الباب الرابع والثلاثون باب التّعجّب
[تعريفه وصيغه - حكم المتعجب منه]
قال ابن مالك: (ينصب المتعجّب منه مفعولا بموازن «أفعل» فعلا لا اسما، خلافا للكوفيّين، غير الكسائيّ، مخبرا به عن «ما» متقدّمة بمعنى شيء، لا استفهاميّة خلافا لبعضهم، ولا موصولة خلافا للأخفش في أحد قوليه، وك «أفعل» «أفعل» خبرا لا أمرا، مجرورا بعده المتعجّب منه بياء زائدة لازمة، وقد تفارقه إن كان «أن» وصلتها، وموضعه رفع بالفاعلية لا نصب بالمفعوليّة، خلافا للفرّاء والزّمخشريّ وابن خروف.
واستفيد الخبر من الأمر هنا، وفي جواب الشّرط، كما استفيد الأمر من مثبت الخبر والنّهي من منفيه، وربّما استفيد الأمر من الاستفهام، ولا يتعجّب إلّا من مختصّ، وإذا علم جاز حذفه مطلقا، وربّما أكّد «أفعل» بالنّون، ولا يؤكّد مصدر فعل تعجّب، ولا أفعل تفضيل).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: للتعجّب ألفاظ كثيرة لا يتعرض لها النحويّون، في باب التعجب، كقول العرب: «لله أنت» 2 و «واها له» 3 وكقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم -
الجزء: 6 - الصفحة: 2611
................................ لأبي هريرة 4 رضي الله عنه: «سبحان الله إنّ المؤمن لا ينجس» 5. ومن ألفاظه «فعل» المتقدم ذكره في باب «نعم» نحو: بغض الرجل زيد 6، ومنها المذكور فى باب الاستغاثة نحو: يا للمراء، ومنها ما يذكر في باب القسم من نحو: لله لا يؤخّر الأجل 7، وإنما ينوب في النحو من ألفاظه لـ «أفعل» و «أفعل» وهما فعلان غير متصرّفين 8، ولا خلاف في فعليّة [3/ 112] «أفعل»؛ لأنه على وزن مختصّ بالأفعال ولأنه قد يؤكد بالنّون كقول الشاعر: 2063 - ومستبدل من بعد غضبى صريمة... فأحر به من طول فقر وأحريا 9 أراد: وأحرين، فأبدل النّون ألفا للوقف، وأما «أفعل» فمختلف فى فعليّته عند -
الحديث: 2063 - الجزء: 6 - الصفحة: 2612
................................ الكوفيين، ومتفق على فعليته عند البصريين 10، وهو الصحيح؛ للزوم اتّصال نون الوقاية به 11 عاملا في ياء المتكلّم، نحو: ما أفقرني إلى عفو الله 12، ولا يكون كذلك إلا فعل، ولا يرد على هذا «عليكني» ولا «رويدني» فإنّه قد يقال فيهما: عليك بي، ورويد لي، فيستغنى فيها عن نون الوقاية بالباء واللام، بخلاف: «ما أفقرني» ونحوه، فإنّ النون فيه لازمة، غير مستغنى عنها بغيرها 13، والمتعجب منه منصوب بـ «أفعل» على المفعوليّة، إن وقع بعده، نحو: ما أظهر الحقّ، وما أدحض الباطل 14، ومجرور بباء لازمة إن وقع بعد «أفعل» نحو: أكرم بزيد، و «ما» الواقعة قبل «أفعل» اسم مبتدأ، بلا خلاف، لأنّ «أفعل» ثابت الفعلية 15 ولا بدّ له من فاعل، وليس ظاهرا، فتعيّن كونه ضميرا، ولا مذكور يرجع إليه غير «ما» فتعيّن كونها اسما، وبعد ثبوت اسميّتها فهي إمّا بمعنى شيء 16، وإما بمعنى الذي، وإما استفهاميّة، والقول الأول قول البصريين وهو الصحيح، لأنّ قصد المتعجّب الإعلام بأنّ المتعجّب منه ذو مزية إدراكها جليّ، وسبب الاختصاص خفيّ، فاستحقت الجملة المعبّر بها عن ذلك أن تفتتح بنكرة غير مختصّة، ليحصل -
الجزء: 6 - الصفحة: 2613
................................
بذلك إبهام، متلوّ بإفهام ولا ريب أنّ الإبهام حاصل بإيقاع «أفعل» على المتعجّب منه؛ إذ لا يكون مختصّا، فتعين كون الباقي مقتضيا الإبهام، وهو «ما» فلذلك اختير القول بتنكيرها، ولا يمتنع الابتداء بها - وإن كانت نكرة غير مختصّة - كما لم يمتنع الابتداء بـ «من» و «ما» الشرطيّتين والاستفهاميتين، ووافق أبو الحسن الأخفش على صحّة جعل «ما» التعجبية نكرة، وأجاز كونها موصولة بفعل التعجّب، مخبرا عنها بخبر لازم الحذف 17؛ فتحصّل أيضا بقوله هذا إفهام وإبهام، فحصول الإفهام بذكر المبتدأ أو صلته، وحصول الإبهام بالتزام حذف الخبر، إلا أنّ هذا القول يستلزم مخالفة النظائر من وجهين 18:
أحدهما: تقدّم الإفهام، وتأخّر الإبهام، والمعتاد فيما تضمّن من الكلام إفهاما، وإبهاما: تقدّم ما به الإبّهام، وتأخّر ما به الإفهام، كما فعل بضمير الشأن ومفسّره، وبضميري «نعم»، و «ربّ»، وبالعموم والتخصيص، وبالمميّز والتمييز، وأشباه ذلك.
الثّاني: كون الخبر فيه ملتزم الحذف دون شيء، يسدّ مسدّه، والمعتاد في الخبر، الملتزم الحذف، أن يسدّ مسدّه شيء، يحصل به استطالة كما كان بعد «لولا»، وفي نحو: لعمرك لأفعلنّ، فالحكم بموصوليّة «ما» وكون الخبر محذوفا، دون استطالة حكم بما لا نظير له؛ فلم يعول عليه ولا أجيب الدّاعي إليه، وأيضا يقال لمن ذهب هذا المذهب: أخبرني عن الخبر الذي ادّعيت حذفه، أمعلوم هو أم مجهول؟ فإن قال: هو معلوم؛ فقد أبطل الإبهام المقصود، وإن قال: هو مجهول؛ لزمه حذف ما لا يصحّ حذفه، فإنّ شرط صحة حذف الخبر ألا يكون مجهولا، وهذا كاف في بيان ضعف القول بأن «ما» التعجبية موصولة بفعل التعجّب، وأما كونها استفهامية وهو قول الكوفيين 19 فليس بصحيح؛ لأنّ قائل -
الجزء: 6 - الصفحة: 2614
................................ ذلك إما أن يدّعي تجردها للاستفهام، وأما أن يدعي كونها للاستفهام والتعجّب معا، كما هي في قوله تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ 20. فالأول باطل بإجماع، ولأنّ اللفظ المجرد للاستفهام لا يتوجّه ممّن يعلم إلى من يعلم، و «ما أفعله» صالح لذلك، فلم يكن لمجرد الاستفهام، والثاني أيضا باطل؛ لأنّ الاستفهام المشوب بتعجّب لا يليه - غالبا - إلا الأسماء، نحو: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ 21، وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ 22، الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ 23، الْقارِعَةُ (1) مَا الْقارِعَةُ 24، ونحو قول الشاعر: 2064 - يا سيّدا ما أنت من سيّد... موطّأ الأكناف رحب الذّراع 25 ومثله: 2065 - يا جارتا ما أنت جارة 26 و «ما» المشار إليها مخصوصة بالأفعال، فعلم أنّها غير المضمّنة استفهاما، وأيضا: لو كان فيها معنى استفهام لجاز أن تخلفها «أيّ» كما يجوز أن تخلفها في نحو: (... ما أنت من سيّد) لأنّ استعمال «أيّ» في الاستفهام المضمّن تعجّبا كثير، كقوله: 2066 - أيّ فتى هيجاء أنت وجارها 27 -
الحديث: 2064 - الجزء: 6 - الصفحة: 2615
................................
وأيضا، فإنّ قصد التعجّب بـ «ما أفعله» مجمع عليه، وكونه مشوبا باستفهام، أو ملموحا فيه الاستفهام زيادة لا دليل عليها، فلا يلتفت إليها 28.
وفي «أفعل» المتعجّب به، مع الإجماع 29 على فاعليته قولان:
أحدهما: أنّه في اللفظ أمر، وفي المعنى خبر إنشائي مسند إلى المتعجّب منه المجرور بالباء 30.
الثاني: أنّه أمر باستدعاء التعجّب من المخاطب، مسند إلى ضميره، وهو قول الفرّاء واستحسنه الزمخشريّ، وابن خروف 31 والأول هو الصحيح، لسلامته ممّا يرد على الثاني من استشكالات:
أحدها: أنّه لو كان الناطق بـ «أفعل» المذكور آمرا بالتعجّب لم يكن متعجّبا، كما لا يكون الآمر بالحلف، والنّداء، والتشبيه، حالفا، ولا مناديا، ولا مشبها، ولا خلاف في كون الناطق بـ «أفعل» المذكور متعجّبا، وإنما الخلاف في انفراد التعجّب، ومجامعة الأمريّة 32.
الثاني: أنّه لو كان أمرا مع الإجماع على فعليّته لزم إبراز ضميره في التأنيث، والتثنية والجمع، كما يلزم في كلّ فعل أمر، متصرفا كان أو غير متصرّف، - - ولم ينسب لقائل معين، وهو من أبيات سيبويه التي جهل قائلها.
اللغة: أي فتى هيجاء أنت وجارها: يريد: أي فتى حرب، وأي جار حرب أنت، والجار: الكافي لها، استقلت: نهضت.
والشاهد هنا: أي فتى هيجاء وجارها، حيث استعملت «أي» للاستفهام المتضمن تعجبا.
ينظر الشاهد في: الكتاب (2/ 55)، وشرح المصنف (3/ 33)، والتذييل والتكميل (4/ 605).
