الباب الثاني عشر باب المبتدأ
1 [تعريفه - نوعاه]
قال ابن مالك: (وهو ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيّا من مخبر عنه، أو وصف سابق رافع ما انفصل وأغنى، والابتداء كون ذلك كذلك).
قال ناظر الجيش: إنما صدر الحد بما ولم يصدره بالاسم؛ ليشمل الاسم الصريح نحو: زيد كاتب، والمؤول نحو: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 2. ونحو:
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 3. أي صومكم خير لكم.
وسواء عليهم الإنذار وعدمه.
وإنما قال: أو حكما ليدخل في الحد المجرور بحرف زائد نحو: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ 4 فإن خالقا مبتدأ ولم يعدم عاملا لفظيّا عدما حقيقيّا؛ لكنه عدمه عدما حكميّا؛ لأن من زائدة فهي وإن [1/ 296] وجدت لفظا معدومة حكما 5.
وقيد العامل الذي عدمه المبتدأ بكونه لفظيّا إشعارا بأن للمبتدأ عاملا معنويّا، وهو الابتداء، ولما كان ما عدم عاملا لفظيّا صالحا لتناول أسماء الأفعال ولتناول الفعل المضارع العاري من ناصب وجازم، وكان المبتدأ ينقسم إلى مخبر عنه وغير مخبر -
الجزء: 2 - الصفحة: 847
................................
عنه ذكر مخبرا عنه والوصف المقيد منعا لدخول أسماء الأفعال والفعل المضارع وجمعا لنوعي المبتدأ.
والمراد هنا بالوصف ما كان كضارب أو كمضروب من الأسماء المشتقة، وما جرى مجراها نحو: أضارب الزّيدان، وما مضروب العمران، والجاري مجراه باطراد نحو: أقرشيّ أبواك، وأقرشي قومك.
وقيد الوصف بسابق احترازا من نحو:
الزّيدان قائم أبواهما، وقيد أيضا برافع دون إضافة إلى فاعل؛ ليعم الوصف الرافع فاعلا والرافع مفعولا نحو: ما مضروب العمران.
ونبه بقوله: ما انفصل على أن المرفوع بالوصف المذكور لا يسدّ مسد الخبر إلا إذا كان غير متصل بالوصف المذكور، أي غير مستتر، وذلك يشمل الاسم الظاهر والمضمر المنفصل.
فمثال الأول قول الشاعر:
533 - أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنا... إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا 6
ومثال الثاني قول الآخر:
534 - خليليّ ما واف بعهدي أنتما... إذا لم تكونا لي على من أقاطع 7
ومنه في أحد الوجهين قوله تعالى: أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ 8. -
الحديث: 533 - الجزء: 2 - الصفحة: 848
................................
واحترز بقوله: وأغنى من أن لا يكون مغنيا نحو: أقائم أبواه زيد؛ فإن الفاعل منفصل مرتفع بوصف سابق إلا أنه غير مغن؛ إذ لا يحسن السكوت عليه، فليس مما نحن فيه، بل زيد مبتدأ وقائم خبر مقدم وأبواه مرتفع به.
قال المصنف: ويجوز كون قائم مبتدأ مخبر عنه بزيد، كما قال سيبويه في:
«مررت برجل خير منه أبوه، فخير منه مبتدأ وأبوه خبر مع أنّ الأول نكرة والثّاني معرفة» انتهى 9.
ثم ها هنا تنبيهات:
الأول: قال المصنف عند كلامه على الحد المذكور: «قد تقدّم ما يدلّ على أن الإخبار عن الشيء يكون باعتبار لفظه كما يكون باعتبار معناه وأن المخبر عنه بالاعتبارين يكون اسما نحو: زيد كاتب وزيد معرب، ويكون غير اسم نحو:
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 10 فـ خَيْرٌ خبر عن أَنْ تَصُومُوا باعتبار المعنى؛ فلو قلت: أن تصوموا ناصب ومنصوب كان إخبارا باعتبار اللفظ.
ومن الإخبار باعتبار المعنى والمخبر عنه في اللفظ غير اسم قوله تعالى:
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 11 أي سواء عليهم الإنذار وعدمه؛ فلهذا لم أصدر حدّ المبتدأ بالاسم لأنه بعض ما يكون مبتدأ، بل صدّرته بما عدم عاملا لفظيّا ليتناول الاسم وغيره».
انتهى 12.
أما قوله: إن الإخبار عن الشيء يكون باعتبار لفظه كما يكون باعتبار معناه، - - «المختار في إعرابه أن تكون راغب مبتدأ؛ لأنه قد اعتمد على أداة استفهام، وأنت فاعل سد مسدّ الخبر، ويترجح هذا الإعراب على ما أعربه الزمخشري من كون أراغب خبرا وأنت مبتدأ لوجهين: أحدهما: أن لا يكون فيه تقديم وتأخير؛ إذ رتبة الخبر أن يتأخر عن المبتدأ.
والثاني: ألا يكون فصل بين العامل الذي هو راغب وبين معموله الذي هو: عن آلهتي بما ليس بمعمول للعامل؛ لأن الخبر ليس عاملا في المبتدأ بخلاف كون أنت فاعلا، فإنه معمول أراغب، فلم يفصل بين: أراغب وبين: عن آلهتي - بأجنبي، إنما فصل بمعمول له».
الجزء: 2 - الصفحة: 849
................................
وأن المخبر عنه بالاعتبارين يكون اسما فصحيح، وأما قوله: ويكون غير اسم [1/ 297] فليس بصحيح ولم يتقدم له ذلك، بل الذي تقدم نقيضه وهو أن الإخبار باعتبار المعنى يختص الاسم به، والذي يشترك الثلاثة فيه الإخبار باعتبار اللفظ، وقد تقدّم تقرير ذلك عند قوله: فالاسم كلمة يسند ما لمعناها إلى نفسها.
وإنما صح الإخبار عن أَنْ تَصُومُوا ب خَيْرٌ، وعن أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ب سَواءٌ وإن لم يكونا اسمين لتأولهما بهما، ولولا التأويل لم يصح الإخبار أصلا؛ ولهذا عدلنا عن عبارته وقلنا إنما صدر الحد بما ليشمل الصريح والمؤول.
الثاني: ذكر ابن عصفور 13: «أنّ ربّ حكمها في دخولها على المبتدأ حكم الحرف الزائد تقول: ربّ رجل عالم أفاد.
فالرّجل في موضع رفع بالابتداء وهو مبتدأ وقد جرّ بحرف غير زائد.
الثالث: حكم المصنف بدخول أسماء الأفعال تحت قوله: ما عدم عاملا لفظيّا؛ وهذا على ما يراه من أنها غير معمولة 14.
الرابع: أورد الشيخ على المصنف: لا نولك أن تفعل.
قال: «نولك ليس وصفا، وقد جعلوه بمنزلة أقائم الزيدان، وقد حكي نولك أن تفعل فهو من باب قائم الزيدان».
انتهى 15.
والجواب: أن هذا قليل نادر خارج عن القياس، فلهذا لم يلتفت إليه على أنه كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لا ينبغي لك أن تفعل أو ينبغي لك أن تفعل إذا لم تأت بلا.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 850
................................ الخامس: ذكر الشيخ: أنّ في رفع الوصف المذكور الضّمير المنفصل خلافا 16: فمذهب البصريين الجواز ومذهب الكوفيين المنع؛ فإذا قلت: أقائم أنت جعلوا قائما خبرا مقدّما وأنت مبتدأ، والبصريون يجيزون هذا الوجه، ويجيزون أن يكون أنت فاعلا بقائم. وثمرة الخلاف تظهر في التثنية والجمع: فالكوفيون لا يجيزون إلا: أقائمان أنتما وأقائمون أنتم، واحتجوا بأن هذا الوصف إذا رفع الفاعل السادّ مسد الخبر كان جاريا مجرى الفعل. والفعل لا ينفصل منه الضمير في قولك: أتقومان وأتقومون؛ فلا ينبغي أن ينفصل ما يجري مجراه، وإذا لم يجز انفصاله وجب أن يقال: أقائمان أنتما وأقائمون أنتم حتى يكون الضمير الذي في قائم متصلا به كاتصاله بالفعل في أتقومان وأتقومون إلا أن الفعل مستقل بنفسه والاسم الذي فيه ضمير متصل 17 غير مستقل بنفسه، ولذلك احتاج إلى رافع وهو أنتما وأنتم. والصحيح ما ذهب إليه البصريون، واستدلوا بالقياس والسماع 18. أما القياس: فهو أن الصفة إذا جرت على غير من هي له برز فيها الضمير المرفوع بها نحو: زيد هند ضاربها هو، بلا خلاف بين أحد من النحويين في جواز ذلك مع أنها إذ ذاك جارية مجرى الفعل، ولو وقع الفعل موقعها لم يبرز الضمير، بل كنت تقول: زيد هند يضربها، فكما خالف اسم الفاعل الفعل في هذا الموضع مع أنه جار مجراه، فكذلك لا ينكر أن يخالف اسم الفاعل الفعل بانفصال الضمير منه في: أقائم أنتما وشبهه. وأما السماع: فكقول الشاعر: «خليليّ ما واف» البيت المتقدم. وقول الآخر [1/ 298]: 535 - فما باسط خيرا ولا دافع أذى... من النّاس إلّا أنتم آل دارم 19
الحديث: 535 - الجزء: 2 - الصفحة: 851
................................
السادس: إذا عطف على هذا الوصف ببل انفصل الضمير فتقول: أقائم الزّيدان بل قاعدهما.
وتقول: أقائم أخواك أم قاعد، هذا القياس والوجه؛ لأن التقدير: أم قاعد أخواك وحكى أبو عثمان 20: أم قاعدان فأضمر على حد ما يضمر اسم الفاعل، وعلى قول الشاعر:
536 - أناسية ما كان بيني وبينها... وتاركة عهد الوفاء ظلوم 21
فأيهما أعمل في ظلوم من اسمي الفاعل لزم الإضمار في الآخر منفصلا، لكن البيت جاء على ما حكاه أبو عثمان.
السابع: قال الشيخ 22: ورد على المصنف في مسألة: أقائم أبواه زيد، وإجازته أن يكون قائم مبتدأ مخبرا عنه بزيد، فقيل: يلزم من ذلك أن يكون المبتدأ قد اشتمل متعلقه على ضمير يعود على الخبر وهو متأخر لفظا ورتبة وذلك لا يجوز.
قال: وقد ذهل المصنف والرادّ عليه عن قاعدة في الباب: وهو أنّ هذا الوصف القائم مقام الفعل لا يكون مبتدأ حتّى يكون مرفوعه أغنى عن الخبر؛ لأن مرفوعه هو المحدث عنه، فلا يجتمع هو وخبره عن الوصف، وأبواه في هذه الصورة لا يغني عن الخبر؛ لأنه لا يستقلّ مع الوصف كلاما من حيث الضمير، فلا يجوز في الوصف أن يكون مبتدأ ألبتة فهو خبر مقدّم وأبواه فاعل به وزيد مبتدأ.
انتهى 23.
وما ذكره الشيخ غير ظاهر:
أما قوله: إن الوصف القائم مقام الفعل لا يكون مبتدأ حتى يكون مرفوعه أغنى عن الخبر - فممنوع وإنما الشروط التي ذكرت من كون الوصف المذكور سابقا رافعا - - والبيت ليس في معجم الشواهد، وهو في التذييل والتكميل (3/ 255).
الحديث: 536 - الجزء: 2 - الصفحة: 852
[عامل الرفع في المبتدأ والخبر]
قال ابن مالك: (وهو يرفع المبتدأ والمبتدأ الخبر؛ خلافا لمن رفعهما به، أو بتجرّدهما للإسناد أو رفع بالابتداء المبتدأ، وبهما الخبر أو قال: ترافعا).
منفصلا مغنيا لصحة سد مرفوعه مسد الخبر.
وإذا فقد بعض الشروط امتنع الاكتفاء بالمرفوع عن الخبر، وصار ذكر الخبر لازما.
أما أنه يمتنع جعل الوصف حينئذ مبتدأ فلا يظهر.
وإذا تقرر هذا فالإيراد الذي ذكر وهو لزوم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة - صحيح.
ويبطل جعل قائم مبتدأ وزيد خبره من هذه الجهة، لا من الجهة التي أشار الشيخ إليها.
إلا أن يقال: إن له موصوفا محذوفا والتقدير: إنسان قائم أبواه زيد 24. ويكون الضمير عائدا على إنسان، فلا يحكم إذ ذاك على ذلك بالبطلان.
قوله: والابتداء كون ذلك كذلك أشار بذلك إلى ما عده عاملا لفظيّا، وبذلك إلى القيود التي قيد بها كل واحد من قسمي المبتدأ.
والحاصل: أن الابتداء هو تقديم الشيء في اللفظ والنية مجردا مسندا إليه خبر، أو مسندا إلى ما يسد مسد الخبر.
قال ناظر الجيش: في الرافع للمبتدأ والخبر (مذاهب ثمانية:
وأرجحها أن المبتدأ مرفوع بالابتداء - والخبر مرفوع بالمبتدأ) 25 وهو مذهب سيبويه [1/ 299] صرح بذلك في مواضع من كتابه منها قوله 26: «فأمّا الّذي ينبني عليه شيء هو هو فإنّ المبنيّ يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: عبد الله منطلق، ارتفع عبد الله؛ لأنّه ذكر ليبنى عليه المنطلق، وارتفع المنطلق لأن المبنيّ على المبتدأ بمنزلته».
وعلى هذا جمهور البصريين.
قال المصنف 27: «وهو الصّحيح لسلامته مما يرد على غيره من مواضع الصحة».
وقد رد المذهب المذكور بأوجه: -
الجزء: 2 - الصفحة: 853
................................
أحدها: أن المبتدأ قد يرفع فاعلا نحو: القائم أبوه ضاحك؛ فلو كان رافعا للخبر لأدى ذلك إلى إعمال عامل واحد في معمولين رفعا من غير أن يكون أحدهما تابعا للآخر، وذلك لا نظير له.
الثاني: أن المبتدأ قد يكون اسما جامدا نحو زيد، والعامل إذا كان غير متصرف لم يجز تقديم معموله عليه، والمبتدأ يجوز تقديم الخبر عليه، بل يجب في بعض المواضع، فدل ذلك على أنه غير عامل فيه.
الثالث: أن المبتدأ قد يكون ضميرا، والضمير لا يرفع إذا كان ضمير ما يعمل، فكيف إذا كان ضمير ما لا يعمل.
قال الأبذي وابن الضائع 28: هذا الذي ردّ به على سيبويه لا يلزم:
أما الأول: فلأن طلبه للفاعل مخالف طلبه للخبر، فقد اختلفت جهتا الطلب، ويجوز عمل رفعين أو نصبين من وجهين مختلفين؛ أما من جهة واحدة فلا.
وأما الثاني: وهو أن العامل إذا لم يتصرف في نفسه لا يتصرف في معموله؛ فإنما ذلك فيما كان من العوامل محمولا على الفعل ومشبها به، والمبتدأ ليس من هذا القبيل لأن عمله متأصل؛ لأنه إنما يعمل فيه لطلبه له كما يعمل
الفعل في الفاعل لطلبه له.
وأما الثالث: فلا يلزم إلا لو كان المبتدأ يعمل بالحمل على الفعل أو بالنيابة منابه.
وأما وهو يعمل بحق الأصالة فلا فرق فيه بين الظاهر والمضمر والجامد والمشتق، وإنما يعتبر هذا الذي ذكروه بالنسبة إلى الأفعال أو لما ينوب مناب الأفعال من الأسماء.
المذهب الثاني:
«أن المبتدأ والخبر كليهما مرفوعان بالابتداء» وهو قول الأخفش والرماني وابن السراج 29. -
الجزء: 2 - الصفحة: 854
................................
قال المصنف: وهذا لا يصح لأربعة أوجه 30:
أحدها: «أن الأفعال أقوى العوامل وليس فيها ما يعمل رفعين دون إتباع».
الثاني: «أن المعنى الذي ينسب إليه عمل ويمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه كالتمني والتشبيه أقوى من الابتداء؛ لأنه لا يمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه، والأقوى لا يعمل إلّا في شيء واحد وهو الحال، فالابتداء الذي هو أضعف أحق بألّا يعمل إلا في شيء واحد».
الثالث: «أن الابتداء معنى قائم بالمبتدأ؛ لأن المبتدأ مشتق منه والمشتق يتضمن معنى ما اشتق منه وتقديم الخبر على المبتدأ ما لم يعرض مانع جائز بإجماع من أصحابنا.
فلو كان الابتداء عامل في الخبر لزم من جواز تقديمه على المبتدأ تقديم معمول العامل المعنوي الأضعف.
وتقديم معمول العامل المعنوي الأقوى ممتنع، فما ظنك بالأضعف؟».
الرابع: «أن رفع الخبر عمل وجد بعد معنى الابتداء ولفظ المبتدأ، فكان بمنزلة وجود الجزم بعد معنى الشرط والاسم الذي يتضمنه، فكما لا ينسب الجزم لمعنى الشرط بل للاسم الذي تضمنه، كذلك لا ينسب رفع الخبر للابتداء
بل للمبتدأ».
انتهت الأوجه التي ردّ بها المصنف هذا المذهب 31.
ويمكن الجواب عن الأول [1/ 300] بأن الفعل لا يقتضي إلا واحدا؛ إذ لا مقتضي له غيره.
وأما الابتداء فالخبر من مقتضياته؛ لأنه يقتضي مسندا ومسندا إليه، وإذا اقتضاهما صح عمله فيهما، وبمثل ذلك يجاب عن الوجه الثاني أيضا.
ورد الشيخ الأوجه بما لا يقوى، فأضربت عنه خشية الإطالة 32. - - عبد الله أخوك: عبد الله مرتفع بأنه أول مبتدأ فاقد للعوامل ابتدأته لتبني عليه ما يكون حديثا عنه، وأخوك مرتفع بأنه الحديث المبني على الاسم الأول المبتدأ».
الجزء: 2 - الصفحة: 855
................................
المذهب الثالث:
وهو رأي المبرد 33 «أنّ الابتداء رفع المبتدأ بنفسه، ورفع الخبر بوساطة المبتدأ» ولم يذكر المصنف هذا المذهب في المتن.
قال المصنف: هو أمثل من قول من قال: الابتداء رفع المبتدأ والخبر معا، وهو أيضا مردود؛ لأنه قول يقتضي كون العامل معنى متقويا بلفظ.
والمعروف كون العامل لفظا متقويا بلفظ كتقوي الفعل بواو المصاحبة، أو كون العامل لفظا متقويا بمعنى كتقوي المضاف بمعنى اللام أو بمعنى من.
فالقول بأن الأبتداء عامل يتقوى بالمبتدأ لا نظير له فوجب رده.
وقد جعل بعضهم نظير ذلك إعمال أداة الشرط في الشرط بنفسها، وفي الجواب بواسطة فعل الشرط.
وليس كما زعم لأن أداة الشرط وفعله لفظان، فإذا قوي أحدهما بالآخر لم يكن بدعا.
وأما الابتداء والمبتدأ فمعنى ولفظ، فلو
قوي اللفظ بالمعنى لكان قريبا بخلاف ما يحاولونه من العكس؛ فإنه بعيد ولا نظير له.
المذهب الرابع:
«أنّهما مرفوعان بالتجرّد للإسناد.
والمراد بالتجرّد تعريتهما عن العوامل اللفظيّة» وهو مذهب الجرمي والسيرافي وكثير من البصريين 34.
قال المصنف: وهو مردود أيضا بما رد به قول من قال: هما مرفوعان بالابتداء وفيه رداءة زائدة من ثلاثة أوجه 35:
أحدها: أنه جعل التجرد عاملا، وإنما هو شرط في صحة عمل الابتداء، والابتداء هو العامل عند سيبويه وغيره من المحققين.
والثاني: أنه جعل تجردهما واحدا؛ وليس كذلك؛ فإن تجرد المبتدأ لإسناد إليه أو لإسناده إلى ما يسدّ مسد مسند إليه، وتجرد الخبر إنما هو ليسند إلى المبتدأ؛ فبين التجردين بون فكيف يتّحدان؟ -
الجزء: 2 - الصفحة: 856
................................
الثالث: أنه أطلق التجرد ولم يقيده؛ فلزم من ذلك ألا يكون مبتدأ ولا خبرا ما جر منهما بحرف جر زائد نحو: ما فيها من أحد و [نحو قول الشاعر] 36:
537 - [يقول إذا اقلولى عليها وأقردت... ألا] هل أخو عيش لذيذ بدائم 37
قال الشيخ 38: «أما الوجه الأول من الثلاثة فيمكن أن ينعكس فيقال: التجرد والتعرية هو العامل والابتداء شرط في عمل التجرد».
وأما الوجه الثاني: فيقال في الجواب عنه:
«اتحد تجرد المبتدأ وتجرد الخبر من حيث الدلالة والاشتراك في القدر المشترك دون ما يخص كلّ واحد منهما، فليسا تجردين وإنما هما تجرد واحد».
وأما الوجه الثالث: فالجواب عنه: أنه قد تقرر أن العامل الزائد كلا عامل في باب الفاعل وفي باب المبتدأ وغيرهما،
فلا حاجة إلى التقييد.
قال 39: وقد صحح ابن عصفور وبعض شيوخنا هذا المذهب، قالوا: وقد وجد التعري عاملا بشرط أن يكون المعرّى قد ركب من وجه ما حكى سيبويه 40: «أنّهم يقولون: واحد واثنان وثلاثة [1/ 301] وأربعة إذا عدّوا ولم يقصدوا الإخبار -
الحديث: 537 - الجزء: 2 - الصفحة: 857
................................
بأسماء العدد ولا عنها، فكذلك المبتدأ والخبر ارتفعا مع تركيب المبتدأ بالإخبار عنه وتركيب الخبر بالإخبار به».
وذهب ابن كيسان 41 إلى أن هذا المذهب يفسده كون ذلك مؤديا إلى أن يكون وجود العامل أضعف من عدمه إن قدرت التعرية عن عامل نصب أو خفض؛ لأن التعرية تعمل رفعا، ووجود العامل الذي قدرت التعرية عنه يعمل نصبا أو خفضا، وعامل الرفع أقوى من عامل النصب والخفض؛ إذ قد يعمل النصب والخفض معنى الفعل وليس كذلك الرفع، وإن قدرت التعرية عن عامل رفع كان وجود العامل وعدمه سواء، وإنما ينبغي أن يكون الشيء موجودا أقوى منه معدوما.
قال ابن عصفور: «وهذا باطل لأنّا لا نعني بالتعرّي أكثر من أنّ الاسم المبتدأ لا عامل له، وإنما كان يلزم ما ذكر لو
قدرنا أنه قد كان له عامل ثمّ حذف» 42.
المذهب الخامس:
«أنّ المبتدأ ارتفع بالابتداء وارتفع الخبر بالابتداء والمبتدأ معا» وهو قول أبي إسحاق وأصحابه.
قال الشيخ 43: «وقد نسب إلى أبي العبّاس» 44 ورد بأنه يؤدي إلى منع تقديم الخبر؛ لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يكون العامل لفظا متصرفا.
المذهب السادس:
«أنّ المبتدأ رفع الخبر والخبر رفع المبتدأ» وهو المراد بقوله: ترافعا.
وهو قول الكوفيين.
قال المصنف: «وهو مردود أيضا؛ لأنه لو كان الخبر رافعا للمبتدأ كما أن المبتدأ رافع للخبر لكان لكل منهما بالتقديم رتبة أصلية؛ لأن أصل كل عامل أن يتقدم على معموله.
فكان لا يمتنع: صاحبها في الدار كما لا يمتنع: في داره زيد، وامتناع الأول -
الجزء: 2 - الصفحة: 858
................................
وجواز الثاني دليل على أن التقدم لا أصلية للخبر فيه».
انتهى 45.
وقد يقال: إنما كانت رتبة المبتدأ التقدم دون الخبر من جهة كونه محكوما عليه لا من جهة كونه عاملا، ويكون هذا نظير قوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا 46؛ فكل منهما عمل في الآخر، ووجب تقديم أي من جهة أخرى غير كونها عاملة 47.
وقال الشيخ - بعد نقل كلام بعضهم: فتلخّص عن الكوفيين مذهبان 48:
أحدهما: أن المبتدأ رافع للخبر والخبر رافع المبتدأ مطلقا، وسواء كان في الخبر ذكر للمبتدأ أم لم يكن له ذكر.
والثاني: التفصيل بين أن يكون له ذكر، فيكون المبتدأ مرفوعا بذلك الذكر، نحو: زيد ضربته - أو لا يكون فيكون مرفوعا بالخبر نحو: القائم زيد -.
قال 49: والذي نختاره ونذهب إليه ويقتضيه النظر قول الكوفيين في أن كلّا منهما رافع الآخر 50، وذلك أن كلّا
منهما يقتضي الآخر فينبغي أن يكون عاملا فيه، ولأنه جار على القواعد؛ إذ أصل العمل إنما هو اللفظ ولم نجد إلا مبتدأ وخبرا ووجدناهما مرفوعين، وأمكن أن تنسب العمل لكل منهما في الآخر؛ إذ قد اختلفت جهتا الاقتضاء.
كما وجدنا ذلك فيما هو متفق عليه أو كالمتفق عليه من اسم [1/ 302] الشرط وفعله، وكان في ذلك بقاء على أن العامل لفظي دون غيره.
وطول الشيخ في ذلك، وأبطل ما رد به المذهب المذكور، فأضربت عنه خوف -
الجزء: 2 - الصفحة: 859
................................
الإطالة 51 وهذه ستة مذاهب اشتمل عليها كلام المصنف في المتن والشرح.
وذكر ابن أبي الربيع 52 مذهبا سابعا ونسبه إلى الكوفيين: وهو أنّ الابتداء عامل في المتقدم منهما والمقدّم عامل في المؤخّر؛ فإذا قلت: زيد قائم فالابتداء عامل في المبتدأ وهو زيد، وزيد عامل في قائم، وإذا قلت: قائم زيد، فالابتداء عامل في قائم وهو الخبر، والخبر عامل في زيد.
وذكر ابن عصفور مذهبا ثامنا:
وهو أن المبتدأ ارتفع لشبهه بالفاعل 53، ولا أعلم ما الرافع للخبر على هذا القول، والظاهر أنه المبتدأ.
الجزء: 2 - الصفحة: 860
[الوصف الرافع للاسم وأحكامه]
قال ابن مالك: (ولا خبر للوصف المذكور لشدّة شبهه بالفعل؛ ولذا لا يصغّر ولا يوصف ولا يعرّف ولا يثنّى ولا يجمع إلّا على لغة (يتعاقبون فيكم ملائكة)، ولا يجري ذلك المجرى باستحسان إلّا بعد استفهام أو نفي؛ خلافا للأخفش، وأجري في ذلك: غير قائم ونحوه مجرى: ما قائم).
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن أحد قسمي المبتدأ وصف يرفع ما يليه ويسد مرفوعه مسد خبره وإياه عنى الآن
بقوله: ولا خبر للوصف المذكور.
وبين أن سبب استغنائه عن الخبر شدة شبهه بالفعل؛ لأن قولك: أضارب الزيدان بمنزلة أيضرب الزّيدان.
فكما لا يفتقر أيضرب الزيدان إلى مزيد في تمام الجملة كذلك لا يفتقر ما هو بمنزلته، ولأن المطلوب من الخبر إنما هو تمام الفائدة بوجود مسند ومسند إليه، وذلك حاصل بالوصف المذكور ومرفوعه، فلم يحتج إلى خبر لا في اللفظ ولا في التقدير.
ولذا خطئ من عد هذا مع المبتدآت المحذوفة الأخبار؛ لأن المبتدأ المحذوف الخبر لو قدرت له خبرا لم يلزم من تقديره ذكر ما لا فائدة فيه، وهذا بخلاف ذلك.
قال الشيخ 54: «وكأنّ هذا التركيب - يعني أضارب الزيدان ونحوه - أخذ شبها من باب الفاعل من حيث إن فيه فاعلا مسكوتا عليه يتم الكلام به؛ ومن باب المبتدأ من حيث إنّ فيه اسما مرفوعا لم يتقدمه رافع لفظيّ؛ ولشدة شبه الوصف المذكور لم يجز تصغيره ولا وصفه ولا تعريفه ولا تثنيته ولا جمعه؛ لأن ذلك كلّه من خصائص الأسماء المحضة».
قال الشيخ 55: وليس مختصّا بانتفاء هذه الأشياء عنه في هذا التركيب؛ بل اسم الفاعل واسم المفعول العاملان عمل الفعل حكمهما ذلك في هذا الباب وفي غيره؛ فلا يقال: أضويرب الزيدان، ولا أمضيريب العمران، ولا أضارب عاقل الزيدان، ولا آلقائم أخواك؟ 56. -
الجزء: 2 - الصفحة: 861
................................
واعلم أن من قال من العرب: يفعلان الزيدان ويفعلون الزيدون قال هنا: أفاعلان الزيدان، وأفاعلون الزيدون، وكأن الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، وإلى هذا أشار بقوله: إلّا على لغة (يتعاقبون فيكم ملائكة) 57.
وقد أشير إلى هذه اللغة في باب الإعراب وسيأتي ذكرها مستوفى في باب الفاعل إن شاء الله تعالى 58 [1/ 303].
والحاصل: أن الوصف المذكور إما ألا يطابق ما بعده فيتعين جعله مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد خبره كما تقدم، وإما أن يطابق في غير الإفراد نحو:
أقائمان الزيدان وأقائمون الزيدون، فيجوز فيه ما جاز في القسم الأول، وذلك على اللغة التي أشار إليها المصنف.
ويجوز أن يكون الوصف خبرا مقدما وما بعده المبتدأ، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«أو مخرجيّ هم؟» 59 محتمل للوجهين، وإما أن يطابق في الإفراد نحو: أقائم زيد؛ فيجوز في الوصف أن يكون
مبتدأ وما بعده مرفوع به، ويجوز أن يكون خبرا مقدما وما بعده المبتدأ والوجه الأول أرجح.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 862
................................
قوله: ولا يجري ذلك المجرى باستحسان إلى آخره - يريد أن الوصف المشار إليه لا يحسن عند سيبويه الابتداء به على الوجه الذي تقرر إلا بعد استفهام أو نفي.
قال المصنف: وإن فعل به ذلك دون استفهام أو نفي قبح عنده دون منع.
هذا مفهوم كلامه في باب الابتداء ولا معارض له في غيره، ومن زعم أن سيبويه لم يجز جعله مبتدأ إذا لم يل استفهاما ولا نفيا فقد قوّله ما لم يقل.
وسرد الشيخ كلام سيبويه في باب الابتداء لينظر فيه فقال 60:
قال سيبويه في باب الابتداء 61: «وزعم الخليل رحمه الله أنه يستقبح أن يقول: قائم زيد؛ وذلك إذا لم تجعل قائما مبنيّا مقدما على المبتدأ كما تؤخر وتقدم فتقول:
ضرب زيدا عمرو، وعمرو على ضرب مرتفع، وكان الحد أن يكون مقدما ويكون زيد مؤخرا، وكذلك هذا الحد فيه أن يكون الابتداء فيه مقدّما، وهذا عربيّ جيد، وكذلك قولك: تميميّ أنا، ومشنوء من يشنؤك، ورجل عبد الله وخزّ صفتك.
فإذا لم يريدوا هذا المعنى وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقوله: يقوم زيد وقام زيد - قبح لأنه؛ اسم وإنما حسن عندهم
أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف أو جرى على اسم قد عمل فيه، كما أنه لا يكون مفعولا في ضارب حتى يكون محمولا على غيره، فتقول هذا ضارب زيد وأنا ضارب زيد؛ ولا يكون ضارب زيدا على ضربت زيدا وضربت عمرا 62 فكما لم يجز هذا كذلك استقبحوا أن يجري مجرى الفعل المبتدأ، وليكون بين الفعل والاسم فصل وإن كان موافقا له في مواضع كثيرة، فقد يوافق الشيء الشيء ثم يخالفه؛ لأنه ليس مثله».
قال المصنف - بعد تقرير مذهب سيبويه -: 63 وأما الأخفش فيرى ذلك حسنا، ويدل على صحة استعماله قول الشّاعر: -
الجزء: 2 - الصفحة: 863
................................ 538 - خبير بنو لهب فلا تك ملغيا... مقالة لهبيّ إذا الطّير مرّت 64 وقول الآخر: 539 - فخير نحن عند النّاس منكم... إذا الدّاعي المثوّب قال يا لا 65 فخير مبتدأ ونحن فاعل ولا يكون خير خبرا مقدما ونحن مبتدأ؛ لأنه يلزم من ذلك الفصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل ومن، وهما كمضاف ومضاف إليه فلا يقع بينهما مبتدأ كما لا يقع بين مضاف ومضاف إليه، وإذا جعل نحن مرتفعا بخير على الفاعلية لم يلزم ذلك؛ لأن فاعل الشيء كجزء منه. قال الشيخ 66: «وما استدل به المصنف لا حجة فيه. أما خبير بنو لهب [1/ 304] فخبير خبر مقدم وبنو لهب مبتدأ، ولا يحتاج إلى المطابقة في الجمع؛ لأن خبيرا فعيل، ويصح أن يخبر به عن المفرد والمثنى والجمع، ولا سيما ورود ذلك في الشعر، كما أخبروا بفعول، قال الله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ 67. وقال بعض العرب: 540 - [نصبن الهوى ثمّ ارتمين قلوبنا... بأعين أعداء] وهنّ صديق 68
الحديث: 538 - الجزء: 2 - الصفحة: 864
................................
وأما قوله 69: فخير نحن، فخير خبر مقدم ونحن مبتدأ، وعلى ما اخترناه من مذهب الكوفيين: أن الخبر هو رافع المبتدأ، فالمبتدأ معمول له كما أن من الداخلة على المفضل عليه متعلقة به.
فلم يفصل بينهما بأجنبيّ، وليس أفعل ومن كمضاف ومضاف إليه؛ لأنه لو كان كذلك لما جاز الفصل بينهما بالتمييز وبالفاعل وبالظرف وبالمجرور.
ولو سلمنا أن المبتدأ ليس معمولا للخبر لما ضرّ هذا الفصل لأنه وقع في الشّعر.
وأيضا قد خرّج ابن خروف قوله: نحن - على أنه تأكيد للضمير المستكن في قوله: فخير، وخير خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فنحن خير نحن كما تقول:
أنت قائم أنت» انتهى 70.
قال المصنف رحمه الله تعالى 71: «والكوفيون كالأخفش في عدم اشتراط الاستفهام والنفي في الابتداء بالوصف المذكور، إلا أنهم يجعلونه مرفوعا بما بعده، وما بعده مرفوعا به على قاعدته ويوافقونه في التزام إفراده وتجرده من ضمير، ويجيزون أيضا إجراءه مجرى اسم جامد فيطابق ما بعده، ويجيزون أيضا جعله نعتا
معنويّا مطابقا للآخر في إفراده وتثنيته وجمعه، ولا بد حينئذ من كون النعت مطابقا ويسمونه خلفا» 72.
وأطلق المصنف الاستفهام ولم يخص همزة ولا غيرها ليعلم أن أدوات الاستفهام متساوية في تصحيح الابتداء بالوصف المذكور على الوجه المذكور؛ فكما يقال:
أقائم الزيدان يقال: هل معتق العبدان، وما صانع العمران، ومن خاطب البكران، - - ومن يأمن الحجّاج أمّا عقابه... فمرّ وأمّا عقده فوثيق انظر ديوان جرير (ص 397). وأنشده الأشموني: (1/ 192) برواية أخرى وهي قوله: هنّ صديق للّذي لم يشب، والذي ورد في الشرح هو قوله: هن صديق، وهو الجملة الأخيرة من البيت، ولكن قول الشارح: وقال بعض العرب - ينفي أنه بيت شعر، وقد احتسبناه شعرا لوروده في بيتين.
وشاهده واضح من الشرح.
والبيت في: التذييل والتكميل (3/ 274) وفي معجم الشواهد (ص 246) بإنشاد جرير.
الجزء: 2 - الصفحة: 865
................................ ومتى ذاهب العمران، وأين جالس صاحبك، وكيف مصبح ابناك، وكم ماكث صديقاك، وأيّان قادم رفيقاك. وكما أطلق الاستفهام أطلق النفي؛ ليتناول كل ناف يصلح لمباشرة الأسماء، وذلك ما ولا وإن إلا (إن) ليس يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها ويرتفع به ما يليه فيسد مسد خبرها، كما يسد مسد خبر المبتدأ، وكذلك الحكم بعد ما إن جعلت حجازية ولم ينتقض النفي فإن جعلت تميمية أو انتقض النفي، فالوصف بعدها مبتدأ والمرفوع بعده ساد مسد خبر المبتدأ، مثال ذلك بعد ليس: ليس قائم الزيدان، وليس منطلق إلا العمران، ومثال ذلك بعد ما: ما ذاهب عبداك وما مقيم إلا أخواك. قوله: وأجري غير قائم إلى آخره - إشارة إلى أنه إذا قصد النفي بغير مضافا إلى الوصف فيجعل غير مبتدأ ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح ويسد مسد خبر المبتدأ. وعلى ذلك وجه ابن الشجري 73 قول الشاعر [1/ 305]: 541 - غير مأسوف على زمن... ينقضي بالهمّ والحزن 74
الحديث: 541 - الجزء: 2 - الصفحة: 866
................................
ومثله قول الآخر:
542 - غير لاه عداك فاطّرح الله... وو لا تغترر بعارض سلم 75
وعلى زمن في البيت الأول في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، وقد أغنى عن الخبر؛ لأن المعنى: ما مأسوف على زمن نحو: ما مضروب الزيدان.
ولابن جني في البيت المذكور حين سأله عنه عالي 76 ولده - ارتباك وخرجه على حذف المبتدأ وإقامة صفته مقامه وإيقاع الظاهر موقع المضمر لحذف الظاهر المبتدأ، والتقدير: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه 77.
ولابن الحاجب فيه كلام طويل وترديد، وخرجه على الوجه الذي ذكره ابن جني 78. - وغير رفع بالابتداء، ولما أضيف إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور استغنى المبتدأ عن خبر كما استغنى قائم ومضروب في قولك: أقائم أخواك وما مضروب غلاماك - عن خبر.
والبيت في: التذييل والتكميل (2/ 36) وفي معجم الشواهد (ص 400).
الحديث: 542 - الجزء: 2 - الصفحة: 867
[حذف الخبر جوازا ووجوبا ومسائل ذلك]
قال ابن مالك: (ويحذف الخبر جوازا لقرينة، ووجوبا بعد لولا الامتناعيّة غالبا، وفي قسم صريح، وبعد واو المصاحبة الصّريحة، وقبل حال إن كان المبتدأ أو معموله مصدرا عاملا في مفسّر صاحبها أو مؤوّلا بذلك).
قال ناظر الجيش: قد يحذف المبتدأ والخبر إذا دل الدليل عليه، وقد تكلم المصنف على حذف كل منهما، وبدأ بالكلام على حذف الخبر، وحذفه قسمان:
جائز وواجب:
وضابط الجائز:
أن يدل على ذلك الخبر دليل دون أن يحل محل المحذوف غيره، فيسد مسده، ومن القرائن الدالة: الاستفهام عن المخبر عنه كقولك: زيد لمن قال: من عندك، أي زيد عندي، والعطف عليه نحو: زيد قائم وعمرو أي: وعمرو كذلك.
قال المصنف: ومن الحذف الجائز الحذف بعد إذا المفاجأة نحو: خرجت فإذا السّبع.
والحذف بعد إذا قليل، ولذلك لم يرد في القرآن مبتدأ بعد إذا إلا وخبره ثابت، كقوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى 79، فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ 80، فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ 81، فَإِذا هُمْ قِيامٌ 82.
قال الشيخ 83: «ليس الخبر محذوفا في مثل: فإذا السبع، بل إذا ظرف مكان وهي الخبر، والتقدير: وبالحضرة السّبع أي: فبالمكان الذي أنا حاضر فيه السّبع.
- - وأولى ما يقال فيه: «إنه أوقع المظهر موقع المضمر حين حذف المبتدأ من أول الكلام فكأن التقدير: زمان ينقضي بالهم والحزن غير متأسف عليه.
فلما حذف المبتدأ من غير قرينة تشعر به أتى به ظاهرا مكان المضمر، فصارت العبارة كذلك».
ثم قال: «ويحتمل أن يقال: إنهم استعملوا (غير) بمعنى لا، فكأنه قال: لا تأسف على زمن هذه صفته، وإعرابه كإعراب: أقلّ رجل يقول ذلك، فهذا مبتدأ لا خبر له؛ لأنه في معنى: ما رجل يقول ذلك».
وصار هذا مثل أقائم الزّيدان في أنه مبتدأ لا خبر له في اللفظ والتقدير، وإنما استقام؛ لأن معناه يقوم الزّيدان».
انتهى باختصار.
انظر أمالي ابن الحاجب (2/ 637 - 638) تحقيق فخر صالح قدارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 868
................................
وأما قوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى إلى آخر ما ذكر مما جاء في القرآن العزيز فإنّما لم يحذف الخبر لكونه لا يدلّ على حذفه دليل ولم يمكن جعل إذا في الآيات خبرا؛ لأن المقصود الإخبار عن المبتدأ الّذي بعد إذا بأشياء لم تكن
معلومة للسّامع إلّا من ذكر الخبر، قال: وإنما بنى المصنف على ما اختاره هو من كون إذا الفجائية حرفا، فلا يصحّ أن يكون خبرا».
انتهى.
وسيأتي الكلام على (إذا) المشار إليها في باب الظروف، لكن نشير إلى ذلك الآن ملخصا:
اعلم أنهم اختلفوا فيها: هل هي اسم أو حرف:
فمذهب الفراء وهو رأي المصنف ونسبه إلى الأخفش أنها حرف، وذهب غيرهم إلى أنها اسم، ثم اختلفوا؛ فالأكثرون على أنها ظرف مكان.
قال الشيخ: «وهو ظاهر كلام سيبويه وهو الذي تلقّيناه من الشيوخ» 84.
وقيل: إنّها ظرف زمان، واختلف إذا كانت ظرفا: هل يلزم الإضافة [1/ 306] إلى جملة أو لا.
وإذا تقرر هذا فلا يخلو إما أن يذكر بعدها مبتدأ فقط أو مبتدأ وخبر: فإن ذكر بعدها مبتدأ فقط وقلنا بأنها حرف أو اسم وتلزم الإضافة إلى جملة - لزم أن يكون الخبر محذوفا، والتقدير: فإذا السّبع حاضر أو موجود.
وعلى القول بأنه لا يلزمها الإضافة إلى جملة إذا كانت اسما وقلنا: إنها ظرف مكان - كانت خبرا عما بعدها حدثا كان أو جثة، وإن قلنا: إنها ظرف زمان كانت خبرا عما بعدها إن كان حدثا نحو: خرجت فإذا القتال.
وإلا فالخبر محذوف إن كانت جثة وهو العامل في إذا.
وإن ذكر بعدها مبتدأ وخبر فعلى القول بالحرفية ظاهر، وعلى القول بالاسمية هي معمول بالخبر، ويجوز حينئذ نصب الخبر المذكور وجعل إذا خبرا عن المبتدأ الذي بعدها حدثا كان أو جثة إن قلنا: إنها ظرف مكان وحدثا خاصة إن قلنا: إنها ظرف زمان.
وأما الحذف الواجب:
فضابطه أن يدل عليه دليل، ويسد غيره مسده، وهو محصور في أربعة مواضع: -
الجزء: 2 - الصفحة: 869
................................ الأول: خبر المبتدأ الواقع بعد لولا الامتناعية أي التي تدلّ على امتناع الشيء لوجود غيره، ولو ما أختها. قال المصنف 85: «وإنما وجب حذف الخبر بعد لولا؛ لأنه معلوم بمقتضى؛ لولا إذ هي دالة على امتناع لوجود 86، والمدلول على امتناعه هو الجواب والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمت عمرا لم يشك في أنّ المراد أن وجود زيد منع من إكرام عمرو، فصحّ الحذف لتعين المحذوف، ووجب لسدّ الجواب مسدّه وحلوله محلّه» انتهى 87. واعلم أن الأكثرين أطلقوا القول بوجوب حذف الخبر في هذه الصورة، وأن بعضهم وتبعه المصنف فصل فقال 88: قد يكون الحذف واجبا وقد يكون ممتنعا وقد يكون جائزا؛ وذلك لأن الوجود الذي امتنع له جواب لولا إما أن يكون كونا مطلقا، أو كونا مقيدا؛ وإذا كان مقيدا فقد لا يدل عليه دليل وقد يدل؛ ففي الصورة الأولى يجب الحذف نحو: لولا زيد سالمنا ما سلم، ولولا عمرو عندنا لهلك، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسّست البيت على قواعد إبراهيم» 89. وفي الصورة الثالثة يجوز الإثبات والحذف، نحو: لولا أنصار زيد حموه لم ينج؛ فحموه خبر مفهوم المعنى فيجوز إثباته وحذفه. ومن هذا القبيل قول المعري في صفة سيف: 543 - [يذيب الرعب منه كلّ عضب]... فلولا الغمد يمسكه لسالا 90
الحديث: 543 - الجزء: 2 - الصفحة: 870
................................
