تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام

[ظن وأخواتها وحكم المفعولين معها]

قال ابن مالك: (فتنصبهما مفعولين ولا يحذفان معا أو أحدهما إلّا بدليل ولهما من التّقديم والتّأخير ما لهما مجرّدين ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر «كان» فإن وقع موقعهما ظرف أو شبهه أو ضمير أو اسم إشارة امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما لا إن لم يكنه ولم يعلم المحذوف).
قال ناظر الجيش: قال [2/ 164] المصنف 1: أفعال هذا الباب هي النوع الثالث من نواسخ الابتداء وآخر أبوابها، لأن جزأي الإسناد فيه مستويان في النصب كما هما في باب الابتداء مستويان في الرفع، فجعلا طرفين في الترتيب واكتنفا بأن «كان» و «إنّ» لأن أحد الجزأين فيهما مرفوع والآخر منصوب فلم يفترقا، وقد تقدم بيان ما تدخل عليه كان وما لا تدخل عليه، فلذلك أحلت عليه 2. إلا أن مما لا يدخل عليه «كان» ما اشتمل عليه من المبتدآت على استفهام نحو: أيهم أفضل، وغلام من عندك، فهذا النوع لا يمتنع دخول أفعال هذا الباب عليه «كما امتنع دخول كان عليه» 3، فلذلك قلت بعد: الداخل عليهما «كان»: والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام فيقال في أيهم أفضل، وغلام من عنده، أيهم ظننت 4 وغلام من ظننت عنده، ولا يحذف أحدهما إلا بدليل، -

الجزء: 3 - الصفحة: 1453

................................  لا يجوز لك في: ظننت زيدا منطلقا أن نقتصر على منطلق، ولا على زيد لئلّا تذكر خبرا دون مخبر عنه أو مخبرا عنه دون خبر.
فإن دلّ دليل على المحذوف جاز الحذف كقولك: (قائما) لمن قال: (ما ظننت زيدا) وزيدا لمن قال: من ظننت قائما 5. قال عنترة: - 1089 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره... منّي بمنزلة المحبّ المكرم 6 أي فلا تظني غيره كائنا.
وقال الآخر: 1090 - كأن لم يكن بين إذا كان بعده... تلاق ولكن إخال تلاقيا 7 أي لا إخال الكائن تلاقيا، أو لا إخال بعد البين تلاقيا.
ومن الحذف لدليل قول الشاعر: -

الحديث: 1089 - الجزء: 3 - الصفحة: 1454

................................  1091 - وأنت غريم لا أظنّ قضاءه... ولا العنزيّ القارظ الدّهر جائيا 8 وقد يحذفان معا إن وجدت فائدة: كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 9، وقوله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى 10 ومنه قول العرب: «من يسمع يخل» 11، وقول الشاعر 12: 1092 - بأيّ كتاب أم بأي سنّة... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب 13 فلو لم يقارن الحذف قرينة يحصل بسببها فائدة لم يجز كاقتصارك على أظن من قولك: (أظن زيدا منطلقا)، فإنه غير جائز فإن غرضك الإعلام بأن إدراكك لمضمون الجملة بظن لا يتعين فتنزل أظن من جزأي الحديث منزلة في ظني، فكما لا يجوز لمن قال: (زيد منطلق في ظنّي) أن يقتصر على (في ظني)، كذا لا يجوز لمن قال: (أظن زيدا منطلقا) أن يقتصر على أظن، ولأن قائل أظن أو أعلم دون قرينة يدل على تحدد ظن أو علم بمنزلة قائل: (النار حارة) في عدم الفائدة إذ لا -

الحديث: 1091 - الجزء: 3 - الصفحة: 1455

................................  يخلو إنسان من ظن «ما» ولا من منع 14 ما ومنع الاقتصار على أظن وغيره على الوجه المذكور هو مذهب سيبويه 15 والمحققين ممن تدبر كلامه كأبي الحسن بن خروف وابن طاهر 16، وأبي علي الشلوبين 17. ومما يدل على ذلك من كلام سيبويه قوله في باب إضمار المفعولين اللذين [2/ 165] يتعدى إليهما فعل الفاعل: «وذلك أن حسبت بمنزلة كان إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال، ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبان بعد «حسبت» بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد «ليس» و «كان»، وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت، وكان» 18 هذا نصه.
فصرح بأن حسبت مع مرفوعها في احتياج إلى المنصوبين بمنزلة «ليس» و «كان» في احتياجهما إلى المرفوع والمنصوب، فكما لا يقتصر على «ليس» و «كان» دون المرفوع والمنصوب لا يقتصر على «حسبت» ومرفوعها دون المنصوبين، وهذا واضح، ويؤيده قوله في آخر الباب الذي يلي الباب المشار إليه بعد ذكر حسبت وأخواتها: والأفعال الأخر إنما هي بمنزلة اسم مبتدأ والأسماء مبنية عليها، ألا ترى أنك تقتصر على الاسم كما تقتصر على المبني على المبتدأ يريد أنك تقتصر على ضربت، كما تقتصر على المبتدأ وخبره.
ثم قال: فلما صار «حسبت» وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إنّ وأخواتها إذا قلت «إني» و «لعلي» لأن «إنّ» وأخواتها لا يقتصر على الأسم الذي يقع بعدها 19 فجعل افتقار «حسبت» وأخواتها مع فاعلها إلى الجزأين كافتقار «إنّ» و «لعل» مع منصوبيهما إلى الخبر وهذا أيضا واضح.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1456

................................  وفي الكلام تسوية بين حسبت وأخواتها نعم إنه حين قال: لأنك قد تقول: ظننت فيقتصر، لم يقصد الإطلاق والاختصاص، بل قصد التنبيه على أن بعض المواضع قد يقتصر فيه على الفعل ومرفوعه لقرينة تحصل بها الفائدة واكتفي بظننت اختصارا واتكالا على العلم بمساواة غير ظننت لظننت، وذهب ابن السراج 20 والسيرافي إلى جواز الاقتصار على مرفوع هذه الأفعال مطلقا 21 وكان الذي دعاهما لهذا أن الأخفش قال في كتابه المسمى بالمسائل الصغرى: تقول: خبرت عبد الله، وظن عبد الله، وأعلم عبد الله، إذا كنت تخبر عن الفعل 22 هذا نصه.
والذي عندي في هذا أن الأخفش لم يقصد جواز الاقتصار مطلقا، بل مع قرينة محصلة للفائدة، كقولك لمن قال: (من ظنني ذاهبا؟): (ظن عبد الله)، ولمن قال: (من أعلمك أني ذاهب؟): (أعلم عبد الله) ولذلك قال: إذا كنت تخبر، فإن الناطق بما لا فائدة فيه ليس بمخبر.
وأشرت بقولي: «ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين» إلى أن الأصل تقديم المفعول الأول وتأخير المفعول الثاني، وأنه قد يعرض ما يوجب البقاء على الأصل، وما يوجب الخروج عنه، كما يعرض في باب الابتداء، فإن لم يعرض موجب لأحد الأمرين جاز التقديم والتأخير فمن [2/ 166] موجبات البقاء على الأصل: تساويهما في تعريف أو تنكير 23، نحو: ظننت زيدا صديقك وعلمت خيرا منك فقيرا إليك، ومن موجبات الخروج عن الأصل حصر المفعول الثاني 24 نحو: ما ظننت زيدا إلا بخيلا، وقد بينت أسباب البقاء على الأصل والخروج عنه في باب الابتداء مستوفاة فأغنى ذلك عن استيفائها هنا وأكتفي بالإحالة -

الجزء: 3 - الصفحة: 1457

................................  عليها 25. ثم قلت: ولثانيهما من الأقسام والأحوال فالخبر «كان» أي لثاني مفعولي هذه الأفعال من ذلك ما لخبر «كان» 26 وإنما كان ما قرر لذلك لتساويهما في الخبرية، واستحقاق النصب، وقد ذكرت الأقسام والأحوال هناك فلم يكن هنا حاجة إلى ذكرها، وقد يقع بعد إسناد هذه الأفعال إلى فاعليها ظرف أو جار ومجرور، أو ضمير أو اسم إشارة فيمتنع الاقتصار عليه إن كان أحد المفعولين لا إن لم يكن أحدهما فالاقتصار على «عندك» إذا قلت: ظننت عندك - جائز، إن جعل ظرفا لحصول الظن، وغير جائز إن جعل مفعولا ثانيا والآخر محذوف والاقتصار على لك إذا قلت: ظننت لك جائز إن جعل علة لحصول الظن، وغير جائز إن جعل مفعولا ثانيا، والآخر محذوف وكذا لو قلت: ظننته أو ظننت ذاك مقتصر جاز إن عني بالضمير واسم الإشارة المصدر ولم يجز إن عني أحد المفعولين، ولم يفهم الآخر بدليل كقول من قيل له: (أظننته صديقك؟): (نعم ظننته) 27، وقال الفراء في «ظننت ذاك»: ذاك اسم إشارة إلى الحديث أجرته العرب مجرى المفعولين يقول القائل: كان من الأمر كذا وكذا فيقول المخبر: قد ظننت ذاك، قال ابن خروف: وهو قول لا بأس به، وقال أبو زيد في مصادره: خلت ذاك أخاله خالا، والأظهر أن يكون ذاك إشارة إلى الحديث لذكره المصدر بعده 28. انتهى.
وهو كلام مختصر نظيف واف بالمقصود يشنف الأسماع ويستميل الطباع.
لكن ثمّ أمور ننبه عليها: منها: أن السهيلي نازع في كون مفعولي هذه الأفعال أصلهما المبتدأ والخبر مستدلا بأنك تقول: ظننت زيدا عمرا، ولا يجوز أن تقول: زيد عمرو إلا على -

الجزء: 3 - الصفحة: 1458

................................  جهة التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت 29، ولك أن تدعي أن من قال: ظننت زيدا عمرا صح عنده قبل دخول ظننت أن يكون زيد عمرو مبتدأ وخبرا، لأن حقيقة ظننت زيدا عمرا، ظننت المسمى زيدا المسمى عمرا.
وإذا كان كذلك صح أن يقال: المسمى زيدا في نفس الأمر هو المسمى عمرا عندي، فقد صح الإخبار بالثاني عن الأول، باعتبار ما يتوهمه المتكلم، وإن كان ذلك ليس بصحيح في الواقع، وإذا كان كذلك فظننت [2/ 167] في قول القائل: ظننت زيدا عمرا إنما دخلت على ما كان مبتدأ وخبرا عنده، فهو يخبر بذلك منبها على غلطه أولا.
ومنها: أنهم قالوا: إن حق هذه الأفعال المذكورة في هذا الباب أن لا تعمل، لأن كل عامل يدخل على الجملة، فإنه لا يعمل فيها نحو قولك: قال زيد عمرو منطلق، وقرأت «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»، قالوا: لكنها شبهت بأفعال باب أعطيت في أنها أفعال كما أن تلك أفعال وتطلب اسمين كطلبها، فلذلك نصبت المفعولين قال.
وإنما لم يشبه «قال» و «قرأت» بأعطيت فتنصب بهما لأن ظننت وأخواتها لا يليها إلا اسمان أو ما هو بمنزلتهما كما أن أعطيت وأخواتها لا تطلب إلا اسمين.
وقال وقرأت قد تدخل بعدهما الجمل الفعلية نحو: قال زيد قائم عمرو، وقرأت «اقتربت السّاعة» فكانت ظننت وأخواتها أشبه بأعطيت وأخواتها من «قلت» و «قرأت» وأمثالهما، قالوا: ولكون حق هذه الأفعال أن لا تعمل انفردت بجواز -

الجزء: 3 - الصفحة: 1459

................................  الإلغاء، لأن في ذلك رجوعا إلى الأصل.
انتهى ما قالوه 30. ولم يظهر لي كون هذه الأفعال إنما عملت لشبهها بأعطيت، لأن الشبه الذي ذكروه من وقوع اسمين بعدها لا أثر له في استحقاق العمل بوجه، وقد يقال: إن هذه الأفعال لما أحدثت في النسبة التي بين الاسمين الواقعين بعدها يقينا أو ظنّا كان لها تسليط 31 على النسبة لتعلقها بها فاستحقت التأثير فيما تعلقت به كما استحق أعطيت التأثير في زيد درهم إذا قلت: أعطيت زيدا درهما لتعلقه بهما لكن النسبة لا يظهر للعامل أثر فيها فجعلوا تأثير الأفعال المذكورة في المنتسبين الواقعين بعدها دليلا على تعلقها بالنسبة، وأنها أحدثت أمرا لم يكن قبل.
وقد نزع الإمام بدر الدين ولد المصنف منزعا غير ما ذكروه فقال: الجملة الواقعة بعد القول تحكى ولا يعمل فيها القول كما يعمل الظن، لأن الظن يقتضي الجملة من جهة معناها، فجزآها معه كالمفعولين من باب أعطيت، فصح أن ينصبهما الظن نصب أعطيته مفعوليه، وأما القول فيقتضي الجملة من جهة لفظها، فلم يصح أن ينصب جزأيها مفعولين لأنه لم يقتضها من جهة معناها، فلم يشبه باب أعطيت ولا أن ينصبها مفعولا واحدا، لأن الجمل لا إعراب لها فلم يبق إلا الحكاية 32. وقال ابن هشام 33: هذا قول بعض المتأخرين يعني قول من قال: إن ظننت إنما عملت للتشبيه بأعطيت، وذلك أن كل عامل يدخل على الجملة فإنه لا يعمل فيها نحو «قلت»، و «كنت» إذا كانت الجملة في موضع خبرها، وكذلك أسماء الزمان إذا أضفتها إلى جملة المبتدأ والخبر وكذلك المبتدأ [2/ 168] إذا كان خبره جملة، فكان الواجب في هذه الأفعال أن تكون كذلك، لولا هذا التشبيه، وقد أولع أبو علي الشلوبين بهذا المذهب، وهو لا يصح إذا حقق النظر فيه.
انتهى.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1460

................................  وهذا الذي ذكره ابن هشام يحقق ما قلته أولا في البحث المتقدم آنفا.
ثم قال ابن هشام: ومذهب سيبويه أن ما دخل على الجملة مما شأنه وأصله أن يدخل على المفرد فالجملة تبقى معه على حالها حكاية، لأنها بجملتها تنزلت منزلة المفرد فالاسم منها والفعل أحد جزئيها فينزل منزلة بعض الكلمة والعامل لا يعمل في بعض الكلمة، فبقيت على إعرابها حكاية والذي ليس من شأنه أن يدخل على مفرد مثل كان وأخواتها، وإنّ وأخواتها وظننت وأخواتها يصير مثل الفعل الداخل على اثنين، فما كان فعلا يجري مجرى الأفعال لأجل التشبيه وما كان غير فعل عمل بالتشبيه، لو لم يعمل بحكم أصله، هذا مذهب سيبويه والنحويين المتقدمين 34 قال: وقد رأينا العامل اللفظي يزيل الابتداء نحو: زيد قام إذا قدمت الاسم رفعت الاسم به ولم تشغله بضميره كما تعمل إذا تأخر، وكذلك ما يدخل عليه طالبا له من جهة والخبر مع جهة تخلع الابتداء وتستأثر بالعمل، لأنه أقوى منه، وإذا عملت الحروف نحو: إنّ وأخواتها وما ولا، ولات في هذه الجملة بما أدت معانيها فيها، فالفعل أولى بالعمل وأوجب أن لا يجوز فيها غير ذلك انتهى 35 كلام ابن هشام، وهو كلام سديد تركن إليه النفس وتقبله.
ومنها: أنك قد عرفت من كلام المصنف في متن الكتاب وتقريره في الشرح - أن حذف المفعولين في هذا الباب، وحذف أحدهما لا يجوز إلا لدليل وأما من غير دليل فلا يجوز والحذف لدليل هو حذف الاختصار والحذف لا لدليل هو حذف الاقتصار، وحذف المفعولين اختصارا مجمع على جوازه ومنه: 1093 - بأيّ كتاب أم بأيّ سنّة...... البيت 36 أي وتحسب حبّهم عارا عليّ.
وأما حذفهما اقتصارا فذكر ابن عصفور فيه ثلاثة مذاهب: قال: منهم من منع وهو الأخفش ومنهم من أخذ بمذهبه ومنهم من أجاز وعليه أكثر النحويين.
-

الحديث: 1093 - الجزء: 3 - الصفحة: 1461

................................  ومنهم من فصل فأجاز في «ظننت» وما في معناها، ومنع في «علمت» وما في معناها وهو مذهب الأعلم 37 ومن أخذ بمذهبه.
فأما الأخفش فحجته أن هذه الأفعال قد تجرى مجرى القسم ومفعولاتها تجرى مجرى جواب القسم بدليل أن العرب تتلقاها [2/ 169] بما تتلقى به القسم، فكما لا يبقى القسم دون جواب كذلك لا تستغني هذه الأفعال عن مفعولاتها.
وهذا لا حجة فيه، لأن العرب لا تضمّنها معنى القسم على اللزوم، فماذا يمنع من الحذف إذا لم يضمن معنى القسم؟ وأما الأعلم فحجته أن الكلام مبني على الفائدة، وإذا قلت: «ظننت» كان مفيدا، لأن الإنسان قد يخلو من الظن، وإذا قلت «علمت» كان غير مفيد لأن الإنسان لا يخلو من علم.
وهذا فاسد، لأن الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه فائدة كان أولى: فإذا قال قائل: علمت - علمت أنه أراد أن يخبر بأنه وقع منه علم ما لم يكن يعلم إذ حمله على خلاف ذلك غير مفيد.
والصحيح أنه يجوز حذف المفعولين في علمت وظننت وما في معناهما وقد جاء ذلك في كلامهم: حكى سيبويه: أنهم يقولون: من يسمع يخل معناه يقع منه خيلة وقال الله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى 38 أي يعلم وليس في الكتاب خلاء عن مذهب سيبويه.
فأما حذف أحدهما اختصارا: فجائز لكنه قليل ومنه: 1094 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره 39...... البيت أي فلا تظني غيره كائنا أو واقعا.
وأما حذفه اقتصارا: فلا يجوز أصلا ولا خلاف في منعه بين أحد من النحويين لما يؤدي إليه من بقاء خبر دون مخبر عنه أو في مخبر عنه دون خبر 40 انتهى.
-

الحديث: 1094 - الجزء: 3 - الصفحة: 1462

................................  وقد تبين من كلام المصنف المتقدم واستدلاله أن حذف المفعولين اقتصارا غير جائز، ولا يبعد أن ذاك هو الحق، وما استدل به ابن عصفور على جواز الحذف اقتصارا قد استدل به المصنف على أن الحذف فيه حذف اختصارا 41. واعلم أن بعض المغاربة، وهو ابن ملكون 42 قد شذ فذهب إلى أنه لا يجوز حذف أحد المفعولين اختصارا كما لا يجوز اقتصارا، وقاس هذا الباب على باب كان 43، وقد رد عليه ذلك وفرقوا بين هذا الباب وباب كان بأن المرفوع هناك كالفاعل فلا يحذف والمنصوب كالحدث للأفعال فصار عوضا منه، فامتنع حذفه إذ صار جزءا من الفعل 44، وقد تقدم ذكر شواهد الحذف أعني حذف أحد المفعولين ومنها قول الشاعر: 1095 - تلذّ لطعمه وتخال فيه... إذا نبّهتها بعد المنام 45

    • (1/ 311 - 312) ط العراق، وينظر الغرة لابن الدهان (2/ 22)، وقد اختار فيه مذهب الأخفش وهو المنع مطلقا.

الحديث: 1095 - الجزء: 3 - الصفحة: 1463

................................  أي تخال ما ذكرت فيه من المشعشعة الموصوفة.
فإن قبل هذا البيت: 1096 - كأنّ مشعشعا من خمر بصرى... نمته البخت مشدود الختام على أثيابها بفريض مزن... تقبّله الجباة من الغمام 46 وقال صاحب الإفصاح 47: زيدا ظننته قائما، هذا مما يحذف منه أحد مفعولي ظننت لأنك تقدر ظننت زيدا قائما، فتحذف استغناء بظننت هذه الظاهرة، ويحذف قائما استغناء بقائم هذه الظاهرة 48 هذا كلام النحويين.
ومنها: أنه قد سبق في كلام [2/ 170] المصنف أنه إذا وقع بعد إسناد هذه الأفعال إلى فاعليها ظرف أو جار ومجرور ولم يكن أحد المفعولين جاز الاقتصار عليه، ولا شك أنه لا يلزم من جواز الاقتصار عليه أن لا يذكر معه المفعولان لكن صرح ابن عصفور في شرح الجمل: أنك إذا أتيت في باب ظننت بعد الفعل بمجرور، وجعلته ظرفا للفعل فإنك تستغني به عن المفعولين ولا يجوز الجمع بينه وبين المفعولين أصلا فتقول: ظننت بزيد، وعلمت ببكر أي جعلته موضع علمي، وجعلت زيدا موضع ظني قال: ومنه قول الحماس: 1097 - فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّج... سراتهم بالفارسيّ المسرّد 49 يريد ظنوا في ألفي مدجج أي اجعلوهم موضع ظنكم 50.

