الحديث عن ضمائر النصب المنفصلة
قال ابن مالك: (ومن المضمرات إيّا خلافا للزّجّاج.
وهو في النّصب كأنا في الرّفع.
لكن يليه دليل ما يراد به من متكلّم أو غيره، اسما مضافا إليه وفاقا للخليل والأخفش والمازني، لا حرفا خلافا لسيبويه ومن وافقه.
ويقال: إيّاك وإياك وهيّاك وهياك).
ومثال التشديد على لغة همدان 1 قول الآخر:
227 - وإنّ لساني شهدة يشتفى بها... وهوّ على من صبّه الله علقم 2
وقول الآخر:
228 - والنّفس إن دعيت بالعنف آبية... وهيّ ما أمّرت باللّطف تأتمر 3
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على المنفصل المرفوع أخذ يتكلم في المنفصل المنصوب، وهو إيا أو ما اتصل بها أو مجموعهما على اختلاف الأقوال.
وذكر المصنف في ذلك ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن إيّا اسم ظاهر لا مضمر، وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، فيكون -
الحديث: 227 - الجزء: 1 - الصفحة: 506
................................
الضمير ما بعد إيّا 4، ونسب ابن عصفور هذا المذهب إلى الخليل 5.
الثاني: أن إيّا اسم مضمر، وأن اللواحق التي تلحق أسماء مضافا إليها إيّا.
قال المصنف: «وهو مذهب الخليل والأخفش والمازني» 6.
الثالث: أن إيّا اسم مضمر، وأن اللواحق التي تلحقها حروف دالة على المتكلم وغيره، وهو مذهب سيبويه 7.
وذكر ابن عصفور مذهبين آخرين:
أحدهما: أن إيّا دعامة، أي زيادة يعتمد عليها اللواحق؛ ليتميز المنفصل عن المتصل.
قال الشيخ: «وهو مذهب الفرّاء» 8.
الثاني: أن الاسم بجملته هو الضمير، وهو إيّا وما يتصل بها.
قال الشيخ:
«ونسب إلى الكوفيّين» 9.
فأما مذهب الزجاج فقال المصنف 10:
«الدليل على أن إيّا ضمير: أنه يخلف ضمير النصب المتصل عند تعذره لتقديم على العامل، نحو: إيّاك أكرمت، أو لإضماره، نحو: إياك والأسد، أو لانفصال بحصر أو غيره، نحو: ما أكرم إلا إيّاك، وأكرمته وإيّاك؛ فخلفه كما يخلف ضمير الرفع المنفصل ضمير الرفع المتصل عند تعذره، فنسبة المنفصلين من المتصلين نسبة واحدة، ولأن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره منفصل؛ فثبوت ذلك لضمير النصب أولى؛ إذ لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه، ولأن إيّا لا تقع دون ندور في موضع رفع.
[1/ 157] وكل اسم لا يقع في موضع -
الجزء: 1 - الصفحة: 507
................................
رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى، ومباينة إيّا لغير المضمر متيقنة فتعين كونه مضمرا، ولأن إيّا لو كان ظاهرا لكان تأخره عن العامل واتصاله به جائزا، بل راجحا على انفصاله عنه وتقدمه عليه كحال غيره من المنصوبات الظاهرة؛ والأمر بخلاف ذلك فامتنع كونه ظاهرا ولزم كونه مضمرا، لكنه وضع بلفظ واحد، فافتقر إلى وصله بما يبين المراد به من الكاف وأخواتها» انتهى 11.
وناقشه الشيخ في هذه الوجوه المستدل بها بما يمكن المنازعة فيه 12.
وأما مذهب الفراء فأبطل بأن الاسم لا يكون دعامة، وأما مذهب الكوفيين 13 بأن الاسم لا يتغير بعضه بتغير
أحوال المراد به من غيبة وخطاب وتكلم.
وأما مذهب الخليل ومن وافقه وهو أن الكاف وأخواتها ضمائر مجرورة بالإضافة لا حروف، فقال المصنف: «إنه هو الصحيح لأن فيه سلامة من ستة أوجه مخالفة للأصل:
أحدها 14: أن الكاف في إياك لو كانت حرفا كما هي في ذلك لاستعملت على وجهين: مجردة من لام وتالية لها، كما استعملت مع ذا وهنا، ولحاقها مع إيا أولى لأنها كانت ترفع توهم الإضافة، فإن ذهاب الوهم إليها مع إيا أمكن منه مع ذا؛ لأن إيا -
الجزء: 1 - الصفحة: 508
................................
قد يليها غير الكاف، ولذا لم يختلف في حرفية كاف ذاك، بخلاف كاف إياك 15.
الثاني: أنها لو كانت حرفا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز تجريدها مع ذا.
كقوله تعالى: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ 16، ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ 17، 18.
الثالث: أنه لو كانت اللواحق بإيا حروفا، لم يحتج إلى الياء في إياي، كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في أنا 19.
الرابع: أن غير الكاف من لواحق إيا مجمع على اسميته مع غير إيا مختلف في اسميتها معها؛ فلا يترك ما أجمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها ليجري الجميع على سنن واحد 20.
الخامس: أن الأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ، وفي القول باسمية اللواحق سلامة من ذلك فوجب المصير إليه.
السادس: أن هذه اللواحق لو لم تكن أسماء مجرورة المحل، لم يخلفها اسم مجرور بالإضافة فيما رواه الخليل من قول العرب: إذا بلغ الرّجل السّتين فإيّاه وإيّا الشّوابّ، وروي: فإيّاه وإيّا السّوآت يعني بالسين المهملة 21. وهذا مستند قوي؛ لأنه منقول بنقل العدول بعبارتين صحيحتي المعنى» انتهى 22. -
الجزء: 1 - الصفحة: 509
................................ ولا يخفى ضعف بعض هذه الأوجه، بل أكثرها وأقواها الوجه الرابع. وأما ما رواه الخليل من: فإيّاه وإيّا الشواب، فقد حملوه على الشذوذ. قال ابن عصفور 23: «بل لنا أن نقول: هذه المضافة إلى الظّاهر ليست بإيّا من إيّاك، وإن اتّفقا في اللّفظ، بل هي اسم مظهر؛ لأنّ المضمر لا يضاف؛ لأنه لا يفارقه التعريف ولا يضاف إلّا ما يتنكّر» انتهى. قال بعضهم: «فإيّا فيما روى الخليل بمعنى حقيقة، كأنّه قال: فإيّاه وحقيقة الشّوابّ» ثم قال المصنف - بعد إيراد الأوجه الستة - 24: «فإن قيل هذه الوجوه مؤدية إلى إضافة إيا وهي ممتنعة [1/ 158] من وجهين: أحدهما: أن إيا لو كان مضافا لم تخل إضافته من قصد تخفيف أو تخصيص. فقصد التخفيف ممتنع؛ لأنه مخصوص بالأسماء العاملة عمل الأفعال وإيا ليس منها. وقصد التخصيص ممتنع أيضا، لأن إيا أحد الضمائر، وهي أعرف المعارف، فلا حاجة بها إلى تخصيص. الثاني: أن إيا لو كان مضافا لكانت إضافته إضافة شيء إلى نفسه وهي ممتنعة. والجواب أن يقال: أما إضافة التخفيف فمسلم امتناعها من إيا. وأما إضافة التخصيص فغير ممتنعة، فإنها تصير المضاف معرفة إن كان قبلها نكرة، وإلا ازداد بها وضوحا، كما يزداد بالصفة، كقول الشاعر: 229 - علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم... بأبيض ماضي الشّفرتين يماني 25
الحديث: 229 - الجزء: 1 - الصفحة: 510
................................
فإضافة زيد هنا أوجبت له من زيادة الوضوح مثل ما يوجب وصفه إذا قيل: علا زيد الذي منا زيدا الذي منكم.
فكما قبل زيادة الوضوح بالصفة، قبل زيادة الوضوح بالإضافة من غير حاجة إلى انتزاع تعريفه.
وقد يضاف علم لا اشتراك فيه على تقدير وقوع الاشتراك المحوج إلى زيادة الوضوح، كقول ورقة بن نوفل 26:
230 - ولوجا في الّذي كرهت قريش... ولو عجّت بمكّتها عجيجا 27
وإذا جازت إضافة مكة ونحوها مما لا اشتراك فيه، فإضافة ما فيه اشتراك أولى بالجواز كإيا، فإنه قبل ذكر ما يليه صالح أن يراد به واحد من اثني عشر معنى؛ فالإضافة إذا له صالحة، وحقيقته بها واضحة، وكأن انفرادها بالإضافة دون غيرها من الضمائر كانفراد أي بها دون سائر الموصولات.
ورفعوا توهم حرفية ما يضاف إليه بإضافتها إلى الظاهر في قولهم: فإيّاه وإيّا الشّوابّ.
والاحتجاج بهذا للخليل على سيبويه 28 شبيه باحتجاج سيبويه على يونس 29 - - والبيت في معجم الشواهد (ص 396)، وشرح التسهيل (1/ 147)، والتذييل والتكميل (2/ 211).
الحديث: 230 - الجزء: 1 - الصفحة: 511
................................
بقول الشاعر:
231 - دعوت لما نابني مسورا... فلبّي فلبّي يدي مسور 30
لأن يونس يرى أن ياء لبيك ليست للتثنية، بل هي كياء لديك؛ فاحتج سيبويه بثبوت ياء لبي مع الظاهر، ولو كانت كياء لدى لم تثبت إلا مع المضمر، كما أن ياء لدى لا تثبت إلا مع المضمر.
وأما إلزامهم بإضافته أيضا إضافة الشيء إلى نفسه، فنلتزمها معتذرين بما اعتذر عنها في نحو: جاء زيد نفسه وأشباه ذلك» انتهى 31 وهو كلام حسن.
قال الشيخ: «الذي يقطع ببطلان اسمية ما أضيف إليه إيّا، أنه كان يلزم إعراب إيّا كما لزم إعراب أي؛ فإنّ سبب إعراب أي إنما هو لزوم الإضافة، وذلك موجود في إيّا» انتهى 32.
وما ذكره غير لازم؛ إذ لا يلزم من اعتبار الإضافة في أي اعتبارها في غيرها، على أنه قد تقدم في باب الإعراب أن المقتضي لإعراب أي أمران:
وهما لزوم الإضافة، وكونها بمعنى بعض مع المعرفة، وبمعنى كل مع النكرة.
وإذا كان كذلك فلا يلزم المصنف بإعراب إيا؛ لأن المقتضي بتمامه لم يوجد فيه، إنما [1/ 159] وجد جزؤه وجزء العلة ليس بعلة.
وذكر المصنف فيها غير اللغة المشهورة أربع لغات 33: - - هذا اللفظ في الإضافة كقولك عليك، وزعم الخليل أنها تثنية بمنزلة حنانيك؛ لأنا سمعناهم يقولون: حنان، وبعد أن أنشد بيت الشاهد قال: فلو كان بمنزلة على لقال: فلبي يدي مسور؛ لأنك تقول: على زيد إذا أظهرت الاسم».
الحديث: 231 - الجزء: 1 - الصفحة: 512
[مواضع انفصال الضمير]
قال ابن مالك: (فصل: يتعيّن انفصال الضّمير إن حصر بإنّما، أو رفع بمصدر مضاف إلى المنصوب، أو بصفة جرت على غير صاحبها، أو أضمر العامل، أو أخّر، أو كان حرف نفي أو فصله متبوع، أو ولي واو المصاحبة، أو إلّا، أو إمّا، أو اللّام الفارقة، أو نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتّفقا رتبة، وربّما اتّصلا غائبين إن لم يشتبها لفظا). وهي أيّاك بفتح الهمزة وتشديد الياء، وإياك بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وهيّاك بكسر الهاء وتشديد الياء، وهياك بفتح الهاء وتخفيف الياء. قال المصنف: «وأغرب لغاتها تخفيف الياء» 34. قال ناظر الجيش: المضمر بالنسبة إلى الاتصال والانفصال على ثلاثة أقسام: قسم يجب اتصاله، وقسم يجب انفصاله، وقسم يجوز فيه الأمران. ولما كانت مواضع الانفصال محصورة، وكذا مواضع الاتصال والانفصال، اقتصر المصنف على ذكرها، فعلم أن ما سكت عنه يجب فيه الاتصال. أما الانفصال فذكر أنه يجب في اثني عشر موضعا: الأول: إذا حصر بإنما 35 كقول الشاعر: 232 - أنا الذّائد الحامي الذّمار وإنّما... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي 36
الحديث: 232 - الجزء: 1 - الصفحة: 513
................................
وكقول الآخر:
233 - كأنّا يوم قرّى إنّما نقتل إيّانا 37
الثاني: إذا رفع بمصدر مضاف إلى المنصوب 38 كقول الشاعر:
234 - بنصركم نحن كنتم ظافرين وقد... أغرى العدا بكم استسلامكم فشلا 39
الثالث: إذا رفع بصفة جارية على غير صاحبها، كقول الشاعر:
235 - غيلان ميّة مشغوف بها هو قد... بدت له فحجاه بان أو كربا 40
الرابع: إذا أضمر العامل، كقول الشاعر: - - (ديوان الفرزدق: (2/ 152). اللغة: الذائد: من ذاد عنه أي دافع، وقد روي مكانه الفارس.
الذّمار: بزنة كتاب؛ ما يلزمك حفظه وحمايته.
الأحساب: مفاخر الآباء.
والمعنى والشاهد واضحان.
وانظر البيت ومراجعه في معجم الشواهد (ص 301)، وشرح التسهيل: (1/ 147)، والتذييل والتكميل (2/ 215).