قال المصنف - بعد تقرير هذا التفصيل - 91: وهذا الّذي ذهبت إليه هو مذهب الرمّاني والشّجري والشّلوبين 92، وغفل عنه أكثر النّاس، قال: ومن ذكر الخبر بعد لولا قول أبي عطاء السّندي 93:
544 - لولا أبوك ولولا قبله عمر... ألقت إليك معدّ بالمقاليد 94
يعني أن الامتناع في البيت المذكور لوجود مقيد؛ فلهذا ذكر الخبر، ولم ينبه المصنف على مراده بقوله: غالبا.
وقال الشيخ 95: سقط (غالبا) من بعض النّسخ وهو أجود؛ لأن الوجوب [1/ 307] والغلبة لا يجتمعان؛ إذ الغلبة تقتضي الجواز وهو مناف للوجوب - أعني الجواز بمعنى: التّخيير.
انتهى.
و (غالبا): ثابت في أكثر النسخ وفي الأصل الذي قرأت وصححته على نسخة الشيخ، ويشهد لصحته هنا قوله في الألفية:
وبعد لولا غالبا حذف الخبر... حتم...
-
- ومعناه: أن سيفك تهابه السيوف كما تهابك الرجال، وأشد ما يجوز على السيف أنه يسيل حديده، ولولا الغمد يمسكه لظهر سيلانه.
وبعده - وهو من حكمه وأمثاله -: ومن يك ذا خليل غير سيف... يصادف في مودّته اختلالا وهذا البيت مشهور في باب المبتدأ والخبر، فالذين قالوا بوجوب حذف الخبر بعد لولا لحنوا أبا العلاء المعري فيه، والذين فصلوا كابن مالك بأنه إذا دل على الخبر دليل جاز إثباته وجاز حذفه لم يلحنوه، وقال ابن هشام (المغني: 2/ 273): إن تلحين أبي العلاء ليس بجيد لاحتمال تقدير يمسكه بدل اشتمال بتقدير أن، أو يمسكه جملة معترضة، أو هو حال من الخبر المحذوف.
والبيت في معجم الشواهد (ص 296) وفي شرح التسهيل.
وفي التذييل والتكميل (3/ 282).
- ومعناه: أن سيفك تهابه السيوف كما تهابك الرجال، وأشد ما يجوز على السيف أنه يسيل حديده، ولولا الغمد يمسكه لظهر سيلانه.
الحديث: 544 - الجزء: 2 - الصفحة: 871
................................ فجمع بين غالبا وحتم أيضا. ويظهر أن (غالبا) يرجع إلى استعمال لولا لا إلى وجوب الحذف، وكأنه يقول: الغالب استعمالها دالة على امتناع لوجود مطلق؛ فإذا استعملت فيه وجب الحذف، وقد تستعمل على امتناع لوجود مقيد فيجيء من أقسامه أن يجوز حذفه، فيصدق أن الخبر يحذف في هذا الاستعمال، لكن الاستعمال المذكور غير غالب، لكن هذا التقرير لا يكاد عبارة المتن تساعد عليه؛ لأن ظاهرها يعطي أن (غالبا) من متعلقات يحذف، أي إنه يحذف في الغالب وقد لا يحذف، وهذا أعم من أن يستعمل لولا في الامتناع لوجود مطلق أو لوجود مقيد، وعلى الذي تقرر يكون (غالبا) من متعلقات استعمال لولا كأنه قال فغلب استعمالها في الامتناع لوجود مطلق. ولا يخفى ما فيه من التكلف، وتقدير ما لا دليل عليه 96. وقال ابن أبي الربيع 97 بعد أن تكلم على هذه المسألة بالنسبة إلى وجوب حذف الخبر: «من الناس من قال: إن خبر هذا المبتدأ يظهر إذا كان غير ما ذكرنا ممّا لا يقتضيه الكلام فيقول: لولا زيد ضارب لأكرمتك، ولولا زيد متكلم لمشيت إليك؛ ولا يجوز حذف هذا لأنه ليس في الكلام ما يدلّ عليه لو حذف، وأكثر النحويين على أن هذا لا يقال، وإن خبر هذا المبتدأ لا يكون إلا من جنس ما يقتضيه الكلام، وإنّما يقول العرب إذا أرادت هذا المعنى: لولا ضرب زيد لأكرمتك. ولولا كلام زيد لمشيت إليك. وأما قول علقمة 98: 545 - فو الله لولا فارس الجون منهم... لأبوا خزايا والإياب حبيب 99
الحديث: 545 - الجزء: 2 - الصفحة: 872
................................
فليس (منهم) خبرا لفارس، وإنما هو متعلق بفارس ومن صلته والتقدير: فلولا هذا الذي عظم منهم حاضر أو موجود لآبوا خزايا.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله تعالى عنها: «لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأقمت البيت على قواعد إبراهيم» فحديث عهدهم بكفر جملة مستقلة 100 بنفسها، وعهدهم مبتدأ، وحديث خبر، وهي مقدمة من تأخير، والتقدير: لولا قومك لأقمت البيت على قواعد إبراهيم، ثم قال: عهدهم بالكفر حديث؛ كأن ذلك الكلام جواب لم يستفهم فيقول: ما بال هؤلاء القوم يمتنع من ذلك لأجلهم؟ فقيل له: عهدهم بالكفر حديث.
على أن هذه الرواية لم أرها من طريق صحيح، وإن ثبت فتوجيهها ما ذكرته.
والروايات المشهورة في ذلك: لولا حدثان قومك بالكفر، ولولا حداثة قومك بالكفر، ولولا حداثة عهد قومك، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية إلى غير ذلك».
انتهى كلام ابن أبي الربيع [1/ 308].
وإذا تقرر هذا انهدم التفصيل الذي نقله المصنف وقرره.
ويشكل قول المعري:
546 - فلولا الغمد يمسكه لسالا
وقد خرجه بعضهم على أن (يمسكه) حال والخبر محذوف، ورد بأن الأخفش حكى عن العرب أنهم لا يأتون بعد الاسم الواقع بعد لولا بالحال كما لا يأتون بالخبر، قال 101: لأن الخبر حال في المعنى.
وأنشد ابن عصفور 102 قول الفريعة بنت همام 103: - - ما يلبس على الرأس.
الدّارعين: شجعان الحرب.
ضروب: كثير الضرب.
والبيت أتى به ابن أبي الربيع شاهدا على أن خبر لولا واجب الحذف، وأن (منهم) في البيت من صلة المبتدأ وليست خبرا.
والبيت ليس في معجم الشواهد، وهو مما انفرد به ناظر الجيش دون ابن مالك وأبي حيان.
الحديث: 546 - الجزء: 2 - الصفحة: 873
................................
547 - فو الله لولا الله تخشى عواقبه... لحرّك من هذا السّرير جوانبه 104
وقول الآخر:
548 - فلولا سلامي عند ذاك وقوّتي... لأبت وفي رأسيّ ماء زئير 105
ثم خرج البيت الأول على وجهين:
أحدهما: أن تكون تخشى عواقبه جملة اعتراض كأنه قال: لولا الله لحرّك، وبين بجملة الاعتراض السبب الّذي لأجله كان الامتناع من ذلك، وهو خشية عواقب الله سبحانه وتعالى.
والآخر: أن يكون تخشى عواقبه على إضمار أن وإبطال العمل عند إضمارها، ويكون تخشى عواقبه بدل اشتمال من (الله) تعالى، والتقدير: لولا الله خشية عواقبه.
قال: وخرّج أبو الفتح البيت الثّاني على أن يكون (عند) متعلّقا بسلاحي بما فيه من معنى الفعل؛ لأن السلاح يتقوّى به كأنه قال: لولا قواي عند ذلك.
انتهى.
وسيأتي الكلام على بقية المذاهب في الاسم الواقع بعد لولا عند تعرض المصنف له.
-
الحديث: 547 - الجزء: 2 - الصفحة: 874
................................
الموضع الثاني:
خبر المبتدأ المقسم به بشرط كونه قسما صريحا نحو: لعمرك وايمن الله.
وإنما وجب حذف خبره لأن فيه ما في خبر المبتدأ بعد لولا من كونه معلوما مع سد الجواب مسدّه.
فلو كان المبتدأ في القسم صالحا لغير القسم نحو: عهد الله - لم يجب الحذف فجائز أن يقال: عهد الله لأفعلن فيحذف الخبر، وعهد الله قسمي لأفعلنّ فيذكر؛ لأن ذكر لعمرك وايمن الله مشعر بالقسم قبل ذكر المقسم عليه بخلاف عهد الله فإنه لا يشعر بالقسم حتى يذكر المقسم عليه ففرق بينهما وجعل أحدهما واجب الحذف والآخر جائزه، ولذلك قال: أو في قسم صريح.
الموضع الثالث:
الخبر الواقع بعد اسم مقرون بواو المصاحبة الصريحة، نحو: أنت ورأيك، وكلّ عمل وجزاؤه، وكلّ ثوب وقيمته، وكلّ رجل وضيعته 106 أي مقترنان ونحوه.
وشرط وجوب الحذف أن تكون الواو نصّا في قصد المصاحبة كما مثل، ولذلك قيدها المصنف بقوله: الصريحة، فلو كان الكلام مع الواو محتملا لقصد المصاحبة ولمطلق العطف لم يجب الحذف نحو قولك: زيد وعمر مقترنان، ولك أن تستغني عن الخبر اتكالا على أن السامع يفهم من اقتصارك عليهما معنى الاقتران والاصطحاب.
وذكر الأخفش في الأوسط له أن في مثل: كلّ رجل وضيعته - قولين للنحاة 107:
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى تقدير خبر؛ إذ هو كلام تام لا يحتاج إلى زيادة، ومعناه: كل رجل مع ضيعته وأنت مع رأيك [1/ 309] وإلى هذا ذهب ابن خروف، قال: لا يحتاج إلى حذف خبر لتمامه وصحّة معناه، وإن قدّر مقرونان فلبيان المعنى.
القول الثاني: أن الخبر محذوف كما تقدم وهو قول الجمهور.
قال المصنف 108: «وإنما كان الحذف هنا واجبا؛ لأن الواو وما بعدها قاما مقام مع وما ينجرّ بها مع ظهور المعنى؛ فكما أنك لو جئت بمع موضع الواو ولم تحتج إلى -
الجزء: 2 - الصفحة: 875
................................
مزيد عليها وعلى ما يليها في حصول الفائدة، كذلك لا يحتاج إليه في اللفظ مع الواو ومصحوبها» انتهى.
وينبغي أن يعلم أن وجوب الحذف هنا لم يدخل تحت الضابط المتقدم، وهو أن يسد غيره مسده؛ لأن الساد مسد الشيء يحل محل ذلك الشيء، ولا شك أن المذكور بعد الواو من تمام المبتدأ؛ إذ هو معطوف عليه والخبر مقدر بعده، فلم تكن الواو وما بعدها سدا مسده، وإنما هذا الكلام محمول على معناه.
ولهذا قال المصنف 109:
لأن الواو وما بعدها قاما مقام مع وما ينجر بها مع ظهور المعنى.
وقدر ابن أبي الربيع 110 - في مثل: كل رجل وضيعته - خبرين محذوفين، وجعل الكلام جملتين فقال: «التّقدير: كلّ رجل مع ضيعته وضيعته معه؛ فحذف من الأول ما دلّ الثّاني عليه ومن الثّاني ما دلّ الأول عليه» وهو خلاف الظاهر، ولا دليل عليه.
قال ابن أبي الربيع أيضا 111: «ومما يجري في الاستغناء هذا المجرى: أنت أعلم وربّك، والتقدير: أنت أعلم بربّك وربّك أعلم بك» فجعل خبر المعطوف على المبتدأ محذوفا لدلالة خبر الأول عليه، وهو ظاهر، بخلاف ما قدره في: كل رجل وضيعته.
وأما أنت أعلم ومالك فنقل الشيخ 112 عن أبي القاسم بن القاسم 113 أنه لا يصح عطف مالك على أنت على حد: أنت أعلم وزيد؛ لأنك تضمر له خبرا كخبر المعطوف عليه، والمال لا يعلم، ولا على أعلم لأن المعطوف على الخبر خبر يصح -
الجزء: 2 - الصفحة: 876
................................
انفراده؛ ولو قلت: أنت مالك لم يصح، ولا على الضمير المستتر في أعلم لوجوه:
منها: أن استتاره غير مؤكد.
ومنها: أن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر إذا وليه، فكذلك إذا عطف على مضمر رفعه.
قال 114: «واذا استحالت هذه الأوجه كان معطوفا على أنت، لا على ذلك الوجه، بل هو بمنزلة شاة ودرهم، يعني إذا قلت: الشاة شاة ودرهم كان الشّاة مبتدأ، وشاة مبتدأ ودرهم خبره، والجملة خبر الأول».
قال الشيخ 115: وذهب أبو بكر بن طاهر إلى أنه معطوف؛ لأن الأصل بمالك فوضعت الواو موضع الباء فعطفت على ما قبلها ورفعت ما بعدها في اللّفظ وهو بمعنى الباء متعلقة بأعلم.
قال 116:
وهذا أقرب لتفسير كلام سيبويه؛ لأنه قال في الواو: يعمل فيما بعدها المبتدأ 117؛ يريد أنك تعطفه على أعلم فيعمل فيه ما عمل في أعلم وهو المبتدأ.
وكما اختلفوا في: كل رجل وضيعته: هل يقدر فيه خبر أو لا، اختلفوا في قولهم: حسبك ينم النّاس؛ فذهب جماعة إلى أنه مبتدأ لا خبر له؛ لأن معناه اكفف؛ وهو اختيار أبي بكر بن طاهر 118. وقيل: الخبر محذوف، التقدير:
حسبك السكوت ينم الناس، وهذا على قول من قال: «إنّ الحركة في حسبك حركة إعراب» وهو قول الجمهور.
وحكى أبو زرعة 119 وهو أحد أصحاب المازني أن أبا عمرو بن العلاء قال: -
الجزء: 2 - الصفحة: 877
................................ حسبك ينم النّاس مبنيّة على الضم؛ لأنّها اسم مسمّى بها الفعل مثل [1/ 310] رويد، والكاف حرف خطاب، وكان حسب معربا قبل ذلك 120. الموضع الرابع: الخبر الواقع قبل حال يكون المبتدأ المخبر عنه بذلك الخبر أو معمول المبتدأ مصدرا عاملا في مفسر صاحب الحال أو مؤولا بذلك نحو: ضربي زيدا قائما، وكل شربي السويق ملتوتا و «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد» 121؛ فهذه ثلاثة أمثلة اشتمل عليها كلام المصنف: فالأول: مثال لما المبتدأ فيه مصدر عامل في المفسر المذكور. والثاني: مثال لقوله: أو معموله؛ فإن المبتدأ فيه لفظ كل، والمصدر معمول له بالإضافة، وهو عامل في المفسر. والثالث: مثال لقوله: أو مؤوّلا بذلك؛ يعني يكون المبتدأ مؤولا بالمصدر المذكور؛ فأن ما يكون مؤولا بالكون، وأقرب الكون كون، وأفعل التفضيل لا يضاف إلا لما هو بعضه. ومثل كل شربي السويق ملتوتا: بعض ضربك زيدا بريئا، ومعظم كلامي معلما. ومثل أقرب ما يكون: أخطب ما يكون الأمير قائما. وكمثله أيضا قول الشاعر: 549 - خير اقترابي من المولى حليف رضا... وشرّ بعدي عنه وهو غضبان 122
الحديث: 549 - الجزء: 2 - الصفحة: 878
................................
لأن خير الاقتراب اقتراب.
وتقدير ضربي زيدا قائما: ضربي زيدا إذا كان قائما، فالمبتدأ ضربي وخبره إذا، وكان تامة، وقائما حال من فاعلها وهو الضمير فهو صاحبها، وزيدا تفسيره، وهذا معنى قوله: عاملا في مفسّر صاحبها.
واحترز بذلك من مصدر لا يكون كذلك نحو: ضربي زيدا قائما شديد؛ فالمبتدأ فيه مصدر عامل في صاحب الحال وفيها، فلم يصلح أن يغني عن خبره؛ لأنها من صلته 123.
وكذلك لو جعلت عاملها كان مقدرا مضافا إليها إذا وعلقت المضاف بالمصدر - فإن الحال حينئذ لا يغني عن الخبر؛ لأنها معمولة لما أضيف إليه معمول المصدر؛ فالجميع من صلته، فلا يغني شيء منه عن الخبر 124.
وتناول الاحتراز أيضا قولهم: حكمك مسمّطا 125؛ فإن المبتدأ فيه مصدر مستغنى عن خبره بحال استغناء شاذّا؛ لأن صاحب الحال ضمير عائد على المبتدأ الذي هو حكمك، بخلاف ضربي زيدا قائما؛ فإن صاحب الحال فيه فاعل كان المقدرة، وهو ضمير عائد على زيد، وزيد معمول المصدر المجعول مبتدأ، والتقدير:
حكمك لك مسمطا أي مثبتا، فصاحب الحال الضمير المستكن في لك، وهو عائد على المصدر؛ فالحذف في هذا ونحوه شاذ غير لازم، وفي نحو: ضربي زيدا قائما - - والبيت في: التذييل والتكميل (3/ 306) وهو في معجم الشواهد (ص 393).
الجزء: 2 - الصفحة: 879
................................
وما تقدم معه من الأمثلة ملتزم.
وليس وجود المفعول في هذه المسألة شرطا، بل يجوز سد الحال مسد خبر المصدر مع كونه من فعل لازم كقولك: قيامك محسنا، وإحسانك قائما.
قال المصنف 126: «وهذا النّوع أيضا داخل تحت قولي: إذا كان المبتدأ عاملا في مفسّر صاحبها؛ فإنّ المضاف عامل فى المضاف إليه» انتهى.
والتقدير: قيامك إذا كنت محسنا، وإحسانك إذا كنت قائما؛ فصاحب الحال ضمير المخاطب المرفوع بكان، وهو غير محتاج إلى مفسر، ويقتضي عبارة المصنف أن الكاف المضاف إليها المصدر هي المفسرة، وليس كذلك؛ إلا أن يراد بالتفسير الدلالة على المحذوف فيستقيم [1/ 311].
وقد ذكروا أن الحال في مثل: ضربي زيدا قائما - يجوز أن يكون للمتكلم وتقديره: ضربي زيدا إذا كنت قائما؛ فالحال من التاء، والمبتدأ مصدر عامل في الياء 127 بالإضافة، وهي مفسر التاء التي هي صاحب الحال، أي تدل عليها كما قلنا في: قيامك محسنا 128. - حكمك جائز لا يعقب، ويروى المثل: حذ حكمك مسمّطا أي: جائزا نافذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 880
[مسألة ضربي زيدا قائما وبقية الحديث فيها]
قال ابن مالك: (والخبر الّذي سدّت مسدّه مصدر مضاف إلى صاحبها لا زمان مضافا إلى فعله؛ وفاقا للأخفش).
قال ناظر الجيش: فاعل سدت ضمير عائد على الحال التي أغنت عن الخبر في:
ضربي زيدا قائما ونحوه.
قال المصنف: والغرض من هذا الكلام ما هو أولى الوجوه في هذه المسألة، وينبغي أولا أن يعلم أن فيها ستة أوجه 129:
أحدها: أن يكون التقدير: ضربي زيدا إذا كان قائما، وهذا هو المشهور عند البصريين.
الثاني: أن يكون التقدير: ضربي زيدا ضربه قائما، وهذا مذهب الأخفش.
الثالث: أن يكون فاعل المصدر مغنيا عن الخبر، كما أغنى عنه فاعل الوصف نحو: أقائم الزيدان.
الرابع: أن تكون الحال مغنية عن الخبر لشبهها بالظرف كما أغنى الظرف عنه.
الخامس: أن تكون الحال منصوبة بالمصدر، وقد حذفت الخبر حذفا لأجل الاستطالة كما حذف عند أبي علي الخبر في قولهم: أوّل ما أقول إنّي أحمد الله بالكسر، والتقدير عنده: أول ما أقول إني أحمد الله ثابت 130، وكذلك يكون التقدير في المسألة المشار اليها: ضربي زيدا قائما ثابت.
السادس: أن يكون ضربي فاعل ثبت مضمرا ويكون المسوغ لتقديره أولا كالمسوغ لتقدير ثابت آخرا.
وأجود هذه الأحوال الأول والثاني، إلا أن الثاني أقل حذفا مع صحة المعنى، إنه لم يحذف فيه إلا خبر مضافا إلى مفرد، والأول حذف فيه خبر، ثم نائب عن الخبر -
الجزء: 2 - الصفحة: 881
................................
مع فعل وفاعل؛ لأن الأصل فيه عند من يراه ضربي زيدا مستقر إذا كان قائما.
وأيضا فإن الثاني حذف فيه خبر عامل بقي معموله، ودلالة المعمول على عامله قوية، والوجه الأول بقي فيه بعد الحذف معمول عامل أضيف إليه نائب عن الخبر الأصلي الذي هو مستقر، فضعفت الدلالة لبعد الأصل وكثرة الوسايط.
وأيضا فإن الحاذف على الوجه الثاني أبين عذرا في الحذف؛ لأن المحذوف لفظه مماثل للفظ المبتدأ، فيستثقل لذلك ويقوى الباعث على الحذف، وليس في قول القائل ضربي زيدا ضربه قائما تعرض لكون زيد وقع به غير الضرب المقارن لقيامه أو لما يقع، بل تعرض به لما تعرض بقولك: ضربته قائما.
وأما الوجه الثالث من الخمسة، وهو أن يغني فاعل المصدر عن الخبر إغناء المرفوع بالوصف 131 - فضعفه بيّن لأنه لو صح لصح الاقتصار على المصدر والفاعل كما يصح الاقتصار على الوصف وفاعله، فكان يقال: ضربي، فيحسن السكوت عليه لأن فيه معنى ضربت، كما يحسن السكوت على أقائم الزيدان؛ لأن فيه معنى يقوم الزيدان؛ وفي امتناع ذلك وجواز هذا دليل على فساد القول بتساويهما 132.
وأما الوجه الرابع [1/ 312] وهو أن تكون الحال مغنية عن الخبر لشبهها بالظرف (فهو رأي ابن كيسان) 133، وهو غير صحيح أيضا؛ لأن الحال إذا أقيمت مقام الخبر لشبهها بالظرف، فإما ألا يقدر لها عامل أو يقدر: فإن لم يقدر لزم من ذلك استغناؤهما عما لا يستغني عنه الظرف، مع أنه أصل بالنسبة إليها، ولو جاز ذلك مع المصدر لجاز مع غيره، فكان يقال زيد قائما؛ لأنه بمعنى في حال قيام.
وإن قدر لها عامل لم يكن ذلك العامل إلا مثل المقدر للظرف؛ فكما يقال في قولك: زيد في حال قيام تقديره: زيد مستقر في حال قيام - كان يقال في: ضربي زيدا قائما:
ضربي زيدا مستقر قائما فكان يلزم من ذلك الإخبار عن الضرب بما للضارب، وذلك محال 134، وما أفضى إلى المحال محال.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 882
................................
وأما الوجه الخامس، فإنه وجه يلزم أبا علي القول به لأنه أجاز في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله بالكسر أن يكون (إني) محكيّا بالقول، فيكون من صلته ويكون خبر المبتدأ الذي هو أول ما أقول محذوفا كأنه قال: أول قولى هذا الكلام ثابت؛ فكما جاز أن يحذف الخبر هناك بلا دليل زائد على الحاجة إليه، كذلك يلزمه تجويز حذف الخبر هنا وتقديره بمثل ما قدره هناك؛ لأن الحاجة إليهما سواء، والمخبر عنه في الصورتين مصدر؛ لأن أول القول قول، والصحيح في قولهم: أول ما أقول إني أحمد الله بالكسر أن يكون كلاما تامّا، فيجعل أول ما أقول مبتدأ تامّا، وإني أحمد الله خبرا عنه كأنه قال: مبتدأ كلامي هذا الكلام، ولا يصح أن يقدر ثابت خبرا؛ لأن ذلك يقتضي ثبوت أول هذا القول، وأول الشيء غير جميعه، فيكون الثابت أول حرف من الجملة إن نويت حروفها وأول كلمة منها إن نويت كلماتها وكلاهما ليس مقصودا فتعين كونه مردودا 135.
وأيضا فإن تقدير ثابت خبرا بعد إني أحمد الله، وبعد ضربي زيدا قائما وأمثالهما - تقدير ما لا دليل عليه؛ إذ ليس هو بالتقدير أولى من غيره من المقدرات الممكنة، وحذف ما كان في حذفه كذلك ممنوع.
وفي رد هذا الوجه الخامس إشعار برد الوجه السادس؛ لأن مبناه على تقدير ما لا يتعين تقديره وتقدير ما عدم نظيره، فثبت بمجموع ما ذكرته أن أولى الأوجه الستة بالصواب ما ذهب إليه الأخفش ويليه الأول، وما سواهما ضعفه بيّن واطراحه متعين.
انتهى كلام المصنف 136.
وذكر سيدنا الشيخ بهاء الدين بن النحاس - عفا الله تعالى عنه - المذاهب المذكورة في هذه المسألة، وتكلم فيها مذهبا مذهبا، فأحببت ذكرها كما أوردها 137؛ لأن في كلامه فوائد لم يتضمنها كلام المصنف.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 883
................................
قال 138: اختلف الناس في إعراب ضربي فقال بعضهم: هو مرتفع بأنه فاعل فعل مضمر تقديره: يقع ضربي زيدا قائما، أو ثبت ضربي زيدا قائما وقال بعضهم:
هو مبتدأ والقائلون بذلك [1/ 313] اختلفوا: هل يحتاج إلى خبر أو لا، فقال بعضهم: ليس ثمّ تقدير خبر؛ لأن المصدر هنا واقع موقع الفعل.
كما في قولهم:
أقائم الزيدان، فقال الكسائي وهشام والفراء وابن كيسان (رحمهم الله تعالى) 139:
إن الحال نفسها هي الخبر؛ لأنها سادة مسده على خلاف بينهم في ذلك.
قال الكسائي وهشام: إن الحال إذا وقعت خبرا للمصدر كان فيها ذكران مرفوعان 140 أحدهما من صاحب الحال والآخر من المصدر، وإنما احتاجوا إلى ذلك لأن الحال لا بد لها من ضمير يعود على ذي الحال وهي خبر، والخبر عندهم لا بد فيه من ضمير يعود على المبتدأ؛ لأن المبتدأ عندهم إنما يرتفع بما عاد عليه في أحد مذهبي الكوفيين، وضربي هنا مبتدأ مرفوع فلا بد من رافع، فاحتاجوا إلى القول بتحمل قائم ضميره ليرفعه حتى إنهما قالا: يجوز أن يؤكد المضمرين اللذين في قائما، فتقول:
ضربي زيدا قائما نفسه نفسه، وقيامك مسرعا نفسك نفسه؛ فإن أكدت القيام أيضا مع المضمرين قلت: قيامك مسرعا نفسك نفسه نفسه، فتكرر النفس ثلاث مرات 141.
وأما الفراء 142 ومن أخذ بقوله: فزعموا أن الحال إذا وقعت خبرا للمصدر فلا ضمير فيها لجريانها على صاحبها في إفراده وتثنيته وجمعه وتعريها من ضمير المصدر إذا قيل: ركوبك إن بادرت، وقيامك إن أسرعت، وضربي زيدا إن قام، فكما أن الشرط لا ضمير فيه يعود إلى المصدر فكذلك الحال.
وجاز نصب قائما ومسرعا وما أشبههما على الحال عند الكسائي وهشام والفراء ومن أخذ بمذهبهم وإن كان خبرا لما لم يكن المبتدأ، ألا ترى أن المسرع هو المخاطب -
الجزء: 2 - الصفحة: 884
................................
لا القيام، والقائم هو زيد أو أنا لا الضرب؟ فلما كان خلاف المبتدأ انتصب على الحال، لأن الخلاف عندهم يوجب النصب.
وأما ابن كيسان 143 فقال: إنما أغنت الحال عن الخبر لشبهها بالظرف، والذين قالوا بتقدير خبر اختلفوا في كيفية تقديره ومكانه، فذهب البصريون في المشهور عنهم والأخفش إلى تقديره مثل قائم، واختلفوا في كيفيته: فقال البصريون:
تقديره إذ كان إن أردت الماضي.
وإذا كان إن أردت المستقبل.
هذا إن جعلت ضمير كان عائدا على زيد، وقائما حال منه، وإن جعلت الضمير عائدا إلى ياء المتكلم وقائما حالا منه - كان تقديره: إذ كنت قائما إن أردت الماضي، وإذا كنت قائما إن أردت المستقبل.
وقال الأخفش: ضربي زيدا ضربه قائما.
وقال بعض الناس: تقديره بعد قائما والتقدير: ضربي زيدا قائما ثابت أو موجود أو ما أشبه ذلك، وقائم عندهم حال من زيد، والعامل فيها ضربي، وحكى أبو محمد بن السيد 144 أن هذا مذهب الكوفيين 145، وكذلك حكاه شيخنا جمال الدين بن عمرون 146 عنهم.
قلت: وهذا المذهب هو الذي ذكره المصنف رحمه الله إلزاما لأبي علي الفارسي ولم ينسبه لأحد.
فهذه ستة مذاهب: ثلاثة والخبر محذوف واثنان وهو مبتدأ والخبر محذوف، وواحد وهو مرتفع بفعل.
أما من قال: هو مرتفع بفعل فيرد عليه [1/ 314] أنه تقدير ما لا دليل على تعينه؛ لأنه كما يجوز تقدير ثبت يجوز تقدير قل أو عدم، وما لا يتعين تقديره لا سبيل إلى إضماره مع أنه إذا دار الأمر بين الحذف من أول الكلام وآخره كان الحذف من آخره أولى؛ فإن أول الكلام موضع استجمام وراحة وآخره موضع تعب وطلب استراحة فبان فساد ذلك الوجه.
وأما الوجه الثاني: وهو عدم احتياجه إلى الخبر لوقوعه موقع الفعل فظاهر الفساد؛ لأنه لو وقع موقع الفعل لصح الاقتصار عليه مع فاعله، كما صح ذلك في: أقائم الزيدان، وحيث لم يصح أن يقال ضربي ويقتصر بطل ما ذكروه.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 885
................................
وأما قول الكسائي وهشام 147: فيبطله أن العامل الواحد لا يعمل في معمولين ظاهرين ليس أحدهما تابعا للآخر رفعا، فكذلك لا يعمل في مضمرين 148.
وما ذهبا إليه من أن قولنا: زيد حيث عمرو حيث فيه رافعة لزيد وعمرو؛ لأن معناه زيد في مكان فيه عمرو.
فقد نابت حيث مناب ظرفين هما في مكان وفيه في المعنى، فرفعت الاسمين اللذين كانا يرتفعان بهما - لا وجه له 149؛ لأن هذا شيء لا نظير له في كلام العرب.
ولأنه يلزم أن يكون كذلك إذا قلت: زيد حيث جلس عمرو؛ إذ المعنى: زيد في مكان جلس فيه عمرو، ولو كان كذلك وجب أن تكون مرفوعة منصوبة؛ لأنها نابت مناب ظرفين أحدهما مرفوع والآخر منصوب، فتكون عمدة من جهة الرفع وفضلة من جهة النصب، وفي هذا ما فيه.
والصحيح أن الاسم بعد حيث مرفوع بالابتداء وخبره محذوف بدليل ظهوره إذا قلت: زيد حيث عمرو جالس؛ فلو رفعت حيث عمرو لبقي جالس لا إعراب له، ولأن حيث يلزم الإضافة إلى الجمل إلا ما جاء شاذّا من قول الشاعر:
550 - [ونطعنهم تحت الحبى بعد ضربهم... ببيض المواضي] حيث ليّ العمائم 150
وقوله: -
الحديث: 550 - الجزء: 2 - الصفحة: 886
................................
551 - أما ترى حيث سهيل طالعا... [نجما يضيء كالشّهاب لامعا 151]
فلو ارتفع الاسم بعد حيث بها لزم عروها عن الإضافة، وهذا أمر لا عهد لأحد بمثله في كلام العرب، وإذا انتفى أن يرفع الحال ضميرين انتفى كونها خبرا.
ومما يبطل أيضا كون الحال رافعة ضميرين أننا لو ثنينا فقلنا: ضربي أخويك قائمين لم يمكن أن يكون في قائمين هنا ضميران؛ لأنه لو كان لكان أحدهما مثنّى والآخر مفردا، وتثنية اسم الفاعل وإفراده إنما هو بحسب ما يرفع من الضمير، فكان يلزم أن يكون اسم الفاعل مفردا مثنّى في حال واحدة، هذا ما لا يمكن بوجه، فبان بطلان ما ذهب إليه الكسائي وهشام.
وأما قولهما بجواز تأكيد الضميرين، فشيء ذكروه قياسا لا سماع يعضده أصلا.
وأما قول الفراء 152 رحمه الله تعالى: إن الحال لم تتحمل ضمير المبتدأ للزومها مذهب الشرط فالجواب عنه أن الشرط - بمفرده من غير جواب لا يصلح للخبرية؛ لأنه لا يفيد.
وإذا كان كذلك تعين أن جواب الشرط محذوف فيكون الضمير محذوفا مع الجواب مع أن جميع ما ذكروه ادعاء، ولا دليل على شيء منها، فكيف يصار إليها؟
وأما تشبيه ابن كيسان 153 رحمه الله تعالى الحال بالظرف فكأنه قال: ضربي زيدا في حال قيام - فليس بشيء؛ لأنه لو جاز ذلك [1/ 315] بهذا التقدير لجاز مع الجثة أن تقول: زيد قائما؛ لأنه بمعنى زيد في حال قيام، وحيث لم يجز ذلك دل على فساد ما ذكروه.
وأما قولهم: إنه منصوب على الخلاف: ففاسد أيضا؛ لأن الخلاف لو كان عاملا -
الحديث: 551 - الجزء: 2 - الصفحة: 887
................................
لعمل حيث وجد، ونحن نرى العرب تقول: ليس زيد قائما لكن قاعد وبل قاعد برفع قاعد على الجواز، وما زيد قائما لكن قاعد وبل قاعد على الوجوب مع كونه مخالفا لما قبله، فبان فساد ما ذكروه.
وفساد النصب على الخلاف مذكور في موضعه من النحو بأحسن بيان، فلا حاجة إلى الإطالة فيه 154.
وأما المذهب المروي عن الكوفيين آخرا، وهو أن الخبر محذوف تقديره ثابت أو موجود - ففاسد أيضا 155؛ لأنه تقدير ما ليس في اللفظ دليل عليه كما تقدم؛ فإنه كما يقدر ثابت جاز أن يقدر أيضا منفي ومعدوم وما أشبه ذلك، ولأنه إذ ذاك يكون حذف الخبر جائزا لا واجبا؛ لأن قائما حينئذ يكون حالا من زيد، والعامل فيه المصدر، فلا تكون الحال سادة مسد الخبر، فلا يلزم حذفه، وإنما يجب حذف الخبر في مثل هذا إذا سدت الحال مسده؛ لأن الحال إذ ذاك عوض من الخبر بدليل أن العرب لا تجمع بينهما، ولا يحذف خبر هذه المصادر إلا مع وجود الأحوال للمناسبة التي بين الحال والخبر؛ لأن أصل الخبر التنكير كالحال، ولأن الحال هي صاحبها كما أن الخبر المفرد هو المبتدأ، والحال مقيدة كما أن الخبر كذلك، ففهم من عدم اجتماعهما قصر العوضية، ولا يتصور العوضية إلا على قول من قدم الخبر قبل الحال.
ولأنك إذا قدرت الخبر: ثابت أو موجود، وجعلت قائما حالا من زيد - فلا -
الجزء: 2 - الصفحة: 888
................................
يخلو إذ ذاك من أن يخبر المخاطب عن ضرب قد عهد منك إيقاعه بزيد في حال قيامه، أو عن ضرب لم يعهده منك في تلك الحال؛ فإذا أردت الأول لم يكن لإخبارك عنه بثابت أو مستقر فائدة؛ لأنه معلوم عند المخاطب وإن كان الثاني لم يكن في الكلام دليل على ذلك المحذوف؛ لجواز أن يكون التقدير: ضربي زيدا قائما غير ثابت.
ولأن في جعل قائما معمول ضربي حذف الخبر برمته كما ذكروا، وفي جعل قائما معمول الخبر حذف بعض الخبر.
وحذف بعض الخبر أولى من حذف جميعه، فظهر فساد ما ذكروه.
وأما مذهب الأخفش 156 رحمه الله تعالى: فإنه إن جعل المصدر الثاني وهو ضربه مضافا إلى المفعول، وفاعله ضمير المتكلم محذوفا على ما تقرر - فإن المصدر يحذف فاعله إذا كان ضميرا، ولا يكون مستترا فيصير كأنه قال: ضربي زيدا أضربه قائما، فأما أن يفهم من نفس الخبر عين المفهوم من المبتدأ فلا يصح، وإما أن يفهم منه أن ضربه المطلق مثل ضربه قائما، وهو غير المعنى المفهوم، وإن جعل المصدر مضافا إلى فاعله صار المفهوم منه غير المطلوب من الكلام على ما سيبين معنى الكلام حين يبين في توجيه كلام سيبويه رحمه الله تعالى، فظهر أن الصحيح ما ذهب إليه سيبويه رحمه الله تعالى دون غيره 157، وذلك لما ذكرنا من أن اعتقاد الحال معمولة للخبر يجعل المحذوف [1/ 316] بعض الخبر، وهو أولى من حذف جميع الخبر.
وهنا نكتة لطيفة: وهو أن الاسم العامل ومعموله ينزل منزلة المضاف والمضاف إليه في باب النداء وباب لا، فكما يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه كذلك يحذف العامل ويبقى معموله، إلا أنه لما كان الأكثر إذا حذف المضاف يعرب المضاف إليه بإعرابه ولا كذلك العامل والمعمول كثر حذف المضاف وقل حذف العامل، وهذا -
الجزء: 2 - الصفحة: 889
................................
وإن اشترك فيه مذهب سيبويه والأخفش فإن مذهب سيبويه ينفرد بما أذكره:
قال شيخنا جمال الدين 158 محمد بن عمرون رحمه الله تعالى: «والّذي يوضح المسألة أن معنى ضربي زيدا قائما: ما ضربت زيدا إلّا قائما، وهذا المعنى لا يستقيم إلا على مذهب سيبويه رحمه الله تعالى؛ لأنّ العامل يتقيد بمعموله، فإذا جعلت الحال من تمام المبتدأ يكون الإخبار بأن ضربي مقيّدا بالقيام واقع وذا لا ينفي أن يقع الضرب في حال القيام، وإذا جعل الحال من جملة الخبر يكون ضربي زيدا هذا الّذي لم يقيد بحال كائن.
إذا كان قائما؛ فلو قدر وقوع ضرب في غير حال القيام يكون مناقضا للأخبار؛ إذ من الحال وقوع غير المقيد بالحال في زمان وتخلف شيء منه عن ذلك الزمان إذا أريد الحقيقة».
ثم قال رحمه الله تعالى 159 - في مسألة: أكثر شربي السويق ملتوتا -: «وما أبطلنا به مذهب من يعتقد أنّ الحال من معمول المصدر يظهر في هذه المسألة أكثر؛ لأن ملتوتا لو جعل من تمام الشّرب يكون الإخبار حينئذ عن أكثر شرب سويق ملتوت أنه حاصل، وذلك لا ينفي أكثرية في غير حال اللّتّ».
والمراد من هذا الكلام أن الأكثرية تقع في حال اللت، ولو وقعت في غير حال اللت لا يكون في الإخبار كثير فائدة.
انتهى كلام الشيخ بهاء الدين في نقل المذاهب المذكورة وتقريرها.
ثم قال الشيخ بهاء الدين أيضا: وفي هذه المسألة أمور لا بد من التعرض لها 160.
منها: لم قدر الخبر ظرفا دون غيره؟ لأنا نقدر الخبر محذوفا، والحذف مجاز وتوسع، والظروف أجمل لذلك من غيرها.
ومنها: لم قدر ظرف الزمان دون ظرف المكان 161؟ إنما نابت الحال مناب الخبر الذي هو ظرف الزمان المحذوف للمشابهة التي بين ظرف الزمان والحال لفظا ومعنى، -
الجزء: 2 - الصفحة: 890
................................
ألا ترى أن كل واحد منهما منصوب على معنى في؟ فإنك إذا قلت: جاء زيد ضاحكا، فكأنك قلت: جاء زيد وقت ضحكه.
ولذلك أكثر ما تجيء هذه الحال السادة مسد الخبر مفردة لا جملة؛ لأنها إذ ذاك تشبه الظرف.
إلا أن الجملة لما كانت بتقدير المفرد حملت في النيابة عن خبر المبتدأ على الحال المفردة، وذلك لأن الحال عوض منه كما ذكرنا.
والحال لظرف الزمان أنسب منها لظرف المكان؛ لأنها توقيت للفعل من جهة المعنى كما أن الزمان توقيت للفعل، وذلك قدر سيبويه الحال بإذ في قوله تعالى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ 162 فقال: «إذ طائفة في هذه الحال» 163.
ولأن المبتدأ هنا حدث، وظرف الزمان مختص بالإخبارية عن الحدث دون الجثة فهو أخص به من ظرف المكان 164.
ومنها: لما قدرت إذ [1/ 317] وإذا دون غيرهما؟ قال شيخنا رحمه الله: ما ولي الظروف إن أردت الماضي إذ؛ لأنها تستغرق الماضي، وإن أردت المستقبل إذا لأنها تستغرق المستقبل أيضا 165.
ومنها: لم قدر بعد الظرف فعل؟ ولم كان كان التامة دون غيرها؟ ولما لم يقدر نصب قائم على الخبر لكان؟
وذلك لأن الظرف لا بد له من فعل أو معناه؛ ليكون ظرفا له، والحال لا بد لها أيضا من عامل، والأصل في العمل الفعل، وقدرت كان تامة لتدل على الحدث المطلق الذي يدل الكلام عليه، ولم يعتقد في قائم الخبرية للزومه التنكير 166.
قال رحمه الله تعالى 167: ودخول واو الحال عليها على ما سيجيء يقوي جانب الحالية لا الخبرية، ولا يلتفت إلى قول من يجوز دخول الواو على أخبار كان -
الجزء: 2 - الصفحة: 891
................................
وأخواتها إذا كان الخبر جملة، والضمير في كان فاعلها وهو يعود إلى زيد.
ومنها: هل يجوز تقدم هذه الحال على المصدر؟
منع ذلك الكسائي والفراء وهشام 168 إن كانت الحال من ظاهر، كما منعوا في نحو: جاء زيد راكبا - أن تقول: راكبا جاء زيد، فتقدمها.
وسبب ذلك أن مبنى الحال عندهم على الشرط، فبطل: راكبا جاء زيد من حيث لم يجز: إن تركب جاء زيد.
فإن كانت من مضمر جاز التقديم عند الكسائي وهشام.
ومن أخذ بمذهبهما فلا يجوز تقديمها إذا لم تقع خبرا، ويجوز عندهم: مسرعا قيامك كما يجوز مسرعا قمت؛ لأن الحال لمكنيّ، ولا ينكر تقدم مضمر على مضمر كما ينكر تقدم مضمر على ظاهر.
وأبطل الفراء: مسرعا قيامك ومبادرا ركوبك، وأجاز: مسرعا قمت ومبادرا ركبت؛ لأن الحال المكني يجوز تقدمها إذا لم تكن رافعة، فإذا رفعت منعت التقدم والتوسط ولزمت التأخر عنده؛ لأنها عنده مبنية على الشرط، والشرط يقع آخرا لا أولا، فيقال: شكرتك إن أنصفت، ولا يقال: إن أنصفت شكرتك؛ لأن الشرط إنما يتلقى بالفاء أو إذا أو بالفعل، ولا يتلقى بالاسم المفرد.
واحتج الكسائي وهشام على جواز: مبادرا ركوبك، بأن الحال مبنية على الوقت من حيث كانت في معناه، والوقت يرفع متقدما ومتأخرا، فيقال: قيامك يوم الخميس، ويوم الخميس قيامك.
قلت: جميع ما ذكروه مبني على ما تقدم من أقوالهم، وقد تقدم إفسادها، ولا نقل عندي عن مذاهب البصريين في ذلك، بل مقتضى قولهم جواز تقديم الحال إن قدر الخبر متقدما على المصدر 169، ووجوب تأخيرها إن قدر الخبر مؤخرا؛ لأن العامل عندهم في الحال كان المقدرة، وهي مضاف إليها الظرف، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 892
................................
قال ابن الدهان 170 في شرح الإيضاح: ولا يمتنع عندي في القياس: قائما ضربي زيدا؛ لأن خبر المبتدأ في هذه المسألة يتقدم على المبتدأ 171.
ومنها: أنه لا يجوز أن يسد الحال مسد الخبر إذا كان المبتدأ جثة؛ لأن الخبر المقدر لا يكون إلا ظرف زمان كما
تقدم، وظروف الزمان لا تكون أخبارا للجثة.
ومنها: هل يجوز لضمير المصدر أن يسد الحال مسد خبره؟
ذهب البصريون والكسائي إلى أن ضمير المصدر يجري مجراه في ذلك [1/ 318] نحو قولك: أكلي التفاحة هو نضيجة.