الجزء: 6 - الصفحة: 2616
................................ ولا يعتذر [3/ 113] عن ذلك بأنه مثل أو جار مجرى المثل 33، لأنّ المثل يلزم لفظا واحدا دون تبديل، ولا تغيير، نحو: أطرّي فإنّك ناعلة 34: 2067 -... خلالك الجوّ فبيضي واصغري 35 والجاري مجرى المثل يلزم لفظا واحدا مع اغتفار بعض التغيير، نحو: حبّذا ولله درّك، فالتزم لفظ «حبّذا»، و «لله» أن تختم الجملتان بما كان للناطق بهما غرض في الختم به، و «أفعل» المذكور لا يلزم لفظا واحدا، أصلا، فليس مثلا، ولا جاريا مجرى المثل، فلو كان فعل أمر مسند إلى المخاطب لبرز ضميره في التأنيث، والتثنية، والجمع، كما برز مع غيره، من أفعال الأمر العارية من المثلية، وقيدت أفعال الأمر بالعارية من المثلية احترازا من نحو: «خذ ما صفا، ودع ما كدر» 36 و «زر غبّا تزدد حبّا» 37 على أنّ قولهم: «اذهب بذي تسلم» أشبه بالأمثال، -
الحديث: 2067 - الجزء: 6 - الصفحة: 2617
................................ وأحق بأن يجرى مجراها، ولم يمنع ذلك من بروز فاعل الفعلين في التثنية والجمع، والتأنيث، فلو كان المذكور جاريا مجرى المثل لعومل معاملة: «اذهب» و «تسلم» 38. الثالث من الإشكالات: أن «أفعل» المذكور لو كان مسندا إلى المخاطب لم يجز أن يليه ضمير المخاطب، نحو: أحسن بك؛ لأنّ في ذلك إعمال فعل واحد في ضميري فاعل ومفعول، لمسمّى واحد 39. الرابع من الإشكالات: أنّ «أفعل» المشار إليه لو كان بمعنى الأمر، لا بمعنى «أفعل» تالي «ما» لوجب له من الإعلال - إذا كانت عينه ياء، أو واوا - ما وجب لـ: أبن، وأقم، ونحوهما، ولم يقل: أبين، وأقوم، فيلزم مخالفة النظائر، فإذا جعل مخالفا لـ: أبن، وأقم، ونحوهما في الأمريّة، موافقا لأبين وأقوم، من: ما أبينه، وما أقومهّ في التعجّب، سلك به سبيل الاستدلال، وأمن الشذوذ من التصحيح والإعلال 40، وقد تبين بعد ما ذكرت فاعليته ما بعد «أفعل» من المجرور بالباء، وهو نظير المجرور بعد (كفى) في نحو: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 41 إلا أنّ بينهما فرقا من وجهين: أحدهما: أنّ الباء في: كَفى بِاللَّهِ ونحوه قد يحذف، ويرتفع مصحوبه كقول الشاعر: 2068 - عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا 42
-
- السيوطي في الجامع الكبير (1/ 537)، وهذا الحديث من الأمثال، وتمثل به النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي مجمع الأمثال للميداني (1/ 322) برقم (1732): قال المفضل: «أول من قال ذلك معاذ بن حزم الخزاعي، وكانت أمه من عك، وكان فارس خزاعة، وكان يكثر زيارة أخواله... إلخ».
الحديث: 2068 - الجزء: 6 - الصفحة: 2618
................................
والباء الجارّة ما بعد «أفعل» لا تحذف، إلّا إذا كان مصحوبها «أن» والفعل كقول الشاعر:
2069 - وقال نبيّ المسلمين تقدّموا... وأحبب إلينا أن تكون المقدّما 43
ولو اضطرّ شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير أن بعد «أفعل»، لزمه أن يرفع، وعلى مذهب الفراء يلزم النصب 44، ولا حجة له في قول الشاعر:
2070 - ألا طرقت رجال القوم ليلى... فأبعد دار مرتحل مزارا 45
لإمكان جعل «أبعد» دعاء، على معنى: أبعد الله دار مرتحل عن مزار محبوبته، كأنّه يحرّض نفسه على الإقامة في منزل طروق ليلى، لأنه صار طروقها مزارا 46، ولا حجة له في قول الآخر: - - سميّة ودع... اللغة: عميرة: اسم امرأة، تصغير عمرة، وفي ديوان سحيم: قال أبو عبيدة: كانت حبيبته التي شغف بها تسمى: غالية، وهي من أشراف تميم بن مر، ولم يتجاسر على ذكر اسمها، ودّع: اترك التودد إليها.
والشاهد في البيت قوله: «كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا»؛ حيث أتى الشاعر بفاعل «كفى» الشيب وما عطف عليه غير مجرور بالباء الزائدة، وهذا دليل على جواز حذف هذه الباء.
ينظر هذا الشاهد في: ديوان سحيم (ص 16)، والتذييل والتكميل (4/ 611)، والإنصاف (1/ 110)، وقطر الندى (323)، وشواهد المغني للسيوطي (325)، والأشموني (3/ 19).
الحديث: 2069 - الجزء: 6 - الصفحة: 2619
................................ 2071 - فأجدر مثل ذلك أن يكونا 47 لاحتمال أن يكون «أجدر» فعل أمر، عاريا من التعجّب بمعنى: اجعل مثل ذلك جديرا بأن يكون، أي: حقيقا بالكون 48، يقال: جدر بكذا جدارة، أي: صار به جديرا 49، وأجدرته به، أي: جعلته جديرا به، أي: حقيقا 50، ويحتمل أن يكون «أجدر» فعل تعجّب، مسندا إلى «مثل ذلك»، ثم حذفت الباء اضطرارا واستحقّ مصحوبها الرفع على الفاعلية لكنه بني، لإضافته إلى مبني، كما بني في قوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 51 على قراءة غير أبي بكر، وحمزة والكسائي 52. والثاني من جهتي الفرق: أن «كفى» قد تسند إلى غير المجرور بالباء فيكون هو في موضع نصب، ولا يفعل ذلك بـ «أفعل»، أصلا، ومن المواضع التي أسند فيها «كفى» إلى غير المجرور بالباء قول الشاعر: 2072 - فكفى بنا فضلا على من غيرنا... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا 53 ونظير ما جاء في التعجّب من لفظ الأمر مرادا به الخبر ما جاء من ذلك في جواب -
الحديث: 2071 - الجزء: 6 - الصفحة: 2620
................................
الشرط: كقوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا 54، وكقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» 55، وإلى هذا النوع أشرت بقولي: (واستفيد الخبر من الأمر هنا، وفي جواب الشرط).
ثم قلت: (كما استفيد الأمر من مثبت الخبر، والنهي من منفيّه) فمثال الأوّل 56:
قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 57 ومثال الثاني: قوله تعالى:
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها 58 بضمّ الراء، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو 59.
ثم قلت: (وربما استفيد الأمر من الاستفهام) مشيرا إلى قوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ 60، وقوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ 61 ثمّ قلت: (ولا يتعجّب إلّا من مختصّ) 62 فنبهت بذلك على أنّ المتعجّب منه مخبر عنه في المعنى، فلا يكون إلا معرفة، أو نكرة مختصة، فيقال: ما أحسنك وما أكرم زيدا، وما أسعد رجلا اتقى الله، ولا يقال: ما أحسن غلاما، ولا:
ما أسعد رجلا من الناس؛ لأنه لا فائدة في ذلك 63، ثمّ قلت: وإذا علم جاز حذفه، أي: إذا علم المتعجب منه، والمقصود به، جاز حذفه، معمول «أفعل» -
الجزء: 6 - الصفحة: 2621
كان، أو معمول «أفعل» 64، فمثال حذف معمول «أفعل» قول الشاعر:
2073 - جزى الله عنّا بحتريّا ورهطه... بني عبد عمرو، ما أعفّ وأمجدا 65
أراد: ما أعفّهم، وأمجدهم، فحذف لكون المراد معلوما.
ومثال حذف معمول «أفعل» قول الآخر:
2074 - فذلك إن يلق المنيّة يلقها... حميدا، وإن يستغن يوما فأجدر 66
أراد: فأجدر به، فحذف مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه الجرّ كساه صورة الفضلة، ولأنه كمعمول «أفعل» في المعنى، وزعم قوم أنّه ليس محذوفا، لكن استتر في الفعل، حين حذفت الباء، كما يستتر ضمير «زيد»، إذا حذفت الباء من قولك:
زيد كفى به فارسا 67 فتقول: زيد كفى فارسا، وهذه [3/ 114] الدعوى لا تصحّ، لأنّ صحتها تستلزم أن يبرز الضمير في التثنية والجمع، كما يبرز في «كفى» إذا قيل في الزيدان كفى بهما فارسين، و: الزيدون كفى بهم فرسانا:
الزيدان كفيا فارسين، والزيدون كفوا فرسانا 68، ومعلوم أنّه لا يبرز ضمير مع -
الحديث: 2073 - الجزء: 6 - الصفحة: 2622
................................ «أفعل»، كقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ 69 فعلم بذلك عدم صحة الدعوى المذكورة، ومما يدلّ على عدم صحتها أنّ من الضمائر ما لا يقبل الاستتار، كـ «نا» من نحو: أكرم بنا، وأحلم بنا؛ لأنّ «نا» لا تقبل الاستتار، والمقبول إنّما هو: أكرم، وأحلم، ونحو ذلك 70، كما قال الراجز: 2075 - أعزز بنا واكف إن دعينا... يوما إلى نصرة من يلينا 71 وقد يتوهم أنّ «أفعل» خوطب به المصدر على سبيل المجاز، كأنّ من قال: أحسن به، قال: يا حسن به، فلهذا لزم الإفراد والتذكير، أشار إلى هذا أبو علي في البغداديات، منفرا منه، وناهيا عنه 72، ومما يبين فساده أنّ من الضمائر المصوغ منها «أفعل» ما لا يكون إلّا مؤنثا، كالسهولة والنجابة، فلو كان هذا الأمر على ما توهمه صاحب الرأي لقيل في أسهل به، وأنجب به: أسهلي، وأنجبي به، لكنّه لم يقل؛ فصحّ بذلك فساد ما أدّى إليه 73، ولشبه «أفعل» بفعل الأمر جاز أن يؤكد بالنون كقول الشاعر: 2076 - ومستبدل من بعد غضبى صريمة... فأحر به من طول فقر وأحريا 74 وهذا من إلحاق شيء لمجرد شبه لفظيّ، وهو نظير تركيب النكرة مع «لا» الزائدة، لشبهها بـ «لا» النافية للجنس، ونظيره زيادة «أن» بعد «ما» الموصولة، لشبهها بـ «ما» النافية 75، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك، ولما كان فعل -
الحديث: 2075 - الجزء: 6 - الصفحة: 2623
................................
