيستفاد من الكلام أنّ الغلمان الذين له كثيرون.
ومنها: أنّه قال: ذكر المصنف لـ (كم) خمسة مواضع من الإعراب، وترك ثلاثة.
أحدها: أن يكون خبرا للمبتدأ، نحو: كم درهمك؟ في أحد الوجهين، يعني إذا لم تجعل (كم) مبتدأ 103.
الثاني: أن يكون خبرا لـ (كان) وأخواتها المتصرفة في معمولها، نحو: كم غلاما كان غلمانك، وكم كريم كان قومك.
- - البدل من (شيء)، كأنه قال: وكم مالئ عينيه من البيض كالدمي.
ينظر: الحلل (116). اللغة: من شيء غيره: يعني نساء غيره، الجمرة: موضع رمي الجمار بمنى، وسميت جمرة العقبة، والجمرة الكبرى، وهي تلي مكة من آخر منى، والبيض: النساء البيض، والدمى: جمع دمية، الصور، تشبه النساء بها، لما يبذل في تحسينها، ولما لهن من الوقار.
والمعنى: وكم مالئ عينيه من النظر إلى نساء غيره الجميلات، إذا راح لرمي الجمرة بمنى.
فالشاهد: في قوله: «وكم مالئ عينيه من شيء غيره»؛ حيث حذف خبر (كم) كأنه قال: في الحج، أو بمنى؛ لوجود الدليل على الخبر، وهذا الشطر الثاني من البيت.
وينظر الشاهد أيضا في التذييل والتكميل (4/ 386)، والجمل للزجاجي (ص 97)، وأمالي المرتضي (ص 506)، والكامل للمبرد (2/ 10).
الجزء: 5 - الصفحة: 2501
................................
الثالث: أن تكون مجرورة بحرف جرّ 104، نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك؟
وبكم جارية تمتعت؟ ولكم عرض قصدتني؟ 105. انتهى.
وهذه الثّلاثة التي ذكرها هي اثنان لا غير؛ لأنّ خبر (كان) وأخواتها دخل تحت قوله: أن يكون خبرا لمبتدأ.
ثمّ العذر عن المصنّف في أنّه لم يذكر هذين الموضعين، أما المجرورة بحرف، فهي مندرجة في قول المصنف: ومفعولا بها؛ لأنّ الحرف إنّما هو متعدّ للعامل، ولهذا يقال: المجرور في موضع نصب، وإذا سقط الحرف لضرورة أو غيرها انتصب الاسم.
وأما كونها خبرا لمبتدأ فلا شكّ أنّها نكرة، والأصل في الخبر التنكير، فنحن، في نحو: كم دراهمك؟ - نعرب (كم) خبرا، ولولا قول الأئمة بجواز الابتداء في هذا التركيب بـ (كم) لما أقدم عليه 106، فلمّا كان كونها خبرا هو الأصل لم يحتج المصنف إلى ذكره، واحتاج أن ينبّه على وقوعها مبتدأ من جهة أنّ الابتداء بالنكرة خلاف الأصل، أو يقال: مراد المصنف التنبيه على أنّ (كم) تقع عمدة، وتقع فضلة، فاكتفى بالعمديّة بذكر المبتدأ؛ لأنه الأصل في العمد، وما صحّ وقوعه مبتدأ صحّ وقوعه خبرا؛ إذ لم تلزم ابتدائيته، وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يذكر وقوعها خبرا، وإنّما ذكر المصنف وقوعها مصدرا، أو ظرفا مع أنهما من الفضلات كالواقعة مفعولا بها ليحصر المواضع التي تقع (كم) فيها منصوبة، فيعلم منها أنّها لا تقع منصوبة في غير ما أشار إليه 107، ولهذا قالوا: إنّها لا تكون مفعولا لها؛ لأنّها ليست مصدرا، ولا مفعولا معه.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 2502
................................
ومنها: أنّه 108 ذكر مسائل:
الأولى:
قال: تقول - في الاستفهامية -: كم مالك إلا درهمان؟ وكم عطاؤك إلا عشرون؟ إذا كنت تستقلّه كما تقول: هل الدنيا إلا ظلّ زائل؟ فما بعد (إلّا) بدل، ترفعه إذا كانت (كم) رفعا، وتنصبه إذا كانت نصبا نحو: كم أعطيت إلا درهما؟ وتجرّه إذا كانت جرّا، نحو: بكم أخذت [3/ 85] ثوبك إلا بدرهم؟ ولا يكون هذا البدل في الخبريّة؛ لأنّه استثناء من موجب 109. انتهى.