فأكلى مبتدأ والتفاحة مفعوله وهو مبتدأ، و (هو) ضمير المصدر الذي هو أكلي، ونضيجة حال سدت مسد خبر المصدر، والضمير وخبره خبر المصدر الذي هو أكلي.
وزعم الفراء أن ضمير المصدر كالجثة نحو زيد وعمرو لا يرفعه إلا ما يرفع زيدا وعمرا عن وكأن الذي حمله على ذلك كون الحال عنده بمنزلة الشرط.
والشرط إنما يخبر به المصدر لا عن ضميره، وذلك باطل، وقد تقدم تبيين بطلانه 172. -
الجزء: 2 - الصفحة: 893
................................
قال ابن عصفور 173: وسواء في ذلك المصدر وغيره مما لم يكن جثّة؛ إلّا أنّ مجيء ذلك في المصدر أكثر كما ذكرته.
ومما يدل على مجيئه في غير المصادر قول الشاعر:
552 - خيال لأمّ السّلسبيل ودونه... مسيرة شهر للبريد المذبذب 174
فخيال مبتدأ، ولأم السلسبيل صفة له.
ولا يكون خبرا؛ لأنه لا مسوغ للابتداء بها إلا وصفها بالمجرور، والجملة التي هي: ودونه مسيرة شهر سادة مسد خبره؛ وساغ ذلك لأن الخيال لا حقيقة له جسيمة، فجرى مجرى المصادر 175.
ومنها: أنه لا يجوز أن تسد الحال مسد خبر أن الناصبة للفعل وإن كانت بتأويل المصدر، ووجهه أن الحال إنما تسد مسد الخبر إذا كان ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون خبرا لأن والفعل، وإلى ما ذكرنا من المنع ذهب الكسائي والفراء وهشام، وعلّلوه بأنها لما عملت في ما بعدها أشبهت الأدوات وبعدت عن المصادر، فلم يجز فيها ما جاز في المصادر.
وفي هذا التعليل نظر: فإن المصدر عامل في ما بعده، فالصحيح ما ذكرناه من التعليل.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
الحديث: 552 - الجزء: 2 - الصفحة: 894
[رفع الحال المنصوبة على الخبرية]
قال ابن مالك: (ورفعها خبرا بعد أفعل مضافا إلى ما موصولة بكان أو يكون - جائز، وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع). قال ناظر الجيش: أي: ورفع الحال المذكورة، وأشار بذلك إلى ما أجازه الأخفش من رفع قائم على الخبرية من قولهم: أخطب ما يكون الأمير 176 قائما، وليعلم قبل تقدم مذهبه أنّا إذا قلنا: أخطب ما كان أو أخطب ما يكون، فما مصدرية، والتقدير: كون الأمير، وفي إضافة أخطب إلى الكون نوع تجوز؛ لأن أفعل التفضيل لا تضاف إلا إلى ما هو بعضه، وليست الخطابة بعض الكون، ثم منهم من قدر مضافا محذوفا أي: أخطب أوقات كون الأمير لا لينتفي المجاز؛ فإن الخطابة ليست بعض الأوقات أيضا، لكن لما كانت الخطابة لا تقع إلا في الأوقات سهل ذلك تأولها بها. ومنهم من لم يقدر شيئا محذوفا، وجعل أخطب كونا كما تقدم، ويترتب على الرأيين بحث: وهو أن من قدر المضاف وجعل أخطب زمانا لإضافته إلى الأوقات المحذوفة وجوز وقوع إذا غير ظرف - لم يجعل إذا متعلقة بمحذوف كما في: ضربي زيدا قائما بل جعل نفس الظرف مرفوعا على الخبرية لا معمولا للخبر، ويكون قد أخبر بزمان عن زمان. قال الشيخ بهاء الدين رحمه الله: ولا يستنكر خروج إذا من الظرفية ورفعها؛ فقد جاءت مجرورة في قول الشّاعر [1/ 319]: 553 - وبعد غد يا لهف نفسي في غد... إذا راح أصحابي ولست برائح 177
الحديث: 553 - الجزء: 2 - الصفحة: 895
................................
فأبدل إذا من غد.
وأجاز المبرد 178 الرفع الصريح فيها، وذلك إذا قلت: إذا يقوم زيد إذا يقعد عمرو؛ فإذا الأولى مبتدأ والثانية خبر، وعلى هذا إذا ظهر الإعراب في الظرف يرتفع فتقول: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، وأما من لم يقدر مضافا محذوفا وجعل أخطب كونا - فإذا في موضع نصب متعلقة بمحذوف كما كان في ضربي زيدا قائما، وعلى هذا إذا قلت: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة نصبت اليوم.
وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأخفش رحمه الله تعالى أجاز الرفع في هذه المسألة كما تقدم.
قال الشيخ 179: «وتبعه المبرد والفارسي 180 وهذا المصنف».
انتهى.
وقال المصنف رحمه الله تعالى: «يلزم من ذلك - يعني ما أجازه الأخفش من الرّفع - ارتكاب مجازين:
أحدهما: إضافة أخطب مع أنه من صفات الأعيان إلى ما يكون وهو في تأويل الكون.
والثاني: الإخبار بقائم مع أنه في الأصل من صفات الأعيان عن أخطب ما يكون مع أنه في المعنى كون؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، والحامل على ذلك قصد المبالغة وقد فتح بابها بأول الجملة 181، فعضّدت بآخرها مرفوعا».
انتهى 182.
قال الشيخ بهاء الدين 183: «ووجّه ابن الدّهان رفع الأخفش قائما بأن جعل أخطب مضافا إلى أحوال محذوفة، أي: أخطب أحوال كون الأمير فلا مجاز في قائم حينئذ».
وقال الشيخ أثير الدين 184: «قوله: فلا مجاز في قائم حينئذ - غير مسلم بل هو مجاز لأن قائما من صفات الأعيان لا من صفات الأحوال، والمطابق للإخبار عن أخطب - - الدين.
(انظر ترجمته وأخباره في الشعر والشعراء: 1/ 395).
الجزء: 2 - الصفحة: 896
................................
أحوال الأمير أن يقال القيام كما يقال: أحسن أحوال زيد السرور، ولا تقول السّارّ».
وقال الشيخ بهاء الدين 185: ويجوز أن تجعل ما بمنزلة شيء، والجملة التي هي يكون الأمير صفته والعائد محذوف خبر يكون الأمير، ويكون ناقصة كان أصلها:
أخطب أحوال يكون الأمير فيها قائما، وتكون ما للعموم والكثرة كقوله تعالى:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ (2). ودليل وقوعها للجنس الإشارة إليها بقوله تعالى: وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ 186 وتكون ما حينئذ كناية عن الأحوال، فيتوجه ما قاله الأخفش.
وقال الشيخ أثير الدين: «ويكون الإخبار بقائم أيضا مجازا؛ إذ القائم من صفات الأعيان لا صفات الأحوال كما بيّنا» انتهى 187.
وأشار المصنف بقوله: وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع - إلى نحو قول القائل: ضربي زيدا قائم، على تقدير: وهو قائم؛ وحق هذا أن يمنع مطلقا؛ لأنه شبيه بقولك: جاء زيد راكب؛ لكن الضرورة أباحت حذف المبتدأ المقرون بالفاء في جواب الشرط، وهو أصعب، وإجازة حذف مبتدأ مقرون بواو الحال أولى.
ومثال حذف المبتدأ مقرونا بالفاء قول الشاعر:
554 - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم 188
أراد: فهو ظالم، هذا كلام المصنف 189 [1/ 320].
قال الشيخ 190: «كان ينبغي أن لا يقول: دون ضرورة بل يقول: وفعل ذلك -
الحديث: 554 - الجزء: 2 - الصفحة: 897
................................
بعد مصدر صريح ممنوع؛ فإن أدّت الضّرورة إلى رفعه خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة حالا جاز، قال: ولم يبين جهة الأصعبية، ونقول: بل هو في الشرط أسهل؛ لأنّ جواب الشّرط لا بد أن يكون جملة فلنا دليل على ما حذف.
وأما الحال السادة مسدّ الخبر ففيها خلاف: هل تقوم الجملة مقامها؟ كما سيأتي، فلا دليل منها على ما يحذف» انتهى 191.
واعلم أن ابن الدهان 192 أجاز رفع قائم في: ضربي زيدا قائما - على الخبرية لا على المعنى الذي تقدم، بل على معنى أن تريد بقائم معنى ثابت دائما لا يتغير.
فيكون خبرا عن ضربي حقيقة، كما تقول: الأمر بيننا قائم، والحرب قائمة على ساق، وهذا كما تقول: ضربي زيدا شديد، ولا خلاف في جوازه 193.
الجزء: 2 - الصفحة: 898
[إعراب الاسم المرفوع بعد لولا]
قال ابن مالك: (وليس التّالي لولا مرفوعا بها، ولا بفعل مضمر؛ خلافا للكوفيّين، ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور، ولا الواو والحال المشار إليهما؛ خلافا لزاعمي ذلك).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وكان في بعض الصور المتقدمة خلاف - قصد الإشارة إليه هنا، وقد تقدم الكلام على مضمون قوله: ويغني فاعل المصدر المذكور إلى آخره، وعلى إغناء الحال عن الخبر في مسألة: ضربي زيدا قائما، وعلى واو المصاحبة أيضا في مسألة: كل رجل وضيعته؛ فلا حاجة لإعادته 194.
وأما المرفوع بعد لولا 195 فتقدم أنه مبتدأ، وأن خبره محذوف وجوبا 196 وذكر فيه هنا مذهبين آخرين:
أحدهما: أنه مرفوع بلولا، وهو رأي الفراء.
والثاني: أنه مرفوع بفعل مضمر، وهو رأي الكسائي، ونبه على خلافهما بقوله: خلافا للكوفيين 197.
قال المصنف 198: «والصحيح مذهب البصريين؛ لأنه إذا كان مبتدأ محذوف -
الجزء: 2 - الصفحة: 899
................................
الخبر كان نظير المقسم به في كونه مبتدأ محذوف الخبر للعلم به، وسد الجواب مسده؛ بل يكون أولى بصحة حذف الخبر؛ لأن في لولا إشعارا بالوجود المانع من ثبوت معنى الجواب، والوجود الذي يشعر به هو المفاد بالخبر لو نطق به، ففي حذف الخبر بعد لولا من العذر ما في حذف خبر المقسم به وزيادة» قال:
«وأما القولان فمردودان؛ لأنهما مستلزمان ما لا نظير له؛ إذ ليس في الكلام حرف يرفع ولا ينصب ولا حرف التزم بعده إضمار فعل رافع، ولا يقبل ما يستلزم عدم النظير مع وجدان ما له نظير».
وأيضا فإذا حكم على الواقع بعد لولا بالابتداء كان المحذوف من الجملة مؤخرا، وإذا حكم بفاعليته كان المحذوف منها مقدما، والأواخر بالحذف أولى من الأوائل» انتهى 199.
ومما رد به مذهب الفراء أن الحرف لا يعمل إلا إذا اختص، ولا خصوصية للو لا بقبيل دون قبيل فإنها كما دخلت على الاسم فيما تقدم، فقد دخلت على الفعل في قول الشاعر: [1/ 321].
555 - ألا زعمت أسماء ألّا أحبّها... فقلت بلى لولا ينازعني شغلي 200
وفي قوله أيضا: -
الحديث: 555 - الجزء: 2 - الصفحة: 900
556 - قالت أمامة لما جئت زائرها... هلّا رميت ببعض الأسهم السّود
لا درّ درّك إنّي قد رميتهم... لولا حددت ولا عذرى لمحدود 201
وقد أجاب الكوفيون عن ذلك بأن لولا الامتناعية لم تدخل على الفعل، وإنما هذه لو دخلت على لا الواقعة موقع لم، و (لا) تقع موقع لم بدليل قوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى 202 ورد هذا الجواب بمنع أن لا واقعة موقع لم، والأصل عدم ذلك.
والفرق بينها وبين الآية الكريمةأن مجيء لكن بعدها في الآية الشريفة 203 دل على أن المراد بها لم، ولا دليل هنا في البيت، فبقي على أصله.
واعلم أن دعوى عدم خصوصية لولا الامتناعية بالأسماء ممنوعة، وأما كون الفعل يليها واستشهادهم بما أنشدوه.
فقد قال المصنف في قول الشاعر:
557 - ولولا يحسبون الحلم عجزا... لما عدم المسيئون احتمالي 204
إن التقدير: ولولا أن يحسبوا، فحذف أن ورفع الفعل والموضع موضع المبتدأ على تقدير أن كما قالوا: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه 205.
فكذا يكون التقدير في لولا ينازعني: لولا أن ينازعني شغلي.
وأما هى في: لولا -
الحديث: 556 - الجزء: 2 - الصفحة: 901
[الحال السادة مسد الخبر ووقوعها جملة]
قال ابن مالك: (ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلا؛ خلافا للفرّاء، ولا جملة اسميّة بلا واو، وفاقا للكسائي ويجوز إتباع المصدر المذكور، وفاقا له أيضا).
حددت، فقد جعل المصنف أنها بمعنى لو لم، وأن المعنى لو لم أحد، وأنها حينئذ يلزم أن يليها الفعل.
قال: ومجيء لا بمعنى لم كثير، ومنه قول الراجز:
558 - لاهمّ إنّ الحارث بن جبلة... زنا على أبيه ثمّ قتله
وكان في جار له لا عهد له... وأيّ شيء سيّئ لا فعله 206، 207
فإذا كان كذلك فلا يثبت الرد على الفراء بعدم الخصوصية، ومما رد به مذهب الكسائي أن ما ذكره دعوى مجردة
من الدليل، فكيف يصار إليها مع أن الأصل عدم الإضمار؟ وسيأتي الكلام على لولا هذه، وعلى بقية المذاهب في الاسم الواقع بعدها في أثناء الكتاب إن شاء الله تعالى.
قال ناظر الجيش: اعلم أنهم اختلفوا: هل تقع هذه الحال السادة مسد الخبر جملة أو لا؟
فأما الجملة الفعلية فأجاز وقوعها حالا أبو الحسن والكسائي وهشام 208، ونقل ابن خروف عن سيبويه المنع 209، واختلف في النقل عن الفراء، فحكى ابن خروف عنه الجواز -
الحديث: 558 - الجزء: 2 - الصفحة: 902
................................ ونقل المصنف عنه المنع، وكذلك ابن عصفور 210 قال الشيخ: «وهو الصّحيح» 211. قال المصنف 212: «وإنما منع الفراء ذلك فرارا من كثرة مخالفة الأصل، وذلك أن الحال إذا سدت مسد الخبر فهو على خلاف الأصل، وإذا وقع الفعل موقع الحال فهو على خلاف الأصل؛ فلا ينبغي أن يحكم بجوازه؛ لأنه مخالفة بعد مخالفة، قال: وهذا الذي اعتبره قد دأبت العرب على أنه غير معتبر بوقوع الجملة الاسمية موقع الحال المذكورة، فلو لم تقع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة ثقلا - لجاز وقوعها قياسا على وقوع الجملة الاسمية، ومع ذلك فقد سمع عن العرب وقوع الجملة الفعلية موقع الحال المذكورة، ومن ذلك قول الشاعر أنشده سيبويه رحمه الله تعالى 213. 559 - ورأي عينيّ الفتى أباكا... يعطي الجزيل فعليك ذاكا 214» [1/ 322] انتهى 215. قلت: وإنشاد سيبويه هذا البيت يدفع ما ذكره ابن خروف عنه من المنع إلا أن يكون سيبويه أتى به شاهدا لغير ذلك 216. -
الحديث: 559 - الجزء: 2 - الصفحة: 903
................................
وقال ابن عصفور: «الّذي يمنعه الفراء الفعل المضارع المرفوع» 217 وعلله بأن النصب الذي في المفرد عوض من التصريح بالشرط والمستقبل المرفوع ليس في لفظه ما يكشف مذهب الشرط.
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: «وما ذكره ابن عصفور من التّعليل لمذهب الفرّاء يقتضي أنّ الفرّاء يمنع أيضا
الجملة الاسميّة؛ لأنها لا يظهر في لفظها النّصب أيضا.
قال الشيخ بعد نقل الخلاف في هذه المسألة: «والصحيح الجواز لورود ذلك عن العرب» 218 وأنشد البيت المتقدم، وقول الآخر:
560 - عهدي بها في الحيّ قد سربلت... بيضاء مثل المهرة الضّامر 219
وأما الجملة الاسمية فإما أن تكون مصحوبة بالواو أو لا.
إن صحبتها الواو فنقل ابن خروف أن مذهب سيبويه والأخفش المنع، قال 220:
«مذهب سيبويه أنّ الحال لا تسدّ مسد الخبر إلّا إذا كانت منصوبة»، وكلام المصنف في الشرح يقتضي أنه لا خلاف في جواز ذلك، فإنه قال: «حكى ابن كيسان: مسرّتك أخاك قائما أبوه، ثم قال: فإن قلت: مسرتك أخاك هو قائما - - نوعان: مضاف للمفعول ثم يرفع الفاعل، ومثل له بقوله: عجبت من كسوة زيد أبوه، ومضافا للفاعل ثم ينصب المفعول كالبيت المذكور شاهدا (الكتاب: 1/ 191).
الحديث: 560 - الجزء: 2 - الصفحة: 904
................................
أبوه، أو مسرتّك أخاك هو قائم - جازت المسألة عند الكسائي وحده؛ فإن جئت قبل هو بالواو جازت المسألة فى كل الأقوال» انتهى 221.
وقد ورد السماع بذلك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد» 222. ومنه قول الشاعر:
561 - خير اقترابي من المولى حليف رضا... وشرّ بعدي عنه وهو غضبان 223
وقول الآخر:
562 - عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم... قبل التّفرّق ميسر وندام 224
وإن لم تصحب الجملة الاسمية الواو، فالمشهور من قول النحاة غير الكسائي المنع.
قال المصنف 225: «والحامل لهم على ذلك أنّ الاستعمال لم يرد بخلافه فأفتوا بالتزامه، ولم ير الكسائي ذلك ملتزما بعد سدها مسدّ الخبر كما لم يكن ملتزما قبله، وبقوله أقول.
وقد كان مقتضى الدّليل أن يكون حذف الواو هنا أولى؛ لأنه موضع اختصار؛ لكنّ الواقع بخلاف ذلك، وباب القيس مفتوح» انتهى.
وقال ابن عصفور: «إنّ الفراء منع حذف الواو، وإنّ المفهوم من مذهب -
الحديث: 561 - الجزء: 2 - الصفحة: 905
................................
البصريين جواز حذفها».
قوله: ويجوز إتباع المصدر المذكور، أشار به إلى ما أجازه الكسائي وحده من إتباع المصدر على وجه لا يقدح في البيان، كقولك: ضربي زيدا الشديد قائما، وشربي السويق كله ملتوتا، قال المصنف: «ومن منع احتجّ بكون الموضع موضع اختصار، وأنّ السّماع لم يرد فيه إتباع، ومن أجازه تبع القياس، ولم ير عدم السماع مانعا؛ لأن الحاجة داعية إلى استعمال ما منعوه في بعض المواضع، فإجازته توسعة ومنعه تضييق» 226.
وقد ذكر الشيخ فروعا تتعلق بمسألة ضربي زيدا قائما 227:
الأول: أجاز السيرافي وابن السراج دخول كان الناقصة على هذا المصدر، فتقول:
كان ضربي زيدا قائما وقال ابن عصفور [1/ 323]: «وهو قبيح لأنّ تعويض الحال من الخبر إنّما كون بعد حذفه، وحذف خبر كان قبيح».
انتهى 228.
وقد يقال، إنما يكون قبيحا إذا لم يسد غيره مسده، أما مع مسد الحال مسده فلا.
الثاني: إذا كنيت عن المصدر المذكور قبل ذكر الحال: نحو: ضربي زيدا هو قائما أجاز ذلك البصريون والكسائي.
وإعراب هو الابتداء، وقائما حال سدت مسد خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وعند الكسائي يرتفع ضربي بالراجع من هو، ويرتفع هو بقائما وهو جار على مذهبه 229، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في كلام ابن النحاس.
الثالث: تقديم الحال على معمول المصدر: نحو: شربك ملتوتا السويق.
أبطل ذلك الكسائي والفراء، وحكي عن البصريين الجواز، وهو مشكل؛ لأن فيه الفصل -
الجزء: 2 - الصفحة: 906
................................
بين المصدر ومعموله بالحال التي سدت مسد الخبر 230.
الرابع: إذا كانت الحال بالواو فهل يجوز تقديمها على المصدر؟
أبطل ذلك الكسائي وهشام والفراء، وإن كان المصدر متعديا نحو قولك: وهو ملتوت شربي السويق.
وإن كان لازما جاز ذلك عند الكسائي نحو: وأنت راكب حسنك، ولم يجز عند الفراء؛ لأن الحال لا ترفع مقدمة 231.
الخامس: أجمعوا على إبطال: أكلك متكئا الطعام؛ لأن الطعام في صلة الأكل ومتكئ ساد مسد الخبر، والصلة لا تأتي بعد الخبر، وقد تقدم الخلاف في جواز نحو: شربك ملتوتا السويق، فينظر ما الفرق بين المسألتين 232.
السادس: اختلفوا على جواز دخول إن وفاء أما، تقول: إن حسنك راكبا، وأما حسنك فراكبا 233.
السابع: اتفقوا على منع: ما حسنك براكب؛ لأن الباء تغير نصب الحال فتفسد المسألة لذلك 234.
الثامن: أجازوا: أما ضربيك فإنه حسنا - على أن الهاء ترجع إلى الضرب، وخبر إن حسنا، وحكم كان وظن حكم إن في هذا المعنى، فأجازوا: إن ضربيك فكان حسنا، وأما ضربيك فظننته حسنا على أن حسنا صفة للضرب.
وأبطلها الفراء على أن حسنا صفة للياء والكاف.
والكسائي يجيزهن كلهن 235.
التاسع: أجاز الكسائي وهشام: عبد الله وعهدي بزيد قديمين، وكذلك عبد الله والعهد بزيد قديمين، ولا يعلم أن الفراء أجاز شيئا من هذا، وأصحابه يردون على الكسائي وهشام ما جوزاه من هذه المسائل.
وقياس البصريين يقتضي المنع، ولا يجوز في قول الكسائي وهشام: عبد الله فالعهد بزيد قديمين، ولا يعطفان هنا إلا بالواو الجامعة 236. -
الجزء: 2 - الصفحة: 907
................................
العاشر: أجاز الكسائي والبصريون تقديم معمول الحال المذكور عليها بعد تمام المصدر وصلته نحو: ضربي زيدا فرسا راكبا أي: راكب فرسا، ومنع ذلك الفراء، قال: لأن راكبا لا يرد إلى الاستقبال، وما لم يرد إلى الاستقبال لم تقدم صلته عليه 237 [1/ 324].
الحادي عشر: أجاز الزجاج: عبد الله أحسن ما يكون القيام، وقال: لا يجوز غيرها، ومنعها المبرد (2).
الثاني عشر: أكثر ضربي زيد منعها الكوفيون وأجازها البصريون قبل، ولا خلاف يعلم في جواز: أكثر لبسي الكتان (3).
الثالث عشر: أجاز ابن كيسان: أما ضربي زيدا فكان قائما نفسه نفسه؛ فيكون الأول لذكر زيد، والثاني لذكر الضرب.
وحكى أبو جعفر النحاس أن ذلك جائز على مذهب البصريين والكسائي، وغير جائز على مذهب الفراء 238.
الرابع عشر: علمي بزيد كان ذا مال منعها أبو علي 239 أن يكون علمي مبتدأ، وبزيد متعلق به، وكان في موضع خبره واسمها مستتر فيها وهو عائد على متعلق علمي، وذا خبر كان من حيث إن جملة الخبر ليس فيها ما يربطها بالمبتدأ الذي هو علمي؛ لأن ذا مال ليس نفس العلم ولا منزلا منزلته.
وتجويز المسألة على وجوه:
منها: ما أجازه بعضهم من أن تكون من باب ضربي زيدا قائما، أي كائنا ذا مال، أو قد كان ذا مال، وذلك على تقدير الكوفيين فيما نقل عنهم أنهم يقدرون -
الجزء: 2 - الصفحة: 908
................................
الخبر متأخرا أي: علمي بزيد كان قائما واقع، أو على تقدير عضد الدولة 240 علمي بزيد علمي به ذا مال، وأما على تقدير من قدر إذا كان فلا يصح، ويمكن أن يكون بزيد خبر علمي أي: علمي ملتبس بزيد، أو واقع به ذا مال أي غنيّا، ويمكن أن تكون كان زائدة، ويكون المعنى: علمي بزيد ذا مال.
وزعم بعضهم أن التقدير: علمي بزيد إذ كان وحذف إذ للدلالة عليها وهو ضعيف؛ لأن العرب إنما حذفت هنا الفعل والظرف معا ولم تحذف أحدهما دون الآخر.
واختار الأستاذ أبو علي أن تكون كان ناقصة واسمها يعود على العلم، وذا مال حال تسد مسد خبر كان كما سد مسد خبر المبتدأ، وقد ردّ ذلك على أبي علي 241.
الخامس عشر: لا يجوز وقوع المصدر موقع هذه الحال؛ لأنه لا يناسبه بينه وبين الزمان، وهم إنما عدلوا إلى الحال المشتقة للمناسبة، وهذه المناسبة لا تجوز إلا مع صورة الحال الأصلية، ولا تجوز في الحال لكونها كالظرف؛ لأنه لا يتجوز في الشيء الواحد مرتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 909
[حذف المبتدأ جوازا ووجوبا ومسائل ذلك]
قال ابن مالك: (ويحذف المبتدأ أيضا جوازا لقرينة، ووجوبا كالمخبر عنه بنعت مقطوع لمجرّد مدح أو ذمّ أو
ترحّم، أو بمصدر بدلا من اللّفظ بفعله، ومخصوص في باب نعم أو بئس أو بصريح في القسم).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على حذف الخبر جوازا ووجوبا - شرع في الكلام على حذف المبتدأ، وقد علمت أنه أيضا على قسمين: جائز وواجب.
فالجائز: أن يحذف لقرينة تشعر به لحذفه بعد استفهام عن الخبر، كقولك:
صحيح، وفي المسجد، وغدا، وعشرون لمن قال: كيف أنت؟ وأين اعتكافك؟ ومتى سفرك؟ وكم دراهيمك؟ وكحذفه عند شم طيب، أو سماع صوت، أو رؤية شبح كقولك: مسك، وقراءة، وإنسان بإضمار هذا ونحوه.
قال امرؤ القيس [1/ 325]:
563 - إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة... معتّقة ممّا تعتّق بابل 242
أي: هذا طعم مدامة.
ولو كان المذكور معرفة جاز جعله مبتدأ محذوف الخبر.
ومن القرائن المحسنة لحذف المبتدأ وجود فاء الجزاء داخلة على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ كقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها 243 أي:
فصلاحه لنفسه وإساءته عليها.
وأما الحذف الواجب: فقد ذكر المصنف أنه في أربعة مواضع أيضا كالخبر:
الأول: المبتدأ المخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح نحو الحمد لله الحميد، -
الحديث: 563 - الجزء: 2 - الصفحة: 910
................................ وصلّى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين. أو لمجرد ذم كقولك: أعوذ بالله من إبليس عدوّ المؤمنين، أو لمجرد ترحم كقولك: مررت بغلامك المسكين؛ فهذا ونحوه من النعوت المقطوعة لهذه المعاني الثلاثة - لك فيها النصب بفعل ملتزم إضماره، والرفع بمقتضى الخبر لمبتدأ لا يجوز إظهاره، وذلك أنهم قصدوا إنشاء المدح، فجعلوا إضمار الناصب أمارة على ذلك كما فعل في النداء؛ إذ لو أظهر الناصب لخفي معنى الإنشاء، وكونه خبرا مستأنف المعنى؛ فلما التزم الإضمار في النصب التزم أيضا في الرفع ليجري الوجهان على سنن واحد. وإنما قيد النعت المقطوع بكونه لأحد الثلاثة تحرزا من النعت المقطوع لغير ذلك؛ فإنه يجوز إظهار المبتدأ وإضماره، وكذا إظهار الناصب وإضماره نحو مررت بزيد الخياط. وقول المصنف في الشرح: بنعت مقطوع لتعين المنعوت بدونه، وقوله أيضا فهذا ونحوه من النعوت المقطوعة للاستغناء عنها لحصول التعيين بدونها - قد يوهم أن نحو: مررت بزيد الخياط داخل في ذلك إذا كان زيد معلوما، وليس كذلك؛ فإن مراده أنها مع كونها يحصل التعيين بدونها بكون للمدح أو للذم أو للترحّم وسيأتي الكلام على هذه المسألة في باب النعت إن شاء الله تعالى 244. الموضع الثاني: المبتدأ المخبر عنه بمصدر جيء به بدلا من اللفظ بفعله كقول الشاعر: 564 - فقالت حنان ما أتى بك هاهنا... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف 245
الحديث: 564 - الجزء: 2 - الصفحة: 911
................................ أي: أمري حنان. ومنه قولهم: سمع وطاعة أي: أمري سمع وطاعة، والأصل في هذا النصب لأنه مصدر جيء به فالتزم إضمار ناصبه لئلا يجتمع بدل ومبدل منه في غير إتباع، ثم حمل المرفوع على المنصوب في التزام إضمار الرافع الذي هو المبتدأ. قال سيبويه 246: «وسمعت من يوثق بعربيّته يقال له: كيف أصبحت؟ فقال: حمدا لله وثناء عليه» أي: أمري حمد الله، وأنشد قول الراجز: 565 - شكا إليّ جملي طول السّرى... صبر جميل فكلانا مبتلى 247 ثم قال سيبويه 248 رحمه الله: «والّذي يرفع عليها حنان وصبر وما أشبه ذلك لا يستعمل إظهاره وترك إظهاره كترك إظهار ما ينصب به». قال الشيخ: «وقد جاء إظهار هذا المبتدأ في الشّعر، أنشد ابن جنّي في الخصائص 249 [1/ 326]: 566 - فقالت على اسم الله أمرك طاعة... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد 250
الحديث: 565 - الجزء: 2 - الصفحة: 912
................................
انتهى 251.
(ولقائل أن يقول: إن طاعة في هذا البيت لم يكن الرفع عن نصب؛ إذ لا يتعين أنه كان منصوبا على أنه مصدر ثم عدل به إلى الرفع، بل طاعة أتى به مرفوعا من أول الأمر، ومعنى أمرك طاعة أمرك مطاع، وإذا كان كذلك فليس هذا الذي في البيت مما نحن فيه) 252.
الموضع الثالث: المبتدأ المخبر عنه بممدوح نعم وبمذموم بئس إذا جعلا خبري مبتدأين وهو أحد الأقوال وقد قيل إنه مبتدأ والخبر محذوف فعلى هذا تزاد مواضع حذف الخبر وتنقص مواضع حذف المبتدأ.
وقد قيل إن الاسم المذكور مبتدأ والخبر الجملة التي قبله وهو الصحيح فعلى هذا لا حذف في المسألة.
الموضع الرابع: المبتدأ المخبر عنه بما يدل على القسم صريحا كقول العرب: في ذمتي لأفعلن يريدون: في ذمتي ميثاق أو عهد أو يمين، فاقتصروا على الخبر والتزموا حذف المبتدأ كما فعلوا عكس ذلك في قولهم: لعمرك لأفعلنّ، ذكر هذه المسألة أبو علي رحمه الله تعالى 253.
ومن شواهد هذا الاستعمال قول الشاعر:
567 - تساور سوّار إلى المجد والعلا... وفي ذمّتي لئن فعلت ليفعلا 254
-
- ديوانه (ص 59) وبعد بيت الشاهد قوله: فنا زلت في ليل طويل ملثّما... لذيذ رضاب المسك كالمتشهّد فلما دنا الإصباح قالت فضحتني... فقم غير مطرود وإن شئت فازدد وشاهده واضح، وانظر البيت في التذييل والتكميل (2/ 85) وهو في معجم الشواهد (ص 113).
الحديث: 567 - الجزء: 2 - الصفحة: 913
................................
وذكر الشيخ مواضع أخرى يجب فيها حذف المبتدأ 255.
منها: أن يذكر الشاعر منزلا أو منازل يتغزل بها، ثم يقول: دار فلانة أو ديار فلانة.
كما في قول الشاعر:
568 - أتعرف رسم الدّار قفرا منازله... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله
بتثليث أو نجران أو حيث تلتقي... من النّجد في قيعان جأش مسايله
ثم قال:
569 - ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله 256
أي هي ديار، أو تلك ديار.
وقال الآخر:
570 - هل تعرف اليوم رسم الدّار والطّللا... كما عرفت برسم الصّيقل الخللا
-
- استشهد به سيبويه على إبدال نون التوكيد الخفيفة ألفا في قوله: ليفعلا.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 288) وفي التذييل والتكميل (3/ 315) وفي معجم الشواهد (ص 264). ترجمة ليلى: هي ليلى بنت الأخيل من عقيل بن كعب، وهي أشعر النساء لا يقدم عليها غير الخنساء، تهاجت هي والنابغة الجعدي وأحبت توبة بن الحمير وأحبها.
وقيل تزوجت به ولما مات رثته بجيد الشعر تقول: لعمرك ما بالموت عار على الفتى... إذا لم تصبه في الحياة المعاير وما أحد حيّا وإن كان سالما... بأخلد ممّن غيّبته المقابر التقت بالحجاج وبعبد الملك بن مروان وتحدثت معهم، وتوفيت نحو (80 هـ). انظر ترجمتها وأخبارها في الشعر والشعراء: (1/ 452)، الأعلام (6/ 116).
- استشهد به سيبويه على إبدال نون التوكيد الخفيفة ألفا في قوله: ليفعلا.
الحديث: 568 - الجزء: 2 - الصفحة: 914
................................
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم... بالقادسيّة نرعى اللهو والغزلا 257
ومنها: ما انتصب توكيدا لنفسه نحو: صُنْعَ اللَّهِ 258 ووَعْدَ اللَّهِ 259 وكِتابَ اللَّهِ 260. وصِبْغَةَ اللَّهِ 261. هذا كله يجوز رفعه بإضمار مبتدأ لا يجوز إظهاره 262.
ومنها: قولهم: «من أنت؟ زيد» أي مذكورك زيد حذفت المبتدأ وجوبا؛ لأنهم قالوا: من أنت؟ زيد بالنصب، أي تذكر زيدا فأضمروا في الرفع كما أضمروا في النصب 263.
ومنها: قول العرب: لا سواء.
حكاه سيبويه 264 وتأوله على حذف المبتدأ تقديره: هذان لا سواء.
وقال سيبويه 265: «إنما دخلت لا هنا لأنّها عاقبت ما بني عليه سواء، ألا ترى أنك لا تقول هذان لا سواء؟».
والمبرد لا يمنع ظهوره.
ويقدره بعضهم بعد لا أي: لا هما سواء.
وقال الصفار: «هذه اللّفظة تستعمل عند ما يسوّى بين شيئين أو أشياء، فيقول الرادّ: لا سوى أي: هما لا سواء؛ لكن لم يظهر فيه ما ارتفعت عليه سواء وعاقبته لا، فكما أنك لو قلت: هما سواء لم يلزم تكرار فكذلك ما عاقبه» 266.
ومنها: قولهم: لا سيّما زيد في من رفع زيدا التقدير: لا سيّ الذي هو زيد.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 915
[حكم قولهم: زيد والريح يباريها - وقولهم: راكب الناقة طليحان]
قال ابن مالك: (وإن ولي معطوفا على مبتدأ فعل لأحدهما واقع على الآخر صحّت المسألة، خلافا لمن منع، وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر).
فهذه خمسة مواضع [1/ 327] غير ما ذكره المصنف، على أن أكثر هذه المسائل تأتي في كلام المصنف في أثناء الكتاب مفرقة، وإنما قصد الشيخ جمعها لتضبط.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان، والمناسب لذكرهما هنا أن الأمر يؤول في إحداهما إلى حذف خبر وفي الأخرى إلى حذف مبتدأ.
أما المسألة الأولى: فمثالها قولهم: زيد والريح يباريها، وفي هذه المسألة خلاف: فمن البصريين والكوفيين من لم يجزها، ومنهم من أجازها 267.
فأما المجيز من البصريين فحكم بحذف الخبر، وجعل التقدير: زيد والريح يجريان يباريها.
فيجريان الخبر، ويباريها في موضع نصب على الحال، واستغني بها عن الخبر لدلالتها عليه، وأما المجيز من الكوفيين فلم يقدر خبرا محذوفا، وجعل يباريها الخبر حملا على معنى يتباريان لأنّ من باراك فقد باريته.
قال الشيخ: وقد أطلق المصنّف في قوله: وإن ولي معطوفا على مبتدأ، وقد قيّدوه بأن يكون العطف بالواو؛ فإن
كان بالفاء أو بثم لم يجز.
قال أيضا: وقيّد المصنف بقوله: فعل لأحدهما، وقد جوّزوا ذلك في الفعل، وفي اسم الفاعل.
انتهى 268.
قال المصنف 269: واستدلّ أبو بكر بن الأنباري على صحّة هذا الاستعمال بقول الشّاعر: -
الجزء: 2 - الصفحة: 916
................................
571 - واعلم بأنّك والمنيّ... ة شارب بعقارها 270
قال الشيخ: «ولا حجّة فيه لأنّه لا يتعيّن أن تكون الواو للعطف؛ إذ يحتمل أن تكون واو مع، وتكون شارب خبرا لأنّ، كما تقول: إنّك مع هند محسن إليها».
انتهى 271.
ولا يظهر ما قاله؛ لأن من شرط صحة النصب على المعية تقدم فعل أو ما يشبه الفعل 272، وليست أن من العوامل التي تنصب المفعول معه.
وأما المسألة الثانية: فمثالها: قول العرب: راكب البعير طليحان 273.
قال المصنف 274: «قد يقصد اشتراك المضاف والمضاف إليه في خبر؛ فيجيء الخبر مثنّى ومثّل بهذا المثال» قال: والأصل راكب البعير والبعير طليحان؛ فحذف المعطوف لوضوح المعنى».
وإذا كان الأصل راكب البعير والبعير، ثم حذفنا المعطوف، فلا يتجه قول المصنف: وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف فيطابقهما الخبر - إلا أن يجعل الضمير في مطابقهما عائدا على قوله المبتدأ، وعن معطوف؛ أي يطابق المعطوف عليه والمعطوف لكن يعكر على ذلك قوله في الشرح 275: «قد يقصد اشتراك المتضايفين في خبر فيجيء الخبر مثنّى».
ونقل الشيخ عن صاحب البديع 276 أنه قال: «التّقدير: راكب البعير أحد -
الحديث: 571 - الجزء: 2 - الصفحة: 917
[المبتدأ والخبر من جهة التعريف والتنكير]
قال ابن مالك: (والأصل تعريف المبتدأ وتنكير الخبر وقد يعرفان وينكّران بشرط الفائدة).
طليحين؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون حذف المعطوف للعلم ومثله قول الشّاعر:
572 - أقول له في النّصح بيني وبينه... هل انت بنا في الحج مرتحلان 277
[1/ 328] قال ناظر الجيش: إنما كان الأصل في المبتدأ التعريف لوجهين:
أحدهما: أن الغرض بالكلام حصول الفائدة، والمبتدأ مخبر عنه، والإخبار عن معين لا يفيد.
الثاني: أن القصد من الكلام إعلام السامع ما يحتمل أن يجهله، والأمور العامة الكلية قل أن يجهلها واحد، وإنما تجهل الأمور الجزئية، فلو قلت: رجل منطلق لم يفد لأنه لا يحتمل جهله؛ لأن كل عاقل يعلم أن الدنيا لا تخلو من رجل منطلق.
وقد أورد على هذا مجيء الفاعل نكرة وهو مخبر عنه، قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ 278، وقال تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ 279 وأجيب عنه بأن الفاعل كالجزء من فعله،
والفعل مختص بأحد الأزمنة، فيتخصص الفاعل بذلك كما يتخصص المبتدأ النكرة بالوصف.
- - يتقارضان، فيقع الّذي مصدريّة وتقع أن بمعنى الّذي» ثم مثل لذلك (المغني: 2/ 547). كما ذكر له قولا آخر في كتابه (1/ 228). وقال السيوطي عن كتابه هذا: «أكثر أبو حيّان من النّقل عنه».
ومما نقله عنه أبو حيان قوله: «وقال صاحب البديع: النحو: معرفة أوضاع كلام العرب ذاتا وحكما واصطلاح ألفاظ حدّا ورسما».
التذييل والتكميل وانظر النقل المذكور هنا في (1/ 14) وانظر ترجمة الغزني في بغية الوعاة (1/ 245).
الحديث: 572 - الجزء: 2 - الصفحة: 918
................................
وإنما كان الأصل في الخبر التنكير؛ لأنه محكوم به على المبتدأ، وإذا كان المحكوم به معلوما انتفت الفائدة المطلوبة من الكلام.
وقال المصنف: «يلزم من كون المبتدأ معرفة في الأصل كون الخبر نكرة في الأصل؛ لأنه إذا كان معرفة مسبوقا بمعرفة توهّم كونهما موصوفا وصفة ومجيء الخبر نكرة يدفع ذلك التوهّم فكان أصلا، وأيضا فإن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من فاعله.
والفعل يلزمه التنكير 280 فاستحق الخبر لشبهه أن يكون راجحا تنكيره على تعريفه».
انتهى 281.
ومقتضى ما قررناه امتناع مجيء المبتدأ نكرة ومجيء الخبر معرفة، لكن قد تتخصص النكرة العامة المراد بها العموم، فيجوز الابتداء بها حينئذ لحصول الفائدة، وقد يقصد الإخبار بحصول نسبة مجهولة بين معلومين، فيجوز أن يأتي الخبر معرفة، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وقد يعرفان وينكّران
فمثال تعريفهما قوله تعالى: اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ 282 ومثال تنكيرهما قوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ 283.
ونبه بقوله: بشرط الفائدة على أنه إذا لم يحصل فائدة عند تنكير المبتدأ بأن يكون نكرة غير مخصصة، نحو رجل
قائم، أو عند تعريف الخبر بأن تكون النسبة التي بينه وبين المبتدأ معلومة امتنع فيهما ما ذكره.
الجزء: 2 - الصفحة: 919
[مواضع الابتداء بالنكرة]
قال ابن مالك: (وحصولها في الغالب عند تنكير المبتدأ بأن يكون وصفا، أو موصوفا بظاهر أو مقدر، أو عاملا أو معطوفا أو معطوفا عليه، أو مقصودا به العموم أو الإبهام، أو تالي استفهام أو نفي أو لولا أو واو الحال أو فاء الجزاء أو ظرف مختصّ أو لاحق به، أو بأن يكون دعاء أو جوابا أو واجب التّصدير أو مقدّرا إيجابه بعد نفي).
قال ناظر الجيش: شرع المصنف في تعداد المواضع التي يفيد فيها الابتداء بالنكرة، وينبغي أن يعلم قبل ذلك: الضابط في جواز الابتداء بالنكرة ما هو؟ وقد اختلفت فيه عباراتهم.
فقال ابن السراج: «المعتبر حصول الفائدة، فمتى حصلت في الكلام جاز الابتداء بالنّكرة وجد شيء من الشّروط أو لم يوجد» 284 [1/ 329].
وقال الجرجاني: يجوز الإخبار عن النكرة بكل أمر لا تشترك النّفوس في معرفته، نحو: رجل من بني تميم شاعر أو فارس».
فالمجوز عنده شيء واحد وهو جهالة بعض النفوس 285. -
الجزء: 2 - الصفحة: 920
................................
وقال جمال الدين بن عمرون: «الضّابط في جواز الابتداء بالنّكرة قربها من المعرفة لا غير» وحصر قربها من المعرفة بأحد شيئين: «إما باختصاصها كالنّكرة الموصوفة، أو بكونها فى غاية العموم كقولنا: تمرة خير من جرادة».
وما ذكره ابن السراج أولى؛ لأنه أضبط وأعم، وهو الذي اعتبره سيبويه، فإنه لم يشترط في الابتداء بالنكرة إلا شيئا واحدا وهو حصول الفائدة 286.
قالوا: ويدخل على سيبويه إجازة مثل: رجل في الدار؛ لاستواء الفائدتين فيه، وفي قولنا: في الدار رجل، وهو جائز مع تقدم الظرف، فينبغي أن يجوز مع تأخره، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز، وأنه ليس بمسموع من كلام العرب.
وأجيب عن ذلك: بأنه إنما امتنع: رجل في الدار؛ لعروض اللبس الحاصل بتأخر الظرف أهو صفة أم خبر، وأنه ينبغي حمله على الصفة، لأن النكرة محتاجة إلى النعت؛ لشدة إيهامها بخلاف ما إذا تقدم الظرف.
ولا يرد على هذا التعليل نحو: زيد القائم، فيقال: هو يحتمل الصفة والخبر، فينبغي منعه؛ لأن النكرة أحوج من النعت إلى المعرفة؛ فلذلك كان اللبس إليها أسرع منه إلى المعرفة.