الحديث: 1096 - الجزء: 3 - الصفحة: 1464

سرد هذه الأفعال ومعانيها في هذا الباب وغيره

قال ابن مالك: (وفائدة هذه الأفعال في الخبر ظنّ أو يقين أو كلاهما أو تحويل: فللأوّل: «حجا يحجو» لا لغلبة ولا قصد ولا ردّ ولا سوق ولا كتم ولا حفظ ولا إقامة ولا بخل، و «عدّ» لا لحسبان، و «زعم» لا لكفالة، ولا رياسة ولا سمن ولا هزال، و «جعل» لا لتصيير ولا إيجاد ولا إيجاب ولا ترتيب ولا مقاربة و «هب» غير متصرّف.
وللثّاني: «علم» لا لعلمة ولا عرفان و «وجد» لا لإصابة ولا استغناء ولا حزن ولا حقد و «ألفى» «مرادفتها» و «درى» لا لختل و «تعلّم» بمعنى اعلم غير متصرّف.
وللثّالث: «ظنّ» لا لتهمة و «حسب» لا للون، و «خال يخال»، لا لعجب ولا ظلع، و «رأى» لا لإبصار، ولا رأي ولا ضرب.
وللرّابع: «صيّر» و «أصار» وما رادفهما من «جعل» و «وهب» غير متصرّف، و «ردّ» و «ترك» و «تخذ» و «اتّخذ» و «أكان» وألحقوا بـ «رأى» العلميّة الحلمية و «سمع» المعلّقة بعين، ولا يخبر بعدها إلّا بفعل دالّ على صوت ولا تلحق «ضرب» مع المثل على الأصحّ ولا «عرف» و «أبصر» خلافا لهشام ولا «أصاب» و «صادف» و «غادر» خلافا لابن درستويه).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 51: كل فعل لا يغني مرفوعه عن مخبريه صالح للتعريف والتنكير أو جملة تقوم مقامه فهو من باب كان، وكل فعل لا يغني منصوبه عن ثان مخبر به صالح للتعريف والتنكير، أو جملة تقوم مقامه فهو من باب ظن 52، ويميز النوعين وقوع ثاني المفعولين بعد الضمير المسمى فصلا أو اللام المسماة فارقة، فالوقوع بعد الفصل نحو قوله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ 53 [وقوله تعالى]: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً 54 -

الجزء: 3 - الصفحة: 1465

................................  [وقوله] وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ 55 والوقوع بعد اللام الفارقة نحو قوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً 56 [وقوله]: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ 57 [وقوله]: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ 58. وأفعال هذا الباب أربعة أنواع: نوع مختص بالظن المحض [2/ 171]، ونوع باليقين ونوع صالح للظن وصالح لليقين ونوع للتحويل من وصف إلى وصف 59. فمن الأول: حجا، كقوله 60: 1098 - قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة... حتّى ألمّت بنا يوما ملمّات 61 أراد قد كنت أظن فعداه إلى مفعولين هما في الأصل مبتدأ وخبر كما يفعل بـ «أظن» و «لحجا» استعمالان آخران هي في أحدهما متعدية إلى مفعول واحد، وفي الآخر لازمة.
فالأول: أن تكون بمعنى غلب في المحاجاة، وبمعنى قصد وبمعنى رد وبمعنى ساق، وبمعنى كتم، وبمعنى حفظ.
والثاني: أن تكون بمعنى أقام وبمعنى بخل 62، ومن أخوات حجا الظنية عدّ -

الحديث: 1098 - الجزء: 3 - الصفحة: 1466

................................  لا بمعنى حسبت كقول الشاعر 63: 1099 - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى... ولكنّما المولى شريكك في العدم 64 وقول الآخر: 1100 - لا أعدّ الإقتار عدما ولكن... فقد من فقدته الإعدام 65 ومن أخوات «حجا» الظنية زعم الاعتقادية كقول الشاعر: 1101 - فإن تزعميني كنت أجهل فيكم... فإنّي شربت الحلم بعدك بالجهل 66 ومصدر زعم هذه زعم وزعم وزعم، ويقال زعم بمعنى كفل وبمعنى رأس فيتعدى إلى مفعول واحد مرة وبحرف جر أخرى، ويقال: زعمت الشاة بمعنى -

الحديث: 1099 - الجزء: 3 - الصفحة: 1467

................................  سمنت وبمعنى هزلت فلا تتعدى 67، ومن أخوات «حجا» «الظنية» «جعل» الاعتقادية كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً 68 أي اعتقدوهم.
وهذه غير التي للتصيير، وسيأتي ذكرها، وغير التي بمعنى أوجد كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ 69 وغير التي بمعنى أوجب كقولهم: جعلت للعامل كذا، وغير التي بمعنى ألقى كجعلت بعض متاعي على بعض، وغير التي للمقاربة وقد ذكرت في بابها 70. ومن أخوات «حجا» الظنية «هب» كقول الشاعر: 1102 - فقلت أجرني أبا خالد... وإلّا فهبني امرءا هالكا 71 ومن النوع الثاني: «علم» كقول الشاعر: 1103 - علمتك الباذل المعروف فانبعثت... إليك بي واجفات الشّوق والأمل 72 واحترزت بقولي «لا لعلمة ولا لعرفان» من علم علمة، فهو أعلم أي مشقوق الشفة العليا، ومن «علم» الموافق «عرف» 73 نحو: لا تَعْلَمُونَ -

الحديث: 1102 - الجزء: 3 - الصفحة: 1468

................................  شَيْئاً 74 ومن أخوات «علم» ذات المفعولين «وجد» نحو [قوله تعالى]: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً 75 وكقول الشاعر: - 1104 - فلمّا بلغنا الأمّهات وجدتم... بني عمّنا كانوا كرام المضاجع 76 ومصدرها وجدان عن ابن برهان عن الأخفش 77، ووجود عن السيرافي 78، ولوجد استعمالان آخران، في أحدهما ذات مفعول وفي الآخر لازمة. فالأولى: بمعنى أصاب، كوجد فلان [2/ 172] ضالته وجدانا ووجودا. والثانية: بمعنى استغنى ومصدرها وجد ووجد ووجد، وجده، وبمعنى غضب ومصدرها موجده، وبمعنى حزن ومصدرها وجد 79، ومثل «وجد» ذات المفعولين «ألفي» مرادفتها كقول الشاعر: - 1105 - قد جرّبوه فألفوه المغيث إذا... ما الرّوع عمّ فلا يلوي على أحد 80 وكقول الآخر: 1106 - إذا أنت أعطيت الغنى ثمّ لم تجد... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد 81

الحديث: 1104 - الجزء: 3 - الصفحة: 1469

................................  ومن ذوات المفعولين بمعنى علم كقول الشاعر: 1107 - دريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإن اغتباطا بالوفاء حميد 82 وأكثر ما تستعمل معداة بالباء كقولك: دريت به، فإذا دخلت همزة النقل تعدت إلى واحد بنفسها، وإلى ثان بالباء كقوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ 83 ويقال: دري الديب الصيد إذا استخفى له ليفترسه، فيتعدى إلى مفعول واحد 84، وإليه أشرت بقولي: «لا لختل».
ومن أخوات علم ذات المفعولين «تعلّم» بمعنى اعلم، ولم يستعمل لها ماض ولا مضارع والمشهور إعمالها في أنّ 85 كقول الشاعر: 1108 - تعلّم أنّه لا طير إلّا... على متطيّر وهي الثّبور 86 وقد نصب مفعولين في قول الآخر: 1109 - تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّخيّل والمكر 87 ومن النوع الثالث: ظن وحسب وخال واستعمالهما في غير متيقن مشهور كقوله -

الحديث: 1107 - الجزء: 3 - الصفحة: 1470

................................  تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ 88 وكقوله تعالى: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ 89 وكقول الشاعر: 1110 - ظننتك إن شبّت لظى الحرب صاليا... فعرّدت فيمن كان عنها معرّدا 90 وكقول الآخر: 1111 - وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة... ليالي لاقينا جذام وحميرا 91 وكقول الآخر: 1112 - إخالك إن لم تغضض الطّرف ذا هوى... يسومك ما لا يستطاع من الوجد 92 والمصدر من حسب حسبان، ومن خال خيلا، وخالا وخيلة ومخالة وخيلانا، - - عقيل (1/ 149)، وشرح شواهده (ص 94)، وأوضح المسالك (1/ 112)، وشذور الذهب (ص 434)، والمغني (2/ 594)، وشرح شواهده (2/ 923)، والعيني (2/ 374)، والتصريح (1/ 247)، والهمع (1/ 149)، والدرر (1/ 132)، والأشموني (2/ 24). والشاهد قوله: (تعلم شفاء النفس فهو عدوها) حيث استعمل «تعلم» بمعنى «اعلم» فنصب بها مفعولين هما شفاء النفس»، «قهر عدوها».

الحديث: 1110 - الجزء: 3 - الصفحة: 1471

................................  وتستعمل «ظن» في المتيقن كثيرا كقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ 93 ونقل ذلك في «حسب» «وخال» كقول الشاعر: 1113 - حسبت التّقى والحمد خير تجارة... رباحا إذا ما المرء أصبح ناقلا 94 ومثله: 1114 - شهدت وفاتوني وكنت حسبتني... فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبي 95 ومثال ذلك في خال قول الشاعر 96: 1115 - دعاني الغواني عمّهنّ وخلتني... لي اسم فلا أدعى به وهو أوّل 97 ومثله [2/ 173]: 1116 - ما خلتني زلت بعدكم ضحيّا... أشكو إليكم حموة الألم 98

الحديث: 1113 - الجزء: 3 - الصفحة: 1472

................................  أراد ما زلت بعدكم ضحيّا خلتني كذلك، وإن أريد بظن معنى اتهم، تعدت إلى واحد، ويقال: حسب الرجل، إذا احمرّ لونه وابيضّ كالبرص وكذا إذا كان ذا شقرة 99 فذا فعل لازم، وكذا «خال» بمعنى تكبر 100 والفرس ظلع والمضارع منهما ومن المتعدي إلى اثنين «يخال» 101 ومن أجل هذه قلت: «لا لتهمه ولا للون ولا لعجب ولا ظلع».
ومن المستعمل للظن واليقين رأى كقوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَراهُ قَرِيباً 102 أي يظنونه ونعلمه، وأنشد أبو زيد: 1117 - تقوه أيّها الفتكان إنّي... رأيت الله قد غلب الجدودا رأيت الله أكبر كلّ شيء... محاولة وأكثرهم جنودا 103 ويقال: رأيت الشيء بمعنى أبصرته، ورأيت رأي فلان بمعنى اعتقدته، ورأيت الصيد بمعنى أصبته في رئتيه فهذه متعدية إلى واحد 104، وإليها أشرت بقولي: «لا لإبصار ولا رأي ولا ضرب».
وللنوع الرابع: صيّر وأصار وما وافقهما كجعل في قوله تعالى: فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً 105 و «وهب» في قولهم: وهبني الله فداك أي جعلني، ذكرهما الأزهري -

الحديث: 1117 - الجزء: 3 - الصفحة: 1473

................................  عن ابن الأعرابي 106، «ورد» كقوله تعالى: لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً 107 وكقول الشاعر: 1118 - رمى الحدثان نسوة آل سعد... بمقدار سمدن له سمودا فردّ شعورهنّ السّود بيضا... ورّد وجوههنّ البيض سودا 108 وترك كقول الشاعر 109: 1119 - وربّيته حتّى إذا ما تركته... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه 110 وتخذ واتخذ كقوله تعالى: لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً 111 وكقول الشاعر 112: 1120 - تخذت غران إثرهم دليلا... وفرّوا في الحجاز ليعجزوني 113

الحديث: 1118 - الجزء: 3 - الصفحة: 1474

................................  وكقوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا 114 وإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا 115. قال ابن برهان: ذهب أبو علي في قوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً 116 وقوله: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً 117 ونحوهما - إلى أن اتخذ في جميعه متعد إلى واحد، قال: وتعدى إلى اثنين في 118 قوله تعالى: اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ 119 إن التقدير: اتخذوه إلها، فحذف المفعول الثاني للدليل، وكذا التقدير في اتَّخَذَتْ بَيْتاً اتخذت من نسجها بيتا وفي أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لو أردنا أن نتخذ من شيء لهوا، ولا أعلم اتخذ لا يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بمعنى الأول 120 وألحق ابن أفلج 121 «بأصار»، «أكان» المنقولة من «كان» بمعنى صاره وما حكم به جائز قياسا، لكن لا أعلمه مسموعا 122، وألحقت العرب «رأي» الحلمية «برأي» العلمية 123 فأدخلتها على المبتدأ والخبر ونصبتهما مفعولين، ومنه قول الشاعر: 1121 - يؤرّقني أبو حنش وطلق... وعمّار وآونة أثالا أراهم رفقتي حتّى إذا ما... تغزّى اللّيل وانخزل انخزالا

الحديث: 1121 - الجزء: 3 - الصفحة: 1475

................................  إذا أنا كالّذي أجري لورد... إلى آل فلم يدرك بلالا 124 [2/ 174] فنصب بها اسمين معرفتين هما مبتدأ وخبر في الأصل، كما يفعل برأي بمعنى علم 125 وبمعنى ظن، ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً 126 فأعمل مضارع رأى الحلمية في ضميرين متصلين لمسمى واحد، وذلك مما يختص به علم ذات المفعولين، وما جرى مجراها 127، وألحق الأخفش والفارسي بعلم ذات المفعولين «سمع» الواقعة على اسم عين 128، ولا يكون ثاني مفعوليها إلا فعلا يدل على صوت كقوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ، ويجوز حذفه إن علم كقوله تعالى: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 129 أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون، ويجوز أن يكون مما حذف فيه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فيكون التقدير: هل يسمعون دعاءكم 130 ولا يقاس على هذا الحذف بلا دليل نحو أن يقال: سمعت زيدا على تقدير سمعت دعاء زيد، إذ ليس تقدير الدعاء -

الجزء: 3 - الصفحة: 1476

................................  بأولى من تقدير غيره، فلو وجد دليل على تعين المحذوف كما في الآية حسن الحذف، وقد تضمن «سمع» معنى أصغى، فتعدى تعديته نحو [قوله تعالى] 131: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى 132 ومعنى استجاب فتعدى تعديته نحو: سمع الله لمن حمده، فإن وقعت «سمع» على اسم ما يسمع لم تتعد إليه نحو [قوله تعالى] 133: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ 134 ويَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ 135 ومن هذا القبيل قول الشاعر: 1122 - سمعت النّاس ينتجعون غيثا... فقلت لصيدح انتجعي بلالا 136 أراد سمعت هذا الكلام، وألحق قوم بأفعال هذا الباب «ضرب» المعلقة بالمثل 137 والصواب أن لا يلحق بها كقوله تعالى: ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ 138 فبنى ضرب المذكور لما لم يسم فاعله، واكتفى بمرفوعها، ولا يفعل ذلك بشيء من أفعال هذا الباب، وألحق هشام الكوفي 139: عرف وأبصر 140، وألحق ابن درستويه 141 أصاب وصادق، وغادر 142، ولا دليل على شيء من ذلك فلا يلتفت إليه.
انتهى كلام المصنف.
ثم ها هنا أبحاث: -

الحديث: 1122 - الجزء: 3 - الصفحة: 1477

................................  الأول: ظاهر قوله في متن الكتاب: وفائدة هذه الأفعال في الخبر ظن أو يقين، إلى آخره - أن الخبر أعني الذي كان خبرا هو متعلق الظن أو اليقين مثلا وهو غير واضح لأن معاني هذه الأفعال إنما متعلقها النسب، فإذا قلت: ظننت زيدا منطلقا فإن متعلق الظن هو النسبة الحاصلة بين زيد ومنطلق؛ إلا أن يكون المصنف قصد الكلام المتصف بكونه خبرا، فيكون مراده بالخبر حينئذ الخبر الذي هو قسيم الإنشاء فيتجه إلى أن في [2/ 175] كون ذلك مراده بعدا. الثاني: الأفعال التي ذكرها المصنف للأنواع الثلاثة الأول جملتها أربعة عشر فعلا: خمسة لإفادة الظن وهي حجا وعد وزعم وجعل ووهب، وخمسة منها لإفادة اليقين وهي علم ووجد وألفى ودرى وتعلم، وأربعة واقعة منها لإفادة الأمرين، وهي ظن وحسب وخال ورأى. ثم إنه يتعلق ببعضها كلام أذكره فأقول: أما «عد» فكلام ابن عصفور يشعر بأنها ليست من أفعال هذا الباب 143. وقال الشيخ: إن ذلك مذهب الكوفيين 144 يعني كونها من الأفعال المذكورة هنا والحق ما ذكره المصنف بدليل قوله: 1123 - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى 145

الحديث: 1123 - الجزء: 3 - الصفحة: 1478

................................  وأما «زعم» فذكر بعضهم أنها أكثر ما تقع الباطل 146 والدليل على أنها تقع على ما ليس بباطل قول كثير: 1124 - وقد زعمت أني تغيّرت بعدها... ومن ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر تغيّر جسمي والخليقة كالّذي... عهدت ولم يخبر بسرّك مخبر 147 وقال بعضهم: إنها تكون بمعنى الكذب 148 كقوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا 149 وقال تعالى: فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ 150 151. وأما «هب» فمنهم من لم يعدها من هذا الباب 152 والصحيح أنها منه بدليل مجيء المفعول الثاني معرفة، ولا يقال إذا جاء معرفة كان بدلا لمجيء الجملة في موضعه كقول القائل 153: 1125 - هبيني يا معذّبتي أسأت... وبالهجران قبلكم بدأت 154 وقد اتصل «بهب» ضمير المؤنثة في هذا البيت، قال الشيخ: وكذا يتصل بها ضمير المثنى والمجموع، قال: ولا يكون أمرا باللام 155. -

الحديث: 1124 - الجزء: 3 - الصفحة: 1479

................................  وأما «ألفى» فلم يثبتها ابن عصفور من المتعدي إلى اثنين، بل جعل الثاني حالا 156، وما تقدم من الاستشهاد يبطل ما قاله، لوقوع الثاني معرفة وجملة أيضا، وقد يقال في الجملة إنها في موضع الحال، وإنما يقوي كونها في موضع المفعول الثاني وقوع المعرفة موقعها.
وأما «درى» فقال الشيخ: لم يذكر أصحابنا «درى» فيما يتعدى إلى اثنين.
قال: ولعله أراد في: 1126 - دريت الوفيّ العهد... 157 ضمن معنى علمت والتضمين لا يقاس 158. انتهى وقد يقال: الأصل عدم التضمين ويؤكده قوله: إن التضمين لا ينقاس.
وأما «تعلم» فقد عرفت حكم المصنف عليها بأنها لا تتصرف، كما أن هب كذلك.
ولكن قال الشيخ بأن ما قاله المصنف غير صحيح، قال: لأن يعقوب حكى: تعلمت أن فلانا خارج بمعنى علمت 159، قلت: يقبح أن يرد على المصنف وهو إمام في النحو واللغة بكلمة حكيت لا يعلم ثبوت صحتها، ولا يعرف قائلها.
وأما «ظن» فقد عرفت أنها لإفادة الأمرين، قالوا: لكن استعمالها في غير المتيقن هو المشهور 160، وزعم بعضهم أن وقوع الظن بمعنى اليقين مجاز 161 قال: ومن ثم لا يجوز أن يقال [2/ 176] ظننت زيدا منطلقا ظنّا، إذا كان بمعنى اليقين، كما لا يقال: مال الحائط ميلا.
-

الحديث: 1126 - الجزء: 3 - الصفحة: 1480

................................  البحث الثالث: الأفعال التي ذكرها المصنف للنوع الرابع تسعة أفعال وهي: صير وأصار وجعل، ووهب، وترك، واتخذ، وكان الأصل منها اثنان: وهما صيّر وأصار والسبعة الباقية بمعناها 162، وصير وأصار منقولان من صار التي هي من أخوات «كان» 163 وليس فيها كلام؛ غير أني لم يظهر لي أن صير من نحو: صيرت الطين خزفا دخلت على ما أصله المبتدأ والخبر إذ لا يصح أن يقال: الطين خزف، وكذا لا يصح في رد من قول الشاعر: 1127 - فردّ شعورهنّ السّود بيضا... وردّ وجوههنّ البيض سودا 164 إذ لا يصح أن يقال قبل دخول رد: شعورهن السود بيض، ولا وجوههن البيض سود، نعم يتصور هذا في نحو قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا 165 على أنه قد يقال: إنما يطلق على إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم أنه بعد أن قال الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا إلا أن يكون مرادهم أن الجزأين الداخل عليهما هذه الأفعال ينعقد منهما المبتدأ والخبر بعد دخولها عليهما فذاك شيء آخر.
البحث الرابع: نازع الشيخ المصنف في أن رأي الحلمية ألحقت برأى العلمية في التعدي إلى مفعولين قال: ولا حجة فيما ذكره: أما «أراهم رفقتي...» 166 فإنه يحتمل أن يكون «رأى» تعدى إلى واحد وهو الضمير و «رفقتي» في موضع الحال، وإن كان ظاهره التعريف فهو نكرة من حيث المعنى، لأن معنى الرفقة الرفقاء وهم المخالطون، ورفيق بمعنى مرافق فهو بمعنى اسم الفاعل فإضافته غير مختصة كجليس وخليط.
وأما - أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً 167 فلا يلزم مما ذكره أن يتعدى إلى مفعولين بل يكون ذلك ما جاء في غير ما تعدى إلى مفعولين نحو: فقد وعدم ووجد بمعنى أصاب لا بمعنى علم، وعلى هذا يكون -

الحديث: 1127 - الجزء: 3 - الصفحة: 1481

................................  «أعصر» في موضع نصب على الحال لا في موضع مفعول ثان 168. انتهى.
أما التخريج الذي ذكره في «رفقتي» على أنه في موضع الحال فلا يخفى ضعفه 169. وأما قوله: إن اتحاد الفاعل والمفعول في «أراني» يكون نظير اتحادهما في فقدتني وعدمتني ووجدتني فغير ظاهر، لأن الاتحاد في غير باب ظننت وأخواتها غير جائز وإنما جاز في هذه الكلمات الثلاث، لأن معنى الكلام فيها يؤول إلى عدم الاتحاد، لأن الإنسان لا يفقد نفسه، ولا يعدمها ولا يصيبها، بل الغير هو الذي يفقده ويعدمه ويجده، فالمعنى فقدني غيري وكذا أخواه، وأما «أراني» فلا تأويل فيه فاتحاد مسمى الفاعل والمفعول فيه [2/ 177] دليل على أن حكمه حكم «أراني» العلمية 170. ثم إن قول المصنف: وألحق الأخفش والفارسي بعلم ذات المفعولين «سمع» الواقعة على اسم عين مشعر بأن غيرهما لا يلحق فيكون في المسألة خلاف، والأمر كذلك، لكن ذكر الشيخ: أن مذهب الجمهور أنها لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، فإن كان مما يسمع فهو ذلك، وإن كان عينا فهو المفعول والفعل بعده في موضع نصب على الحال، وهو على حذف مضاف أي: سمعت صوت زيد في حال أنه يتكلم، وهذه الحال مبنية، قال: وهو اختيار ابن عصفور في شرح الجمل، وأن الأخفش والفارسي ذهبا إلى ما ذهب إليه المصنف، قال: وهو اختيار ابن الضائع وابن أبي الربيع وابن عصفور في شرح الإيضاح، قال: وقد استدل لهذا المذهب بما ذكره الأخفش من أن العرب تقول: سمع أذني زيدا يتكلم حق، فيأتون -

الجزء: 3 - الصفحة: 1482

................................  بالخبر؛ أي خبر المصدر، ولا يقولون: سمع أذني زيدا يتكلم على أن يسد «يتكلم» مسد الخبر، فدل على أنه مفعول ثان لا حال، إذ لو كان حالا لسد مسده، كما في: ضربي زيدا قائما، قال: وهذا مخالف لما نقل سيبويه من قولهم: سمع أذني زيدا يقول ذلك 171. ثم أطال الشيخ الكلام فيما يتعلق بهذه الكلمة بذكر أقوال النحاة فتركت إيراده اكتفاء بما ذكره إذا لأمر في ذلك قريب. البحث الخامس: قد عرفت أن المصنف لم يلحق بأفعال هذا الباب: ضرب مع المثل وأن ذلك هو الأصح عنده، والذاهبون إلى أنها من أفعال الباب جعلوها بمعنى صير واستدلوا بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها 172 [وقوله]: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ 173 وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً 174، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ 175 قال الشيخ: فظاهرة هذه الآيات الشريفة أن «ضرب» بمعنى «صير» يتعدى إلى اثنين، ويكون «مثلا» فيما يظهر هو المفعول الثاني وما بعده هو المفعول الأول، لأن «مثلا» نكرة لا مسوغ لها بجواز الابتداء بالنكرة وما بعده إما معرفة وإما نكرة لا مسوغ للابتداء بالنكرة قال: وقد صرح بتقديمه على مثل أبو تمام فقال: 1128 - لا تنكروا ضربي له من دونه... مثلا شرودا في النّدى والبأس 176

الحديث: 1128 - الجزء: 3 - الصفحة: 1483

................................  انتهى 177. وقد تقدم استدلال المصنف بقوله تعالى: ضُرِبَ مَثَلٌ 178 على أنها ليست من أفعال هذا الباب، وقد ذهب ابن أبي الربيع إلى أن «ضرب» يكون بمعنى صير مطلقا أي مع (المثل) ومع غيره نحو: ضربت الفضة خلخالا 179. البحث السادس: أدخل سيبويه والفارسي في أفعال هذا الباب «أرى» ولم يذكروا فيه ما بني للمفعول من الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة نحو: أعلمت [2/ 178] وسبب ذلك أن جميع تلك الأفعال استعمل مبينّا للفاعل إلّا أرى هذه، فإنها لم تستعمل إلا مبنية للمفعول، وهي بمعنى أظن، ولا يقال: أريت زيدا عمرا خير الناس بمعنى جعلته يظن ذلك بل بمعنى أعلمته ذلك، فلما لم تستعمل بمعنى الظن إلا مبنية للمفعول جعلاها من هذا الباب، لأنها لا يكون لها أبدا إلا منصوبان كما أن سائر أفعال هذا الباب كذلك 180. انتهى وسيأتي الكلام على هذه الكلمة في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
ومما ينبه عليه: أن الشيخ ذكر أن بعض الناس قال: إن «خلق» يكون بمعنى جعل فيتعدى إلى مفعولين، وجعل منه قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً 181 قال: ولا أعلم أحدا من النحاة ذهب إلى ذلك، بل الذي هو معروف أن «جعل» قد يكون بمعنى «خلق» فيتعدى إلى واحد كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ 182 أما العكس، فلم يذهب إليه أحد فيما علمت 183.