ويعطي كلامه أنّ الاستفهام في: «كم مالك إلا درهما؟» مراد، وليس بظاهر، فإنّ تقدير: «كم مالك إلا درهما؟»: أيّ شيء مالك إلا درهما؟ والمراد بهذا الاستفهام النفي، فالمعنى: ما لك شيء إلا درهما، ومن ثمّ جاز الإبدال؛ لأنه إنّما يجوز بعد كلام تضمن نفيا، أو معنى النّفي، وتنظيره المسألة بقولهم: هل الدنيا إلا ظلّ زائل؟ تحقق أنّ المراد بقولك: «كم مالك إلا درهمان؟»: النفي؛ لأنّ معنى: «هل الدنيا إلا ظلّ زائل؟»: ما الدّنيا إلا ظلّ زائل، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى التنبيه على هذه المسألة؛ لأنّه أمر لا يجهل، وكذا لا حاجة إلى قوله: ولا يكون ذلك في الخبريّة 110.
الثانية:
قال: وتقول في الخبريّة: كم رجل جاءك، لا رجل ولا رجلان؛ فيعطف على (كم) بـ (لا)؛ لأنّ الكلام موجب، ولا يكون هذا في الاستفهامية؛ لأنّ (لا) لا يعطف بها في الاستفهام 111. انتهى.
هذا أيضا من الأمور الواضحة.
الثالثة:
قال: وتمييز (كم) يجوز دخول (من) عليه، سواء كان متصلا بها، أم متأخرا عليها، وسواء كانت خبرية أم استفهامية، إلّا إذا دخل على (كم) الاستفهامية حرف -
الجزء: 5 - الصفحة: 2503
................................
جرّ، فلا يدخل (من) على التمييز حينئذ؛ لأنّ الحرف الداخل على (كم) جعل عوضا من (من) فلا يجمع بينهما 112. انتهى وهذا أيضا من الأمور التي لا تخفى.
الرّابعة:
قال: (كم) لفظها مفرد ومعناها الجمع، واللفظ يتبع تمييزها في التذكير والتأنيث، تقول: كم رجل لقيته، وكم امرأة رأيتها، قال تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها 113 ويتبع المعنى فيكون العائد جمعا، فيقال: كم رجل رأيتهم، وكم امرأة رأيتهنّ، وقال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً 114، ومتى كان التمييز جمعا - وذلك في الخبريّة - تعيّن أن يكون الضمير العائد ضمير جمع، كقوله:
1973 - كم ملوك باد ملكهم...... 115
ولا يجوز أن يعود مفردا.
انتهى.
وقد ذكر المصنف هذه المسألة - أعني أنّ (كم) لها لفظ ولها معنى - في باب الموصول.
-
الحديث: 1973 - الجزء: 5 - الصفحة: 2504
................................
الخامسة:
قال: لا تستعمل (كم) - يعني الخبرية - و (ربّ) إلّا في الماضي، والمستقبل المتحقّق الوقوع، تقول: كم غلام لقيته، وربّ عالم لقيته، ولا تقول: كم غلام ألقاه، ولا: ربّ غلام سألقاه، وقال تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 116 فـ «يودّ» مستقبل متحقّق الوقوع، ثابت، كما أنّ الماضي كذلك، قال الشاعر:
1974 - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي... عليّ مهذّب رخص البنان 117
ولو وقعت (كم) هنا - فقيل: كم فتى سيبكي - لساغ ذلك 118. اه.
السادسة:
قال: قول القائل - ويعزى إلى الحجّاج بن يوسف 119 -: كم ترى الحروريّة رجلا 120 - يحتمل أن تكون (كم) فيه استفهامية، أو خبرية، وكلاهما لأبي علي، وتروى مبنية للمفعول، فإنّ أعملت فالضمير المستكنّ فيها هو المفعول الأول، -
الحديث: 1974 - الجزء: 5 - الصفحة: 2505
................................
و (كم) هي الثاني، و (الحرورية) هو الثالث، وإن ألغيت فـ (كم) في موضع رفع على الابتداء، والحرورية خبر، ويجوز العكس، و (رجلا) في الحالين تمييز، قد فصل بينه وبين (كم).
والأحسن: كم رجلا ترى الحرورية؟ أو كم رجل ترى الحرورية، والحرورية صنف من الخوارج، ويقال: إن عليّا 121 أسماهم بذلك، نسبة إلى (حروراء) قالوا فيها: حروريّ 122 وهو من شاذ النسب 123.