قال ابن عصفور 287: وقد يجوز دخول امتناع: رجل في الدّار تحت عموم قول سيبويه إنه لا يخبر عن النكرة إلا حيث كان فيها فائدة؛ لأنه إذا أدّى إلى اللّبس - - الثالث: أن يكونا نكرتين كقولك: رجل من قبيلة كذا عالم والإخبار، بالنّكرة عن النّكرة غير مستقيم في الأصل؛ إذ إسناد المجهول لا نصيب له في الإفادة؛ فإنما تأتي النّكرتان إذا وجد تخصيص كما فعلت في تخصيصك رجلا بقولك: من قبيلة كذا.
ونحو أن نقول: رجل من آل فلان فارس، فتصفه بكونه من تلك القبيلة، وتحصل الفائدة؛ لأن المخاطب قد يجهل ذلك، ولو قلت: رجل ذاهب لم يجز؛ لأنّ كلّ أحد يعلم أنّ الدّنيا لا تخلو من ذاهب ما، فإن قلت: رجل ذاهب من داري أو ذهب من داري جاز؛ لأن ذلك لا يعرفه كلّ أحد».
(المرجع السابق ص 308).
الجزء: 2 - الصفحة: 921
................................ صار غير مفيد؛ لأنه لا يعلم المراد به» انتهى. وإذا تقرر ضابط المسألة بأمر كلي فلا حاجة إلى تعدد الأماكن؛ لأن الصور الجزئية لا تكاد تنحصر، ولكن المصنفين قصدوا ذكرها تنبيها على بيان حصول الفائدة وحرصا على التعليم، ثم منهم من اقتصر على بعض الأماكن، ومنهم من قصد الاستقصاء، وقد أنهاها بعض المتأخرين إلى اثنين وثلاثين موضعا، وأكثرها يدخل تحت المسوغات التي ذكرها المصنف. ولنبدأ بالمواضع التي ذكرها المصنف، وهي ثمانية عشر موضعا، ثم نتبعها بعض المواضع الباقية التي لم تدخل تحت ضابط صاحب الكتاب. الأول: كونها وصفا، كقول العرب: ضعيف عاذ بقرملة أي: إنسان ضعيف أو حيوان ضعيف التجأ إلى ضعيف، والقرملة: شجرة ضعيفة. الثاني: كونها موصوفة إما بظاهر، نحو: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ 288. وإما بمقدر نحو: السّمن منوان بدرهم أي: منوان منه بدرهم، فمنه في موضع الصفة للمنوين، وبدرهم الخبر عن منوان، والجملة خبر عن السمن. وجعل المصنف 289 من هذا قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ 290. قال: فالواو واو الحال، وطائفة مبتدأ خبره ما بعده، وجاز الابتداء بها لأنها موصوفة بمقدر، كأنه قيل: وطائفة من غيركم وهم المنافقون. قال: ومنه أيضا قول الشاعر [1/ 330]: 573 - إنّي لأكثر ممّا سمتني عجبا... يد تشجّ وأخرى منك تأسوني 291
الحديث: 573 - الجزء: 2 - الصفحة: 922
................................
أي يد منك تشج؛ فيد مبتدأ وخبره تشج، ومنك صفة مخصصة حذفت للعلم بها - ومنه أيضا قول الآخر:
574 - وما برح الواشون حتّى وشوا بنا... وحتّى قلوب عن قلوب صوادف 292
أي قلوب منا عن قلوب منهم.
الثالث: كونها عاملة كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة» 293. ويدخل في هذا المضاف إلى نكرة نحو: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد» 294.
الرابع: كونها معطوفة كقول الشاعر:
575 - عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي... فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا 295
الخامس: كونها معطوفا عليها نحو قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ 296 - - ترجمة الشاعر: هو صالح بن عبد القدوس بن عبد الله الأزدي أبو الفضل، شاعر حكيم، كان متكلما يعظ الناس بالبصرة، له مع أبي الهذيل العلاف مناظرات، وشعره كله أمثال وحكم وآداب، اتهم عند المهدي العباسي بالزندقة فقتله بيده ثم علقه للناس بضعة أيام، ثم دفن ببغداد سنة (160 هـ)، وعمي في آخر حياته.
(ترجمته في الأعلام: 3/ 277).
الحديث: 574 - الجزء: 2 - الصفحة: 923
................................
على أن يكون التقدير: طاعة وقول معروف أمثل، أو نحو ذلك، وهو أحد تقديري سيبويه 297.
ومنه قول الشاعر:
576 - غراب وظبي أعضب القرن آذنا... بصرم وصردان العشيّ يصيح 298
وجعل المصنف منه ذلك قول العرب: شهر ترى وشهر مرعى 299.
وقول الشاعر:
577 - فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسرّ 300
وما ذكره غير ظاهر؛ فإن الآية الكريمةو البيت المتقدم وجد في المعطوف مسوغ للابتداء به وهو الوصف، فصح
الابتداء بالمعطوف عليه لذلك.
وأما شهر ثرى -
الحديث: 576 - الجزء: 2 - الصفحة: 924
................................ وشهر مرعى والبيت الذي أنشده فليس في المعطوف مسوغ يصحح ابتدائيته، بل المعطوف والمعطوف عليه سواء إلا أن يقول المصنف: مطلق العطف كاف، فيكون مسوغا ابتدائية المعطوف عليه والمعطوف. وهو بعيد في النظر وإنما المسوغ لهذين المثالين التفصيل كما سيأتي. السادس: كونها مقصودا بها العموم، كقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: تمرة خير من جرادة، ومن قول بعض العرب: خبأة خير من يفعة سوء 301. السابع: كونها مقصودا بها الإبهام، نحو: ما أحسن زيدا. الثامن: كونها تالية استفهام نحو: أرجل في الدّار؟ التاسع: كونها تالية نفي نحو: ما رجل في الدّار. العاشر: كونها تالية لولا نحو قول الشاعر: 578 - لولا اصطبار لأودى كلّ ذي مقة... حين استقلت مطاياهنّ للظّعن 302 الحادي عشر: كونها تالية واو الحال نحو قول الشاعر: 579 - عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها... علينا وتبريح من الوجد خانقه 303
الحديث: 578 - الجزء: 2 - الصفحة: 925
................................
ولا دليل فيه، لأنه إن كان من الوجد في موضع الصفة، فهو مسوغ وإن لم يكن صفة فهو متعلق بالمصدر، فيكون المبتدأ عاملا، وذلك من جملة المسوغات كما تقدم.
وإنما يستشهد لهذه الصورة بقول الآخر [1/ 331]:
580 - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا... محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق 304
الثاني عشر: كونها تالية فاء الجزء كقول العرب في مثل: «إن ذهب عير فعير في الرّباط» 305.
الثالث عشر: كونها تالية ظرفا مختصّا نحو: أمامك رجل وعندك مال.
وقيد بالاختصاص تنبيها على أنه إن كان غير مختص لم يجز نحو أماما رجل وعند رجل مال.
الرابع عشر: كونها تالية لاحقا بالظرف المختص، والمراد بذلك الجار والمجرور المختص نحو: لك مال 306، ومثله الجملة المشتملة على فائدة نحو: قصدك غلامه رجل.
- - والمعنى: لما لحقنا بالظعائن عرضنا لهن وسلمنا على قيمهن والمحامي دونهن فأجابنا جواب الكاره لنا والمنكر لتسليمنا وقد حنقه غيظ مبرح.
والبيت في ديوانه (ابن الدمينة) (ص 44)، وفي القصيدة شاهد آخر هو قوله: رمتني بطرف لو كميّا رمت به... لبلّ نجيعا نحره ونبائقه والشاهد في البيت: مجيء النكرة مبتدأ بعد واو الحال.
وإنما جاز ذلك، لأن جملة الحال وصف لصاحبه، وهو هنا الضمير المستتر في الفعل سلم.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 294). والتذييل والتكميل (3/ 329). ومعجم الشواهد (ص 247).
الحديث: 580 - الجزء: 2 - الصفحة: 926
................................
قال المصنف: لأن في تقديم هذه الجملة خبرا ما في تقديم الظرف من رفع توهم الوصفية مع عدم قبوله الابتدائية 307.
الخامس عشر: كونها دعاء، كقول الشاعر:
581 - لقد ألّب الواشون إلبا لبيضهم... فترب لأفواه الوشاة وجندل 308
ومنه: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ 309.
وكذا: ويل لزيد، وأمت في الحجر لا فيك 310، وخير بين يديك 311.
السادس عشر: كونها جوابا كقولك: درهم لمن قال لك: ما عندك؟ والتقدير:
درهم عندي.
قال المصنف 312: ولا يجوز أن يكون التقدير عندي درهم إلا على -
الحديث: 581 - الجزء: 2 - الصفحة: 927
................................ ضعف؛ لأن الجواب ينبغي أن يسلك به سبيل السؤال، والمقدم في السؤال هو المبتدأ فكان هو المقدم في الجواب، ولأن الأصل تقديم المبتدأ 313 فترك في مثل: عندي درهم لأن التأخير يوهم الوصفية، وذلك مأمون فيما هو جواب، فلم يعدل عن الأصل بلا سبب. السابع عشر: كونها واجبة التصدير كقولك: من عندك؟ وكم درهما لك؟ فمن وكم نكرتان، وجاز الابتداء بهما لأنهما بمنزلة نكرة مسبوقة باستفهام لتضمنها معنى معرفة. الثامن عشر: كونها مقدرا إيجابها بعد نفي كقولهم: شرّ أهرّ ذا ناب 314 لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، وشيء ما جاء بك إن جعلنا ما زائدة. أما إن جعلنا صفة كقولهم: ائتني بدرهم ما، فلا تكون المسألة مما نحن فيه، ومنه قول الشاعر: 582 - قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى... وأبيّ ما لك ذو المجاز بدار 315 وقال الآخر: 583 - قضاء رمى الأشقى بسهم شقائه... وأغرى بسبل الخير كلّ سعيد 316
الحديث: 582 - الجزء: 2 - الصفحة: 928
................................ أي: ما أحلك ذا المجاز إلا قدر، وما رمى الأشقى إلا قضاء. وسيبويه قدر المسألة كما قدرها المصنف، فقال: «إنما جاز أن يبتدأ به لأنّه في معنى ما جاء بك إلّا شيء» 317. ونقل الشيخ عن بعضهم: أنه لا يقال: شيء ما جاء بك إلا لمن جاء في وقت ما جرت العادة بأن يجيء في مثله إلا لأمر مهم، وكذلك: شرّ أهر ذا ناب لا يقال إلا في وقت لا يهر الكلب فيه إلا لشيء جرت العادة بذلك، وإلا فالكلب يهر لغير الشر كثيرا 318. وقد انتهت المسوغات التي ذكرها المصنف، وبقي مما ذكره غيره مما لم يندرج تحت عبارة الكتاب مواضع منها: أن تفيد النكرة تعجبا نحو قول الشاعر: 584 - عجب لتلك قضيّة وإقامتي... فيكم على تلك القضيّة أعجب 319 ولو قال المصنف بدل قوله: مقصودا به الإبهام: مقصودا به التّعجّب - لاندرج ذلك فيه مع حصول مقصوده الذي أتى بلفظ الإبهام لأجله، وهي ما التعجبية. ومنها: أن تكون في موضع تفصيل نحو: النّاس رجلان رجل أكرمته ورجل أهنته، وكقول امرئ القيس: 585 - فأقبلت زحفا على الرّكبتين... فثوب نسيت وثوب أجرّ 320
الحديث: 584 - الجزء: 2 - الصفحة: 929
[إعراب قولهم: كم مالك؟ وقولهم: ما أنت وزيد؟]
قال ابن مالك: (والمعرفة خبر النّكرة عند سيبويه في نحو: كم مالك واقصد رجلا خير منه أبوه).
[1/ 332] ومنها: أن تكون النكرة يراد بها واحد مخصوص، نحو ما حكي أنه لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه قالت قريش: صبأ عمر فقال أبو جهل أو غيره: مه رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون؟
ونبه المصنف بقوله أولا: وحصولها يعني الفائدة، في الغالب على أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر، كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة أو سماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت وحصاة سبّحت.
وقد خرج الشيخ ذلك على أن المسوغ له التعجب، قال 321: «لأنّ النّاطق بذلك تعجّب من هذا الفارق العظيم».
وقد تقدم أن التعجب من جملة المسوغات، وإن لم ينبه المصنف عليه.
قال ناظر الجيش: عكس سيبويه رحمه الله تعالى الأمر في هاتين المسألتين فجعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة، قال المصنف: «لأن وقوع ما بعد أسماء الاستفهام نكرة وجملة وظرفا أكثر من وقوعه معرفة، وعند وقوعه غير معرفة لا يكون إلّا خبرا نحو: من قائم ومن قام ومن عندك.
فحكم على المعرفة بالخبرية ليجري الباب على سنن واحد، وليكون الاقل محمولا على الأكثر - قال: والكلام على أفعل التفضيل كالكلام على أسماء الاستفهام» انتهى 322.
وقال الشيخ 323: قال بعضهم: ما أنت وزيد.
ما عند سيبويه مبتدأ وأنت الخبر - - الشاهد.
ومعنى فثوبا نسيت: أي ذهبت بفؤادي حتى نسيت ثوبي وهو كما قال: ومثلك بيضاء العوارض طفلة... لعوب تنسّيني إذا قمت سربالي ورواية الديوان بنصب ثوبا.
قال المحقق: ولو رفعت ثوبا لأصبت تضمر الهاء (الديوان: ص 159). وشاهده: الابتداء بالنكرة لأنها في موضع التفصيل.
والبيت في التذييل والتكميل (3/ 332) ومعجم الشواهد (ص 136).
الجزء: 2 - الصفحة: 930
................................ نص على هذا 324، وغيره يعكس ويقول: قدم الخبر لأجل الاستفهام، وما ذكره سيبويه أولى؛ لأن معنى الاستفهام كالتعريف فحسن الابتداء بالنكرة، وإذا تقدم على المعرفة صار كالمعرفتين نحو زيد أخوك والمتقدم فيهما هو المبتدأ. وقال أيضا: كان القياس يقتضي أن يكون أفعل التفضيل صفة للنكرة قبله، لكن منع من ذلك أن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر فصيحا إلا في مسألة: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل. ولو جعلت مكان أفعل وصفا لا للتفضيل لرفع الظاهر فكنت تقول: أقصد رجلا محسن لك أبوه، فكان كونه صفة أحسن من كونه مرفوعا، فلما كان محل أفعل التفضيل محل ما يرفع به ما بعده؛ ترك مرفوعا بالابتداء ليرفع به ما بعده، وجعل ما بعده خبرا حتى لا يخلو أفعل التفضيل من العمل فيه 325. قال جمال الدين بن عمرون: «قد جعل ابن جنّي المبتدأ نكرة والخبر معرفة في قول شاعر الحماسة: 586 - أهابك إجلالا وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها 326
الحديث: 586 - الجزء: 2 - الصفحة: 931
[بعض مسائل تقديم الخبر]
قال ابن مالك: (والأصل تأخير الخبر، ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائيّة الخبر أو فاعلية المبتدأ أو يقرن بالفاء أو بإلّا لفظا أو معنى في الاختيار، أو يكن لمقرون بلام الابتداء [1/ 333] أو لضمير الشّأن أو شبهه، أو لأداة استفهام أو شرط أو مضاف إلى إحداهما).
فقال: ملء عين مبتدأ وحبيبها خبر وجاز ذلك لمعناه 327.
قال ابن عمرون: «معناه يبنى عليه قاعدة صديقي زيد وزيد صديقي، من أن الخبر يكون أعمّ من المبتدأ أو مساويا له وإذا جعل حبيبها الخبر لا يكون ملء العين أعمّ من الحبيب لاستحالة كون المبتدأ أعمّ من الخبر».
انتهى 328.
وسيأتي الكلام على مسألة صديقي زيد وعكسها.
قال ناظر الجيش: الأصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر وإنما كان كذلك لأنه قد تقدم الإعلام بأن المبتدأ عامل في
الخبر، وإذا كان كذلك فحقه أن يتقدم كما تتقدم سائر العوامل على معمولاتها لا سيما عامل لا يتصرف، ومقتضى ذلك التزام تأخير الخبر، لكن أجيز تقديمه لشبهه بالفعل في كونه مسندا، ولشبه المبتدأ بالفاعل في كونه مسندا إليه، وبمقتضى هذا الأصل جاز: في داره زيد.
وامتنع: صاحبها في الدار كما سيأتي 329.
وقد يجب التزام الأصل، وقد يجب تركه، وقد لا يجب واحد منهما، فالأقسام ثلاثة.
وقد أشار المصنف إلى الأول، وهو التزام الأصل بقوله: ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائية الخبر إلى قوله: أو مضاف إلى إحداهما، فذكر أنه يجب تأخير الخبر في صور 330: - - البيت، وأن المبتدأ هو ما ذكر أولا وإن كان نكرة، والخبر هو ما ذكر ثانيا وإن كان معرفة.
البيت في شرح التسهيل (1/ 302) والتذييل والتكميل (3/ 351) ومعجم الشواهد (ص 45).
الجزء: 2 - الصفحة: 932
................................ الأولى: أن يوهم تقديمه كونه مبتدأ، وذلك إذا كان الجزآن معرفتين نحو: زيد أخوك، أو نكرتين نحو أفضل منك أفضل مني؛ إذ لا يتميز المبتدأ من الخبر حينئذ إلا بذكر كل منهما في مرتبته، فإن كان ثم قرينة معنوية يحصل بها التمييز لم يجب تقديم المبتدأ، وذلك نحو قول حسان رضي الله عنه: 587 - قبيلة ألأم الأحياء أكرمها... وأغدر النّاس بالجيران وافيها 331 ونحو قول الآخر: 588 - وأغناهما أرضاهما بنصيبه... وكلّ له رزق من الله واجب 332 فألأم الأحياء وأغناهما خبران مقدمان، وأكرمها وأرضاهما مبتدآن مؤخران مع التساوي في التعريف؛ لأن المعنى إنما يصح بذلك. ومثل ذلك قول الآخر: 589 - بنونا بنو أبنائنا وبناتنا... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد 333
الحديث: 587 - الجزء: 2 - الصفحة: 933
................................
فبنونا خبر مقدم، وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر؛ لأن مراد القائل الإعلام بأن بني أبنائهم كبنيهم.
فالمؤخر مشبه والمقدم مشبه به.
لا يستقيم المعنى إلا بهذا التأويل.
وعلى هذا يجوز في: زيد زهير شعرا، وعمرو عنترة شجاعة، وأبو يوسف أبو حنيفة فقها - تقديم زهير وعنترة وأبي حنيفة وإن كانت أخبارا مشبها بها المبتدأ لوضوح المعنى.
والمسلم بأن الأعلى لا يشبه بالأدنى عند قصد الحقيقة، وكذلك قول الشاعر:
590 - جانيك من يجني عليك وقد... تعدي الصّحاح مبارك الجرب 334
أي: كاسيك الذي تعود جنايته عليك، فمن يجني مبتدأ لأن المعنى عليه.
ومن تقدم الخبر لوضوح المعنى مع مساواته المبتدأ في التنكير قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مسكين مسكين رجل
لا زوج له» 335.
واعلم أن هذا الذي قيده المصنف فيما إذا تساوى الخبر مع المبتدأ في تعريف أو تنكير، وكان ثم قرينة تميز أحدهما من الآخر جاز التقديم، وإن لم يكن ثم قرينة امتنع، ولزم ذكر كل منهما في رتبته وهو الحق.
وقد وقع في كلام غيره ما يقتضي مخالفة ما ذكر في التسهيل، فقال بعضهم: إذا تساويا في التعريف امتنع التقديم، وأطلق القول بذلك، ولم يقيده بما قيده المصنف 336.
وقال آخر: يجوز تقديم الخبر [1/ 334] مع المساواة وإن لم يكن ثم قرينة، وقالوا:
الفائدة تحصل للمخاطب سواء قدمت الخبر أو أخرته حتى وقع الخلاف في قول الشاعر:
591 - وأنت الّتي حبّبت كلّ قصيرة... إليّ وما تدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد... قصار الخطا شرّ النّساء البحاتر 337
-
- واستشهد به أهل البيان في التشبيه المقلوب.
وشاهده واضح من الشرح، وانظر ما قلناه في الشاهد الذي قبله.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 297) والتذييل والتكميل (3/ 337) ومعجم الشواهد (ص 115).
- واستشهد به أهل البيان في التشبيه المقلوب.
الحديث: 590 - الجزء: 2 - الصفحة: 934
................................
فقال بعضهم: «شرّ النساء خبر مقدم، والبحاتر مبتدأ مؤخّر، ولا يجوز غيره؛ لأن الشّاعر أراد أن يحكم على البحاتر أنهن شرّ النساء».
وقال بعضهم: «لا يجوز ذلك لئلّا ينقلب المبتدأ خبرا والخبر مبتدأ» وجوز ابن السيد في البيت الأمرين 338.
والحق أنه إذا لم يكن قرينة تفصل المبتدأ من الخبر لزم ذكر كل منهما في رتبته، ولو عكست انعكست النسبة.
وبيان ذلك فيما إذا كانا معرفتين أن الشيء قد يكون له صفتان من صفات التعريف، ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى إذا أردت أن تخبر بأنه متصف بالأخرى، فتعمد إلى اللفظ الدال على الأولى، وتجعله مبتدأ، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا، فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية.
كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرف بعينه واسمه، ولكن لا يعرف أنه أخوه وأردت أن تعرفه أنه أخوه، فتقول له: زيد أخوك سواء عرف أن له أخا ولم يعرف أن زيدا أخوه: أو لم يعرف أن له أخا أصلا، وإن عرف أن له أخا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد.
أما إذا لم يعرف أن له أخا أصلا فلا يقال - - اللغة: قصيرة: قال صاحب اللسان (مادة قصر) «امرأة قصيرة ومقصورة مصونة محبوسة في البيت لا تترك أن تخرج».
الحجال: جمع حجلة وهي ثياب العروس وأصله بيت يزين بالثياب والأسرة والستور.
البحاتر: قال في اللسان (مادة بحترة) «البحتر بالضّمّ القصير المجتمع الخلق والأنثى بحترة والجمع البحاتر».
وكثير يمدح فتاته بأنها مصونة محبوسة عن أعين الناس، وذكر أن حبيبته فارعة طويلة وليست بالقصيرة؛ لأن القصير في النساء مذموم.
وفي البيت كلام كثير في الشرح، هل يكون قوله: شر النساء خبرا مقدما وما بعده مبتدأ مؤخرا؟ أم يكون العكس؟ والصحيح كما حكاه ابن السيد جواز الأمرين.
واستشهد النحاة: بالبيت الأول لإعادة ضمير الخطاب على الموصول.
والبيتان في التذييل والتكميل (3/ 98، 324، 339) ومعجم الشواهد (ص 155).
الجزء: 2 - الصفحة: 935
................................
ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا، فظهر بهذا الفرق بين قولنا: زيد أخوك، وقولنا:
أخوك زيد، وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنه كان من زيد أو، غيره فأردت أن تعرفه أن زيدا هو ذاك المنطلق، فتقول: زيد المنطلق، وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد قلت: المنطلق زيد.
وقد أشار ابن الخباز إلى شيء من هذا، فقال 339:
زيد المنطلق يقال لمن كان عارفا بزيد وله عهد بأنّ رجلا قد انطلق ولا يعرف أن المعهود بالانطلاق زيد.
فإذا قلت: زيد المنطلق فقد عرفته أنه هو المعهود، وكذا إذا قلت: زيد أخوك، فقد عرفته الأخوة، وهو يعلم أن اسم الرجل زيد، وإذا قلت:
أخوك زيد فقد عرّفته الاسم وهو يعرف الأخوة.
ثم كأنه استشكل في صورة زيد أخوك أن يكون السامع يجهل الأخوة، قال:
فإن قلت: ما المسوغ لهذا قلت: هذا يقال في موضعين:
أحدهما: أن يكون المخاطب قد نسي فيذكر.
والثاني: أن تريد إيقاع المساءة به، فيقال: زيد أخوك فيذكّر بالقرابة ليعفو.
انتهى.
ومما يتصل بهذا مسألة: زيد صديقي وصديقي زيد، فمع تقديم زيد لا يلزم انحصار الصداقة فيه، ومع تقديم صديقي يلزم انحصار الصداقة فيه.
والذي ذكره النحاة أن ذلك إنما كان من حيث أن الخبر لا بد أن يكون أعم من -
الجزء: 2 - الصفحة: 936
................................
المبتدأ أو مساويا له؛ فإذا قيل: زيد صديقي كان الخبر [1/ 335] صالحا لأن يكون أعم من المبتدأ فتجعله كذلك.
ومن ثم لم يلزم انحصار الصداقة في زيد في هذه الصورة.
وإذا قيل: صديقي زيد امتنع أن يجعل الخبر الذي هو زيد أعم من المبتدأ، فلم يبق إلا أن يجعل زيد مساويا لصديقي الذي هو المبتدأ، وإلّا لكان الخبر أخص من المبتدأ وأنه غير جائز، وإذا ثبت أنه مساو لزم انحصار الصداقة في زيد ضرورة أن كل من هو صديقي مساو لزيد، فيكون قد حصر.
الصورة الثانية:
من الصور التي يمتنع فيها تقديم الخبر: أن يوهم تقديمه فاعلية المبتدأ وذلك إذا كان المبتدأ مخبرا عنه بفعل فاعله ضمير مستتر، نحو: زيد قام، فإنه لا يجوز تقديم الخبر؛ لأن تقديمه يوهم كون الجملة مركبة من فعل وفاعل.
وفهم من قول المصنف: إن لم يوهم فاعلية المبتدأ - أن فاعل الفعل الواقع خبرا لو كان بارزا جاز التقديم لعدم الإيهام كقولك في الزيدون قاموا: قاموا الزيدون، ومثله قاما الزيدان في: الزيدان قاما - على أن قاموا وقاما خبران مقدمان.
قال المصنف: «ولا يمتنع احتمال كونه على لغة أكلوني البراغيث؛ لكنّ تقديم الخبر أكثر في الكلام من تلك اللغة، والحمل على الأكثر راجح» 340 انتهى.
وقد قال الشيخ 341: «إن في تقديم الخبر إذا كان فعلا رافعا لضمير بارز خلافا، وإن منهم من يمنع ذلك إجراء لضمير التثنية والجمع مجرى الضمير المفرد؛ لأنهما فرعه» قال: «فيجري الباب مجرى واحدا، وإذا ورد مثل قاما الزيدان كانت الألف عند المانع إما علامة وإما ضميرا، والاسم بعدها بدل منها».
قلت: ولا يخفى ضعف هذا القول وضعف مستنده، وإن الحق ما ذكره المصنف.
وإذا كان مرفوع الفعل ضميرا منفصلا أو ظاهرا سببيّا فلا خلاف في جواز تقديم الخبر على الفعل الرافع لذلك الضمير، أو الظاهر نحو: ما قام إلا هو زيد، وقام أخوه زيد فإن كان المرفوع ظاهرا غير سببي جاز التقديم على قبح نحو ضرب أبو بكر زيد أي -
الجزء: 2 - الصفحة: 937
................................ زيد ضربه أبو بكر، وقد قرئ (وسع كرسيه السماوات والأرض) 342 على معنى السموات والأرض وسعهما كرسيه، والظاهر أن نحو ضرب أبو بكر زيد لم يقبح من جهة التقديم؛ لأننا لو لم نقدم وقلنا: زيد ضرب أبو بكر لكان قبيحا من جهة حذف العائد، فلما قدم استمر قبحه. الصورة الثالثة: أن يقرن الخبر بالفاء أو بإلا لفظا أو معنى. أما الأول: فنحو الذي يأتيني فله درهم، والعلة في ذلك أن سبب اقترانه بالفاء شبهه بجواب الشرط فلم يجز تقديمه كما لا يجوز تقديم جواب الشرط. وأما الثاني: فنحو قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ 343. وأما الثالث 344: فنحو قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ 345 لأنه في معنى ما أنت إلا نذير، وعلة ذلك أن الحصر مقصود، وإنما يستفاد بالتأخير. وأشار بقوله: في الاختيار: إلى أن تقديم الخبر المقترن بإلا قد يرد في الشعر [1/ 336] كقول الكميت: 592 - فيا ربّ هل إلّا بك النّصر يرتجى... عليهم وهل إلّا عليك المعوّل 346
الحديث: 592 - الجزء: 2 - الصفحة: 938
................................
الصورة الرابعة:
أن يكون الخبر لمبتدأ بقرون بلام الابتداء، أو لمبتدأ هو ضمير الشأن أو شبه ضمير الشأن، أو لمبتدأ هو أداة استفهام أو شرط، أو لمبتدأ مضاف إلى إحدى الأداتين.
أما الأول: فنحو لزيد عندك؛ وذلك لأن اقتران اللام المذكورة به تؤكد الاهتمام بأوليته، وتقديم خبره عليها مناف لذلك، ولأن اللام لها الصدر، ولاستحقاقها التصدير امتنع تأثر مصحوبها بأفعال القلوب في نحو علمت لزيد كريم 347.
قال المصنف 348: «فإن وقع ما يوهم تقديم غير مصحوبها حكم بزيادتها، أو بتقدير مبتدأ بينها وبين مصحوبها الظاهر كقول الشاعر:
593 - خالي لأنت ومن جرير خاله... ينل العلاء ويكرم الأخوالا 349
فلك أن تجعل اللام من قوله لأنت زائدة في الخبر كزيادتها في قول الراجز:
594 - أمّ الحليس لعجوز شهربه... [ترضى من اللحم بعظم الرّقبه] 350
ولك أن تجعلها لام ابتداء داخلة على مبتدأ خبره أنت كأنه قال: خالي لهو أنت -
الحديث: 593 - الجزء: 2 - الصفحة: 939
................................
وزيادتها أولى؛ لأن مصحوب لام الابتداء مؤكد بها، وحذف المؤكد مناف لتوكيده.
ومن زيادتها مع الخبر قول كثير:
595 - أصاب الرّدى من كان يهوى لك الرّدى... وجن اللواتي قلن عزّة جنّت
فهنّ لأولى بالجنون وبالخنا... وبالسّيّئات ما حيين وحيّت 351
ومن زيادتها مع المبتدأ 352 قول الخنساء:
596 - وبنفسي لهموم... فهي حرّى أسفه 353
وأما الثاني: أعني الخبر الذي هو لمبتدأ، وذلك المبتدأ هو ضمير الشأن، فنحو هو زيد منطلق، وإنما امتنع تقديم الخبر عليه؛ لأنه لو قدم لقيل: زيد منطلق هو لم يعلم كونه ضمير الشأن، ولتوهم كونه مؤكدا للضمير المستكن في الخبر.
وأما شبه ضمير الشأن: فنحو قول القائل: كلامي: زيد منطلق، وإنما امتنع التقديم فيه لأن سامع قولك: زيد منطلق قد علم أنه كلامك إذا قلت زيد منطلق كلامي، -
الحديث: 595 - الجزء: 2 - الصفحة: 940
................................
فيتنزل قولك كلامي بعد ذلك منزلة قولك كلامي هو كلامي، ولا فائدة في ذلك.
وأما المبتدأ الذي هو أداة استفهام فنحو: أيّهم أفضل؟
والذي هو أداة شرط: من يقم أقم معه.
والمضاف إلى إحداها: غلام أيهم أفضل وغلام من يقم أقم معه، والعلة في هذه الأربعة واحدة، وهي أن أداة الاستفهام والشرط لها صدر الكلام، وكذا المضاف إلى كل منهما.
فهذه الصور التي ذكر المصنف أن المبتدأ واجب التقديم فيها، وهي في الحقيقة اثنتا عشرة 354 صورة، لكنها منظومة تحت أربع إجمالا، فلهذا ذكرتها في العد أربعة.
وذكر ابن عصفور وغيره صورا أخرى، وهي 356:
أن يكون الخبر لكم الخبرية أو لما التعجبية [1/ 337] أو يكون المبتدأ شبيها بالخبر أو يكون المبتدأ قد استعمل خبره مؤخرا عنه في مثل أو كلام جار مجراه نحو:
الكلاب على البقر.
فقد يستدرك على المصنف بذلك ولا استدراك عليه.
أما كم الخبرية: فمن المعلوم أن حكمها حكم الاستفهامية، فقد اندرجت في كلامه حيث ذكر أداة الاستفهام، وقد نصّ المصنف في هذا الكتاب أعني التسهيل على أن كم لزمت التصدير ولم يقيدها بالاستفهامية 357.
وأما التعجبية، فقد علم منع تقديم خبرها عليها من قوله: إن لم يوهم فاعلية -355358359360361362363364
الجزء: 2 - الصفحة: 941
................................
المبتدأ؛ لأن الخبر فعل رافع ضميرا مستترا.
وأما كون المبتدأ مشبها بالخبر - فقد تقدم في أول هذا الفصل ما يدل على أن تقديم الخبر في مثل ذلك غير ممتنع ومن ذلك قول حسان:
قبيلة ألأم الأحياء أكرمها... لأن التقدير أكرمها ألأم الأحياء.
وكذا قول الآخر: بنونا بنو أبنائنا... أي بنو أبنائنا بنونا.
وأما المبتدأ المستعمل خبره مؤخرا فلا يحتاج إلى التنبيه عليه؛ لأنه قد تقرر أن المثل لا يغير، وكذا ما هو جار مجراه.
ونقل الشيخ رحمه الله أن بعضهم 365 زاد أن الخبر لا يقدم في مثل: الحمد لله، والويل لزيد، ولعنة الله على الظالمين، والخيبة لزيد وكذا ويح لزيد وويل له، وخير بين يديك وسلام عليك، وضابطه: أن يكون المبتدأ فيه
معنى الدعاء معرفة كان أو نكرة كما مثل حتى قال هذا القائل: إن نحو لله الحمد وقول الشاعر:
597 - له الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا 366
خرج مخرج الخبر الثابت الذي لا يرجى ولا يطلب.
قلت: وفي منع ذلك نظر 367، والظاهر أن تقديم الخبر في مثل ذلك لا يمتنع.
قال: وكذا لا يقدم إذا كان جملة لا تحتمل الصدق والكذب، نحو: زيد اضربه، وزيد هلا ضربته.
الحديث: 597 - الجزء: 2 - الصفحة: 942
[حكم «في داره زيد» وأشباهه]
قال ابن مالك: (ويجوز نحو في داره زيد إجماعا، وكذا في داره قيام زيد، وفي دارها عبد هند عند الأخفش).
قال ناظر الجيش: قد علمت أن المبتدأ والخبر بالنسبة إلى تقديم أحدهما على الآخر وتأخيره عنه ثلاثة أقسام.
وقد ذكر القسم الذي يجب فيه تقديم المبتدأ، وسنذكر القسم الذي يجب فيه تقديم الخبر، ولا شك أنه إذا أتى على القسمين وجب الاكتفاء بهما عند ذكر الثالث وهو قسم الجواز، فمن ثم لم يحتج إلى ذكره.
لكن لما كان في بعض الصور منه خلاف، وهو ما إذا اشتمل على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ لا إلى المبتدأ نفسه أراد أن ينبه على ذلك، وأنا أورد الكلام فيه عقب القسم الأول؛ لأن من لا يجيز التقديم في مثل: في داره قيام زيد تكون هذه الصورة عنده واجب فيها تقديم المبتدأ فينظمها مع الصور التي يجب فيها تقديم المبتدأ، فكأن المخالف يقول: ولا
تلتحق بالصور التي ذكرت أنها يجب فيها التقديم المذكور بالصورة الفلانية، بل تكون من صور القسم الجائز فيها التقديم والتأخير.
إذا تقرر هذا فاعلم أن المصنف إنما ذكر مسألة في داره زيد توطئة للمسألة التي فيها الخلاف من حيث أن الثانية فرع الأولى فكأنها مبنية عليها، ولم يذكرها لأنها مقصودة في نفسها [1/ 338]. وحاصل الأمر أن الخبر إذا اشتمل على ضمير عائد على المبتدأ نحو: في داره زيد جازت المسألة بلا خلاف؛ إذ ليس في ذلك إلا تقديم خبر مشتمل على ضمير عائد على مبتدأ متأخر، ولا بأس بذلك لأنه مقدم رتبة فأجمع على جوازه كما أجمع على جواز، ضرب غلامه زيد في داره.
فإن كان الخبر مشتملا على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ نحو: في داره قيام زيد جازت المسألة أيضا على الأصح، وسواء في ذلك ما كان صالحا للحذف وإقامة المضاف إليه مقامه نحو المثال المذكور، وما لا يصلح لذلك نحو: في دارها عبد هند، هذا مذهب البصريين.
والكوفيون لا يجيزون ذلك، ولكن المصنف نسب القول بجواز هذه المسألة إلى الأخفش خاصة.
قال: وبقوله أقول؛ لأنّ المضاف والمضاف إليه كشيء واحد؛ فإذا كان المضاف مقدر التّقديم بوجه ما كان المضاف إليه مقدّرا معه؛ إلا أنّ تقديم ضمير ما يصلح أن يقام مقام المضاف أسهل، ومنه قول العرب: في أكفانه درج الميّت، وقول الشاعر: -
الجزء: 2 - الصفحة: 943
[بقية مسائل تقديم الخبر وجوبا]
قال ابن مالك: (ويجب تقديم الخبر إن كان أداة استفهام، أو مضافا إليها، أو مصحّحا تقديمه الابتداء بالنّكرة، أو دالّا بالتقديم على ما لا يفهم بالتّأخير أو مسندا دون أمّا إلى أنّ وصلتها، أو إلى مقرون بإلّا لفظا أو معنى، أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر، وتقديم المفسّر إن أمكن مصحّح خلافا للكوفيين إلا هشاما ووافق الكسائي في جواز نحو: زيدا أجله محرز لا في نحو: زيدا أجله أحرز).
598 - بمسعاته هلك الفتى أو نجاته... فنفسك صن عن غيّها تك ناجيا 368
قال ناظر الجيش: هذا هو القسم الذي يجب فيه ترك الأصل، وهو تقديم الخبر، وذكر أنه واجب في ثماني صور:
الأولى والثانية:
إذا كان الخبر أداة استفهام أو مضافا إليها.
نحو أين زيد وصبيحة أي يوم سفرك، وذلك لأن الاستفهام، له صدر الكلام كما تقدم.
الثالثة:
إذا كان تقديم الخبر يصحح الابتداء بالنكرة، وقد تقدم أن من مصححات الابتداء بنكرة أن يخبر عنها بظرف مقدم مختص نحو: عندك رجل.
وإنما كان تقديمه مصححا؛ لأن تأخيره يوهم كونه نعتا وتقديمه يؤمن من ذلك، وكذا النكرة المخبر عنها بجار ومجرور مختص نحو لك مال، أو بجملة متضمنة لما تحصل به الفائدة نحو: قصدك غلامه رجل؛ فلولا الكاف من قصدك لم يفد الإخبار بالجملة، كما أنه لولا اختصاص الظرف والمجرور 369 لم يفد الإخبار بهما وإلى الظرف المختص واللاحق -
الحديث: 598 - الجزء: 2 - الصفحة: 944
................................ به من الجار والمجرور والجملة أشار بقوله: أو مصححا تقديمه الابتداء بالنّكرة. الرابعة: إذا كان الخبر دالّا بالتقديم على المبتدأ على ما لا يفهم بالتأخير عنه نحو: لله درّك من الجمل التعجبية؛ فإن تعجبها لا يفهم إلا بتقديم الخبر وتأخير المبتدأ، وكذا نحو: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [1/ 339] أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 370. من الجمل الاستفهامية المقصود بها التسوية فإن الخبر فيه لازم التقديم وذلك أن المعنى: سواء عليهم الإنذار وعدمه، فلو قدم أأنذرتهم لتوهم السامع أن المتكلم يستفهم حقيقة، وذلك مأمون بتقديم الخبر فكان ملتزما 371. الخامسة: إذا كان الخبر مسندا إلى أن المفتوحة وصلتها كقولك: معلوم أنك فاضل، وكقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ 372 وسبب ذلك خوف التباس إنّ المكسورة بالمفتوحة، أو خوف التباس أن المصدرية بأنّ الكائنة بمعنى لعل، أو خوف التعرض لدخول إن على أن مباشرة، وفي ذلك من الاستثقال ما يخفي؛ فلو ابتدئ بأن وصلتها بعد أما لم يلزم تقديم الخبر؛ لأن المحظورات الثلاثة مأمونة بعد أما؛ إذ لا يليها إن المكسورةو لا أن التي بمعنى لعل، فجاز أن يقال: أما معلوم فإنك فاضل وأما أنك فاضل فمعلوم، ومنه قول الشاعر: 599 - دأبي اصطبار وأمّا أنني جزع... يوم النّوى فلوجد كاد يبريني 373
الحديث: 599 - الجزء: 2 - الصفحة: 945
................................
السادسة والسابعة:
أن يكون الخبر مسندا إلى مقرون بإلّا لفظا أو معنى نحو قولك: ما فى الدّار إلّا زيد وإنّما عندك عمرو وقد تقدمت الإشارة إلى العلة الموجبة لتأخير المقترن بإلا 374.
الثامنة:
أن يكون الخبر مسندا إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر 375 كقول الشاعر:
600 - أهابك إجلالا وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها 376
فحبيبها ملتبس بضمير العين، وملء عين خبر واجب التقديم؛ لأنه لو أخر عن المبتدأ لزم عود الضمير إلى شيء ملتبس بالخبر، وهو متأخر لفظا مع أنه متأخر رتبة، وذكر الالتباس أولى من ذكر الإضافة؛ لأن الالتباس يعم
الإضافة وغيرها، فمثال الالتباس بالإضافة ما في البيت من قول الشاعر: ولكن ملء عين حبيبها.
ومثال الالتباس بغير إضافة قولك: معرض عن هند المرسل إليها.
وأشار المصنف بقوله: وتقديم المفسّر إن أمكن مصحح إلى آخر الفصل - إلى أنه إذا التبس المبتدأ بضمير اسم ملتبس بالخبر، وأمكن تقديم صاحب الضمير صحت المسألة عند البصريين وهشام الكوفي 377 نحو زيدا أجله محرز، وزيدا أجله أحرز.
ووافق الكسائي في مسألة اسم الفاعل لا في مسألة الفعل.
وعضد أبو علي قول الكسائي بأن قال 378: المبتدأ وخبره المفرد بمنزلة الفعل والفاعل، فكما لا يمتنع: - - التباس المكسورة بالمفتوحة، أو من التباس المصدريّة التي بمعنى لعل ما لم يكن المبتدأ المذكور بعد أمّا، فإنّه يجوز فيه التقديم والتأخير، والبيت في شرح التسهيل (1/ 302) والتذييل والتكميل (3/ 351) ومعجم الشواهد (ص 404).
الحديث: 600 - الجزء: 2 - الصفحة: 946
................................ زيدا أحرز أجله لا يمتنع زيدا أجله محرز؛ لأنه لم يفصل بين المنصوب وناصبه أجنبي بخلاف: زيدا أجله أحرز؛ فإن الأجل وإن كان الفعل خبره فالإخبار بالفعل على خلاف الأصل؛ لأن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام، فعدّ المبتدأ قبلهما أجنبيّا بخلاف وقوعه قبل اسم الفاعل؛ فإن اتصال المبتدأ به على الأصل لأنه مفرد. قال المصنف 379: وقد يفرق بين الصورتين بأن اسم الفاعل لا يجب تأخيره، فلا يمتنع تقديم معموله بخلاف الفعل؛ فإن تأخيره إذا وقع خبر مبتدأ واجب، فلا يجوز تقديم معموله [1/ 340] فإن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وهذه شبهة شهرت عند النحويين، وفيها إذا لم تقيد ضعف؛ لأن تقديم معمول العامل العارض منع تقديمه منبه على ما كان له من جواز قبل عروض العارض، فالحكم بجوازه أولى من الحكم بمنعه ما لم يكن في ذلك إخلال بلازم؛ لأن منعه مفوت للتنبيه على الأصل، ولأجل ذلك جاز أن يقدم على لن ولم ولا واللام الطلبيتين معمولات معمولاتهن، نحو: زيدا لن أضرب، وعمرا لم أكرم، والعلم لتطلب والجاهل لا تعجب. وقول أبي علي: إن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام، فعد المبتدأ قبلهما أجنبيّا تخيّل جدلي لا ثبوت له عند التحقيق؛ لأن الجملة لا تقع موقع المفرد إلا لتؤدي معناه وتقوم مقامه، فلا يعد ما هي له خبرا أجنبيّا كما لا يعد أجنبيا ما الفرد له خبر. فالحاصل: أن الصحيح ما ذهب إليه البصريون من التسوية في الجواز بين زيد أجله محرز وزيد أجله أحرز بل المثال الآخر أولى بالجواز؛ لأن العامل فيه فعل، وفاعل المثال الأول اسم فاعل. فمن لم يمنع الأول دون الآخر فقد رجح فرعا على أصل، ومن منعهما فقد ضيق رحيبا وبعد قريبا. ومن حجج البصريين قول الشاعر: 601 - خيرا المبتغيه حاز وإن لم... يقض فالسّعي في الرّشاد رشاد 380
الحديث: 601 - الجزء: 2 - الصفحة: 947
................................