الحديث: 233 - الجزء: 1 - الصفحة: 514
................................ 236 - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل 41 الخامس: إذا أخر العامل، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ 42. السادس: أن يكون العامل حرف نفي، كقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 43، ومنه قول الشاعر: 237 - إن هو مستوليا على أحد... إلّا على أضعف المجانين 44 السابع: إذا فصل بمتبوع، كقوله تعالى: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ 45. ومنه قول الشاعر، أنشده سيبويه 46: 238 - مبرّأ من عيوب النّاس كلّهم... فالله يرعى أبا حفص ويرعانا 47
الحديث: 236 - الجزء: 1 - الصفحة: 515
................................ ومثل المصنف لذلك بقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ 48. الثامن: إذا ولي واو المصاحبة، كقول الشاعر: 239 - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي 49 التاسع: إذا ولي إلا، كقوله تعالى: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ 50، ومنه [1/ 160] قول الشاعر: 240 - قد علمت سلمى وجاراتها... ما قطّر الفارس إلّا أنا 51 العاشر: إذا ولي أما كقول الشاعر: 241 - بك أو بي استعان فليك إمّا... أنا أو أنت ما ابتغى المستعين 52
-
- قال أبو حيان في الشاهد: «وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا، والانفصال في وإيّانا لم يجز إلّا لضرورة الوزن».
والبيت في معجم الشواهد (ص 488)، وشرح التسهيل (1/ 150)، والتذييل والتكميل (2/ 225).
- قال أبو حيان في الشاهد: «وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا، والانفصال في وإيّانا لم يجز إلّا لضرورة الوزن».
الحديث: 239 - الجزء: 1 - الصفحة: 516
................................
الحادي عشر: إذا ولي اللام الفارقة 53 كقول الشاعر:
242 - إن وجدت الصّديق حقّا لإيّا... كـ فمرني فلن أزال مطيعا 54
الثاني عشر: إذا نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفق رتبة مثاله:
علمتك إيّاك أي أنت في علمي الآن كما كنت من قبل.
والمراد بالموافقة في الرتبة كونه لمتكلم كعلمتني إياي، أو لمخاطب كعلمتك إياك، أو لغائب كزيد علمته إياه، أو لغائبين كقولك: مال زيد أعطيته إياه 55.
قال المصنف: «فانفصال ثاني الحاضرين متعين أبدا؛ لأنه لا يكون إلّا مثل الأول لفظا ومتحدا به معنى؛ فاستثقل اتّصالهما، ولأنّ اتّصالهما يوهم التّكرار.
وانفصال ثاني الغائبين متعين أيضا إن كان هو الأول في المعنى، نحو: مال زيد أعطيته إيّاه» انتهى 56.
واحترز بقوله: غير مرفوع: من قولهم: ظننتني قائما؛ فإن الضمير الذي هو الياء نصبه عامل في مضمر قبله، وقد اتفقا رتبة؛ فإنهما لمتكلم؛ لكن الضمير الأول مرفوع فلا يجب انفصال الثاني بل ولا يجوز انفصاله.
وكذلك قولك: زيد ظنّه قائما 57، قد عمل ظن في مضمر مرفوع، وهو الفاعل المستكن، وفي مضمر - - والشاعر يفتخر بنفسه وبصاحبه بأن من يريد الاستعانة بأحد في أمر فليستعن به أو بصاحبه.
والبيت في معجم الشواهد (ص 395)، وفي شرح التسهيل (1/ 150)، وفي التذييل والتكميل (2/ 227).
الحديث: 242 - الجزء: 1 - الصفحة: 517
................................
منصوب وهو الهاء وقد اتفقا رتبة ولا يجوز فصل الضمير المنصوب أيضا.
وأشار المصنف بقوله: وربّما اتّصلا غائبين إذا لم يشتبها لفظا إلى أنه إن غاير الثاني الأول لفظا حال الغيبة جاز الاتصال لكنه ضعيف، وبه يشعر قوله: وربّما، واستدل المصنف على ذلك بما روى الكسائي من قول العرب: «هم أحسن النّاس وجوها وأنضرهموها».
وقول مغلّس بن لقيط 58:
243 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظم نابها 59
(وأنشد الإمام بدر الدين بن مالك 60... -
الحديث: 243 - الجزء: 1 - الصفحة: 518
................................
في شرح الألفية 61:
244 - لوجهك في الإحسان بسط وبهجة... أنا لهماه قفو أكرم والد 62
وهذا في الدلالة أصرح مما ذكره والده) 63.
ثم هنا أبحاث:
[البحث الأول]:
ذكر ابن عصفور في شرح الجمل 64 والصفار 65 في شرح الكتاب 66 في - - وقد شرح ألفية والده وهو الكتاب المأخوذ منه النص المذكور.
كما شرح كافيته أيضا ولاميته.
وقد كمل شرح التسهيل بعد والده، من أول المصادر، لكنه لم يتم الكتاب، وله كتب أخرى في البلاغة والمنطق والعروض.
توفي بدمشق سنة (686 هـ) وحزن الناس عليه حزنهم على والده.
انظر ترجمته في بغية الوعاة (1/ 225)، الأعلام (7/ 260).
الحديث: 244 - الجزء: 1 - الصفحة: 519
................................
فصل الضمير بعد إنما مذهبين:
أحدهما: مذهب سيبويه: وهو أن الفصل ضرورة 67. وذكرا أن سيبويه لم يلتفت إلى المعنى، وهو كون الضمير
في معنى المفصول بينه وبين عامله بإلا.
الثاني: مذهب الزجاج: وهو أن الفصل ليس بضرورة، لما ذكر من كون الكلام بمعنى إلا.
وأفهم كلامهما أن الزجاج يجيز الفصل ولا يوجبه؛ ومن ثم جعل الشيخ القول الأول بتعين الانفصال في كلام المصنف مذهبا ثالثا 68.
قال ابن عصفور: «والصّحيح أنّ الفصل ضرورة، إذ لو كان هذا الموضع موضع فصل الضّمير لوجب ألّا يؤتى به [1/ 161] متّصلا كما لا يجوز ذلك مع إلّا؛ فقول العرب: إنّما أدافع عن أحسابهم وأمثاله؛ دليل على أنّه من مواضع الاتّصال وأنّ الانفصال فيه ضرورة» 69.
وقال الصفار: «مذهب سيبويه أسدّ؛ لأنّك تقدر على الاتّصال فلا تفصله؛ بخلاف إلّا؛ إذ لا يمكن أن يتّصل بهما ضمير وتكون القرائن تبيّن المحصور ما هو من فاعل أو مفعول على حسب المواضع» انتهى 70.
ولا يتجه لي القول بأنه إذا كان الضمير محصورا بعد إنما لا يتعين انفصاله؛ فضلا عن أنه لا يجوز، لأنّا بالبديهة نعقل الفرق بين قولنا: إنما قام أنا، وبين قولنا:
إنما قمت.
إذ معنى الأول: ما قام إلا أنا، فالحصر في الفاعل، ومعنى الثاني:
ما فعلت إلا القيام، فالحصر في الفعل، فلا يعلم أن الحصر في الفاعل إلا بانفصال الضمير، وسببه: أن إنما لما كانت للحصر كان معناها معنى إلا الواقعة بعد النفي.
والمحصور بإلا يجب تأخره عنها؛ فيجب إذ ذاك انفصاله إن كان ضميرا متصلا بعامل قبلها، فكذلك يجب أن يكون الحال مع إنما.
ولو كان الأمر على ما قال -
الجزء: 1 - الصفحة: 520
................................ الصفار من أن الحصر إنما يتبين بالقرائن، لما أوجب النحاة تأخير المحصور بها؛ لكنهم أوجبوا تأخير الفاعل إذا قصد حصره، وكذلك تأخير المفعول أيضا؛ فدل على أنهم لم يكتفوا بالقرائن. وأما قول ابن عصفور: إنه لو كان من مواضع الانفصال لما جاء متصلا، وقد قالت العرب: إنما أدافع عن أحسابهم فغير ظاهر؛ لأن قائل هذا الكلام لم يقصد حصر الفاعل، والفصل إنما يجب مع قصد الحصر، وإنما قصد هذا المتكلم حصر المتعلق بالفعل، أي: لا أدافع إلا عن أحسابهم لا عن شيء آخر. أما كون غيره لا يدافع فلم يتعرض إليه. والظاهر أن الجماعة إنما حكموا بأن مذهب سيبويه أن الفصل ضرورة بقوله 71: «هذا باب ما يجوز في الشّعر من إيّا، ولا يجوز في الكلام، فمن ذلك قول حميد الأرقط 72: 245 - [أتتك عنس تقطع الأراكا]... إليك حتّى بلغت إيّاكا 73 وقال آخر: 246 - كأنّا يوم قرّى إنّما نقتل إيّانا 74
الحديث: 245 - الجزء: 1 - الصفحة: 521
................................
وقد حمل المصنف الفصل في: إنما نقتل إيانا - على أنه ضرورة من وجه آخر غير الوجه الذي حمل الجماعة عليه وهو الذي أذكره:
قال المصنف: «وقد وهم الزمخشريّ في قوله: إنّما نقتل إيّانا، فظنّ أنّه من وقوع المنفصل موقع المتصل 75، وليس كذلك، لأنه لو أوقع هنا المتصل فقال:
إنّما نقتلنا، لجمع بين ضميرين متّصلين أحدهما فاعل والآخر مفعول مع اتحاد المسمى، وذلك مما يختصّ به الأفعال القلبية.
وغر الزمخشريّ ذكر سيبويه هذا البيت في باب: ما يجوز في الشّعر من إيّا ولا يجوز في الكلام، فذكر البيت الّذي أوله كأنّا لا لأن ما فيه لا يجوز إلا في الشعر، بل لأن إيّانا وقع فيه موقع أنفسنا فبينه وبين الأول يعني: حتى بلغت إياكا مناسبة من قبل أن إيا في الموضعين [1/ 162] واقعا موقعا غيره به أولى.
لكن في الثّاني من معنى الحصر المستفاد بإنما ما جعله مساويا للمقرون بإلا، فحسن وقوع إيا فيه كما كان يحسن بعد إلا وهذا مطّرد، فمن اعتقد شذوذه فقد وهم» انتهى وهو محمل جيد 76.
وقال الشيخ: «ما ذهب إليه المصنّف من تعيّن انفصال الضّمير بعد إنّما - خطأ فاحش وجهل بلسان العرب.
قال الله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ 77، إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ 78، إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ 79، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 80، ولو كان الأمر على ما زعم لكان التركيب إنّما -
الجزء: 1 - الصفحة: 522
................................
يشكو بثّي وحزني إلى الله أنا 81، وإنّما يعظكم بواحدة أنا، وإنّما أمر أن يعبد ربّ هذه البلدة أنا، وإنّما يوفّى
أجوركم أنتم» انتهى 82.
ويا لله التعجب من الشيخ، جهّل المصنف وخطّأه وقوّله ما لم يقل، واعتقد فيه أنه يمنع من جواز ما لم يتوهم بشر منعه.
لم يقل إن إنما لا يقع بعدها الضمير إلا منفصلا فيرد عليه بوقوعه متصلا، إنما قال: إن الضمير المحصور بإنما يجب انفصاله، فكيف يرد عليه بما لم يقصد فيه حصر الضمير.
أما الآيات الكريمة التي رد بها الشيخ على المصنف، فلم يقصد في شيء منها حصر الفاعل، إنما قصد حصر متعلق الفعل؛ فمعنى الآية الأولى «لا أشكو بثي وحزني إلا إلى الله» أي لا أشكو إلى غيره 83. ومعنى الآية الثانية «لا أعظكم إلا بواحدة» أي لا أعظكم بغيرها، ومعنى الآية الثالثة «ما أمرت إلا أن أعبد رب هذه البلدة»، ومعنى الآية الرابعة «لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة»، وهذا واضح، ولا أعرف كيف خفي هذا على الشيخ رحمه الله تعالى.
البحث الثاني:
ما ذكره المصنف هنا من تعين انفصال الضمير إذا رفع بصفة جارية على غير صاحبها، هو مذهب البصريين، ولم يوجب الكوفيون الإبراز إلا عند خوف اللبس 84، واختار المصنف في باب المبتدأ مذهبهم؛ فإطلاقه القول هنا بوجوب الانفصال إما للاتكال منه على ما ذكر في باب المبتدأ فيقيد به هذا الإطلاق، وإما لأنه جرى هنا على مذهب البصريين، ثم نبه على مختاره في باب المبتدأ 85. -
الجزء: 1 - الصفحة: 523
................................
وقد استثنى الكوفيون أيضا صورة ثانية لا يجب فيها الإبراز، وهي إذا تكررت الصفة نحو: زيد حسنة أمه عاقلة هي، فلا يوجبون هي بعد عاقلة.
وفي الحقيقة هذه الصورة داخلة تحت قولهم: لا يجب الإبراز عند أمن اللبس، فلا حاجة إلى تخصيصها بالذكر.
وقد ذكر النحاة أن الضمير لا يبرز إذا كان لمثنى أو جمع؛ لأن في تثنية اسم الفاعل وجمعه دلالة عليه، وذلك نحو: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، وقائم آباؤه لا قاعدين.
استغنى في المثال الأول عن هما، وفي المثال الثاني عن هم بتثنية اسم الفاعل وجمعه، وسيأتي ذلك في باب المبتدأ إن شاء الله تعالى.
البحث الثالث:
تقدم أنه يجب انفصال [1/ 163] الضمير إذا نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع عند الاتفاق في الرتبة، إلا إذا كانا للغيبة واختلفا لفظا؛ فإنه قد يتصل الضمير الثاني.
وقد ذكر الشيخ أنه قد يؤتى بالثاني متصلا حال التكلّم والخطاب والغيبة دون الاختلاف لفظا فقال 86:
«إذا اتفق الضميران في الرتبة فإما أن يكونا لمتكلم أو مخاطب أو غائب.
إن كان لمتكلم فلا اتصال نحو: منحتني إياي، ويقبح الاتصال، وإن كانا لمخاطب فالاختيار الانفصال، ويجوز الاتصال ضعيفا نحو: أعطيتكما إياكما، وأعطيتكما كما، وأعطيتكم إيّاكم، وأعطيتكم كم، وأعطيتكن إيّاكن، وأعطيتكن كنّ، ومنع الاتصال الفراء 87.
وإن كانا لغائب فإما أن يتحدا لفظا أو يختلفا 88: إن اتحدا فكضمير المخاطب 89 فيكون الانفصال مختارا نحو: الدرهم أعطيته إياه، ويجوز على ضعف: - - جريان رافع الضّمير على غير صاحب معناه؛ ليجري الباب على سنن واحد.