السابعة:
قال: تقول: بكم ثوبك مصبوغا؟ النصب على الحال، وهو يسأل: كم يساوي الثوب في تلك الحال؟ و (ثوبك) مبتدأ و (بكم) خبره، وإن قلت: بكم ثوبك مصبوغ؟ فالمعنى: بكم صبغ الثوب؟ فـ (ثوبك) مبتدأ و (مصبوغ) خبره، و (بكم) متعلق بـ (مصبوغ) 124. انتهى، ثم قد بقي الكلام على مواضع (كم) من الإعراب، بالنسبة إلى التراكيب الواقعة فيها 125: فاعلم أنّ (كم) إن تقدّمها حرف جرّ فهي مجرورة به، وكذا إن تقدمها مضاف إليها وإلّا: فإن كانت كناية عن مصدر، أو ظرف زمان، أو ظرف مكان، فهي منصوبة على المصدر، أو الظرف، وإلّا 126: فإن لم يلها فعل، أو وليها فعل لازم، أو مقدر رافع ضميرها، أو مسببها فهي مبتدأ، وإن وليها فعل متعدّ، ولم يأخذ مفعوله، فهي معمولة له.
وإن أخذه فهي مبتدأ، إلا أن يكون ضميرا يعود عليها ففيها الابتداء، والنصب بفعل مضمر، فتكون المسألة إذا من باب الاشتغال 127. ثمّ حرف الجرّ الداخل على (كم) يتعلق بالعامل الذي بعد (كم)، وأما المضاف إليها فحكمه في الإعراب حكم (كم) كما ذكرناه آنفا.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 2506
[«كأيّن» و «كذا» وأحكامهما]
[3/ 86] قال ابن مالك: (فصل: معنى «كأيّن» و «كذا» كمعنى «كم» الخبريّة، ويقتضيان مميّزا منصوبا، والأكثر جرّه بـ «من» بعد «كأيّن» وتنفرد من (كذا) بلزوم التصدير، وأنّها قد يستفهم بها، ويقال: كيء، وكاء، وكأي، وقلّ ورود (كذا) مفردا، أو مكررا بلا واو، وكنى بعضهم بالمفرد المميز بجمع عن ثلاثة وبابه، وبالمفرد المميز بمفرد، عن مائة وبابه، وبالمكرر دون عطف عن أحد عشر وبابه، وبالمكرر مع عطف عن أحد وعشرين وبابه).
واعلم أنّ هذا الذي ذكرناه لا يختصّ بـ (كم) بل كلّ اسم له تصدّر الكلام، كأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، فإنّ لها في الإعراب في مواضعها من الأحكام ما ذكر لـ (كم) غير أنّ أسماء الشرط لا يليها إلا الأفعال، بخلاف (كم) وأسماء الاستفهام، فلا فرق بين أسماء الشرط، وغيرها ممّا له الصدر، إلا هذا الذي ذكرناه.
ثم إنّ الشيخ ختم الكلام على هذا الفصل بمسألة: وهي أنّ جواب (كم) الاستفهاميّة يجوز أن يكون مرفوعا، وإن اختلف موضع كلّ من الرفع، والنّصب والجرّ، ويجوز أن يكون على حسب موضعها، وهذا هو الأولى والأجود، مثال ذلك: كم عبدا دخل في ملكك؟ وكم عبدا اشتريت؟ وبكم عبدا استعنت؟ ويجوز في جواب هذه كلّها أن تقول في المثال الأوّل: عشرون، وفي الثاني: عشرين، وفي الثالث: بعشرين، وكذلك إذا كانت ممّا يسوغ فيها الاشتغال، نحو: كم عبدا اشتريت؟ يكون الجواب مرفوعا إن اعتقدت أنّ (كم) مبتدأ، وإن اعتقدت أنها منصوبة بإضمار فعل يكون في الجواب الرفع والنصب 128. انتهى.