هذا مثال زيدا أجله أحرز، انتهى كلام المصنف ولا يخفى حسنه 381.
واعلم أنه كما يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول أو على ما أضيف إليه، وبالمفعول ضمير يعود على الفاعل، أو على ما أضيف إليه، وقد تقدم ذلك في باب المضمر، وأن المتصور فيه بالنسبة إلى تقديم المفعول على الفاعل وتأخيره عنه أربع مسائل: هي: ضرب غلامه زيد، وضرب غلامها بعل هند، وضرب غلامه زيدا، وضرب
غلامها بعل هند.
وإن المثال الأول لا خلاف في جوازه، والمثال الثاني جائز على القول المتصور، والثالث ممتنع عند الأكثرين، وجائز على رأي جماعة منهم المصنف، وإن القول بالجواز هو الصحيح، وأما المثال الرابع فممتنع بلا خلاف قد يتصور 382 بين المبتدأ والخبر إذا اتصل الضمير العائد على أحدهما، أو على ما أضيف إليه، أو على شيء يلتبس به الآخر، فيقال: إن ضرب غلامه زيد نظيره هنا في داره زيد 383 ومن ثم كانت جائزة إجماعا كتلك.
وإن ضرب غلامها بعل هند نظير في داره قيام زيد، وفي دارها عبد هند 384 والأصح أنها جائزة كما أن الأصح في تلك الجواز وأن ضرب غلامه زيدا نظيره صاحبها في الدار 385.
لكن هذه هنا ممتنعة بلا خلاف، وتلك في جوازها خلاف، والسبب في ذلك أن الضمير في مسألة ضرب غلامه زيدا عائد على نفس المفعول، والمفعول مستحضر بذكر الفاعل، فلما كان مشعورا به نزل منزلة ما هو متقدم ذكرا، فروعي فيه ذلك وإن كان متأخرا لفظا ورتبة.
وأما الضمير في نحو صاحبها في الدار فلم يعد على الخبر نفسه حتى يقال إن الشعور به قد حصل بذكر المبتدأ لو قيل صاحبها في الدار مثلا [1/ 341] بل إنما عاد - - البيت في شرح التسهيل (1/ 303) وفي التذييل والتكميل (3/ 356) وليس في معجم الشواهد.
الجزء: 2 - الصفحة: 948
[الخبر: تعريفه وأنواعه وحديث طويل عنه]
قال ابن مالك: (فصل - الخبر مفرد وجملة والمفرد مشتقّ وغيره، وكلاهما مغاير للمبتدأ لفظا متّحد به معنى، ومتّحد به لفظا دالّ على الشّهرة وعدم التّغيّر، ومغاير له مطلقا دالّ على التّساوي حقيقة أو مجازا، أو قائم مقام
مضاف، أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى والمعنى بالعين مجازا).
على شيء يلتبس بالخبر والمبتدأ، وإن أشعر بالخبر لا إشعار له بما التبس بالخبر، فمن ثم لم يكن لجواز صاحبها في الدار مسوغ، ومن أجل أن الضمير المتصل بالمبتدأ لا يعود على الخبر نفسه، إنما يعود على شيء ملتبس به - كان تقديم ما يعود عليه الضمير ممكنا، فلهذا قيل: إن المفسر للضمير إذا أمكن تقديمه وقدم جازت المسألة نحو: زيدا أجله محرز، وزيدا أجله أحرز.
وأما المسألة الرابعة وهي ضرب غلامها بعل هند فلم يذكر لها هنا ما يصلح أن يكون نظيرا، ويمكن أن يزاد في نحو هذا المثال مضاف، فيكون نظيرا، وذلك نحو أن يقال: غلام هند إحسانها قيد، والظاهر أن ذلك لا يجوز.
وإذا كان نحو:
ضرب غلامها بعل هند ممتنعا فهذا أولى بالمنع.
قال ناظر الجيش: اعلم أن الخبر هو محل الفائدة، والأقرب أن يقال في حده 386:
إنّه المجرّد من العوامل اللفظية الفعلية 387 وما شابهها المسند إلى مبتدأ.
وإنما قيد المسند بكونه إلى مبتدأ ولم يقتصر على المسند، لئلا يدخل في حد الخبر الصفة الواقعة مبتدأة من نحو: أقائم الزيدان، فإنه يصدق عليها أنها مجردة من العوامل المذكورة مسندة وليست الخبر.
ثم الخبر إما مفرد وإما جملة والمفرد قسمان: مشتق وغير مشتق أي جامد، والجملة قسمان: اسمية وفعلية.
والمراد بالمفرد هنا ما لعوامل الأسماء تسلط على لفظه عاريا كان من إضافة وشبهها أو ملتبسا بأحدهما نحو: زيد منطلق وعمر صاحبك 388 وبشر قائم أبواه.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 949
................................ والجملة: ما تتضمن جزأين ليس لعوامل الأسماء تسلط على لفظ أحدهما نحو: زيد أبوه عمرو، وبشر حضر أخوه؛ فنحو قائم أبواه من المثال الثالث ليس بجملة عند المحققين لتسلط العوامل على أول جزأين. قال المصنف 389: والمراد بالمشتق هنا ما دل على متصف مسوغا من مصدر مستعمل أو مقدر، فذو المصدر المستعمل نحو: ضارب ومضروب وحسن وأحسن، وذو المصدر المقدر نحو: ربعة وحزوّر. وقفاخر من الصفات التي لا مصادر لها ولا أفعال 390 فيقدر لها مصادر كما تقدر للأفعال التي لم يستعمل لها مصادر. وغير المشتق: ما عري مما وسم به المشتق. وكل واحد من النوعين إذا أخبر به عن مبتدأ فالأكثر أن يغايره لفظا ويتحد به معنى، نحو: هذا زيد، وزيد فاضل. فالشخص المشار إليه بهذا هو المعبر عنه بزيد فقد اتحدا معنى وتغايرا لفظا، وكذا زيد فاضل. وقد يقصد بالخبر المفرد بيان الشهرة وعدم التغير، فيتحد بالمبتدأ لفظا، ويكون أيضا على نوعين: مشتق كقول رجل من طيئ [1/ 342]: 602 - خليلي خليلي دون ريب وربّما... ألان امرؤ قولا فظنّ خليلا 391 وغير مشتق كقول أبي النجم: 603 - أنا أبو النّجم وشعري شعري... [لله درّي ما أجنّ صدري] 392
الحديث: 602 - الجزء: 2 - الصفحة: 950
................................
أي: خليل من لا أشك في صحة خلته، ولا يتغير في حضوره ولا غيبته، وشعري على ما ثبت في النفوس من
جزالته، والتوصل به من المراد إلى غايته، وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط 393 كقولك: من قصدني فقد قصدني، أي فقد قصد من عرف بنجاح قاصده، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله» 394. يعني أن المعنى: فقد وقعت موقعها لما حصل فيها من جزيل الثواب.
وقد يكون مغايرا للمبتدأ في لفظه ومعناه، والحامل على ذلك الإعلام بالتساوي في الحكم حقيقة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 395 أو مجازا كقول الشّاعر:
604 - ومجاشع قصب هوت أجوافها... لو ينفخون من الخؤرة طاروا 396
وقد يكون المغاير لفظا ومعنى قائما مقام مضاف كقوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ 397، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ 398 ويدخل في هذا أيضا الدال على التساوي مجازا، فيقدر فعل مضاف إلى الخبر في قولهم: زيد زهير ومجاشع قصب، ونحو ذلك، وقد يكون المغاير لفظا ومعنى مشعرا بحال تلحق العين بالمعنى - - شرح التسهيل: (1/ 304) والتذييل والتكميل: (4/ 10) ومعجم الشواهد (ص 478).
الحديث: 604 - الجزء: 2 - الصفحة: 951
................................
أو المعنى بالعين، فالأول: نحو قولك زيد صوم تريد المبالغة كأنك جعلته نفس الصوم، ولا يراد بذلك ذو صوم؛ لأن ذا الصوم يصدق على القليل الصوم وكثيره، وهو صوم لا يصدق إلا على المدمن الصوم، وكذلك ما أشبهه 399.
والثاني: نحو نهار فلان صائم وليله قائم، ومنه: وَالنَّهارَ مُبْصِراً 400 وكقول الشاعر أنشده سيبويه 401:
605 - أمّا النّهار ففي جوف وسلسلة... واللّيل في جوف منحوت من السّاج 402
ومن هذا القبيل قولهم: شعر شاعر وموت مائت.
انتهى كلام المصنف 403.
ويتعلق به أبحاث:
الأول:
أفهم كلامه أن الخبر الواقع ظرفا أو مجرورا ليس قسما برأسه كما ذهب إليه ابن السراج 404 فقال: إنه ليس من قبيل المفرد ولا من قبيل الجملة بل إنه منطو في أحد القسمين إما المفرد وإما الجملة وسيأتي الكلام في ذلك عند تعرض المصنف له.
الثاني:
نازعه الشيخ في: ربعة وحزوّر وتفاخر مصوغة من مصادر أهملت، وأنها تقدر لها مصادر، فقال 405: -
الحديث: 605 - الجزء: 2 - الصفحة: 952
................................
لا يلزم ذلك وإن كانت تستعمل أوصافا؛ لأن الإخبار بها لا يستلزم اشتقاقها، وإن استعملت نعوتا أو أخبارا ورفعت ما بعدها فإنما ذلك لإجرائها مجرى المشتق.
قال: وقد ذكر المصنف ذلك في باب النعت؛ فإنه لما قسم النعت إلى مفرد وجملة قسم المفرد إلى مشتق لفاعل أو مفعول، وإلى جار مجرى المشتق أبدا، أو جار مجراه في حال دون حال.
فذكر من الجاري أبدا لوزعيّ بمعنى فطن، وجرشع بمعنى غليظ، وصمحمح بمعنى شديد، وشمردل بمعنى طويل 406 [1/ 343].
قال الشيخ: «فكذلك تكون ربعة وحزوّر وقفاخر جارية مجرى المشتقّ» انتهى 407 والذي ذكره الشيخ هو الظاهر والأقرب.
الثالث 408:
قسم المصنف الخبر المغاير للمبتدأ لفظا ومعنى أربعة أقسام:
ما دل على التساوي حقيقة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 409.
وما دل على التساوي مجازا نحو: «ومجاشع قصب هوت أجوافها».
وما حذف منه مضاف هو الخبر في الأصل، وأقيم المضاف إليه مقامه نحو قوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ 410.
وما يفيد إلحاق عين بمعنى أو معنى بعين نحو: زيد صوم، ونحو نهار زيد صائم.
والذي ذكره النحاة أن الخبر إما أن يكون هو المبتدأ في المعنى كزيد قائم، وهذا -
الجزء: 2 - الصفحة: 953
................................
هو الذي أراده المصنف بقوله: متّحد به معنى بعد قوله: مغاير له لفظا: وإما أن يكون منزلا منزلته كقولنا: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد الأسد، وكقوله تعالى:
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 411 أي تنزلن منزلة الأمهات في حرمة التزوج، ونحو: ما أنت إلا سير.
ثم قالوا: ولذلك تأويلان:
أحدهما: على أنه حذف مضاف أي مثل أبي حنيفة، ومثل الأسد، وصاحب سير، وكذا زيد صوم أي صاحب صوم.
الثاني: أن يجعل أحدهما الآخر مبالغة كما قال أبو علي 412 في قول الشاعر:
606 - [ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت]... فإنّما هي إقبال وإدبار 413
جعلها نفس الإقبال والإدبار مبالغة لكثرة وقوع ذلك من فاعله.
وأما المصنف فكأنه نحا إلى شيء، وهو أن الخبر إذا كان مغايرا للمبتدأ معنى فقد تقصد المبالغة بجعل العين نفس المعنى، أو بجعل المعنى نفس العين إذا كان في الكلام إشعار بلزوم حال تلحق أحدهما بالآخر، وحينئذ فلا يقدر مضاف -
الحديث: 606 - الجزء: 2 - الصفحة: 954
................................
محذوف؛ لأن تقديره مضاف لهذا القصد، وقد تقدم أن نحو: زيد ذو صوم يصدق على القليل الصوم، والكثير وزيد صوم لا يصدق إلا على المدمن الصوم.
وإن لم يقصد المبالغة فإما ألا يكون بين المبتدأ والخبر مشاركة في حكمه، فيجب تقدير مضاف كقوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ 414 أي ذو ودرجات، وإما أن يكون بينهما مشاركة فيه، وحينئذ إما أن تكون المشاركة في ذلك الحكم ثابتة فيكون الخبر 415 وإلا على التساوي حقيقة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 416 فإن المشاركة بين المبتدأ 417 في الحكم الذي هو حرمة التزوج ثابت قطعا.
وإما أن تكون المشاركة بالدعوى دون تحقق ثبوت، فيكون الخبر دالّا على التساوي مجازا نحو قول الشاعر:
607 - ومجاشع قصب......... البيت
نعم، ويجوز في هذا أعني ما دل على التساوي مجازا - أن يقدر مضاف محذوف، ولا شك أن المجاز ينتفي حينئذ ويصير اللفظ حقيقة، والظاهر أن تقدير المضاف أولى من عدم التقدير، ولو قيل بتقدير المضاف فيما دل على التساوي حقيقة لم يكن بعيدا، بل ربما يترجح لأنه الأصل، وعلى هذا يرجع [1/ 344] الحال عند مغايرة الخبر المبتدأ في المعنى إلى أمرين:
أحدهما: تقدير مضاف محذوف.
والثاني: أن يجعل الثاني نفس الأول إذا قصدت المبادأة، وحينئذ يرجع ما قاله المصنف إلى ما قاله غيره من النحاة من أنه عند المغايرة لنا تأويلان:
إما أن يقدر مضاف محذوف إن لم يقصد المبالغة.
وإما أن يجعل أحدهما الآخر مبالغة.
وعلى هذين التأويلين حمل العلماء قوله صلّى الله عليه وسلّم لما سئل عن الجنين في بطن الناقة المذبوحة أو البقرة أو الشاة فقالوا: نلقيه أم نأكله؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «كلوه إن شئتم فإنّ -
الحديث: 607 - الجزء: 2 - الصفحة: 955
[الخبر المشتق وغيره، وحكمهما في تحمل ضمير المبتدأ]
قال ابن مالك: (ولا يتحمّل غير المشتقّ ضميرا ما لم يؤوّل بمشتقّ؛ خلافا للكسائي، ويتحمّله المشتقّ خبرا أو نعتا أو حالا ما لم يرفع ظاهرا لفظا أو محلّا).
ذكاته ذكاة أمّه» 418 روي برفع ذكاة الثانية ونصبها، والرفع هو الكثير، فقدره أبو حنيفة ذكاة الجنين مثل ذكاة أمّه، وأوجب ذبح الجنين، وحمله الشافعي على أن ذكاة أمّه تغني عن ذكاته إن لم يمكن ذبحه على أن إحدى الذكاتين هي الأخرى، فأغنت عنها، وأما النصب فعلى أن الذكاة الأولى عملت في الثانية؛ لأنها مصدر، ويكون الخبر محذوفا أي واجبة.
قال ناظر الجيش: قبل الشروع في الكلام على هذا الموضع ينبغي أن تعلم أن المفرد الواقع خبرا لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمبتدأ؛ لأن ارتباطه يكون بإعرابه، مع أن المفرد لا يستقل بنفسه، فإذا أتى اسم مبتدأ علم أنه يطلب الخبر، وإذا جاء بعده اسم مرفوع علم أنه خبره كما إذا جيء باسم مرفوع بعد الفعل.
علم أنه الفاعل ومما يحقق لك عدم احتياج المفرد إلى ضمير للربط صحة وقوع الجامد المحض خبرا، إلا أن الخبر المفرد إذا كان مشتقّا يتحمل الضمير لا من جهة كونه خبرا، بل من أجل الاشتقاق خاصة؛ لأن المشتق شارك الفعل في اشتقاقه من المصدر فأشبهه، فتحمل الضمير من هذا الوجه.
ثم اعلم أن الأسماء بالنسبة إلى الاشتقاق وعدمه أربعة أقسام:
مشتق، وجامد، ومشتق أجري مجرى الجامد، وجامد أجري مجرى المشتق:
فأما الجامد والمشتق الذي أجري مجراه فلا يتحملان ضميرا، الأول نحو: زيد أسد، وعمرو أخ، والثاني نحو: بكر
والد، وخالد صاحب.
وأما المشتق والجامد الذي أجري مجراه فإنهما يتحملان الضمير كما ستعرف.
قال المصنف 419: مثال الخبر الذي لا يتحمل ضميرا لكونه غير مشتق ولا مؤولا بمشتق قولك مشيرا إلى الأسد المعروف: هذا أسد.
فأسد لا ضمير فيه؛ لأنه خال -
الجزء: 2 - الصفحة: 956
................................
من معنى الفعل، فلو وقع موقع مشتق لجرى مجراه في تحمل الضمير كقولك مشيرا إلى رجل شجاع: هذا أسد؛ ففي أسد حينئذ ضمير مرفوع به؛ لأنه مؤول بما فيه معنى الفعل، ولو أسند إلى ظاهر لرفعه كقولك: رأيت رجلا أسدا أبوه، ومنه قول الشاعر [1/ 345]:
608 - وليل يقول النّاس من ظلماته... سواء صحيحات العيون وعورها
كأنّ لنا منه بيوتا حصينة... مسوحا أعاليها وساجا كسورها 420
فرفع الأعالي والكسور بمسوح وساج لإقامتهما مقام سود.
وإذا جاز ارتفاع الظاهر بالجامد لتأوله بمشتق كان ارتفاع المضمر به أولى؛ لأنه قد يرفع المضمر ما لا يرفع الظاهر كأفعل التفضيل في أكثر الكلام 421.
وإذا رفع الجامد القائم مقام مشتق ضميرا أو ظاهرا جاز أن ينصب بعد ذلك به تمييز أو حال كقول الشاعر: -
الحديث: 608 - الجزء: 2 - الصفحة: 957
................................
609 - تخبّرنا بأنّك أحوذيّ... وأنت البلسكاء بنا لصوقا 422
البلسكاء: حشيشة تلصق بالنبات كثيرا.
وإذا ثبت تحمل الجامد ضميرا ورفعه ظاهرا لتأوله بمشتق لم يرتب في أن المشتق أحق بذلك.
وقد حكم الكسائي 423 وحده بذلك للجامد المحض نحو قولك: هذا زيد، وزيد أنت.
وهذا القول وإن كان مشهورا انتسابه إلى الكسائي دون تقييد - فعندي استبعاد لإطلاقه؛ إذ هو مجرد عن دليل ومقتحم بقائله أوعر سبيل، والأشبه أن يكون الكسائي قد حكم بذلك في جامد عرف لمسماه معنى لازم لا انفكاك له ولا مندوحة عنه؛ كالإقدام والقوة للأسد، والحرارة والحمرة للنار فإن ثبت هذا المذكور فقد كان المحذور، وأمكن أن يقال: معذور، وإلا فضعف رأيه في ذلك 424 بين، واجتنابه متعين.
وأما الخبر المشتق إذا لم يرتفع به ظاهر لا لفظا نحو: زيد قائم غلامه، ولا محلّا نحو: عمرو مرغوب فيه، فلا بد من رفعه ضميرا.
انتهى كلام المصنف 425.
وعرف منه أن الجامد لا يتحمل ضميرا إلا عند الكسائي، وأن المشتق والجامد المؤول بالمشتق يتحملان الضمير، وأما الجاري مجرى الجامد فلم يتعرض إليه، وكأنه يقول:
إذا جرى المشتق مجرى الجامد فحكمه حكمه، وهو قد ذكر الجامد فاكتفى به 426. -
الحديث: 609 - الجزء: 2 - الصفحة: 958
................................
ثم ها هنا أبحاث:
الأول 427:
نسب المصنف الخلاف في أن الجامد لا يتحمل ضميرا - إلى الكسائي، والذي ذكره النحاة في كتبهم 428 أن المخالف في ذلك الكوفيون والرماني من البصريين.
وحجة الكوفيين أن الجامد في معنى المشتق؛ فإذا قلت: جعفر غلامك تريد إسناد الغلامية وهي الخدمة إليه، وإذا قلت: جعفر أخوك تريد إسناد الأخوة والقرابة.
ورد ذلك بأن تحمل الضمير يكون من جهة اللفظ لا من جهة المعنى، ولو تحمل ضميرا لجاز العطف عليه وتأكيده 429. ولما لم يسمع من العرب شيء من ذلك دل على عدم تحمله الضمير.
الثاني:
تقدم أن المشتق إنما تحمل الضمير لشبهه بالفعل، ورد ابن أبي الربيع فقال:
ووقوعه موقعه.
أما الشبه ففي الاشتقاق من المصدر كما عرفت، وأما الوقوع موقع الفعل فإنك إذا قلت: زيد قائم تريد بقائم ما تريد بيقوم حتى كأنك نطقت بيقوم، وكذلك إذا قلت: زيد مضروب كأنك قلت: زيد يضرب، قال: ولا يكون الوقوع في الصفات كلها إنما يكون منها في اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد حسن فليس المعنى زيد يحسن.
قال: فيتحصل [1/ 346] من هذا أن تحمل اسم الفاعل وما يجري مجراه أقوى من تحمل حسن وما أشبهه لأن الموجب لاسم الفاعل وما يجري مجراه الاشتقاق والوقوع، -
الجزء: 2 - الصفحة: 959
................................
والموجب لحسن وما أشبهه الاشتقاق.
هذا كلام ابن أبي الربيع، وهو دال على توفيق في الصناعة ولطف في الاعتبارات، وإن كان لا يترتب على ذلك الفرق شيء في الخارج.
الثالث:
قال الشيخ: «قول المصنف: ويتحمله المشتقّ لا يصح على إطلاقه لأن لنا مشتقات لا تتحمّل ضميرا كالآلات نحو: مفتاح ومكسحة، واسم المكان والزمان كمرمى ومغزى، وما بني على مفعلة للتكسير نحو: مسبعة ومأسدة، وإنما يتحمل الضّمير من المشتقات ما جاز أن يعمل عمل الفعل» انتهى 430.
ولا يتوجه هذا الإيراد على المصنف؛ لأنه حد المشتق أول الكلام بأنه ما دل على متصف، أي شيء متصف، فالمراد بالمشتق في كلامه ما دل على ذات متصفة بوصف.
وما ذكره الشيخ ليس كذلك؛ لأنه دال على ذات فقط أو معنى فقط 431.
الرابع:
قال المصنف في شرح الكافية: «لو أشرت إلى رجل وقلت: هذا أسد لكان لك فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تنزيله منزلة الأسد مبالغة دون التفات إلى تشبيه.
والثاني: أن تقصد التّشبيه فتقدر مثلا مضافا إليه.
ففي هذين الوجهين لا ضمير في أسد.
والوجه الثالث: أن تؤول لفظ أسد بصفة وافية بمعنى الأسديّة وتجريه مجرى ما أولته فيتحمّل حينئذ ضميرا، وترفع به ظاهرا إن جرى على غير ما هو له، كقولك: هذا أسد ابناه» انتهى 432.
أما الوجه الثاني وهو الذي قصد فيه التشبيه، فكل من المبتدأ الذي هو الرجل المشار إليه بهذا، والخبر الذي هو أسد باق فيه على حقي كذا أسد باق على حقيقته -
الجزء: 2 - الصفحة: 960
[استكنان الضمير الرابط وبروزه]
قال ابن مالك: (ويستكنّ الضّمير إن جرى متحمّله على صاحب معناه وإلّا برز، وقد يستكنّ إن أمن اللّبس وفاقا للكوفيّين).
في الوجه الأول، والتجوز إنما هو في المبتدأ الذي هو الرجل؛ لأنه أريد به معنى الأسد ولا شك أنه مجاز مرسل، ويظهر أن العلاقة فيه هي اللزوم 433 كما تقول في نحو: زيد صوم وزيد عدل عند قصد المبالغة.
وأما الوجه الثالث: فالمبتدأ باق على حقيقته، والتجوز إنما هو في الخبر الذي هو أسد؛ لأنه أريد به الرجل الشجاع، ولا شك أن ذلك مجاز استعارة؛ لأن العلاقة بينه وبين الحقيقة إنما هي التشبيه، ولكن يظهر أن في ذلك إشكالا من جهة أن الاستعارة لا يذكر فيها الطرفان، إنما يذكر أحدهما، وها هنا قد ذكر المشبه به وهو أسد، فيجب ألا يذكر المشبه وهو الرجل المشار إليه بهذا، والظاهر أن التشبيه هنا ليس بين الرجل وأسد، إنما هو بين أسد وشجاع، فالشجاع هو المشبه وأسد المشبه به، وأصل التركيب: هذا شجاع، ثم شبه الشجاع بالأسد، فأوقع موقعه لقصد المبالغة في التشبيه على ما عليه مبنى الاستعارة عند أصحاب علم البيان.
قال ناظر الجيش: الخبر المفرد 434 الرافع ضميرا إن جرى على صاحب معناه استكن الضمير المرفوع به [1/ 347] دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن 435.
وإن جرى على غير صاحب معناه لزم إبرازه عند البصريين والكوفيين عند خوف اللبس كقولك: زيد عمرو
ضاربه هو، والزيدان العمران ضاربهما هما، فهو فاعل مسند -
الجزء: 2 - الصفحة: 961
................................
إليه ضاربه وهو عائد على زيد، والهاء عائدة على عمرو، وهما فاعل مسند إليه ضاربهما، وهو عائد على الزيدان.
والمضاف إليه عائد على العمران.
وأفرد ضارب المسند إليه المثنى؛ لأنه واقع موقع فعل مجرد مسند إلى فاعل بارز، فالإبراز في مثل هذا مجمع عليه لكون المعنى ملتبسا بدونه.
فلو كان المراد صدور الضرب من المبتدأ الثاني ووقوعه على الأول - لاستكن الضمير بإجماع لعدم الحاجة إلى إبرازه، ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر:
610 - لكلّ إلفين بين بعد وصلهما... والفرقدان حجاه مقتفيه هما 436
والتزم البصريون الإبراز مع أمن اللبس عند جريان رافع الضمير على غير صاحب معناه؛ ليجري الباب على سنن واحد، وخالفهم الكوفيون فلم يلتزموا الإبراز عند أمن اللبس، وبقولهم أقول 437؛ لورود ذلك في كلام العرب كقول الشاعر:
611 - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت... بكنه ذلك عدنان وقحطان 438
فقومي مبتدأ، وذرا المجد: مبتدأ ثان، وبانوها خبر جار على ذرا المجد في اللفظ، وهو في المعنى لقومي، وقد استغنى باستكنان ضميره عن إبرازه لعدم اللبس.
ومثله قول الشاعر أيضا: -
الحديث: 610 - الجزء: 2 - الصفحة: 962
................................
612 - إنّ الّذي لهواك آسف رهطه... لجديرة أن تصطفيه خليلا 439
ومثله قول الآخر:
613 - ترى أرباقهم متقلّديها... إذا حمي الحديد على الكماة 440
وتكلف بعض المتعصبين فقال: تقدير البيت الأول: قومي بانو ذرا المجد بانوها، وتقدير البيت الثاني: لأنت جديرة أن تصطفيه.
وتقدير البيت الثالث: ترى أصحاب أرباقهم متقلديها.
والصحيح حمل الأبيات على ظاهرها دون تكلف كما يتم المعنى بعدمه.
والكلام على المشتق الواقع نعتا أو حالا كالكلام عليه إذا وقع خبرا.
فمن التزم إبراز الضمير عموما مع الخبر الجاري على غير صاحب معناه التزمه مع النعت والحال الجاريين على غير ما هما له أمن اللبس أم لم يؤمن، ومن لم يلتزم الإبراز إلا عند خوف أمن اللبس لم يلتزمه في النعت والحال إلا عند خوف اللبس.
ومن النعت الجاري على غير ما هو له دون إبراز ضمير - قراءة ابن أبي عبلة 441: -
الحديث: 612 - الجزء: 2 - الصفحة: 963
................................
(إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) بخفض غير 442.
وإن كان الجاري على غير ما هو له من خبر ونعت وحال فعلا وأمن اللبس اغتفر ستر الضمير كقولك: الخبز زيد يأكله، فلو خيف اللبس وجب الإبراز كقولك:
غلام زيد يضربه هو إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام.
هذا بجملته كلام المصنف 443 ثم هاهنا أمور ينبغي التعرض إليها [1/ 348]:
الأول 444:
المفهوم من قول المصنف: ويستكنّ الضّمير إن جرى على صاحب معناه أنه لا يجوز إبرازه، وكذا يعطيه قوله في
الشرح: إن جرى على صاحب معناه استكن الضمير المرفوع به دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن.
قال الشيخ 445: «وليس الأمر كذلك، فقد أجاز سيبويه في نحو: مررت برجل مكرمك هو - أن يكون هو تأكيدا للضّمير المستكن في مكرمك، وأن يكون فاعلا بالصّفة.
والفرق بين التقديرين يظهر في التثنية والجمع، فتقول: مررت برجلين مكرميك هما على التأكيد، وبرجلين مكرمك هما على الفاعلية».
الأمر الثاني:
إذا جرى متحمل الضمير على غير صاحب معناه، فليس من شرط الاسم الذي يعود عليه الضمير الذي هو الفاعل أن يكون مبتدأ كما سبق إلى الأذهان من التمثيل - - القراءات واختيار خالف فيه العامة في صحة إسنادها إليه نظر، أخذ القراءة عن واثلة بن الأسقع والزهري، وأخذ عنه موسى بن طارق ومالك بن أنس، ومن كلامه: من حمل شاذّ العلماء حمل شرّا كبيرا، توفي سنة (153 هـ). (ترجمته في غاية النهاية: 1/ 19).
الجزء: 2 - الصفحة: 964
................................
بقولنا: زيد عمرو ضاربه هو، وهند زيد ضاربته هي، بل الشرط أن يكون الاسم العائد عليه الضمير الذي هو فاعل مذكورا في الجملة على أي وجه كان، فإذا قلت: غلام زيد ضاربه هو وكانت الهاء للغلام، وغلام هند ضاربته هي كان كقولك: زيد عمرو ضاربه، وهند زيد ضاربته هي سواء في الحكم، ويدل على ذلك التمثيل بقول الشاعر:
614 - إنّ الّذي لهواك آسف رهطه...... البيت
وبقول الآخر:
615 - أرباقهم متقلّديها......
وبقراءة ابن أبي عبلة (إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) وتمثيل المصنف 446 حين ذكر الإلباس في
جريان الفاعل بقوله: غلام زيد يضربه هو إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام.
الأمر الثالث:
قد عرف من كلام المصنف أن الحكم في الفعل إذا جرى على غير من هو له كالحكم في الوصف سواء إن أمن اللبس اغتفر ستر الضمير، وإن خيف اللبس وجب الإبراز، لكن قال الشيخ 447: «لو كان الخبر فعلا فلا نأتي بالضمير نحو زيد: هند يضربها، وهند بشر تضربه إلا على التأكيد لا على أن يكون فاعلا.
هكذا أطلق معظم النحويين.
ويعرض اللبس في الفعل كما يعرض في الصفة».
ثم قال: «فإذا خيف اللبس في الفعل كرر الظاهر الذي هو الفاعل، فتقول: زيد عمرو يضربه زيد، فيضربه زيد في موضع خبر عمرو، والرابط له الضمير العائد عليه، وعمرو مبتدأ، وهو وخبره في موضع خبر زيد، والرابط له تكرار المبتدأ الذي هو زيد».
الأمر الرابع:
ذكروا أن العلة في إبراز الضمير مع الوصف هو أن الصفة إذا تحملت الضمير لم يكن له ما يبينه إلا جريان الصفة على من هي له من حيث أن الضمير يستتر فيها، فاحتيج إذا جرت على غير من هي له إلى إبرازه؛ إذ ليس له ما يبينه إذ ذاك إلا خروجه إلى اللفظ وظهوره، وإذا خرج إلى اللفظ لزم انفصاله؛ لأن الصفات -
الحديث: 614 - الجزء: 2 - الصفحة: 965
................................
لا يتصل بها ضمير الرفع البارز؛ إذ لم تستحكم استحكام الفعل في ذلك، فلما لزم إظهاره في حال جريانه على غير من هي له لزم انفصاله 448، وليس الفعل كذلك؛ إذ لا يعدم مبينا له، إما جريانه على من هو له وإما ضمائر تتصل به [1/ 349] بارزة نحو: قاما وقاموا، وإما علامات نحو: أقوم ونقوم ويقوم وتقوم، وهذا التعليل يقتضي قصر وجوب الإبراز على الوصف.
وقال ابن أبي الربيع ما معناه 449: إنّ حكم الضّمير في الصّفة مخالف لحكم الضّمير في الفعل، يعني أنه يبرز متّصلا بالأفعال، ولا يبرز متصلا بالصفات، وأنه قد يستتر في بعض الأفعال، ولا يبرز كما يستتر في الصفات.
ثم قال: «فلمّا كانت الصفة إذا جرت على من هي له في المعنى يستتر فيها الضمير مطلقا، ولم تكن كالضّمير في الفعل في الكمون والظّهور واستتر في الصّفة في مواضع ظهر فيها في الفعل - جعلوها إذا جرت على غير من هي
له يظهر ضميرها مطلقا؛ ليظهر فيها في مواضع كمن فيها في الفعل، كما استتر في مواضع ظهر فيها في الفعل فكأن هذا معاوضة».
ثم نبه ابن أبي الربيع على أن هذا يعني إبراز الضمير إذا جرت الصفة على غير من هي له أنها تكون في الصفة التي ترفع الظاهر، قال: «ولا يكون هذا في اسم الفاعل واسم المفعول إذا كانا بمعنى الماضي؛ لأنهما لا يرفعان الظّاهر، وذلك لأن الضمير المنفصل يتنزل منزلة الظاهر، فلا يرفعه إلّا ما يرفع الظّاهر، ومن ثم كان حكمه إذا رفع هذا المضمر حكمه إذا رفع الظاهر، فلا يثنّى ولا يجمع إذا أسند إلى مثنّى أو مجموع إلّا على لغة من قال: -
الجزء: 2 - الصفحة: 966
................................ 616 - [ولكن ديافيّ أبوه وأمّه... بحوران] يعصرن السّليط أقاربه 450» الأمر الخامس: قد عرفت أن مذهب البصريين وجوب إبراز الضمير المرفوع بالصفة الجارية على غير صاحب معناها سواء ألبس الأمر أم لم يلبس؛ لكنهم استثنوا من ذلك مسألة واحدة وهي قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين. فجميلين صفة جارية على رجل وليست له، بل للأبوين، ولم يبرز الضمير فيها فيقال: جميل هما، فأجروا الضمير الرابط هنا مجراه في الصفة الجارية على الموصوف فاستتر، وساغ ذلك وإن لم يعد على الموصوف من حيث كان عائدا على الأبوين المضافين إلى ضميره، فصار لذلك كأنه من جهة المعنى قد قال: مررت برجل حسن أبواه جميل أبواه 451. الأمر السادس: استدل الكوفيون ومن وافقهم على جواز استتار الضمير عند أمن اللبس بأمور منها: ما تقدم ذكره في كلام المصنف وهو: 617 - قومي ذرا المجد بانوها......... و: 618 - إنّ الّذي لهواك آسف......... البيت و: 619 - ترى أرباقهم متقلّديها......
الحديث: 616 - الجزء: 2 - الصفحة: 967
................................
وقوله تعالى في قراءة من قرأ: (إلى طعام غير ناظرين إناه) 452 بالجر.
ومنه قول الشاعر أيضا:
620 - وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه... سهوب وموماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته... وأن تعلمي أنّ المعان موفّق 453
ومنها: ما حكى الفراء عن العرب: كلّ ذي عين ناظرة إليك 454 ومنها قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 455.
فلم يبرز الضمير في شيء من ذلك، فيقال: قومي ذرا المجد بانوها 456 هم، وإنّ الذي لهواك آسف رهطه لجديرة
أنت [1/ 350] وترى أرباقهم متقلديها هم و:
(إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ)، و: لمحقوقة أنت، و: كل عين ناظرة هي إليك، -
الحديث: 620 - الجزء: 2 - الصفحة: 968
................................
و: فظلت أعناقهم لها خاضعين هم.
وقد تأول البصريين ذلك كله بما فيه تكلف:
فقالوا في الثلاثة الأولى ما تقدم ذكره في كلام المصنف.
وقالوا في لمحقوقة: إنه ليس فيه ضمير وإن المرفوع فيه قوله: أن تستجيبي، وأنث على المعنى؛ التقدير: لمحقوقة استجابتك 457. وكذا ذكروا ذلك في لجديرة أيضا.
ولا شك أن تقديره: لأنت محقوقة ولأنت جديرة أسهل من هذا.
وقالوا في كل ذي عين ناظرة إليك: إن التقدير ألحاظ كل عين ناظرة إليك.
وأما قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 458 فقالوا: ليس خاضعين حالا من الهاء فتكون الصفة جارية على غير من هي له، وإنما هو حال من الفاعل المستتر في المجرور.
قيل على هذا فينبغي أن تكون خاضعة؟ فأجيب أن هذا محمول على المعنى، وعلى ما يصلح أن يقع في هذا الموضع مما معناه كمعناه.
وكان الذي حمل عليه هذا كونه بمعنى: فظلوا لها خاضعين كما جاء:
621 - [فإمّا تري لمّتي بدّلت]... فإنّ الحوادث أودى بها 459
لأنه في معنى الحدثان، وقالوا: إن ذلك على إقحام الأعناق؛ لأنه يجوز: فظلوا لها خاضعين في معنى: فظلت أعناقهم لها خاضعين، وقالوا: يجوز أن يراد بالأعناق الجماعات، ولا يخفى وجه التكلف في هذه التأويلات، فالظاهر أن الصواب هو ما اختاره المصنف من قول الكوفيين.
الحديث: 621 - الجزء: 2 - الصفحة: 969
[أنواع الخبر الجملة، وحكم بعض الجمل في وقوعها أخبارا]
قال ابن مالك: (والجملة اسميّة وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبيّة خلافا لابن الأنباريّ وبعض الكوفيين، ولا قسميّة خلافا لثعلب، ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطلبيّة خلافا لابن السّرّاج).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن الخبر المفرد شرع في الكلام على الخبر الواقع، جملة وتقسيمه الجملة إلى قسمين هو التقسيم الصحيح 460، ومثال الجملة الاسمية؛ الله فضله عظيم، ومثال الفعلية: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ 461 ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، والشرطية، والمصدرة باسم غير معمول للشرط، ويدخل في الفعلية الشرطية المصدرة بحرف أو باسم معمول للشرط.
فمثال الإخبار بجملة مصدرة بحرف عامل في المبتدأ: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ 462 وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ 463.
ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم غير معمول للشرط: الله من يطعه ينج.
ومثال الإخبار بشرطية مصدرة بحرف: الله إن تسأله يعطك، ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم معمول للشرط: الله من يهد فلا مضلّ له.
ومنع أبو بكر بن الأنباري وبعض الكوفيين 464: الإخبار بجملة طلبية نظرا إلى أن الخبر حقه أن يكون محتملا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك.
قال المصنف 465: وهذا نظر واه لأن خبر المبتدأ لا خلاف أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق والكذب [1/ 351] فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بألا يشترط احتمالها الصدق والكذب؛ لأنها نائبة عما يحتملهما، وأيضا فإن وقوع الخبر مفردا طلبيّا نحو: كيف أنت - ثابت باتفاق، فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع، ومع ذلك فهو مسموع -
الجزء: 2 - الصفحة: 970
................................
شائع في كلام العرب كقول رجل من طيئ:
622 - قلب من عيل صبره كيف يسلو... صاليا نار لوعة وغرام 466
انتهى.
والشّبه التي تمسك بها ابن الأنباري ضعيفة من جهة أخرى، وهي أن الخبر لفظ مشترك فيه، فتارة يطلق ويراد به ما يقابل الإنشاء من الجمل المحتملة للصدق والكذب، ويطلق أيضا على الجزء المسند إلى مبتدأ مفردا كان أو جملة سواء كانت الجملة خبرية أو طلبية 467.
وكان ابن السراج يجنح إلى ما جنح إليه ابن الأنباري من التعليل، لكنه لما رأى ورود ذلك في الكلام جعل الخبر محذوفا، والجملة الطلبية معمولة لذلك المحذوف، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطّلبيّة؛ خلافا لابن السّرّاج 468.
فالتقدير في نحو: زيد اضربه عندهم: زيد مقول فيه: اضربه، أو زيد أقول لك: اضربه، ويضعف هذا التقدير أن المعنى يختلف بسببه، وذلك أنك إذا قلت:
زيد اضربه فأنت آمر ومنشئ للاقتضاء، وإذا قلت: زيد مقول فيه: اضربه، أو أقول لك: اضربه فأنت مخبر، وإذا كان كذلك فكيف يقدر ما يؤدي إلى معنى غير المعنى المراد من الكلام أولا.
-
الحديث: 622 - الجزء: 2 - الصفحة: 971
................................
وروي عن ثعلب منع الإخبار بجملة قسمية 469.
قال المصنف 470: «وهو أيضا منع ضعيف؛ إذ لا دليل عليه مع ورود الاستعمال بخلافه كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً 471 وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا 472 وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ 473 وقال الشاعر:
623 - جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... هو إذ أتاك فلات حين مناص 474
ثم ها هنا أمر ينبه عليه 475: وهو أنه قد علم أن أصل الخبر أن يكون مفردا، وأن الجملة إذا وقعت خبرا فهي واقعة موقع المفرد ومؤولة به، حتى إنهم ذكروا أنك إذا قلت: زيد ضربته أن الجملة ليست مسندة إلى زيد بالأصالة، وإنما وقعت موقع المسند إلى زيد، والأصل: زيد مضروب لي، وإذا قلت: عمرو أكرمته فالأصل عمرو مكرم، ثم وضع ضربته موضع مضروب، وأكرمته موضع مكرم، فلما وقعت الجملة موقع المسند إلى المبتدأ قيل: إنها مسندة إليه، وهذا كلام مقبول؛ لكنهم عللوا ذلك بأن الفعل في نحو: زيد ضربته مسند إلى ضمير المتكلم، وقد استقل بالإسناد إليه الكلام، وحصلت منه الإفادة، ومن شرط المسند والمسند إليه أن يكون كل واحد منهما لا يستقل بالإفادة، وإنما تحصل الإفادة من إسناد أحدهما إلى الآخر، نحو:
زيد قائم وعمرو أخوك، قالوا: فعلى هذا ليس ضربته من زيد ضربته مسندا إلى زيد.
وفيما ذكروه نظر: لأن إسناد ضرب إلى التاء لا يمنع إسناد الجملة إلى ما هي خبر -
الحديث: 623 - الجزء: 2 - الصفحة: 972
................................
[1/ 352] عنه لاختلاف جهتي الإسناد، فالحق أن الجملة برمتها مسندة إلى ما وقعت خبرا عنه إسناد الخبر إلى مبتدأ به، نعم الموضع بالأصالة للمفرد، وهي واقعة موقعه ومؤولة به كما تقدم.
وإذا تقرر أن الجملة إذا أخبر بها عن مبتدأ كانت واقعة موقع المفرد - فاعلم أنهم إنما ذكروا ذلك بالنسبة للجملة الخبرية - وأما الجملة الطلبية كالأمر والنهي وما جرى مجراهما، فقالوا: إنها شبيهة بما وقع موقع المفرد يعني بالجملة الخبرية، وقدروا ذلك بأنك إذا قلت: زيد اضربه وعمرو لا تكرمه، فالفعل إنما هو مسند إلى ضمير المخاطب، والهاء مبنية على الفعل 476 ومعمولته ومتصلة به، قالوا: وليس معك مسند إلى المبتدأ، ولا يقال: الجملة كلها مسندة إلى المبتدأ لما تقدم من أن شرط المسند والمسند إليه ألا يفيد أحدهما إلا بصاحبه، ولا يجد المنشئ كلاما من الإتيان بهما بدّا، وأنت إذا قلت: اضرب من غير أن تأتي بمبتدأ كان كلاما مستقلّا، قالوا: ولا يقال هنا ما قيل في زيد ضربته؛ لأن ضربته في موضع مضروب، وكذلك أنا أضرب في موضع أنا ضارب، وكذلك أنت أكرمتك معناه أنت مكرم، ولا تجد في زيد اضربه لفظا مفردا إذا وضع موضعه أعطى معناه.
لكن قال ابن أبي الربيع: «الّذي يظهر لي في هذه المسألة 477 أنّ زيدا من قولك: زيد اضربه جاء مجيء زيد ضربته؛ لأن الأصل في زيد ضربته: ضربت زيدا؛ لكنّك قدّمت زيدا وأضمرته؛ ليكون في ذلك توكيد بذكر زيد مرتين.
وكذلك زيد اضربه، الأصل: اضرب زيدا، ثم قدموا زيدا، وشغلوا الفعل بضميره؛ ليكون زيد قد ذكر مرتين ظاهرا ومضمرا، فقد صار زيد في زيد اضربه بمنزلة زيد في زيد ضربته في أن كلّا منهما اسم تعرّى 478 عن العوامل اللفظية ضمّ إليه بعده ما يكون الأول به كلاما مؤكدا؛ فلما صار مثله ارتفع ارتفاعه وأعرب إعرابه».