التعجب دالّا على المبالغة والمزيّة استغني عن توكيده بالمصدر، وكذلك أفعل التفضيل، وعلى ذلك نبهت بقولي: (ولا يؤكد مصدر فعل تعجّب ولا أفعل تفضيل)، انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو كلام من زرق التوفيق وهدي في أداء مقاصده السنية إلى أحسن طريق ولنتبعه بذكر أمرين:
أحدهما: أنّ ابن عصفور حدّ التعجب بأنه استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها، وخرج بها المتعجب منه عن نظائره، أو قلّ نظيره 76 فذكر الاستعظام تنبيها على أنّ التعجب لا يجوز من الله، والتعجب الوارد في القرآن الكريم مصروف إلى المخاطب 77، أما ذكر الزيادة، وكون الوصف لفاعل فسيأتي التعرض لها في كلام المصنف، وأما ذكر خفاء السبب فقال هو في شرحه: إنّ التعجّب لا يكون إلا من خفيّ السّبب؛ ألا ترى أنّ الإنسان لا يعجب إلا ممّا كان يعلمه ولا يقدر وقوعه، فيتعجب كيف وقع مثله، وأمّا ذكر خروج المتعجّب منه بالزيادة عن نظائره، وأن يقلّ نظيره، فقال في شرحه أيضا: الزيادة المستعظمة في وصف الفاعل لا يتعجب منها إلا إذا بلغت هذا المبلغ.
الثّاني: أنّ ابن عصفور أيضا وهو يذكر الصيغتين اللتين هما: ما أفعل، وأفعل به قال: إلا أنّ فيها خلافا، منهم من ألحقها بباب التعجّب، كالأخفش ومن معه ومنهم من ألحقها بباب «نعم» ثم صحح أنها من صيغ التعجّب قال: بدليل أنّ العرب لا تبني الفعل الثلاثي على «فعل»، وتضمنه معنى المدح أو الذّمّ، إلّا بشرط أن يكون ذلك الفعل يمكن
التعجب منه بقياس، قال: ولو لم يكن معناه التعجب لما لزم ذلك فيه، إلّا أنّ منهم من يجريه مجرى «نعم»، رعيا لما تضمنته من معنى المدح أو الذّم، ومن ذلك قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ 78، وهذه الآية الشريفة على حدّ: نعم رجلا زيد، ومنهم من لا يجريه مجرى «نعم»؛ -
الجزء: 6 - الصفحة: 2624
................................
رعيا لما تضّمنته من معنى التعجّب، ولا يلزم إذا أن يكون فاعله كفاعل «نعم» قال: والدليل على ذلك قوله:
2077 - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها... وحبّ بها مقتولة حين تقتل 79
وقول الآخر: -
2078 - لم يمنع النّاس منّي ما أردت ولا... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا 80
ففاعل «حبّ» في البيت الأول ضمير عائد على ما تقدّم، وفاعل «حسن» في البيت الثاني اسم إشارة، والضمير العائد على ما قبله واسم الإشارة لا يكونان فاعلي «نعم» 81. انتهى.
وقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب «نعم» وأشار المصنف إلى أنّ «فعل» يستعمل استعمال «نعم» و «بئس» متضمنا تعجبا، وذكر انجرار فاعله بالباء، واستغناءه، عن الألف واللّام، وإضماره، على وفق ما قبله، لكون الصيغة مضمنة معنى التعجب، مع أنّ المدح أو الذّمّ بها مقصود، ومقتضى كلام ابن عصفور أنّ إرادة التعجّب بها منفصلة عن إرادة المدح أو الذمّ، وأنّ أحد الاستعمالين لا يدخل في الآخر، بل قد تستعمل مرادا بها هذا المعنى، وقد تستعمل مرادا بها المعنى الآخر 82، واعلم أنّ الشيخ ذكر مسائل سبعا، عند شرحه قول المصنف: «ولا -
الحديث: 2077 - الجزء: 6 - الصفحة: 2625
................................
يتعجّب إلّا من مختصّ»:
الأولى:
إذا كان المتعجب منه معرفا بـ «ال» العهد، نحو: ما أحسن الابن، تعني به ابنا معهودا بينك وبين المخاطب، قال: الجمهور على الجواز، ومنها الفراء 83.
الثانية:
إذا كان «أيّا» الموصولة بفعل ماض، هو صلتها، نحو: ما أحسن أيّهم قال ذلك، منعها الكوفيّون والأخفش 84 وأجازها غيرهم، فإن كانت صلتها مضارعا جاز عند الجميع، نحو: ما أحسن أيّهم يقول ذلك.
الثالثة:
ما أحسن ما كان زيد، أجازها هشام ومنعها غيره من الكوفيين، قال النحاس 85:
وهي على أصل البصريين جائزة 86، أي: ما أحسن ما كانت كينونة زيد، فالأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع.
[3/ 115] الرابعة:
ما أحسن ما كان زيد ضاحكا، إذا كانت «كان» ناقصة، أجاز ذلك الفراء وجماعة، ومنعها البصريّون، فإن جعلت «كان» تامة، ونصبت «ضاحكا» على الحال جاز ذلك عند الجميع.
الخامسة:
ما أحسن ما ظننت عبد الله قائما، قال الفراء: إن شئت لم تأت بقائم؛ لأنه -
الجزء: 6 - الصفحة: 2626
[همزة (أفعل) و (أفعل) وأحكام هاتين الصيغتين]
قال ابن مالك: (فصل: همزة «أفعل» في التّعجّب لتعدية ما عدم التّعدّي في الأصل أو الحال، وهمزة «أفعل» للصّيرورة، ويجب تصحيح عينيهما، وفكّ «أفعل» المضعّف، وشذّ تصغير «أفعل» مقصورا على السّماع، خلافا لابن كيسان، في اطّراده، وقياس «أفعل» عليه، ولا يتصرّفان، ولا يليهما غير المتعجّب منه، إن لم يتعلّق بهما، وكذا إن تعلّق بهما، وكان غير ظرف أو حرف جرّ، وإن كان أحدهما فقد يلي، وفاقا للفرّاء والجرميّ والفارسي، وابن خروف، والشّلوبين، وقد يليهما عند ابن كيسان «لولا» الامتناعيّة).
نصب على الحال، لا غير، وهو عند البصريّين خبر، ولا يجوز حذفه.
السادسة:
ما أحسن أحدا يقول ذلك، أجازها الكسائي، ومنعها الفراء والبصريّون، وألزمه الفراء أن يقول: اضرب أحدا يقول ذلك، ولتضربنّ أحدا يقول ذلك، وعليك بأحد يقول ذلك، وهو إلزام صحيح لأنّ الكسائي شبه «أحدا» بـ «أيهم» من جهة الإبهام، وهو يجيز ما ألزمه في «أيهم»، فإن جعلت «أحدا» في معنى «واحد» صحت المسألة 87.
المسألة السابعة:
ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، أجازها بعضهم.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 88: يدلّ على كون همزة «أفعل» المتعجّب به معدية حدوث التعدّي بزيادتهما على ما لا يتعدّى له، كقولك في: حسن زيد، وجزع بكر، وصبر خالد: ما أحسن زيدا، وما أجزع بكرا، وما أصبر خالدا،
وإلى هذه الأفعال الثلاثة أشرت بعدم التعدّي في الأصل.
-
الجزء: 6 - الصفحة: 2627
................................
وأشرت بعدم التعدّي في الحال إلى نحو: ما أعرف زيدا بالحقّ، فإنّ «عرف» - قبل التعجّب - متعدّ بنفسه إلى الحقّ، فلما قصد به التعجّب ضمّن ما لا يتعدى من أفعال الغرائز، كقوي، وضعف، وكمل، ونقص؛ فقصر عن نصب ما كان منصوبا به وعدي إليه بالباء، كما تعدّى قصر ونحوه، مما هو في أصله غير متعدّ، وصار ما كان فاعلا - قبل - مفعولا، كما يصير فاعل «ظهر» من قولك: ظهر الحقّ، مفعولا، إذا أدخلت الهمزة، فقلت: أظهرت الحقّ، ولا يصحّ قول من قال: زعم أنّ «أفعل» المتعجب به لا يكون إلا من «فعل»، موضوعا، أو مردودا إليه، لوجهين:
أحدهما: أنّ «فعل، وفعل» اللازمين، كجزع، وصبر، مساويان «فعل»، في عدم التعدّي، وقبول همزة التعدية، فتقدير ردّهما إلى الفعل لا حاجة إليه.
الثاني: أنّ من الأفعال ما رفضت العرب صوغه على «فعل»: وهو المضاعف واليائيّ العين أو اللام، فإن قصد بالمضاعف معنى غريزي دلّوا عليه في غير شذوذ، بـ «فعل» نحو: جلّ يجلّ، وعزّ يعزّ، وخفّ يخفّ، وقلّ يقلّ، ونسب إلى الشذوذ نحو: لببت وبذلك استغنوا في اليائيّ العين عن «فعل بـ «فعل» نحو: طاب يطيب، ولان يلين، وضاق يضيق، أما اليائيّ اللام فاستغنوا فيه عن «فعل» بـ «فعل»، نحو:
حيي، وعمي، وغني، فإذا قصد تعجب بشيء من هذه الأنواع أدخلت الهمزة عليها، ولم تردّها إلى «فعل»؛ لأنّ «فعل» فيها مرفوض 89، وهمزة «أفعل».