وما ذكره واضح لو لم يذكره؛ لأنّ جملة الجواب لا يجب مطابقتها لجملة السّؤال، فتجاب الجملة الفعليّة بالاسمية، كما تجاب بمثلها، ومعلوم أنّ التوافق بينهما أولى من التخالف، ولا شكّ أنّ هذا من المسائل المقرّرة المعروفة عند النحاة.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 129: قد تقدّم أنّ (كم) الخبرية اسم يقصد به الإخبار على سبيل التكثير، وأنّها مفتقرة إلى مميز، كمميز عشرة ومائة وكمميز مائة -
الجزء: 5 - الصفحة: 2507
................................ أخرى، وذكرت الآن أنّ معنى كأيّن وكذا كمعناها، فكان حقّهما أن يضافا إلى مميزهما، كما تضاف (كم) التي تساويها في المعنى إلى مميّزها. لكن منع من إضافة (كأيّن) أنّها لو أضيفت لزم نزع تنوينها، وهي مستحقة للحكاية؛ لأنّها مركبة من كاف التشبيه وأيّ فكانت بمنزلة (يزيد) مسمّى به، فإنّه يلزم أن يجرى مجرى الجملة المسمّى بها، في لزوم الحكاية، والمحافظة على كلّ جزء من أجزائها، فيقال - فيمن اسمه (يزيد) -: هذا يزيد، ورأيت يزيد، ونظرت إلى يزيد، وكذلك يقال في زيد لو سمّي به، فلو جعل (من زيد) اسما لجاز فيه ما جاز في (يزيد) من الحكاية، وجاز أيضا أن يحرّك منه نون (من) بحركات الإعراب ويضاف إلى (زيد)، ولاستيفاء الكلام على هذا وشبهه موضع هو به أولى 130. وأمّا (كذا) ففيها ما في (كأيّن) من التركيب الموجب للحكاية، وفيها زيادة مانعة من الإضافة، وذلك أنّ عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة فأبقي على ما كان عليه، والأكثر جرّ مميّز (كأيّن) بـ (من) كقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 131 ومن نصب مميّزها قول الشّاعر: 1975 - اطرد اليأس بالرجا فكأيّن... آملا حمّ يسره بعد عسر 132 وأما (كذا) فلم يجئ مميزها إلّا منصوبا كقول الشاعر: 1976 - عد النّفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا... كذا وكذا لطفا به نسي الجهد 133
الحديث: 1975 - الجزء: 5 - الصفحة: 2508
................................
وانفردت (كأين) بموافقة (كم) في لزوم التصدير، فلا يعمل فيها ما قبلها بخلاف (كذا) فإنها يعمل فيها ما قبلها، وما بعدها 134.
وانفردت (كأيّن) - أيضا 135 - بأنّها قد يستفهم بها 136؛ لقول أبيّ بن كعب 137 لعبد الله 138 - رضي الله تعالى عنهما -: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو: كأيّن تعدّ سورة الأحزاب؟
فقال عبد الله: ثلاثا وسبعين، فقال أبيّ: قطّ 139، وأراد: ما كانت كذا قطّ 140. - - اللغة: النفس: مفعول (عد)، ونعمى: مفعول ثان، وهو بضم النون النعمة، وبؤس - بضم الباء الموحدة -: الشدة مثل البأساء، والجهد: بفتح الجيم: الطاقة، وبضمها: المشقة، وقيل: لا فرق بينهما، والأول أصح، ونسي: من النسيان، أو بمعنى الترك، ولطفا: تمييز، وقوله: «نسي الجهد» جملة في محل نصب، صفة (لطفا)، والمعنى: عد نفسك بالنعمة عند حصول المشقة، حالة كونك ذاكرا لطف الله، ورفقه بك، فإذا ذكرت ذلك نسيت المشقة والجهد.
والشاهد: في قوله: «كذا وكذا لطفا» على أن مميز (كذا) لا يكون إلا مفردا منصوبا، وشاهد آخر في قوله: «كذا وكذا» على أن (كذا) إذا كانت كناية عن عدد لا تستعمل إلا مكررة بالعطف.
ينظر الشاهد في: الأشباه والنظائر (4/ 155)، والهمع (1/ 256)، والأشموني (4/ 86)، والعيني (4/ 497)، وتوضيح المقاصد والمسالك للمرادي (4/ 337)، والدرر (1/ 213).
الجزء: 5 - الصفحة: 2509
................................ ويقال: كئي، وأصله كيّء، بتقديم الياء على الهمزة، ثم عومل معاملة (ميت) فقيل: كيئ 141، ثم أبدلت ياؤه ألفا، فقيل: كاء 142، وبه قرأ ابن كثير 143. ثمّ حذفت ألفه فقيل: كإ 144 وأما كأي فمقلوب كيء، وبها قرأ ابن محيصن 145 والأشهب 146. اه.
- واستعمال (كذا) دون تكرار قليل وكذا استعماله مكررا بلا عطف، وجعل بعضهم (كذا) مميز الجمع كناية عن ثلاثة، أو إحدى أخواتها و (كذا) مميزا بمفرد كناية عن مائة، فما فوقها و (كذا كذا) عن أحد عشر وأخواته و (كذا وكذا) عن أحد وعشرين، وأخواته، ومستند هذا التفصيل الرأي، لا الرواية 147.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى، ونتبعه بالإشارة إلى أمور:
الأول: أنّ القول بتركيب (كأيّن) من الكاف، وأيّ 148 وبتركيب (كذا) من - - أبو حيان بقوله: «ولم يذكر - يعني ابن مالك - دليلا على أنه يستفهم بها سوى هذا الخبر، وقد تقدم لنا الكلام معه في أنه مخالف للنحاة في إثبات القواعد النحوية بما ورد في الآثار، كذا الأثر وغيره، وبينا العلة التي عدل النحويون لأجلها عن الاستشهاد بذلك».