قال: فجاء رفع زيد اضربه على هذا نائبا عن زيد ضربته، ولذلك ضعف الرّفع -
الجزء: 2 - الصفحة: 973
[روابط الخبر الجملة - جمل لا تحتاج إلى رابط]
قال ابن مالك: (وإن اتّحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضها، أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد استغنت عن العائد، وإلّا فلا).
في زيد اضربه، وقوي النصب، عكس زيد ضربته يعني في باب الاشتغال؛ لأن المشبه لا يقوى قوة المشبه به.
قال ناظر الجيش: لما كانت الجملة مفيدة 479 مستقلة بنفسها لزم أن يكون بينها وبين ما وقعت خبرا عنه ارتباط؛ ليعلم أنها خبر عن ذلك المبتدأ؛ إذ لو لم يكن ذلك وقلت:
زيد قام عمرو لكان قام عمرو كلاما مستقلّا، ولم يعلم تعلقه بزيد ولا ارتباطه به.
إذا عرف هذا فنقول: الجملة الواقعة خبرا إما أن تكون نفس المبتدأ فيكون ذلك كافيا في الربط، ولا يحتاج إلى شيء آخر، وإما ألا يكون كذلك فلا بد [1/ 353] لها من رابط يربطها بالمبتدأ، والرابط إما ضمير يعود على المبتدأ، أو ما يقوم مقام الضمير، والذي يقوم مقام الضمير أحد ثلاثة أشياء: إما إعادة المبتدأ بلفظه، وإما إشارة مشار به إلى المبتدأ، وإما عموم في الخبر يدخل تحته المبتدأ.
وقد اشتمل كلام المصنف على الأقسام كلها كما سأبينه، وأنا أذكر كلامه في الشرح أولا ثم أعود إلى البيان.
قال رحمه الله تعالى 480: «الجملة المتحدة بالمبتدأ معنى كلّ جملة مخبر بها عن مفرد يدل على جملة كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن والقصة، كقوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 481، وكقوله تعالى: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا 482 ومن الإخبار بجملة عن مفرد اتحدت به معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل ما قلته أنا والنّبيون من قبلي (قول) لا إله إلّا الله (محمّد رسول الله) 483» 484. -
الجزء: 2 - الصفحة: 974
................................
والجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ 485 في قراءة من رفع: ولباس التقوى 486 وكقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ 487 لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيحصل به ما كان يحصل بضميره مع تأكيد الاعتناء ومزيد الثناء.
ويكثر الاتحاد لفظا ومعنى تعظيما لأمر المحدث عنه أو المحدث به كقوله تعالى:
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ 488 فإن لم تتحد بالمبتدأ معنى الجملة ولا بعضها لم تستغن عن ضمير، وإلى هذا أشرت بقولي: وإلّا فلا» انتهى 489.
فعنى بقوله: إن اتّحدت بالمبتدأ معنى هي، ما الجملة فيه نفس المبتدأ هي، وبقوله: أو بعضها ثلاثة أشياء التي تقوم مقام الضمير:
وهي إعادة المبتدأ بلفظه، واسم الإشارة، والعموم الذي يدخل تحته المبتدأ.
ويدل على أنه أراد ذلك تمثيله بالثلاثة بعد قوله: والجملة المتّحدة بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها.
وبقوله: وإلّا فلا يعني وإلا تتحد بالمبتدأ معنى هي ولا بعضها فلا يستغني عن عائد ما يلزم فيه ذكر الضمير، فكان كلامه مع اختصاره مفيدا بمنطوقه جميع الصور إفادة صريحة.
غير أن في قوله في الشرح: لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا -
الجزء: 2 - الصفحة: 975
................................ الصلاة - بحثا وهو أن ظاهر هذا الكلام يقتضي ألا عموم في الخبر، وأن اللام في المصلحين للعهد؛ لأنه حكم بأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. والظاهر أن هذا منه - رحمه الله تعالى - تجوز في الكلام ويتعين أن يكون مراده ما ذكره غيره من العموم؛ لأننا لو جعلنا اللام في المصلحين للعهد لكان الربط بالمعنى، وسيبويه لا يجيزه، والمصنف تبع له في ذلك. وأما دخول إعادة المبتدأ بلفظه في كلامه فظاهر؛ لأنه يصدق عليه نحو: الْحَاقَّةُ 490 مَا الْحَاقَّةُ (1) أن بعض الجملة متحد بالمبتدأ معنى، وازداد الاتحاد بالموافقة للمبتدأ في اللفظ أيضا. واعلم أن ابن عصفور 491 ذكر في الذي يقوم مقام الضمير أمرا رابعا وهو: أن يقترن بالجملة جملة أخرى متضمنة لضمير عائد على المبتدأ معطوفة عليها بالفاء [1/ 354] كقوله: 624 - وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق 492
الحديث: 624 - الجزء: 2 - الصفحة: 976
................................
ومن ثم استدرك الشيخ على المصنف ذلك، والظاهر أن الذي ذكره ابن عصفور مدخول؛ لأن الكلام إنما هو فيما يقوم مقام الضمير.
ولا شك أن الرابط في البيت الذي أنشده ونحوه إنما هو الضمير لا شيء قائم مقامه؛ غاية الأمر أنه اكتفى في الجملتين بضمير واحد لتعاطفهما بالفاء، ثم إن هذا ليس أمرا يرجع إلى الخبر من حيث هو خبر، إنما يرجع إلى الفاء بدليل جريان مثل ذلك في بابي الصلة والصفة.
وقد ذكر المصنف هذه المسألة في موضعها الحقيق بها، فقال في باب المعطوف عطف النسق 493: «وتنفرد الفاء بكذا وبكذا وبتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمّن جملتين من صلة أو صفة أو خبر».
والذي فعله المصنف هو الحق.
ثم إنه رحمه الله تعالى ذكر مسألة أخرى مع المسائل التي يقوم فيها غير الضمير، وهي التي أشار إليها بقوله: أو قام بعضها مقام بعض مضاف إلى العائد وقد مثل كذلك بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ 494.
فقيل: التقدير يتربص أزواجهم.
فأقيم ضمير الأزواج مقام الأزواج المضافة إلى ضمير الذين، فحصل الربط بهذا المضمر الواقع مكان المظهر الذي هو أزواج، وأزواج متصل بضمير المبتدأ.
وهذا الذي ذكره المصنف في هذه الآية الشريفة هو رأي الأخفش والكسائي 495 قيل: ولكنه خلاف ما عليه الجمهور.
وحاصل الأمر في الآية الشريفة أقوال: أحدها: هذا القول، فاختاره المصنف.
وأما بقية الأقوال 496 فقيل: ثم مضاف محذوف معتدّ به.
التقدير: ونساء الذين يتوفون -
الجزء: 2 - الصفحة: 977
................................
منكم ويذرون أزواجا يتربصن، فيكون كالاعتداد بالمحذوف في قول حسان رضي الله عنه:
625 - يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل 497
يريد ماء بردى، وقيل: التقدير ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم 498 ثم ابتدأ يتربصن لتفسير المتلوّ، وقيل: التقدير يتربصن بعدهم، وقيل: التقدير أزواجهم يتربصن.
وإذ قد تلخص هذا الموضع وتبين معنى كلام المصنف، فأنا أورد ما أوردوه من ذكر الروابط المتفق عليها والمختلف فيها جملة كما أوردوه من غير تفسير، قالوا: الروابط المتفق عليها خمسة أشياء:
ضمير المبتدأ، وتكرار المبتدأ بلفظه، وأكثر ما يكون ذلك في مواضع التهويل والتفخيم وإشارة إلى المبتدأ والعموم نحو: زيد نعم الرجل، وقول القائل: - - أنه ترك الإخبار عن الذين، وأخبر عن الزوجات المتصل ذكرهن بالذين؛ لأن الحديث يعمهن في الاعتداد بالأشهر، فجاء الإخبار عما هو المقصود.
قال: وهو قول الفراء.
الحديث: 625 - الجزء: 2 - الصفحة: 978
................................ 626 - فأمّا القتال لا قتال لديكم... ولكنّ سيرا في عراض المواكب 499 وقول الآخر: 627 - ألا ليت شعري هل إلى أم معمر... سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا 500
الحديث: 626 - الجزء: 2 - الصفحة: 979
................................
وعطف جملة بالفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية منها هي خبر المبتدأ نحو:
628 - وإنسان عيني......... البيت
ونحو:
629 - إنّ الخليط أجدّ البين فانفرقا... [وعلّق القلب من أسماء ما علقا] 501
في رواية من رفع البين.
والروابط المختلف فيه أربعة وهي تكرار المبتدأ بمعناه لا بلفظه نحو: زيد جاء أبو بكر؛ إذ كان أبو بكر [1/ 355] كنية لزيد، فهذا نص سيبويه على منعه، وأجاز ذلك الأخفش وتبعه ابن خروف 502.
وعطف جملة بالواو مكان الفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية من الضمير وقعت خبرا نحو: الخيل جاء زيد وركبها أجاز ذلك هشام ومنعه الجمهور 503 ووقوع المضمر مكان مظهره الذي اتصل به الذكر العائد على المخبر عنه نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ 504. -
الحديث: 628 - الجزء: 2 - الصفحة: 980
................................
وقد تقدم الكلام على هذه الآية الشريفة، وأن هذا القول هو قول الأخفش والكسائي، وأنه ربط بالمعنى والربط بالمعنى لا ينقاس، ولذلك لما قالت العرب:
مررت برجل حسن أبواه جميلين، وربط الصفة التي هي جميلين بالموصوف الذي هو الرجل الضمير المستتر فيها، وهو عائد على الأبوين لا على الموصوف؛ لكون ذلك الضمير يفيد ما يفيده قولك: جميل أبواه - لم يجز النحويون قياسا عليه أن يقال: مررت برجل حسنين جميل أبواه على إعمال الصفة الثانية والإضمار في الصفة الأولى.
وقيل: الضمير العائد على الأبوين من الصفة الأولى رابط للموصوف كما جعل في الصفة الثانية من قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين؛ لأن الربط بالمعنى إنما سمع عن العرب في الصفة الثانية لا في الأولى، فلم يتعد به موضع السماع.
ولذلك أجاز سيبويه 505 أن تقول: مررت برجل عاقلة أمّه لبيبة على أن تجعل اللبيبة مضمر فيها الأم.
ووقوع المضمر عائدا على المبتدأ مبدلا من بعض ما في الجملة الموضوعة موضع خبره مثاله: حسن الجارية أعجبتني هو، فحسن مبتدأ والجملة بعده خبر ولا رابط فيه، لكنه ربط بالبدل الذي هو هو 506 إذ هو بدل من ضمير الجارية، وفي الربط بهذا خلاف مذكور في باب البدل 507.
الجزء: 2 - الصفحة: 981
[حكم الضمير الرابط من جواز حذفه أو بقائه]
قال ابن مالك: (وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو صفة، أو جرّ بحرف تبعيض أو ظرفيّة، أو بمسبوق مماثل لفظا ومعمولا، أو بإضافة اسم فاعل، وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخصّ جوازه بالشّعر خلافا للكوفيين).
قال ناظر الجيش: حاصل ما تضمنه كلام المصنف أن الضمير العائد على المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا عنه - إما مرفوع أو منصوب أو مجرور.
أما المرفوع: فلا يحذف أصلا، ويدل على ذلك أنه طوى ذكره، فيكون واجب الذكر على الأصل.
أما المنصوب: فلا يجوز حذفه إن كان منصوبا بحرف.
وإن كان منصوبا بفعل أو وصف جاز حذفه لكنه قليل.
وأما المجرور: فإن كان بحرف جار جاز حذفه في ثلاثة مواضع، وإن كان بإضافة جاز إن كانت الإضافة لفظية 508.
واعلم أن النحاة ذكروا أن حذف العائد من جملة الصلة كثير، ومن جملة الصفة قليل، ومن جملة الخبر أقل، وقد تعرض [1/ 356] المصنف لذلك في باب النعت، فقال: «وحكم عائد المنعوت بها أي بالجملة حكم عائد الواقعة صلة
أو خبرا؛ لكنّ الحذف من الخبر قليل، ومن الصّفة كثير، ومن الصّلة أكثر» انتهى 509.
وكأنهم جعلوا الصفة لقربها من الصلة بين المرتبتين، فكان الحذف من الصفة أكثر من الحذف من الخبر.
واعلم أن ظاهر كلام المصنف في هذا الموضع مخالف لكلام غيره من المغاربة؛ فإنهم ذكروا أن المنصوب لا يحذف إلا في الشعر، وأن المجرور بالإضافة لا يحذف مطلقا، وأن المخفوض بحرف يجوز حذفه نحو: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه، إلا أن -
الجزء: 2 - الصفحة: 982
................................ يؤدي الحذف إلى تهيئة العامل للعمل والقطع عنه، فلا يجوز نحو زيد مررت 510. وحاصل الأمر: أن الاتفاق بين المصنف وغيره واقع على جواز الحذف في نحو: السمن منوان بدرهم، والبرّ قفيزان بدرهم، وهو ما لم يكن فيه تهيئة العامل للعمل والقطع عنه، فهم قد نصوا على عدم جواز الحذف فيه إلّا في الشعر، والمصنف لم يقصد جواز الحذف على ذلك، بل أجازه في الكلام أيضا، ولكنه حكم بقلته حيث قال: وقد يحذف إن علم ونصب... إلخ. والظاهر أن الحق في ذلك مع المصنف؛ لأن عمدته فيما أورده السماع الذي سنورده. وقد ذكر سيبويه 511 أن الضمير لا يحذف من خبر المبتدأ إلا في الشعر أو في قليل 512 من الكلام. وفسر الناس كلامه بأنه إنما أراد أن ذلك قليل حيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه، فظهر بذلك أن الذي ذكره المصنف موافق لما ذكره سيبويه، وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب وتمثيل المسائل. فمثال المنصوب بفعل قولك: زيد ضربت، وشاهده قول الراجز: 630 - ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا... فأخزى الله رابعة تعود 513
الحديث: 630 - الجزء: 2 - الصفحة: 983
................................
أي قتلتهن.
وأما المنصوب بوصف فأنشد المصنف شاهدا عليه قول الراجز:
631 - غنيّ نفس العفاف المغني... والخائف الإملاق لا يستغني 514
التقدير: العفاف المغنيه أي الذي يغنيه هو غنى نفس.
فالعفاف مبتدأ والمغني مبتدأ ثان وخبره غني نفس، وفي المغني ضميران أحدهما عائد على العفاف، وهو الفاعل باسم الفاعل، والآخر ضمير نصب، وهو المحذوف العائد على أل، والمغني وصف جرى على غير من هو له، ولم يبرز الضمير، ولو برز لقال: المغنيه هو، ومعنى هذا الكلام الذي يغنيه العفاف غني نفس.
قال الشيخ 515: «ويحتمل وجها آخر من الإعراب وهو أظهر وأقلّ تكلّفا»:
وهو أن يكون غنيّ نفس مبتدأ، وسوغ الابتداء به وإن كان نكرة كونه متخصّصا بالإضافة، أو كونه نعتا لمنعوت أي إنسان غني نفس، والعفاف مبتدأ ثان، وخبره المغني وهو وصف جار على من هو له؛ إذ هو خبر عن العفاف، والجملة من قوله: العفاف المغني في موضع خبر [1/ 357] المبتدأ الذي هو غني - - ومعنى البيت: يجوز أن يريد ثلاث نسوة تزوجتهن فقتلتهن، وأن مصير الرابعة سيكون مصيرهن، أو يريد أنهن هوينه فقتلهن هواه.
والشاهد فيه قوله: ثلاث كلهن قتلت، حيث حذف الرابط، وهو الضمير المنصوب العائد على المبتدأ، وأصله قتلتهن.
والبيت في: شرح التسهيل (1/ 311) وفي التذييل والتكميل (4/ 37) وفي معجم الشواهد (ص 107).
الحديث: 631 - الجزء: 2 - الصفحة: 984
................................
نفس، والعائد من الجملة محذوف وهو الضّمير المنصوب؛ إذ التقدير: المغنيه، والمعنى غنيّ النّفس العفاف يغنيه».
انتهى.
وإنما حكم في الوجه الأول بأن المغني وصف جرى على غير من هو له؛ لأن أل فيه موصولة ومدلولها الذي يغنيه العفاف، فمدلولها المغني بالعفاف والواقع صلة له وهو مغني هو العفاف نفسه، فاختلفا.
ومثال المجرور بحرف تبعيض قولهم: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه، فمنوان مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به هذا الوصف المحذوف وهو منه، وبدرهم خبره، والجملة خبر عن السمن، والعائد هو منه المحذوف، وهو ضمير مجرور بمن وهو حرف تبعيض.
ومثال الظرفية قول الشاعر:
632 - فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسرّ 516
أي: نساء فيه ونسر فيه.
ومثال ما جر بمسبوق مماثل لفظا ومعمولا قول الشاعر:
633 - أصخ فالّذي توصي به أنت مفلح... فلا تك إلّا في الفلاح منافسا 517
أراد: أنت مفلح به، فحذف به لأنه مسبوق بمماثل لفظا ومعمولا، وهو نظير قوله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ 518. -
الحديث: 632 - الجزء: 2 - الصفحة: 985
................................
أي نسارع لهم به.
ومثال ما جر بإضافة اسم فاعل قول الشاعر:
634 - سبل المعالي بنو الأعلين سالكة... والإرث أجدر من يحظى به الولد 519
أي سالكتها وأنت سالكه، وكان القياس سالكون؛ لأن بني مؤنث نحو قالت بنو عامر.
ثم إن المصنف أشار بقوله: وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ - إلى قراءة ابن عامر وكل وعد الله الحسنى 520 أي وعده 521.
وعلى ذلك قول أبي النجم:
635 - قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع 522
أي لم أصنعه.
-
الحديث: 634 - الجزء: 2 - الصفحة: 986
................................
وأشار بقوله: أو شبهه في العموم والافتقار يعني إلى متمم إلى نحو: أيّهم يسألني على جعل أي موصولة، وإلى نحو آمر بخير ولو كان صبيّا أطيع.
وأشار بقوله: ويضعف إن كان غير ذلك إلى أن المبتدأ إذا كان غير كل وغير ما يشبهه في العموم والافتقار يضعف حذف عائده، فأفاد قوله أولا: وقد يحذف إلى أن الحذف قليل، وأفاد قوله هنا: بإجماع، ويضعف، أن القليل منه ما هو قوي وهو ما كان المبتدأ فيه كلّا، ومنه ما هو ضعيف، وهو ما كان المبتدأ فيه غير كل، فهذا الكلام الثاني تفصيل لما أجمل أوّلا.
ثم قال: ولا يخصّ جوازه بالشّعر خلافا للكوفيّين أي جواز الحذف، بل يجوز في الكلام على مثله كما تقدم.
قال المصنف 523: فلو كان المبتدأ غير كل والضمير مفعول به لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار ويرونه ضعيفا، ومنه قراءة السلمي (أفحكم الجاهلية يبغون) 524 ومثل هذه القراءة قول الشاعر:
636 - وخالد يحمد أصحابه... بالحقّ لا يحمد بالباطل 525
[1/ 358] هكذا رواه ابن الأنباري برفع خالد وأصحابه.
انتهى 526. -
الحديث: 636 - الجزء: 2 - الصفحة: 987
................................
وذكر أن البصريين هم الذين يجيزون الحذف في الاختيار، وأن الكوفيين لا يجيزونه إلا في الاضطرار، وكلام ابن عصفور يقتضي عكس ذلك.
وقد تقدم النقل عن سيبويه أنه يجيز الحذف في الشعر وفي قليل من الكلام.
فالظاهر أن الذي ذكره المصنف من إجازة البصريين ذلك في الكلام هو النقل الصحيح، وفي تقييد المصنف جواز الحذف في قوله: إن علم فالظاهر أنه أراد بذلك أن يكون على حذفه دليل، فعلى هذا لو قيل: زيد ضربت في داره وأريد زيد ضربته في داره لم يجز؛ إذ لا دليل يدل على الضمير لو حذف؛ لأن الربط قد حصل بغيره فجاز ألا يكون هو موجودا في أصل التركيب، وقد ذكر ابن عصفور ذلك في شرح المقرب 527.
ثم قد بقي الكلام في أمور:
الأول:
لما تكلم ابن أبي الربيع على حذف الضمير من جملة الخبر، وأن ذلك قليل إن أدى إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، قال 528: وعلى حسب قوة التهيؤ وضعفه يكون القبح، فإذا كان العامل متقدّما كان التهيؤ قويّا، فلا يجوز في الشعر ولا في غيره.
وإذا كان العامل متأخّرا كان التهيؤ ضعيفا، فهذا يجوز في الشّعر وفي قليل من الكلام وذلك نحو: زيد ضربته، فإنك إذا حذفت الضمير فقلت: زيد ضربت كان الفعل متهيئا للعمل في زيد لعدم اشتغاله بالضمير وجواز عمل العامل فيه مؤخرا، فلم يجز إلّا في الشّعر وفي قليل من الكلام، وجاز لأنه وإن كان العامل ممّا يصح أن يعمل في الاسم، فقد ضعف عن عمله فيه بتأخّره عنه، وإن قلت: ضربته زيد لم يجز حذف الضمير بوجه لا في الشعر ولا في غيره؛ لأن العامل مقدم، فالذي جاز في زيد ضربت على ضعفه معدوم في ضربت زيد، ثم قال: -
الجزء: 2 - الصفحة: 988
................................ فإن قلت: زيد إن أكرمت أكرمتك تريد إن أكرمته أكرمتك كان قبحه دون قبح زيد ضربت؛ لأنّه وإن أشبهه من جهة أن زيدا بعده فعل وفاعل هو متعلقه من جهة المعنى، لكنه لا يصحّ أن يعمل فيه العامل الذي بعد الفعل لأجل حرف الشّرط». الأمر الثاني: قد عرفت قول المصنف: وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ أو شبهه في العموم والافتقار، وتمثيل ذلك بقراءة ابن عامر: وكل وعد الله الحسنى 529 وبما تقدم ذكره. لكن قال ابن عصفور بعد التمثيل بهذه الآية الشريفة: وحكمه بأنّ ذلك يحفظ ولا يقاس عليه 530. وقوله: فإن جاء شيء منه في الشعر فضرورة، وإنشاده: وخالد يحمد أصحابه - هذا مذهب البصريين. وزعم الفراء ومن أخذ بمذهبه من الكوفيين أن حذفه جائز في الكلام إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو كلا أو كلّا، وإن أدى حذفه إلى التهيئة والقطع، فأجاز أن يقال: أيهم ضربت؟ برفع أي [1/ 359] تريد: أيهم ضربته. ومما جاء من ذلك في كلا قوله: 637 - أرجزا تطلب أم قريضا... أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجد مستريضا 531
الحديث: 637 - الجزء: 2 - الصفحة: 989
................................
يريد: أجده مستريضا.
قال 532: «وإنما جاز ذلك مع هذه الأسماء خاصة؛ لأن اسم الاستفهام من أسماء الصّدور، ولا يجوز أن يتقدم ما بعده عليه فأشبه بذلك الموصول، ألا ترى أن الموصول لا تتقدم صلته عليه؟».
وكما جاز الحذف من الصلة جاز الحذف من الجملة الواقعة خبرا لاسم استفهام، وكذلك كل وكلا إذا أخبر عنهما يدخل في الكلام معنى ما، وما من أدوات الصدور، فإذا قلت: كل القوم ضربته فالمعنى: ما من القوم إلا من ضربته، وكذا كلا الرجلين ضربته المعنى: ما من الرجلين إلا من ضربته.
واستدل على أن الكلام يدخله معنى ما بقول الشاعر:
638 - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته... كعين الكذوب جهدها واحتفاؤها 533
-
- ومناسبتها أن عمر كتب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن يستنشد الشعراء عنده ما قالوه في الإسلام، فلما سأل الأغلب قال له هذا الرجز.
اللغة: القريض: الشعر من غير الرجز.
التعريض: ضد التصريح.
أجد: من الوجود، وروي في مكانه: أجيد من الإجادة وهي الإتقان.
مستريضا: واسعا ممكنا.
ومعناه بعد ذلك واضح.
وشاهده قوله: كلاهما أجد حيث حذف العائد وهو مفعول أجد، والمبتدأ لفظ كلا، وهو جائز عند الفراء والكوفيين كما ذكر في الشرح.
والبيت في التذييل والتكميل (4/ 43) وفي معجم الشواهد (ص 492).
- ومناسبتها أن عمر كتب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن يستنشد الشعراء عنده ما قالوه في الإسلام، فلما سأل الأغلب قال له هذا الرجز.
الحديث: 638 - الجزء: 2 - الصفحة: 990
................................
فإدخالهم إلّا على خبر كل دليل على أن المعنى ما منهم إلا من وجدته، فلما دخل الكلام معنى ما - وهي من الأدوات التي لا يتقدم ما بعدها عليها - أشبهت لذلك الموصول؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، فساغ حذف الضمير لذلك.
ثم قال ابن عصفور: «والأصح مذهب البصريين، وفرق بين الصلة والخبر بأن الحذف منهما لا يؤدي إلى التهيئة
والقطع؛ إذ الصلة لا تعمل في الموصول، وليس كذلك أسماء الاستفهام وكلّ وكلا؛ لأن ما بعد هذه الأسماء يجوز أن يعمل فيها، وأيضا فالصلة والموصول كالشيء الواحد، فطال بذلك الموصول بصلته، والطول موجب للتخفيف بالحذف، وليست هذه الأسماء مع أخبارها كذلك».
انتهى كلام ابن عصفور 534.
وقد انتقد الشيخ على المصنف دعوى الإجماع في هذه المسألة، وقال كما قال ابن عصفور: إن هذا ليس مذهب البصريين 535.
والعجب من الشيخ؛ كيف وافق ابن عصفور على ما ذكر بعد ثبوت هذه القراءة المتواترة التي لا محيص عنها ولا بد من الاعتراف بها 536 وليس بعد الحق إلا الضلال.
ودعوى المصنف الإجماع في هذه المسألة لا ينكر؛ لأن هذه القراءة ثابتة بالإجماع، وليس لها محمل غير ما ذكره المصنف، فلا يمكن أن يدفع ذلك بصري ولا كوفي.
وإذا كان كذلك فقد صدق أن الضمير حذف من الجملة الواقعة خبر كل بإجماع، يعني أن أحدا لا يسعه المخالفة في ذلك.
أما كون ذلك قليلا أو غير قليل فشيء آخر لم يتعرض المصنف إليه، وكيف يجوز أن يقال: هذا مذهب قال به طائفة مع الثبوت الذي لا محيد عنه.
الأمر الثالث:
انتقد الشيخ كلام المصنف في المتن والشرح من وجوه: أحدها: ما تقدمت -
الجزء: 2 - الصفحة: 991
................................
الإشارة إليه، وقد عرفت ما فيه 537.
ومنها: أنه قال: «إن المنصوب قد يحذف، قال 538: وذلك لا يجوز عند البصريين إلّا في الشعر».
قلت: وقد تقدم أن البصريين [1/ 360] يجيزون ذلك في الكلام؛ لكنهم يحكمون بقلته، وتقدم النقل عن سيبويه بأنه يجيزه في قليل
من الكلام 539.
ومنها: «أنه إذا جر العائد بحرف تبعيض فقد يحذف، قال: وليس كما ذكر إذ لا يجوز الحذف في نحو: الرغيف أكلت منه مع أنه حرف تبعيض لما يؤدي إليه الحذف من التهيئة والقطع» 540.
قلت: الحذف عند المصنف في نحو: زيد أكرمت - جائز وإن حكم بقلته، وقد تقدم أن سيبويه يجيزه أيضا، وتقدم قبل ذلك كلام ابن أبي الربيع وهو الصحيح.
ولا شك أن في نحو: زيد أكرمت التهيئة والقطع، فكما جاز ذلك هنا جاز في:
الرغيف أكلت إذا دل دليل على المحذوف.
أما إذا لم يدل دليل فلا يجوز لما يؤدي إليه من اللبس، وذلك لتوهم أن يكون أصل الكلام: الرغيف أكلته، ثم حذفت الهاء المفعولة.
ومنها: أنه إذا كان منجرّا باسم الفاعل فإنه ذكر أنه يحذف، قال: وذلك لا يجوز عند أصحابنا 541. -
الجزء: 2 - الصفحة: 992
[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك]
قال ابن مالك: (ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ تامّ معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء، لا لفعله ولا للمبتدأ ولا للمخالفة؛ خلافا لزاعمي ذلك، وما يعزى للظرف من خبريّة وعمل فالأصحّ كونه لعامله، وربّما اجتمعا لفظا).
قلت: قد استدل ابن مالك على جواز ذلك بما تقدم ذكره، ومن حفظ كلامه حجة على من لم يحفظ 542.
قال ناظر الجيش: قد عرف أن الخبر قسمان 543 وهذا هو المعمول عليه، وهو قول الجمهور؛ فعلى هذا لا يعد الظرف المخبر به قسما ثالثا، بل يحكم بأنه داخل في أحد القسمين: إما المفرد إن قدرت عامله اسما، وإما الجملة إن قدرت عامله فعلا.
ونقل عن ابن السراج أنه يجعله قسما برأسه 544 ليس من قبيل المفرد، ولا من قبيل الجملة.
ولا يعلق الظرف بشيء محذوف، واستدل على ذلك بقول المعرب: إنّ أمامك بكرا وإنّ في الدّار زيدا، قال: فلو كان الظّرف بمنزلة مستقرّا واستقر لم يجز تقديمه على اسم إن، كما لم يجز تقديم مستقر أو استقر عليه.
- - وما تقدم ذكره هو بيت من الشعر أيضا هو قوله: سبل المعالي بنو الأعلين سالكة.
ولم يأت ابن مالك بشيء من النثر يدل على جواز الحذف، ولذا فإن نقد أبي حيان لابن مالك يظل قائما، ويبقى دفاع ناظر الجيش عن صاحبه ناقصا.
والحق أن ذلك جائز، قال السيوطي في الهمع (1/ 97): يجوز حذف المجرور إذا كان أصله النصب بأن كان المضاف اسم فاعل نحو: زيد أنا ضارب أي ضاربه، بخلاف غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 993
................................ وقد رد هذا الاستدلال بأن العامل في الظرف وشبهه لا يقدر متقدما عليهما، بل يقدر بعد الاسم. قالوا: ولذلك لم يجز في الدّار نفسه زيد، ولا فيها أجمعون قومك 545؛ لأن التوكيد لا يقدم على المؤكد 546. وجاز إن في الدار زيدا؛ لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة، إنما هو متعلق الخبر، والخبر مقدر في موضعه، ولذلك عدل سيبويه 547 في نحو: 639 - لميّة موحشا طلل... [يلوح كأنّه خلل] 548
الحديث: 639 - الجزء: 2 - الصفحة: 994
................................
إلى أن جعل موحشا حالا من النكرة، ولم يجعلها حالا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخر في النية وهو العامل في الحال وهو معنوي، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي.
هكذا قرروا هذا البحث في: لمية موحشا طلل، وهو حسن؛ إلا أنه ينخدش بشيء: وهو أن العمل هل ينسب إلى الظرف أو إلى [1/ 361] ما يتعلق به الظرف؟.
إن قلنا: إن العمل لذلك المحذوف تم البحث المذكور، وإن قلنا: إن العمل صار ينسب إلى الظرف نفسه؛ فلا يتم لأن الحال لم يتقدم حينئذ على العامل المعنوي.
واعلم أن النحاة يطلقون الظرف على الجار والمجرور؛ لأنه يجري مجرى الظرف في تعلقه بالاستقرار، وحكم مجروره حكم الظرف إن كان مكانا جاز أن يكون الجار والمجرور خبرا عن الجثة، وإن كان المجرور زمانا لم يقع خبرا إلا عن الحدث إلا ما استثني، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فلا جرم أننا نستغني بذكر الظرف عن الجار والمجرور.
وإذ قد تقرر هذا فأنا أورد كلام المصنف برمته في شرح هذا الموضع أولا، ثم أتبعه بما يتعلق به من المباحث.
قال رحمه الله تعالى 549: ذهب الكوفيون إلى أن الظرف من نحو: زيد خلفك منصوب بمخالفته، حكاه ابن كيسان والسيرافيّ 550، وهذا القول فاسد من أربعة أوجه: - - الشاهد فيه: نصب موحشا على الحال، وكان أصله أن يكون صفة لطلل، فلما قدم على الموصوف صار حالا، وعلى ذلك استشهد سيبويه بالبيت (الكتاب: 2/ 122، 123) والبيت في معجم الشواهد (ص 296).
الجزء: 2 - الصفحة: 995
................................
أحدها: أن تخالف المتباينين في معنى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح
من غير مرجح.
الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم يعمل فيها بإجماع نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، وهُمْ دَرَجاتٌ 551 فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها؛ لتحقق المخالفة فيها.
الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص.
هذا إذا كان العامل لفظا مع أنه أقوى من المعنى؛ فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.
الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم؛ فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق، فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون.
وذهب ابن خروف 552 إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت 553: «فانتصبت لأنّها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها كما أنّ العلم إذا قلت: أنت الرّجل علما - عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدّرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما».
ثم قال سيبويه: فالمكان هو خلفك.
ثم أردفه بنظائر، وقال: «فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل في ما بعده نحو العشرين، وهو خير منك عملا، فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والّذي هو في موضع خبره، كما أنّك إذا قلت: عبد الله -
الجزء: 2 - الصفحة: 996
................................
أخوك، فالآخر رفع الأول وعمل فيه، وبه استغنى الكلام وهو منفصل منه».
هذا نصه 554 [1/ 362] وهو يحتمل أربعة أوجه 555:
أحدها: كون الظّرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه لقوله:
فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل، فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه، وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به.
ولأن الحصول لو عمل في الظرف الصرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي 556، كالكيس والكوز، فكان يقال: المال الكيس والماء الكوز بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل؛ لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى فغيره بعدم العمل أولى.
والوجه الثاني: كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبويه بقوله في الباب المذكور: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة؛ لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: زيد خلفك فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول فسيبويه بريء ممن عول عليه وجنح إليه؛ لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت:
وعمل فيها ما قبلها.
وهذه العبارة لا يصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرفية، والمخالفة بخلاف ذلك، فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين.
والوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى 557. ولو قصد ذلك سيبويه نصّا لم يعول عليه؛ لأنه يبطل من سبعة أوجه 558: -
الجزء: 2 - الصفحة: 997
................................
أحدها: أنه قول مخالف لأقوال البصريين والكوفيين مع عدم دليل فوجب اطّراحه.
الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.
الثالث: من مبطلات قول ابن خروف أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.
الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثم لم يكن كلام نحو: زيد قام عمرو حتى يقال إليه أو نحو ذلك.
الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عند تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر 559.
السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك - نظير المصدر نحو: ما أنت إلا سيرا في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقا للنظير بالنظير.
السابع: أن عامل [1/ 363] النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنّا لا يكون إلا فعلا أو شبهه، أو يشبه شبهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به 560.
الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه، وهو الصحيح: أنه ينتصب الظرف المذكور بمستقر أو استقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه؛ لأنه قال: قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله.
فما قبلها: يحتمل أنه يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير، وهو مستقر أو استقر أو شبههما؛ إلا أن الاحتمال الأول -
الجزء: 2 - الصفحة: 998
................................
يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها.
والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ؛ فإن ذلك أليق بالنظير وأوفق بالتقدير.
وكذلك قوله: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ ويحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه، وهو الأولى لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السابقة.
ويؤيد ذلك أيضا قوله: وهو غيره أي ما هو عامل في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين المبتدأ والظرف مقدرا وهو خبر المبتدأ وعامل في الظرف، وأنه غير المبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ والهاء من غيره إلى الظرف؛ لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف؛ فإن الحاجة داعية إليه، ويتأيد ذلك أيضا بقوله: وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو خير منك عملا؛ فإن في صار ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعلت نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عمل، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ، بل الخبر المقدر؛ لأن خيرا من قوله: خير عملا خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظير الخبر أولى من جعله نظير المبتدأ.
ثم قال: فصار زيد خلفك بمنزلة ذاك، أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر؛ لأنه يدل عليه ويجعله في الذهن مشارا إليه 561.
ثم قال 562: والعامل في خلف الّذي هو في موضعه أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين؛ فإنه الخبر في الحقيقة، والظرف في موضعه؛ لأنه عمدة والظرف فضلة.
ثم قال: والّذي هو في موضع خبره يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق؛ فإن الظرف إذا علق بفعل، فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي وهو -
الجزء: 2 - الصفحة: 999
................................
اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف [1/ 364] باسم فاعل وبفعل.
ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو؛ حيث لا تصلح الجمعية كقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 563.
ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية كقول الشاعر:
640 - [قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم]... ما بين ملجم مهره أو سافع 564
ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أمور 565:
أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد كقول الشاعر:
641 - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن 566
ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه 567 أشرت بقولي: وربّما اجتمعا لفظا.
-
الحديث: 640 - الجزء: 2 - الصفحة: 1000
................................
الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقدير، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني.
الثالث: أن كل موضع يقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل نحو:
أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد؛ لأن أما وإذا المفاجئة لا يليهما فعل.
الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل وقد أمكن، فلا عدول عنه.
فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: معمولا في الأجود لاسم فاعل كون مطلق؛ وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء.
وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة 568.
ورجح بعضهم تقدير الفعل 569 بأنه متعين في وصل الموصول، وهذا ليس بشيء؛ لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني عنه المفرد؛ بل إذا وقع فيه مفرد تؤول بجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تؤولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر.
ونبهت بقولي: لاسم فاعل كون مطلق على أن اسم فاعل كون مقيد كمعتكف وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان.
والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، والظاهر من قول السيرافي 570. وتسميته خبرا في الحقيقة 571 غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز، وللكلام في هذا مواضع يأتي -
الجزء: 2 - الصفحة: 1001
................................
ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها من بعض.
والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف.
وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو: زيد عنك وعمرو بك، فلا بد نحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق؛ فإن فهم المراد
بدليل جاز الحذف نحو قولك: أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخاله أي بخاله مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه.
وحرف الجر التام ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره نحو: الْحَمْدُ لِلَّهِ 572، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ 573 [1/ 365] ومَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ 574 انتهى 575 كلام المصنف رحمه الله تعالى.
ويتعلق في هذا الموضع أبحاث:
الأول:
قد عرف أن الظرف الواقع خبرا معمول لشيء، وإن العامل فيه إما المبتدأ نفسه، وإما المخالفة، وإما شيء مقدر هو الخبر في الحقيقة، ثم منهم من يقول: المقدر اسم، ومنهم من يقول: المقدر فعل.
فأما القول الأول 576 فهو لابن خروف وادعى أنه مذهب سيبويه، وقد رد قول ابن خروف في هذه المسألة، وأول الناس كلام سيبويه رحمه الله تعالى.
فأما المصنف فقد عرفت ما ذكره وما أول به كلام سيبويه.
وأما غيره فقال السيرافي: لا أعلم خلافا بين البصريين أنك إذا قلت: زيد خلفك، وكذلك سائر ما يجعل الظرف خبرا له أنه منصوب بتقدير فعل هو استقر أو وقع أو حدث أو كان أو نحو ذلك، فوجب تأويل كلام سيبويه.
قال ابن عمرون: «والذي يدفع عن سيبويه ما توهّمه ابن خروف قول سيبويه في بعض أبواب الكتاب 577: وإنما ينتصب خلفك بالذي فيه، قال: ومعلوم أن الّذي -
الجزء: 2 - الصفحة: 1002
................................
فيه هو استقر أو مستقر ثم قال: والعجب منه - يعني من ابن خروف - وهو يرفع الظّاهر بالظرف إذا كان عامل الظرف المبتدأ، فمن أين للظرف أن يرفع ولم ينب عن عامل، وفي هذا خرم للقاعدة، فوجب الكفّ عنه» انتهى.
وأما القول الثاني 578 وهو قول الكوفيين، فقد تقدم ذكر الأوجه الدالة على بطلانه.
وأما القول الثالث بأن العامل شيء مقدر، وأن ذلك المقدر فعل - فقد تقدم أنه رأي أبي علي الفارسي والزمخشري.
وأما القول الرابع بأن العامل مقدر كما تقدم، لكن المقدر اسم - فقد ذكر المصنف أنه مذهب الأخفش، وأن كلام سيبويه يعطي ذلك، ويومئ إليه وتقدم استدلال المصنف على أن تقدير اسم الفاعل أولى.
وقد ذكر ابن عمرون ما ذكره المصنف عن بعضهم من أن تقدير الفعل متعين في صلة الموصول إذا كانت ظرفا، وأجاب بمعنى ما أجاب به المصنف من الفرق بين بابي الصلة والخبر، ثم قال:
«هذا الفرق ملغي بوقوع الظّرف صفة، ويصح أن يوصف بالمفرد والجملة، والمفرد هو الأصل.
وإلا لم يكن للجملة إذا كانت صفة موضع من الإعراب، ومع ذلك قدّرنا الفعل بدليل جواز دخول الفاء إذا كان المبتدأ نكرة موصوفة بالظرف أو شبهه نحو: كل رجل عندك أو في الدّار فله درهم، ولا يصح دخول الفاء إذا كانت الصفة مفردة على الأصح».
ثم أجاب عن ذلك بأن قال: «ما ذكرت وإن دلّ فهو معارض بصحّة وقوع الظّرف وشبهه بين أمّا وفائها نحو: أما في الدار فزيد، ولا يفصل بينهما بجملة، فوجب تقدير المفرد».
البحث الثاني:
قيد المصنف حرف الجر الواقع مع مجروره خبرا بكونه تامّا، فأفهم ذلك أن الناقص لا يغني، والناقص: ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو:
زيد عنك وعمرو بك.
والتام: ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره كما تقدم، -
الجزء: 2 - الصفحة: 1003
................................
والضابط [1/ 366] في ذلك كما ذكره ابن عصفور 579: «وهو أن حرف الجرّ إذا كان له معنى خاصّ يغلب استعماله فيه كان تامّا؛ لأنه بمجرّد ذكره وإدراك معناه يفهم ما تعلق به من الحدث، وإذا كان له معنى عام صالح مع كل شيء على السواء، وليس هو في أحد المعاني أظهر من الآخر كان ناقصا.
فالتّامّ: نحو زيد في الدار، التقدير: زيد مستقر: في الدار؛ لأن في للوعاء، فمعناها موافق للاستقرار، ومن ثم اشترط أن يكون ما تعلّق به حرف الجر المذكور كونا مطلقا كالاستقرار والحصول والكون ونحوها.
فلو كان كونا
خاصّا بأن تريد بقولك: زيد في الدّار، زيد ضاحك، أو جالس في الدّار - لم يجز الحذف بل لا بدّ من ذكره؛ لأنه لا يعلم من في أنّ المحذوف ضاحك مثلا كما يعلم منها الاستقرار، ولذلك جاز أن تقول: زيد لك إذا أردت أنه مملوك لك أو مستحق لك؛ لأن الملك والاستحقاق مفهوم من اللام.
ولو قلت: زيد لك وأردت أنه محب لك لم يجز؛ لأنّ ذلك لا يفهم من اللّام.
ولما كان كل ظرف على تقدير في لزم أن متعلق الظرف أبدا الاستقرار، فلذلك يجوز أن تقول: زيد خلفك إذا أردت أنه يستقر خلفك، ولو أردت أنه ضاحك أو كاتب لم يجز إلا أن تأتي بذلك الحدث».
«وأما الناقص: فنحو زيد بك، وهذا لا يجوز أن يكون خبرا؛ لأنه لا يعلم هل المراد زيد واثق بك، أو مسرور بك أو غير ذلك؛ لأن الباء معناها الإلصاق فهي صالحة مع كلّ محذوف؛ لأنها تلصقه بالمجرور، ومن ثم امتنع الإخبار بالزمان عن العين، فلا يقال: زيد اليوم؛ لأن التقدير مستقر اليوم، وليس في الإخبار بذلك فائدة، فإن كلّ موجود يكون اليوم زمنا له» 580.
البحث الثالث:
قد أفاد المصنف بقوله: ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ أن الذي تعلق به الظرف أو حرف الجر لا يجوز ذكره، ولهذا يقول المعربون: إذا وقع الخبر ظرفا أو مجرورا تعلق بمحذوف لا يجوز ذكره.
وكأن الموجب لذلك طلب الاختصار -
الجزء: 2 - الصفحة: 1004
................................
وسهولة الكلام بحذف ما لا فائدة لذكره مع وجود ما دل عليه وسد مسده؛ إذ من المعلوم ضرورة إذا قلت: زيد خلفك، أو زيد في الدار أن نفس الخلف ونفس في الدار ليس شيء منهما صادقا على المبتدأ، والمبتدأ لا بد له من الخبر، وحرف الجر المذكور والحرف المقدر مع الظرف دالان على الاستقرار والحصول كما عرفت، فكان ذكر الظرف والمجرور اللذين هما متعلقا الخبر دالين على الخبر المحذوف دلالة قطعية مغنيين عنه من حيث أن الذي تعلقا به كون عام، ولهذا إذا كان المتعلق به كونا خاصّا وجب ذكره، قال أبو علي: «إظهار عامل الظّرف شريعة منسوخة» 581. ثم ليس هذا الحكم مختصّا بالظرف والمجرور الواقعين خبرين، بل حكم كل منهما [1/ 367] إذا وقع حالا أو صلة أو صفة فيما ذكر حكمه إذا وقع خبرا.