المتعجّب به للصيرورة، أي لتجعل فاعله ذا كذا، فأصل قولك: أحسن بزيد: أحسن زيد، أي: صار ذا حسن تام، وهو نظير: أثر الرجل: صار ذا أثرة، وأترب: صار ذا مال كالتراب، وأنجب وأظرف: صار ذا ولد نجيب وذا ولد ظريف وأخلأت الأرض وأكلأت وأكمأت، أي: صارت ذات خلأ وكلأ وكمأة، وأورقت الشجرة وأثمرت -
الجزء: 6 - الصفحة: 2628
................................ وأزهرت: صارت ذات ورق، وزهر، وثمر 90، وإذا كانت عين «أفعل» المتعجّب به ياء، أو واوا، وجب تصحيحها نحو: ما أبين الحقّ، وأنوره، وأصله الإعلال لكن صحح؛ حملا على «أفعل» التفضيل، كما حمل هو على المتعجّب به في امتناع التأنيث والتثنية والجمع؛ فإنهما يتناسبان وزنا ومعنى، فأتبع أحدهما الآخر فيما هو أصل فيه كما أجري اسم الفاعل مجرى المضارع في العمل، وأجري المضارع، مجرى اسم الفاعل في الإعراب، وكما أجري: الحسن الوجه على: الضارب الرجل في النصب، والضارب الرجل على: الحسن الوجه في الجرّ، وحمل أفعل المتعجّب به، على أخيه، فقيل: أبين بالحقّ وأنور به، كما قيل: ما أبينه، وما أنوره. ولزم فكّ «أفعل» المضاعف نحو: أجلل به، وأعزز؛ لأنّ سبب الإدغام في هذا النوع إنّما هو تلاقي المثلين، متّصلين، متحركين، تحركا غير عارض، أو ساكنا أحدهما سكونا غير لازم، كسكون «أجلل» إذا لم يكن تعجبا؛ لأنه معرض للحركة في نحو: أجلل الله، وأجلّاه وأجلّوه، وأجلّيه؛ فلذلك لم يجب فكّ «أفعل» إذا لم يكن تعجبا، ووجب إذا كان إياه، ولشبه «أفعل» المتعجب به بـ «أفعل» التفضيل أقدم على تصغيره بعض العرب فقال: 2079 - يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا... من هؤليّائكنّ الضّالّ والسمر 91
الحديث: 2079 - الجزء: 6 - الصفحة: 2629
................................
وهو في غاية الشذوذ، فلا يقاس عليه، فيقال - في: ما أجمله وما أظرفه:
ما أجيمله، وما أظيرفه - لأنّ التصغير وصف في المعنى، والفعل لا يوصف، فلا يصغر وأجاز ابن كيسان اطراد تصغير «أفعل» 92 وضعف رأيه في ذلك بيّن، وخلافه متعيّن.
ولا خلاف في عدم تصرّف فعلي التعجّب 93، ولا في منع إيلائهما ما لا يتعلق بهما كـ: عند الحاجة، و: معروف، من قولك: ما أنفع معطيك عند الحاجة، وما أصلح أمرك بمعروف، وأنفع بمعطيك عند الحاجة، وأصلح بأمرك بمعروف 94، وكذا لا خلاف في منع إيلائهما ما يتعلّق بهما، من غير ظرف، وجارّ ومجرور، نحو: ما أحسن زيدا مقبلا وأكرم به رجلا فلو قلت: ما أحسن [3/ 116] مقبلا زيدا، وأكرم رجلا به؛ لم يجز بإجماع 95.
وكذا لا يجوز بإجماع تقديم المتعجب منه، نحو: زيدا ما أحسن، وبه أكرم؛ لأنّ فعلي التعجّب أشبها الحروف في منع التصرّف، فجريا مجراها في منع تقديم معمولها، فلو فصل بينهما، وبين المتعجب منه بما يتعلق بهما من ظرف أو جارّ ومجرور، لم يمتنع ولم يضعف لثبوت ذلك نثرا، ونظما، وقياسا: فمن النثر قول عمرو بن معديكرب 96: - - ديوان العرجي الشاعر (ص 183) في ذيل الديوان.
الجزء: 6 - الصفحة: 2630
................................ «لله درّ بني مجاشع، وروي: لله درّ بني سليم؛ ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأحسن في اللزبات عطاءها وروي: وأثبت في المكرمات بقاءها» 97. ومن النظم قول بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -: 2080 - وقال نبيّ المسلمين تقدّموا... وأحبب إلينا أن يكون المقدّما 98 وقول الآخر: 2081 - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها... وأحر إذا حالت بأن أتحوّلا 99 قول الآخر: 2082 - فصدّت وقالت بل تريد فضيحتي... وأحبب إلى قلبي بها متغضّبا 100 وقول الآخر: 2083 - خليليّ ما أحرى بذي اللّبّ أن يرى... صبورا ولكن لا سبيل إلى الصّبر 101
الحديث: 2080 - الجزء: 6 - الصفحة: 2631
................................
ومنه قول الآخر:
2084 - حلمت وما أشفى لمن غيظ حلمه... فآض الّذي عاداك خلّا مواليا 102
وأمّا صحّة هذا الفصل قياسا فمن قيل أنّ الظرف والجارّ والمجرور يغتفر الفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه مع أنهما كالشيء الواحد، فاغتفار الفصل بهما بين فعل التعجّب والمتعجّب منه كشيء واحد أحقّ وأولى.
وأيضا فإنّ «بئس» أضعف من فعل التعجّب، وقد فصل بينه وبين معموله بالجارّ والمجرور، في قوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا 103 فأن يقع مثل ذلك بين التعجّب ومعموله أولى بالجواز، وهذا الدليل ذكره أبو عليّ الفارسيّ، وقد بين أنّه من الفصل المشار إليه 104، أما كون ذلك مذهب الجرمي فمشهور 105، واختار هذا المذهب ابن خروف في شرح كتاب سيبويه.
وقال الشيخ أبو عليّ الشلوبين: حكى الصيمريّ 106 أنّ مذهب سيبويه منع الفصل بالظرف، بين فعل التعجب ومعموله، والصواب أنّ ذلك جائز، وهو - - والشاهد فيه: الفصل بين «ما أحرى» وبين فاعله: «أن يرى» بالجار والمجرور، و «صبورا» مفعول ثان، وخبر «لا» التي لنفي الجنس محذوف، أي: لا سبيل موجود.
ينظر الشاهد في: شرح ابن الناظم (ص 181)، والتذييل والتكميل (4/ 650)، ومنهج السالك (ص 381)، والأشموني (3/ 24)، والهمع (2/ 91)، والدرر (2/ 121).
الحديث: 2084 - الجزء: 6 - الصفحة: 2632
................................ المشهور والمنصور 107، هكذا قال الأستاذ أبو عليّ، وهو المنتهى إليه في هذا الفنّ 108. وقال السيرافيّ - في قول سيبويه: ولا نزيل شيئا عن موضعه 109 -: إنّما أراد بذلك أن تقدّم «ما» وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجّب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل والمتعجب منه، وكثير من أصحابنا يجيز ذلك، منهم الجرميّ، وكثير منهم يأباه، منهم الأخفش والمبرّد 110، وقال الزمخشريّ - بعد أن حكم بمنع الفصل -: وقد أجاز الجرميّ، وغيره من أصحابنا الفصل وينصرهم قول القائل: ما أحسن بالرجل أن يصدق، ومن العجب اعترافه بنصرهم، والتنبيه على بعض حججهم، بعد أن خالفهم بلا دليل 111، ولما كان فعل التعّجب مسلوب الدلالة على المضيّ، وكان المتعجب منه صالحا للمضيّ أجازوا زيادة «كان» إشعارا بذلك عند قصده، نحو: ما كان أحسن زيدا 112، وكقول بعض مدّاح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: 2085 - ما كان أسعد من أجابك آخذا... بهداك مجتنبا هوى وعنادا 113
الحديث: 2085 - الجزء: 6 - الصفحة: 2633
[جرّ ما يتعلّق بصيغتي التعجّب]
قال ابن مالك: (ويجرّ ما تعلّق بهما من غير ما ذكر بـ «إلى إن كان فاعلا، وإلّا فبالباء إن كان من مفهم علما أو جهلا،
وباللّام إن كانا من متعدّ غيره، وإن كانا من متعدّ بحرف جرّ فبما كان يتعدّى به، ويقال في التّعجّب من «كسا زيد الفقراء الثّياب» و «ظنّ عمرو بشرا صديقا» و «ما أكسى زيدا الفقراء الثّياب» و «ما أظنّ عمرا لبشر صديقا» وينصب الآخر بمدلول عليه بأفعل لا به، خلافا للكوفيّين).
وأجاز ابن كيسان الفصل بين «أفعل» والمتعجّب منه، بـ «لولا» الامتناعية، ومصحوبها، كقولك: ما أحسن لولا بخله زيدا، ولا حجة على ذلك 114. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى.
ونظرت في شرح الشيخ بعد ذلك فلم أجده ذكر شيئا كبير الفائدة، يتعلق بهذا الفصل، مع أنه أطال الكلام، ولكن لم يتحصل لي فيه ما يتعين إثباته، وكلام المصنّف - إذا تأمله الناظر - كان فيه غنية عن كثير من التصانيف، فسبحان الملك الوهاب ولا مانع لما أعطى جلّ وعزّ وعلا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 115: الإشارة بما ذكر إلى المتعجّب منه، والظرف والحال، والتمييز، فما ليس واحدا منها، وله تعلّق بفعل التعجّب، يجرّ بـ «إلى» إن كان فاعلا في المعنى، نحو: ما أحبّني إلى زيد، فـ «زيد» فاعل في المعنى، لأنّ المراد يحبّني زيد حبّا بليغا 116، وإن لم يكن فاعلا في المعنى جرّ بالباء إن كان فعل التعجّب مصوغا من فعل علم أو جهل، نحو: ما أعرفني بزيد، وما أجهله بي، وإن صيغ من غير ذلك، وكان فعل التعجّب متعدّيا عدّي في التعجّب باللّام، -
الجزء: 6 - الصفحة: 2634
................................