الجزء: 3 - الصفحة: 1484

الإلغاء وأحكامه في أفعال هذا الباب

قال ابن مالك: (وتسمّى المتقدّمة على صيّر قلبيّة.
وتختصّ متصرّفاتها بقبح الإلغاء في نحو: ظننت زيد قائم، وبضعفه في نحو: متى ظننت زيد قائم، وزيد أظنّ أبوه قائم، وبجوازه بلا قبح ولا ضعف في نحو: زيد قائم ظننت، وزيد ظننت قائم، وتقدير ضمير الشّأن أو اللّام المعلّقة في نحو: ظننت زيد قائم أولى من الإلغاء، وقد يقع الملغى بين معمولي «إنّ» وبين «سوف» ومصحوبها وبين معطوف ومعطوف عليه، وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب خلافا للكوفيين، وتوكيد الملغى بمصدر منصوب قبيح وبمضاف إلى الياء ضعيف وبضمير أو اسم إشارة أقلّ ضعفا.
وتؤكّد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظه منصوبا فيلغى وجوبا، ويقبح تقديمه، ويقلّ القبح في نحو: متى ظنّك زيد ذاهب؟ وإن جعل «متى» خبرا لظنّ رفع وعمل وجوبا، وأجاز الأخفش والفرّاء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام).
قال ناظر الجيش: اعلم أن الإلغاء والتعليق حكمان متعلقان بالأفعال القلبية المتصرفة من أفعال هذا الباب 184 وقد يشاركها في التعليق أفعال أخر كما سيذكر، ثم الإلغاء عبارة عن إبطال العمل لفظا ومحلّا على سبيل الجواز على قول وعلى الوجوب على قول 185، والتعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلّا على سبيل -

الجزء: 3 - الصفحة: 1485

................................  الوجوب، وإنما اختصت هذه الأفعال بهذين الحكمين لما أذكره.
أما اختصاصها بالإلغاء: فلما علمت فيما تقدم أن متعلق هذه الأفعال في الحقيقة إنما هي النسبة الحاصلة بين المنتسبين فكأنها لم يكن لها تسلط بحق الأصالة على المفعولين، وإذا كان كذلك ساغ إبطال عملها إذا توسطت بين المعمولين، أو تأخرت عنهما لضعفها حيث لم تقدم 186، هذا على القول بأنّ الإلغاء جائز، وأما على القول بأنه واجب - فلأنّ [2/ 179] الفعل إنما أتى به في نحو زيد ظننت مقيم أو في نحو زيد مقيم ظننت بعد أن قصد المتكلم البناء على الإخبار المجرد مثلا، ثم عرض له أن ذلك الأمر مظنون فأتى بالفعل حينئذ 187. وأما اختصاصها بالتعليق: فلأنها لا تباشر إلا الجملة، والجملة في نفسها قد تكون مصدرة بما له صدر الكلام.
ومتى كانت الجملة مصدرة بذلك امتنع تسلط العامل على جزأي الجملة وهذا لا يكون في الأفعال غيرها أعني ما ينصب المفعول، فإنها إنما تباشر المفردات خاصة والمفرد على حدته لا يتصور أن يقرن بما له الصدر من أدوات الاستفهام أو نفي أو لام ابتداء، إذا تقرر هذا فقد تكلم المصنف الآن في الإلغاء وسيتكلم بعده في التعليق، وقد صرح هو في المتن والشرح بأن الإلغاء جائز يعني أن الخيار للمتكلم فله أن يعمل وله أن يلغي حيث يجوز له الإلغاء.
وهذا الذي ذكره هو المشهور المعروف، قال الشيخ: وهو مذهب الجمهور ومقتضى كلام ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح أن الإلغاء ليس راجعا إلى اختيار المتكلم، بل إنما يكون بحسب القصد فإنه قال: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1486

................................  العرب تأتي بهذه الأفعال على مقصدين: أحدهما: أن تخبر عن زيد بالانطلاق وتأتي بظننت بعد كمال إخبارك ليبين مستنده، وإذا قصدت هذا، فليس لك في ظننت وأخواتها إلا الإلغاء، وتأتي بها متوسطة ومتأخرة، والاختيار تأخيرها وعلى هذا المعنى بيت زهير: 1129 - وما أدري وسوف إخال أدري 188 أراد وسوف أدري فيما أحسب ولم يرد وسوف أحسب، إذ لا معنى له، وإذا جئت بالظن بعد كمال إخبارك فلك أن تحذفه وتعوض منه المصدر نحو: زيد منطلق وهو بدل من الفعل فلا يجمع بينهما ولا يكون الإلغاء أبدا إلا إذا جئت بهذه الأفعال متعدية إلى مصادرها.
الثاني: أن تأتي بها لتخبر بوقوعها منك ثم تطلب معلقة وهو الخبر وما يطلب الخبر هو المبتدأ فإذا قصد فيها هذا وجب العمل وتكون مبتدأة ومتوسطة ومتأخرة، لأن الكلام مبني عليها، فكأنها متقدمة، وهي لا تلغى مع التقديم 189 انتهى وهو كلام حسن.
وملخصه: أن المتكلم بعد أن بنى كلامه على الإخبار المجرد عن اليقين والشك عرض له أن ذلك يتعين أو شك منه فأتى بما يدل على مراده بعد أن يأتي بالجملة بتمامها أو بأحد جزأيها، وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار عن إلغائها حيث تلغى، لأن الأفعال إذا أتي بها على هذا الحكم كانت في حكم ما أتي به زائدة في الكلام، ولا يبعد أن يحكم لظننت في نحو: زيد ظننت مقيم بما حكم به لكان من الزيادة -

الحديث: 1129 - الجزء: 3 - الصفحة: 1487

................................  في نحو: ما كان أحسن زيدا، ويؤيد هذا الذي أشرت إليه وقوعها [2/ 180] بين اسم إنّ وخبرها، وبين سوف وما صحبته وبين المتعاطفين 190 كما سيأتي.
وفي شرح الشيخ أن الذي ذهب إليه ابن أبي الربيع هو مذهب أبي الحسن كأنه يعني الأخفش ونقل عن صاحب الإفصاح أنه مذهب آخرين، وأن بعضهم يقول: إنه مذهب سيبويه 191. وإذ قد عرفت هذا فلنشرع في مقصود الشرح تابعين رأى المصنف في أن الإلغاء جائز لا واجب فنقول: الأفعال المتقدمة على صيّر: رأى وحجا وما بينهما، وجملتها أربعة عشر فعلا كما تقدم، وسميت قلبية لقيام معانيها بالقلب 192 والذي لا يتصرف منها فعلان وهما «هب وتعلّم» كما تقدم التنبيه على ذلك وهذان الفعلان لا يلغيان ولا يعلقان أيضا كما سيأتي فلهذا خص الذكر بالمتصرفات منها، ثم الإلغاء على ما ذكر المصنف ثلاثة أقسام: قبيح وضعيف وجائز دون قبح وضعف.
فالجائز دون قبح وضعف: إلغاء المتوسط بين المعمولين أو المتأخر عنهما نحو: زيد ظننت قائم وزيد قائم ظننت كما مثل به في الكتاب 193، ومن إلغاء المتوسط قول الشاعر 194: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1488

................................  1130 - أبا الأراجيز يا ابن اللّؤم توعدني... وفي الأراجيز خلت اللوم والخور 195 ومن إلغاء المتأخر قول الشاعر: 1131 - آت الموت تعلمون فلا ير... هبكم من لظى الحروب اضطرام 196 ومثله: 1132 - هما سيّدانا يزعمان وإنّما... يسوداننا إن بسرت غنماهما 197 والقبيح: هو إلغاء المتقدم نحو: ظننت زيد قائم 198. والضعيف: هو إلغاء ما تقدم على الجزأين أيضا لكن يتقدم عليه معمول الخبر نحو: متى ظننت زيد قائم، قال المصنف 199: حكم سيبويه بقبح إلغاء المتقدم -

الحديث: 1130 - الجزء: 3 - الصفحة: 1489

................................  نحو: ظننت زيد قائم وبتقليل قبحه بعد معمول الخبر نحو: متى ظننت زيد قائم، وفي درجته الإلغاء في نحو: زيد أظن أبوه قائم 200، وأجاز سيبويه أن يقال أظن زيد قائم على تقدير أظن لزيد قائم، على التعليق بلام الابتداء مقدرة 201، وعلى ذلك حمل قول الشاعر: 1133 - وإخال إنّي لاحق مستتبع 202 بالكسر على تقدير إنّي للاحق، ويجوز أن يحمل ما جاء من هذا على تقدير ضمير الشأن مفعولا أولا وما بعده في موضع المفعول الثاني فيكون هذا نظير قول بعض العرب «إنّ بك زيد مأخوذ» على تقدير إنه بك زيد مأخوذ 203 ومما ينبغي أن يحمل على هذا قول كعب بن زهير رحم الله تعالى كعبا. 1134 - أرجو وآمل أن تدنو مودّتها... وما إخال لدينا منك تنويل 204

الحديث: 1133 - الجزء: 3 - الصفحة: 1490

................................  التقدير: وما إخاله لدينا منك تنويل 205 انتهى.
وفهم من قول المصنف في متن الكتاب: وتقدير ضمير الشأن أو اللام [2/ 181] المعلقة في نحو: ظننت زيد قائم أولى من الإلغاء مع قوله قبل: وتختص متصرفاتها بقبح الإلغاء في نحو: ظننت زيد قائم - أن القول بالإلغاء جائز ولكنه قبيح، واعلم أن المنقول عن البصريين منع الإلغاء مع التقديم والمنقول عن الكوفيين الجواز، ولكن الإعمال عندهم أحسن 206 وإذا كان كذلك فلا يتجه حكم المصنف عليه بالقبح، لأنه يقتضي جوازه مع القبح وقد عرفت أن البصريين لا يجيزون وأن الكوفيين يجيزون مع أنهم لا يحكمون بقبح، فكأن عبارة المصنف ينشأ عنها قول ثالث لكن لم ينقل أن ذلك اختيار أحد، وإذا كان كذلك وجب أن يحمل حكم سيبويه بقبح الإلغاء على أنه أراد به المنع.
ثم ها هنا أمور: الأول: أن الشيخ بعد أن ذكر أن الإلغاء مع التقديم لا يجوز على مذهب البصريين قال: وقد اختلف من هذا الأصل وهو أن يتصدر أول الكلام في مسائل: الأولى: ظننت يقوم زيدا، وظننت قام زيدا، أجاز البصريون النصب وذهب الكوفيون والأخفش إلى أنه لا يجوز.
الثانية: أظن نعم الرجل زيدا، ووجدت نعم الرجل زيدا، وأجاز الكسائي النصب في الصورة الثانية دون الأولى، ومقتضى مذهب البصريين الجواز مطلقا.
الثالثة: ظننت قائما زيدا مذهب البصريين الجواز ومنعها الكوفيون (إن أردت بقائم الفعل).
الرابعة: أظن آكلا زيدا طعامك، أجازها البصريون ومنعها الكوفيون.
الخامسة: طعامك أظن آكلا زيدا أجازها البصريون والكسائي، وقال الفراء: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1491

................................  لا يجوز 207. واعلم أن هذه المسائل التي ذكرها إنما يمتنع النصب فيها عند من يمنعه لمانع لا تعلق لظننت به 208، لكن كان الشيخ يقول: إذا امتنع النصب وإن كان لأمر لا يرجع إلى ظننت، أليس يقال: إن ظننت في مثل هذا التركيب مثلا ملغاة، فقد صدق أنها ألغيت مع تقدمها 209، ولقائل أن يقول: كيف يكون هذا الإلغاء والإلغاء إنما هو جائز ومانع النصب في هذه المسائل يلزم من قوله: الإلغاء وجوبا وهو مشكل.
ويمكن أن يقال: هذا يشبه أن يكون تعليقا لا إلغاء عند من لا يجيز النصب، فإن معنى التعليق أن يكون ثم مانع يمنع من التسلط على اللفظ، وها هنا الأمر كذلك عند من لا يجيز النصب، لأن نحو: أظن يقوم زيد يتعيّن فيه عند كون زيد فاعلا، ولا يجوز تسلط أظن على زيد لتقدم الفعل، وإذا كان كذلك، فإنما امتنع النصب لمانع في الجملة الواقعة بعد أظن، ولكن يشكل كون الجملة تعود فعلية.
وهذا الذي قلته يكون في مسألة: أظن آكلا زيد طعامك، وطعامك أظن آكلا زيد أظهر منه في مسألة: أظن يقوم زيدا.
الثاني: كلام المصنف [2/ 182] دال على جواز الإلغاء سواء أدخل على الفعل ناف أم لم يدخل، لكن قال ابن عصفور في المقرب: وهذه الأفعال إن دخلت عليها -

الجزء: 3 - الصفحة: 1492

................................  أداة نفي لم تلغ أصلا 210، يعني أن الأفعال المذكورة إذا دخل عليها ناف لا يجوز فيها إلا الإعمال، وجاء الشيخ فذكر هذا، وذكر هو أمرا آخر لا يجوز معه إلا الإلغاء، كأنه يستدرك على المصنف هذين الأمرين فقال: وهذا الذي ذكره المصنف من جواز الإلغاء مع التأخير، والتوسط له شرطان أهملهما المصنف.
أحدهما: أن لا تدخل لام الابتداء على الاسم، فإن دخلت فلا يجوز إلا الإلغاء نحو: لزيد قائم ظننت ولزيد قائم.
الشرط الثاني: أن لا تكون منفية، فإن كانت منفية فلا يجوز إلا الإعمال نحو: زيد منطلقا لم أظن، وزيدا لم أظن منطلقا، لأنه لا يجوز لك إذ ذاك أن تبني كلامك على المبتدأ والخبر، ثم يعترض بالظن المنفي، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول زيد منطلق إلا وأنت عالم بصحة ذلك أو ظان له، وهذا المعنى لا يتصور مع قولك: لم أظن أو لم أعلم، فلم يبق إلا أن يكون الكلام مبينا على الظن المنفي أو العلم المنفي قال: ولا يبطل هذا الذي ذكره بقول كعب: 1135 - وما أخال لدينا منك تنويل 211 لأن أداة النفي إنما هي داخلة في المعنى على ما بعد «أخال» 212 انتهى.
وما ذكره فيه نظر: أما نحو لزيد قائم ظننت، ولزيد ظننت قائم وأنه لا يجوز فيه إلا الإلغاء، فلم يتجه لي، لأن لام الابتداء علقت الفعل عن العمل فرجعت المسألة إلى حكم التعليق، وخرجت عن حكم الإلغاء، فكيف يستدرك على المصنف، وأما كون الفعل إذا نفى وجب الإعمال وامتنع الإلغاء، فلم أعلم ما يعلل به ابن عصفور ذلك، وأما العلة التي ذكرها الشيخ فإنما يعلل بها من يجعل الإلغاء إنما يكون بحسب القصد، والمصنف لا يرى ذلك بل الإلغاء عنده راجع إلى اختيار المتكلم حيث وسّط العامل أو أخّره كما تقدم تقرير القولين، وإذا كان المصنف لا يرى ذلك فالعلة المذكورة عنده معتبرة وإذا لم تعتبر بطل الحكم المرتب عليها.

الحديث: 1135 - الجزء: 3 - الصفحة: 1493

................................  الأمر الثالث: قد حكم المصنف بضعف الإلغاء في نحو: متى ظننت زيد قائم كما عرفت ولما كانت «متى» في هذا التركيب يحتمل أن يكون ظرفا للفعل الذي هو ظننت وللخبر الذي هو قائم قيد ذلك في الشرح بقوله: وبتقليل قبحه بعد معمول الخبر نحو: متى ظننت زيد قائم، فعلم أن الإلغاء في مثل هذا المثال إنما يجوز إذا كان الظرف المتقدم من متعلقات الخبر، لا من متعلقات الفعل، لكن ظاهر كلام ابن عصفور يعطي أنه لا يشترط أن يكون ما تقدم على الفعل من متعلقات [2/ 183] الخبر ولا من متعلقات الفعل أيضا، فإنه قال: فإن لم يقع أولا يعني فإن لم تقع الأفعال المذكورة أول الكلام، فالإعمال أحسن والإلغاء ضعيف 213، ومن الإلغاء قوله 214: 1136 - كذلك أدّيت حتّى صار من خلقي... أنّي رأيت ملاك الشّيمة الأدب 215 وهذا البيت إنما تقدم فيه على الفعل حرف والحرف ليس معمولا لشيء، والذي يظهر أن الذي قاله المصنف هو الحق، لأن تقدم الفعل في هذا الباب وعدم تقدمه إنما هو معتبر بالنسبة إلى معموليه أو إلى ما هو من متعلقات أحد معموليه؛ لأنه إذا تقدم عليه معمول لأحد معموليه صدق عليه أنه توسط في الجملة بالنسبة إلى ما هو من معمولاته، أما إذا لم يتقدم شيء من ذلك، فإن التوسط لا يصدق عليه، وقد قال ابن أبي الربيع رحمه الله تعالى: إذا قلت اليوم ظننت زيدا شاخصا كان لك فيه معنيان: -

الحديث: 1136 - الجزء: 3 - الصفحة: 1494

................................  أحدهما: أن تريد أن ظنك وقع في هذا اليوم وليس الشخوص فيه فإذا قصدت هذا لم يكن في الظن إلا الإعمال لأنها متقدمة.
الثاني: أن تريد أن الشخوص وقع في هذا اليوم وربما كان ظنك قبل هذا اليوم بزمان كثير، فإذا أردت هذا كان لك فيه وجهان: الإعمال والإلغاء وتقول: متى ظننت زيدا قائما فيجوز لك وجهان: الإلغاء والإعمال إذا جعلت الظرف متعلقا بقائم، فإن جعلته متعلقا بظننت لم يكن فيه الإعمال لأن الظن متقدم، وإذا قلت: هل ظننت زيدا شاخصا، فالاختيار الإعمال لأن ظننت متقدمة، ويظهر من كلام سيبويه أنه يجوز فيه الإلغاء 216، ووجه ذلك: أن هل استفهام وجيء بها للجملة التي بعدها فهي بعض من الجملة، فقد تكون الجملة التي جيء بها لها زيد شاخص، وليس في نيتك إلا ذلك، ثم لما نطقت بـ «هل» على هذا القصد خطر لك الظن فجئت به بعد النطق بـ «هل» وفي النفس البناء على الابتداء والخبر، فصار مجيئها بعد «هل» كمجيئها بعد زيد من: زيد ظننت قائم إلا أن الاختيار متى كان ذلك، أن تأتي بالظن آخرا.
انتهى.
وهذا يحقق ما اعتبره المصنف؛ غير أن ابن عصفور قد يتمسك بإجازة سيبويه الإلغاء في هل ظننت زيدا شاخصا، فإن ظاهره يقوي كلام ابن عصفور.
وبعد فجواز الإلغاء في هذا المثال مشكل من جهة النظر، وقد تلطف ابن أبي الربيع وتحدى في توجيهه، ولكنه لم يرفع الإشكال رأسا، وفي شرح الشيخ: فإن كان المتقدم حرفا لم يجز الإلغاء، وذلك: أتظن زيدا منطلقا، قال: لأنه لم يتقدم معمول أصلا 217، وهذا جار على الأصل الذي تقدم تقريره إلا أن الشيخ لم يتعرض ما ذكره ابن أبي الربيع عن سيبويه في: هل ظننت [2/ 184] زيدا شاخصا من جواز الإلغاء، ثم عقب الشيخ كلامه الذي نقلناه عنه آنفا بأن قال: ومن صور هذه المسألة - وهي أن لا تتصدر ظننت مع كونها متقدمة على المعمولين - صورة لا -

الجزء: 3 - الصفحة: 1495

................................  يجوز فيها إلا الإلغاء، ولا يجوز الإعمال. وهي: ما حكاه الأخفش: إنّ زيدا لظننت أخوه منطلق، ألغى ظننت لما توسطت بين لام «إنّ» والجملة التي في موضع الخبر، ولا يجوز إعمالها هنا لأن لام إنّ تكون إذ ذاك داخلة على ظننت وهو ماض متصرف ولام إن لا يجوز دخولها على الماضي المتصرف إذا وقع خبرا، فإذا لام الابتداء داخلة على الجملة الواقعة خبرا لإن واعترض بظننت بينهما 218. اه. وقد بقي التنبيه ها هنا على شيء: وهو أنّ الفعل الذي يجوز إلغاؤه وإعماله قد يكون مفعوله الثاني جملة اسمية أو شرطية نحو: زيد أبوه منطلق ظننت، وزيد ظننت ما له كثير، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرو، فهذا على الإلغاء، وإن أعملت نصبت المفعول الأول، فقلت زيدا منطلقا أبوه منطلق، وزيدا ظننت ماله كثير، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرا ولا شك أن هذا واضح، ولكن قد يجبن الطالب عن إجازة الإعمال فكان التنبيه عليه واجبا، ثم أشار المصنف بقوله: وقد يقع الملغى بين معمولي إنّ إلى آخره إلى أن الملغي قد يتصور حيث لا يتصور إعمال ولا إلغاء، وذلك في ثلاثة مواضع: الأول: بين اسم «إنّ» وخبرها نحو: 1137 - إنّ المحبّ علمت لمصطبر... ولديه ذنب الحبّ مغتفر 219 الثاني: بين سوف ومصحوبها نحو: 1138 - وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء 220 الثالث: بين المتعاطفين نحو: 1139 - فما جنّة الفردوس أقبلت تبتغي... ولكن دعاك الخير أحسب والتّمر 221

الحديث: 1137 - الجزء: 3 - الصفحة: 1496

................................  واعلم أن وقوع الفعل ملغى في هذه المواضع فيه تقوية كقول من يقول 222 إن المتكلم المخبر يبني كلامه أولا على الإخبار المجرد ثم يعرض له إما يقين ذلك الخبر وإما ظنه فيأتي في أثناء كلامه بالفعل للدلالة على مراده فقط، يريد أن هذا الذي أخبرت به واقع في علمي أو في ظني مثلا، فلم يكن يبني كلامه أولا على الإخبار بأن علمه أو ظنه تعلق بشيء.
ولهذا لم يكن للفعل حينئذ متعلق يتسلط عليه، ومن ثم يصح أن يحكم لعلمت ولأخال، ولأحسب في الأبيات الثلاثة بما حكم به لكان من الزيادة في نحو ما كان أحسن زيدا ولا يضر كونها رافعة لفاعل، فقد عرفت أن كان الزائدة قد قيل بأن لها فاعلا، بل قد قيل بزيادتها مع تحقق كونها رافعة في: 1140 - وجيران لنا كانوا كرام 223 224

    • (2/ 1002)، والهمع (1/ 153)، والدرر (1/ 136). والشاهد قوله: (دعاك الخير أحسب والتمر) حيث وقعت «أحسب» بين المعطوف والمعطوف عليه فألغيت.

الحديث: 1140 - الجزء: 3 - الصفحة: 1497

................................  وعلى هذا يكون المراد بالإلغاء في ثلاثة الأبيات المذكورة الزيادة لأنه لم يكن [2/ 185] فيها للأفعال التي ذكرت معمولات، فيقال: إنها ألغيت عنها.
ثم أشار المصنف بقوله: وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب خلافا للكوفيين إلى نحو: قام أظن زيد، ويقوم أظن زيد، وهو أن يقع فعل من أفعال هذا الباب بين فعل ومرفوعه، فالكوفيون يوجبون الإلغاء، فلا يجوز عندهم نصب زيد في المثالين المذكورين، والصحيح جواز النصب والرفع 225، فإذا رفعت فظاهر، وإذا نصبت فالفعل المتقدم مفعول ثان وقد ورد بالنصب والرفع قول الشاعر: 1141 - شجاك أظنّ ربع الظّاعنينا... ولم تعبأ بعذل العاذلينا 226 قال الشيخ: والذي يقتضيه القياس أنه لا يجوز إلا الإلغاء، لأن الإعمال مترتب على كون الجزأين كانا مبتدأ وخبرا والجزآن هنا لا يكونان مبتدأ وخبرا، لأن النحويين يمنعون تقديم الخبر إذا كان فعلا رافعا ضمير المسند إليه مستكنّا والإعمال يؤدي إلى ذلك فلا يجوز 227 انتهى.
ولك أن تقول: الموجب لامتناع تقديم الخبر في نحو زيد يقوم إنما هو خوف ليس تركيب بتركيب، ولهذا إذا أمن اللبس يجوز نحو: قاما الزيدان، ويقومان العمران 228 - - مذهب المبرد وأكثر النحويين فهو إن كان في البيت ليست بزائدة بل هي الناقصة والضمير وهو واو الجماعة اسمها و «لنا» خبرها والجملة في موضع الصفة لـ «جيران» وكرام صفة بعد صفة.
ينظر الكتاب (2/ 153)، والمقتضب (4/ 116)، والتصريح (1/ 192).