اه.
الجزء: 5 - الصفحة: 2510
................................ الكاف وذا لعلّه إطباق من النحاة، ولكنّ كلّا منهما قد صار بعد التركيب دالّا على معنى لم يكن لشيء من جزئيه قبل التركيب. وقد نقل الشيخ عن بعضهم القول باحتمال بساطة (كأيّن)، وجنح هو إلى ذلك قال: ويدلّ عليه تلاعب العرب بها، ونطقهم فيها بلغات 149. ولا شكّ أنّ القول ببساطتها وبساطة (كذا)، ممكن وربّما يكون أقرب من القول بتركيبها لكنّ النحاة كالمجمعين على القول بالتركيب، فلا يسع في ذلك إلّا التسليم لما قالوه فإنّ مخالفة الإجماع لا تمكن. الثاني: قد عرفت قول المصنف - مشيرا إلى تمييز (كأين) و (كذا): «والأكثر جرّه بـ (من) بعد (كأيّن) وأنّ نصبه بعد (كأيّن) جائز، لكنّه قليل، وهذا هو الحقّ إلا ما ادّعاه ابن عصفور، من لزوم جرّه، فقد تقدم إنشاد البيت المتضمّن لقوله: 1977 - فكأيّن... آملا حمّ يسره بعد عسر 150 قال الشيخ: ويقتضي الاستقراء أنّ تمييزها لا يكون جمعا، فليست مثل (كم) الخبرية في التمييز؛ إذ الصحيح المسموع في تمييز (كم) أن يكون جمعا 151. ومثله أيضا قول الآخر: 1978 - وكائن لنا فضلا عليكم ونعمة... قديما، ولا تدرون ما منّ منعم 152
الحديث: 1977 - الجزء: 5 - الصفحة: 2511
................................
وقال سيبويه: وكأين رجلا [قد] رأيت، زعم ذلك يونس، وكأين قد أتاني رجلا، إلّا أنّ أكثر العرب إنّما يتكلمون بها مع (من) 153. انتهى.
واعلم أنّه لما تعذّرت الإضافة إلى تمييز (كأيّن) لم يبق إلّا النصب وجرّه بـ (من) أكثر من استعماله منصوبا؛ لأنّها بمنزلة (كم) الخبرية في المعنى، وكم الخبرية يقلّ نصب تمييزها إذا لم يفصل 154 بينها وبينه 155.
ثمّ قال الشيخ: ولا يحفظ جرّ التمييز بعد (كأيّن) فإن جاء كان بإضمار (من) وهو مذهب الخليل (4)، والكسائي 156 كأنّ الشيخ يعني أنّ هذين الإمامين يجيزان بقاء الكلمة مجرورة، بعد حرف الجرّ، وهي المسألة المشهورة المذكورة في باب تعدّي الفعل، ولزومه، قال: ولا يحمل ذلك على إضافة (كأيّن) كما ذهب إليه ابن كيسان 157. يعني: لما علمت من أنّ إضافة (كأيّن) إلى ما بعدها لا يجوز.
ومن ثمّ قال سيبويه: قال الخليل: إن جرّ أحد من العرب، فعسى أن يجرّ بإضمار (من) 158. وقال ابن خروف: يكون في مميزها النصب، ويجوز الجرّ بـ (من)، لكنّه قال: وبغير (من)، بفصل، وبغير فصل، ومعناها التكثير ولها حكم الخبرية في جميع أحوالها 159، وهذا من ابن خروف يدلّ على أنّ الجرّ بعدها يكون بالإضافة أيضا، كما يكون بـ (من) مقدرة [3/ 87] والأكثر أن يكون مفردا.
الثالث: جوّز المبرد في: «كأين رجلا ضربت» أن يكون (رجلا) مفعول (ضربت) ويكون التمييز محذوفا، التقدير: كأين مرة رجلا ضربت، فيكون (رجلا) واحدا لفظا ومعنى، وجوّز أن يكون (رجلا) تمييزا، فيكون واحدا في -
الجزء: 5 - الصفحة: 2512
................................
معنى الجمع.
لكن ذكر صاحب البسيط أنّ حذفه (ضعيف) 160. قال الشيخ:
وقد تتبعت كثيرا ممّا ورد في الأشعار من (كأين) فلم أره محذوفا، ولا في موضع (واحد) 161.