وأما قول المصنف: وربّما اجتمعا لفظا فأشار به إلى البيت الذي أنشده، وهو:
641 م - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن 582
وقد جعلوا من هذا الباب وذكره الشيخ قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ 583، قالوا: فمستقرّا حال، ولو لم يكن لكان عنده حالا والعامل فيها محذوف، قالوا: وقد ظهر العامل في هذا، وهو اسم فاعل لا فعل كما ظهر اسم فاعل في البيت المتقدم الإنشاد.
ونقل ابن يعيش شارح المفصل عن ابن جني جواز إظهاره 584، ثم قال: «والقول -
الحديث: 641 - الجزء: 2 - الصفحة: 1005
................................
عندي أنه بعد حذف استقرّ ونقل الضّمير إلى الظّرف لا يجوز إظهار المحذوف؛ لأنه قد صار أصلا مرفوضا؛ فإن ذكرته قبل نقل الضمير لم يمنع منه مانع» 585.
وكأنه يقول: إن الظرف قبل نقل الضمير إليه فضلة محضة؛ لأنه معمول الخبر، وإذا كان كذلك فلا مانع من ذكر الخبر مع معموله، بل ينبغي أن يتعين ذكره، أما بعد نقل الضمير إليه فإنه يقوم مقام الخبر، وإذا قام مقام الخبر سد سده، فيمتنع حينئذ ذكره، وهذا الذي لحظه حسن، لكنهم لم يذكروه.
ولك أن تدعي في مستقرّا من الآية الشريفة أنه كون مقيد لا كون مطلق؛ لأن المراد بالاستقرار هنا الثبوت وعدم
الانتقال لا مجرد الحصول والكون، وعلى هذا يكون ذكره واجبا، فلا يكون مما نحن فيه.
ولابن الدهان في الآية الشريفة إعراب آخر 586:
وهو أن مستقرّا ليس عاملا في الظرف، وإنما عنده ظرف للرؤية، ومستقرّا حال من الهاء، وأما قول الشاعر: لدى بحبوحة الهون كائن، فيمكن أن يقال في كائن: إن المراد به الكون المقيد، وهو الثبوت والديمومة لا الكون المطلق وهو مجرد الحصول، وإذا كان كذلك كان ذكره واجبا.
البحث الرابع 587:
قد عرفت من كلام المصنف أن الأصح عنده أن الخبرية والعمل لا ينسبان إلى الظرف، إنما ينسبان إلى العامل فيه يعني إلى المحذوف الذي تعلق به الظرف، لكنه لم يستدل على ذلك بشيء، واقتضى هذا الكلام منه أن الضمير العائد إلى المبتدأ لم ينقل إلى الظرف، بل الخبرية والعمل وتحمل الضمير إنما يتصف بها ذلك المحذوف.
وقد اختلف في نقل الضمير إلى الظرف: فذهب بعضهم إلى أنه لم ينقل قبل، وهو مذهب السيرافي 588، ونسبه المصنف إلى ابن كيسان أيضا 589. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1006
................................
وذهب الأكثرون 590 إلى أن الضمير نقل من المحذوف إلى الموجود، وأن الظرف في موضع الخبر، وقد استدل على نقله بتأكيده في قول كثير:
642 - فإن يك جثماني بأرض سواكم... فإنّ فؤادي عندك الدّهر أجمع
إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها... فظلّت لها روحي تتوق وتنزع 591
ووجه الدليل: أن أجمع يلي العوامل، والتأكيد لا يكون لمحذوف.
قالوا: ولولا نقله لما امتنع: قائما في الدار زيد؛ لأن الحال حينئذ تكون من فاعل ذلك المقدر، وهو متصرف؛ لأنه إما فعل أو اسم فاعل، فوجب ألا يمتنع [1/ 368] وفي
امتناعه دليل على المقصود، وأيضا لو لم ينقل لما عطف عليه في قوله:
643 - [ألا يا نخلة من ذات عرق]... عليك ورحمة الله السّلام 592
ولا يمكن دعوى أن رحمة الله معطوف على السّلام، وقدم لأنه يلزم منه تقديم -
الحديث: 642 - الجزء: 2 - الصفحة: 1007
................................
المعطوف على العامل في المعطوف عليه؛ لأنه قدم على المبتدأ والعامل فيه الابتداء، وتقديم المعطوف على عامل المعطوف عليه لا يجوز.
ولكن يشكل على ذلك مسألة 593 وهي: أن يقال: إذا قدرتم الظرف في موضع، وقدرتم فيه ضميرا يعود على المبتدأ وجب أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد.
وقد أجيب عن ذلك بأنه إنما قبح توكيد الضمير؛ لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال: إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ والمجرور المقدم قبل المبتدأ دال عليه.
والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح: فيها أجمعون الزيدون؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد.
قال الشيخ: «والمنقول عن البصريين أنّ الظرف يتحمّل ضمير المبتدأ سواء تقدّم على المبتدأ أم تأخّر، وأنّه يرفع ذلك المضمر ويرفع الظّاهر أيضا إذا خلف المضمر نحو: زيد خلفك أبوه، ويجوز أن يكون خلفك أبوه مبتدأ وخبرا، والجملة خبر عن زيد، والوجه الأول أولى؛ لأنه إخبار بمفرد، وقال: هكذا تلقّينا هذا الإعراب من شيوخنا» انتهى 594.
ومنع السهيلي ارتفاع الظاهر الواقع بعد الظرف بالظرف، وأوجب رفعه بالابتداء، وفرق بين الظرف واسم الفاعل بأن اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل موجود، والظرف لا لفظ للفعل فيه 595.
وقال ابن عمرون: «وإذا ثبت رفعه الضمير فهو غير رافع للظّاهر في صورة؛ خلافا لمدعيه مطلقا، وإذا جرى صفة أو خبرا أو حالا أو صلة لأنه أضعف في العمل من أفعل من، وأفعل من لا يرفع الظّاهر، فالظّرف أولى».
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1008
[حكم وقوع ظرف الزمان خبرا عن اسم العين والمعنى]
قال ابن مالك: (ولا يغني ظرف زمان غالبا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتا دون وقت أو تعمّ إضافة معنى إليه، أو يعمّ.
واسم الزّمان خاصّ أو مسؤول به عن خاصّ [1/ 369]).
قال: «ولو كان يرفع الظّاهر لما عملت إنّ في زيدا في قولك: إنّ عندك زيدا» قال:
«ولو كان عاملا في ظاهر ما جاز إلغاؤه مع تقدّمه في نحو: في الدّار زيد قائم» انتهى.
ولا يخفى ضعف ما ذكره؛ لأن (أفعل من) لم ينب عن عامل يرفع الظاهر، وهذا الظرف قد ناب عن شيء يرفع الظاهر، فهو يعمل عمله بالنيابة.
وأما نحو: إن عندك زيدا فالطلب فيه لإنّ لا للظرف، فكيف يترك عمل ما هو طالب ويعدل إلى غير الطالب؟
وأما نحو: في الدار زيد قائم فإنما لم يعمل فيه الظرف لعدم الاعتماد؛ لأن الظرف إنما يعمل بالنيابة عن اسم الفاعل مثلا، والمنوب عنه إنما يعمل إذا اعتمد، فكذلك النائب حكمه حكمه.
والحق أن الظرف والمجرورات إذا اعتمدت جاز أن يرتفع ما بعدها بها على الفاعلية، وجاز فيها أن تكون أخبارا، وما بعدها مبتدآت، والوجه الأول أولى كما علمت.
قال ناظر الجيش: شرع المصنف في ذكر وقوع الظروف أخبارا، وذكر ما يجوز أن يخبر عنه بشيء منها وما لا يجوز، وذكر ما يجوز في الظرف الواقع خبرا من رفع أو نصب ونحوه.
والحاصل أن ظرف الزمان لا يخبر به عن اسم العين، وإنما يخبر به عن المعنى، وأما ظرف المكان فإنه يخبر به عن كل منهما، كما يأتي ذلك كله مفصلا وأنا أذكر كلام المصنف أولا:
قال رحمه الله تعالى 596: لا يفيد الاستغناء بظرف زمان عن خبر اسم عين غالبا إلا إذا كان العين مثل المعنى في حدوثه وقتا دون وقت كالرطب والكمأة؛ فإن الاستغناء عن خبر هذا النوع بظرف الزمان مفيد كقولك: الرّطب في شهر كذا، والكمأة في فصل الرّبيع، وكذا إذا دل دليل على إضافة معنى إلى العين كقولك: -
الجزء: 2 - الصفحة: 1009
................................ أكلّ يوم ثوب تلبسه؟ وأكلّ ليلة ضيف يؤمّك؟ ومنه قول الراجز: 644 - أكلّ عام نعم تحوونه... يلقحه قوم وتنتجونه؟ 597 أي: أكل يوم تجدّد ثوب تلبسه؟ وأكل ليلة إتيان ضيف يؤمك؟ وأكل عام إحراز نعم؟ وكذا إذا عم المبتدأ وكان اسم الزمان خاصّا أو مسئولا به عن خاص كقولك: نحن في شهر كذا، وفي أي الفصول نحن؟. وأشرت بقولي: غالبا إلى أنه قد يخبر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك إن ثبت دليل كقول امرئ القيس: اليوم خمر وغدا أمر 598. وكقول الشاعر: 645 - جارتي للخبيص والهرّ للفأ... ر وشاتي إذا أردت نجيعا 599
الحديث: 644 - الجزء: 2 - الصفحة: 1010
................................
انتهى كلام المصنف 600. وفيه أمور:
منها: أن قوله: غالبا مع قوله في شرحه إنه أشار بذلك إلى أنه قد يخبر عن اسم عين بظرف زمان في غير ذلك، يعني في غير ما ذكره غير ظاهر؛ فإن المضاف الذي قدره في: أكل يوم ثوب تلبسه - يقدر مثله في: اليوم خمر أي اليوم شرب خمر كما قدر المضاف في اللّيلة الهلال.
ومنها: أن قوله في المتن: أو يعمّ إضافة معنى إليه لم يفهم معناه، والظاهر أن المراد: أو تنو إضافة معنى، بل يتعين ذلك لأن لفظ تنو ثابت في بعض النسخ، ولقوله في الشرح: وكذا إذا دل دليل على إضافة معنى إليه.
ومنها: قوله: أو يعمّ واسم الزّمان خاص وتمثيله لذلك بقوله: نحن في شهر كذا؛ فإن العموم لا يعقل في نحن إلا أن يكون أراد بذلك أمرا بخصوصه، وحاصل الأمر أن كلام المصنف في هذا المكان غير واضح متنا وشرحا.
وقد أورد ابن أبي الربيع الكلام في الإخبار بظرف الزمان عن العين أحسن إيراد فقال 601: «متى جاء الزمان خبرا عن الشخص فلا يكون إلّا على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون على حذف مضاف نحو: الهلال اللّيلة التقدير: حدوث الهلال الليلة، وعلى هذا يتصور أن يقال: زيد غدا أي ولادته غدا إذا كان معك ما يدلّ على ذلك.
الثاني: أن يكون الشخص موصوفا فتخبر عنه بظرف الزمان فتقول: أكلّ يوم رجل مضروب لك وعليه قوله:
646 - أكلّ عام نعم تحوونه...... 602
وكأنه قال: أكلّ يوم ضرب رجل؟ [1/ 370] لأن الصفة والموصوف كالشيء - - وليس في التذييل والتكميل ولا في معجم الشواهد.
الحديث: 646 - الجزء: 2 - الصفحة: 1011
[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه وجره]
قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا؛ فإن وقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبا ولم يمتنع نصبه ولا جرّه بفي، خلافا للكوفيين، وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه).
الواحد، ولذلك جاز أنت رجل صالح، ولا يجوز أنت رجل؛ لأن هذا لا فائدة به.
الثالث: أن يكون الكلام مخرجا عن حده كقول القائل: في أيّ يوم نحن؟
وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن؟ وقولك في الجواب: نحن في يوم الجمعة، ونحن في شهر المحرّم، ونحن في عام كذا، فأنت بلا شكّ تعلم أن السؤال إنما وقع عن تعيين اليوم أو الشّهر أو العام.
فأمّا كوننا في يوم أو في شهر أو في عام فمما لا يجهل؛ فكان الأصل أن يقال في السؤال: أي يوم هذا؟ وأي شهر هذا؟
فتقول: يوم كذا أو شهر كذا أي يومنا يوم الجمعة وشهرنا شهر المحرّم.
ومنه أن يقال: زيد حين طرّ شاربه 603 لكن لمّا كان هذا الوصف لا يكون إلا في زمان تجوز واتّسع، وقيل: في زمان كذا ولم يرد أن يخبر عنه بأنّه، في زمان إنّما المراد الإخبار عنه بالصفة، قال: «وكان الأستاذ أبو علي يأخذ بهذه الثلاثة ويرتضيها» انتهى 604.
وعلى هذا الذي ذكره يخرج جميع ما قاله المصنف.
فقولهم: الرطب في شهر كذا يكون تقديره: حدوث الرطب في شهر كذا، وحدوث الكمأة في فصل الربيع، وكذا أكل يوم ثوب تلبسه تقديره: أكل يوم لبس ثوب، وأكلّ ليلة أمّ ضيف.
قال ناظر الجيش: الضمير في: ويغني عائد على ظرف الزمان أي: ويغني ظرف الزمان عن خبر اسم المعنى يعني أنه لا يتقيد الإخبار عن اسم المعنى بحال دون حال كما كان ذلك في الإخبار به عن اسم العين، وذلك لحصول الفائدة.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1012
................................ قال المصنف 605: «اسم المعنى يغني عن خبره ظرف الزمان الموقوع في جميعه، والموقوع في بعضه، لكن الموقوع في جميعه إن كان نكرة فرفعه أكثر من نصبه كقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً 606 وكقوله (عزّ وجل) 607: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ 608، وكذا الموقوع في أكثره كقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 609. ولو جر هذا النوع بفي أو نصب على مقتضى الظرفية - لم يمتنع عند البصريين، وامتنع عند الكوفيين، وحجتهم في المنع من ذلك صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق، وهذا مبني على قول بعضهم: إن في للتبعيض 610 حكاه السيرافي، وليس ذلك بصحيح 611. وإنما في حرف مفهومه الظرفية بحسب الواقع في مصحوبها. فإن كان الواقع يستلزم استغراقا كالصوم بالنسبة إلى النهار فلا يمنع منه معنى في ولا لفظها. وإن كان صالحا للاستغراق وغيره فصلاحيته لذلك موجودة قارنته أو لم تقارنه؛ ولذلك صح في الاستعمال أن يقال: في الكيس درهم، وأن يقال: في الكيس ملؤه من الدراهم؛ فعلم بهذا أن القول ما قاله البصريون، والله تعالى أعلم. ومثال رفع الزمان الموقوع في بعضه [1/ 371] كقولك: الزّيارة يوم الجمعة. ولا فرق في هذا بين المعرفة والنكرة، وروي قول النابغة: 647 - زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود 612
الحديث: 647 - الجزء: 2 - الصفحة: 1013
................................
بنصب غدا ورفعه، ذكر ذلك السيرافي 613.
والوجهان في هذا النوع جائزان بإجمال، إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس واستعماله أكثر، وإلى هذا أشرت بقولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه.
انتهى 614. وإنما قيد الظرف الموقوع في جميعه أو
أكثره بكونه نكرة؛ لأنه إذا كان معرفة جاز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين، نحو: سيرك يوم الخميس وصومك اليوم، إلا أن النصب هو الأصل والغالب.
ثم ها هنا بحثان:
الأول:
مقتضى كلام المصنف مما استشهد به من الآيات الشريفة أن المرفوع الواقع خبرا خبر عن اسم المعنى نفسه، فيكون أشهر معلومات خبرا عن الحج، وشهر خبرا عن غدوها ورواحها، وثلاثون شهرا خبرا عن حمله وفصاله، وفي ذلك نظر: فإن الخبر المفرد غير الظرف إذا لم يقصد التشبيه كان نفس المبتدأ في المعنى.
ولا شك أن الخبر في هذه الآيات الشريفة نفس المبتدأ الذي قبله في المعنى.
أما قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 615 فلا بد فيه من تقدير مبتدأ محذوف، وهو وقت أو زمن، وإذا كان كذلك فأشهر معلومات خبر عن ذلك - - وكله جائز؛ لأن غدا ظرف زمان وقع الحدث في بعضه.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 321) وفي التذييل والتكميل (4/ 65) وفي معجم الشواهد (ص 107).
الجزء: 2 - الصفحة: 1014
................................
المقدر الذي حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، وكذا قوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً 616 التقدير: زمن
حمله وفصاله، وإذا كان كذلك فلم يقع الإخبار في الآيتين الشريفتين بظرف إنما وقع باسم ليس بظرف.
وفي الحقيقة أن الإخبار في قوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 617 وفي: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً بزمان عن زمان، فيكون ذلك نظير الإخبار بقائم عن زيد في قولنا: زيد قائم؛ إذ الخبر في ذلك كله هو نفس المبتدأ لا غيره 618. ومقتضى كلام المصنف أن الحج واقع في الأشهر، وأن الحمل والفصال واقعان في ثلاثين شهرا، ولا يظهر أن هذا هو المراد، بل الظاهر أن المراد الإخبار بأن زمن الحج هو هذه الأشهر، وأن زمن الحمل والفصال هو هذه المدة المذكورة.
وأما قوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ 619 فالظاهر أنه ليس من هذا الباب؛ لأن الغدوّ والرواح ليسا واقعين في الشهر المذكور كما يقع الحج في الأشهر ولا كما يقع الحمل والفصال في الثلاثين شهرا، بل المعنى أنها تقطع في غدوها مسافة شهر وكذا في رواحها، وإذا كان كذلك فيكون التقدير: مسافة مسير غدوها قدر مسافة مسير شهر، وكذا مسافة مسير رواحها قدر مسافة مسير شهر، ثم حصل الحذف وإقامة ما أضيف إليه المحذوف مقامه.
البحث الثاني:
قال الشيخ - كالمستدرك على المصنف -: «إنّ ظرف الزمان كما يقع خبرا عن الجثة وعن [1/ 372] المصدر يقع خبرا لزمان أيضا» قال: «فإن كان على قدر المبتدأ فالرفع فقط تقول: زمان خروجك السّاعة، وإن كان أعمّ جاز الرفع والنصب، تقول:
زمان خروجك يوم الجمعة، فيوم الجمعة بالنصب حقيقة ويوم بالرفع مجاز يجعل الخروج طويلا قد استغرق اليوم أجمع، هذا في غير أيام الأسبوع» انتهى 620. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1015
[جواز رفع ظرف المكان الواقع خبرا ونصبه]
قال ابن مالك: (ويفعل ذلك بالمكانيّ المتصرّف بعد اسم عين:
راجحا إن كان المكانيّ نكرة، ومرجوحا إن كان معرفة، ولا يخصّ رفع المعرفة بالشعر، أو بكونه بعد اسم مكان خلافا للكوفيّين).
وأقول: إن المصنف مستغن عن ذكر ذلك.
أمّا القسم الأوّل: فظاهر لأنه لم يكن الخبر فيه ظرفا موقوعا فيه، إنما الخبر هو نفس المبتدأ ولا ظرفية هناك، وإذا كان كذلك فلا يقال: إن ظرف الزمان وقع خبرا لزمان، إنما وقع زمان غير ظرف خبرا لزمان، وهذا أمر واضح.
فحكم قولنا: زمان خروجك السّاعة حكم قولنا: زيد قائم في المبتدأية والخبرية.
وأما القسم الثّاني: وهو ما يكون الظرف فيه أعم نحو: زمان خروجك يوم الجمعة؛ فإن رفعت كان الزمان مخبرا به عن زمان كما في القسم الأول، ولكن أردت بيوم الجمعة بعض يوم الجمعة مجازا، وإن نصبت فلا بد من التأويل 621 ولأنك إذا أخذت الأمر على ظاهره لزم أن يكون الزمان ظرفا للزمان.
وقد ذكر الشيخ فروعا في مسائل الإخبار بظرف الزمان عن المصدر تركتها خوف الإطالة، مع أن الذي ذكره المصنف فيه غنية عن أكثرها 622.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «ذلك من قولي: ويفعل ذلك إشارة إلى الرفع المفهوم من قولي: وربّما رفع خبرا الزّمان الموقوع في بعضه.
وراجحا ومرجوحا حالان من ذلك المشار به إلى الرفع.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1016
................................
ومثال ما قصد مما يكون الرفع فيه راجحا لتنكير الظرف المكاني مع كونه مؤقتا متصرفا 623 مخبرا به عن اسم عين قولهم: المسلمون جانب والمشركون جانب ونحن قدّام وأنتم خلف، والنصب جائز عند البصريين وعند الكوفيين، ومن زعم أن مذهب الكوفيين في مثل هذا التزام الرفع فقد وهم.
فإن كان اسم المكان معرفة متصرفا اختير النصب، وجاز الرفع عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلّا في الشعر، وإذا كان المخبر عنه اسم مكان كقولك: داري خلفك ومنزلي أمامك».
انتهى 624.
واحترز بالمتصرف من الذي لا يتصرف نحو عند، وكأن هذا الحكم الذي ذكره يختص بالظرف المكاني المبهم لا الظرف المختص 625 على ما يدل عليه تمثيله.
وقد ذكر الشيخ تقسيما في هذا الموضع فقال 626: «الظرف المكاني المتصرف إما أن يقع خبرا عن أسماء الأماكن، أو عن المصادر أو عن الأسماء غير الأماكن والمصادر: فإن وقع خبرا عن أسماء المكان المبهمة جاز فيه الرفع والنصب، نحو مكاني خلفك، ومن كلام العرب: منزله شرقيّ الدّار [1/ 373] برفع شرقي ونصبه.
فإن كان اسم المكان من الظروف المختصة؛ فالرفع نحو موعدك ركن الدار والمسجد أو المقصورة».
قال: «فأما قولهم: موعدك باب البرادن أو باب الطّاق فقد روي النصب قليلا على معنى ناحية باب البردان وناحية باب الطاق، ولا يقاس على ذلك».
قلت: واستثناؤه الظروف المختصة من جواز النصب يدلّ على أنه أراد بالظّرف الواقع خبرا في أصل التقسيم إنّما هو الظرف المبهم، كما قلنا: إن ذلك هو -
الجزء: 2 - الصفحة: 1017
................................
الظاهر من كلام المصنف.
ثم كمل الشيخ التقسيم، فقال 627: «وإن وقع خبرا عن المصادر فالنصب نحو:
القتال خلفك والضّرب قدامك.
وإن وقع خبرا لغير الأماكن والمصادر وكان مضافا إلى نكرة نحو: زيد خلف حائط وبكر وراء جبل، فالاتفاق على جواز الرفع والنصب، أو إلى معرفة فالرفع والنصب عند البصريين مطلقا والنصب عند الكوفيين إن لم يملأه فإن ملأه فالرفع عندهم أحسن من النصب، أو كان غير مضاف وكان مصحوبا بمن فالنصب والرفع نحو: زيد قريبا منك، وقريب منك وناحية من الدّار وناحية من الدار.
وقال سيبويه 628: قال يونس: العرب تقول: هل قريبا منك أحد، وقال الكسائي والفراء وهشام 629: يقال: عبد الله قريب منك وقريبا منك وبعيد منك، ويقلّ في كلامهم: بعيدا منك، وإنما قلّ لأنهم لما قالوا: عبد الله قربك وبقربك حسن ذلك مذهب المحلّ في قريبا منك.
وإن كان غير مصحب بمن وفيه أل فالرّفع والنّصب عند البصريين والرفع فقط عند الكوفيين نحو: زيد الأمام أو اليمين أو الشمال.
وإن كان بغير أل وعطف عليه منكور مثله فالاختيار عند الكوفيين الرفع، والبصريون يسوّون بينهما نحو: القوم يمين وشمال، وزيد مرأى ومسمع رفعا ونصبا، أو لم يعطف عليه مثله رفعه الكوفيّون لا غير، وجوّز البصريّون رفعه ونصبه، قالوا: زيد خلفا وخلف وأماما وأمام.
فإن كان الظرف مختصّا لم يجز أن يقع خبرا لا برفع ولا بنصب نحو: زيد دارك إلا في ما سمع نحو قولهم: زيد جنبك يعنون ناحية جنبك ولا يقاس عليه: زيد ركن الدّار لا برفع ولا بنصب 630.
وقالت العرب 631: زيد قصدك نصبوا على المحلّ، المعنى: مكان قصدك، ولم يقولوا: زيد قيامك ولا عمرو قعودك وهم يعنون المكان، وقصدك لا يقاس عليه غيره.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1018
................................
وأجاز سيبويه 632: زيد قصدك بالرّفع من حيث أجاز زيد خلفك ولم يجزه الفرّاء 633.
وقال سيبويه: يقال: هو صددك وسقبك وقربك، صددك وسقبك وقربك، والرّفع جائز عنده على قول من يقول: زيد خلفك» انتهى كلام الشيخ.
وقد تبين منه أن البصريين يجوزون الرفع والنصب في المكاني المتصرف المبهم إذا وقع خبرا عن اسم عين سواء أكان الظرف نكرة أم معرفة بأل أم بالاضافة، وسواء أكانت النكرة مضافة أم لا مذكورا معها من أم غير مذكور 634.
وهذا الذي ذكره يؤخذ [1/ 374] من كلام المصنف حيث قال: ويفعل ذلك بالمكانيّ المتصرّف بعد اسم عين إلى آخره؛ لأنه بإطلاقه يدخل تحت كلامه الأقسام كلها.
ثم إذا تأملت علمت أن بين كلام المصنف وكلام الشيخ مخالفة ما بالنسبة إلى أرجحية النصب ومرجوحيته، فإن الشيخ حكم بالتساوي في صور اقتضى كلام المصنف فيها أرجحية أحد الأمرين على الآخر 635.
الجزء: 2 - الصفحة: 1019
[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ووجوب نصبه]
قال ابن مالك: (ويكثر رفع المؤقّت المتصرّف من الظّرفين بعد اسم عين مقدّر إضافة بعد إليه، ويتعيّن النّصب في
نحو: أنت منّي فرسخين، بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين).
قال ناظر الجيش: المؤقت من الظروف هو المحدود كيومين وثلاثة أيام في الزمان، وفرسخ وميل في المكان.
والمتصرف هو الذي لم يلتزم فيه النصب على الظرفية، والذي التزم فيه النصب نحو ضحوة معينا في الزمان وعند في المكان، وحاصل ما أشار إليه المصنف أن الوقت المتصرف من ظرفي الزمان والمكان يجوز أن يرفع خبرا بعد اسم عين نحو قولهم: زيد منّي يومان أو فرسخان، وحينئذ يتعين تقدير اسم معنى إلى اسم العين؛ ليكون الظرف خبرا عنه، ولذلك قال: مقدّر إضافة بعد إليه أي إلى اسم العين 636.
بقي أن يقال: فإذا نصبنا فرسخين هل يقدر المضاف الذي هو بعد كما قدر حال الرفع؟ الظاهر أنه يقدر؛ لأن حرف الجر الذي هو من لا بد له من شيء يتعلق به، وليس ثم إلا المصدر المقدر.
قال المصنف - لما ذكر هذه المسألة ومثل لها بقوله: زيد مني يومان وفرسخان -:
«أي 637 بعد زيد منّي يومان أو فرسخان» وقريب منه قولك: دارك خلف داري فرسخان».
ثم قال: «ونصب فرسخين في نحو: دارك خلف داري فرسخين وشبهها في مثل هذا أجود منه في نحو: زيد مني فرسخان، ونصب فرسخين في نحو: دارك خلف داري فرسخين على التمييز أجود من نصبه ظرفا».
وأشار بقوله: ويتعيّن النّصب إلى أنك إذا قلت: أنت مني فرسخين على تأويل أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين تعين النصب، وكان أنت مبتدأ ومتى خبره، وفرسخين ظرف، ومعنى منّي من أشياعي وأصحابي وأهلي كقول الله تعالى حاكيا عن إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي 638 انتهى 639. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1020
................................
وإنما تعين النصب على الظرفية في أنت مني فرسخين؛ لأن قوله: أنت مني مبتدأ وخبر، أي أنت من أشياعي، بخلاف أنت مني فرسخان وأنت تريد بعدك مني؛ فإن مني متعلق بذلك المقدر المحذوف وليس في موضع الخبر، وإنما الخبر فرسخان؛ فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان، ومن نصب فعلى الظرف وهو في موضع
الخبر، وانتصاب فرسخين في أنت مني فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني، أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين أي في سيرنا فرسخين.
قال الشيخ 640: «وظاهر كلام المصنف أنّ فرسخين منصوب بذلك الّذي قدّره وهو ما سرنا فرسخين، وليس بجيّد؛ لأن ما سرنا: ما فيه مصدرية ظرفية، وسرنا صلة ما، وفرسخين معمول لصلة ما، ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها».
وقال سيبويه 641: «أنت مني فرسخين تقديره: أنت منّي ما دمت تسير فرسخين».
قال الشيخ: «وهو شبيه بتقدير المصنّف؛ إلا أن سيبويه جعل صلة ما دام النّاقصة، وحذف ما ودام وخبرها وأبقى معمول الخبر، فهو أبعد من تقدير المصنف.
وقد رد أحمد بن يحيى 642 على سيبويه قوله، فقال 643: ليس على هذا الإضمار دليل ولا يدعو إليه [1/ 375] اضطرار، ولا ينبغي أن يطلب الإضمار إذا قام الكلام الظّاهر بنفسه».
والذي ينبغي أن يخرّج عليه كلام سيبويه وتقديره - أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دلّ على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها، فهذا معنى قول سيبويه: ما دمت تسير فرسخين، وإذا كان تفسير معنى بطل ردّ ابن يحيى.
الجزء: 2 - الصفحة: 1021
[جواز رفع ظرف الزمان الواقع خبرا ونصبه]
قال ابن مالك: (ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها ممّا يتضمّن عملا - جائز لا إن ذكر مع الأحد ونحوه ممّا لا يتضمّن عملا؛ خلافا للفراء وهشام، وفي الخلف مخبرا به عن الظّهر رفع ونصب وما أشبههما كذلك، فإن لم يتصرف كالفوق والتّحت لزم نصبه).
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن ظرف الزمان يقع خبرا عن الزمان، لكن الزمان المخبر عنه قد يكون غير أيام الأسبوع، ولم يتعرض المصنف إلى ذكره لوضوحه، وقد تقدم الكلام عليه.
وقد يكون المخبر عنه أيام الأسبوع، وها هو قد شرع في ذكر ذلك.
وإنما ذكر المصنف هذا القسم دون الأول لينبه على أن النصب جائز في بعض هذه الصور بتأويل، فلو كان الرفع على الخبرية لازما في الصور كلها لم يحتج إلى ذكره، كما أنه لم يحتج إلى ذكر القسم الأول.
قال المصنف 644: إذا قلت: اليوم الجمعة واليوم السّبت جاز نصب اليوم؛ لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة، وكذا اليوم العيد واليوم الفطر واليوم النيروز كلّ هذه يجوز معها نصب اليوم بلا خلاف؛ لأن ذكرها منبه على عمل يقع في اليوم بخلاف قولك: اليوم الأحد واليوم الاثنان واليوم الثلاثاء واليوم الأربعاء واليوم الخميس، فإنها بمنزلة اليوم الأول واليوم الثاني واليوم الثالث واليوم الرابع واليوم الخامس؛ فلذلك لا يجوز في اليوم معها إلا الرفع، هذا مذهب النحويين إلا الفراء وهشاما؛ فإنهما أجازا النصب على معنى الآن الأحد والآن الاثنان 645 ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين، فيجعل الأحد والاثنان واقعا في الآن كما تقول: في هذا الوقت هذا اليوم.
وقد قال سيبويه ما يقوي ذلك؛ لأنه قد أجاز: اليوم يومك بنصب اليوم بمعنى الآن، وقال: لأن الرجل قد يقول: أنا اليوم أفعل ذلك ولا يريد يوما بعينه 646 فهذا مما يقوي قول الفراء.
وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك بمعنى اليوم شأنك وأمرك -
الجزء: 2 - الصفحة: 1022
................................
الذي تذكر به، فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه بخلاف: اليوم الأحد، انتهى 647.
والتأويل الذي أول المصنف به كلام سيبويه تأويل حسن غير بعيد عن الصواب، والذي ينبغي مراجعة الكتاب واعتبار ما ساق سيبويه هذا الكلام لأجله وحمله على ما يقتضيه السياق.
وأما قول المصنف: وفي الخلف مخبرا به إلى آخره فقد ذكر 648 شرحه بأن قال 649: وتقول: ظهرك خلفك بنصب الخلف على الظرفية، ويجوز رفعه لأنه الظهر في المعنى مع أنه متصرف، ومثله في جواز الوجهين: رجلاك أو نعلاك أسفلك وأسفلك، وقرئ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ 650 وأسفل منكم [1/ 376]. فلو كان الظرف غير متصرف تعين نصبه، وإن كان هو الأول في المعنى؛ ولذلك قال أبو الحسن 651 الأخفش: «اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك فينصبون الفوق؛ لأنهم لم يستعملوه إلّا ظرفا، والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس، وهو جائز؛ غير أن العرب لم تقله، قال: تقول: تحتك رجلاك لا يختلفون في نصب التّحت» 652 انتهى.
وفي شرح الشيخ 653: «قال بعض النّحويين: إنّه يجوز هذا فيما كان في الجسد كقولك: فوقك رأسك، وخلفك ظهرك، وأمامك صدرك، وتحتك رجلاك.
فهذا كله مبتدأ وخبر، ويعنون بالخلف الظهر، وبالأمام الصدر، وبالفوق الرأس، وبالتحت الرجلين.
والأكثر أن تكون ظروفا في الجسد كانت أو في غيره، وهذا قول الأخفش» 654.
ثم قال: قال خطّاب المارديّ 655: إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر -
الجزء: 2 - الصفحة: 1023
................................
رفعته بالابتداء، وكانت أسماء لا تتضمّن شيئا كسائر الأسماء، فنقول: خلفك واسع وأمامك ضيّق كما تقول: زيد قائم انتهى 656.
وهذا الذي ذكره عن بعض النحويين وعن خطاب لا يبعد عن الصواب، فإن الذي يلتزم فيه النصب كالفوق والتحت مثلا إنما هو إذا كان ظرفا.
أما إذا كان اسما غير ظرف فهذا يمنعه من التصرف.
وهنا مسائل ذكرها الشيخ في شرحه 657:
الأولى 658:
أجاز يونس وهشام: زيد وحده، ومنعه الجمهور، أجراه يونس وهشام مجرى عنده، وتقديره: زيد موضع التفرد، وعلى هذا يجوز تقديمه، فيقال: وحده زيد كما يقال: في داره زيد، وقد أوله هشام تأويلا آخر، وهو أن الأصل: زيد وحد وحده، فنصب وحده بفعل مضمر محذوف إقامة لمعموله وهو وحده مقامه كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا، أي يقبل إقبالا ويدبر إدبارا.
وعلى هذا لا يجوز تقديمه، فلا يقال: وحده زيد كما لا يقدم إقبالا في زيد إقبالا وإدبارا، وحجة الجمهور أن وحده اسم جرى مجرى المصدر، وهو منصوب على الحال، وإذا كان كذلك فلا يصح وقوعه خبرا عن زيد، ولكن قد نقل عن العرب أنهم يقولون: زيد وحده، وذلك فيه رد لقول الجمهور وتقوية ليونس وهشام 659.
الثانية:
قال الكسائي: «العرب تقول: القوم 660 خمستهم وخمستهم، وكذلك عشرتهم، من رفع رفع بالقوم ومن نصب ذهب بها مذهب وحدهم».
وقال سيبويه 661: «مررت بالقوم خمستهم وخمستهم؛ فالأول على معنى:
مررت بالقوم كلّهم لم أدع فيهم أحدا إلّا مررت به، والثاني على معنى: مررت بهم وحدهم أي إفرادا، التقدير: أفردتهم بالمرور دون غيرهم».
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1024
................................
قال الشيخ 662: «وعلى ما قدّره سيبويه لا يصح أن تكون خمستهم خبرا سواء كان بمعنى كلّهم أو بمعنى وحدهم على مذهب سيبويه في وحدهم من جهة أنه لا يصحّ أن تقول: زيد وحده، والقوم خمستهم بالرفع يعني في خمستهم.
وقد نقلوا أن العرب قالت: زيد وحده والقوم خمستهم بالرّفع والنّصب، فوجب قبوله وإن خالف رأي سيبويه أو غيره».
الثالثة:
لا يجوز: زيد [1/ 377] دونك بالرفع عند سيبويه وأنت تريد المكان وأجازه غيره.
قال ابن إصبع 663: وقال الفرّاء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة، فإذا قالوا: قاموا سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا ولم يرفعوا على اختيار وربّما رفعوا 664».
وقال سيبويه 665: «أما دونك فلا يرفع أبدا؛ لأنّه مثل، وإن قيل: هو دونك في السّنّ والنّسب؛ لأن هذا مثل كما أن قولهم: هذا مكان هذا في البدل ذكر مثلا».
الرابعة:
لا يجوز: زيد مثل عمرو بالنصب عند أحد من البصريين، وأجازه الكوفيون 666، وذلك أن مثلك عندهم من القسم الثاني من قسمة الحال، وهو قرنك وسنّك وشبهك ولدتك ومثلك إذا وقع طلبا أو نعتا جاز أن يعرب إعراب الأسماء، وجاز أن ينصب، تقول: زيد سنّك وسنّك، ومررت برجل مثلك ومثلك؛ فإذا وقع فاعلا رفع ولم ينصب نحو: قام مثلك وسنك؛ ولتجويزهم أن مثلك يكون محلّا أجازوا أن يقع صلة لموصول، ولا ينصب شيء من ذلك عند البصريين إلا إذا كان تابعا لمنصوب أو معمولا لناصب، وليس نصبه نصب الظرف.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1025
................................
والخامسة:
الظرف المقتطع نحو قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف به، ولا يوصل به، ولا يكون حالا، ولم يعتلوا لذلك إلّا بضعفها 667 حسب، وشبهها سيبويه بالأصوات 668.
قال ابن الدهان 669: والصّحيح عندي أنّهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمد الفائدة.
فأما قول القائل:
648 - فأمست زهير في السّنين الّتي خلت... وما بعد لا يدعون إلّا الأشائما 670
فما زائدة وبعد منصوب الموضع عطفا على موضع الجار والمجرور.
قال الشيخ 671: «ووهم الزّمخشري في جعل ما فَرَّطْتُمْ 672 مبتدأ وما مصدرية، و (من قبل) في موضع الخبر تقديره: ومن قبل تفريطكم في يوسف 673.
الحديث: 648 - الجزء: 2 - الصفحة: 1026
[جواز رفع المصدر الواقع خبرا ونصبه]
قال ابن مالك: (ويغني عن خبر اسم عين باطّراد مصدر يؤكّده مكرّرا، أو محصورا، وقد يرفع خبرا، وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر أو مفعول به أو حال).
قال ناظر الجيش: الاستغناء عن خبر اسم عين بمصدر مكرر نحو قولهم: زيد سيرا سيرا، وبمصدر محصور كقولهم: إنّما أنت سيرا، والأصل زيد يسير سيرا، فحذف الفعل واستغني عنه بمصدره، وجعل تكريره بدلا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره لئلا يجتمع عوض ومعوض عنه، وكذلك الأصل إنما أنت تسير سيرا، فحذف الفعل واستغني عنه بمصدره، وقام الحصر مقام التكرار في سببية التزام الإضمار.
وقد يجعل هذا النوع من المصادر خبرا قصدا للمبالغة فيرفع نحو:
649 - ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت... فإنّما هي إقبال وإدبار 674
هذا كلام المصنف 677.
وتمثيل المصنف الحصر بإنما مشعر بأن الحذف واجب مع ما وإلا نحو: ما أنت إلّا سيرا من طريق الأولى.
والمصدر المعرف فيما ذكره كالمصدر المنكر كقولك:
ما أنت إلّا الضّرب، وما أنت إلّا ضرب النّاس، وما أنت إلّا سيرا لزيد.
واعلم أن الفعل إنّما يجب إضماره إذا كان الإخبار عن سير متصل بزمان -675676
الحديث: 649 - الجزء: 2 - الصفحة: 1027
................................
الإخبار لم ينقطع [1/ 378] وإذا أريد أنه سار ثم انقطع السير، أو أخبر أنه يسير في المستقبل - فإن الفعل يظهر نحو ما أنت إلّا تسير سيرا، ذكر ذلك سيبويه 678 وإذا كان كذلك فكلام المصنف يحتاج إلى التقييد بما ذكر.
وأشار المصنف بقوله: وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر إلى آخره - إلى ثلاث مسائل:
الأولى:
ما أغنى فيه عن الخبر مصدر يعني من غير تكرير ولا حصر نحو: زيد سيرا أي يسير سيرا.
الثانية:
ما أغنى فيها عنه مفعول به كقول بعض العرب: إنّما العامريّ عمامته أي: إنما العامري يتعهد عمامته؛ فأما من روى: إنّما العامريّ عمّته فنصب على المصدر، التقدير: إنما العامري يتعمم عمامته، فيكون نظير: إنما أنت سيرا، فلا يكون من القليل بل من الكثير المطرد 679.
قال المصنف 680: «ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به أن يكون الخبر قبل قول محذوف، ويستغنى عنه بالمفعول كقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى 681 أي يقولون: ما نعبدهم فيقولون خبر وما نعبدهم في موضع نصب به فأغنى عنه وحذف، ومثله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 682. أي فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟».
ثم قال: «ومن الاستغناء عن خبر المبتدأ بالمفعول به ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور فإذا هو إيّاها أي: فإذا هو يساويها، -
الجزء: 2 - الصفحة: 1028
................................
ولا يجوز أن يكون إياها قد شذ وقوعها في موضع رفع كما شذّ في موضع جر قول العرب: مررت بإيّاك، حكاها الفراء عنهم، ثم قال: وأنشد الكسائي:
650 - وأحسن وأجمل في أسيرك إنّه... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر 683
انتهى 684.
وهذه المسألة التي ذكرها أعني: فإذا هو إياها هي المسألة التي جرت بين الكسائي والفراء وبين سيبويه بحضرة هارون الرشيد وقيل: بل بحضرة يحيى بن خالد البرمكي 685 وتسمى المسألة الزنبورية وقضيتها عجيبة.
وقد أوردها الشيخ بهاء الدين ابن النحاس في تعليقه على المقرب، ومن وقف عليها عرف ما حصل من التحامل على سيبويه، وأنه كيد وغبن، نعوذ بالله من قهر الرجال 686.
والمشهور أن سيبويه أجاب بقوله: فإذا هو هي، وأن الكوفيين قالوا: فإذا هو إياها، وهذا هو الظاهر وهو نقل البصريين، ولهذا لما ذكر المصنف فإذا هو إياها أسند ذلك إلى رواية الكوفيين، لكن قال الشيخ بعد ذكر المسألة:
«وقد اختلف القول فيها فقيل: أجاب سيبويه بقوله: فإذا هو إيّاها، وقال الكوفيون: فإذا هو هي.
-
الحديث: 650 - الجزء: 2 - الصفحة: 1029
................................ وقيل: أجاب سيبويه بقوله: فإذا هو هي، وقال الكوفيون: فإذا هو إياها 687، وكلا الجوابين له توجيه من العربية؛ فمن قال: فإذا هو إياها فإياها مفعول بفعل محذوف يدل عليه المعنى، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ومن قال: فإذا هو هي فليس المعنى أن الزنبور هو العقرب حقيقة، وإنّما هو من باب: زيد زهير أي: فإذا هو مثلها في اللسع» انتهى 688. و [الثالثة] 689: أشار المصنف [1/ 379] بقوله: أو حال إلى أنه قد يستغنى عن خبر المبتدأ بحال مغايرة لما تقدم ذكره كما روى الأخفش من قول العرب: زيد قائما، والأصل زيد ثبت قائما 690 والأسهل منه ما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: حكمك مسمّطا أي حكمك لك مثبتا فحكمك مبتدأ خبره لك ومسمطا حال استغني بها وهي عارية عن الشروط المعتبرة في نحو: ضربي زيدا قائما 691 وعلى مثل هذا يحمل على الأجود قول النابغة الجعدي: 651 - وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا... سواها ولا عن حبّها متراخيا 692
الحديث: 651 - الجزء: 2 - الصفحة: 1030
[تعدد الخبر وأنواعه]
قال ابن مالك: (وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدّد لفظا دون معنى، ولا ما تعدّد لتعدّد صاحبه حقيقة أو حكما). أي لا أنا أرى باغيا، فحذف الفعل الذي هو أرى وهو خبر أنا، وجعل باغيا دليلا عليه، وهذا أولى من جعل لا رافعة لأنا اسما ناصبة لباغيا خبرا، فإن إعمال لا في معرفة غير جائز بإجماع. انتهى 693. وعن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه و) 694 رضي الله تعالى عنه أنه قرأ ونحن عصبة 695 بالنصب. قال ناظر الجيش: تعدد الخبر على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعدد لفظا ومعنى لا لتعدد المخبر عنه كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ 696 ومنه قول الراجز: 652 - من يك ذا بتّ فهذا بتّي... مقيّظ مصيّف مشتّي 697
الحديث: 652 - الجزء: 2 - الصفحة: 1031
................................