نحو: ما أضربني لزيد، وما أنصرني لعمرو، فإن كان فعل التعجّب متعدّيا بحرف جرّ عدّي به حال التعجّب، نحو: ما أزهد زيدا في الدّنيا، وما أبعده عن الشرّ 117، وما أصبره على الأذى، فإن كان فعل التعجّب متعديا إلى اثنين جررت الأول باللام، ونصبت الثاني عند البصريين (2) بمضمر مجرّد مماثل لتالي «ما» نحو:
ما أكسى زيدا للفقراء الثياب، فالتقدير: يكسوهم الثياب، وكذا يفعلون في:
ما أظنّ عمرا لبشر صديقا، يقدرون: يظنّه صديقا، والكوفيّون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني [3/ 117] بتالي «ما» بنفسه 118، ذكر هذه المسألة ابن كيسان في المهذّب 119. انتهى.
ويتعلق بهذا الموضوع بحثان:
الأول:
أنّ المصنف اقتصر في صورة المسألة على التمثيل لها بصيغة «ما أفعل» وأما الشيخ فإنّه مثل بالصيغتين معا، فمثّل - مع: ما أحبّ زيدا إلى عمرو - بقوله:
أحبب بزيد إلى عمرو، ومثّل - مع: ما أبصر زيدا بالشّعر وما أجهل عمرا بالفقه - بقوله: أبصر بزيد بالشعر، وأجهل بعمر بالفقه، ومثل - مع قوله: ما أضرب زيدا لعمرو - بقوله: أضرب بزيد لعمرو، ومثّل - مع ما أعزّ زيدا عليّ، وما أزهده في الدّنيا - بقوله: أعزز بزيد عليّ، وأزهد به في الدنيا 120. وأقول: إنّ في استعمال -
الجزء: 6 - الصفحة: 2635
................................
صيغة «أفعل» في بعض هذه الصّور نظرا، وذلك أنّ معنى: أحبب بزيد إلى عمرو:
أحبّ زيد، كما أن معنى: أحسن بزيد: أحسن زيد، و «زيد» هو الفاعل، والتقدير: صار زيد ذا حبّ إلى عمرو، فالحبّ قائم به كما أن الحسن قائم بزيد في قولنا: أحسن بزيد، وقد قرر أنّ المراد بقولنا: أحبب بزيد إلى عمرو، هو الذي أريد بقولنا: ما أحبّ زيدا إلى عمرو، و «عمرو» في هذا التركيب هو الفاعل، كما عرفت فكيف يكون «أحبب بزيد إلى عمرو» بمعناه وقد اختلف الفاعل فيهما؟
وقال الشيخ - بعد أن مثّل بـ: ما أضرب زيدا لعمرو -: أضرب بزيد لعمرو، وتعدية «أضرب» لـ «عمرو» باللّام مشكلة
لأن معناه: أضرب زيد، و «أضرب زيد»، لا يتعدّى، قال: ولا ينبغي أن يجوز هذا التركيب، ولا يقدم عليه إلا بعد سماعه من العرب 121 انتهى.
وقوله: إنّ «أضرب زيد» لا يتعدّى صحيح، ولكونه لا يتعدّى احتيج إلى إدخال اللام على معموله، أو يقول: أضرب بزيد لعمرو، صار زيد ذا ضرب لعمرو، فالمجرور باللام إمّا معمول لذلك المصدر، والذي تضمنه معنى الكلام، إن جوز إعمال المصدر مقدرا، وإمّا نعت له، والتقدير: صار زيد ذا ضرب كائن لعمرو.
البحث الثّاني:
ما ذكره المصنف، نقلا عن المهذّب، لابن كيسان أنّه قال: ما أكسى زيدا للفقراء الثياب، وما أظنّ عمرا لبشر صديقا، وأن البصريين يقدرون ناصبا للثاني، من مفعولي «كسا وظنّ»، وأن الكوفيين لا يقدّرون شيئا، بل ينصبونه 122، ذكر ابن عصفور خلافه، وهو أنّه قال: إذا تعجّب من فعل، من باب «أعطى»؛ لا يجوز أن يبقى متعدّيا إلى مفعوليه، بل لا بدّ إذ ذاك من الاقتصار على الفاعل وحده، أو على الفاعل وأحد المفعولين، بشرط أن تدخل عليه اللام، فيقول: ما أعطى زيدا، وما أعطى زيدا لعمرو، وما أعطى زيدا للثياب، قال: ولا يجوز أن يذكر المفعولين، فيقول: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم؛ لأنّ فعل التعجّب قبل دخول الهمزة لا يتعدّى، فإذا دخلت همزة النقل تعدّى إلى واحد فإن جاء من كلامهم مثل قولك: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، فينبغي أن يحمل على أنّ -
الجزء: 6 - الصفحة: 2636
................................
الدراهم منصوبة بفعل مضمر، دلّ عليه فعل التعجّب، والتقدير: أعطاه الدراهم.
ولا يجوز أن تدخل اللام على المفعولين؛ لما يلزم من تعدّي فعل بحرفي جرّ من جنس واحد، على معنى واحد، وذلك لا يجوز، فإذا تعجبت من فعل من باب ظننت لم يجز التعجب منه إلّا بشرط أن يقتصر فيه على الفاعل؛ لأنّه قد ألحق بأفعال الغرائز، في أنّه لا يتعدّى ثم أدخلت عليه همزة النقل، فلا يتعدّى حينئذ إلا إلى مفعول واحد، لأنهما لو ذكرا فإمّا أن ينصبا، أو يدخل عليهما أو على أحدهما اللام، قال: ولا يجوز نصبهما، ولا نصب أحدهما لما ذكر، من أنّ «فعل» إذا نقل بالهمزة لا يتعدّى إلّا إلى منصوب واحد، ولا يجوز إدخال اللّام عليهما لما يؤدّي ذلك إليه من تعدّي فعل بحرفي جرّ من جنس واحد، على معنى واحد، وهو غير جائز، ثمّ قال: وهذا الذي ذكرته هو مذهب
البصريين أما الكوفيّون فيجيزون ذكرها، بشرط أن تدخل اللام على الأول، وينصب الثاني، نحو: ما أظنّ زيدا لعمرو قائما، هذا إن أمن اللّبس، فإن خيف اللّبس، أدخلت اللام على كل منهما، نحو: ما أظنّ زيدا لأخيك لأبيك قال: وما ذهبوا إليه باطل؛ للعلّة التي تقدم ذكرها 123. انتهى ما ذكره ابن عصفور.
والذي يظهر أنّ الذي ذكره طريق النّحاة، وما ذكره المصنّف عن ابن كيسان طريق آخر، ولا مصادمة بين النقلين، ولا شكّ أنّ الطريق الذي ذكره المصنّف أقرب إلى الحقّ، ويمكن ردّ ما ذكره ابن عصفور إليه، أمّا إذا كان الفعل من باب أعطى، فموافقة كلامه لكلام المصنف واضحة؛ لأنه أدخل على أحد المفعولين، كما فعل المصنّف إلا أنّه خالف في قوله: أنّه يقتصر على أحد الفعلين، إلّا أنّه قال: فإن جاء من كلامهم: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، كانت الدراهم منصوبة بفعل مقدّر، وهذا الذي انتهى إليه كلام ابن عصفور آخرا هو الذي ذكره المصنّف أولا، وأمّا إذا كان الفعل من باب ظنّ فلم يظهر لي وجوب الاعتماد على الفاعل، إذا قصد -
الجزء: 6 - الصفحة: 2637
[شروط ما تبنى منه صيغتا التعجب، وكيفية بنائهما من غير المستوفي للشروط]
قال ابن مالك: (فصل: بناء هذين الفعلين من فعل ثلاثيّ مجرّد تامّ مثبت متصرّف قابل معناه للكثرة غير مبنيّ للمفعول، ولا معبّر عن فاعله بـ «أفعل فعلاء»، وقد يبنيان من المفعول: إن أمن اللّبس، ومن فعل «أفعل» مفهم عسر أو جهل، ومن مزيد فيه، فإن كان «أفعل» قيس عليه، وفاقا لسيبويه، وربّما بنيا من غير فعل، أو فعل غير متصرّف وقد يغني في التّعجّب فعل عن فعل مستوف للشّروط كما يغني في غيره، ويتوصّل إلى التّعجّب بفعل مثبت متصرّف، مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور إن لم يستوف الشّروط بإعطاء المصدر ما للمتعجّب منه مضافا إليه، بعد ما أشدّ أو أشدد ونحوهما، وإن لم يعدم الفعل إلّا الصّوغ للفاعل جيء به صلة لما المصدريّة آخذة ما للمتعجّب منه بعد «ما أشدّ» أو «أشدد» ونحوهما).
التعجّب به؛ لأنّ المقاصد مختلفة، فقد يكون التعجب من كثرة ظنّ زيد، أو قوته، أو نحو ذلك من غير نظر إلى متعلّق، وحينئذ يقتصر على الفاعل فيقال: ما أظنّ زيدا ولا يحتاج مع هذا إلى شئ آخر، وقد يكون التعجّب من كثرة ظنّ زيد، بالنسبة إلى متعلّق الظنّ، وحينئذ يجب ذكر المتعلّق؛ إذ لو لم يذكر لم يحصل المعنى المقصود من
الكلام.
وعلى هذا نقول: ما أظنّ زيدا لبشر صديقا، فلم تدخل اللام إلا على أحد المفعولين، وأما المفعول الآخر فلم تنصبه بفعل التعجّب، إنّما نصبناه بفعل مقدّر، وإذا كان كذلك فما المانع له؟ ويصير قولنا: ما أظنّ زيدا لبشر صديقا؛ بمنزلة قولنا: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، وهو قد أجاز الثانية؛ فيلزمه [3/ 118] إجازة الأولى، وإلا فما الفرق؟ وقد تبين مما ذكرته أن الطريق الذي ذكره المصنف هو الذي ينبغي التعويل عليه، والعمل به.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 124: قيّد ما يبنى منه التعجّب بكونه فعلا تنبيها -
الجزء: 6 - الصفحة: 2638
................................