الرابع: قد عرفت أنّ (كأين) انفردت عن (كذا) بلزوم التصدير، فيكون حكمها في ذلك حكم (كم) وعلى هذا ينبغي أن تجرى في مجال الإعراب مجراه، فتكون مبتدأة قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ 162. ولم تجئ في القرآن إلا مبتدأ.
قال الشيخ: وقد استقرأت جملة ما وقعت فيه مبتدأة، فوجدت الخبر لا يكون إلّا جملة فعلية، مصدّرة بماض، أو مضارع، ولم يقف على كونه اسما مفردا، ولا جملة اسمية، ولا مصدرة بمستقبل، ولا ظرفا ولا مجرورا، فينبغي ألّا يقدّم على ذلك إلا بسماع من العرب 163 ويكون مفعوله نحو قوله:
1979 - وكائن رددنا عنكم من مدجّج... يجيء أمام القوم يردى مقنّعا 164
وأما كونها تكون في موضع نصب على المصدر، أو على الظرف، أو على خبر (كان) فلا يمنع منه مانع.
-
الحديث: 1979 - الجزء: 5 - الصفحة: 2513
................................ وقد قال الشيخ: القياس يقتضيه، كما كان ذلك في (كم) 165. وأما كونها مجرورة بحرف، أو بإضافة إليها، فالظاهر جواز ذلك، كما أنّه جائز في (كم) ولا تخرج بالإضافة إليها عن التصدير، ولا بدخول حرف الجرّ عليها، قال: وقد أجاز ابن قتيبة 166، وتبعه ابن عصفور دخول حرف الجرّ عليها 167. انتهى. وأقول: إن كان امتناع ذلك؛ لأجل لزومها التصدير فقد عرفت فيما تقدّم أنّ ذلك لا يخرج الكلمة عن التصدير، وإن كان امتناعه لغير هذا فذاك أمر آخر. الخامس: يجوز الفصل بين (كأيّن) وبين تمييزها بالظرف، والمجرور، وبالجملة. قال الشاعر: 1980 - وكائن رددنا عنكم من مدجّج...... البيت وقال الفرزدق: 1981 - وكائن إليكم قاد من رأس فتنة... جنودا وأمثال الجبال كتائبه 168 وقال آخر: 1982 - وكائن حواها من رئيس سلاحه... إلى الرّدع صخر مائل الشّقّ أبكم 169
الحديث: 1980 - الجزء: 5 - الصفحة: 2514
................................ وقال ذو الرّمّة: 1983 - وكائن ترى من رشدة في كريهة... ومن غيّة تلقى عليها الشّراشر 170 وقال أيضا: 1984 - وكائن ذعرنا من مهاة ورامح... بلاد العدا ليست له ببلاد 171 وقال الكميت: 1985 - وكائن ترى فينا من ابن أخيذة... أبى العتق من خالاته أن يغيّرا 172 [وقال مسكين]: 1986 - وكائن ترى فينا من ابن سبيئة... إذا لقي الأبطال يضربهم هبرا 173
-
- والشاهد في البيت: الفصل بين (كائن) وتمييزها (من رئيس) بقوله: (حواها) والبيت من الطويل.
وهو من شواهد التذييل والتكميل (4/ 418).
- والشاهد في البيت: الفصل بين (كائن) وتمييزها (من رئيس) بقوله: (حواها) والبيت من الطويل.
الحديث: 1983 - الجزء: 5 - الصفحة: 2515
................................
وقال آخر:
1987 - وكائن بالأباطح من صديق... يراني إن أصبت هو المصابا 174
لكنّ الأفصح اتّصال تمييزها بها، كما في القرآن العزيز.
السادس: ذكر الشيخ - في شرحه - أنّه كان ألّف كتابا في أحكام (كذا) سماه: كتاب الشّذا في أحكام كذا (2)، ثم قال: فأنا أسرد تلك الأحكام، وأذكر ما اخترناه منها 175. ثم إنه شرع في إيراد ذلك، وأنا أذكر منه ما تيسّر ملخّصا، قال: أمّا (كذا) فالكاف للتشبيه و (ذا) اسم إشارة، وقد يبقى كلّ منهما على موضوعه الأصليّ، وهو واضح ولا تركيب حينئذ - بل هما كلمتان مستقلتان بمعناهما، وإن أخرجت الكلمتان عن موضوعهما الأصلي، وركّبتا، وصارتا كلمة واحدة، فإنّ العرب استعملتهما كناية عن عدد، وعن غير عدد 176. فإن كانت - - ترجمته ورواية الديوان «يطعنهم شزرا» بدل «يضربهم هبرا».
اللغة: يضربهم هبرا: يقطع اللحم قطعا كبارا.