الحديث: 1141 - الجزء: 3 - الصفحة: 1498

................................  ولا شك أن النصب هنا قرينة مزيلة للبس فجاز لنا أن نتصور أن «يقوم» من نحو من يقوم زيد خبر مقدم حين يقصد إدخال نحو ظننت بينهما وإعمالها اتكالا على ما سيبينه نصب زيد من أنه كان مبتدأ وأن الفعل المقدم خبره، ثم أشار المصنف بقوله: وتوكيد الملغي بمصدر منصوب قبيح إلى آخره إلى ما أذكره.
اعلم أن أصل المسألة: إذا ألغي فعل من أفعال هذا الباب لا يؤكد بمصدره فلا يقال نحو: زيد ظننت ظنّا مقيم ولا زيد مقيم ظننت ظنّا، للعلة التي ستذكر، لكنهم جوزوا حذف الفعل والتعويض عنه بالمصدر نحو: زيد منطلق ظنّا، قالوا: وهو بدل من الفعل، فلا يجوز الجمع بينهما 229، وقد تقدم ذكر إجازة هذه المسألة أثناء المنصوب ما نقله من كلام ابن أبي الربيع، فقد أكد بالمصدر الصريح المنصوب مع إلغاء الفعل عن العمل من جهة أنه لم يجمع بينهما وكان المصدر بدلا منه، ولا شك أنه لو لم يذكر المصدر وذكر الفعل متوسطا أو متأخرا لجاز إلغاؤه، فلما أنيب المصدر منابه وعوض به عنه كان حكمه حكمه، فقد صح لنا من هذا أن فعلا من أفعال هذا الباب إذا أكد بالمصدر وجب إعماله تقدم أو توسط أو تأخر نحو: ظننت ظنّا زيدا قائما، وزيدا ظننت ظنّا قائما، وزيدا قائما ظننت ظنّا 230 [2/ 186] هذا إذا كان المصدر صريحا منصوبا، أما إذا كان صريحا غير منصوب بأن يكون مضافا إلى ياء المتكلم، أو غير صريح بأن يكون ضمير المصدر أو اسم إشارة إليه فسيأتي الكلام فيه.
وقد اختلف تعليل النحاة لعدم جواز الإلغاء أي إلغاء الفعل حين يؤكد بما ذكرنا: فمنهم من قال: لو ألغينا الفعل مع التأكيد بالمصدر لأدى ذلك إلى التناقض، وذلك أنك تكون معملا للفعل ملغيّا له في حين واحد.
ومنهم من قال: لو ألغيت كنت من حيث تلغي غير بان الكلام على الفعل ولا يكون معتمد الكلام على الإتيان به، بل يقدر أنه عرض له ذكره بعد بناء الكلام على أن لا يكون فيه، ومن حيث تؤكد بالمصدر تكون قد جعلته أي الفعل معتمدا عليه في الكلام؛ إذ لا يؤكد من الكلام إلا موضع الاعتماد، والفائدة 231 وهذا -

الجزء: 3 - الصفحة: 1499

................................  التعليل الثاني أظهر من الأول؛ لأن الأول منقوض بأنك تقول: زيد ظننت اليوم مقيم، فإنك أعملت ظننت في الظرف مع أنها ملغاة عن المفعولين، إلا أن يجاب عن هذا بأن يقال: المصدر لا يعمل فيه إلا الفعل أو ما شاركه في الحروف والمعنى بخلاف الظرف، وإذا كان العامل في المصدر لا يكون إلا كذلك كان عمل الفعل في المصدر أقوى من عمله في الظرف، فيدل ذلك على قوته، وإلغاؤه يدل على ضعفه فتنافيا، وأيضا فإن التأكيد بالمصدر فيه قوة للفعل لأنه في حكم تكريره فيزداد بالتوكيد قوة، وإذا كان كذلك امتنع إلغاؤه وخصوصا عند من يرى أن مسوغ الإلغاء إنما هو الضعف بالتوسط أو التأخر 232. ومنهم من قال: العلة في ذلك أن العرب قد تقيم المصدر إذا توسط مقام الفعل وتلغيه مع ذلك وتجعله بدلا فتقول: زيد ظنّا منطلق فيكون المصدر إذ ذاك منصوبا بظننت مضمرا، وجاز إضمار الفعل لدلالة الكلام عليه من جهة أنك إذا قلت: زيد ظنّا منطلق علم أنك لم تقل هذا الكلام إلا بعد أن ظننتم كذلك، فلما كانوا يجعلون المصدر إذا توسط ورفعوا الاسمين عوضا من ظننت كرهوا أن يجمعوا بينهما لأن الجمع بين العوض والمعوض منه قبيح 233 قال الشيخ مشيرا إلى هذا التعليل: إنه هو المعلل به عند سيبويه وحذاق النحويين 234، وأما إذا كان الفعل مؤكدا بمصدر صريح غير منصوب أو بضمير المصدر أو باسم إشارة إليه نحو: زيد ظننت ظني منطلق، وزيد ظننته أو ظننت ذاك منطلق، فالإعمال هو الكثير، ويجوز الإلغاء على قلة 235 على أن عبارة المصنف يفهم منها أن الإلغاء جائز مع التوكيد بالمصدر الصريح المنصوب مع أنه محكوم بقبحه، وقد جعل المرتب بالنسبة إلى ما يؤكد به الفعل ثلاثا [2/ 187] منها ما هو قبيح، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو أقل ضعفا كما تضمنه لفظ الكتاب 236 وقال في الشرح: ويقبح توكيد الملغي -

الجزء: 3 - الصفحة: 1500

................................  بمصدر صريح منصوب نحو: زيد ظننت ظنّا منطلق، ويزيل بعض القبح عدم ظهور النصب نحو: زيد ظننت ظني منطلق، ويكتسي بعض الحسن يكون المصدر ضميرا أو اسم إشارة نحو: زيد ظننته أو ظننت ذاك منطلق 237 انتهى.
وقد جعل التوكيد بالضمير أو باسم الإشارة في رتبة، وابن عصفور يقول: الإلغاء مع الإشارة إلى المصدر أقوى من الإلغاء مع ضمير المصدر، وعلل ذلك بأن الضمير وإن كان مبنيّا أقرب إلى المصدر المعرب من حيث كان صيغة الضمير تبني عن النصب، فصارت الصيغة بمنزلة الإعراب في المصدر واسم الإشارة ليس فيه إعراب ولا صيغة تقوم مقام الإعراب فبعد شبهه من المصدر.
قال: وإنما جاز الإلغاء مع الضمير واسم الإشارة ولم يجز مع المصدر لكونهما مبنيين لم يظهر للعامل فيهما عمل، فلا يكون مع الإعمال كأنك معمل ملغ في حال واحد بل يكون الفعل ملغى بالنظر إلى المفعولين وكالملغى بالنظر إلى الضمير واسم الإشارة من حيث لم يظهر له عمل فيهما.
انتهى 238. ونقل الشيخ أن ظاهر كلام سيبويه أن الإلغاء مع اسم الإشارة أضعف من الإلغاء مع الضمير، قال: لأنه اسم ظاهر منفصل فهو أشبه بالمصدر 239. قلت: لم يظهر لي قوة هذا التعليل الذي علل به زيادة ضعف الإلغاء مع اسم الإشارة على ضعف الإلغاء مع الضمير أعني ضمير المصدر، ثم أشار المصنف بقوله: وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظه منصوبا فيلغى وجوبا إلى المسألة التي أسلفت ذكرها وهي: أنهم جوزوا حذف الفعل والتعويض عنه بالمصدر نحو: زيد منطلق ظنّا، وأنهم جعلوا المصدر بدلا من الفعل، ومن ثم لم يجز الجمع بينهما وإنما تقدم لنا ذكرها لتعلقها بما ذكرت معه وهو أنه إذا ألغى فعل من هذه الأفعال لا يؤكد بمصدره ولكن المصنف إنما ذكرها ها هنا، قال في الشرح: وقد ينوب عن الفعل مصدره منتصبا انتصاب المصدر المؤكد، فيجب إلغاؤه نحو: زيد منطلق ظنك أو زيد ظنك منطلق، ثم قال: ويقبح تقديمه، لأن ناصبه فعل تدل عليه الجملة فقبح -

الجزء: 3 - الصفحة: 1501

................................  تقديمه كما قبح تقديم «حقّا» من قولك: زيد قائم حقّا.
ولذلك لم يعمل، لأنه لو عمل وهو مؤكد لاستحق التقديم بالعمل والتأخير بالتوكيد واستحقاق شيء واحد تقديما وتأخير في حال واحدة محال.
انتهى 240. وقد علل عدم العمل بشيء آخر وهو: لو نصب المفعولان بالمصدر لكانا حينئذ من صلته، وإذا كانا من صلته لم يكن للفعل المضمر [2/ 188] ما يدل عليه، فثبت أن الموجب لإلغائه أحد أمرين، وهو استحقاق التقديم لو أعمل والفرض أنه مستحق التأخير من حيث إنه مؤكد أو فقد الدلالة على الفعل الذي أضمر عاملا، ويجوز أن يكون موجب الإلغاء كلا الأمرين، فيكون كل منهما جزء علة، ثم قال الشيخ: والمراد بالقبح هنا عدم الجواز قال: وأجاز تقديمه الأخفش، فيقال على رأيه: ظنك عبد الله حسن 241 انتهى.
والذي تحصل لنا من هذا الكلام أعني على قول المصنف: وتؤكد الملغى بمصدر منصوب قبيح وعلى قوله: وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظه منصوبا فيلغى وجوبا: أن المصدر الصريح المنصوب إذا ذكر معه المفعولان في هذا الباب، إما أن يذكر الفعل (الناصب معه) 242 أولا إن ذكر الفعل فالإعمال أعني إعمال الفعل حينئذ، سواء أكان المصدر مقدما أم متوسطا أم متأخرا، ولا يجوز الإلغاء إلا قبيحا 243، وهذا الحكم هو الذي عبر عنه المصنف بقوله: وتوكيد الملغى بمصدر منصوب قبيح.
فعلمنا إن إعمال الفعل متى ذكر المصدر كان واجبا، وإن ألغي كان قبيحا، وإن لم يذكر الفعل، بل أتي بالمصدر بدلا منه كان مؤكدا لمضمون الجملة 244، كما أنه لا يذكر إلا مع الفعل العامل دون الملغي وهذا الحكم هو الذي عبر عنه المصنف بقوله: وتؤكد الجملة بمصدر الفعل إلى قوله: فيلغى وجوبا.
قلت: ولم يزل يدور في خاطري من هذا شيء أعني وجوب إلغاء المصدر المذكور ولا أتجرأ على إجازة الإعمال توهما أن المسألة إجماعية، إلى أن رأيت الشيخ نقل في شرحه إجازة ذلك فقال: وذهب أبو العباس والزجاج وأبو بكر إلى جواز إعماله، فعلى مذهبهم تقول: زيدا ظنك منطلقا، وزيدا منطلقا ظنك، فتعمل لأنه -

الجزء: 3 - الصفحة: 1502

................................  عندهم بدل من الفعل العامل 245 انتهى.
وقد عرفت أن تقديم المصدر على الجملة لا يجوز، وأن الأخفش أجاز ذلك 246. قال الشيخ: فإذا قدم على قول المجيز لتقديمه فهل يعمل؟ قال: منهم من أجاز ذلك فتقول: ظنك زيدا قائما قال: والصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال وعللوا ذلك بأنه لا دليل إذ ذاك على الفعل المحذوف 247 انتهى.
ولم يظهر لي صحة هذا التعليل أعني كونه علة لمنع الإعمال، لأنا إذا أعملنا كان العمل للمصدر لا للفعل، فكيف يتجه أن يقال بأن العلة إنما هي عدم الدلالة إذ ذاك على الفعل المحذوف؟ نعم هذه علة منع تقديم المصدر على الجملة كما تقدم من كلام المصنف أن ناصب هذا المصدر فعل يدل عليه الجملة فقبح تقديمه كما قبح تقديم حقّا من قولك: زيد [2/ 189] قائم حقّا، وإذا لم يثبت كون ما ذكر علة، فنقول: إنما كان الصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال بسبب أن الذي أجاز التقديم هو الأخفش والذي أجاز الإعمال غيره، فالمخبر الإعمال لا يجيز التقديم ومجيز التقديم ليس هو المجيز للإعمال، وأما قول المصنف: ويقل القبح إلى آخره، فاعلم أن المصنف قال في شرحه: وكما قل القبح بتقديم «متى» في: متى تظن زيد ذاهب، يقل في متى ظنك زيد ذاهب.
انتهى.
وظاهر هذا الكلام أن القبح في تقديم المصدر على الجزأين يقل إذا تقدم على المصدر شيء متعلق بالخبر كما في متى ظنك ذاهب، هذا مع بقاء المصدر على إلغائه لأن المصنف عقب بهذا الكلام بقوله: ويقبح تقديمه 248 هكذا فهمت هذا الموضع بعد التأمل، لكن قال الشيخ بعد أن ذكر كلام المصنف: ومن أجاز النصب في: ظنك زيدا ذاهبا كان عنده هنا أجوز فتقول: متى ظنك زيدا ذاهبا، لأن أدوات الاستفهام طالبة للفعل فجاز إضمار الفعل بعدها، لذلك قال: وممن ذهب إلى إجازة ذلك ومنعه ظنك زيدا ذاهبا ابن عصفور 249 انتهى.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1503

................................  فحمل الشيخ كلام المصنف هنا على أنه مقصود به الإشارة إلى الإعمال وعدمه ولا شك أن الذي ذكره الشيخ مسألة برأسها وحكم مستقل، وهو أنه من أجاز كذا فهو لكذا أجوز، وهذا لا منازعة فيه.
وأما أن المصنف أراد ذلك فنحمل كلامه عليه، فلم يتجه لي لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى: أما اللفظ فلأن كلام المصنف الآن هو في التقديم لا في الإعمال لأنه بعد ذكره المصدر، وأنه يؤتى به بدلا من الفعل، وأنه يلغى وجوبا قال: ويقبح تقديمه.
ولا شك أن هذا مع كونه ملغى، ثم قال: ويقل القبح في كذا، فوجب أن يحمل على المراد، ويقل القبح في التقديم، لأن الكلام فيه، لا على أنه يقل القبح في العمل، لأن العمل لم يتقدم له ذكر، بل الذي ذكره إنما هو وجوب الإلغاء فمن أين يفهم أن المراد ويقل القبح في الإعمال.
وأما من حيث المعنى فلأن تقدم «متى» على الفعل في نحو: متى تظن زيد ذاهب، إنما هو مسوغ للإلغاء الذي كان ممنوعا لو لم يتقدم شيء 250، وتقديم «متى» في نحو متى ظنك زيد ذاهب على ما حمل الشيخ عليه كلام المصنف إنما هو مسوغ للأعمال، وإذا كان كذلك فكيف يصح التنظير.
وإذا تقرر هذا البحث فالذي يتعين حمل كلام المصنف عليه أن الذي قصده بالتنظير أن تقديم «متى» في نحو: متى تظن زيد ذاهب أخرج تظن عن كونها صدرا فجاز إلغاؤها هكذا التقديم [2/ 190] في متى ظنك زيد ذاهب أخرج المصدر عن أن يكون صدرا فجاز ذكره متقدما على الجزأين وقد كان قبيحا أي ممتنعا أو جائز على قبح، فقل القبح.
ومما يؤيد البحث المتقدم أن هذا المصدر لم يكن ممتنع الإعمال لكونه متقدما صدرا فيجوز إعماله إذا تقدمه شيء يخرجه عن كونه صدرا بل إنما امتنع إعماله للأمر الذي تقدم ذكره 251، وإذا كان امتناع إعماله لذلك فلا فرق بين أن يكون -

الجزء: 3 - الصفحة: 1504

................................  صدرا أو لا يكون.
وقول المصنف: وإن جعل «متى» خبرا يشير به إلى أنه إن جعل «متى» خبرا وظنك مبتدأ رفعته ووجب إعماله فيقال: متى ظنك زيدا قائما، قال الشيخ: لأنه إذ ذاك ليس بمصدر مؤكد، ولا يدل من اللفظ بالفعل، وإنما هو مقدر بحرف مصدري والفعل كما تقول: متى ضربك زيد 252 انتهى.
وكونه مقدرا بحرف مصدري والفعل إنما هو مسوغ لإعماله والمقصود ذكر علة موجبة لإعماله، والظاهر أن الموجب للإعمال حينئذ إنما هو تقدمه على المعمولين ولا شك أن الإلغاء مع كون العامل متقدما على الجزأين لا يجوز، وقد يقال: قد جوز المصنف إلغاء الفعل متقدما وإن كان جعله قبيحا فليكن حكم المصدر حكم الفعل.
وأما قول المصنف: وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام فقد شرحه هو بأن قال: وأجاز الأخفش والفراء النصب والإعمال في الأمر والاستفهام، لأنهما يطلبان الفعل نحو: ظنك زيدا منطلقا ومتى ظنك زيدا منطلقا، بمعنى ظن ظنك زيدا منطلقا، ومتى ظننت ظنك زيدا منطلقا 253 انتهى.
وهذا الكلام في المتن والشرح يشعر بأن هذه المسألة من متعلقات ما تقدم أعني كون المصدر هنا مؤكدا للجملة لقوله: إنهما أجازا إعمال المنصوب وقد تقدم له ذكر منصوب، ومرفوع، وأن المرفوع يجب إعماله، وأن المنصوب يجب إلغاؤه 254. ولا شك أن اللام في «المنصوب» للعهد فتعين أن يكون المراد ما قلناه، وإذا كان كذلك أشكل الأمر، لأن ظنّا في المثالين اللذين ذكرهما إنما هو مؤكد للعامل لا للجملة أيضا ولو كان مؤكدا للجملة ما جاز تقديمه عليها، ولا يلزم من كونه صار بدلا من الفعل أن يكون مؤكدا للجملة، لأن المؤكد الذي جعل بدلا من فعله قسمان: قسم مؤكد للعامل كما في: ضربا زيدا، وقسم مؤكد لمضمون الجملة -

الجزء: 3 - الصفحة: 1505

................................  كما في زيد ابني حقّا 255 [2/ 191] فإن قيل: ليس في كلام المصنف تصريح بأن المصدر المشار إليه في المثالين يؤكد جملة، فليحمل على أنه المؤكد للعامل، أجيب بأنه إذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى تخصيص الأخفش والفراء بإجازة ذلك، إذ غيرهما لا يمنعه.
ثم إن كلام المصنف في شرح الكافية يخالف ظاهره هذا الذي ذكره هنا فإنه بعد أن ذكر المصدر على ضربين: ضرب يقدر بالفعل وحرف مصدري، وضرب يقدر بالفعل وحده، وأن هذا هو الآتي بدلا من اللفظ بفعله - قال مشيرا إلى هذا الضرب الثاني 256: وأكثر وقوعه أمرا أو دعاء بعد الاستفهام، فالأمر كقول الشاعر 257: 1142 - فندلا زريق المال ندل الثّعالب 258 والدعاء كقول الآخر: 1143 - يا قابل التّوب غفرانا مآثم قد... أسلفتها أنا منها خائف وجل 259 ومثله وقوعه بعد الاستفهام قول الشاعر: -

الحديث: 1142 - الجزء: 3 - الصفحة: 1506

................................  1144 - أعلاقة أمّ الوليد بعد ما...... 260 ثم (قال) 261 عقب هذا الكلام بأن قال: وهو مطرد عند الأخفش والفراء في الخبر والطلب، ومما مثل به الأخفش: ظنك زيدا منطلقا، وسمع أذني أخاك تقول: ذاك وبصر عيني أخاك 262 انتهى.
وأفهم كلامه هذا أن الخلاف بين الأخفش والفراء وبين غيرهما إنما هو في الإطراد، لا في الوقوع، وفي وقوعه في الخبر، أما وقوعه في الطلب فلا، وإذا كان كذلك أشكل قوله في التسهيل وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام، لأن هذا يوهم أن غيرهما لا يجيز الإعمال، وقد تبين من كلامه في شرح الكافية أن الخلاف بينهما وبين غيرهما إنما هو في الاطراد.
وبعد فهذا الموضع مما أشكل على تحققه والشيخ لم يتعرض إلى شيء مما أشرت إليه غير أنه بعد نقله عبارة المصنف في الشرح قال: وهذا الذي حكاه المصنف عن الأخفش والفراء هو القياس فكم جاز ذلك في نحو ضربا زيدا أي اضرب زيدا وقوله: 1145 - أعلاقة أمّ الوليد... 263 أي: أتعلق أم الوليد؟ جاز ذلك في باب «ظن»، ثم قال: وقال صاحب الملخص 264: تقول: ظنّا زيدا منطلقا كما تقول: ضربا زيدا وتعمل ظنّا كما يعمل ظننت إذا تقدمت، وكذلك لو وسطت ظنّا أو أخرته فالإعمال ولا يجوز الإلغاء لأنها في نية التقديم، ولأن الأمر طالب بالفعل ومبني الكلام عليه، فإن جئت بظنّا بعد ما بنيت الكلام على الإخبار بلا عمل لظن جاز، كما تقول: زيد منطلق أظن هذا موجود أو تقول: أظنّا زيدا منطلقا، ليس إلا الإعمال لتقدمها، فإن توسطت -

الحديث: 1144 - الجزء: 3 - الصفحة: 1507

التعليق وأحكامه في الأفعال القلبية في هذا الباب

قال ابن مالك: (وتختصّ أيضا القلبيّة المتصرّفة بتعدّيها معنى لا لفظا إلى ذي استفهام، أو مضاف إليه [2/ 192] أو تالي لام الابتداء، أو القسم أو «ما» أو «إن» النّافيتين أو «لا» ويسمّى تعليقا).
أو تأخرت جاز الإلغاء والإعمال، كما يجوز في الخبر 265. قال ناظر الجيش: قد تقدم أن التعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلّا على سبيل الوجوب وأنه حكم مختص بالأفعال القلبية المتصرفة من أفعال هذا الباب، وأنه قد يشاركها في ذلك أفعال أخر، وتقدم أيضا ذكر السبب الموجب لاختصاصها بالتعليق.
قال المصنف 266: وسمي الإبطال على هذا الوجه تعليقا، لأنه إبطال في اللفظ مع تعليق العامل بالمحل، وتقدير إعماله فيه، ويظهر ذلك في المعطوف نحو: علمت لزيد صديقك وغير ذلك من أمورك انتهى، وكذا يجوز أن تقول: علمت لزيد منطلق وعمرا قائما نصبا على محل لزيد منطلق 267، وقد فسر المصنف التعليق في متن الكتاب بقوله: بتعديها معنى لا لفظا، وهو تفسير حسن، قال المصنف: وسبب التعليق كون المعمول تالي الاستفهام أو مضمنا معناه أو مضافا إلى مضمنه، أو تالي لام الابتداء أو القسم أو «لو» أو «ما» أو «إن» النافيتين أو «لا» نحو [قوله تعالى]: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 268، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ 269 ونحو: علمت غلام من أنت [وقوله تعالى]: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ 270 وكقول الشاعر: -

الجزء: 3 - الصفحة: 1508

................................  1146 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي... إنّ المنايا لا تطيش سهامها 271 وكقول الآخر: 1147 - وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما... يريد ثراء المال أمسى له وفر 272 وكقوله تعالى: لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ 273 وكقوله تعالى: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا 274 ومن أمثلة ابن السراج: أحسب لا يقوم زيد 275 انتهى 276. وعلم منه أن الموجب للتعليق إما نفس المعمول بأن يكون اسم استفهام أو مضافا إليه، وإما أن يفصل بين العامل والمعمول أحد الأدوات التي ذكرها وهي: حرف استفهام «كالهمزة وهل» أو لام الابتداء أو القسم أو «لو» أو ما النافية، أو إن «النافية، أو «لا» فهي سبع أدوات منها الست التي ذكرها المصنف في متن الكتاب والتي ذكرها في الشرح وهي «لو».
وزاد الشيخ في الأدوات المعلقة «لعلّ»: قال في شرح الألفية: ومما يظهر لي أنه من أسباب التعليق «لعل» وهو شيء أهمله -