على خطأ من يقول من «الكلب»: ما أكلبه، ومن «الحمار»: ما أحمره، ومن «الجلف» 125: ما أجلفه، وربما يكون من «الجلد»: ما أجلده.
وقيد بكونه ثلاثيّا ليعلم امتناع بنائه من ذي أصول أربعة، مجردا كان كـ: «دحرج»، أو غير مجرّد كـ: «ابرنشق».
وقيد كون الثلاثي مجردا، تنبيها على أنّ حقه ألّا يبنى من ثلاثيّ مزيد فيه كـ: «علّم» و «تعلّم»، و «قارب»، و «اقترب».
وقيّد بكونه فعلا تامّا تنبيها على أنّه لا يبنى من فعل ناقص كـ: «كان»، و «ظلّ» و «كرب»، و «كاد» 126. وقيّد بكونه مثبتا تنبيها على أنّه لا يبنى من فعل مقصود نفيه لزوما، كـ: «لم يعج»، وجوازا، كـ: «لم يعج» 127. وقيد بالتصرف تنبيها على امتناع بنائه من «يذر» و «يدع» ونحوهما.
وقيد بقبول معناه للكثرة تنبيها على امتناع بنائه من «حدث»، «وفني» ونحوهما 128. وقيد بكونه غير مبنيّ للمفعول تنبيها على أنّ حقّه أن يبنى من فعل الفاعل لا من فعل المفعول، كـ: «علم» 129. وقيد -
الجزء: 6 - الصفحة: 2639
................................
بكونه لا يعبّر عن فاعله بـ «أفعل فعلاء» احترازا من «شنب 130، ودعج 131 ولمي 132» ونحوها من الأفعال التي بناء الوصف منها للمذكر «أفعل»، وللمؤنث «فعلاء»، ولا فرق في النوع بين ما هو من العيوب، كـ: «برص، وبرش 133، وحول، وعور» وبين ما هو من المحاسن كـ: «شهل 134، وكحل، وطهي، ولمي» وإنّما لم يبن من هذا النوع فعل تعجّب، لأنّ مبناه من الفعل حقه أن يكون ثلاثيّا محضا 135، وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على «أفعل» ولذلك صحت منه العين إذا كان ثلاثيّ اللفظ، كـ: «هيف، وحيد، وعور، وحول» ولم تقلب ألفا، كما فعل بـ «هاب ونال، وخاف، ونام» مع أنّ العين من جميعها حرف لين متحرك مفتوح ما قبله.
وهذا الذي فعل بـ «فعل» من الصحيح حملا على: «فعل»، مقدرا أو موجودا، شبيه بما فعل بـ «اجتوروا» حملا على «تجاوروا» و «مخيط» حملا على «مخياط» ولولا ذلك لقيل في «اجتوروا»: «تجاوروا» كما قيل: «اجتازوا» و «اقتادوا» ولقيل في «مخيط»: «مخاط» كما قيل: «مثال» و «معاش»، فكان تصحيح «هيف» وأخواته، مع استحقاقه ما استحقه «هاب» وأخواته؛ دليلا على أنّ أصله «أفعل» و «أفعل» لا يبنى منه فعل تعجّب، فجرى مجراه ما هو بمعناه، وواقع موقعه، وهذا التعليل هو المشهور عند النحوييّن.
وعندي تعليل آخر، أسهل منه، وهو أن يقال: لما كان بناء الوصف من هذا النوع على «أفعل» 136 لم يبن منه أفعل تفضيل؛ لئلّا يلتبس أحدهما بالآخر، فلمّا - - زيدا، وأنت تتعجب من الضرب الذي حل بزيد، وعلة المنع كونه يلتبس بفعل الفاعل، هكذا علله بعضهم، فيظهر من صاحب هذا التعليل أنه يجيز التعجب من فعل المفعول إذا عدم اللبس) اهـ.
الجزء: 6 - الصفحة: 2640
................................
امتنع صوغ أفعل التفضيل، امتنع، صوغ فعل التعجّب، لتساويهما وزنا ومعنى، وجريانهما مجرى واحدا، في أمور كثيرة، وهذا الاعتبار هيّن بيّن، ورجحانه متعين.
وقد يبنى فعل التعجّب من فعل المفعول، إن أمن الالتباس بفعل الفاعل نحو:
ما أجنه وما أنجبه، وما أشغفه، وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجّب، كـ: أزهى من ديك 137، وأشغل من ذات النحيين 138، وأشهر من غيره، وأعذر، وألوم، وأعرف، وأنكر، وأخوف، وأرجى، من: شهر، وعذر، وليم وعرف، ونكر، وخيف، ورجي.
وعندي أنّ صوغ فعل التعجّب، وأفعل التفضيل من فعل المفعول الثلاثيّ الذي لا يلتبس بفعل الفاعل، لا يقتصر فيه على المسموع، بل يحكم باطراده، لعدم الضائر، وكثرة النظائر، وقد يبنى فعل التعجب من فعل «أفعل» مفهم جهل، أو عسر، والإشارة بذلك إلى: حمق، ورعن، وهوج، ونوك 139، وألد، إذا كان عسر الخصومة، وبناء الوصف من هذه الأفعال على أفعل في التذكير، وفعلاء في التأنيث، لكنها ناسبت - في المعنى - «جهل وعسر» فجرت في التفضيل والتعجّب مجراهما، فقيل: ما أحمقه، وأرعنه، وأهوجه، وأنوكه، وألدّه! وهو أحمق منه، وأرعن، وأهوج، وأنوك، وألدّ 140.
وقد يبنى فعل التعجّب من ثلاثيّ مزيد فيه، كقولهم من «اشتد»: ما أشدّه، -
الجزء: 6 - الصفحة: 2641
................................
ومن «اشتاق»: ما أشوقه، ومن «اختال»: ما أخوله، ومن: «اختصر الشيء»:
ما أخصره وفي هذا شذوذ من وجهين: أحدهما: أنه من مزيد فيه، والآخر: أنّه من فعل المفعول، وأكثر النحويين يجعلون من شاذّ التعجّب: ما أفقره! وما أشهاه! وما أحياه! وما أمقته! لاعتقادهم أنّ ثلاثي: «افتقر، واشتهى، واستحيى» مهمل، وأنّ فعل الفاعل من «مقت» غير مستعمل، وليس الأمر كما اعتقدوه، بل استعملت العرب «فقر» بمعنى «افتقر»، و «شهي الشيء» بمعنى «اشتهاه»، و «حيي» بمعنى «استحيى»، وكذلك استعملت: مقت الرجل مقاتة، إذا صار مقيتا، أي: بغيضا [3/ 119] فليس قولهم: ما أفقره من افتقر؛ بل من فقر، أو فقر، ولا: ما أشهاه من اشتهى؛ بل من شهي، ولا ما أحياه، من استحيى، بل من حيي، ولا: ما أمقته من مقت؛ بل من مقت، وممّن خفي عليه استعمال «فقر، وفقر، ومقت» سيبويه 141، ولا حجّة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره، بل الزيادة من الثّقة مقبولة.
وقد ذكر استعمال ما ادعيت استعماله جماعة من أئمة اللّغة وإن كان المزيد فيه على وزن «أفعل» لم يقتصر في صوغ فعلي التعجّب منه على المسموع، بل يحكم فيه بالاطراد، وقياس ما لم يسمع منه على ما سمع، ما لم يمنع مانع آخر، هذا هو مذهب سيبويه والمحقّقين من النّحاة 142، ولا فرق بين ما همزته للتعدية، كـ: «أعطى»، وبين ما همزته لغير التعدية، كـ: «أغفى»، ويشهد بأنّ هذا مذهب سيبويه قوله في الباب المترجم بهذا باب ما يعمل عمل الفعل، ولم يجر مجرى الفعل، ولم يتمكن تمكنه: وبناؤه أبدا من فعل، وفعل، وفعل، وأفعل.
هذا نصّه؛ فسوّى بين «أفعل»، والثّلاثة الثلاثيّة، في صحة بناء فعل التعجب منها، وأطلق القول بـ «أفعل» فعلم أنّه لا يفرق بين ما همزته
للتعدية، وما همزته لغير التعدية 143 -
الجزء: 6 - الصفحة: 2642
................................
كما فعل ابن عصفور 144؛ إذ أجاز القياس على: ما أغفى زيدا؛ لأنّ همزته غير معدّية، ولم يقس على: «ما أعطاه»؛ لأنّ همزته معدية، وهو تحكم بلا دليل.
هذا مع أنّ سيبويه قال - بعد قوله: وبناؤه أبدا من فعل وفعل وفعل وأفعل فشبه هذا بما ليس من الفعل، نحو: «لات» -: وإن كان من: حسن وكرم وأعطى 145؛ فلم يفرق بين «أعطى»، و «كرم»، مع العلم بأنّ همزة «أعطى» معدّية، لأنّه يقال: عطوت الشيء، بمعنى: تناولته، وأعطيته فلانا؛ فيصير «عطوت» بالهمزة متعديا إلى اثنين، بعد أن كان دونها متعديا إلى واحد، ومن تصريح سيبويه باطراد:
ما أعطاه، وشبهه قوله - في الربع الأخير من كتابه -: هذا باب ما يستغنى فيه عن «ما أفعله» بـ «ما أفعل فعله»، ثم قال 146: كما استغني بـ «تركت» عن «ودعت» وكما استغني بـ «نسوة» عن أن يجمعوا المرأة على لفظها، وكذلك في الجواب، ألا ترى أنك لا تقول: ما أجوبه!، إنّما تقول: ما أجود جوابه!».