وخالفهم الكوفيّون فلم يلتزموا الإبراز إلّا مع اللّبس وبقولهم أقول لورود ذلك في كلام العرب كقول الشّاعر (من البسيط): قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت... بكنه ذلك عدنان وقحطان
الجزء: 1 - الصفحة: 524
................................
أعطيتهوه، ومنع الفراء أيضا الاتصال.
وإن اختلفا فالفصل هو الكثير، تقول: هند الدّرهم أعطيتها إيّاه، وأعطيته إياها، ويجوز: أعطيتهاه وأعطيتهوها» انتهى 90.
وفي كتاب سيبويه ما يقتضي منع الاتصال إذا كان الضميران للمتكلم 91. وأما إذا كانا للغيبة فقال سيبويه: «فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب، قلت:
أعطاهوها وأعطاهاه جاز وهو عربيّ لا عليك بأيّهما بدأت من قبل أنّهما كلاهما غائب، وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم، والكثير في كلامهم أعطاه إيّاه» انتهى كلام سيبويه 92.
وأشعر قوله: والكثير في كلامهم أعطاه إيّاه - أن القليل جواز الاتصال وإن اتفق اللفظان؛ وعلى هذا لا يحسن قول المصنف فيما تقدم 93: إن لم يشتبها لفظا لإشعار كلام الإمام بخلافه.
البحث الرابع:
انتقد الشيخ على المصنف كونه مثّل للاتصال في الغائبين المختلفي اللفظ بما في بيت مغلس وهو (لضغمهماها) وبما روى الكسائي من (وأنضرهموها).
قال:
لأن أحد الغائبين مخفوض، وأصحابنا ذكروا أنه لا يجوز فيه إلا الانفصال، نحو قولك: هند زيد عجبت من ضربه إيّاها 94.
قالوا: ولا يجوز من ضربهها إلّا في ضرورة، وأنشدوا بيت مغلّس؛ أو في -
الجزء: 1 - الصفحة: 525
[مواضع جواز الاتصال والانفصال]
قال ابن مالك: (وإن اختلفا رتبة جاز الأمران، ووجب في غير ندور تقديم الأسبق 95 رتبة مع الاتّصال؛ خلافا للمبرّد ولكثير من القدماء، وشذّ إلّاك فلا يقاس عليه).
- نادر كلام، وذكروا ما رآه الكسائي 96.
وظاهر كلام سيبويه ينفي ما انتقده الشيخ على المصنف، فإنه قال بعد قوله:
والكثير في كلامهم أعطاه إياه: على أنّ الشّاعر قد قال 97:
247 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة...... البيت المذكور
البحث الخامس:
اعلم أن المصنف لما ذكر وجوب انفصال الضمير 98 - إنما ذكر المواضع التي يمكن فيها الاتصال، أما ما لم يمكن فيه ذلك فلم يذكره؛ لأن الانفصال فيه ضروري، ولهذا لم يتعرض إلى ما ذكره غيره من أن الضمير يجب فصله إذا كان مبتدأ أو خبرا للمبتدأ أو خبرا لإن.
لكن ذكر ابن عصفور صورة يجب فيها [1/ 164] الانفصال، ولم يذكرها المصنف وهي 99 ما إذا كان الضمير منصوبا بمصدر مضاف إلى الفاعل، ومثل لذلك بقوله: عجبت من ضرب زيد إياك، ومن ضربك إياه.
وأقول: أما ضرب زيد إياك فظاهر فيها وجوب الانفصال 100، وأما ضربك إياه فالاتصال فيها جائز كما سيأتي 101. قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على مواضع الانفصال شرع في ذكر مواضع الاتصال والانفصال وأشار إلى ضابطها بقوله: وإن اختلفا رتبة جاز الأمران أي -
الحديث: 247 - الجزء: 1 - الصفحة: 526
................................
الاتصال والانفصال في الثاني من الضميرين.
واعلم أن المواضع التي يجوز فيها الأمران ستة، وهي ما كان فيه الضميران منصوبين وتحته قسمان؛ لأن النصب فيهما إما بفعل غير قلبي كأعطيتكه، وإما بفعل قلبي كخلتكه، وما كان فيه أول الضميرين مجرورا وتحته ثلاثة أقسام؛ لأن الجر إما بإضافة اسم فاعل نحو: الدرهم (زيد) 102 معطيكه، أو بإضافة مصدر.
والمجرور إما فاعل به وإما مفعول نحو: فراقيها ومنعكها 103.
وما كان فيه أول الضميرين مرفوعا؛ وهو والمنصوب بعده مبتدأ وخبر في الأصل نحو: كنته 104، وإذا كان كذلك فينبغي ألا يكون الضمير في اختلفا عائدا على ما تقدم ذكره؛ إذ يلزم فيه أن تكون الإشارة إلى الضميرين المنصوبين خاصة، بل يكون الضمير المذكور عائدا على الضميرين غير مقيدين بالقيد المتقدم.
أي: وإن اختلف الضميران رتبة جاز الأمران، وهذا هو الذي يقتضيه كلام المصنف في الشرح.
وأما كون أول الضميرين المختلفي الرتبة منصوبا أو مجرورا أو مرفوعا بالقيود التي ذكرت فيعلم من كلامه بعد، ثم مع الفصل تقدم أي الضميرين شئت، فتقول:
الدرهم أعطيتك إياه وأعطيته إياك، وهذا مستفاد بطريق المفهوم من قول المصنف:
ووجب في غير ندور تقديم الأسبق رتبة مع الاتّصال.
وأما مع الاتصال فعند سيبويه يجب تقديم الأسبق رتبة، فتقول: أعطيتكه، ولا يجوز أعطيتهوك، وأجاز كثير من قدماء النحويين 105 ووافقهم المبرد - تقديم غير الأسبق مطلقا 106. وأجازه الفراء إذا كان الضمير لمثنى أو لجماعة مذكرين، نحو: -
الجزء: 1 - الصفحة: 527
................................ الدرهمان أعطيتهماك، والغلمان أعطيتهموك، وأجاز الكسائي ما أجازه الفراء وزاد عليه أن يكون الضمير للإناث، نحو: الدراهم أعطيتهن كن، والذي ورد به السماع مذهب سيبويه، ومن أجاز غير ذلك فإنما أجازه قياسا 107. قال سيبويه: «فإن بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال أعطاكني، أو بدأ بالغائب قبل المخاطب فقال أعطاهوك، فهذا قبيح لا تتكلّم به العرب، ولكنّ النّحويّين قاسوه» 108. قال المصنف [1/ 165]: «قلت: ولا يعضد قول من أجاز القياس في ذلك قول العرب: عليكني؛ لكون الكاف فيه متقدمة على الياء؛ لأن الكاف في عليك فاعل في المعنى، فينزل تقدمها على الياء منزلة تقدم التاء في قولك: أكرمتني، فلا يجوز أن يجري مجراها كاف ليس لها حظ في الفاعلية، نحو كاف أعطاك، ولكن يعضد قول من أجاز القياس في ذلك بما روى ابن الأثير في غريبه من قول عثمان رضي الله عنه: «أراهمني الباطل شيطانا»، فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم المتصل» انتهى 109. -
الجزء: 1 - الصفحة: 528
................................
قلت: لم يكن المصنف ليحتاج إلى الاعتذار عن تقدم الكاف على الياء في عليكني؛ وذلك أن الكلام إنما هو في ضميرين قد سلط عليهما عامل واحد، ولا شك أن على وإن عمل في الكاف - ليس عاملا في الياء، بل لما عمل في الكاف جعل المجموع من الجار والمجرور عاملا في الياء، فلا يقال إن الكاف تقدمت على الياء.
وأيضا فإنما يقال بتقدم واحد من الضميرين على آخر، حيث يتصور تقدم ذلك الآخر عليه، وها هنا لا يتصور تقدم الياء على الكاف، أعني في عليكني ونحوه.
وأما لفظ عثمان رضي الله عنه فعنه احترز بقوله: في غير ندور.
وهذا الاحتراز ليس بجيد؛ فإنه لو قدم ضمير المتكلم في هذا الكلام على ضمير الغيبة، لانعكس المراد من مقصود المتكلم كما تقدم، وإنما الواجب أن كان يؤتى بالضمير الثاني منفصلا، فيقال: أراهم إياي.
فالشذوذ إنما هو في الإتيان بالضمير متصلا لا في تقدم ضمير الغيبة على ضمير المتكلم.
وأشار المصنف بقوله: وشذ إلّاك فلا يقاس عليه - إلى قول الشاعر:
248 - وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار 110
قال: «فالأكثرون على أن الاتصال فيه لم يستبح إلا لضرورة؛ لأنّ حقّ الضّمير بعد إلا الانفصال اعتبارا بأن إلا غير عاملة، ومن حكم على إلا بأنها عاملة 111 لم يعدّ هذا من الضرورات، بل جعله مراجعة لأصل متروك، ويعتذر عن مثل:
قاموا إلا إيّاك، بكون الاستعمال استمر بالانفصال، والأولى به الاتصال».
الحديث: 248 - الجزء: 1 - الصفحة: 529
[المختار في مواضع جواز الاتصال والانفصال]
قال ابن مالك: (ويختار اتّصال نحو هاء أعطيتكه، وانفصال الآخر من نحو فراقيها ومنعكها وخلتكه، وكهاء أعطيتكه هاء كنته، وخلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدا درهما في باب الإخبار).
قال ناظر الجيش: لما ذكر ضابط ما يجوز فيه الاتصال والانفصال، وكان بعضه مختار الاتصال وبعضه مختار الانفصال، أخذ في بيان ذلك، وقد تقدم أن الأمرين جائزان في ستة أبواب ذكر المصنف منها في المتن خمسة 112. والسادس ذكره في الشرح: وهو ما كان فيه أول الضميرين مجرورا 113، وهما معمولان لاسم فاعل.
وأما ما فيه خلف ثاني المفعولين في باب الإخبار فهو من فروع باب أعطيتكه، فلا يعد قسما زائدا.
وأشار بنحو هاء أعطيتكه 114 إلى ما كان ثانيا من ضميرين [1/ 166] منصوبين بفعل غير قلبي، فإنه جائز فيه الاتصال والانفصال، واتصاله أجود؛ ولذلك لم يأت في القرآن إلا متصلا كقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ 115.
قال المصنف 116: «وظاهر كلام سيبويه أنّ الاتصال لازم 117 ويدلّ على عدم -
الجزء: 1 - الصفحة: 530
................................
لزومه قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإنّ الله ملّككم إيّاهم، ولو شاء ملّكهم إيّاكم» 118.
وقال الشيخ: «لم يذكر سيبويه في هذا إلّا الاتصال 119 وحكى غيره «الانفصال».
وقال السيرافي: «لا يجيز سيبويه فيه الانفصال» وقال الأستاذ أبو علي:
«الانفصال فيه أفصح» 120 وتأول كلام سيبويه.
وأشار بالآخر من نحو فراقيها ومنعكها 121 إلى ما كان من الضمائر منصوبا بمصدر مضاف إلى ضمير قبله هو فاعل أو مفعول أول.
وأدرج المصنف هنا ما كان منصوبا باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول 122.
فالمنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير هو فاعل كقول الشاعر:
249 - تعزّيت عنها كارها فتركتها... وكان فراقيها أمرّ من الصّبر 123
والمنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير هو مفعول أول كقوله: -
الحديث: 249 - الجزء: 1 - الصفحة: 531
................................ 250 - فلا تطمع أبيت اللّعن فيها... ومنعكها بشيء يستطاع 124 والمنصوب باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول كقول الشاعر: 251 - لا ترج أو تخش غير الله إنّ أذى... واقيكه الله لا ينفكّ مأمونا 125 والمختار في هذه الثلاثة ونحوها الانفصال. وإذا كان الضمير كهاء خلتكه 126 في كونه ثاني مفعولي أحد أفعال القلوب فالانفصال به أولى. قال المصنف: «لأنّه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر» انتهى 127. وقال سيبويه: «وتقول: حسبتك إيّاه وحسبتني إيّاه؛ لأنّ حسبتنيه قليل في الكلام» 128. ومن الانفصال قول الشاعر: 252 - أخي حسبتك إيّاه وقد ملئت... أرجاء صدرك بالأضغان والإحن 129
الحديث: 250 - الجزء: 1 - الصفحة: 532
................................
ومن وروده متصلا قول الآخر:
253 - بلّغت صنع امرئ برّ إخالكه... إذ لم تزل لاكتساب المجد مبتدرا 130
وأشار بقوله: وكهاء أعطيتكه هاء نحو كنته 131 يعني أنه يختار فيها الاتصال على الانفصال وهذا هو اختيار المصنف.
قال الشيخ: «واتّبع فيه الرّمّاني وابن الطّراوة» 132.
وفرق المصنف بين هاء خلتكه وهاء كنته، وإن اشتركا في أن كلّا منهما خبر مبتدأ في الأصل - بأن هاء خلتكه حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته، فإنه شبيه بهاء ضربته في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل، فكأن الفعل مباشر له؛ فكان مقتضى هذا ألا ينفصل كما لا ينفصل هاء ضربته إلا أنه أجيز الانفصال فيه مرجوحا لا راجحا؛ خلافا لسيبويه ومن تبعه 133. - - يكون منادى؛ لأن المعنى على الإخبار لا على النداء والعتاب.
وشاهده واضح من الشرح.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 155)، والتذييل والتكميل (2/ 239)، ومعجم الشواهد (ص 401).
الحديث: 253 - الجزء: 1 - الصفحة: 533
................................
دليلنا على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن المشار إليه ضمير [1/ 167] منصوب بفعل لا حاجز له إلا ما هو كجزء منه؛ فأشبه مفعولا لم يحجزه من الفعل إلا الفاعل، فوجب له من الاتصال ما وجب للمفعول الأول؛ فإن لم يساوه في وجوب الاتصال فلا أقل من كون اتصاله راجحا.
الوجه الثاني: أن الوجهين مسموعان فاشتركا في الجواز إلا أن الاتصال ثابت في النثر والنظم.