والشاهد في البيت: جواز الفصل بين (كائن) وتمييزها (من ابن سبيئة) بجملة (ترى فينا).
ينظر الشاهد بنصه في التذييل (4/ 420)، وديوان مسكين الدارمي (ص 46) طبعة بغداد سنة (1389 هـ/ 1970 م)، تحقيق: خليل إبراهيم العطية وعبد الله الجبوري.
الحديث: 1987 - الجزء: 5 - الصفحة: 2516
................................
كناية عن غير عدد كانت مفردة، ومعطوفة.
يقول العرب: مررت بدار كذا ونزل المطر بمكان كذا فمكان كذا، وقالت العرب: أما بمكان كذا وكذا وجذ 177. وهو كناية عن معرفة.
ومن وقوعه على النكرة قوله:
1988 - وأسلمنى الزّمان كذا... فلا طرب ولا أنس 178
أوقع (كذا) موقع الحال، وهي نكرة، وتقول العرب: مررت بدار (كذا) فتصف به النكرة، فدل على أنه نكرة.
وإن كانت كناية عن عدد فمذهب البصريّين أن تمييزها يكون مفردا، سواء أكانت مفردة أم معطوفة، وأريد بها عدد قليل أو كثير، فتقول: له عندي كذا درهما، وله عندي كذا وكذا درهما 179.
وقد نازع ابن خروف في إفرادها، إذا كانت كناية عن العدد، وزعم أنّه غير - - ولا تأكيد ولا بدل، ولا تتعلق الكاف بشيء، ولا تدل على تشبيه؛ لأنهما بالتركيب حدث لهما معنى لم يكن قبل ولا تلزم الصدر، ولا تكون مقصورة على إعراب خاص، بل تستعمل في موضع رفع وفي موضع نصب، وفي موضع جرّ بالإضافة، وبالحرف».
اه.
انظر: الهمع (2/ 276)، وينظر: حاشية الصبان على الأشموني (4/ 86).
الحديث: 1988 - الجزء: 5 - الصفحة: 2517
................................ مستعمل في كلام العرب 180 ومذهب الكوفيّين أنّها تفسر بما يفسر به العدد الذي هو كناية عنه فمن الثلاثة إلى العشرة بالجمع المخفوض، نحو: له عندي كذا جوار، وتكون هي مفردة، وعن المركّب بالمفرد المنصوب، وتركب هي، تقول: له عندي كذا [كذا] درهما، وعن العقود بالمفرد المنصوب، وتفرد هي تقول: له عندي كذا درهما، وعن المعطوف بالمفرد المنصوب، وتكون هي معطوفة على مثلها، تقول: له عندي كذا وكذا درهما، وعن المائة والألف بالمفرد المجرور، وتفرد هي، نحو: له [عندي] كذا درهم 181 وقد وافق الكوفيّين على هذا المذهب الأخفش 182، والمبرد 183 وابن الدّهان 184 وابن معط 185 وابن عصفور 186، ونقل عن الأخفش أيضا موافقتهم -
الجزء: 5 - الصفحة: 2518
................................
في المركب 187 والمعطوف وكذا ابن عصفور (2) إلا أنّه قال - في الكناية عن الثلاثة إلى العشرة، وعن المائة والألف -: له عندي كذا من الدراهم فردّ التمييز إلى الجمع معرفا بـ (أل) وزعم أنّه مذهب البصريّين 188. واضطرب قول أبي عليّ، فمرة يقول بمذهب البصريّين ومرة يقول (بمذهب) الكوفيّين 189. ثمّ قال الشيخ: وتحصل لنا أنّ المذاهب ثلاثة:
مذهب البصريين - غير من خالفهم 190 - أنها كناية عن العدد، مطلقا، سواء كان مركبا، أو معطوفا، أم عقدا، أم غير
ذلك.
[3/ 88] ومذهب الكوفيّين، ومن وافقهم من البصريّين: أنّها كناية عن العدد، فتطابق هي في تفسيرها ما هي كناية عنه، من إفراد وتفسير بجمع مجرور أو مركب، وتفسير بمفرد منصوب، أو إفراد وتفسير بمفرد منصوب، أو عطف وتفسير بمفرد منصوب، أو إفراد وتفسير بمفرد مجرور 191.
ومذهب ثالث: وهو مركب من هذين المذهبين وهو موافقة الكوفيّين في المركّب والعقد والمعطوف، ومخالفتهم في المضاف، وهو الثلاثة إلى العشرة، والمائة - - قال: «ومما جرى مجرى (كم) في أنه كناية عن العدد (كذا) فتقول - إذا كنيت عن الثلاثة إلى العشرة -: له كذا من الدراهم، وإن كنيت عن أحد عشر إلى تسعة عشر قلت: له كذا كذا درهما فإن كنيت عن العقود من عشرين إلى تسعين قلت: له كذا درهما فإن كنيت عن المعطوفات من واحد وعشرين إلى تسعة وتسعين قلت له: كذا وكذا درهما، وتكني عن المائة والألف كما تكني عن الثلاثة إلى العشرة.