ثمّ قال: وكذلك لا تقول: أجوب به، وإنما تقول: أجود بجوابه، ولا يقولون في قال يقيل: «ما أقيله!» استغنوا بـ «ما أكثر قائلته»، و «ما أنومه في ساعة كذا»، كما قالوا: «تركت»، ولم يقولوا: «ودعت» هذا نصّه؛ فجعل استغناءهم عن: «ما أجوبه!» بـ «ما أجود جوابه!» مساويا لاستغنائهم عن «ودعت» ماضي «يدع» بـ «تركت»، وعن «ما أقيله» بـ «ما أكثر قائلته»، مع العلم بأنّ عدولهم عن «ودع» إلى «ترك»، وعن «ما أقيله» إلى ما أكثر قائلته!» على خلاف القياس وأنّ «ودع»، و «ما أقيله!» موافقان للقياس، فيلزم أن يكون ما أجوبه موافقا للقياس، وهذا بيّن، والاعتراف بصحته
متعين، وإنما استحق «أفعل» مساواة الثلاثيّ المحض، في هذا الاستعمال، دون غيره، من أمثلة المزيد فيه؛ لشبهه به لفظا، ولكثرة موافقته له معنى 147. -
الجزء: 6 - الصفحة: 2643
................................
فأما الموافقة لفظا: فمن قبل أنّ مضارعه، واسم فاعله، واسم زمانه، واسم مكانه [لمضارع الثلاثي، واسم فاعله، وزمانه ومكانه] في عدّة الحروف، والحركات، وسكون الثاني، بخلاف غيره من المزيد فيه، وأما الموافقة في المعنى:
فكثيرة؛ فمن موافقته لـ «فعل»: سرى وأسرى، وطلع على القوم وأطلع، أي:
أشرف، وطفلت الشمس وأطفلت، أي: دنت للغروب، وعتم الليل وأعتم، أي:
أظلم، وعكل الأمر وأعكل، أي: أشكل، ومن موافقته لـ «فعل»: غطش الليل وأغطش، أي: أظلم، وعوز الشيء وأعوز، أي: تعذّر، وكذلك الرجل إذا افتقر، وعدم الشيء وأعدمه، أي: فقره، وعيست الإبل وأعيست، أي: دنّست أدبارها ومن موافقته لـ «فعل»: خلق الثوب وأخلق، أي: بلي، وبطؤ وأبطأ معلوم، وبؤس وأبأس، أي: ساءت حالته، ونظائر ذلك كثيرة، فلكون «أفعل» مختصّا من بين الأفعال المغايرة للثلاثيّ بمشابهته لفظا، وموافقته معنى، أجراه سيبويه مجراه في اطراد بناء فعلي التعجّب منه.
وقد يبنيان من غير فعل، كقولهم: ما أذرع فلانة! بمعنى: ما أخفّها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذراع، وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل، مثله، في البناء من وصف لا فعل له، وأقمن به أي: أحقق، اشتقوه من قولهم:
هو قمن بكذا، أي: حقيق به، وهذان وما أشبههما شواذ، لبنائهما من غير فعل 148، ومثلهما في الشذوذ: ما أعساه! وأعسى به! بمعنى: ما أحقه، وأحقق به، فبنوا فعلي التعجب من «عسى»، وهو فعل غير متصرف، وإلى هذا أشرت بقولي: (أو فعل غير متصرف) ومن الأفعال ما لم يصغ منه فعل تعجب، مع كونه ثلاثيّا، مجردا، تامّا، مثبتا،
متصرفا، قابلا للكثرة، مصوغا للفاعل، غير معبر عن فاعله عن بـ «أفعل فعلاء»، فمن ذلك: سكر، وقعد، وجلس ضد «أقام»، وقال، من القائلة، استغنت العرب فيهن بـ: ما أشد سكره، وما أكثر قعوده، -
الجزء: 6 - الصفحة: 2644
................................
وجلوسه، وقائلته! عن: ما أسكره، وأقعده، وأجلسه، وأقيله!.
وإليها أشرت بقولي: (وقد يغني في التعجب فعل عن فعل، مستوف للشروط، كما يغني في غيره) ثم قلت: (ويتوصل إلى التعجب بفعل مثبت متصرف، مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور، إن لم يستوف الشروط بإعطاء المصدر ما للمتعجب منه، مضافا إليه، بعد «ما أشد»، أو «أشدد»، ونحوهما) ففهم من هذا أنه يقال - في دحرج، وانطلق -: ما أشد دحرجته، وانطلاقته، وفي كان زيد صديقك: ما أشد كون زيد صديقك، وفي مات زيد: ما أقطع موت زيد، وفي هيفت المرأة: ما أحسن هيفها، وكذا يقال: أشدد بدحرجته وانطلاقه، وبكونه صديقك [3/ 120] وأفظع بموته، وأحسن بهيفها، ثم قلت: (فإن لم يعدم الفعل إلا الصوغ للفاعل جيء به صلة لـ «ما» المصدرية، آخذة ما للمتعجب منه، بعد «ما أشد»، أو «أشدد»، أو نحوهما) ففهم من هذا أنه يقال: ما أشد ما ضرب زيد، وأشدد بما ضرب زيد، ولم يغن ذكر المصدر؛ لأن كون المتعجب منه مفعولا، لا يعلم بذلك، وإنما يعلم بذكر «ما» موصولة بفعل مصوغ للمفعول 149. هذا آخر كلام المصنّف رحمه الله تعالى.
وملخص ما ذكره: أنّ شروط ما يبنى منه فعل التعجّب تسعة: وهى كونه فعلا، ثلاثيّا مجرّدا، تامّا، مثبتا، متصرفا، قابلا معناه للكثرة، غير مبني للمفعول، ولا معبرا عن فاعله بأفعل فعلاء 150، وأنّ الفعلين المذكورين قد يبنيان شذوذا، من غير فعل مزيد فيه، ومن فعل مزيد فيه أي: غير مجرّد من الزيادة، ومن فعل غير متصرف، ومن فعل مبني للمفعول، ومن فعل معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء، وباقتصاره على ما ذكره، وسكوته عن الباقي علم أنهما لا يبنيان ولو شذوذا من فعل رباعيّ، ولا من فعل ناقص، ولا من فعل منفيّ، ولا من فعل غير قابل معناه للكثرة، أما الفعل الرباعيّ؛ فلكون بناء هذين الفعلين منه غير ممكن، وأما الفعل -
الجزء: 6 - الصفحة: 2645
................................ الناقص؛ فإنّ المصنف لم يصرح بالعلة المقتضية لعدم جواز بناء فعل التعجب منه، لكنّ العلة في ذلك تعرف من قوله: إنّ همزة أفعل في التعجب لتعدية ما عدم التعدي في الأصل أو الحال، والحاصل: أنّه لا بدّ أن يتصور اللزوم في الفعل الذي يبنى منه هذان الفعلان - أعني فعلي التعجّب - قبل أن يبنيا، وإذا كان كذلك امتنع التعجب من نحو: «كان»؛ لأنّك إذا قلت: ما أكون زيدا، أو افتقرت، لزم حذف الخبر، وإبقاء المخبر عنه في المعنى دون خبر غير جائز، وذكر الخبر ممتنع؛ لأنك إن ذكرته منصوبا لم يكن له ناصب؛ لأنّ «أفعل»، الذي هو «أكون» لا يتعدّى إلا إلى واحد، وقد استوفاه، وإن ذكرته مجرورا باللّام أدّى ذلك إلى إدخال اللام الجارة على ما هو خبر في الأصل، قال ابن عصفور: ولا نظير لذلك في كلامهم 151، وأما ما ذكره الشيخ في شرحه، أنّ بعضهم أجاز التعجّب من «كان» فيقول: ما أكون عبد الله قائما (2)، فيكون «قائما» منصوبا على أنّه خبر «كان»، فلا معوّل عليه، وقد قال هو: إن الذي ذكره المصنف، من عدم الجواز في «كان»، وأخواتها؛ هو مذهب الجمهور 152، وكفى بذلك، وأما الفعل المنفيّ، فلعدم إمكان البناء منه، مع مراعاة معنى النّفي، وأما الفعل غير القابل معناه للكثرة، فلمنافاة المعنى المقصود بالتعجّب، ثمّ إنّ الذي يتعذر التعجب منه من الأفعال لمانع من الموانع التي ذكرت؛ فإن كان المانع مصاحبة ناف الفعل، أو عدم تصرّف الفعل؛ فلا سبيل إلى التعجّب من الفعلين، وإن كان المانع غير هذين الأمرين أمكن التعجب، لكن بطريق، وهو أن يؤتى بمصدر ذلك الفعل، ويعطى ما للمتعجّب منه مضافا إليه 153، بعد «أشدّ»، أو «أشدد»، ونحوهما، بـ «ما» المصدرية، متلوة بالفعل الذي هو مصوغ للمفعول، فتقول: ما أشدّ ما ضرب زيد، وأشدد بما ضرب زيد، كما تقول فيما ذكر قبل: ما أشدّ انطلاق زيد، وأشدد بانطلاقه؛ فالإتيان بالمصدر لا بدّ منه إلا أنّه قد يؤتى به مؤولا، إنما وجب الإتيان به مؤولا، لأنّه لو أتي -
الجزء: 6 - الصفحة: 2646
................................ به صريحا لما علم هل هو مصدر فعل فاعل، أو مصدر فعل مفعول كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام المصنف 154، واعلم أنه إذا لم يكن للفعل مصدر مشهور، وتعذّر التعجب من ذلك الفعل، فالطريق في التوصل إلى التعجّب منه أن يجعل الفعل صلة لـ «ما» كما كان ذلك في الفعل المبني للمفعول، فيقال: ما أكثر ما يذر زيد الشرّ، وأكثر بما يذر زيد الشرّ. وإذ قد عرف ذلك فلنشر إلى أمور: منها: أنّ الشيخ نقل 155 عن ابن القطاع 156 أنّهم يقولون: ذرعت المرأة، إذا خفت يداها في العمل، فهي ذراع 157، قال 158: وعلى هذا لا يكون قولهم: ما أذرع فلانة شاذّا؛ لأنّه مصوغ من فعل، ثمّ قال: وأما يعج فإنّه قد استعمل مثبتا 159، وأنشد البيت الذي تقدم إنشاده له في باب «كان» وهو: 2086 - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه... ولا مشربا أروى به فأعيج 160
الحديث: 2086 - الجزء: 6 - الصفحة: 2647
................................