الحديث: 1146 - الجزء: 3 - الصفحة: 1509

................................  النحويون ولم أجد فيه نصّا لبصري ولا كوفي.
والدليل على صحة ما ذهب إليه وأنه مسموع من لسان العرب وإن لم ينبه النحويون عليه قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ 277 وقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 278 وقوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً 279 ودرى من الأفعال التي تعلق كما علقت في قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 280 وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ 281، وَما أَدْراكَ مَا [2/ 193] الْقارِعَةُ 282 وإنما كانت من أسباب التعليق لشبهها بأدوات الاستفهام حتى إن بعض الكوفيين زعم أن «لعل» تكون استفهاما كما ذكر في باب «إنّ» قال صاحب الواضح: لعل من حروف الاستفهام، يقول الرجل لمخاطبه: لعلك تسبني فأعاقبك؟ تريد: هل تسبني؟ وقد قال الله تعالى وله المثل الأعلى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً 283 فجعل «لعل» في موضع الاستفهام مقرونا بدليل الاستفهام وهو «تدري» 284. وقال في شرح التسهيل بعد أن ذكر ما نقلته عنه من شرح الألفية: ورأيت نصب الفعل في هذه الآيات الشريفة على جملة الترجي، فهي في موضع نصب بالفعل المعلق إلى أن وقعت لأبي علي الفارسي على شيء من هذا، قال - وقد ذكر وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 285، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً 286 - ما نصه: «والقول في لعل وموضعها وأنه يجوز أن يكون في موضع نصب وأن الفعل لما كان بمعنى العلم علق عما بعده، وجاز تعليقه لأنه مثل الاستفهام، ألا ترى أنه بمنزلته في أنه غير خبر، وأن ما بعده منقطع مما قبله ولا يعمل فيه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يقع موقع المفعول، كما يقع الاستفهام موقعه، فعلى هذا تكون لعل وما بعدها بعد هذه الأفعال في موضع نصب» 287. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1510

................................  ثم ها هنا أمور ننبه عليها: الأول: قال الشيخ: أكثر أصحابنا لم يذكروا لام القسم في أسباب التعليق، قال: وهو الصحيح وذلك أن الجملة المعلق عنها الفعل لها موضع من الإعراب، والجملة التي تقع جوابا للقسم لا موضع لها من الإعراب فتدافعا قال ذلك في شرح الألفية 288، والظاهر أن الذي ذكره هو الحق، ولم يذكرها ابن عصفور في المعلقات غير أنه ذكر مسألة مستقلة بنفسها: وهي أنه قال: وانفردت أيضا أفعال القلوب بجواز تضمنها معنى القسم، فإذا فعل ذلك بها تلقيت بما يتلقى به القسم، تقول: علمت ليقومنّ زيد وظننت لقد قام عمرو، كما تقول: والله ليقومن زيد، وو الله لقد قام عمرو، ثم إن كان الفعل غير متعد فلا موضع لجملة الجواب من إعراب نحو قولك: بدا لي ليقومنّ زيد، قال الله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 289 وإن كان الفعل متعديا نحو: علمت ليقومن زيد، وعرفت ليخرجن عمرو: فمن النحاة من يجعل الجملة نائبة مناب معمول الفعل، فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين نحو: «علمت» كانت الجملة في موضعهما، وإن كان يتعدى إلى واحد نحو: «عرفت» كانت الجملة في موضع ذلك المفعول، ومنهم من يجعل الجملة لا موضع لها من الإعراب، لأن الفعل وإن كان متعديا، قد ضمن [2/ 194] معنى ما لا يتعدى، فلذلك لا يتعدى كما أن «نبئت» وإن كانت في الأصل لا تتعدى لما ضمنت معنى ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين تعدت تعديته وهذا هو الصحيح 290 انتهى.
وهو كلام حسن مذوق مقبول.
الثاني: في شرح الشيخ: ذهب ابن كيسان وثعلب وحكي عن المبرد: لا يعلق من أفعال القلوب إلا العلم، وأما الظن ونحوه فلا يعلق وجعله الشلوبين هو الوجه، وزعم أنه رأى سيبويه على ما فهم عنه لأنه ما مثل به في في أبواب التعليق قال الشلوبين: والذي يدل عليه أن آلة التعليق بالأصل حرف الاستفهام وحرف التأكيد، أما التحقيق فلا يكون بعد الظن لأنه نقيضه، ولذلك قال ثعلب: فإذا قلت: ظننت -

الجزء: 3 - الصفحة: 1511

................................  أنك لقائم تريد ما غلب عليك من اليقين فتكون «ظننت» بمعنى «علمت» فهو جائز، وإن أردت الشك كنت كالكذاب، وأما الاستفهام فالمراد الإبقاء مع إنك قد زال ترددك فإذا دخلت ظننت بمعنى التردد، فلا فائدة في التسوية، لأنك شاك مثله فلا تدخلها على الاستفهام قال هذا القائل: وظننت في تمثيل سيبويه ظننت زيدا أبو من هو، إنما هو بمعنى العلم، قال في البسيط: وهذا تكلف في التأويل ولو سلم ذلك لقيل فما المانع من أن تعلق الظن بغيره هذه من الحروف كما ولا؟ 291 انتهى.
ولا يخفى ضعف ما ذهب إليه ابن كيسان وثعلب من ذلك وضعف ما استدل به الشلوبين 292. والحق خلاف ذلك كله، وقد يفهم من كلام صاحب البسيط أن الأمر كما قلت.
الأمر الثالث: قد أشكل على الناس في نحو: علمت أيهم أخوك، وعلمت أزيد في الدار أم عمرو، وتعلق إحدى الجملتين بالجملة الأخرى، وللعلماء في ذلك كلام 293. وقد أورد الشيخ هذا البحث في شرح الألفية إيرادا حسنا فقال بعد ذكر مسائل التعليق: فإن قلت: الجملة التي يعلق عنها هذه الأفعال على قسمين: خبرية وغير خبرية.
فالخبرية: تعلق هذه الأفعال عنها في نحو: علمت لزيد قائم، لأن العلم قد يتعلق بالوجود وقد يتعلق بالعدم.
وأما غير الخبرية نحو: علمت أيهم في الدار، فإنه يشكل انعقاد هذه الجملة الاستفهامية بالجملة الخبرية التي هي علمت، لأن علمت يفيد حصول العلم، وأيهم في الدار معناه طلب الإعلام بمن في الدار، فهذا الكلام يدافع أوله آخره، لأن حصول العلم ينافي طلب العلم فمن حصل له العلم لا يطلب تحصيل العلم، ولا يعقل أن يكون طلب الإعلام لذلك متعلقا لنفي العلم أو إثباتة، وهل ينفي أو يثبت إلا النسب الخبرية لا النسب التي ليست [2/ 195] بخبرية.
فالجواب: أن هذا مما صورته الاستفهام، وليس معناه معنى الاستفهام، فإذا قلت: علمت أيهم في الدار، فمعناه: علمت الذي هو في الدار، وكذلك جميع الاستفهام -

الجزء: 3 - الصفحة: 1512

................................  الذي علق الفعل ليس معناه على الاستفهام، ولذلك لا يكون له جواب البتّة، بخلافه إذا لم يعلق عنه الفعل، فإذا قيل: أيهم في الدار، استدعى جوابا 294، وقد قال سيبويه ما نصه: كما أنك إذا قلت: قد علمت أزيد ثم أم عمرو أردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم 295. انتهى.
فقول سيبويه: أردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم - نصّ على أنه لا يراد معنى الاستفهام البتة وجميع المثل التي أوردها سيبويه في الباب الذي ذكر فيه هذا النص مما صورته صورة الاستفهام ليس المعنى على الاستفهام أصلا 296 وقد نصّ الإمام أبو الحسن بن الباذش 297 على ذلك أيضا: قال ما نصه: علمت أزيد عندك أم عمرو ولِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ 298 ليس حرف الاستفهام لأنه يستحيل أن يستفهم عما أخبر أنه يعلمه.
انتهى.
وقال بعض حذاق شيوخنا - في قول الزجاجي: قد علمت أزيد عندك أم عمرو - ما نصه: واعلم أن أدوات الاستفهام استعملت في هذه المواضع مجردة من معنى الاستفهام، ثم قال: بعد كلام كثير وذلك أن القائل: قد علمت أزيد ثم أم عمرو، قائما - أراد أن يبين له أنه قد عرف الذي منهما وأراد أن لا يبينه للمخاطب، فجاء بلفظ الاستفهام تسوية بينهما في الإبهام على المخاطب 299 فهذه النصوص متظافرة من أئمة العربية على أنه لا يراد به حقيقة الاستفهام.
وحكى أبو أحمد حامد بن جعفر البلخي عن أبي عثمان المازني أن مروان 300 سأل -

الجزء: 3 - الصفحة: 1513

................................  أبا الحسن الأخفش فقال: إذا قلت: قد علمت أزيد عندك أم عمرا فليس قد علمت أن ثم كونا ثابتا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلى، قال: فلم جئت بالاستفهام قال: جئت به لألبس على المخبر من علمت، فقال له مروان: إذا قلت: قد علمت من أنت وأردت أن تلبس عليه، لأنه لا يعرف نفسه، قال: فسكت، يعني الأخفش، قال أبو عثمان: عندي أنه إذا قال: قد علمت من أنت فهو لا يريد أن يلبس عليه لأنه يعرف نفسه، ولكنه أراد: قد علمت من أنت أخيرا أمرك أم شر كما تقول: قد علمت أمرك 301 انتهى.
وكان الأستاذ أبو علي الشلوبين يروي عن بعض المتأخرين أن هذا الكلام على حذف مضاف، وأن المراد منه: قد علمت جواب هذا الكلام.
وكان يعنى به ويراه في بعض أقرائه 302 والأحسن ما قدمناه أولا من نصوص الأئمة، وكثير في لسان العرب أن يكون الكلام لفظه مخالفا لمعناه؛ ألا ترى [2/ 196] مجيء الأمر بصورة الخبر ومجيء الخبر بصورة الأمر، وكلام العرب في تركيبه على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مطابقة اللفظ للمعنى نحو: زيد قائم، وما قام زيد، وشبه ذلك.
[القسم] الثاني: غلبة اللفظ على المعنى نحو قولهم: أظن أن يقوم أجمعوا على صحتها وأبطل أكثر النحويين: أظن قيامك، ومعنى أن تقوم، قيامك.
وإنما جاز ذلك لأن الظن لا يكتفي بكلمة واحدة وأن تقوم كلمتان في اللفظ؛ فقد اشتمل «أن تقوم» على مسند ومسند إليه بخلاف قيامك فإنه كلمة واحدة ولا إسناد فيه.
والقسم الثالث: غلبة المعنى على اللفظ نحو: ليت شعري زيدا ما صنع، حذف من «ليت» اسم المتكلم، ولم يظهر لليت خبر، ولا يجوز ذلك في غير ليت من أخواتها، لا يقال: إن شعري أباك ما صنع، والمعنى ليتني أشعر بما صنع زيد فهذا مما غلب فيه المعنى على اللفظ، ومن هذا القسم مسألتنا التي نحن نتكلم فيها وهو أن صورته صورة الاستفهام، ومعناه على غير الاستفهام، فهو مما غلب فيه المعنى على -

الجزء: 3 - الصفحة: 1514

[التعليق في بعض الأفعال غير القلبية]

قال ابن مالك: (ويشاركهنّ فيه مع الاستفهام «نظر» و «أبصر» و «تفكّر» و «سأل» وما وافقهنّ أو قاربهنّ، لا ما لم يقاربهن، خلافا ليونس، وقد يعلّق «نسي»).
اللفظ 303، وإذا أتوا بما صورته الاستفهام ومعناه على غير الاستفهام ولم يدخلوا عليه ما يغيره من العوامل اللفظية فلأن لا يغيروه مع العوامل اللفظية أولى وأخرى، لأن في اللفظ المتقدم ما يرشد إلى المعنى، ويدل عليه لتعلقه به.
بخلاف ما لم يتقدم عليه لفظ يطلب المعنى ويستدعيه، مثال ذلك: أنهم يقولون في معنى التعظيم والتعجب: أي رجل أنت؟ المعنى: ما أكملك رجلا، فصورته صورة الاستفهام ومعناه ليس معناه، ولذلك لايجاب مثل هذا الاستفهام فقد عدوه عن الاستفهام إلى غيره، ولم يدخلوا عليه عاملا، فإذا أدخلوا عليه العامل كان أجدر أن يغير، وكان قياس العامل كما غيره معنى أن يغيره لفظا ويؤثر فيه النصب، لكن راعوا صورة الاستفهام فلم يعملوا فيه ما قبله لفظا وإن كان عاملا فيه من جهة المعنى، فموضعه نصب، ولذلك إذا عطفوا على موضع المعلق عنه نصبوا فيقولون: ظننت لزيد قائم عمرا شاخصا، وعلمت ما زيد قائم وعمرا منطلقا 304 هذا آخر ما ذكره الشيخ في هذه المسألة.
قال ناظر الجيش: أي: ويشارك القلبية المتصرفة في التعليق، لكن مع الاستفهام خاصة دون بقية المعلقات ما ذكره من [2/ 197] الأفعال والذي ذكره نصّا في متن الكتاب أربعة أفعال، وأرد بما وافقهن، أي: وافق الأربعة معنى: رأى البصرية، واستنبأ، وبما قاربهن بـ «لأبلو» 305 كما أشار إلى ذلك في الشرح فيكون المجموع سبعة.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1515

................................  قال في الشرح 306: وعلق أيضا مع الاستفهام «نظر» بالعين أو القلب وأبصر، وتفكر وسأل نحو: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً 307 وفَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ 308 وفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 309 وأَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ 310 وكقول الشاعر: 1148 - حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة... تفكّر آإيّاه يعنون أم قردا 311 وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ 312، وأشرت بما وافقهن إلى نحو: أما ترى أي برق ها هنا بمعنى أما تبصر، حكاه سيبويه 313، وإلى نحو: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ 314 وأشرت بما قاربهن إلى نحو: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 315 وأجاز يونس تعليق ما يوافقهن ولم يقاربهن وجعل من ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ 316 فضمة الياء عنده ضمة إعراب 317، وعند سيبويه ضمة بناء، وأي موصولة 318 وقد مضى ذلك، وعلق «نسي» لأنه ضد علم، والضد قد يحمل على الضد، ومنه قول الشاعر: 1149 - ومن أنتم إنّا نسينا من أنتم... وريحكم من أيّ ريح الأعاصر 319

الحديث: 1148 - الجزء: 3 - الصفحة: 1516

................................  ومثله على أحد الوجهين قول الآخر: 1150 - لم أر مثل الفتيان في عين ال... أيّام ينسون ما عواقبها 320 انتهى.
ويتعلق بهذا الموضع مباحث: الأول: ناقش الشيخ المصنف في قوله فيما تقدم: وتختص أيضا القلبية المتصرفة بتعديها معنى لا لفظا.
قال: لأن الاختصاص ينافي قوله هنا ويشاركهن فيه كذا وكذا، قال: فالمشاركة والاختصاص لا يجتمعان 321 والجواب عن ذلك من وجهين: الأول: أن المراد أن القلبية اختصت بالتعليق دون بقية الأفعال التي ذكرت معها وهي ما أفاد التحويل، فقد انفردت القلبية عن أخواتها بذلك، وحينئذ يصدق أنها مختصة به دون أخواتها، ومشاركة غير أخواتها لها في التعليق لا يخرجها عن الاختصاص، لأنه اختصاص مفيد، لا اختصاص مطلق، وهذا كما تقول في الحصر في نحو: ما كاتب إلا زيد، جوابا لمن قال: الكاتب زيد وعمرو، فإن القصد إلى حصر الكتابة في زيد لا مطلقا بل بالنسبة إلى عمرو، لأن غير عمرو يشارك زيدا في الإنصاف بالكتابة لا محالة 322. الثاني: أن مشاركة غير الأفعال المذكورة لها في التعليق لا يزيل اختصاصها لأن المشارك المذكور الآن إنما يعلق بالاستفهام خاصة، وأما الأفعال المشاركة فإنها تعلق بغير الاستفهام كما تعلق بالاستفهام، وعلى هذا فالذي اختصت به تلك [2/ 198] الأفعال لم يشارك فيه إنما شوركت في بعضه، والمشاركة في بعض الأمور لا ينافي - - (ص 296)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 78).
والشاهد قوله: (نسينا من أنتم) حيث علق الفعل (نسي) بالاستفهام، والجملة من اسم الاستفهام وخبره في محل نصب مفعوله.

الحديث: 1150 - الجزء: 3 - الصفحة: 1517

................................  اختصاص المشارك بكلها، وناقش الشيخ المصنف أيضا في ذكره «تفكر» هنا، قال: لأنها من أفعال القلوب، فقد اندرجت في قوله: وتختص أيضا القلبية المتصرفة 323، وهذا أمر عجيب، فإن المراد بالقلبية المتصرفة إنما هو الذي يتعدى إلى مفعولين، لأن الباب معقود لذلك و «تفكر» إن كان قلبيّا فعل لا يتعدى بنفسه، فكيف يندرج مع الأفعال المتعدية إلى اثنين.
المبحث الثاني: قد علمت أن الأفعال التي أشار إليها الآن سبعة فما هو منها قلبي وهو «تفكر» وبلا كان في تعليقه محمولا على أفعال القلوب المتعدية إلى اثنين، وما هو منها غير قلبي، وهو نظر وأبصر وسأل ورأى البصرية واستنبأ، فالمسوغ لتعليقه كونه سببا للفعل القلبي، لأن السؤال مثلا سبب من أسباب العلم، فأجري السبب مجرى المسبب، ولم يذكر ابن عصفور من هذه الأفعال إلا فعلين، قال في المقرب: «ولم يعلق من غير أفعال القلوب إلا السؤال والرؤية من كلامهم: سل أبو من زيد، وأما ترى أي برق ها هنا 324 لكنه في شرح الجمل قال: إن تعليق رأى البصرية هو قول المازني، وأنه استدل بقولهم: أما ترى أي برق ها هنا، قال: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون «ترى» بمعنى «تعلم» 325 انتهى.
وكون ترى في هذا المثال بمعنى «تعلم» فيه بعد، والظاهر بل الراجح أنها البصرية وإذا ثبت أن «سأل» تعلق فلا يبعد أن تعلق «استنبأ» لأنه بمعناه، وأما نظر وأبصر فلا شك أنهما بمعنى رأى، وقد قيل إن رأى يعلق، فليكن نظر وأبصر كذلك 326 وقد قال الشيخ نقلا عن شيخه ابن الزبير: إن أحدا لم يذهب إلى تعليق انظر سوى ابن خروف، قال: وقد ذكر سيبويه تعليق انظر وحمل الناس ذلك على النظر بمعنى التفكر 327 انتهى.
قلت: وهذا عدول عن ظاهر كلام سيبويه من غير دليل 328، ومن أقوى -

الجزء: 3 - الصفحة: 1518

................................  ما يستدل به على تعليق النظر الذي بمعنى البصر، قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 329 لأنه عدي بإلى، ولا يعدى إلا ما كان بمعنى الإبصار 330، وقصد الشيخ تخريج ما استدل به المصنف على التعليق، فقال في قوله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 331 يحتمل أن يكون «أيكم» موصولة لا استفهامية ويكون مفعولا، والباء زائدة، وصدر الجملة محذوف، التقدير: فستبصر وتبصرون الذي هو المفتون منكم 332 انتهى.
ولا يخفى بعد هذا التخريج 333 ثم قال: وقد جاء تعليق «تبصر» بمعنى انظر وتأمل قال الشاعر: 1151 - تبصّر خليليّ هل ترى من ظعائن... سوالك نقبا بين حزمي شعبعب 334 [2/ 199] قال: والأظهر أنها هنا من الإبصار بالعين 335، وقال: في قوله -

الحديث: 1151 - الجزء: 3 - الصفحة: 1519

................................  تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 336 فجوز «أيكم» أن تكون موصولة حذف صدر صلتها فبنيت وهي بدل ضمير المخاطب بدل بعض من كل، والعائد محذوف والتقدير: ليبلوكم الذي هو أحسن عملا منك 337 انتهى.
وانظر إلى ما آل إليه هذا التخريج، وما يلزمه من البعد عن الفصاحة، واعلم أن دعوى التعليق في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا مشكلة فإن الفعل قد عمل في ضمير المخاطبين فكيف يكون معلقا مع كونه معملا، ولا يقال عدم تسلطه على الجملة التي هي أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا دليل تعليقه 338 عنها، لأن الجملة الواقعة في موضع المفعول الثاني، ولو لم يكن فيها ما يوجب التعليق لا تسلط للعامل عليها نحو أن تقول: علمت زيدا أبوه قائم، فشأن الجملة الواقعة بعد أن يأخذ العامل معمولا ذلك، فلا فرق بين المشتملة على ما يوجب التعليق، وبين ما لم تكن مشتملة على ذلك.
المبحث الثالث: قد عرفت أن يونس قد علق لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ، وأن مذهب سيبويه والخليل عدم القول بالتعليق وهو الحق 339. قال ابن أبي الربيع: قد علم أن مذهب البصريين أنه لا يعلق إلا ما هو من الأفعال القلبية، وإلا ما هو من سببها، وزاد الكوفيون فقالوا: وإلا ما كان مسببا عنها، وذكر الآية الشريفة ثم قال: وهذا الذي قالوه يلزم عنه أن «أضرب» أزيد في الدار أم عمرو، على تقدير أعلم أزيد في الدار أم عمرو فاضربه، وهذا مما لا يثبت بدليل لا يحتمل تأويلا انتهى.
ثم إن الشيخ ناقش المصنف في قوله في الشرح: وعلق «نسي» لأنه ضد علم، فقال: ليس ضد العلم النسيان ولكن ضده الجهل، وضد النسيان الذكر بالقلب 340 انتهى.
والذي يظهر أن المصنف عبر عن المتلازمين بالآخر، إذ لا يخفى التلازم بين -

الجزء: 3 - الصفحة: 1520

[مسألة علمت زيدا أبو من هو]

قال ابن مالك: (ونصب مفعول نحو: علمت زيدا أبو من هو، أولى من رفعه، ورفعه [2/ 200] ممتنع بعد «أرأيت» بمعنى «أخبرني» وللاسم المستفهم به، والمضاف إليه ممّا بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة).
الذكر، وإنما احتاج إلى ذلك لأن «علم» قد ثبت أنه يعلق ولم يثبت أن «ذكر» يعلق، وهو قد جعل «نسى» إنما هو بالجمل على غيره، فوجب أن يذكر فعلا دون فعل لم يعلق، وأما قول المصنف: ومثله على أحد الوجهين قول الآخر وإنشاده البيت الذي أوله: 1152 - لم أر مثل الفتيان......... 341 فإنه عنى بأحد الوجهين أن تكون «ما» في موضع رفع استفهاما، وعلق «ينسون» 342 وارتفع عواقبها على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي عواقبها، والجملة صلة لما، قال الشيخ: وهذا الذي جوزه يعني المصنف في هذا البيت يجوز في البيت الذي قبله يعني: 1153 - إنّا نسينا من أنتم 343 التقدير: من هم أنتم «فمن» موصولة، ومع هذا الاحتمال يسقط الاستدلال فلا يثبت تعليق «نسى» 344. قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان مرتبطتان بالكلام الذي تقدمهما: المسألة الأولى: مشتملة على شيء يجوز أن يعلق الفعل عنه وأن لا يعلق: وهي التي يعبر عنها النحاة بأن يكون الاسم فيها مستفهما عنه في المعنى، والمراد بذلك أن يذكر المفعول قبل الاستفهام نحو: علمت زيدا أبو من هو، فيما يتعدى إلى اثنين، وعرفت زيدا أبو من هو، فيما يتعدى إلى واحد، وحكم هذا المفعول أنه يجوز فيه النصب والرفع كما أشار إليه، ووجه الرفع: أنك إذا قلت: علمت أو عرفت زيدا أبو من هو، كان المعنى: علمت أزيد أبو عمرو أم أبو غيره، فمن حيث كان -