والانفصال لم يثبت في غير استثناء إلا في نظم؛ فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال.
ومن الوارد منه متصلا في النظم دون ضرورة قول الشاعر:
254 - كم ليث اغترّبي ذا أشبل غرثت... فكانني أعظم اللّيثين إقداما 134
فقال: كانني مع تمكنه من أن يقول فكنته أعظم الليثين، على جعل أعظم بدلا من الضمير ومفسرا له 135 كما قالوا: اللهمّ صلّ عليه الرّؤوف الرّحيم.
- - ولم تستحكم هذه الحروف ها هنا، لا تقول كانني وليسني ولا كانك فصارت إيّا هاهنا بمنزلتها في ضربي إيّاك.
وتقول: أتوني ليس إيّاك، ولا يكون إيّاك؛ لأنك لا تقدر على الكاف ولا الهاء ها هنا؛ فصارت إيّا بدلا من الكاف والهاء في هذا الموضع».
ثم قال: «وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني وكذلك كانني».
الحديث: 254 - الجزء: 1 - الصفحة: 534
................................
ومن الوارد منه في النثر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها «إيّاك أن تكونيها يا حميراء» 136، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لعمر رضي الله عنه في ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» 137.
ومن ذلك قول بعض العرب عليه رجل ليسني، وقال سيبويه: «وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنّهم يقولون: ليسني، وكذلك كانني» 138.
هذا نصه، ولم يحك في الانفصال نثرا إلا قولهم في الاستثناء: «أتوني ليس إيّاك، ولا يكون إيّاك» 139. وهذا يتعين انفصاله في غير الضرورة؛ لأن ليس و (لا يكون) فيه واقعان موقع إلا؛ فعومل الضمير بعدهما معاملته بعدها، فلا يقاس على ذلك ما ليس مثله.
والاتصال في قوله:
255 - [عددت قومي كعديد الطّيس]... إذ ذهب القوم الكرام ليسي 140
من الضرورات؛ لأنه استثناء، ولو لم يكن استثناء لكان الاتصال أولى من الانفصال كما تقرر.
انتهى كلام المصنف واستدلاله 141.
وقد تكلم الشيخ هنا في جانب المصنف بكلام غير مناسب، وجعله مكابرا ومكاذبا لسيبويه، واعتذر عنه بأنه «قليل الإلمام بكتاب سيبويه، وأنه يلمح شيئا -
الحديث: 255 - الجزء: 1 - الصفحة: 535
................................
منه ببادئ النّظر، فيستدل به من غير تتبّع لما قبله ولما بعده.
وكم شيء فاته من علم سيبويه لقلّة إلمامه به» انتهى كلام الشيخ 142.
ولم يرد على المصنف بشيء غير أنه قال: إن سيبويه يقول: إنّ كلام العرب على الانفصال، وإنّ الاتّصال قليل.
والمصنف لم يجهل أن سيبويه قال ذلك، ولو جهله لم يصرح في الشرح بخلافه؛ حيث قال: «خلافا لسيبويه ومن تبعه».
ولكن هذه عادة الشيخ مع المصنف.
256 - وهبني قلت هذا الصّبح ليل... أيعمى العالمون عن الضّياء 143
ولقد أجاد القائل في قوله:
257 - لا تضع من عظيم قدر وإن كن... ت مشارا إليه بالتّعظيم
فالشّريف الكريم ينقص قدرا... بالتّحري عن الشّريف الكريم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم... ر بتنجيسها وبالتّحريم 144
[1/ 168] وقد علم مما تقدم أن الاتصال يختار في بابين وهما باب أعطيتكه وباب كنته، وأن الانفصال يختار في أربعة أبواب، وهي باب خلتكه، وباب فراقيها، وباب منعكه، وباب معطيكه 145. -
الحديث: 256 - الجزء: 1 - الصفحة: 536
فصل الضمير الواجب الاتصال
قال ابن مالك: (ونحو: ضمنت إيّاهم الأرض، ويزيدهم حبّا إليّ هم - من الضّرورات). وجعل المصنف خلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدا درهما في باب الإخبار كهاء أعطيتكه 146، فيكون الاتصال فيه مختارا. ومثال ذلك: الذي أعطيته زيدا درهم، هذا على الاتصال؛ وإن جئت به منفصلا مراعاة للترتيب الأصلي قلت: الذي أعطيت زيدا إياه درهم، والاتصال رأي أبي عثمان المازني. قال المصنف: «وباختياره أقول؛ لأنّ الاتصال هو الأصل؛ فإذا أمكن بلا محذور، فلا عدول عنه عند مراعاة الأولى؛ فلو كان بدل الدرهم مفعول لا يعلم كونه ثانيا إلا بالتأخر نحو: أعطيت زيدا عمرا فأخبر عنه - تعيّن انفصاله لأن وصله بالفعل يوهم كونه أولا؛ فلو عضد بهذا قول غير المازنيّ 147 لاعتضد، فيقال: إذا تعيّن الانفصال في بعض صور الإخبار فليلتزم في جميعها، ليجري الباب على سنن واحد كما فعل في غيره» 148. قال ناظر الجيش: لما اقتصر المصنف على ذكر مواضع انفصال الضمير، ومواضع اتصاله وانفصاله - علم أن ما سكت عنه يجب فيه الاتصال، فصار كأنه قال: «وما عدا ما ذكر من مواضع وجوب الانفصال ومواضع جواز الأمرين - يجب اتصاله» ولهذا ساغ له أن يحكم بالضرورة على ما أنشده والضمير فيه منفصل. أما ضمنت إياهم الأرض فمن قول الفرزدق: 258 - بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير 149
الحديث: 258 - الجزء: 1 - الصفحة: 537
................................
فلولا الضرورة لقال ضمنتهم.
وأما يزيدهم حبّا فمن قول الشاعر:
259 - وما أصاحب من قوم فأذكرهم... إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم 150
فهم الآخر فاعل يزيد.
قال المصنف: «وظن بعضهم أنّ هذا جائز في غير الشعر؛ لأن قائله لو قال يزيدونهم لصح.
فيجعل المتّصل وهو الواو فاعلا والمنفصل توكيدا، وهذا وهم؛ لأنّ ذلك جمع بين ضميرين متصلين لمسمى واحد أحدهما فاعل والآخر مفعول، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي» انتهى 151.
قال الشيخ: الذي ظنه هذا الظّان صحيح، وما ردّ به المصنف فاسد؛ لأنه اعتقد أنّ الفاعل بيزيد هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل بيزيد عائد على قوم.
وهم المتصل بيزيد عائد على من سبق ذكره في الشّعر من الّذين فارقهم.
فاختلف مدلول الفاعل والمفعول.
انتهى 152. - - ونسب إلى أمية بن أبي الصلت وليس في ديوانه.
وشاهده واضح من الشرح، ودهر الدهارير معناه الزمن الطويل.
وهو في شرح التسهيل (1/ 156)، وفي التذييل والتكميل (2/ 247)، وفي معجم الشواهد (ص 183).
الحديث: 259 - الجزء: 1 - الصفحة: 538
[مفسّر ضمير الغائب وتقديمه]
قال ابن مالك: (فصل: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلّا بدليل، وهو إمّا مصرّح بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما أو بذكر ما هو له جزء أو كلّ أو نظير أو مصاحب بوجه ما).
والذي ذكره الشيخ حق، وقد كان وقع لي هذا عند قراءة هذا الموضع، ولكن لما ذكره الشيخ تعين إسناده إليه.
قال ناظر الجيش: ما دل على الحضور وهو ضمير المتكلم والخطاب مستغن عن المفسر [1/ 169] اكتفاء بالمشاهدة المقارنة الدالة على المراد به.
وأما ضمير الغائب فليس له مشاهدة مقارنة فاحتاج لذلك إلى مفسر.
والأصل أن يكون المفسّر مقدما على ما يفسره، ولا يكون مؤخرا إلا في أبواب محصورة 153، فقول المصنف: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب يفهم منه شيئان:
أحدهما: أن ضمير الغائب لا بد له من مفسر، ويفهم منه أن ضمير الحضور مستغن عن ذلك.
والثاني: أن الأصل في المفسّر أن يكون مقدما على الضمير المفسّر.
وذكر المصنف والشيخ أن ضمير الحضور مفسر بالمشاهدة، والأمر في ذلك قريب والظاهر ما ذكرته 154.
ثم إذا تقدم على الضمير شيئان صالح كل منهما للتفسير - فالمفسّر هو الأقرب نحو: أكرمت زيدا وعمرا في داره، فالضمير لعمرو لقربه.
ولا يكون المفسّر غير الأقرب، إلا إن دل على ذلك دليل، ومثّله الشيخ بقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ 155، -
الجزء: 1 - الصفحة: 539
................................
فالضمير في ذريته عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا على يعقوب صلوات الله عليهم أجمعين؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها هو إبراهيم 156.
قال المصنف: «جعلوا تقديم مفسر الغائب خلفا عمّا فاته من مقارنة المشاهدة؛ ومقتضى هذا القصد تقديم الشعور بالمفسر كما يتقدم الشعور بذات يصلح أن يعبر عنها بضمير حاضر.
واللائق بالمفسر لكونه كجزء المفسر 157 في تكميل وضوحه أن يتصل به؛ فلذلك إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا، جعل للأقرب ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج» انتهى 158.
ولكون الضمير لا يعود إلا على الأقرب، قال الشيخ: «استدلّ ابن حزم على تحريم جميع الخنزير لحما وشحما وجلدا وغيرها بقوله تعالى: فَإِنَّهُ رِجْسٌ 159 بعد قوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ لما ألزم أن يقول بتحليل شحم الخنزير.
فجعل الضمير في فَإِنَّهُ عائدا على الخنزير؛ لأنّه أقرب مذكور، وإنما ذكر اللحم أولا لأنه هو المعهود أكله لمن يأكله لا على جهة حصر التحريم فيه» انتهى 160.
ثم المفسّر قد يستغنى عن ذكره، ويدل عليه ما يفهم من سياق الكلام، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما.
والأكثر كونه مذكورا، وقد يستغنى عن ذكره بذكر ما يدل عليه مما بينه وبينه نسبة للجزئية أو الكلية أو غيرهما كما سيأتي.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 540
................................ ولنرجع إلى لفظ الكتاب: وقوله: وهو إما مصرح بلفظه أي المفسّر، وذلك نحو: زيد لقيته. وقوله: أو مستغنى عنه أي مستغنى عن لفظه بحضور معناه في الحس كقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي 161، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ 162، أو بحضور معناه في العلم، كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 163، ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ 164، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ 165. وقوله: أو بذكر [1/ 170] ما هو له جزء أي: أو مستغنى عنه بذكر ما صاحب الضمير جزؤه، فهذا عائد على صاحب الضمير، والضمير في له عائد على المذكور، وذلك كقول الشاعر: 260 - أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر 166
الحديث: 260 - الجزء: 1 - الصفحة: 541
................................
وذكر الفتى مغن عن ذكر النفس؛ لأنها جزؤه، فعاد إليها فاعل حشرجت، والضمير المجرور بالياء ومنه قولهم: «من كذب كان شرّا له» 167 فأضمروا في كان ضمير الكذب؛ لأنه جزء مدلول كذب، ومثله قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى 168 فهذا عائد على العدل؛ لأنه جزء مدلول اعْدِلُوا.
ومنه قول الشاعر:
261 - وإذا سئلت الخير فاعلم أنّها... حسنى تخصّ بها من الرّحمن 169
فأعاد الضمير إلى المسألة؛ لأنها جزء مدلول سئلت.
ومنه قول الشاعر:
262 - إذا نهي السّفيه جرى إليه... وخالف والسّفيه إلى الخلاف 170
فالهاء من إليه عائد على السفه؛ لأنه جزء مدلول السفيه.
وقوله: أو كلّ أي: أو يذكر ما صاحب الضمير له أي للمذكور كل؛ فإن الجزء يدل على الكل كما يدل الكل على الجزء.
قال المصنف: ومن ذلك - والله أعلم - وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ 171؛ فإن الذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغنى ذكرهما عن ذكر الجميع، كأنه قيل: -
الحديث: 261 - الجزء: 1 - الصفحة: 542
................................
والذين يكنزون أصناف ما يكنز ولا ينفقونها.
ومن هذا أيضا قول الشاعر:
263 - ولو حلفت بين الصّفا أمّ معمر... ومروتها بالله برّت يمينها 172
فأعاد الضمير إلى مكة؛ لأن الصفا جزء منها.
وذكر الجزء مغن عن ذكر الكل في بعض الكلام.
ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ 173؛ فيكون الضمير للدنيا وإن لم يجر ذكرها في هذه السورة؛ لأن ما جرى ذكره بعضها، والبعض يدل على الكل.
وقوله: أو نظيره أي: ويذكر ما هو نظير لصاحب الضمير، ومثّلوه بقولهم:
عندي درهم ونصفه أي ونصف 174 درهم آخر، ومنه قول الشاعر:
264 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا 175... إلى حمامتنا أو نصفه فقد 176
أي: ونصف حمام آخر مثله في العدة.
-
الحديث: 263 - الجزء: 1 - الصفحة: 543
................................ وقول الآخر: 265 - وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم... ونحن خلعنا قيده فهو سارب 177 أي: قيد فحلنا. وقوله: أو مصاحب بوجه ما: قال المصنف: «وقد يستغنى عن ذكر صاحب الضّمير بذكر ما يصاحبه بوجه ما» وذكر لذلك صورا ثلاثا 178: الأولى: الاستغناء بمستلزم عن مستلزم، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ 179. فعفي يستلزم عافيا؛ فأغنى ذلك عن ذكره، وأعيدت الهاء من إليه عليه. ومن قول الشاعر [1/ 171]: 266 - فإنّك والتّأبين عروة بعد ما... دعاك وأيدينا إليه شوارع لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى... وطير المنايا فوقهنّ أواقع 180
الحديث: 265 - الجزء: 1 - الصفحة: 544
................................
فالحادي يستلزم إبلا محدوة، فأغنى ذلك عن ذكرهن، وأعاد ضمير فوقهن عليهن 181.