والأمر في ذلك أقرب 161؛ لأنّ قولهم: ذرعت المرأة - إن ثبت - كان في غاية النّدور، فلا اعتداد به وكذا استعمال «يعيج» مثبتا لا عبرة به لندوره على أنّ لقائل أن يدّعي أنّ «أعيج» - في البيت - منفيّ؛ لأنّ الشاعر نفى الشرب الذي يحصل به الريّ، والانتفاع، فكأنّه قد نفى الريّ والانتفاع؛ إذ مراده أنه لا ريّ، ولا انتفاع، لانتفاء المشروب الذي من شأنه أن يحصل بسببه هذان الأمران.
ومنها: أنّ المصنف مثل لما لا يكون من الأفعال قابلا معناه للكثرة، نحو: مات، وفني، وحدث، كما تقدّم، وتبعه الشيخ في التمثيل بذلك، وأدرج معه في التمثيل قولهم: ما أحسنه! وما أقبحه! وما أطوله، وما أهوجه! وما أحمقه! وما أنوكه! 162 وما أشنعه! 163 فعدّ نحو هذه الأمثلة من الشاذّ، وتبع في ذلك ابن عصفور، فإنّه قال: العجب لا يكون إلا مما يزيد وينقص 164.
وأمّا [3/ 121] الخلق الثابتة فلا يجوز أن تتعجب منها ثم قال: وكذلك الألوان وإنّما تتعجب من أوصافها ولا يتعجب منها إلا أن يشذّ من ذلك شيء فلا يقاس عليه، والذي شذّ من ذلك: ما أحسنه...، وسرد الأمثلة المتقدمة إلى آخرها، ولم يظهر لي كون الحسن، وما ذكر معه لا يزيد ولا ينقص؛ إذ المحسوس خلاف ذلك، ثم لم يظهر لي أيضا قول ابن عصفور، والظاهر أنه أراد بذلك الزيادة والنقص، لقوله: كالشدّة والضّعف، وإذا كان مراده ذلك فما المانع من التعجب؟، ويقوي ذلك قوله: ويتعجّب من أوصافها، والذي يظهر أنّ المصنف لا يرى شذوذ نحو:
ما أحسنه! وما أقبحه! لأنّه إنما اشترط في الفعل الذي يبنى منه صيغتا التعجّب أن يكون قابلا معناه للكثرة.
ولا شكّ أنّ «حسن» و «قبح» قابل معناه لها، وبعد أن كتبت هذا الذي -
الجزء: 6 - الصفحة: 2648
................................
ذكرته، وقفت على كلام الشيخ فوجدته قد نحا إلى ما نحوت إليه، حتّى قال:
ولست أعلم أنّ أحدا من النحاة عدّد في الشواذّ ما عدّده ابن عصفور، ولم يسلم له مثال مما ذكر أنّه شاذ، فحصل لي اعتضاد بما ذكره رحمه الله تعالى، ومنها أنّ ابن عصفور ذكر ألفاظا، بنيت من الفعل المزيد فيه، مقصودا بها التعجّب 165، غير ما ذكره المصنف، وهي: ما أتقاه! من «اتّقى»، وما أقومه! من «استقام»، وما أمكنه عند الأمير! من «تمكّن»، وما أملأ القربة! من «امتلأ»، وما آبل الرجل! أي: ما أكثر إبله، وإنّما يقال: يأبل إبلا، إذا اتخذها، وذكر غيره:
ما أرفقه! وما أحوجه! وقد قيل: إنّ لكلّ من هذه الصيغ فعلا ثلاثيّا، والحقّ أنّ ذلك غير ثابت.
ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف، من الخلاف في بناء هذين الفعلين، من «أفعل»، والذي تلخّص أنّ في ذلك مذاهب ثلاثة، يفرق في الثالث بين ما همزته للنقل، وما همزته لغير النّقل، فلا يبنى من الأول، ويبنى من الثّاني 166.
وقد عرفت ما ذكره المصنف من أنه لا فرق بينهما، وأنّه يجوز بناء فعلي التعجّب من كلّ من الفعلين - أعني: ما همزته للتعدية، وما همزته لغيرها - وقد قال المصنف: إنّه مذهب سيبويه والمحققين 167، ووافق المصنف على تصحيح هذا المذهب ابن هشام الخضراويّ، ومن المسموع مما الهمزة فيه للتعدية قولهم: ما آتاه للمعروف! وما أعطاه للدراهم! وما أولاه بالمعروف! وما أضيعه لكذا! ومن المسموع مما الهمزة فيه لغير التعدية قولهم: ما أنتنه! في لغة من قال: أنتن، وما أخطأه! وما أصوبه! وما أيسره! وما أعدمه! وما أسنّه! وما أوحش المكان الفلانيّ! وما أمتعه! وما أشرفه! وما أفرط جهله! وما أظلمه! وما أضوأه! 168. -
الجزء: 6 - الصفحة: 2649
................................
ومنها: أنّ صفات الله تعالى لا يتعجّب منها، فإنها لا تقبل الزيادة، إذ هي في أكمل الصفات، ولا يتصور فيها خلاف ذلك.
وأما قول العرب: ما أعظم الله! وما أجلّ الله! 169، وقول الآخر:
2087 - ما أقدر الله أن يدني على شحط... من داره الحزن ممّن داره صول 170
فقالت الأئمة فيه: إنّ التعجب منهم غير مقصود، ولكنّ هذا كلام يجري مجرى الذكر والتعظيم لله تعالى 171. -
الحديث: 2087 - الجزء: 6 - الصفحة: 2650
................................
ومنها: أنّ المصنف جعل بناء هذين الفعلين من الفعل المبنيّ للمفعول؛ غير مقصور على السّماع، لكن قال الشيخ: قصر ذلك على السماع هو قول الجمهور.
ومنها: أنّه تقدم أنّ العرب تركت التعجّب من أفعال مستوفية للشروط، واستغنت عنها بغيرها، وذكر أنّ من جملتها: قام، وقعد، وجلس 172.
قال الشيخ: ومن عدّ «نام» فيها فليس قوله بصحيح؛ لأنّ سيبويه حكى:
ما أنومه 173! وقالت العرب: هو أنوم من فهد 174.
وحكى الأخفش عن بعض العرب: ما أغضبه! 175.
ومنها: أنّ الشيخ قال في قول المصنف: ويتوصّل إلى التعجّب إلى آخره: إنّ هذا الحكم لا يختض بما فقد فيه شرط من الشروط، بل يجوز هذا الحكم فيما استوفى الشروط، فتقول: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، وأكثر بضرب زيد لعمرو، وما أكثر ما ضرب زيد عمرا، وأكثر بما ضرب زيد عمرا 176 انتهى، وفيما ذكره نظر، فإنّ التعجب فيما مثّل به ليس من الضّرب، إنّما هو من كثرة الضّرب، و «أكثر» ليس نائبا عن شيء، إنما هو صيغة «أفعل» التفضيل، والفعل الذي بنى منه هو كثر، كما أنّ «أحسن» - مثلا - صيغة تفضيل، وهو من «حسن».
والحاصل: أنّ الفرق معقول بين قولنا: ما أضرب زيدا لعمرو، وقولنا: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، ففي المثال الأول: التعجّب من الضرب، وفي المثال الثاني:
التعجّب من كثرته، لا منه.
ومنها: أنّ المانع من التعجّب، إن كان كون الفعل منفيّا، جعلت الفعل في صلة أن، نحو: ما أقبح أن لا يأمر بالمعروف، وأقبح بأن لا تأمر بالمعروف، قالوا: فلو كان الفعل من باب «كان» ممّا لزمه النّفي لكونه وضع له وهو «ليس»، أو لكونه -
الجزء: 6 - الصفحة: 2651
................................ لا يستعمل إلّا مقرونا بحرف أو بحرف النهي أو الدّعاء، نحو: ما زال؛ ففيه خلاف، أجاز البغداديون: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، وما أحسن ما لا يزال يذكرك زيد، وتابعهم ابن السرّاج، يقول ابن السراج 177: كما جاز لك ذلك في «كان» ولكن يجوز: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد: وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، وهذا مذهب البغداديين (2). قال الشيخ: ويقوي ذلك في «ليس» أنها قد وقعت صلة لـ «ما» المصدريّة، قال: 2088 -... بما لستما أهل الخيانة والغدر 178 ويقوّي ذلك في «لا يزال» أنّ صورته صورة النّفي، وهو موجب من حيث المعنى، فكأن «ما» المصدرية إنّما دخلت على موجب، لا على منفيّ، قال: فإن كان الفعل «نعم، وبئس»، وغيرهما، ممّا لا يتصرف فلا يقع صلة «ما» ولا لـ «أن» 179. ومنها: أنّ ما شذّوا فيه فقالوا: ما أفعله، نحو: ما أملأ هذه القربة! وما أمكنه عند الملك! لا يجوز أن يبنى منه «لفعل» مرادا به التعجب، فلا يقال: لملؤت القربة، ولا: لمكن زيد، وذلك أنّ «أفعل» في التعجّب، قليلة الاستعمال، فلم يجز استعمالها، إلا حيث يستعمل «ما أفعله» بقياس 180. -
الحديث: 2088 - الجزء: 6 - الصفحة: 2652
................................
ومنها: أنّ نحو: ما أحسن [3/ 122] زيدا لا ما أشرفه! وما أحسن زيد لا أشرفه! منع من إجازتهما الكسائي، وقال النحاس: إنّهما جائزتان على مذهب البصريين؛ لأنّ حكم «لا» أن يكون بعد الإيجاب 181. انتهى.
وفي إجازة المسألة الأولى نظر، لأنّ «لا» إنّما يعطف بها المفرد، لا الجملة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2653