الحديث: 1152 - الجزء: 3 - الصفحة: 1521

................................  مستفهما عنه معنى جاز رفعه، ولكن النصب أولى، لأن مراعاة اللفظ إذا لم يخل بالمعنى أولى من مراعاة المعنى 345: قال المصنف 346: وإن تقدم الاستفهام على أحد المفعولين نحو: علمت زيدا أبو من هو اختير نصبه لأن العامل مسلط عليه بلا مانع، ويجوز رفعه لأنه هو والذي بعد الاستفهام شيء واحد في المعنى فكأنه في حيز الاستفهام والاستفهام مشتمل عليه 347 وهو نظير قولهم: إن أحدا لا يقول ذلك وأحد هذا لا يقع إلا بعد نفي ولكن لما كان هذا هو والغير المرفوع بالقول المنفي شيئا واحدا في المعنى نزل منزلة واقع بعد النفي ومثله قول الشاعر: 1154 - ولو سئلت عنّي نوار وأهلها... إذا أحد لم ينطق الشّفتان 348 ومثال علمت زيد أبو من هو بالرفع قول الشاعر: 1155 - فو الله ما أدري غريم لويته... أيشتدّ إن قاضاك أم يتضرّع 349 الرواية عنهم بالرفع لما ذكرته ولو نصب لكان أجود 350. اه.
واعلم أن سيبويه نص على جواز الرفع وإن كان المختار عنده النصب 351، ومنع -

الحديث: 1154 - الجزء: 3 - الصفحة: 1522

................................  ابن كيسان جواز الرفع وخالفه الناس في ذلك وانتصروا لمذهب سيبويه بما تقدم من القياس والسماع وبجواز التعليق في المسألة المذكورة 352. اعترض الشيخ على قول المصنف: إن التعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلّا على سبيل الوجوب 353 والذي يرفع هذا الاعتراض أن التعليق ذكرت أسبابه ولا شك أنه متى وجد سبب منها كان التعليق واجبا.
وأما هذه المسألة أعني: «علمت زيدا أبو من هو؟» فلم يوجد فيها السبب على الوجه المخصوص الذي يجب لأجله التعليق، وإنما جاز التعليق فيها بالتأويل كما تقدم تقديره ثم لما كان رفع مثل هذا الاسم أعني المستفهم عنه معنى يمتنع في صور أشار إليها المصنف بقوله: ورفعه ممتنع بعد أرأيت بمعنى [2/ 201] أخبرني، وقال في شرح ذلك بعد كلامه الذي قدمناه: فلو كان الاسم المتقدم على الاستفهام بعد أرأيت بمعنى أخبرني تعين نصبه نحو: أرأيت زيد أبو من هو لأنه بمعنى ما لا يعلق، قال أبو علي في التذكرة: أنبأ ونبّأ ضمّنا معنى أعلم فيوافقانه، ولا يمتنع مع التضمين تعديتهما بحرف الجر على الأصل كما لا يمتنع الحكاية بمتى، تقول: وكما لا يمتنع أرأيت بمعنى أخبرني عن نصب مفعولين لكن منع من التعليق لا تقول: أرأيت زيد أبو من هو، لأنه بمعنى أخبرني فحفظ له من الحكمين أقواهما وهو الإعمال 354. اه 355. وقال سيبويه: وتقول: أرأيتك زيدا أبو من هو وأرأيتك عمرا أعندك هو أم عند فلان؛ لا يحسن فيه إلا النصب في زيد ألا ترى أنك لو قلت: أرأيت أبو من أنت أو أرأيت أزيد ثم أم فلان لم يحسن لأن فيه معنى أخبرني عن زيد 356 (الظاهر أن هذا -

الجزء: 3 - الصفحة: 1523

................................  الضمير يرجع إلى أرأيت لا إلى أخبرني) وهو الفعل الذي لا يستغنى السكوت على مفعوله الأول فدخول هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة أخبرني في الاستغناء فعلى هذا أجرى وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني 357. هذا كلام سيبويه.
وقد علم منه أن الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب في موضع المفعول الثاني وليس الفعل الذي هو أرأيتك معلقا عنها لأنه قد ثبت أن هذا الفعل أعني أرأيتك الذي ضمن معنى أخبرني لا يعلق بالجملة المذكورة كالجملة التي ليست استفهامية في نحو: ظننت زيدا أبوه قائم 358 قال الشيخ: وقد انتقد كثير من النحاة على سيبويه واعترضوا عليه وقالوا: كثيرا ما يعلق أرأيت والدليل على ذلك السماع، قال الله تعالى قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ 359، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ 360، قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ 361 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 362 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ 363، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ 364، أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ 365، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى 366 فهذه مواضع من القرآن العزيز تدل على تعليق «أرأيت» وهو خلاف قول سيبويه، «لو قلت: أرأيت أبو من أنت وأ رأيت أزيد ثم أم فلان لم يحسن» ولا يجوز كون هذه الجمل الاستفهامية جوابا - - العبارة في النسخة (ب) في صلب الكلام من قوله: لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وأعتقد أن ناسخ العبارة في هامش (أ) قد ذكرها للتوضيح فظن كاتب النسخة (ب) أنها من صلب الكلام فأثبتها.
وأقول ذلك لأن عبارة سيبويه في كتابه لم يرد فيها شيء من ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1524

................................  للشرط؛ لأنه كان يلزم دخول فاء الجواب على تلك الجمل إلا ما كان منها بهمزة الاستفهام فلا يجوز دخول الفاء عليها ولا تجيء الفاء [2/ 202] بعدها ولا وقوعها جوابا للشرط بل جواب الشرط محذوف.
ولذلك لم يأت فعل الشرط في هذه الآيات الشريفة إلا ماضي اللفظ ولم يجيء مضارعا في موضع من المواضع، قال: وقد انفصل ابن عصفور وغيره عما اعترض به على سيبويه من هذه الآيات الشريفة: فإنه جعل المفعول الأول قد حذف حذف اختصار كما يحذف في علمت حذف اختصار، التقدير: قل أرأيتكم عذابكم إن أتاكم أي أخبروني عنه كيف يكون لو دريتموه ما جرأتم هذه الجرأة، قال: ولا يمنع سيبويه هذا النوع من الحذف وإلا فما يفعل في قوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 367 ألا ترى أن المفعول الثاني محذوف والمعنى أرأيتك هذا الذي كرمت علّى، ما الذي أوجب له ذلك فكما يحذف الخبر وهو المفعول الثاني كذلك يحذف المبتدأ وهو المفعول الأول هذا كلام ابن عصفور 368. قال الشيخ: ولا يلزم في أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أن يكون المفعول الثاني محذوفا بل الظاهر في الآية أنه مذكور وهو لَئِنْ أَخَّرْتَنِ لأن اللام مؤذنة بجملة قسم محذوفة فهذه الجملة القسمية مع متعلقها هي في موضع المفعول الثاني، ثم قال: والذي عندي في هذه الآيات الشريفة أنها تخرج على الإعمال وذلك أن فعل الشرط تنازع الاسم بعده و «أرأيت» تنازعت فأعمل فعل الشرط إذ هو الثاني وأضمر في الأول منصوبا وحذف لأن الأفصح حذفه لا التصريح به مضمرا، والتقدير في الآية الأولى: قل أريتكموه أي العذاب أغير الله تدعون لكشفه، وفي الثانية: «من إله غير الله يردها عليكم» وفي الثالثة: «هل يهلك به إلا القوم الظالمون» وفي الرابعة: الرابط مصرح به وفي الخامسة: «من إله غير الله يأتيكم بضياء يذكر» وفي السادسة كذلك، وفي السابعة والثامنة: مصرح به ويضمر في «أرأيت» معمول فعل الشرط الذي يمكن تسلط «أرأيت» عليه، قال: وهذا الذي تأولناه سهل يقرر ما ذهب إليه سيبويه 369. اه.
-

الجزء: 3 - الصفحة: 1525

................................  وقد وافق كلامه كلام ابن عصفور في أن المفعول الأول محذوف لكن تقرير الشيخ وتوجيهه الحذف ماش على القواعد؛ فهو أقرب إلى الصناعة النحوية لكن في الذي ذكره من تنازع أرأيت وفعل الشرط الاسم الذي بعد فعل الشرط بحث وهو: أن لازم تجويز التنازع في مثل هذا التركيب أن يكون العامل الذي قبل «إن» الشرطية قد تعدى إلى ما بعدها وبعد فعل الشرط فيكون نظير أن يقال: اضرب إن قام زيدا لأن الإعمال شرطه جواز إعمال كل من العاملين في المتنازع 370 فيه، وفي [2/ 203] تجويز تعدي ما قبل «إن» الشرطية إلى ما بعدها نظر - لأن أسماء الشرط لها صدر الكلام وليس كذلك إلا لتضمنها معناه وهذا يدل على أن أداة الشرط لها الصدر أيضا وإذا كان لها الصدر ثبت امتناع ما قبلها فيما بعدها وإذا ثبت ذلك امتنع التنازع في المسألة 371. وعلى هذا يكون القول في ذلك ما قاله ابن عصفور غير أنه لما قدر المفعول الأول لم يتعرض إلى كيفية ارتباط الجملة الاستفهامية التي هي في موضع المفعول الثاني به ولا إلى تقدير العائد الذي يلزم عوده منه إلى الأول وكان الواجب أن يستوفي الكلام في ذلك لتنتظم مفردات التركيب نظما يؤدي إلى العلم بالمقصود منه ثم لم أفهم ما الذي أحوجه إلى قوله: لو دريتموه ما جرأتم هذه الجرأة.
ولم يظهر لي ارتباطه بكلامه الأول.
وبعد ففي كلام الشيخ غير ما تقدمت الإشارة إليه من القول بالتنازع أمران: أحدهما: قوله في مفعول «أرأيتكم» الأول: أن الأفصح حذفه لا التصريح به مضمرا فإن الحذف إنما يكون أفصح حيث لا يكون أصله المبتدأ والخبر، أما إذا كان أصله ذلك كأحد مفعولي «ظن» فإن مذهب البصريين أن يذكر مؤخرا، والحق أن الحذف جائز أما كونه الأفصح فليس هو المشهور 372. -

الجزء: 3 - الصفحة: 1526

................................  الثاني: قوله مشيرا إلى تقدير العائد من المفعول الثاني إلى الأول إنه في الآية الشريفة يردها فإنه أراد بالثانية قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ 373، فلا حاجة إلى تقدير «يردها».
ثم إنه لم يبين الاسم المتنازع فيه، بل قال: إنه فعل الشرط تنازع الاسم الذي بعده و «أرأيت» تنازعت وذكر أنه في الآية الأولى فاعل «أتاكم» وهو عذاب الله.
ولم يبين ما هو في بقية الآيات الشريفة والظاهر أنه فاعل فعل الشرط في الآيات الشريفة كلها إلا في الآية السابعة فإن الظاهر أن المتنازع فيه هو مفعول متعناهم لا فاعله فيكون التقدير: أفرأيتم إن متعناهم وإنما قلت: إن هذا هو الظاهر من أجل أن الشيخ حكم بأن الرابط في السابعة مصرح به ذو المصرح به إنما هو الضمائر التي في عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ومدلول كل من هذه الضمائر هو مدلول مفعول «متعناهم» فوجب أن يكون التقدير: أفرأيتم إن متعناهم.
هذا آخر تقرير ما يتعلق بما ذكره الشيخ في هذه المسألة.
ثم اعلم أن في تقدير مفعول أول محذوف وتقدير عائد محذوف من الجملة التي هي في موضع المفعول الثاني - تكلفا لا يخفى مع أن ذلك خلاف الظاهر وفيه [2/ 204] أيضا التزام حذف الشيء لم يكن حذفه لازما، ولذاهب أن يذهب في نحو ما تقدم إلى شيء آخر وهو أن يدعى أن «أرأيت» في هذه الآيات الشريفة لم تعدّ إلى مفعولين أصلا.
وتقرير ذلك: أن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر ولكل منهما عمل يستحقه جاز أن يلحظ فيه الأمران فقد يعطى عمله قبل التضمين وقد يعطى عمل الفعل الذي ضمن هو معناه كما يقال في «أنبأ» و «نبّأ» أنهما يضمنان معنى «أعلم» فبعد التضمين تعديهما إلى ثلاثة مفعولين ولك مع التضمين أن تعاملها في التعدية بالحرف بما كنت تعاملها به قبل التضمين قال الله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ 374 وقال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ - - وأخواتها - فلا يخلو أن يكون اختصارا أو اقتصارا فأما الاختصار فجائز قليل وينظر الهمع (1/ 152) والمقرب (1/ 116) وفيه: «يجوز اختصارا في ضعف من الكلام».
اه.
وهذا يؤيد ما قاله ناظر الجيش من أن حذف المفعول الأول في الآية جائز ولكنه ليس هو الأفصح كما قال أبو حيان.

الجزء: 3 - الصفحة: 1527

................................  بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 375 وقال الله تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ 376، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ 377 والظاهر أن: «أنبأ ونبّأ» في هذه الآيات الشريفة بمعنى «أعلم» 378 وقد قال أبو علي: «أنبأ ونبّأ» ضمّنا معنى اعلم فيوافقانه ولا يمتنع مع التضمين تعديهما بحرف الجر على الأصل 379 وهذا صريح فيما قلته وعلى هذا يقال: إن «أرأيت» لما ضمنت معنى أخبرني جاز أن تبقى بعد التضمين على ما كانت عليه من تعديها إلى مفعولين وذلك نحو قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ 380 وكذا قوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ 381 وكذا أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ 382 وكذا أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها 383 ومنه أرأيتك زيدا ما صنع وجاز أن يجري مجرى ما ضمنت معناه وهو أخبرني فلا يلزم أن يكون لها مفعولان صريحان ولا تقع الجملة في موضع مفعول لها، ويجوز حذف ما تعدت إليه اقتصارا 384. وعلى هذا يظهر حمل قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ 385، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ 386 ففي هاتين الآيتين الشريفتين لم يذكر مفعول ثان «لأرأيت» فيستدل به على أن ثم مفعولا أول محذوفا لأن الجملة الاستفهامية جواب الشرط لاقترانها بالفاء والتقدير: أخبروني بالجواب عن هذا.
فالمفعول الصريح محذوف 387 وكذا ما -

الجزء: 3 - الصفحة: 1528

................................  تعدى الفعل إليه بالباء وعن، وإذا تقرر في الآيتين الشريفتين ما قلناه فتقول: إن ثماني الآيات الشريفة التي اعترض بها على سيبويه يمكن تخريجها على هذا فلا تكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني؛ لأن أرأيت قد ضمنت معنى أخبرني فلا تتعدى إلا إلى مفعول واحد وهي الياء الدالة على المتكلم وهي محذوفة، ولم يذكر الفعل المتعلق الذي يتعلق بها غير الياء لدلالة سياق الكلام عليه لأن المعنى أخبروني عن هذا الذي التزمتم به ولا محيد لكم عن الاعتراف به.
وأما [2/ 205] الشرط المذكور بعدها فجوابه محذوف وأتي بالجملة الاستفهامية دليلا.
ولهذا قال الزمخشري في الآية الأولى من ثماني الآيات المشار إليها: وجواب الشرط محذوف تقديره إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون ثم بكّتهم بقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ 388. اه.
فأفاد قوله «ثم بكّتهم» أن العدول عن ذكر جواب الشرط إلى ذكر الجملة الاستفهامية إنما كان لنكتة وإفادة أمر زائد على الجواب لو أفرد بالذكر.
والناظر إذا اعتبر الآيات المشار إليها آية آية لا يكاد يخفى عليه إظهار النكتة المرادة في كل منها.
وبهذا التقرير الذي قررناه يندفع الاعتراض على سيبويه، بأن «أرأيت» التي بمعنى أخبرني قد علقت إذ قد تبين أنه لا تعلق لأرأيت بالجملة الاستفهامية.
وحاصل الأمر بالنسبة إلى ما قاله سيبويه في: أرأيت بمعنى أخبرني أنه إنما تعرض إلى الصورة التي بقيت فيها أرأيت على أصلها 389 من العمل فوجب أن تكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني أما إذا لم يذكر مفعوله فأي شيء يحوج إلى تقديره محذوفا مع إمكان اعتقاد أن لا تعلق لأرأيت بالجملة الاستفهامية.
ثم إن الشيخ ذكر أن «أرأيت» هذه أعني التي بمعنى أخبرني - لها أحكام شاذة، وأنه يجوز حذف الهمزة.
- - والثاني جملة استفهامية ولا شيء منهما هنا فكأن الجملة الشرطية سدت مسد المفعولين.
اه.
وهذا يخالف ما يراه ناظر الجيش في هذه الآية وما قبلها من الآيات التي ذكرها.

الجزء: 3 - الصفحة: 1529

................................  منها: قال: 1156 - أرأيت إن جاءت به أملودا 390 وقد قرأ الكسائي بذلك 391. قال: ونص الأخفش على أنها إذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها، قال: وكذلك قال الفراء وقال النحاس: هما عند البصريين واحد.
ومنها: أنها تلزم الخطاب فلا يقال: أرى زيدا عمرا ما صنع قال: وقد جاءت أرأيت ليس بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بالفاء، قال تعالى: قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ 392 فزعم أبو الحسن أن «أرأيت» أخرجت عن بابها بالكلية وضمنت معنى «أما» أو «تنبّه» فالتأويل: أما إذ أوينا إلى الصخرة.
أو تنبّه إذ أوينا والفاء في «فإني» جواب «أرأيت» على تضمين ما ذكرناه ولا يجوز أن تكون جوابا لـ (إذ) «لأن» إذ لا يصح أن يجازى بها إلا مقرونة بلا خلاف 393. وخرج الشيخ الآية الشريفة فقال: يمكن أن يكون مما حذف منه المفعولان لدلالة المعنى اختصارا وإيجازا، والتقدير: أرأيت أمرنا إذ أوينا إلى الصخرة ما عاقبته فإني نسيت الحوت 394 وقال الزمخشري: أرأيت بمعنى أخبرني ثم قال: فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام فإن كل واحد من «أرأيت» و «إذ أوينا» و «فإني نسيت الحوت» لا متعلق له قلت: لما طلب موسى صلّى الله عليه وسلّم الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى عن سبب ذلك كله [2/ 206] كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت -

الحديث: 1156 - الجزء: 3 - الصفحة: 1530

................................  فحذف ذلك 395. انتهى.
وهو كلام حسن غير أنه لم يتعرض إلى ذكر المفعول الأول وإنما ذكر الجملة الاستفهامية التي هي في موضع المفعول الثاني ويمكن أن يقال: إن «رأيت» هنا هي البصريّة دخلت عليها همزة الاستفهام والمعنى: أبصرت حالنا إذ أوينا إلى الصخرة كأنه يعرفه الوقت الذي نسي فيه الحوت فحذف المفعول لدلالة قوة الكلام عليه.
ومنها: زعم أبو الحسن أن مفعول أرأيت بمعنى أخبرني لا يحذف حتى تؤكد التاء في أرأيتك فنقول: أرأيتك أنت ما صنعت، وأرأيتك أنت وزيدا ما صنعتما وزعم أن هذا التوكيد يقوم مقام المفعول بدليل أنهم يعطفون عليه المنصوب وزعم أنهم لا يقولون أرأيتك أنت وزيد، قال: لأن المعطوف على الفاعل فاعل وهم لا يقولون هو أرأى زيد: لأن فاعلها لا يكون إلا مخاطبا.
قال الشيخ: وما ذهب إليه خارج عن القواعد والأسهل في تخريج هذا أن أنت في أرأيتك أنت ما صنعت هو المفعول الأول واستعير ضمير الرفع لضمير النصب؛ إذ كان القياس أن تكون كلها بصيغة واحدة ولو أتيت بضمير النصب بعد أرأيتك فإن أتيت به متصلا كان في غاية الثقل أو منفصلا كنت أوقعت الضمير منفصلا بعد الفعل وهو لا يجوز لو قلت: مررت إياك لم يجز فلما كان في مجيئه منصوبا ما ذكر عدلوا إلى ضمير الرفع فأوقعوه موقعه؛ إذ كانوا يؤكدون به المضمر المنصوب والمجرور، فتقول: ضربتك أنت ومررت بك أنت كما يؤكدون به المرفوع والذي يدل على ذلك عطفهم المنصوب عليه نحو: أرأيتك أنت وزيدا ما صنعتما والمنصوب لا يعطف على المرفوع 396. ومنها: أن أبا الحسن زعم أن أرأيتك إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه وتلزم الجملة التي بعده الاستفهام قال: لأن أخبرني موافق لمعنى الاستفهام 397. وما زعمه غير لازم بل يجوز حذف المفعولين وحذف أحدهما اختصارا ولا يلزم مجيء الجملة الاستفهامية بعد المفعول الأول بدليل قوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 398 هذا آخر الكلام -

الجزء: 3 - الصفحة: 1531

................................  على المسألة الأولى من المسألتين اللتين قلنا إن كلام المصنف تضمنهما.
وأما المسألة الثانية: فهي التي أشار إليها بقوله: وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة.
والمقصود بهذا الكلام [2/ 207] أن الاسم المستفهم به الواقع بعد ظننت وعلمت ونحوهما من أفعال هذا الباب لا عمل للفعل السابق عليه فيه؛ لأنك قد عرفت أنه يعلقه عن العمل 399 المتقدم عليه.
قال المصنف: وتقول: علمت أي يوم زيد قادم، فتنصب أي يوم «بقادم» على الظرفية كما كنت تفعل لو لم تذكر «علمت» لأن الاستفهام وما في حيزه في حكم المستأنف وكذا تقول 400: غلام من ضربت لأن المضاف إلى المستفهم به مساو له في استحقاق التصدير وتسليط ما بعده عليه ومن ذلك قوله تعالى وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 401 فأي منقلب منصوب بـ «ينقلبون» بعد «سيعلم» 402 كما كان ينصبه لو لم يكن بعده 403 انتهى.
وحاصله: أن الاسم المستفهم به الواقع بعد شيء من هذه الأفعال له حكم اسم الاستفهام لو لم يوجد ذلك الفعل السابق عليه كما تقدم فيتصور في ذلك الاسم كونه مرفوعا بالابتداء وكونه مفعولا به وكونه مصدرا أي منصوبا على المصدر أي منصوبا على المصدر وكونه ظرفا وكونه حالا، إذا كان قبل دخول شيء من الأفعال المذكورة عليه محكوما له بشيء مما ذكر نحو: علمت أي رجل جاءك وعلمت أيهم أكرمت وعلمت أي سير سرت، ومنه قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 404 وعلمت متى مجيء عمرو، ومتى ضربت عمرا، وأين زيد وأين ضربت زيدا، وعلمت كيف ضربت زيدا، وحكم المضاف إلى اسم الاستفهام حكم اسم الاستفهام نفسه فيما ذكرنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1532

[حكم الجملة بعد التعليق وأدواته]

قال ابن مالك: (والجملة بعد المعلّق في موضع نصب بإسقاط حرف الجرّ إن تعدّى به وفي موضع مفعوله إن تعدّى إلى واحد وسادّة مسدّ مفعوليه إن تعدّى إلى اثنين، وبدل من المتوسّط بينه وبينها إن تعدّى إلى واحد وفي موضع الثّاني إن تعدّى إلى اثنين ووجد الأول).
قال ناظر الجيش: قد عرف أن التعليق غير مختص بالأفعال المتعدية إلى مفعولين وإنما هو مختص بالأفعال القلبية سواء أكان الفعل لازما أم متعديا إلى واحد أم إلى اثنين وعرف أيضا أن الفعل المعلق يتعدى إلى ما علق عنه تعدية معنوية لا لفظية فهو يؤثر في المحل لا في اللفظ.
وإذا كان كذلك فلا شك أن الفعل المعلق ثلاثة أقسام: متعد بحرف جر، ومتعد بنفسه إلى واحد، ومتعدّ بنفسه إلى اثنين: فالجملة بعد الأول في موضع نصب بإسقاط حرف الجر نحو قوله تعالى: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً 405 ومنه فكرت أهذا صحيح أم لا، أي فكرت 406 في، وأما المحذوف في الآيات الشريفة فإما «في» [2/ 208] إن جعلت النظر بمعنى التفكر وإما «إلى» إن جعلته بمعنى البصر والجملة بعد الثاني في موضع مفعوله نحو عرفت أيهم زيد، ونحو أما ترى أي برق ها هنا لأن ترى في هذا المثال بصرية على الأصح 407 والجملة بعد الثالث سادة مسد المفعولين وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى 408. واعلم أنه قد تقدم ذكر المسألة التي يجوز فيها الإعمال والتعليق: وهي عرفت أو علمت زيدا أبو من هو: فأما من هو: فأما إذا حصل التعليق فإعراب الجملة واضح لأنها تكون خبرا عن الاسم الذي علق عنه الفعل وأما إذا لم يعلق ونصب الاسم الأول فإن كان الفعل متعديا إلى واحد فالجملة بدل منه نحو 409: عرفت زيدا أبو من هو وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وبدل من المتوسط بينه وبينها إن تعدى إلى واحد -