الثانية: الاستغناء بذكرها يصاحب صاحب الضمير ذكرا أو استحضارا، كذكر الخير وحده متلوّا بضمير اثنين مقصود بهما المذكور وضده، كقول الشاعر:
267 - وما أدري إذا يمّمت أمرا... أريد الخير أيهّما يليني 182
فأعاد الضمير على الشر أيضا وإن لم يذكر؛ لأنه يصاحب الخير في الذكر والاستحضار.
الثالثة: الاستغناء بذكر المصاحب في الاستحضار لا في الذكر، وذلك نحو قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ 183. فهي عائدة على الأيدي لأنها تصاحب الأعناق في الأغلال؛ فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها.
ومثله قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ 184 أي من عمر غير المعمر، فأعيد الضمير على غير المعمر؛ لأن ذكر المعمر مذكر به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني.
- - رجال شجعان.
وصار حال هؤلاء يشبه حال رجل له إبل سلمها للموت يأكلها واحدا بعد الآخر.
وقد استشهد شراح الألفية (الأشموني: 2/ 284) بالبيت الأول على عمل المصدر المقترن بأل وهو قليل، كما استشهد شراح التسهيل بالبيت الثاني على ذكر مصاحب بوجه ما على ما يعود إليه الضمير كما هو في الشرح.
وانظر البيتين في شرح التسهيل (1/ 158)، وفي التذييل والتكميل (2/ 257)، وفي معجم الشواهد (ص 223).
الحديث: 267 - الجزء: 1 - الصفحة: 545
[مفسّر ضمير الغائب وتأخيره جوازا]
قال ابن مالك: (وقد يقدّم الضّمير المكمّل معمول فعل أو شبهه على مفسّر صريح كثيرا إن كان المعمول مؤخّر الرّتبة، وقليلا إن كان مقدّمها، وشاركه صاحب الضّمير في عامله).
ثم ها هنا تنبيهان:
ناقش الشيخ المصنف في تمثيله بقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي 185، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ 186 لما لم يذكر مفسره، قال:
«فإنّ الضّمير في (هى) عائد على قوله: بِأَهْلِكَ سُوءاً 187 والضّمير في اسْتَأْجِرْهُ عائد على موسى صلّى الله عليه وسلّم.
فالمفسّر في الاثنين مصرّح بلفظه» انتهى 188.
الثاني: لم يجعل ابن عصفور الضمير في: عندي درهم ونصفه - عائدا على نظير المذكور كما قال المصنف؛ بل جعله عائدا على الدرهم المذكور باعتبار اللفظ، لا باعتبار المعنى، وكذا جعل الضمير في: نصفه فقد، وفي: ونحن
خلعنا قيده 189.
قال ناظر الجيش: قد تقدم الإعلام بأن مفسر الضمير قد يؤتى به مؤخرا عن الضمير، وإن كان ذلك على خلاف الأصل 190.
وينبغي أن يعلم أن الضمير منه ما يفسره ما بعده، فعلى هذا يكون تأخير المفسر في هذا القسم واجبا لا لأمر اقتضى وجوب تأخيره؛ بل لأن من الضمير ما وضعه أن يفسره ما بعده.
إذا تقرر هذا فيقال: إن تأخير المفسر منه واجب ومنه جائز.
وقد بدأ بذكر مواضع الجواز، وثنى بذكر مواضع الوجوب، وإذا عرفت مواضع -
الجزء: 1 - الصفحة: 546
................................
القسمين علم أن ما عداها باق على الأصل، فيمتنع فيه التأخير.
أما مواضع الجواز:
فاعلم أن المفسر [1/ 172] المؤخر إما أن يكون رتبته التقديم، وإما أن يكون رتبته التأخير، فهما قسمان:
أما القسم الأول: فإليه الإشارة بقوله: ويقدّم الضّمير المكمّل إلى قوله: إن كان المعمول مؤخر الرّتبة؛ لأن المعمول الذي اتصل به الضمير إذا كان مؤخر الرتبة كان المفسر عن ذلك الضمير مقدم الرتبة.
ومراده أنه يجوز تأخير المفسر كثيرا إذا كان الضمير مكملا معمول فعل، ورتبة ذلك المعمول التأخير عن المفسر المؤخر في اللفظ، ويدخل تحت هذه العبارة صور وهي:
ضرب غلامه زيد 191، وغلامه ضرب زيد، وضرب غلام أخيه زيد 192، وغلام أخيه ضرب زيد، وما أراد أخذ زيد 193، وضرب جارية يحبّها زيد 194.
لأن المضاف إليه يكمل المضاف، ومعمول الصلة يكمل الموصول، كما يكمل ما بفاعل أراد الممثل به، ومعمول الصفة يكمل الموصوف كما يكمل جارية بفاعل يحبها.
ونظير المثال الأول 195 قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى 196.
ونظير الثاني 197 قول العرب: في بيته يؤتى الحكم 198، وشتّى تؤوب -
الجزء: 1 - الصفحة: 547
................................ الحلبة 199. فإن: في بيته في موضع نصب بيؤتى، والهاء عائدة على الحكم، وقد تقدما على العامل والمفسر. وشتى حال من الحلبة، وفيها ضمير عائد عليهم، وقد تقدم على العامل والمفسر. قال المصنف: «والكوفيّون لا يجيزون مثل هذا، وسماعه من فصحاء العرب صحيح؛ فهو حجة عليهم» 200. ونظير المثال الرابع 201 قول الشاعر: 268 - شرّ يوميها وأغواه لها... ركبت عنز بحدج جملا 202 لأن شر يوميها ظرف لركبت. ونظير المثال الخامس 203 قول رجل: 269 - ما شاء إن شاء ربّي والّذي هو لم... يشأ فلست تراه ناشئا أبدا 204
الحديث: 268 - الجزء: 1 - الصفحة: 548
................................
ومثال الضمير المكمل معمول شبه الفعل قولك: هند ضارب غلامه زيد من أجلها، ومررت بامرأة ضارب غلامه أخوها.
ولا أعلم ممّاذا احترز بقوله: صريح.
وأما القسم الثاني: فإليه الإشارة بقوله: قليلا إن كان مقدّمها، أي: ويقدم الضمير المكمل معمول فعل أو شبهه على مفسر صريح قليلا إن كان المعمول مقدم الرتبة؛ لأن المعمول المكمل بالضمير إذا كان مقدم الرتبة كان المفسر الذي أخر عن ذلك الضمير مؤخر الرتبة، أي: واقع في رتبته التي هو فيها.
ومراده: أن تقديم الضمير على مفسره إذا كان بهذه الحيثية يقل لما يلزم منه من عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة؛ بخلاف القسم الأول؛ فإنه وإن عاد فيه الضمير على متأخر في اللفظ، فهو متقدم في الرتبة.
ومثال ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه يرثي مطعم بن عدي:
270 - ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا... من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما 205
[1/ 173] وقال غيره:
271 - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد... ورقّى نداه ذا النّدى في ذرا المجد 206
-
- في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 160)، والتذييل والتكميل (2/ 260)، وليس في معجم الشواهد.
الحديث: 270 - الجزء: 1 - الصفحة: 549
................................ وقال آخر: 272 - لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا... وكاد لو ساعد المقدور ينتصر 207 وقال آخر: 273 - لقد جاز من يعنى به الحمد إن أبى... مكافأة الباغين والسّفهاء 208 وقال آخر: 274 - وما نفعت أعماله المرء راجيا... جزاء عليها من سوى من له الأمر 209 وأنشد ابن جني: 275 - ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه... زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب 210
-
- والمعنى: صاحب الحلم يسود قومه لعفوه عنهم، وكذلك الكريم لجوده عليهم.
وشاهده: كما في البيت قبله: عود الضمير من الفاعل (حلمه) إلى المفعول (ذا الحلم).
والبيت في شرح التسهيل (1/ 161)، وفي التذييل والتكميل (2/ 260)، وفي معجم الشواهد (ص 110).
- والمعنى: صاحب الحلم يسود قومه لعفوه عنهم، وكذلك الكريم لجوده عليهم.
الحديث: 272 - الجزء: 1 - الصفحة: 550
................................
وأنشد أيضا:
276 - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر... وحسن فعل كما يجزى سنمّار 211
قال المصنف 212: «والنّحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامه زيدا أسهل من جواز نحو: ضربوني وضربت الزّيدين، ونحو: ضربته زيدا على إبدال زيد من الهاء.
وقد أجاز الأول البصريون 213 وأجيز الثاني بإجماع حكاه ابن كيسان 214. - - ومعنى البيت: يقول أبو جندب: على قوم زهير أن يلوموا زهيرا؛ فإنه السبب في إيذائي لهم واعتدائي عليهم.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 161)، وفي التذييل والتكميل (2/ 261)، وفي معجم الشواهد (ص 56).
ترجمة أبي جندب: هو أبو جندب بن مرة، أحد شعراء هذيل المعدودين، وهو أخو عروة وأخو خويلد بن مرة المشهور بأبي خراش الذي سبقت ترجمته.
وانظر ترجمة أبي جندب وأخباره في الشعر والشعراء (2/ 668).
الحديث: 276 - الجزء: 1 - الصفحة: 551
................................
وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدا، من تقديم ضمير على مفسّر مؤخر الرتبة؛ لأن مفسر واو ضربوني معمول معطوف على عاملها، والمعطوف ومعموله أمكن في استحقاق التّأخر من المفعول بالنسبة إلى الفاعل؛ لأن تقديم المفعول على الفاعل يجوز في الاختيار كثيرا، وقد يجب 215، وتقديم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت الزّيدين - أن يحكم بأولية جواز: ضرب غلامه زيدا لما ذكرناه.
وكذلك يلزم من أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفسر له غيره نحو: ضربته زيدا، واللهمّ صلّ عليه الرءوف الرحيم؛ لأن البدل تابع والتابع مؤخر بالرتبة، ومؤخر في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك؛ إذ لا يلزم تأخره» انتهى 216.
وقال في شرح الكافية: الفعل المتعدّي يدلّ على فاعل ومفعول؛ فشعور الذهن بهما مقارن لشعوره بمعنى الفعل، فإذا افتتح كلام بفعل ووليه مضاف إلى ضمير - علم أن صاحب الضمير فاعل إن كان المضاف منصوبا، ومفعول إن كان المضاف مرفوعا، فلا ضرر في تقديم الفاعل المضاف إلى ضمير المفعول، كما لا ضرر في تقديم المفعول المضاف إلى ضمير الفاعل 217.
قال الشيخ 218: «وأجاز ذلك قبل أبي الفتح من الكوفيّين أبو عبد الله الطّوال» 219.
قال الشيخ: «ولعمري إنه قد كثر مجيء ذلك في الشعر، فالأحوط جوازه في الشّعر دون الكلام.
وقد رام بعض النحويين تأويل ذلك كله، والتأويل فيه بعد» -
الجزء: 1 - الصفحة: 552
................................
انتهى 220.
ومثال الضمير المكمل معمول شبه الفاعل في هذا القسم قولك: هند ضارب غلامه زيدا من أجلها [1/ 174].
وأما قول المصنف: وشاركه صاحب الضّمير في عامله - فهو قيد في جواز المسألة والمعنى، وشارك المعمول للفعل أو شبهه صاحب الضمير أي المفسر في عامله، أي: ويكون صاحب الضمير معمولا للعامل الذي عمل في المعمول المكمل بالضمير كالأمثلة المتقدمة 221.
فلو لم تحصل المشاركة المذكورة لم يجز التقديم؛ نحو: ضرب غلامها جار هند؛ لأن هند مؤخر الرتبة من جهتين 222. ولا تعلق لها بضرب بخلاف ضرب غلامها هندا؛ فإن صاحب الضمير في هذا المثال قد شارك المكمل بالضمير في عامله، وصاحب الضمير في المثال الأول وهو ضرب غلامها جار هند - غير مشارك له في العامل.
وهذا بخلاف ما إذا كان المعمول المكمل بالضمير مؤخر الرتبة؛ فإنه لا يشترط مشاركة صاحب الضمير له في العامل، فيجوز أن يقال: ضرب غلامها جار هند، ومنهم من منع التقديم في ذلك أيضا.
فعلى هذا إذا اتصل الضمير العائد على الفاعل بالمفعول، فقد يشارك الفاعل المفعول في العامل وقد لا يشاركه.
وإذا اتصل الضمير العائد على المفعول بالفاعل، فقد يشارك المفعول الفاعل في العامل، وقد لا يشاركه أيضا.
فالصور أربع: - - وأبو عبد الله الطوال: هو محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي، من أهل الكوفة، أحد أصحاب الكسائي، حدث عن الأصمعي وقدم بغداد، وسمع عنه أبو عمرو الدوري المقرئ.
قال ثعلب عنه: كان حاذقا بإلقاء العربية.
توفي سنة (243 هـ). (انظر ترجمته في بغية الوعاة: 1/ 50).
الجزء: 1 - الصفحة: 553
[مفسّر ضمير الغيبة وتأخره لزوما]
قال ابن مالك: (ويتقدّم أيضا غير منويّ التّأخير إن جرّ بربّ، أو رفع بنعم، أو شبهها، أو بأوّل المتنازعين، أو أبدل منه المفسّر، أو جعل خبره، أو كان المسمّى ضمير الشّأن عند البصريّين [1/ 175]، وضمير المجهول عند الكوفيّين).
الأولى: ضرب غلامه زيد وهي جائزة بلا خلاف 223.
الثانية: ضرب غلامها بعل هند وفيها خلاف.
فالمجيز يقول: لما عاد الضمير على ما أضيف إليه الفاعل، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد - كان بمنزلة عود الضمير على الفاعل.
والمانع نظر إلى تأخر مفسر الضمير لفظا ورتبة، مع عدم تعلق الفعل به، فمنع.
لكن الصحيح الجواز، وقد أفهمه كلام المصنف؛ لأنه لما قال: إن كان المعمول مؤخر الرّتبة لم يعتد بالمشاركة، كما فعل في المسألة الثانية بل أطلق.