وقول الآخر:
653 - ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع 698
وعلامة هذا النوع صحة الاقتصار على واحد من الخبرين أو الأخبار.
والثاني: أن يتعدد لفظا ومعنى لتعدّد المخبر عنه حقيقة كقولك: بنو زيد فقيه ونحويّ وكاتب ومنه قول الشاعر:
654 - يداك يد خيرها يرتجى... وأخرى لأعدائها غائظة 699
أو لتعدد المخبر عنه حكما كقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ 700 ومنه قول الشاعر:
655 - والمرء ساع لأمر ليس يدركه... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل 701
-
- وقت القيظ.
مصيّف مشتّي: أي يصلح للاستعمال في الصيف والشتاء.
وقد استشهد بالبيت على تعدد الخبر لمبتدأ واحد لفظا ومعنى بلا عاطف.
والبيت في: شرح التسهيل (1/ 326) وفي التذييل والتكميل (4/ 88) وفي معجم الشواهد (ص 450).
- وقت القيظ.
الحديث: 653 - الجزء: 2 - الصفحة: 1032
................................
والثالث: أن يتعدد لفظا دون معنى لقيامه مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى كقولك: هذا حلو حامض، بمعنى مزّ، وكقولك: هو أعسر أيسر بمعنى أضبط أي عامل بكلتا يديه، فما كان من النوع الأول صح أن يقال فيه خبران
وثلاثة بحسب تعدده، وما كان من النوع الثاني والثالث فلا يعبر عنه بغير الواحدة إلا مجازا؛ لأن الإفادة لا تحصل فيه عند الاقتصار على بعض المجموع، ويجوز استعمال الأول بعطف ودون عطف بخلاف الثاني، فلا يستعمل دون عطف.
وأما الثالث: فلا يستعمل فيه العطف؛ لأن مجموعه بمنزلة مفرد؛ فلو استعمل فيه العطف لكان كعطف بعض كلمة على بعض.
وقد أجاز العطف أبو علي، فعنده أن قول القائل: هذا حلو وحامض جائز 702، وليس كذلك لما ذكرته.
هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو [1/ 380] في غاية النظافة 703.
بقيت هنا الإشارة إلى أمرين:
الأول:
أن من النحاة من منع تعدد الخبر دون حرف العطف.
قال ابن عصفور في المقرب 704: «ولا يقتضي المبتدأ أزيد من خبر واحد من غير عطف؛ إلّا أن يكون الخبران فصاعدا في معنى خبر واحد» 705، وقال في شرحه لذلك: وإذا قلت: زيد ذاهب راكب كان الاسمان في معنى اسم واحد، وكأنك قلت: زيد جامع بين الذّهاب والرّكوب بخلاف إذا قلت: زيد ذاهب وراكب؛ فإنه يجوز لأنك أخبرت عن زيد بخبرين مستقلّين».
وتبعه على ذلك الشيخ، وقال 706: «هذا هو اختيار من عاصرناه من الشّيوخ».
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1033
................................
قال: «وقد أجاز سيبويه: هذا رجل منطلق على أنّهما خبران على الجمع، وكذلك أجاز: هذا زيد منطلق على الجمع 707». انتهى.
وعلى هذا إذا أخبر عن المبتدأ بأزيد من واحد، فإن قلنا بجواز تعدد الخبر كان كل واحد من الخبرين أو الأخبار بانفراده خبرا عن المبتدأ المذكور، وإن منعنا جواز التعدد فقد ذكروا أن في إعرابه وجهين:
أحدهما: أن يكون كل واحد منهما أو منها خبر مبتدأ محذوف، فإذا قلت:
زيد نحوي كاتب شاعر كان التقدير: هو شاعر هو كاتب.
الثاني: أن يجعل المجموع خبرا واحدا كأنك قلت: زيد الجامع لهذه الأوصاف.
وإذا حقق الناظر نظره لا يجد على منع تعدد الخبر دون عطف لمبتدأ واحد دليلا؛ فالحق أنه جائز كما قال المصنف.
وإذا قلنا بجواز التعدد مع كون المبتدأ واحدا جاز في المتعددين أن يتفقا في الإفراد وغيرها، وجاز أن يختلفا، فيكون أحدهما من قبيل المفرد والآخر من قبيل الجملة، وهو الذي يقتضيه إطلاق النحويين ولكن أبا علي منع ذلك، وقد يستدل على الجواز بقوله تعالى: فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ 708 وقوله تعالى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى 709.
الأمر الثاني:
للناس بحث في مثل: هذا حلو حامض هل فيهما ضميران، أو الثاني هو -
الجزء: 2 - الصفحة: 1034
................................
المتحمل للضمير دون الأول، ونقل عن الفارسي 710 أنه ليس إلا ضمير واحد تحمله الثاني؛ لأن الأول تنزل من
الثاني منزلة الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها.
والذي عليه المحققون أن كل واحد منهما فيه ضمير من جهة كونه مشتقّا؛ قالوا:
ولا يلزم من تحمل المشتق ضميرا أن يكون ذلك المشتق مستقلّا؛ لأن ضمير المشتق ليس معتدّا به كل الاعتداد، بل هو شيء يثبت تقديرا، ولذا ثنوا اسم الفاعل وجمعوه وإن كان فيه ضمير.
ولو روعي الضمير فيه لم يثن ولم يجمع كما لو رفع ظاهرا، ومقتضى هذا التقرير أن العائد على المبتدأ هما الضميران معا، والفائدة حصلت بالرافعين والمرفوعين 711.
لكن الذي يقتضيه كلام ابن عمرون أن العائد على جهة الاستقلال هو من طريق المعنى.
وكان الشيخ بهاء الدين بن النحاس أوضح كلامه، فقال في تعليقه على المقرب: «إن العائد على جهة الاستقلال هو في طريق المعنى ضمير آخر غير الضّميرين اللّذين تحمّلهما المشتقّ من طريق المعنى؛ لأن المعنى: هذا مزّ، قال 712: ولا يكون ذلك الضمير العائد في حلو [1/ 381] على انفراده؛ لأنه حينئذ يكون مستقلّا بالخبريّة وليس المعنى عليه، ولا في حامض على انفراده لذلك أيضا، ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضّمير، فيلزم اجتماع العاملين على معمول واحد، وإنّه لا يجوز» انتهى.
وقوله 713: ولا فيهما لأنهما حينئذ يكونان قد رفعا ذلك الضمير فيلزم... إلى آخره ممنوع؛ لأن كلّا منهما قد رفع الضمير الذي هو مستتر فيه، والضميران عائدان معا إلى المبتدأ، ويمتنع أن ثم ضميرا ثالثا يعود على المبتدأ؛ ليلزم منه ما ذكره.
وأما إذا قلت: هذا حلو حامض طعمه فهل يكون الظاهر مرفوعا بالثاني أو بالأول فالحق أن طعمه مبتدأ مخبر عنه بما تقدم؛ لأن التنازع في سببي مرفوع غير جائز، -
الجزء: 2 - الصفحة: 1035
[تعدد المبتدأ ونوعاه]
قال ابن مالك: (وإن توالت مبتدآت أخبر عن آخرها مجعولا هو وخبره خبر متلوّه، والمتلوّ مع ما بعده خبر متلوه إلّا أن يخبر عن الأوّل بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأول إلى ضمير متلوّه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أوّل لآخر وتال لمتلوّ).
كما ستعرفه في بابه إن شاء الله تعالى 714.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 715: «توالي المبتدآت على ضربين:
أحدهما: بتجرد.
والآخر: بإضافة.
فمع التجرد يخبر عن آخرها، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويؤتى بعد خبر الآخر بروابط مجعولا أولها للأقرب وتاليه لمتلو الأقرب إلى أن يكون آخرها لأول المبتدآت نحو بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أعطيته بها عندهما في دارهم.
ومع الإضافة يخبر عن الآخر، ويجعل هو وخبره خبر متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه؛ إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم؛ فقائم خبر الأب، والأب وخبره خبر الأخ، والأخ وخبره خبر الخال، والخال وخبره خبر العم، والعم وخبره خبر زيد، والمعنى أبو أخي خال عم زيد قائم» انتهى 716. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1036
[اقتران الخبر بالفاء وجوبا وجوازا الأحكام وشروط ذلك]
قال ابن مالك: (فصل - تدخل الفاء على خبر المبتدأ: وجوبا بعد أمّا إلّا في ضرورة أو مقارنة قول أغنى عنه المقول. وجوازا بعد مبتدأ واقع موقع من الشّرطيّة أو ما أختها وهو أل الموصولة [1/ 382] بمستقبل عامّ، أو غيرها موصولا بظرف، أو شبهه، أو بفعل صالح للشّرطيّة، أو نكرة عامّة موصوفة بأحد الثّلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكّر، أو مضاف إليه). وعلم منه أن الحكم في كلا الضربين اللذين ذكرهما واحد بالنسبة إلى أن الخبر يكون عن المبتدأ الآخر، ثم يجعل هو وخبره خبر ما قبله إلى أن يخبر عن المبتدأ الأول بتاليه مع ما بعده، وكذا إذا أردت بيان المعنى في الضربين جعلت مكان كل ضمير الظاهر الذي يعود عليه ذلك الضمير، فكما قلنا في نحو: زيد عمه خاله أخوه أبوه قائم؛ لأن المعنى أبو أخي قال: عم زيد قائم، هكذا في نحو: بنوك الزيدان هند عمرو الدراهم أعطيته بها عندها في دارهم يكون المعنى: الدراهم أعطيت عمرا بهند عند الزيدين في دار بنيك. قال الشيخ 717: «وهذه من المسائل الموضوعة للاختبار، ولا يوجد لها نظير في لسان العرب». قال ناظر الجيش: قال المصنف 718: «نسبة خبر المبتدأ من المبتدأ كنسبة الفعل من الفاعل، فحق الخبر ألا تدخل عليه الفاء كما لا تدخل على الفعل؛ فإذا أدخلت فلا بد لدخولها من سبب، والسبب على ضربين: موجب ومجوز: فالموجب تقدم أما كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ 719. ولا يحذف بعد أما إلّا في ضرورة كقول الشاعر: 656 - فأمّا القتال لا قتال لديكم... ولكنّ سيرا في عراض المواكب 720
الحديث: 656 - الجزء: 2 - الصفحة: 1037
................................
أو مع قول مخبر به مستغنى عنه بمقوله كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 721 أي فيقال لهم: أكفرتم؟ والمجوز لدخول الفاء على الخبر كون المبتدأ واقعا موقع من الشرطية أو ما أختها 722 صاول ذلك
أل الموصولة بما يقصد به الاستقبال والعموم كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 723.
فلو قصد به مضي أو عهد فارق أل شبه من وما، فلم يؤت بالفاء.
ومثال غير أل موصولا بظرف قول الشاعر:
657 - ما لدى الحازم اللّبيب معارا... فمصون وماله قد يضيع 724
ومثال الموصول بشبه الظرف قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ 725.
ومثال الموصول بفعل صالح للشرطية قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما - - في ذكر روابط جملة الخبر بالمبتدأ.
وأما شاهده هنا: فهو سقوط الفاء من خبر المبتدأ الواقع جوابا لأمّا ضرورة.
والبيت في: شرح التسهيل (1/ 328). وفي معجم الشواهد (ص 56).
الحديث: 657 - الجزء: 2 - الصفحة: 1038
................................
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ 726.
وقرأ نافع وابن عامر بما كسبت أيديكم بحذف الفاء 727، فدل ذلك على أمرين:
أحدهما: أن ما هذه موصولة لا شرطية؛ إذ لو كانت شرطية للزمت الفاء؛ لأن بما كسبت لا يصلح أن يكون شرطا؛ فإن الفاء لا تفارقه إلا في الضرورة.
والثاني: أن اقترن الفاء بخبر المبتدأ الذي نحن بصدده جائز لا لازم؛ لأنها لم تلحقه إلا لشبهه بالجواب، فلم تساوه في لزوم لحاقها؛ ليكون للأصل على الفرع مزية.
وقد خلا الخبر المشار إليه من الفاء بإجماع القراء في قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 728.
وقيدت الصلة التي تقع بعدها الفاء بكونها فعلا صالحا للشرطية؛ ليعلم أنها لو كانت فعلا خالص المضي لم تدخل الفاء، وكذا لو اقترن بما لا يدخل عليه من الشرطية ولا ما أختها نحو: الّذي إن حدّث صدق مكرم، والّذي ما يكذب أو لن يكذب مفلح.
ومثال النكرة العامة الموصوفة بأحد الثلاثة: رجل عنده حزم فسعيد، وعهد لكريم فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب.
ومثال المضاف إلى النكرة العامة مشعرا بمجازاة: كلّ رجل عنده حزم فسعيد، وكلّ غلام لكريم فما يضيع، وكلّ نفس تسعى في نجاتها فلن تخيب.
ومثال دخول الفاء على خبر موصوف بالموصول بالمذكور قوله تعالى: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً [1/ 383] فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ 729.
ومنه قول الشاعر: -
الجزء: 2 - الصفحة: 1039
................................
658 - صلوا الحزم فالخطب الّذي تحسبونه... يسيرا فقد تلفونه متعسّرا 730
وقد دخلت على خبر الموصوف بالموصول بعد دخول إن في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ 731. فدخولها عليه مع عدم إن أحق.
ومثال دخولها على غير مضاف إلى الموصول قول امرأة ترثي أخاها:
659 - يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما... وكلّ الّذي حمّلته فهو حامله 732
انتهى 733.
وفي كلامه أمران:
الأول: أنه أثبت سببا موجبا لدخول الفاء على الخبر، وهو تقدم أما، وهذا لا يتحقق؛ -
الحديث: 658 - الجزء: 2 - الصفحة: 1040
................................
لأن الفاء لم تباشر الخبر في نحو أما زيد فقائم لكونه خبرا، وإنما الفاء واجب دخولها بعد أما على الإطلاق خبرا كان أو غير خبر، ولو اعتبر دخول الفاء على الخبر بعد أما لاعتبر دخولها على المبتدأ بعدها أيضا في نحو أما قائم فزيد، فكان يقال: ويجب دخول الفاء على المبتدأ عند تقدم أما وتأخر المبتدأ عما يليها، وذلك لا يقال بخصوصية المبتدأ.
وحاصل الأمر: أنه لا بد من الفاء داخلة على ما يلي أمّا، مبتدأ كان أو خبرا، أو فعل أمر ونهي، أو غير ذلك، وإذا كان كذلك فلم يكن لذكر دخول الفاء على الخبر عند تقدم أما مناسبة، وحينئذ لا يكون لدخول الفاء على الخبر سبب موجب 734.
الأمر الثاني: أنه أدرج في الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره أل الموصولة، وصدر بها الباب، ومثّل لذلك بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 735 وهذا الذي ذكره هنا مخالف لما ذكره في باب الاشتغال، فإنه ذكر هناك حكما، ومثل له، ثم قال: وكقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 736.
وهذا الذي ذكره هنا مخالف تقدير سيبويه؛ لأن تقديره عنده: وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة 737. ولولا ذلك لكان النصب مختارا؛ لأن الفعل المشتغل إذا كان أمرا أو نهيا يترجح النصب، فلم يجعل: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما - جملة واحدة، بل جعل الكلام جملتين والفاء عاطفة، وها هنا أعني في هذا الفصل جعل الكلام جملة واحدة، والفاء رابطة كالفاء في جواب الشرط، والمسألة فيها خلاف بين النحاة أعني دخول الفاء في خبر اسم الفاعل إذا كان صلة أل وكان -
الجزء: 2 - الصفحة: 1041
................................
مبتدأ؛ فذهب المبرد إلى جواز ذلك، قيل: وهو مذهب الكوفيين 738. لأن اسم الفاعل في صلة أل في تأويل الفعل؛ ولذلك عمل وإن كان ماضيا، وعطف الفعل عليه في قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً 739 وعلى ذلك حمل قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 740 وقوله تعالى:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ 741.
وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز؛ لأن المسوغ لدخول الفاء في خبر الذي والتي غير موجود فيما دخلت عليه أل بمعنى الذي والتي، ولهذا حمل سيبويه الآيتين الشريفتين على تقدير خبر محذوف [1/ 384] وجعل التقدير: فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، وفيما فرض عليكم الزانية والزاني أي حكمهما.
ودل على ذلك قوله تعالى قبل: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها 742.
وقد عرفت أن الذي يدل على أن التقدير كذلك رفع أكثر القراء لهما، ولولا أن التقدير كما قال سيبويه لكان المختار النصب، والظاهر أن المصنف جنح هنا في هذه المسألة إلى قول المبرد، ووافق سيبويه في باب الاشتغال.
والظاهر أن المختار في هذه المسألة مذهب سيبويه وعليه التعويل.
وقد انتقد الشيخ على المصنف أمرين:
أحدهما 743: أنه قال: بعد مبتدأ، ثم قال: وهو أل الموصولة، قال: وليس أل هو المبتدأ، بل هو وصلته هو المبتدأ، ولذلك ظهر الإعراب في الصلة.
الثاني 744: أنه قال: بمستقبل عام، قال: والعموم في الوصف إنما استفيد من أل وقد وصف أل بقوله: الموصولة بمستقبل عام؛ فتوقفت معرفة أل على وصفها بما ذكر، وتوقف معرفة وصف مستقبل بالعموم على قوله: عام؛ فلا يعرف عموم المستقبل إلا بدخول أل، ولا يعرف أل إلا بوصفه بالمستقبل، وهو المستفاد عمومه من أل، فلزم كل منهما أن تتوقف معرفته على معرفة ما يتعرف به، وذلك لا يصح.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1042
................................
إذا عرفت هذا فنقول: الجواز دخول الفاء في خبر المبتدأ على مذهب البصريين غير المبرد شروط:
أحدها: أن يكون المبتدأ موصولا لا يراد به الخصوص أو نكرة عامة.
الثاني: أن تكون الصلة أو الصفة للموصول والموصوف المذكورين ظرفا أو جارّا ومجرورا أو فعلا.
الثالث: أن يكون الفعل الواقع صفة أو صلة غير مقرون بأداة شرط.
الرابع: أن يكون الفعل المذكور على هيئة لا تنافي أداة الشرط.
الخامس: أن يكون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة، وقد يعبر بغير ذلك فيقال:
أن تكون الصلة أو الصفة متضمنة للشرط، ويكون الخبر متضمنا للجزاء، والمقصود من العبارة الأولى
والعبارة الثانية واحد، وهو أن تكون الصلة أو الصفة سببا والخبر مسببا عن الصلة أو الصفة.
ومن هذا الشرط الخامس يعلم أن من شرط الفعل الواقع صلة أو صفة أن يكون مستقبل المعنى.
واعلم أن هذه الشروط تؤخذ عن كلام المصنف:
أما الموصولية والموصوفية فقد صرح بهما، وقيد الموصوف بكونه عامّا، وأما الموصول فهو عام بالوضع.
وأما كون الصلة أو الصفة أحد الأمور الثلاثة فقد صرح به أيضا.
وأما كون الفعل غير مقرون بأداة شرط وكونه على هيئة لا تنافي أداة الشرط فمستفاد من قوله: صالح للشّرطية؛ لأنه إذا قرن بأداة شرط لا يكون صالحا للشرطية كما إذا كان على هيئة تنافي أداة الشرط.
وأما كون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة فيستفاد من قوله: بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها؛ لأن من وما الشرطيتين [1/ 385] شأنهما ذلك مما وقع من الأسماء موقع شيء منهما فحكمه حكمه.
والموجب لالتزام هذه الشروط المذكورة تحقق شبه المبتدأ لاسم الشرط وشبه صلته أو صفته بفعل الشرط، وشبه الخبر لجواب الشرط.
فإذا حصلت هذه الأشباه الثلاثة -
الجزء: 2 - الصفحة: 1043
................................
ساغ دخول الفاء في الخبر؛ لإفادة الربط كما يحصل بالفاء ربط الجزاء بالشرط، ومن ثم وجب كون المبتدأ عامّا، وأن تكون صلته أو صفته فعلا؛ لأن اسم الشرط لا يوصل بجملة اسمية.
وإنما ساغ الوصل أو الوصف بالظرف وشبه الظرف؛ لأنهما يؤولان بالفعل، وأن يكون الخبر مستحقّا بالصلة أو الصفة بمعنى أن المتكلم لا يدخل الفاء حتى يقصد ترتب الخبر على الصلة أو الصفة كما يترتب الجزاء على الشرط.
وأما كون الفعل على هيئة لا تنافي أداة الشرط فظاهر؛ لأن الفاء إنما تدخل لشبه هذا الفعل بفعل الشرط فكأنه شرط.
وإذا كان كذلك فلا بد من صلاحيته لأن يكون شرطا.
وأما كونه غير مقرون بأداة شرط فقد علل بتعليلين:
أحدهما: أن المبتدأ إذا دخلت الفاء في خبره كان منزلا منزلة اسم الشرط، واسم الشرط لا يجوز دخوله على أداة الشرط، فكذلك ما كان منزلا منزلته.
الثاني: أنك إذا قلت: الذي إن يكرمني يكرمك فمحسن كان الخبر أيضا مستحقّا بالصلة وجوابا لها في المعنى، وإن يكرمني من الصلة فيلزم أن يكون فمحسن جوابا لإن يكرمني، وهو قد أخذ جوابه، فيلزم من ذلك أن يكون للشرط جوابان، وذلك غير جائز.
وقال ابن عمرون: فإن كانت الصلة شرطا فلا تدخل الفاء في الخبر؛ لأنه قد أخذ الشرط جوابه في الصلة، فلا حاجة
إلى جزاء آخر.
وقد بقي التنبيه على أمور:
الأول 745:
زعم هشام 746 أن الموصول إذا وصف أو أكد لم يجز دخول الفاء في خبره مع استيفاء الشروط فلا يجوز عنده أن تقول: الذي يأتيك هو نفسه فله درهم، قال:
لأنك لا تريد أن تخص رجلا بعينه، وإنما تريد كل من كان منه إتيان إليك فله درهم، فإذا قلت: نفسه، ذهب معنى الجزاء، وكذلك الذي يأتيك الظريف فأكرمه لا يجوز عندهم.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1044
................................
وقال ابن عصفور: «وهذا الّذي ذهب إليه يعضده أنّه لا يحفظ دخول الفاء مع التّأكيد أو النّعت في كلام العرب» 747.
الأمر الثاني:
ذهب بعضهم إلى أن الاسم الموصوف بالموصول لا يجوز دخول الفاء في خبره، وتأول الآيات الشريفة تأويلا بعيدا 748، والظاهر أن هذا لا يعتد به، فإن الجمهور على خلافه، والأدلة عاضدة لهم.
الأمر الثالث:
قال أبو الفارسي في الإيضاح له: «فإذا دخلت الفاء في خبر المبتدأ الموصول والنّكرات الموصوفة آذنت بأنّ ما بعدها مستحقّ للفعل المتقدّم أو معناه» 749 فقال ابن أبي الربيع في شرحه 750: «اعلم أنك إذا أدخلت الفاء في خبر الموصول علم أن الخبر مستحق للصلة إن كانت علة، ومستحق لمعناها إن كانت متضمنة العلّة، ومثال ذلك أن تقول: الّذي يرعاني فأنا أحبّه، فرعايته لك بلا شك علة في المحبّة وسبيلها، وكذلك [1/ 386]: الّذي يحسن إليّ فأنا أودّه؛ لأن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها، فإن قلت: الذي يأتيني فله درهم فليس نفس الإتيان يوجب الدّرهم بنفسه؛ إنما هو متضمّن للعلة في استحقاق الدّرهم؛ لأن في الإتيان -
الجزء: 2 - الصفحة: 1045
[مسائل مختلفة في اقتران الخبر بالفاء]
قال ابن مالك: (وقد تدخل على خبر كلّ مضافا إلى غير موصوف، أو إلى موصوف بغير ما ذكر، وعلى خبر موصول غير واقع موقع من الشّرطيّة ولا ما أختها، ولا تدخل على خبر غير ذلك خلافا للأخفش. وتزيلها نواسخ الابتداء إلّا إنّ وأنّ ولكنّ على الأصحّ). ميزة وكرامة ورعاية وخدمة استوجب بها صلته عنك بذلك». قال ابن أبي الربيع: «فهذا معنى قول أبي عليّ: آذنت بأنّ ما بعدها مستحق للفعل المتقدم أو معناه». الأمر الرابع: أورد على قول النحاة أن الخبر يكون مستحقّا بالصلة قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ 751 فإن هذا المعنى الذي ذكروه لا يتحقق في الآية الشريفة؛ لأن كون هذه النعم من الله غير مستحق باستقرار نعمه بنا، وأجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن السبب أقيم في الآية الشريفة مقام المسبب؛ فالمعنى في الآية الشريفة: وما بكم من نعمة فمن الله، فاشكروا الله عليها؛ لأنها منه. فأقيم سبب الشكر على النعمة وهو كونها منه مقام المسبب عنه وهو الشكر، واستغني به عنه. الثاني: أن هؤلاء قد عرفوا النعمة وجهلوا المنعم، فنبهوا أن الاستقرار الأول سبب للعلم بالاستقرار الثاني. قال ناظر الجيش: هذا الكلام يتضمن الإشارة إلى مسائل خمس: الأولى: أن الفاء قد تدخل على خبر كل مضافا إلى غير موصوف، ومثال ذلك قول الأفوه: 660 - وكلّ قرينة فإلى افتراق... ولكن فرقة تنفي الملاما 752
الحديث: 660 - الجزء: 2 - الصفحة: 1046
................................
ومثله ما جاء في معنى بعض الأذكار المأثورة عن بعض السلف وهو: «باسم الله ما شاء الله، كلّ نعمة فمن الله، لا قوّة إلّا بالله، الخير كلّه بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السّوء إلّا الله، ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله».
والظاهر أن الوصف مقدر يرشد إليه المعنى؛ فإن المعنى كل نعمة في الوجود فمن الله، وكذا يقدر في البيت، وكل قرينة تقرن بقرينها.
الثانية:
أن الفاء قد تدخل أيضا على خبر كل مضافا إلى موصوف بغير ما ذكر، أي بغير الظرف وشبهه والجملة، ومثاله قول الشاعر:
661 - كلّ أمر مباعد أو مدان... فمنوط بحكمة المتعالي 753
الثالثة:
أن الفاء قد تدخل أيضا على خبر موصول غير واقع موقع من الشرطية ولا ما أختها، وذلك كما في قوله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ 754 وكذا - - والشاهد في البيت قوله: وكل قرينة فإلى افتراق؛ حيث اقترن خبر كل المضافة إلى النكرة غير الموصوفة بالفاء.
والبيت في: التذييل والتكميل (4/ 105) وليس في معجم الشواهد.
الحديث: 661 - الجزء: 2 - الصفحة: 1047
................................
قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ 755 ولا شك أن هذا ماض لفظا ومعنى مقطوع بوقوعه صلة وخبرا.
وقد تأولوا هذا على معنى التبين كأنه قيل: وما يتبين إصابته إياكم [1/ 387] وما يتبين إفاءة الله على رسوله منهم، ونظير ذلك قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ 756 أي إن يتبين كون قميصه قد من قبل.
الرابعة:
أن الفاء لا تدخل على خبر شيء غير الذي ذكر في هذا الفصل، وقد خالف الأخفش في ذلك، وأجاز دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط نحو:
زيد فمنطلق، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد 757. ومثل ما زعم قول الشاعر:
662 - [يموت أناس أو يشيب فتاهم]... ويحدث ناس والصّغير فيكبر 758
قال المصنف 759: ورأيه في ذلك ضعيف 760؛ لأنه لم يرد به سماع ولا حجة له - - قال: والذي نذهب إليه أنه يجوز دخول الفاء في الخبر والصلة ماضية من جهة المعنى؛ لورود هذه الآية، ولقوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الحشر: 6] ومعلوم أن هذا ماض مقطوع بوقوعه صلة وخبرا، ويكون ذلك على تأويل وما يتبين إصابته إياكم كما تأولوا: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ [يوسف: 26] أي إن تبيّن كون قميصه قدّ... إلخ، ثم ذكر عدة آيات أخرى.
الحديث: 662 - الجزء: 2 - الصفحة: 1048
................................ في قول الشاعر: 663 - وقائلة خولان فانكح فتاتهم... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا 761 ولا في قول الآخر: 664 - أرواح مودّع أم بكور... أنت فانظر لأيّ ذاك تصير 762
-
- هذا أنّ دخول الفاء لا معنى له ها هنا، فإذا كان اسم موصول بفعل ما ولم تقصد به إلى شخص بعينه وكان الفعل مستقبلا أو في معنى الاستقبال وإن كان ماضيا جاز أن تدخل الفاء في خبره، وتذهب بالاسم الأول مع صلته مذهب المجازاة، وذلك قولك: الّذي يأتيني فله درهم إذا لم تكن قاصدا إلى واحد بعينه».
الحديث: 663 - الجزء: 2 - الصفحة: 1049
................................
لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف، ومعنى الثاني:
انظر أنت؛ فأنت فاعل فعل محذوف على أن زيادة الفاء في مثل هذا قد سهلها كون الخبر أمرا كما سهلها كون العامل أمرا مفرغا في نحو: زيد فاضرب، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ 763؛ لأن الأمر يتطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة، فالقائل زيدا فاضرب، أو زيدا فاضربه كأنه قال: مهما يكن من شيء فزيدا اضرب، ومهما يكن من شيء فزيدا اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق؛ إذ ليس الخبر أمرا فيتطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة.
انتهى 764.
قال ابن عصفور 765: وأجاز أبو الحسن دخول الفاء في الخبر وإن لم توجد الشروط، وأجاز أن تقول: زيد فمنطلق، والصّحيح أن ذلك لا يجوز؛ لأن الفاء - - قال السيرافي: أوله سيبويه على أوجه ثلاث وعندي فيه رابع.
أما أوجه سيبويه فهي: الأول: ترفع أنت بفعل مستتر يفسره الظاهر.
الثاني: ترفع أنت على الابتداء، ويضمر له خبر، والفاء جواب الجملة.
الثالث: أن تجعل أنت خبر المبتدأ أي: الراحل أنت.
قال السيرافي: والوجه الرابع الذي عندي أن ترفع أنت ببكور؛ لأن المصادر تعمل عمل الأفعال كأنك قلت: أنت تروح أنت.
انتهى بتلخيص.
(انظر شرح كتاب سيبويه للسيرافي: 2/ 710). والبيت في معجم الشواهد (ص 171) وهو في: التذييل والتكميل (4/ 106) وفي شرح التسهيل لابن مالك (1/ 331). ترجمة عدي بن زيد: هو عدي بن زيد ويكنى أبا عمير نصراني عبادي ينتمي إلى بيت من البيوتات القديمة في الحيرة، وقد سكن فيها، فلان لسانه وسهل منطقه، وكان عدي كاتبا لكسرى، وكان كسرى مكرما له محبّا، ولو أراد عدي أن يملكه كسرى على الحيرة لملّكه، ولكنه كان يحب الصيد واللهو ولم يكن راغبا في ملك العرب، كان وصيّا على النعمان بن المنذر وهو صغير، ولما كبر النعمان وملك الحيرة غدر بعدي، فحبسه ثم قتله، وقد اقتص ابن عدي لأبيه من النعمان.
وعدي هو القائل يعاتب النعمان: لو بغير الماء حلقي شرق... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري انظر ترجمة عدي بن زيد في معجم الشعراء للمرزباني (ص 80 - 82). وكذلك في تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: (1/ 124) وما بعدها.
الجزء: 2 - الصفحة: 1050
................................
إما عاطفة أو رابطة، ولا يصح كونها في: زيد فمنطلق عاطفة؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المبتدأ بغير خبر ولا رابطة؛ لأن الخبر مرتبط بالمبتدأ من غير دخول الفاء، ولا تجوز دعوى الزيادة؛ لأن زيادة الحروف خارجة عن القياس، فلا يقال به إلا أن يرد بذلك سماع قياس مطرد، كما فصل بالباء في خبر ما وليس، ولم يجئ في الفاء إلا قولهم: أخوك فوجد، وقولهم: ويحدث ناس والصّغير فيكبر.
وأجاز بعض الكوفيين دخول الفاء في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا نحو قولك: زيد فاضربه، وعمرو فلا تشتمه، ومنعوا دخولها في نحو قولك: زيد فقائم، وإنما أجازوا ذلك حملا للرفع على النصب، وذلك أن العرب تقول: زيدا فاضرب وبزيد فامرر، فيتقدم معمول ما بعد الفاء عليها، ووجه ذلك أن الأصل: تنبه فاضرب زيدا، أو تنبه فامرر بزيد، فحذفت الجملة الأولى لدلالة المعنى عليها، فبقيت الفاء أول الكلام، وهي موضوعة على ألا تكون كذلك، فقدم ما بعدها عليها إصلاحا للفظ.
فأجازوا على ذلك أن يقال: زيد فاضربه على أن يكون الأصل: تنبه فزيدا اضربه، ثم حذف تنبّه، فبقيت الفاء أولا فتقدم المبتدأ عليها إصلاحا للفظ.
قال 766: والصحيح أن ذلك لا يقال به إذا وجد في كلامهم: زيد فاضربه؛ إذ لم تدع ضرورة [1/ 388] إلى تقدير حذف جملة، وتقديم ما بعد الفاء عليها، إذ قد يمكن جعل زيد خبرا لمبتدأ محذوف، ويكون التقدير: هذا زيد فاضربه، وتكون الفاء رابطة لجملة الأمر بالجملة التي قبلها أو عاطفة لها عليها، وإذا نصبت أو جررت والفعل بعد الفاء مفرغ لم يكن بد من ادعاء التقديم، إذ لا عامل له إلا الفعل الذي بعدها، فتبين إذن أن قول العرب: زيد فاضربه لا ينبغي أن يحمل على زيادة الفاء في الخبر كما ذهب إليه أبو الحسن؛ لأن زيادتها لا تنقاس للعلة التي تقدم ذكرها، ولا على ما ذهب إليه الكوفيون، وهو أن الأصل: تنبه فزيد اضربه لما في ذلك من تقدير حذف جملة، وتقديم ما بعد الفاء عليها، ولم تدع إلى ذلك ضرورة؛ إذ قد يمكن الحمل على ما ذكرناه» انتهى 767. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1051
................................
وقال ابن أبي الربيع: «اختلف النحويون في دخول الفاء في خبر المبتدأ على ثلاثة مذاهب 768:
فسيبويه وأكثر النحاة من البصريين: على أنها لا تدخل في الخبر إلا بالشروط 769 التي قد عرفت.
وأبو الحسن الأخفش: يرى دخولها على الذي يراه سيبويه ومن تبعه، وعلى وجه آخر وهو الزيادة نحو: زيد فمنطلق.
والثالث: ما ذهب إليه بعض الكوفيين، وهو أنها تدخل على الوجه الذي يراه البصريون، وعلى وجه آخر: وهو أن تدخل على تقدير جواب شرط محذوف، فتقول: زيد فمنطلق على تقدير: مهما يكن شيء فزيد منطلق كما يقال: زيدا فاضرب على معنى 770 مهما يكن من شيء فاضرب زيدا.
وكما يقال: فامرر على معنى مهما يكن من شيء فامرر بزيد.
فقد اتفق النحويون على ما ذهب إليه سيبويه، فلا كلام في ذلك.
وأما ما ذهب إليه أبو الحسن من الزيادة فيقال فيه: إن الزيادة في الحرف لا بد لها من دليل، ولا يكون الدليل إلا غير محتمل، ولم يأت بشيء إلا محتمل التأويل، فمنه قول الشاعر:
665 - وقائلة خولان فانكح فتاتهم...... البيت
فقال المعنى: خولان انكح فتاتهم، وليس هذا بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لكان النصب أحسن، والمروي في البيت الرفع، وإنما خولان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه خولان فانكح فتاتهم كما تقول: هذا زيد فاضربه، ومما يستدل به لأبي الحسن قول الشاعر:
666 - أرواح مودّع أم بكور... أنت...
فانظر البيت.
-
الحديث: 665 - الجزء: 2 - الصفحة: 1052
................................
وقد تأول سيبويه البيت على ثلاثة أوجه 771:
أحدها: أن يكون أنت فاعلا بفعل مضمر تقديره انظر، وتكون الفاء قد دخلت دخولها في قولك: زيدا فاضربه كأنه قال: مهما يكن من شيء فانظر لأي ذاك تصير أي: لا يصدنك شيء في النظر؛ لأنه أمر لازم ولا بد منه.
الثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: أنت مرادي.
الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: المراد أنت؛ فلم يكن لأبي الحسن دليل قاطع على الزيادة.
وأما ما ذهب إليه بعض الكوفيين من أنها تدخل لما في الكلام من الشرط المقدر، وجعلوه بمنزلة: زيدا فاضرب [1/ 389] فلا يثبت، وأنا أبين ذلك فأقول 772:
اعلم أن العرب إذا حذفت الشرط، جعلت مكانه ما يتضمن حذف الشرط فتقول: أما زيد فمنطلق، وأما زيدا فاضرب، وأما بزيد فامرر.
الأصل: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، أو فاضرب زيدا، أو فامرر بزيد، ثم حذفت العرب الشرط وجعلت مكان الجملة كلها (أمّا) فصار: أما فزيد منطلق، فجاءت الفاء تلي الحرف الذي يدل على الشرط، فقبح اللفظ؛ لأن حرف الشرط لا تليه الفاء التي تلقى بها الشرط، فقدموا شيئا من جملة الجواب على الفاء، ليزول قبح اللفظ، فقالوا: أما زيد فمنطلق، وأما منطلق فزيد.
وكذلك أما زيدا فاضرب، وأما بزيد فامرر، ولم يسمع حذف الشرط، ولم يجعل مكانه أمّا، واكتفي بالفاء إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الجملة فعلية.
والثاني: أن تكون اقتضائية نحو: زيدا فاضرب، وبزيد فامرر.
قال الله سبحانه وتعالى: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ 773 وقال تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ 774. انتهى، وهو أكثر تنقيحا من كلام ابن عصفور في هذا الموضع.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1053
................................
المسألة الخامسة:
أن المبتدأ الذي يجوز دخول الفاء في خبره إذا دخل عليه ناسخ من نواسخ الابتداء غير أن وإن، ولكن منع دخول الفاء بالاتفاق، وذلك لزوال شبه المبتدأ حينئذ باسم الشرط.
ولأن بعض النواسخ كليت ولعل تخرج الكلام من كونه خبرا والشرط خبر بدليل وقوعه صفة للنكرة؛ فلو دخلت الفاء لكان الكلام خبرا غير خبر، وذلك محال.
أما إذا كان الناسخ إن أو أن أو لكن فإن الفاء لا يمتنع دخولها.
قال المصنف 775: فإنها ضعيفة العمل؛ إذ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع المبتدأ 776. ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء 777 ولم تعمل في الحال 778؛ بخلاف كأن وليت ولعل؛ فإنها قوية العمل مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، وصالحة للعمل في الحال تقوي شبهها بالأفعال، وساوتها في المنع من الفاء المذكورة.
ومن بقاء الفاء مع دخول إن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ 779. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 780.
ومن شواهد بقائها مع أن المفتوحة قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ 781. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1054
................................ ومنه قول الشاعر: 667 - علمت يقينا أنّ ما حمّ كونه... فسعي امرئ في صرفه غير نافع 782 ومن شواهد بقائها بعد دخول لكن قول الشاعر: 668 - بكلّ داهية ألقى العداة وقد... يظنّ أنّي في مكري بهم فزع كلّا ولكنّ ما أبديه من فرق... فكي يغرّوا فيغريهم بي الطّمع 783 ومثله قول الآخر: 669 - فو الله ما فارقتكم قاليا لكم... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون 784
الحديث: 667 - الجزء: 2 - الصفحة: 1055
................................
[1/ 390] وقال في شرح الكافية 785: إذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء إن لم يكن إنّ أو أنّ أو لكنّ بإجماع المحققين؛ فإن كان واحدا منهن جاز بقاء الفاء نص على ذلك في إن وأنّ سيبويه 786، وهو الصحيح الذي ورد القرآن به كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 787. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً 788. وقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ 789، 790.
وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ 791.
ثم ذكر شواهد لكن 792 ثم قال: «وروي عن الأخفش أنه منع من دخول الفاء بعد إن 793. وهذا عجيب؛ لأن زيادة الفاء على رأيه جائزة وإن لم يكن المبتدأ يشبه أداة الشرط نحو: زيد فقائم؛ فلو دخلت إن على اسم يشبه أداة الشرط فوجود الفاء في الخبر أسهل وأحسن من وجودها في خبر زيد وشبهه.
وثبوت هذا عن الأخفش مستبعد، وقد ظفرت له في كتابه معاني القرآن العزيز أنه موافق لسيبويه في بقاء الفاء بعد دخول إن، وذلك أنه قال 794: وأما وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما 795 فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ؛ لأن الذي إذا كان صلته فعلا جاز أن يكون خبره بالفاء نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ -
الجزء: 2 - الصفحة: 1056
................................
الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ 796 ثم قال: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ (2)».
انتهى 797.
ونقل ابن عمرون عن عبد القاهر أنه قال 798: مذهب أبي الحسن أنّ الفاء لا تمنع يعني مع أن، قال: وأظنّ الزّمخشري عوّل على كلام عبد القاهر.
فقال في الحواشي: «يجوز دخول الفاء في خبر الاسم المتضمّن لمعنى الشّرط إذا دخل عليه أن على مذهب الأخفش، ولا يجوز على مذهب سيبويه 799.
لكن قال المبرد في المسائل المشروحة من الكتاب 800: «كان الأخفش يضعّف (إن الّذي يأتيني فله درهم) لدخول إنّ على الّذي.
ولا أدري ما قال إلّا غلطا».
وكذا نقل السيرافي عن الأخفش أنه يضعف ذلك.
قال ابن عمرون: والّذي يظهر أنّ الأخفش هو الّذي يمنع؛ لأنّه يجوّز زيادة الفاء، فيمكن إذا ورد عليه شيء من ذلك أن يخرّجه على زيادة الفاء، وسيبويه لا يعتقد ذلك» انتهى 801. -
الجزء: 2 - الصفحة: 1057
................................
وفي عبارة المصنف أمران:
أحدهما: قوله في المتن: وتزيلها نواسخ الابتداء.
وفي الشرح: إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء في خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر.
قال الشيخ: «هذا يقتضي أن الناسخ يدخل على مبتدأ دخلت الفاء في خبره، وليس كذلك؛ بل إذا دخل النّاسخ فلا يدخل إلّا على مبتدأ لا يكون الفاء في خبره، وليس المعنى أنّه إذا دخل الناسخ أزال الفاء» انتهى 802.
وما قاله الشيخ ظاهر، لكن يمكن حمل كلام المصنف على أن ثم مضافا محذوفا، التقدير ويزيل دخولها أي: ويمنع دخولها نواسخ الابتداء.
الثاني: الظاهر من قوله [1/ 391]: على الأصحّ أنه راجع إلى الثلاثة.
أما إنّ فقد عرف الخلاف الذي ذكر فيها بين الإمامين الكبيرين 803.
وأما أنّ ولكنّ فالظاهر أن من منع دخول الفاء مع إن المكسورةيمنع مع أن ولكن؛ بل ربما يكون منعه منهما أولى.
على أن ابن عصفور صرح بالمنع؛ فإنه قال 804: «الموصول الّذي يجوز دخول الفاء في خبره إن دخلت عليه ليت أو لعلّ أو ما أشبههما من نواسخ الابتداء لم يجز دخول الفاء في خبره؛ لأن الموصول إذ ذاك لا يشبه اسم الشرط ما لم يكن الناسخ إن؛ فإن كان إن جاز دخول الفاء في الخبر، وجاز ذلك معها وحدها من بين سائر أخواتها؛ لأن العرب تعامل إن زيدا قائم معاملة زيد قائم لما كانا في معنى واحد بدليل قولهم: إن زيدا قائم وعمرو، ولا كذلك النواسخ» انتهى 805.
واقتضى كلامه أن دخول الفاء مخصوص بأن وحدها.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 1058
................................
وقد ختم الشيخ هذا الفصل بمسألتين 806.
الأولى: «إن أعملت هذه العوامل في اسم آخر جاز دخول الفاء نحو: إن الّذي يأتيني فله درهم، وإن زيدا كل رجل يأتيه فله درهم».
وهي واضحة 807.
الثانية: «إذا جئت بالفاء في خبر ما فيه معنى الجزاء لم يجز العطف عليه قبلها عند الكوفيين، وأجازه ابن السّراج» 808. والله أعلم 809.
الجزء: 2 - الصفحة: 1059
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ
دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد الثالث]
الجزء: 3