الجزء: 5 - الصفحة: 2519
................................
والألف، مفسّران 192 بجمع معرّف باللّام 193، مجرور بـ (من) وهو اختيار ابن عصفور 194، وقال: وينبغي الرجوع إلى السّماع والمسموع من لسان العرب أنّ (كذا) إذا كانت كناية عن غير عدد كانت مفردة، أو معطوفة، خاصة ولا يحفظ تركيبها، وإذا كانت كناية عن عدد فلا يحفظ إلا كونها معطوفة، ولا تحفظ مفردة ولا مركبة 195، قال: ولذلك لم يمثل بها سيبويه والأخفش والفارسيّ في الأعداد، إلا معطوفة 196. ثم ذكر سيبويه أنّها كناية للعدد، ولم يخصّ عددا دون عدد 197. قال: وسائر التراكيب التي أجازها الكوفيون ليست من لسان العرب 198. وقد قال ابن أبي الربيع عن قول الكوفيين 199: وهذا كلّه إنّما قالوه بنوع من القياس لم يرد به سماع.
قال: فعلى هذا الذي تقرر، لو قال: له عندي كذا وكذا درهما، نزلناه على درهم واحد، إلا إن قال: أردت عددا أكثر من ذلك، فيرجع إلى تفسيره، ولو قال: كذا وكذا درهما، لم يجعله تركيبا، بل يكون مما حذف منه حرف العطف، على رأي من يجيز الحذف، وأصله: كذا وكذا، ولو قال: كذا درهما لم يجعله مفردا، بل يكون مما حذف منه المعطوف، وأصله: كذا وكذا.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 2520
................................
ثمّ قال: وأما تجويزهم بعد (كذا) الرفع فخطأ؛ لأنّه لم يسمع من لسانهم 200.
وأما الخفض بعدها فلا يجوز لا على الإضافة ولا على البدل 201. ثم قال: وقد اختلفت مذاهب الفقهاء في الإقرار بهذه الكنايات 202. ثمّ قال: والعجب أنّه لم يقل أحد منهم بما يوافق اللغة 203. انتهى كلام الشيخ.
وجميع ما قاله قد أشار إليه المصنف، واستفيد من كلامه، أما قول الشّيخ: إنّ الكاف في (كذا) قد تبقى على معناها من التشبيه و (ذا) على معناها من الإشارة دون تركيب 204؛ فهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى التنبيه عليه، وأما قوله: إنّ (كذا) يكون كناية عن غير العدد 205؛ فقد ذكر المصنف ذلك في باب العلم حيث قال: وكنوا (كذا) عن (كذا).. إلى أن قال: وب (كيت)، أو (كية) وب (ذيت) أو (ذيّة) أو (كذا) عن الحديث.
وأما قوله - في (كذا) التي هي كناية عن العدد -: إنّ مميزها لا يجوز فيه الرفع ولا الخفض 206؛ فقد قال المصنف - مشيرا إلى (كأيّن)، و (كذا) -: ويقتضيان مميزا منصوبا.
وأما قوله: إن مذهب الكوفيّين، وتفصيلهم ليس مسموعا من كلام العرب 207؛ فقد قال المصنف - حين ذكر تفصيل هذا المذهب -: ومستند هذا الرأي لا الرواية 208. فجميع ما ذكره الشيخ قد تضمنه كلام المصنف رحمه الله تعالى.
-
الجزء: 5 - الصفحة: 2521
................................
السابع: قد عرفت من قول المصنّف - مشيرا إلى (كأيّن) -: وتنفرد من (كذا) بلزوم التصدير (1) أنّ (كذا) لا تلزم التصدير، فيجوز أن يعمل فيها ما قبلها كقولك: قبضت كذا وكذا درهما، وأنّها لا تكون مقصورة على إعراب خاصّ، بل تستعمل في موضع رفع وفي موضع نصب، وفي موضع جرّ بالإضافة، وبالحرف.
واعلم أنّ الشيخ لم يقصر (كذا) على التكثير، فإنّه قال: وأما (كذا) فالذي يظهر أنّها لم توضع للتكثير بل هي مبهمة في العدد، سواء كان كثيرا، أم قليلا 209. انتهى.
ويظهر أنّ الأمر كما قال.
(1)،
الجزء: 5 - الصفحة: 2522