الجزء: 3 - الصفحة: 1533

................................  وإن كان متعديا إلى اثنين فالجملة في موضع المفعول الثاني نحو: علمت زيدا أبو من هو وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وفي موضع المفعول الثاني إن تعدى إلى اثنين ووجد الأول.
ثم ها هنا بحثان: الأول: في الجملة الواقعة بعد الاسم المنصوب في نحو: «عرفت زيدا أبو من هو» قولان آخران للنحويين: أحدهما: أنها في موضع الحال، وإلى ذلك ذهب المبرد وابن خروف 410 ورد بأنها لو كانت حالا لساغ دخول الواو عليها ودخول الواو عليها يغير المعنى وشأن واو الحال أن المعنى الذي كانت الجملة تعطيه قبل دخولها لا يتغير بعد دخولها وليس معنى: «عرفت زيدا وأبو من هو» كمعنى: عرفت زيدا أبو من هو 411. القول الثاني: أنها في موضع مفعول ثان وأن «عرفت» ضمن معنى علمت فتعدت إلى مفعولين كما ضمنت نبئت وأنبئت وأخبرت معنى أعلمت فتعدت تعديتها وهو رأي أبي علي حكاه عنه ابن جني 412. قال ابن عصفور: وذلك فاسد لأن التضمين لبس بقياس فلا يقال به ما وجدت عنه مندوحة 413. وقد جعلها المصنف بدلا من الاسم الذي قبلها وهذا هو القول الثالث وهو مذهب السيرافي 414 ومختار أبي الحسن بن عصفور، وقال في شرح الجمل: فإن قيل: من أي أقسام البدل هو؟ فالجواب أنه بدل الشيء من الشيء فإن قيل: فزيد ليس بالجملة التي هي أبو من هو؟ فالجواب أن ذلك على حذف المضاف تقديره: عرفت قصة زيد أبو من هو، والقصة هي الجملة 415 انتهى.
وقد جعله ابن الضائع بدل اشتمال، كقولك: عرفت أخاك خبره ونازع ابن عصفور -

الجزء: 3 - الصفحة: 1534

................................  فيما [2/ 209] ادعاه 416 والذي قاله ابن عصفور أظهر مما قاله ابن الضائع.
وقد اختار الشيخ قول أبي علي وهو أن الجملة في موضع المفعول الثاني لعرفت على أنها ضمنت معنى علمت، قال: والدليل على ذلك: جواز رفع الاسم بعد عرفت وانعقاد جملة من مبتدأ وخبر بعد عرفت فتكون إذ ذاك معلقة عنه لأنه مستفهم عنه في المعنى فتقول: عرفت زيد أبو من هو كما كان ذلك في علمت زيد أبو من هو، قال: فزيد مبتدأ، «وأبو من هو» جملة في موضع الخبر فإذا انتصب كان على هذا المعنى من أن أصله مبتدأ وخبر وكان المنصوب مفعولا أول والجملة في موضع المفعول الثاني كما كان خبرا حين ارتفع الاسم الأول 417 انتهى ولا يبعد ما قاله عن الصواب.
البحث الثاني: اعلم أن ابن عصفور بعد أن ذكر حكم الجملة المعلق عنها الفعل وأنها في موضع مفعول بعد إسقاط حرف الجر في نحو: فكرت أبو من زيد وفي موضع مفعول الفعل في نحو: عرفت أبو من زيد وفي موضع المفعولين في نحو: علمت أبو أيهم زيد وأنها في موضع الثاني في نحو: علمت زيدا أبو من هو وأنها بدل من الاسم الذي قبلها في نحو: عرفت زيدا أبو من هو - قال: وقد قيل إن الفعل في جميع ما ذكر من قبيل ما يتعدى إلى مفعولين إما بحق الأصل وإما بالتضمين وهو الصحيح عندي 418. انتهى.
هذا كلامه في المقرب وقد خالف قوله بالتضمين هنا ما ذكره في شرح الجمل وهو الذي ذكرناه عنه اتفاقا.
وحاصل ما ذكره في المقرب أن الفعل المعلق لا يكون إلا متعديا إلى مفعولين فإما بحق الأصل نحو علمت وإما بالتضمين كما في فكرت أبو من زيد وانظر أبو من زيد وعرفت أبو من زيد فجميعها تتعدى إلى اثنين لتضمنها معنى علمت، والعلة في ذلك: أن الفعل المعلق تسلط على معنى الجملة وإذا كان كذلك وجب أن يتعدى إلى مفعولين كما أن علمت وأخواتها متسلطة على الجملة من جهة المعنى 419 وقال سيبويه: «وإن شئت قلت: قد علمت زيد أبو من هو كما تقول ذلك فيما لا يتعدى إلى مفعول وذلك قولهم: اذهب فانظر زيد أبو من هو -

الجزء: 3 - الصفحة: 1535

[اتحاد الفاعل والمفعول في الأفعال القلبية]

قال ابن مالك: (وتختصّ القلبيّة المتصرّفة ورأى الحلميّة والبصريّة بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين متّحدي المعنى وقد يعامل بذلك عدم وفقد، ويمنع الاتّحاد عموما إن أضمر الفاعل متّصلا مفسّرا بالمفعول).
ولا تقول: نظرت زيدا واذهب فسل زيدا أبو من هو وإنما المعنى اذهب فسل عن زيد، ولو قلت: اسأل زيدا على هذا الحد لم يجز» 420 انتهى.
قالوا: ويعني سيبويه أن ما أصله أن يتعدى إليه الفعل المعلق بحرف الجر لا يجوز أن يحذف الحرف وينصب ذلك الاسم على أنه مفعول لذلك الفعل فلا تقول: فكرت زيدا أبو من هو لأن فكرت لا يصل بنفسه [2/ 210] إلى مفعول وليس حذف حرف الجر قياسا بل يرتفع على الابتداء والجملة بعده في موضع الخبر 421 ولا يمكن أن يرتفع على الابتداء والجملة بعده في موضع الخبر؛ إلا أن يعتقد أن الفعل هو مما يصلح أن يدخل على المبتدأ والخبر و «نظر وسل» ليسا مما يدخل على المبتدأ بأصل الوضع فوجب أن يعتقد أنهما ضمنا معنى ما يدخل على المبتدأ والخبر وإذا كان قد جاز الابتداء والخبر بعد الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف الجر فهو في الفعل الذي يتعدى إلى واحد بأصل الوضع أجوز أن يقع.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 422: مما تختص به أفعال القلوب غير «هب وتعلم» إعمالها في ضميرين متصلين لمسمى واحد كـ «علمتني فقيرا إلى العفو والرحمة» وظننتك مهملا وكقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى 423 ولا يجري غيرها مجراها فلا يقال: ظلمتني، ولا ظلمه موضع: ظلمت نفسي وظلم نفسه وألحقت بأفعال القلوب في هذا الاستعمال «رأى» الحلمية كما ألحقت بها في نصب المبتدأ والخبر مفعولين كقوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً 424 وفعل ذلك أيضا برأى البصرية 425 -

الجزء: 3 - الصفحة: 1536

................................  كقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: لقد رأيتنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وما لنا من طعام إلا الأسودان 426 ومنه قول قطري: 1157 - لا يركنن أحد إلى الإحجام... يوم الوغى متخوّفا لحمام فلقد أراني للرّماح دريئة... من عن يميني مرّة وأمامي 427 وقال عنترة: 1158 - فرأيتنا ما بيننا من حاجز... إلا المجنّ ونصل أبيض مقصل 428 وهذا (عام) 429 في «عدم وفقد» شاذ، قال جران العود: 1159 - لقد كان لي عن ضرّتين عدمتني... وعمّا ألاقي منهما متزحزح 430 وقال آخر: 1160 - ندمت على ما كان منّي فقدتني... كما يندم المغبون حين ينيخ 431 فلو اتحد مسمى الضميرين وأحدهما منفصل لم يختص اجتماعهما بفعل دون فعل -

الحديث: 1157 - الجزء: 3 - الصفحة: 1537

................................  نحو: إياك ظلمت وما ظلمت إلا إياك فإن كان الفاعل ضميرا والمفعول ظاهرا واتحد المسمى حكم بالمنع مطلقا نحو: زيدا ظنّ ناجيا، وزيدا ضرب، يريد ظن نفسه، وضرب نفسه فأضمرت [2/ 211] الفاعل وفسرته بالمفعول 432 فلو انفصل الضمير جاز الاتحاد مطلقا نحو: ما ظن زيدا ناجيا إلا هو وما ضرب إلا إياه انتهى 433 كلام المصنف 434. وقد اختلفوا في علة منع نحو ظلمتني وضربتني: فقال سيبويه: استغنوا عنه بالنفس 435 وقال غيره، لئلا يكون الفاعل مفعولا وقيل غير ذلك 436 ويرد على من علل بأن لا يكون الفاعل مفعولا نحو: ظننتني؛ إلا أن يقال إن المفعول مع ظننت ليس مفعولا حقيقيّا، وفي شرح الشيخ: ولو وضعت مكان الضمير الأول النفس فقلت: ظننت نفسي عالمة ففيها خلاف: ذهب أكثر النحويين إلى أنه لا يجوز ذلك وأجازه ابن كيسان، قال: وهو قليل شاذ، ثم قال: وقد اعتل أبو الحسن لجواز ذلك في باب «ظننت» بأنك إنما تعتمد في الإخبار والفائدة على المفعول الثاني، فصارت كاللغو ولم تكن كضرب التي يعتمد عليها في الإخبار 437. اه.
ولم ينتظم لي ارتباط كلامه ثانيا بكلامه أولا والذي يظهر أن قوله: وقد اعتل أبو الحسن إلى آخره يرجع إلى أصل المسألة وهو جواز ظننتني وامتناع ضربتني وأما كون نحو: ظننت نفسي عالمة ممتنعا عند أكثر النحويين فيحتاج إلى نظر 438. وبعد -

الجزء: 3 - الصفحة: 1538

................................  فهذا الموضع مما اضطرب على فهم المراد منه.
ثم إن الشيخ ختم الكلام هنا بذكر مسائل: منها: أن سيبويه وأصحابه والفراء أجازوا: أظن أنك قائم، ولم يجيزوا: أظن قيامك وأن الكسائي أجاز ذلك.
ومنها: أنك إذا قلت: أظن أنك قائم: فمذهب سيبويه: أنه لا حذف فيه.
وذهب الأخفش والمبرد إلى أن المفعول الثاني محذوف وتقديره مستقرّا 439 والحق مذهب سيبويه.
وأما ما حكاه الفراء من نحو: أظن أنك قائم خيرا لك وأظن خيرا لك أنك قائم فلا دليل فيه لمن خالف سيبويه لأن الكون فيه كون مقيد وأما إذا كان الكون عامّا فلا احتياج إذ ذاك إلى تقدير لأن أنك قائم قد انطوى على مسند ومسند إليه 440. ومنها: ظننت زيدا إنّه قائم بكسر «إن» في مذهب البصريين لأنها مبتدأ بها وقال ابن كيسان: يجب الفتح على البدل، قال الشاعر: 1161 - وحنت وما حسبتك أن تحينا 441 جعل أن تحينا بدلا من الكاف.
ومنها: أن الفراء أجاز نحو: تراك منطلقا ونظنك تخرج على حذف همزة الاستفهام أي: أتراك وأنظنك، قال: لأن الاستفهام شك وهذه الأفعال شك فاكتفى بواحد عن صاحبه وامتنع ذلك في ضربت، وقبلت وسائر الأفعال؛ لأنها أخبار لا شك فيها 442 [2/ 212] وتابعه قطرب وأجاز الحذف مع غير هذه التي أجازها الفراء، وذهب سيبويه إلى أن ذلك لا يجوز، قال سيبويه: إذا حذفت همزة الاستفهام انقلب -

الحديث: 1161 - الجزء: 3 - الصفحة: 1539

[الحكاية بالقول ونصب المفعولين في لغة سليم]

قال ابن مالك: (فصل: يحكى بالقول وفروعه الجمل: وينصب به المفرد المؤدّي معناها والمراد به مجرّد اللّفظ وإلحاقه في العمل بالظّنّ مطلقا لغة سليم، ويخصّ أكثر العرب هذا الإلحاق بمضارع المخاطب الحاضر بعد استفهام متّصل أو منفصل بظرف أو جارّ ومجرور، أو أحد المفعولين؛ فإن عدم شرط رجع إلى الحكاية ويجوز إن لم يعدم).
المعنى وهذا أقبح ما يقع فيه الغلط وقد لحن عمر بن أبي ربيعة في قوله: 1162 - ثمّ قالوا تحبّها قلت بهرا 443 أي أتحبها.
وقال أبو العباس: ليس الأمر عندي كذلك إنما هو إلزام أي: ثم قالوا أأنت تحبها 444 وذكر الشيخ بعد هذا مسائل عدة تركت إيرادها خشية الإطالة.
قال ناظر الجيش: قد تقدم في أول هذا الباب الإشارة إلى الفرق بين «قلت» و «ظننت» حيث أثرت ظننت في الاسمين الواقعين بعدها ولم تؤثر «قلت» في الجملة شيئا فلا حاجة إلى إعادته.
والمراد بالقول: نفس المصدر وحكاية الجملة به كقوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ 445 والمراد بفروعه: الفعل الماضي وفعل الأمر والفعل المضارع واسم الفاعل واسم المفعول لأنها كلها مشتقة من المصدر على الأصح فكلها فروعه 446. وحكاية الجملة بالماضي -

الحديث: 1162 - الجزء: 3 - الصفحة: 1540

................................  كقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا 447 وحكايتها بالأمر كقوله: آمَنَّا بِاللَّهِ 448 وحكايتها بالمضارع كقوله تعالى: يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ 449 وحكايتها باسم الفاعل كقوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا 450 وحكايتها باسم المفعول كقول الشاعر: 1163 - تواصوا بحكم الجود حتّى عبيدهم... مقول لديهم لا زكا مال ذي بخل 451 وينصب القول وفروعه المفرد: الذي هو جملة في المعنى كالحديث والقصة والشعر والخطبة، فيقال: قلت حديثا وأقول قصة وهذا قال شعرا وخطبة 452 وينصب أيضا بالقول وفروعه المفرد المراد به مجرد اللفظ: كقولك: قلت كلمة ومن ذلك قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ 453 أي يطلق عليه هذا الاسم ولو كان يقال مبنيّا لفاعل لنصب إبراهيم فكان يقال له: (يقول له الناس إبراهيم) كما يقال: يطلق الناس عليه إبراهيم 454. قال المصنف: وممن اختار هذا الوجه صاحب الكشاف [2/ 213] ورجحه على قول من قال: التقدير يقال له هذا إبراهيم أو يقال له يا إبراهيم 455. ومن إعمال القول في المفرد المراد به مجرد اللفظ: قول أبي القاسم الزجاجي في الجمل: وإنما قلنا: البعض والكل، قال ابن خروف: ونصب الكل والبعض على - - وقيل: إن الفعل مشتق من المصدر والوصف مشتق من الفعل فالوصف فرع الفرع.
اه.
ينظر هذه الآراء في شرح الألفية للمرادي (2/ 76).

الحديث: 1163 - الجزء: 3 - الصفحة: 1541

................................  تقدير، وإنما قلنا هاتين الكلمتين لأنك تقول: قلت كلمة كما تقول قلت قولا والقول يقع على ما يفيد وما لا يفيد.
هذا كلام ابن خروف 456 وبنو سليم يجرون القول وفروعه مجرى الظن وفروعه في نصب المبتدأ والخبر وفتح «أن» الواقعة بعده 457 فمن نصب المبتدأ والخبر على لغة سليم قول الراجز 458: 1164 - قالت وكنت رجلا فطينا... هذا لعمرو الله إسرائينا 459 فنصبه إسرائينا بقالت مفعولا ثانيا وجعل «هذا» مفعولا أول، و «إسرائين» لغة في إسرائيل، ومن فتح أن بعد القول على لغة بني سليم قول الشاعر: 1165 - إذا قلت أنّي آئبّ أهل بلدة... وضعت بها عنه الوليّة بالهجر 460 هكذا أنشده أبو علي في التذكرة وهذا الاستعمال عند غير بني سليم لا يكون إلا في المضارع المسند إلى المخاطب مقصودا به الحال بعد استفهام متصل نحو قول الراجز 461: -

الحديث: 1164 - الجزء: 3 - الصفحة: 1542

................................  1166 - متى تقول القلص الرّواسما... يحملن أمّ قاسم وقاسما 462 ومنه قول عمرو بن معديكرب: 1167 - علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت 463 فلو انفصل الاستفهام بأنت ونحوه بطل الإلحاق ورجع إلى الحكاية نحو: أأنت تقول زيد منطلق. فلو كان الفصل بظرف أو جار ومجرور لم يبطل الإلحاق 464 كقول الشاعر: 1168 - أبعد بعد تقول الدّار جامعة... شملي بهم أم دوام البعد محتوما 465 وكذلك الفصل بأحد المفعولين مغتفر أيضا كقول الشاعر: 1169 - أجهّالا تقول بني لؤيّ... لعمر أبيك أم متجاهلينا 466

الحديث: 1166 - الجزء: 3 - الصفحة: 1543

................................  والحكاية جائزة مع استيفاء شروط الإلحاق لأنها الأصل ولذلك ينشد بيت عمرو ابن معديكرب الذي سبق بنصب الرمح ورفعه فمن نصب فعلى الإلحاق ومن رفع فعلى الحكاية، هذا كلام المصنف في شرحه 467 وليس فيه شيء غير قوله: إن المفرد المراد به مجرد اللفظ ينصب بعد القول وفروعه؛ فإن ابن عصفور جزم في كتبه بمنع العمل وقال: إنه لا بد من تقدير كلمة أخرى منضمة إلى ذلك المفرد، ليصير اللفظ جملة فيحكي حينئذ كما تحكي الجملة المصرح بجزأيها، ومن ثم قال في المقرب: إذا وقع بعد القول [2/ 214] مفرد فإن كان مصدرا له أو صفة للمصدر لم تحكه نحو: قال زيد قولا وقال عمرو حقّا وخالد باطلا، وكذا إذا كان اسما للجملة في المعنى لم تحكه أيضا نحو: قال زيد كلاما أي شعرا وخطبة، وإن لم يكن المفرد مصدرا ولا صفة له ولا اسما للجملة فلا بد أن يكون عامله مضمرا إذا المفرد لا يتكلم به وحده فتحكيه إذ ذاك كما تحكي الجملة نحو قوله تعالى يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ 468 أي يا إبراهيم ومن ذلك قول امرئ القيس: 1170 - إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة 469

    • (1/ 132)، والمقتضب (2/ 348)، وابن يعيش (7/ 78)، والتذييل (2/ 1078)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 80)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 392)، وشرح الرضي على الكافية (2/ 289)، وأوضح المسالك (1/ 127)، وشرح ابن عقيل (1/ 156)، وشرح شواهده (ص 99)، والخزانة (1/ 423) عرضا، وشذور الذهب (ص 456)، والعيني (2/ 429)، والتصريح (1/ 263)، والهمع (1/ 157)، والدرر (1/ 140)، والأشموني (2/ 37)، والبيت غير موجود في ديوان الكميت وينظر أيضا الكافي في شرح الهادي (ص 422). والشاهد قوله: (أجهالا تقول بنو لؤي) حيث أجري (تقول) مجرى تظن مع فصلها من الاستفهام بالمفعول الثاني وهو قوله (جهالا).

الحديث: 1170 - الجزء: 3 - الصفحة: 1544

................................  روي برفع طعم على تقدير: طعمه طعم مدامة، ونصبه على تقدير: ذقت طعم مدامة 470 انتهى. ولا يبعد أن الذي اختاره المصنف هو الحق والآية الشريفة حجة له ولا يخفى ضعف القول بأن إبراهيم خبر مبتدأ محذوف أو منادى إذ لا معنى لذلك. وأما قول من قال: إنه مرفوع على الإهمال فأبعد. وذكر الشيخ في شرحه: أن ثم خلافا في نحو: قلت حقّا وقال باطلا: فمنهم من جعله نعتا لمصدر محذوف ومنهم من جعله مفعولا به، قال: وهو اختيار ابن عصفور وابن الضائع، قالا: لأن الحق اسم جامد والوصف بالجامد لا ينقاس، قال ابن الضائع: الأولى أن يكون مفعولا صحيحا لأن الحق هو المقول فهو مفعول به صحيح. قال الشيخ: فإن قلت: إذا قلت: قال فلان شعرا وقال خطبة ونحوهما أيجوز أن ينتصب انتصاب المصادر النوعية نحو: رجع القهقرى وقعد القرفصاء أم يتعين نصه على أن يكون مفعولا به؟ قلت: يظهر هذا الثاني لأنه اسم للجملة فكأن الجملة الواقعة بعد القول وإن كانت محكية هي في موضع المفعول به فكذلك الاسم الذي بمعناها 471. اه. وإذا اعتبر قول من خالف في نحو قلت حقّا ولم يجعله مفعولا به وأمكن أن يكون نحو «شعرا» من قولنا: قلت شعرا - منصوبا على أنه مصدر نوعي صح أن يقال: كل مفرد وقع منصوبا بعد القول فإنما نصبه على المصدر ولا ينتصب شيء من المفردات بعد القول على أنه مفعول به على أن للشيخ أبي عمرو بن الحاجب بحثا في الجملة المحكية بالقول 472. بقي ها هنا الإشارة إلى أمور: منها: أن حرف الجر لا يدخل على الجملة المحكية ولهذا عد من الضرورات قول الشاعر: 1171 - تنادوا بما هذا وقد سمعوا لنا... دويّا كعزف الجنّ بين الأجارع 473

الحديث: 1171 - الجزء: 3 - الصفحة: 1545

................................  قال ابن عصفور: وإنما حسن ذلك كون الاسم الذي بعد حرف الجر مبنيّا فلم [2/ 215] يظهر القبح، قال: وأقبح من ذلك قول الآخر: 1172 - تنادوا بالرّحيل غدا... وفي ترحالهم نفسي 474 475 ومنها: أنك إذا حكيت جملة معربة جاز لك أن تحكيها على لفظها وإن شئت على معناها فإذا حكيت قول القائل: زيد قائم، قلت: قال عمرو زيد قائم، وإن شئت قلت: قال عمرو زيد وإن حكيت جملة ملحونة حكيتها على المعنى فتقول إذا حكيت قام زيد بخفض «زيد»: قال عمرو قام زيد لكنه خفض زيدا 476. ومنها: أنك إذا حكيت كلام متكلم عن نفسه نحو: انطلقت، فلك أن تحكيه بلفظه من غير تغيير فتقول: قال فلان انطلقت ويجوز أن تقول: قال فلان انطلق أو إنه انطلق أو هو منطلق كل هذا جائز 477. ومنها: أن الكوفيين زعموا أن الأمر من القول للمخاطب يجري مجرى الظن في غير لغة بني سليم كما يجري المضارع منه مجرى الظن إذا اجتمعت الشروط التي تكون في المضارع 478 وأنشدوا: 1173 - إنّ سلمى من تنازع ليّه... ومن ينازعها فقله قد خلج 479

الحديث: 1172 - الجزء: 3 - الصفحة: 1546

................................  أي فظنه قد خلج وإذا استقبلوه بأن كسروها كما يكسرونها بعد القول قال الشيخ: وهذا لا يعرفه البصريون وأجاز السيرافي إعمال الماضي بباقي شروط المضارع فيجيز أقلت زيدا منطلقا، وسيبويه لم يستثن إلا القول، فيظهر منه اختصاصه بالمضارع، قال الشيخ: وعلى كونه شرطا أخذه النحويون فإن سمع من كلامهم ذلك في الماضي كان حجة للسيرافي وإلا فلا يجوز 480. ومنها: أن المصنف جعل من جملة الشروط كون المضارع مقصودا به الحال وإياه قصد بقوله: الحاضر، فقال الشيخ: ولم يذكر هذا الشرط غيره فيما أعلم.
قال: بل الظاهر من حيث شرط الاستفهام أنه يكون مستقبلا ألا ترى إلى قوله: 1174 - أمّا الرّحيل فدون بعد غد... فمتى تقول الدّار تجمعنا 481 فليس المعنى على الاستفهام عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه وأحبابه وإنما هو استفهام عن وقوع ظنه لا استفهام عن الظن في الحال 482. ومنها: أن غير المصنف لم يقيد الفصل بأحد المفعولين بل قال: يشترط أن لا يفصله أجنبي، وعنى بالأجنبي ما ليس معمولا للفعل فإن كان معمولا للقول ظرفا أو غيره لم يعتد بفصله فيجوز على هذا: أمجدّا تقول هندا راحلة؛ بجعله مجدّا حالا من الضمير المستكن في القول.
- - والشاهد قوله: (فقله قد خلج) حيث أجري الأمر من القول مجرى الظن فنصب به المفعول الأول وهو الضمير والمفعول الثاني وهو جملة (قد خلج) فهي محل نصب وإجراء الأمر من القول مجرى الظن هو مذهب الكوفيين كما بين الشارح.