الثالثة: ضرب غلامه زيدا وقد علمت أنها ممنوعة 224 إلا عند أبي الفتح والمصنف.
الرابعة: ضرب غلامها بعل هند، وهي ممنوعة بلا خلاف.
وقد تقدم ذكر علة المنع 225.
وقال المصنف: «ومما حكم بجوازه لشبهه بضرب غلامه زيدا: ضربت جارية يحبّها زيدا، فتقدم يحبها وهو مسند إلى ضمير يعود إلى زيد، وإن كان متأخرا لفظا ورتبة؛ لأن يحبّها مكمل لجارية؛ إذ هو صفتها، فجاز تأخر مفسر ضميرها، كما جاز تأخّر مفسر الضمير المضاف إليه في نحو: ضرب غلامه زيدا» 226.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المفسر الجائز التأخير شرع في ذكر المفسر الواجب التأخير.
وأفاد قول المصنف ويتقدم أيضا غير منويّ التّأخير أن الضمائر
الجزء: 1 - الصفحة: 554
................................ التي يذكرها موضوعة على أن يفسرها ما بعدها، فرتبتها أن تكون مقدمة على المفسر. وذكر أن الضمير يفسره ما بعده في ستة مواضع: الأول: المجرور برب، مثاله قول الشاعر: 277 - واه رأبت وشيكا صدع أعظمه... وربّه عطبا أنقذت من عطبه 227 الثاني: المرفوع بنعم أو شبهها يعني ببئس 228 مثاله قول الشاعر: 278 - نعم امرأ هرم لم تعر نائبة... إلّا وكان لمرتاع بها وزرا 229 الثالث: المرفوع بأول المتنازعين 230 مثاله قول الشاعر: 279 - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنني... لغير جميل من خليلي مهمل 231
الحديث: 277 - الجزء: 1 - الصفحة: 555
................................
الرابع: ما أبدل منه مفسره، كقوله: اللهمّ صلّ عليه الرّءوف الرّحيم 232، حكاه الكسائي.
وذكر ابن عصفور أن في ذلك خلافا، وأن الأخفش يجيزه وغيره يمنعه، وأن الصحيح الجواز 233.
الخامس: ما جعل المفسر خبرا له، ومثال قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا 234.
قال الزمخشري: «هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلّا بما يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدلّ عليها ويبيّنها.
قال: ومنه: هي النّفس تحمل ما حمّلت، وهي العرب تقول ما شاءت» 235.
قال المصنف: «وهذا من جيد كلامه، وفي تنظيره بهي النّفس وهي العرب - ضعف لإمكان جعل النّفس والعرب بدلين، وتحمل وتقول خبرين» انتهى 236.
ومفسر هذه الخمسة مفرد.
ولكل واحد منها موضع إن شاء الله تعالى 237.
وأما السادس: فمفسره جملة كما سيأتي: وهو ضمير الشأن إن ذكر لفظه، - - اللغة: جفوني: من الجفاء وهو ترك المودة أو فعل السوء.
الأخلاء: الأصدقاء.
المعنى: يفتخر الشاعر بمروءته وطيب نفسه، فهو يحمل للناس الحب وللأصدقاء الإخلاص، ويتجنب كل فعل قبيح يسوءهم، أما هم فيفعلون به غير ذلك.
وشاهده: عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأنه مرفوع بأول الفعلين المتنازعين اسما واحدا.
والمسألة فيها خلاف مشهور بين النحاة مذكور في باب التنازع.
والبيت في معجم الشواهد (ص 282)، وفي شرح التسهيل (1/ 163)، وفي التذييل والتكميل (2/ 267).
الجزء: 1 - الصفحة: 556
[ضمير الشأن وأحكامه]
قال ابن مالك: (ولا يفسّر إلّا بجملة خبريّة مصرّح بجزأيها؛ خلافا للكوفيّين في نحو: ظننته قائما زيد، وإنه ضرب أو قام).
نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 238. وضمير القصة إن أنث لفظه، نحو: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ 239، وهذا عند البصريين، وسماه الكوفيون ضمير المجهول؛ لأنه لا يدرى عندهم ما يعود عليه 240. وإنما يفتتح المتكلم كلامه بالضمير المذكور إذا قصد أن يستعظم السامع حديثه قبل الأخذ فيه.
ولا خلاف في أنه اسم يحكم على موضعه بالإعراب على حسب العامل.
وزعم ابن الطراوة 241 أنه حرف، وأنكر كونه اسما، وفي كلام الشيخ جنوح إلى مذهبه 242 وليس هذا مما يتشاغل به 243.
واعلم أن ضمير الشأن كما خالف بقية الضمائر في أنه لا يفسر بمفرد، خالفها أيضا في أنه لا يعطف عليه، ولا يؤكد، ولا يبدل منه، ولا يتقدم خبره عليه 244.
قال ناظر الجيش: شرط الجملة المفسّرة للضمير المذكور المخبر به عنه، أن تكون خبرية، فلا تكون إنشائية ولا طلبية، وأن يكون مصرحا بجزأيها، فلا يجوّز -245246247248249
الجزء: 1 - الصفحة: 557
[أحكام أخرى تخص ضمير الشأن]
قال ابن مالك: (وإفراده لازم وكذا تذكيره ما لم يله مؤنّث، أو مذكّر شبيه به مؤنّث، أو فعل بعلامة تأنيث، فيرجّح تأنيثه باعتبار القصة على تذكيره باعتبار الشّأن).
البصريون حذف بعض الجمل المذكورة؛ لأنها مؤكدة له، ومدلول به على فخامة مضمونها.
واختصارها مناف لذلك؛ فلا يجوز [1/ 176] كما لا يجوز ترخيم المندوب، ولا حذف حرف النداء قبله.
قال المصنف 250: «وبهذا يعلم أنّ ما أجازه الكوفيّون من: إنّه ضرب، وإنّه قام ونحوهما - غير مستقيم ولا سليم؛
لافتتاحه بمزيد الاعتناء بالمحدّث عنه، واختتامه بحذف ما لا بدّ منه» 251.
وأما تجويزهم نحو: ظننته قائما زيد، على أن يكون الهاء ضمير الشأن - فمردود أيضا؛ لأن سامعه يسبق إلى فهمه كون زيد مبتدأ مؤخرا، وكون ظننت ومفعوليها خبرا مقدما، وذلك مفوت للغرض الذي لأجله جيء بضمير الشأن؛ لأن من شرطه عدم صلاحية الضمير لغير ذلك، حتى يحصل به من فخامة الأمر ما قصده المتكلم.
قال ناظر الجيش: لا يجوز أن يكون ضمير الشأن مثنّى ولا مجموعا؛ لأنه كناية عن الشأن في التذكير، وعن القصة في التأنيث، وهما مفردان، فوجب إفراد ما هو كناية عنهما، فيقال: إنه أخواك منطلقان، وإنها جاريتاك حسنتان، وإنه إخوتك صالحون، وإنها إماؤك مطيعات.
ولا تؤنث إلا إذا وليه مؤنث، كقوله تعالى:
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا 252، أو مذكر شبه به مؤنث نحو:
«إنّها قمر جاريتك» 253، أو فعل بعلامة تأنيث مسند إلى مؤنث، كقوله تعالى: -
الجزء: 1 - الصفحة: 558
................................ فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ 254. ومثله قول الشاعر: 280 - على أنّها تعفو الكلوم وإنّما... يوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي 255 فهذا وأمثاله التأنيث فيه أجود من التذكير؛ لأن مع التأنيث مشاكلة تحسن اللفظ مع كون التأنيث لا يختلف؛ إذ القصة والشأن بمعنى واحد، والتذكير مع ذلك جائز، كما قال أبو طالب: 281 - وإلّا يكن لحم غريض فإنّه... تكبّ على أفواههنّ الغرائر 256 وكما قال غيره: 282 - نخلت له نفسي النّصيحة إنّه... عند الشّدائد تذهب الأحقاد 257
الحديث: 280 - الجزء: 1 - الصفحة: 559
................................
فلو كان المؤنث الذي في الجملة بعد مذكر لم يشبه به مؤنث فضلة أو كالفضلة - لم يكترث بتأنيثه فيؤنث لأجله الضمير، بل حكمه حينئذ التذكير، كقوله تعالى:
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ 258.
وكقول الشاعر:
283 - ألا إنّه من يلع عاقبة الهوى... مطيع دواعيه يبؤ بهوان 259
وكذلك لا يكترث بتأنيث ما ولي الضمير من مؤنث شبه به مذكر، نحو «إنّه شمس وجهك» ولا بتأنيث فاعل فعل ولي الضمير بلا علامة تأنيث، نحو «إنّه قام جاريتك» هذا كله كلام المصنف 260.
وقال الشيخ 261: «أصحابنا ذكروا أن ضمير الأمر أو القصة يجوز أن يأتي بعدهما المذكّر والمؤنث، فتقول: هو زيد قائم، وهي زيد قائم، وهي هند ذاهبة، وهو هند ذاهبة [1/ 177] قال: وأما الكوفيون فزعموا أن المخبر عنه إن كان مذكرا فالضمير ضمير أمر، أو مؤنثا فالضمير ضمير قصة، ولا يجوز عندهم خلاف ذلك، وقد رد عليهم بقراءة من قرأ: أولم تكن لهم آية أن يعلمه علمؤا بنى إسرائيل 262.
فآية خبر مقدم لأن يعلمه، وأن يعلمه هو المبتدأ، وهو مذكر، والضمير في تكن - - عويف هذا ثم طلقها فعاداه عويف.
ولما سجن الحجاج عيينة في جبايات له وصله عويف وعطف عليه، وقال هذه المقطوعة.
وانظر القصة بالتفصيل وبقية الأبيات في الأمالي (2/ 218)، والتنبيه على الأمالي (ص 119)، وشرح ديوان الحماسة (1/ 263). وشاهده كالذي قبله، والبيت ليس في معجم الشواهد، وهو في شرح التسهيل (1/ 164)، وفي التذييل والتكميل (2/ 277).
الحديث: 283 - الجزء: 1 - الصفحة: 560
[حكم ضمير الشأن من بروزه أو استتاره]
قال ابن مالك: (ويبرز مبتدأ واسم ما، ومنصوبا في بابي إنّ وظنّ، ويستكنّ في بابي كان وكاد).
ضمير قصة 263 ويقول العرب: إنّه أمة الله ذاهبة 264.
قال ناظر الجيش: ضمير الشأن لا بد أن يكون معمولا للابتداء، أو أحد نواسخه، وهي كان وإن وظن أو إحدى أخواتهن، والجملة بعده متممة لمقتضى العامل، وهو بمنزلة ضمير غائب تقدم ذكره؛ فلذلك يستتر مرفوعا بكان أو كاد أو إحدى أخواتهما، كما يستتر ما ارتفع بهما من ضمير غائب تقدم ذكره، ويبرز إذا كان مبتدأ أو اسم ما أو منصوبا بإن أو ظن أو إحدى أخواتهما، وبروزه مبتدأ كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 265.
وذكر صاحب البسيط خلافا في المبتدأ: هل يكون ضمير شأن أو لا؟ وذكر أن الفراء وأبا الحسن منعا ذلك 266. وقد خرج قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يتكلمون في توحيد الله، فقيل لهم: هو أي التوحيد الله أحد.
الثاني: أن (أحد) بدل من اسم الله تعالى 267. -
الجزء: 1 - الصفحة: 561
................................ وبروزه اسما لما كقول الشاعر: 284 - وما هو من يأسو الكلوم وتتّقى... به نائبات الدّهر كالدّائم البخل 268 وبروزه في باب إن كقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ 269. وبروزه في باب ظن كقول الشاعر: 285 - علمته الحقّ لا يخفى على أحد... فكن محقّا تنل ما شئت من ظفر 270 واستكنانه في باب كان كقول الشاعر: 286 - إذا متّ كان النّاس صنفان شامت... وآخر مثن بالّذي كنت أصنع 271
الحديث: 284 - الجزء: 1 - الصفحة: 562
أسباب بناء الضمائر
قال ابن مالك: (وبني المضمر لشبهه بالحرف وضعا، وافتقارا، وجمودا، أو للاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني.
وأعلاها اختصاصا ما للمتكلّم وأدناها ما للغائب، ويغلّب الأخصّ في الاجتماع).
واستكنانه في باب كاد، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ 272 في قراءة حمزة وحفص؛ فإنهما قرءا يزيغ بالياء، فهو مستند إلى قلوب، والجملة التي من الفعل والفاعل خبر كاد، واسم كاد ضمير الأمر 273.
قال ناظر الجيش: ذكر لبناء المضمر سببين:
أحدهما: شبه الحرف.
والثاني: الاستغناء عن الإعراب لعدم الحاجة فيه.
وجعل شبهه للحرف في ثلاثة أمور: الوضع والافتقار والجمود.
ومراده أن كلّا من هذه الأمور مستقل بالعلية، كما أن مجموعها علة واحدة.
والمراد بشبه الحرف وضعا: كون بعض المضمرات على حرف واحد، كتاء فعلت وكاف حديثك.
وعلى حرفين كنا، وما كان [1/ 178] من المضمرات على أكثر من حرفين فمحمول على غيره؛ لأن ما هو على أقل من ثلاثة منها فهو أصل أو كالأصل، وأيضا كأنهم قصدوا جري الباب على سنن واحد.
- - هي الشّفاء لدائي لو ظفرت به... وليس منها شفاء الدّاء مبذول وانظر بيت الشاهد في معجم الشواهد (ص 217)، وهو في شرح التسهيل (1/ 165)، وفي التذييل والتكميل (2/ 282). ترجمة الشاعر: هو عمير بن عبد الله من بني سلول بنت ذهل بن شيبان، ولقبه عجير، ويكنى بأبي الفرزدق وأبي الفيل، عاش أيام عبد الملك بن مروان، فهو شاعر إسلامي يحتج بشعره، وجعله ابن سلام في شعراء الطبقة الخامسة من الإسلاميين، وقد أورد له أبو تمام مختارات في الحماسة.
توفي سنة (90 هـ). ترجمته في الأعلام للزركلي (5/ 5).
الجزء: 1 - الصفحة: 563
................................
والمراد بالافتقار: كون المضمر لا تتم 274 دلالته على مسماه إلا بضميمة من مشاهدة أو ما يقوم مقامها؛ فأشبه بذلك الحرف؛ لأنه لا يفهم معناه بنفسه بل بضميمة.
والمراد بالجمود: عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى ياء التصغير، وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات 275.
وأما الاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني: فالمراد به أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة فله تاء مضمومة في الرفع وفي غيره ياء، وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث؛ فأغنى ذلك عن إعرابه، لأن الامتياز حاصل بدونه.
قال الشيخ: «وهذا ليس بشيء؛ لأنّ المعاني الّتي جيء بالإعراب لأجلها هي الفاعليّة والمفعوليّة والإضافة، وليست هذه الأحوال التي عرضت للمضمر من التكلم والخطاب والغيبة تدلّ على شيء من المعاني الإعرابية؛ فلا يصح الاستغناء عنها بهذه الأحوال؛ لأنّها تدلّ عليها» انتهى 276.
وما قاله حق أن لو كان اختلاف صيغ المضمر إنما هو للدلالة على التكلم وقسيميه؛ لكن الدال منه على التكلم للمرفوع منه صيغة، وكذا للمنصوب والمجرور أيضا.
وكذا الدال على الخطاب والدال على الغيبة.
والمضمر وإن انقسمت صيغه بالقسمة الأولى إلى الدلالة على التكلم والخطاب والغيبة، فهي منقسمة بالقسمة الثانية إلى ما هو للمرفوع وللمنصوب والمجرور، وقد اختلفت صيغه لاختلاف المعاني الثلاثة التي جيء بالإعراب لأجلها.
وأما قول المصنف: وأعلاها اختصاصا أي أعلى الضمائر، فقد تقدمت الإشارة إليه في أول باب المعرفة والنكرة حيث قال: -
الجزء: 1 - الصفحة: 564
ضمير الفصل وأحكامه
قال ابن مالك: (من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا، وعند الكوفيين عمادا، ويقع بلفظ المرفوع المنفصل مطابقا لمعرفة قبل - باقي الابتداء أو منسوخه - ذي خبر بعد، معرفة أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللّام عليه).
وأعرفها ضمير المتكلم، ولكن ذكر هنا ليرتب عليها الحكم المذكور بعد، وهو قوله: ويغلّب الأخصّ في الاجتماع، والمراد بذلك أنك تقول: أنا وأنت فعلنا، وأنت وهو فعلتما، ولا يغلب غير الأخص، فيقال في الأول فعلتما وفي الثاني فعلا 277.
قال ناظر الجيش: الضمير المسمى فصلا عند البصريين، وعمادا عند الكوفيين كهو من قولك: حسبت زيدا هو الكريم.
فسمي فصلا للفصل به بين شيئين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولانفصال السامع عن توهم الخبر تابعا.
وسمي عمادا لأنه معتمد عليه في تقرير المراد ومزيد البيان 278.
وذكر التابع أولى من ذكر النعت [1/ 179]، لأن الضمير المشار إليه قد يقع بعد ما لا ينعت وقبل ما لا ينعت به، نحو: حسبتك أنت القائم، وحسبت القائم هو زيدا.
ولا بد من مطابقته لما قبله في حضوره وغيبته، وتذكيره وتأنيثه، وإفراده وتثنيته وجمعه.
ولا يكون ما قبله إلا معرفة إلا عند بعضهم، فإنه أجاز تنكيره كما سيأتي 279. -
الجزء: 1 - الصفحة: 565
[استثناء من بعض أحكام الضمير]
قال ابن مالك: (وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين، وربّما وقع بين حال وصاحبها، وربّما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر قائم مقام مضاف).
ولا يكون عند غير الأخفش إلا مبتدأ، وما كان مبتدأ ثم دخل عليه نواسخ الابتداء وإلى هذا كله الإشارة بقوله: مطابقا لمعرفة قبل، باقي الابتداء أو منسوخه.
وأما ما بعد الضمير فلا يكون إلا معرفة أو مضارعا لها في عدم قبول حرف التعريف، كحسبتك أنت مثله أو خيرا منه، ولو أوقع قبل نكرة فقبل حرف التعريف لم يجز.
قال سيبويه 280: «واعلم أن هذا لا يحسن أن يكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة مما قال ولم تدخله الألف واللام فضارع زيدا وعمرا نحو قولك: خير منك ومثلك وأفضل منك وشرّ منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة أو ما ضارعها، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها، فلو قلت: كان زيد هو منطلقا كان قبيحا حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك من المعرفة أو ما ضارعها من النكرة، مما لا يدخله الألف واللام» انتهى 281.
وقال المصنف: وقلت: مطابقا لمعرفة قبل، ذي خبر بعد ليعلم أنه لو قدم الخبر لاستغني عنه 282.
قال ناظر الجيش: هذه ثلاث مسائل، وهي كالاستثناء من الضوابط الكلية المتقدمة.
أما الأولى: وهي وقوع ضمير الفصل بين نكرتين، فكالاستثناء من قوله:
لمعرفة قبل.
ومثاله: ما أظن أحدا هو خيرا منك، فإن أحدا بما فيه من العموم شبيه بالمعرف باللام الجنسية، وخيرا منك شبيه معرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه.
وحكى سيبويه «أن أهل المدينة يجيزون الفصل بين نكرتين كهاتين، وروي عن يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا» وقال سيبويه: «لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، -
الجزء: 1 - الصفحة: 566
................................
كما أنّه لا يكون وصفا ولا بدلا لنكرة» انتهى 283.
وقد ذكر عن جماعة من النحويين موافقة أهل المدينة في ذلك 284.
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ 285. قال:
فأربى في موضع نصب 286.
وأما الثانية: وهي وقوع ضمير الفصل بين حال وصاحبها، فكالاستثناء من قوله: باقي الابتداء أو منسوخه، ومثال ذلك حكاية الأخفش عن بعض العرب أنه يأتي بالفصل بين الحال وصاحبها، فيقول: ضربت زيدا هو ضاحكا 287.
وعلى هذه اللغة قرأ بعضهم: (هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) 288 بنصب أطهر.
قال الشيخ: «اختلفوا في دخولها بعد تمام الكلام نحو: هذا زيد هو خيرا -
الجزء: 1 - الصفحة: 567
................................
منك، فأجاز عيسى 289 ذلك، وقرأ (هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) بالنصب، وهذا لحن عند الخليل وسيبويه [1/ 180].
قالوا: ولو جاز هذا لجاز ضربت زيدا هو أفضل منك، قالوا: وهذا خطأ على كلّ علّة قيلت في المجيء بالفصل، وزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا» انتهى 290.
وأما الثالثة: وهي وقوعه بلفظ الغيبة بعد حاضر، فكالاستثناء من قوله: مطابقا.
ومثاله قول الشاعر:
287 - وكائن بالأباطح من صديق... يراني إن أصبت هو المصابا 291
قال المصنف: «تقديره عند أكثرهم: يرى مصابي إن أصبت هو المصابا، فحذف المضاف إلى الياء وأقامه في اللّفظ مقامه، وطابق الفصل المحذوف لا الثّابت» انتهى 292.
والظاهر أن معنى البيت أن المتكلم إذا أصيب، فإن صديقه يرى أنه نفسه هو -
الحديث: 287 - الجزء: 1 - الصفحة: 568
مسائل وأحكام أخرى لضمير الفصل
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم مع الخبر المقدّم خلافا للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصحّ، وإنّما يتعيّن فصليته إذا وليه منصوب وقرن باللّام، أو ولي ظاهرا، وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب).
المصاب لا أن الصديق يرى مصاب المتكلم هو المصاب 293.
وذكر الشيخ عن العكبري 294 أنه قال: «هو توكيد للفاعل في يراني، وفصل به بين المفعولين، والأول محذوف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمضاف مصدر؛ أي يظنّ مصابي هو المصاب يحقر كلّ مصاب دونه» انتهى 295.
وما قاله العكبري أقرب مما قاله المصنف.
قال ناظر الجيش: هذه أربع مسائل:
الأولى: أن ضمير الفصل لا يؤتى به مع الخبر المقدم بل يترك، قال المصنف:
«لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعا لزم من ذلك الاستغناء عنه إذا قدّم الخبر؛ لأنّ تقدمه يمنع من توهمه تابعا؛ إذ التابع لا يتقدم على المتبوع.
فلو قدم المفعول الثاني في حسبت زيدا هو خيرا منك - لترك الفصل لعدم الحاجة إليه مع كونه في محلّه؛ فلأن يترك ولا يجاء به قبل الخبر المقدم أحقّ وأولى، فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائيّ من ذلك» انتهى 296. -
الجزء: 1 - الصفحة: 569
................................
ولو قال المصنف: ولا يؤتى به مع الخبر المقدّم - لكان أولى من قوله:
ولا يتقدّم.
ومن فروع هذه المسألة أنه إذا تقدم مفعولا ظننت عليها جاز أن يأتي الفصل بينهما نحو: زيدا هو القائم ظننت.
فإن توسطت ظننت بين المفعولين نحو:
زيدا ظننت هو القائم، قال الشيخ: ففي جواز ذلك نظر 297.
المسألة الثانية: هل لضمير الفصل موضع من الإعراب أو لا؟
وقد اختلف النحويون أولا في صيغ ضمير الفصل، فالأكثرون 298 على أنها حروف وأنها تخلصت للحرفية، كما تخلصت الكاف التي في أكرمك للخطاب مع أسماء الإشارة في نحو ذلك.
قال المصنف في شرح الكافية:
«وإذا لم يكن له موضع من الإعراب فالحكم عليه بالحرفية غير مستبعد» انتهى 299.
وذهب الخليل 300 ووافقه جماعة إلى أنها باقية على الاسمية.
ورجح ابن عصفور مذهب الأكثرين 301 واستدل على الخليل بأنها لا موضع لها من الإعراب، قال: لو كانت أسماء لكان لها موضع من الإعراب.
وقد ردّ على ابن عصفور 302 [1/ 181] بأنه لا يلزم من كونها لا موضع لها من الإعراب نفي اسميتها؛ لأن ذلك نفي عارض من العوارض عنها، ونفي ما يعرض لا ينتفي به الأصل إنما ينتفي الشيء بانتفاء وضعه الذي أتى له.
- - الجواز عن الكسائيّ مختلف فيه عن الكسائيّ، فالّذي حفظ عنه هشام المنع، والذي حكاه الفراء وغيره عنه الجواز.
والمنع قول البصريين وهشام والفرّاء» (التذييل والتكميل: 2/ 298).
الجزء: 1 - الصفحة: 570
................................
والصحيح: ما ذهب إليه الخليل من أنها أسماء ولا موضع لها من الإعراب؛ إذ لا يحتاج إلى ذلك في كل موضع؛ لأن حقيقة الاسمية ثابتة في كل منها، وهي الدلالة على المسمى مثل سائر الأسماء.
وإذا ثبت أنه من الأسماء فلا بعد في أن يكون ضميرا؛ إذ دلالته بكناية كسائر الضمائر.
ثم القائلون باسمية ضمير الفصل اختلفوا: هل له موضع من الإعراب أو لا؟
فالبصريون على أنه لا موضع له 303، لأن الغرض به الإعلام من أول وهلة؛ ليكون الخبر خبرا لا صفة فاشتد شبهه بالحرف، إذ لم يجأ به إلا لمعنى في غيره، فلم يحتج إلى موضع من الإعراب، ولأنه لو كان له موضع من الإعراب لكان إياي أولى من أنا في نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ 304، ولكان إياه أولى من هو في نحو:
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً 305.
والكوفيون يرون أن له موضعا من الإعراب، فله عند الكسائي ما لما بعده، وله عند الفراء ما لما قبله: فإذا قلت: زيد هو القائم فهو في موضع رفع على مذهبيهما، وإذا قلت: ظننت زيدا هو القائم فهو في موضع نصب، وإذا قلت: كان زيد هو القائم فهو عند الكسائي في موضع نصب، وعند الفراء في موضع رفع 306.
وقد تبين أن مختار المصنف أن الفصل لا موضع له من الإعراب، لكن لم يشعر -
الجزء: 1 - الصفحة: 571
................................
كلامه بحرفيته إلا ما نقلته عنه من شرح الكافية من أنه لا يستبعد القول بذلك إن قيل به.
وأما كلامه في التسهيل فيشعر باسميته لقوله: من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا.
فظاهر هذه العبارة أن صيغ الفصل عنده من المضمرات.
وإذا كان كذلك تعين القول باسميتها، ودل كلامه في الشرح على أن القائلين بأن له موضعا يجعلونه توكيدا لما قبله.
ورد عليهم بقول سيبويه 307: «لو كان كذلك لجاز مررت بعبد الله هو نفسه»، وبأنه قال 308: «إن كان زيد لهو الظّريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين».
قال سيبويه 309 «فالعرب تنصب هذا والنّحويّون أجمعون، ولا يكون هو ونحن صفة ومعها اللّام».
يعني بالصفة التوكيد.
ثم قال سيبويه 310: «فصارت هو وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنّها لا تغيّر ما بعدها عن حالته قبل أن تذكر» انتهى.
وأشعر كلام سيبويه بأن الفصل لا موضع له من الإعراب.
المسألة الثالثة: في تعيين ذلك الضمير للفصلية:
وذكر أنه يتعين فصليته في صورتين:
إحداهما: إذا ولي ذلك الضمير منصوب وقرن الضمير باللام ظاهرا كان ذو الخبر أو ضميرا، نحو: - - توكيدا وكما أنك إذا قلت جاءني زيد نفسه كان تابعا لزيد في إعرابه، فكذلك العماد إذا قلت زيد هو العاقل، يجب أن يكون تابعا في إعرابه.
وأما الذين ذهبوا بأنه لا موضع له من الإعراب وهم البصريون؛ لأنه إنما دخل لمعنى وهو الفصل بين النعت والخبر كما تدخل الكاف في ذلك وتلك وتثنى وتجمع ولا حظ لها في الإعراب، وما تكون للتوكيد ولا حظ لها في الإعراب.
وردوا رأي الكسائي القائل بأن محله ما بعده، قالوا: هذا باطل؛ لأنه لا تعلق له بما بعده لأنه كناية عما قبله.
وردوا على رأي الفراء القائل: محله ما قبله لأنه توكيد، قالوا: هذا باطل أيضا؛ لأن المكني لا يكون تأكيدا للمظهر في شيء من كلامهم.
(الإنصاف: 2/ 706).
الجزء: 1 - الصفحة: 572
................................
إن كان زيد لهو الفاضل، وإن كنت لأنت الفاضل، وإن ظننت زيدا لهو الفاضل، وإن ظننتك لأنت الفاضل.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة لامتناع حمله [1/ 182] على غير الفصلية، وذلك لأن الابتدائية فيه تمتنع لنصب الواقع بعده، وكذا البدلية والتأكيد؛ لأن اللام المذكورة لا يفصل بها بين التابع والمتبوع، وإذا امتنع كونه مبتدأ وتابعا تعين كونه فصلا.
الصورة الثانية: إذا ولي ذلك الضمير منصوبا أيضا كما في الأولى ولم يقرن هو باللام، لكن ولي ظاهرا نحو: ظننت زيدا هو القائم، فقول المصنف: أو ولي معطوف على قوله: وقرن باللّام لا على قوله: وليه منصوب؛ لأن شرط تعينه للفصلية في الصورتين هو أن يليه منصوب.
ثم لا بد مع هذا الشرط من أحد شيئين: وهو أن يقرن الضمير باللام أو يلي هو ظاهرا وإن لم يقرن بها.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة أيضا؛ لامتناع حمله على غير الفصلية.
أما منع الابتدائية فيه فظاهر لنصب ما بعده، وأما التوكيد فيه فممتنع أيضا؛ لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير، وأما البدل فذلك لعدم المطابقة في الإعراب.
واعلم أن المصنف يدخل عليه لكونه اقتصر في هذه الصورة الثانية على قوله:
أو ولي ظاهرا نحو: كان زيد هو القائم؛ لأنه قد ولي الضمير فيه منصوب، والضمير قد ولي ظاهرا، ومع هذا لا تتعين الفصلية في هذا المثال؛ إذ يجوز أن يكون الضمير بدلا من الظاهر الذي هو زيد لاتفاقهما في الإعراب، فكان الواجب أن يقول: وولي ظاهرا منصوبا؛ ليندفع عنه هذا الداخل.
أما غير هاتين من الصور التي يؤتى فيها بضمير الفصل، فلا يتعين ذلك الضمير فيها للفصلية، بل يجوز كونه فصلا وغير فصل؛ فنحو زيد هو القائم يجوز في هو أن يكون فصلا وغير فصل وأن يكون بدلا وأن يكون مبتدأ ثانيا.
وإن كان المبتدأ مضمرا نحو: أنت أنت القائم، جازت الأوجه الثلاثة 311 وزاد رابع وهو أن يكون توكيدا.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 573
................................
ونحو كان زيد هو القائم، وكنت أنت القائم، مع رفع القائم في المثالين يتعين أن يكون الضمير مبتدأ، ونحو كان زيد هو القائم بنصب القائم يجوز الوجهان 312.
ووجه ثالث وهو التوكيد.
ونحو إن زيدا هو القائم يجوز فيه الابتداء والفصل 313، ونحو إنّك أنت القائم يجوز فيه الوجهان 314 ووجه ثالث وهو التوكيد.
ونحو ظننت زيدا هو القائم، وظننتك أنت القائم بنصب القائم يجوز فيه الفصلية والتأكيد.
المسألة الرابعة: هو أن كثيرا من العرب 315 يجعلون هذا الضمير مبتدأ، ويخبرون عنه بما بعده فيقرءون: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ 316، وتجدوه عند الله هو خير 317 بالرفع.
قال سيبويه 318: «بلغنا أنّ رؤبة كان يقول: أظنّ زيدا هو خير منك، وحدّثنا عيسى أنّ ناسا [1/ 183] كثيرا من العرب يقولون: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ -
الجزء: 1 - الصفحة: 574
................................
الظَّالِمِينَ 319» وأنشد:
288 - تبكي على لبنى وأنت تركتها... وكنت عليها بالملا أنت أقدر 320
قال المصنف في شرح الكافية:
«البصريّون يلتزمون الرّفع في كلّ ما كان فيه الثّاني غير الأوّل، نحو: كان زيد هو القائمة جاريته؛ فإن قلت كان زيد هو القائم الجارية أجازوا النّصب» انتهى 321.
ثم ها هنا أمران:
أحدهما: أن هؤلاء العرب المشار إليهم الملتزمين لابتدائية هذا الضمير والإخبار عنه بما بعده لا يعرفون ضمير الفصل، أي لا يستعملونه في أساليب كلامهم، وإذا نطقوا بكلام غيرهم وكان مشتملا على الضمير المذكور - رفعوا ما بعده إن لم يكن مرفوعا، وجعلوه خبرا عنه؛ حتى إنهم يعدلون في الصورتين اللتين تعينت الفصلية فيهما عن نصب ما هو بعد ذلك الضمير إلى رفعه.
والحاصل: أنهم لا ينطقون بالفصل أصلا.
-
الحديث: 288 - الجزء: 1 - الصفحة: 575
................................
الثاني: ذكر النحاة عند ذكرهم اشتراط تعريف الخبر تقسيما ينشأ عنه مسائل اختلف الأئمة فيها جوازا ومنعا فقالوا:
لم يشترط البصريون في تعريف الخبر شرطا؛ فالمضمر والعلم والمبهم والمعرف باللام 322 والمضاف إلى واحد منها في ذلك سواء.
وقال الفراء:
«إن كان معرفة بغير اللّام: لم يجز إلّا الرّفع، ولا يجوز أن يكون فصلا» 323.
وأما إن كان معرفة باللام: فإن كان في باب ما فلا يجوز الفراء أن يكون فصلا نحو: ما زيد هو القائم.
وإن كان في باب ليس: فالرفع الوجه عند الفراء، نحو: ليس زيد هو القائم، ويجوز النصب.
وأما البصريون 324 فالنصب عندهم هو الوجه وأجازوا الرفع.
وإن كان في غير ليس: فإما أن يكون دخل على الخبر لام الفرق، أو فاء جواب أما، أو دخل على صيغة المضمر لا النافية أو إلا، أو كان في معنى ما دخل عليه إلا.
فإن دخلت لام الفرق، نحو: إن كان زيد هو للقائم فلا يجوز أن يكون فصلا، وينصب القائم عند الفراء، وهو الذي يقتضيه تعليل سيبويه، لأن الفصل إنما جيء به فرقا بين النعت والخبر، فيجب ألا يجوز النصب، لأن اللام لا تدخل في النعت، وعلى قول أبي العباس يجوز النصب؛ لأن الفصل عنده إنما يؤتى به ليدل على أن الخبر معرفة أو ما قاربها 325.
وإن دخلت على الخبر فاء جواب أما نحو قولك: أمّا زيد هو فالقائم - فذهب سيبويه والفراء إلى أنه لا يجوز
الفصل؛ لأن دخول الفاء يدل على أنه ليس بنعت.
-
الجزء: 1 - الصفحة: 576
................................
وعلى قول أبي العباس يجب أن يجوز 326.
وإن دخلت لا النافية على صيغة المضمر نحو قولك: كان عبد الله لا هو العالم ولا المقارب؛ فمذهب البصريين جواز الفصل والنصب؛ لأن (لا) لا تغير من هذا شيئا، ويفرق بها بين النعت والمنعوت لا اختلاف في ذلك.
وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز إلا الرفع فيهما جميعا 327.
وإن دخلت (إلا) [1/ 184] على صيغة المضمر نحو: ما كان زيد إلّا هو الكريم؛ فذهب البصريون والفراء إلى أنه لا يجوز الفصل ولا النصب، وذهب الكسائي إلى جواز ذلك؛ لأن المعنى: ما كان زيد إلا الكريم.
وإن كان الكلام في معنى ما دخل عليه (إلا) نحو: إنّما كان زيد هو القائم؛ فهي عند الفراء كالمسألة التي قبلها 328. والحجة في إجازتها أن النعت هنا يجوز.
وإن لم يدخل على الخبر ولا على صيغة الضمير شيء مما ذكر فإما أن يكون الخبر جامدا أو مشتقّا:
إن كان جامدا: جاز أن يكون فصلا، نحو قوله تعالى: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ 329، وإن كان مشتقّا: فإما أن يرفع ضمير الأول أو سببيه:
إن رفع ضمير الأول: فإما أن يتقدم عليه ما ظاهره التعلق به من حيث المعنى أو لا يتقدم، نحو: كان زيد هو بالجارية الكفيل.
فإن أردت يكون بالجارية في صلة الكفيل لم تجز المسألة بإجماع رفعت الكفيل أو نصبته.
وإن أردت ألا تكون في صلة الكفيل، فمن النحاة من يجعل ذلك تبيينا، ومنهم من يقدره هو كفيل بالجارية الكفيل،
ومنهم من يجعل الكفيل بمنزلة الرجل، والرفع في الكفيل هو البين.
فإن -
الجزء: 1 - الصفحة: 577
................................
نصبت الكفيل لم تجز المسألة عند الفراء بوجه، وعلى أصول البصريين إذا جعلت الجارية تبيينا جاز النصب في هذا الوجه خاصة.
وإن لم يتقدم جاز الفصل نحو: كان زيد هو الكفيل بالجارية، وظننت زيدا هو القائم، وكان زيد هو الحسن الوجه 330.
وإن كان رافعا السببي والضمير مطابق للاسم نحو: ظننت زيدا هو القائم أبوه، وهو القائمة جاريته، فلا يجوز فيه عند البصريين الفصل؛ بل يجب الرفع، وأجاز الكسائي الفصل والنصب.
وفصل الفراء بين أن يكون خلفا 331 فيوافق الكسائي، وغير خلف فيوافق البصريين.
وإن كان مخالفا نحو: كان زيد هي القائمة جاريته؛ فأجاز الكسائي النصب ومنع الفراء والبصريون هذه المسألة، فلا يجوز لا برفع ولا بنصب لتقدم المكني على الظاهر 332.
وإذا عطفت بالواو: فإن لم يذكر الضمير بعدها نحو: كان زيد هو المقبل والمدبر جاز الوجهان: الرفع والنصب - وإن ذكر بعدها واختلف الخبران نحو: كان زيد هو القائم وهو الأمير، فلا يجوز في الأمير عند البصريين والفراء إلا الرفع، وأجاز هشام فيه النصب 333.
وإن اتفقا نحو: كان زيد هو المقبل وهو المدبر، فالرفع في المقبل والمدبر عند البصريين فقط، وأجاز النصب الفراء وهشام 334.
وإذا عطفت بلا وذكرت الضمير بعدها نحو: كان زيد هو القائم لا هو القاعد رفعت على قول البصريين، ونصبت على قول هشام - وإن لم يذكر نحو: كان زيد هو القائم لا القاعد جاز رفعهما ونصبهما بلا خلاف.
وإذا عطفت بـ (ولكن) نحو: ما كان زيد هو القائم ولكن هو القاعد رفعت القاعد في قول البصريين وأجاز هشام النصب 335 [1/ 185].
واعلم أن فائدة الفصل عند الجمهور هو إعلام السامع أن ما بعده لا يكون نعتا مع -
الجزء: 1 - الصفحة: 578
................................
التوكيد 336.
وقال السهيلي 337: «فائدته الاختصاص، فإذا قلت: كان زيد القائم، كان إخبارا عن زيد بالقيام، واحتمل أن يكون غيره قد شاركه فيه، وإذا قلت: كان زيد هو القائم أفاد اختصاصه بالقيام دون غيره، وعلى هذا معنى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 338 أنه المختص بالبتر دونك يا محمد، والآية نزلت في العاص بن وائل 339.
وجعل من الاختصاص قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى 340، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا 341، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى 342، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى 343.
لما كان ثم من يدعي أنه يضحك ويبكي، ويميت ويحيي ويفني ويغني، وأن الشعرى رب - أخبر تعالى عن نفسه بأنه هو المختص بذلك، وقال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ 344 لما لم يدّع أحد الخلق لم يحتج إلى التخصيص» انتهى.
ولا يخفى 345 أن الخبر الواقع بعد ضمير الفصل لا يكون فعلا؛ فإدراجه ذلك في التمثيل ليس بجيد.
إلا أن الشيخ حكى أن الجرجاني حكى أن بعضهم أجاز أن يكون ما بعد صيغة الضمير الذي هو فصل فعلا مضارعا نحو: كان زيد هو يقوم 346 وكذا في كلام -
الجزء: 1 - الصفحة: 579
................................
أصحاب علم البيان ما يشعر بجواز ذلك.
لكن قد تقدم النقل عن سيبويه بأن هو لا يكون فصلا حتى يكون ما بعده معرفة أو ما أشبه المعرفة، وبأنه قال: فلو قلت:
كان زيد هو منطلقا كان قبيحا 347.
وأما إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 348، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى 349، فمحتمل ما قاله 350 ووافق السهيلي في هذه الدعوى أصحاب علم البيان، فقالوا:
إنّ ضمير الفصل يفيد الاختصاص 351.
ولنختم الكلام على الفصل بمسألة ذكرها الشيخ في ارتشاف الضرب 352 له وهي:
«ما إذا اجتمع ضميران مع الفصل ولم يفصل بينهما، نحو: زيد ظننته هو إيّاه القائم؛ فمذهب سيبويه لا يجوز ذلك، وإن فصلت وأخّرت البدل جاز نحو: ظننته هو القائم إياه سواء كان الفصل بالمفعول الثاني كما مثّلنا أم بظرف معمول الخبر نحو: ظننته هو يوم الجمعة إيّاه القائم إذا جوّزنا معمول ذي أل أن يتقدم عليها، فإن كان أحدهما إضمارا والآخر ظاهرا جاز اتفاقا، نحو: ظننته هو نفسه القائم» 353.
الجزء: 1 - الصفحة: 580
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ
دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد الثاني]
الجزء: 2