الحديث: 1174 - الجزء: 3 - الصفحة: 1547

................................  ومنها: أنه يجوز الفصل بمعمول المعمول نحو: أهذا تقول زيدا ضاربا 483. قال الشيخ: الذي تقتضيه الأصول جواز الإعمال لأنه كما جاز الفصل بالمعمول يجوز بمعمول المعمول 484. ومنها: أن الشيخ قال: قد نقص المصنف والنحويون في هذه المسألة شرطا آخر نبه عليه السهيلي وهو أن لا يعدى الفعل باللام نحو: أتقول [2/ 216] لزيد عمرو منطلق، وأقول: هذا الشرط غير محتاج إليه لأنه إذا عدى باللام خرج عن أن يكون بمعنى الظن ورجع المعنى إلى القول الذي هو اللفظ.
ومنها: أن النحاة اختلفوا في القول الذي أجري في العمل مجرى الظن، هل يجرى مجراه في العمل خاصة أو في العمل والمعنى معا؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يعمل عمل الظن حتى يضمن معنى الظن في السليمية وغيرها فإن لم يضمن معنى الظن لم يعمل أصلا، هكذا ذكروا 485. والذي يظهر أن الذي تضمن معنى الظن إنما هو الفعل المضارع بالشروط التي عرفت وأما غير المضارع إذا عمل في لغة سليم فلا يظهر أنهم قصدوا به معنى الظن.
ولكن ها هنا بحث: وهو أن يقال: إنكم قلتم معنى أتقول زيدا منطلقا أتظن زيدا منطلقا ولا شك أن القول اللساني غير مراد هنا وإذا كان كذلك وجب الإعمال حينئذ ولكنهم قد -

الجزء: 3 - الصفحة: 1548

[لا يلحق بالقول في الحكاية ما في معناه]

قال ابن مالك: (ولا يلحق في الحكاية بالقول ما في معناه بل ينوى معه القول خلافا للكوفيين، وقد يضاف قول وقائل إلى الكلام المحكي وقد يغني القول في صلة وغيرها عن المحكيّ لظهوره، والعكس كثير، وإن تعلّق بالقول مفرد لا يؤدي معنى جملة ولا يراد به مجرّد اللّفظ حكي مقدّرا معه ما هو به جملة وكذا إن تعلّق بغير القول).
جوزوا الحكاية مع استيفاء الشروط كما عرفت فكيف جازت الحكاية، ومعنى أتقول: أتظن ولا شك أن إلغاء الظن متقدما غير جائز لكن لقائل أن يقول: إنما جازت الحكاية مراعاة لصورة القول فإن الجمل تحكى معه ولا يلزم من تضمينه معنى الظن وجوب الإعمال 486. قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام الإشارة إلى مسائل: الأولى: أن ما كان في معنى القول لا يلحق به في أن يحكي ما بعده، والمراد بما في معنى القول: النداء والدعاء ونحوهما فإذا جاء بعد شيء منها مقول ففيه مذهبان: أحدهما: أن يقدر قول يكون به المقول محكيّا، والآخر: أن يحكي المقول بما قبله إجراء له مجرى القول دون حاجة إلى تقدير وهو قول الكوفيين والأول قول البصريين 487 قال المصنف 488: وهو الصحيح لأن حذف القول استغناء عنه بالمقول مجمع عليه في غير محل النزاع كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 489 أي فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم 490 فحذف القول لدلالة المعنى عليه 491 فحذفه في محل النزاع أولى لأنه مدلول عليه بدلالتين: معنوية ولفظية.
وأيضا -

الجزء: 3 - الصفحة: 1549

................................  بقاء المحكي وحذف القول نظير بقاء المفعول وحذف الفعل، وذلك في الكلام [2/ 217] كثير فلحق به النظير.
وأيضا قد جاء بعد النداء وشبهه مما نحن بصدده القول مصرحا به؛ فدل ذلك على صحة التقدير عند عدم التصريح، فمن مواضع التقدير: قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا 492 وقوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ 493 وقوله تعالى: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 494 وقوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ 495 ومنها قول الراجز أنشده الفراء: 1175 - إني سأبدي لك مما أبدي... لي شجنان شجن في نجد وشجن لي في بلاد الهند 496 ومن مواضع التصريح: قوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ 497 وقوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي 498 وقوله تعالى: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي 499 انتهى 500 وكلام ابن عصفور في المقرب يوافق قول الكوفيين فإنه قال: الجملة لا تحكى إلا بعد القول أو فعل في معناه نحو قولك: قرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وأورد في هذا الفصل البيت المشهور وهو: 1176 - تنادوا بالرّحيل غدا 501 فلولا أن المصنف جعل تقدير القول مذهب البصريين لقلت: إن مذهبهم هو -

الحديث: 1175 - الجزء: 3 - الصفحة: 1550

................................  الذي ذكره ابن عصفور لأنه إنما يذكر مذهب البصريين ولا يعرج على قول الكوفيين.
قال الشيخ: ويظهر أن مذهب الكوفيين أرجح لأنه ليس فيه إضمار، قال: وأنت ترى مصبّ النداء على قوله: «اركب» ومصب «الوحي» على «لنهلكن» ومصبّ الدعاء على «لئن أنجيتنا» لا على غيرها فينبغي أن يعتقد فيها أن الجمل معمولة لها إذ هي محكية بها، قال: وأما حيث صرح بالقول بعد هذه الأفعال وشبهها فيضطر إذ ذاك إلى جعل الجملة محكية بالقول وينبغي أن يعتقد أن تلك الأفعال معمولاتها محذوفة وأن مصبها غير مصب القول لئلا يلزم من ذلك تكرار الفعل، قال: والذي يدل على عدم الإضمار أن «أن» التفسيرية جاءت بعد هذه الأفعال نحو قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا 502 ولو كان القول مضمرا لما جيء «بأن» التفسيرية لأنها لا تأتي بعد القول 503. المسألة الثانية: أن القول الذي هو المصدر وقائلا الذي هو اسم فاعل قد يضافان إلى الكلام المحكي بهما فمثال الأول قول الشاعر: 1177 - قول يا للرّجال ينهض منّا... مسرعين الكهول والشّبّانا 504 ومثال الثاني قول الآخر: 1178 - وأجبت قائل كيف أنت بصالح... حتّى مللت وملّني عوّادي 505 ينشد بخفض صالح [2/ 217 مكرر] ورفعه في خفض فظاهر ومن رفع فعلى تقدير تقول: أنا صالح فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو أنا صالح ثم حذف صدر الجملة وبقى عجزها ولا شك أن إضافة قول إلى المحكي به من باب -

الحديث: 1177 - الجزء: 3 - الصفحة: 1551

................................  إضافة المصدر إلى معموله ولا شبهة في ذلك وكذا إضافة قائل إلى ما حكى به من باب إضافة اسم الفاعل إلى معموله أيضا ولكن لما لم يكن الواقع بعد قول وقائل معمولا صريحا احتاج أن ينبه على أن الإضافة إليه وإن لم يكن معمولا صريحا جائزة.
الثالثة: أن المحكي بالقول قد لا يذكر ويستغنى عنه بالقول إذا دل دليل على المحذوف وأن القول قد لا يذكر ويستغنى عنه بالمحكي لكن الأول في غاية القلة.
وأما الثاني فكثير كما أفهمت ذلك عبارة المصنف في متن الكتاب.
فمثال إغناء القول عن المحكي قول الشاعر: 1179 - لنحن الألى قلتم فأنّى ملئتم... برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا 506 أراد نحن الذين قلتم تقاتلونهم فاستغنى بالقول وحذف المحكي لدلالة ما بعده عليه ولو فعل ذلك بغير صلة لجاز كقولك: أنا قال زيد ولو رآني لغرّ يريد أنا قال زيد يغلبني ولو رآني لفر.
ومن الاستغناء في الصلة بالقول عن المحكي قول الشاعر: 1180 - لم يا عمرو لم تعد بالّذي قل... ت فتلقاه إذ خذلت نصيرا 507 التقدير بالذي قلت أنا أعوذ به أو إنك تعوذ به 508. ومثال الاستغناء بالمحكي عن القول قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ 509 وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ 510 أي قائلين سلام عليكم ومثله وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى 511 أي يقولون ما نعبدهم، وهو كثير كما عرفت.
الرابعة: أنه إذا تعلق بالقول مفرد غير ما تقدمت الإشارة إليه ما حكمه؟ -

الحديث: 1179 - الجزء: 3 - الصفحة: 1552

................................  فنقول: قد تقدم التنبيه على أن المفرد ينصب بالقول وفروعه في موضعين: أحدهما: إذا كان بمعنى جملة كقلت حديثا.
والثاني: إذا أريد به مجرد اللفظ كقلت لزيد عمرا بمعنى أطلعت عمرا على المسمى بزيد 512 فإن علق بالقول مفرد بخلاف ذينك فهو جزء جملة فإما أن ينصب بفعل مقدر وإما أن يرفع مبتدأ ويجعل الخبر محذوفا أو خبرا ويجعل المبتدأ محذوفا كقوله تعالى: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ 513 فتقدير الأول: سلمنا سلاما، وتقدير الثاني: «عليكم سلام» أي تحيتكم سلام 514. قال المصنف 515: ويجوز في العربية رفعهما ونصبهما ورفع الأول ونصب الثاني 516، قال الشاعر: 1181 - مررنا فقلنا إيه سلّم فسلّمت... كما اكتلّ بالبرق الغمام اللّوائح 517 [2/ 218] وأشار المصنف بقوله: وكذا إن تعلق بغير القول إلى أنه لو تعلق المفرد الذي هو في التقدير بعض جملة بغير القول ونوي تمام الجملة لجيء به أيضا محكيّا -

الحديث: 1181 - الجزء: 3 - الصفحة: 1553

[الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل]

قال ابن مالك: (فصل: تدخل همزة النّقل على علم ذات المفعولين، ورأى «أختها» فينصبان ثلاثة مفاعيل، أوّلها الّذي كان فاعلا ويجوز حذفه والاقتصار عليه على الأصحّ، وللثّاني والثّالث بعد النّقل ما لهما قبله مطلقا خلافا لمن منع الإلغاء والتعليق.
وألحق بهما سيبويه «نبّأ» وزاد غيره «أنبأ» و «خبّر» و «أخبر» و «حدّث» وزاد الأخفش «أظنّ» و «أحسب» و «أخال» و «أزعم» و «أوجد» وألحق غيرهم «أرى» الحلميّة سماعا، وما صيغ للمفعول من ذي ثلاثة فحكمه حكم «ظنّ» إلّا في الاقتصار على المرفوع).
كقولك قاصد محمد منقوش على خاتم قرأت محمد لأن مراد الناقش صاحبه محمد أو نحو ذلك فإذا أوقعت عليه قرأت أو غيره مراعيا القصد الأول فإنما تحكي مقصوده ولو علقت به رافعا وهو منصوب لجئت به منصوبا لأن الحكاية مستولية عليه وعلى ناصبه المنوي ومنه قول الشاعر يصف دينارا نقش فيه اسم جعفر البرمكي منصوبا: 1182 - وأصغر من ضرب دار الملوك... يلوح على وجهه جعفرا 518 أراد الناقش اذكر جعفرا أو نحو ذلك، فأسند الشاعر «يلوح» إلى الجملة مراعيا لقصد الناقش.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 519: همزة النقل هي الداخلة على الثلاثي لتعدّيه إلى واحد إن كان دونها غير متعد كجلس وأجلسته ولتعديه إلى اثنين إن كان دونها متعديا إلى واحد كلبست ثوبا، وألبستني إياه ولتعديه إلى ثلاثة إن كان دونها متعديا إلى اثنين كعلم زيد عمرا فاضلا وأعلمته إياه فاضلا فأول الثلاثة هو الذي كان فاعلا قبل النقل والثاني والثالث هما اللذان كانا قبله أولا وثانيا فلأول الثلاثة ما لأول -

الحديث: 1182 - الجزء: 3 - الصفحة: 1554

................................  مفعولي كصوت من جواز الاقتصار عليه والاستغناء عنه 520 لأن الفعل مؤثر فيه فجاز فيه ما يجوز في كل مفعول أثر فيه فعله ولأن الفائدة لا تقدم بالاقتصار عليه كما تقدم بالاقتصار على أول مفعولي ظننت، ولا تعدم الاستغناء عنه كما تعدم بالاستغناء عن أحد مفعولي ظننت؛ فمثال الاقتصار عليه: قولك: أعلمت زيدا إذا قصدت الإخبار بإيصالك إلى زيد علما ما، ومثال الاستغناء عنه: أعلمت دارك طيبة قصدت الإخبار بإعلامك أن داره طيبة دون غرض في قسميه من أعلمته، وزعم ابن خروف أنه لا يجوز حذف أول الثلاثة ولا الاقتصار عليه ولا حجة له في ذلك إلا ظاهر كلام سيبويه في ترجمة تأولها [2/ 219] الأكثرون 521. والمجمع على تعديته إلى ثلاثة: «أعلم وأرى» المتعديان بدون الهمزة إلى اثنين وألحق بهما سيبويه «نبأ» 522 وزاد غيره 523 أنبأ و «خبّر» و «أخبر» و «حدّث» ولا بد من تضمينهما عند الإلحاق معنى اعلم، ولم يذكر أبو علي إلا أعلم وأرى ونبأ وأنبأ 524 وتابعه الجرجاني 525 وألحق الأخفش «أظنّ» وأخواتها المذكورة بعدها 526 وردّ مذهب الأخفش بأن قيل حق همزة التعدية أن يلحق بها ألا يتعدى بما يتعدى -

الجزء: 3 - الصفحة: 1555

................................  إلى واحد بنفسه وما يتعدى إلى واحد بما يتعدى إلى اثنين بنفسه وليس في الكلام متعد بنفسه إلى ثلاثة، فيلحق به متعدّ إلى اثنين؛ فيقتضي هذا أن لا يتعدى إلى ثلاثة على خلاف القياس فقيل: ولم يلحق بأعلم وأرى شيء من أخواتها لأن المسموع المخالف للقياس لا يقاس عليه 527 ولذلك وافق الأخفش على منع أكسبت زيدا عمرا ثوبا.
ومستند هذا الرد قوي ويلزم منه أن لا تلحق «نبأ» وأخواتها.
فإن ادعي سماع نحو قول الشاعر: 1183 - نبّئت زرعة والسّفاهة كاسمها... يهدي إليّ غرائب الأشعار 528 وبنحو قول الحارث بن حلزة اليشكري: 1184 - أو منعتم ما تسألون فمن... حدّثتموه له علينا العلاء 529 وبقول الآخر: 1185 - وما عليك إذا أخبرتني دنفا... وغاب بعلك يوما أن تعوديني 530 أجيب عن ذلك: بأنه من باب النصب لإسقاط حرف الجر، كما حكى سيبويه: -

الحديث: 1183 - الجزء: 3 - الصفحة: 1556

................................  نبئت زيدا، وقال: تريد نبئت عن زيد نبئت عن زيد 531، وكما قال تعالى: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا 532 وقدر من أنبأك بهذا وقد حمل سيبويه على حذف حرف الجر قول الشاعر: 1186 - نبّئت عبد الله بالجوّ أصبحت... كراما مواليها لئيما صميمها 533 أي نبئت عن عبد الله، مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت؛ فدل ذلك على أن تقدير حرف الجر بعد «نبّأ» راجح عنده؛ إذ ليس فيه إخراج شيء عن أصله ولا تضمين شيء معنى غيره.
وأيضا فإن النصب لحذف حرف الجر بعد «نبأ» مقطوع بثبوته فيما حكي من قول بعض العرب: نبئت زيدا مقتصرا عليه وبعد «أنبأ» في قوله تعالى: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا 534 ولم يثبت الإجراء مجرى أعلم إلا حيث يحتمل حذف حرف الجر فكان الحمل عليه أولى 535. هذا في «نبأ» مع كثرة استعمالها بالصور المحتملة وأما أخواتها فيندر استعمالها بتلك الصورة كقول الحارث بن حلزة في البيت السابق فليجعل التقدير فيه: فمن حدثتم عنه له علينا العلاء، والجملة بعد المنصوب حالية أو محكية بقول مقدر وكذلك يفعل بغيره.
هذا أراه أظهر وإن كان غيره أشهر، وأنشد [2/ 220] ابن خروف في شرح الكتاب: 1187 - وأنبئت قيسا ولم أبله... كما زعموا خير أهل اليمن 536

    • (ص 82)، والهمع (1/ 159)، والدرر (1/ 141)، والأشموني (2/ 41). والشاهد قوله: (أخبرتني دنفا) حيث أعمل (أخبر) في ثلاثة مفاعيل: الأول ضمير المخاطب، والثاني ياء المتكلم، والثالث (دنفا).

الحديث: 1186 - الجزء: 3 - الصفحة: 1557

................................  ومما ينبغي أن تلحق بأعلم وأرى: أختها أرى الحلمية كقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا 537 فإنه قد ثبت إجراء رأي الحلمية مجرى رأي العلمية واستدللت على ذلك فيما سلف.
فلزم من ذلك تعديها إلى ثلاثة بهمزة النقل مع مساعدة الاستعمال كما لزم في الفعلين الآخرين لصحة الاستعمال فكان التنبيه عليها لثبوتها سماعا دون معارض أولى من التنبيه على ما لم يثبت إلا بما فيه معارضة واحتمال.
وأما «أرى» المنقولة من متعد إلى واحد فمتعدية إلى اثنين ثانيهما غير الأول 538 وهي على ضربين: أحدهما: من الرأي كقوله تعالى: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ 539. والثاني: من رؤية البصر 540 كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ 541. ونبهت بقولي: «وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله» على أنه لا غنى لأحدهما عن الآخر بعد أن صار ثانيا وثالثا كما لم يكن لأحدهما غنى عن الآخر إذا كانا أولا وثانيا مراعاة لكونهما في الأصل مبتدأ وخبرا، فإن دل دليل على - - وينظر التذييل (2/ 1106)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 82)، والبهجة المرضية (ص 46)، والهمع (1/ 159)، والدرر (1/ 140)، وشرح ابن عقيل (1/ 157)، وشرح شواهده (ص 102)، والعيني (2/ 440)، والتصريح (1/ 265)، والأشموني (2/ 40)، وديوانه (ص 22).
والشاهد قوله: (وأنبئت قيسا خير أهل اليمين) حيث عدى الفعل (أنبئ) إلى ثلاثة مفاعيل: الأول منها ضمير المتكلم وهو نائب الفاعل، والثاني «قيسا»، والثالث «خير أهل اليمن».

الجزء: 3 - الصفحة: 1558

................................  أحدهما جاز حذفه كما كان يجوز في الحال الأول. ومثال الحذف لدليل: قولك لمن قال: من أعلمك زيد فاضلا: أعلمني عمرا تريد أعلمني زيد عمرا فاضلا فأضمرت الفاعل عائدا على زيد وحذفت فاضلا لدلالة ما تقدم عليه كما كنت تحذف في قولك: علمت عمرا إذا أجبت من قال: من علمت فاضلا؟ 542. وللثاني والثالث أيضا من الإلغاء والتعليق بعد النقل ما لهما قبله 543: فمن الإلغاء بعد النقل قول الشاعر: 1188 - وكيف أبالي بالعدى ووعيدهم... وأخشى ملمّات الخطوب الصّوائب وأنت أراني الله أمنع عاصم... وأرأف مستكفى وأسمح واهب 544 فألغى أرى متوسطا، ومثله قول بعض من يوثق بعربيته «البركة أعلمنا الله مع الأكابر» 545 ومن التعليق [قوله تعالى] هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ 546 وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 547 فعلق ينبيء وأدري لأنهما بمعنى يعلم وأعلم فتعليقها لتضمنها حروف يعلم واعلم ومعناها أحق وأولى، ومن تعليق أفعال الباب قول الشاعر: 1189 - حذار فقد نبّئت إنّك للّذي... ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى 548

الحديث: 1188 - الجزء: 3 - الصفحة: 1559

................................  ومنع قوم الإلغاء والتعليق في «أعلم وأرى» وأخواتهما مطلقا 549 وخص بعضهم ذلك بالمبني للفاعل وهو اختيار الجزولي والصحيح الجواز مطلقا للدلائل المذكورة.
قال الشلوبين في [2/ 221] شرح قول الجزولي: وحكم الثاني والثالث معا حكم الثاني من باب كسوت يعني في الاقتصار عليهما وفي أن لا يلغى الفعل عنهما ولا يعلق.
وهذا الذي قاله هنا هو المذهب الصحيح وإن كان فيه خلاف لبعضهم: فقد منع بعضهم الاقتصار على المفعول الأول وأجاز بعضهم الإلغاء عن المبتدأ والخبر، وليس هذان المذهبان مرضيين عند المحققين 550 هكذا زعم، ثم قال شارحا لقول الجزولي: وإذا بنيت للمفعول فحكم منصوبها ما ذكر في منصوبي ظننت مطلقا يعني في أن لا يقتصر على أحدهما، وفيما ذكر في ظننت من الإعمال والإلغاء قال: وليس هذا الذي ذهب إليه من جواز الإلغاء في هذا الباب إذا بنيت أفعاله للمفعول بصحيح؛ لأن العلة في إن لم تلغ هذه الأفعال إذا بنيت للفاعل من كونها أفعالا مؤثرة بخلاف ظننت وبابه موجودة فيها إذا بنيت للمفعول كوجودها إذا بنيت للفاعل، فكيف توجد العلة ثم لا يوجد حكمها، ولكن غيره 551. ذكر سيبويه أرى وهي مضارع أريت بمعنى أظننت 552 فتخيل أن باقي الأفعال «كأرى»، قال: وإنما جاز الإلغاء في أرى وحدها لأنها بمعنى أظن، وأظن غير مؤثرة فجرت مجراها في الإلغاء كما جرت مجراها في المعنى 553. وحاصل قوله أمران: أحدهما: أن أعلم مؤثر فلا تلغى كما لا تلغى الأفعال المؤثرة.
والثاني: أن أرى ألغي لأنه بمعنى أظن فوافقه في الإلغاء كما وافقه في المعنى.
والجواب عن الأول أن يقال: من أجاز إلغاء أعلم لم يجزه بالنسبة إلى المعلم، فيكون -

الجزء: 3 - الصفحة: 1560

................................  في إلغائها محذور وإنما أجازه بالنسبة إلى المسند والمسند إليه وهما غير مؤثرين بأعلم كما هما غير مؤثرين بعلم، فلا يمتنع إلغاء أعلم عنهما كما لم يمتنع إلغاء 554 علم.
والجواب عن الثاني أن يقال: إلحاق أرى بأظن لأنه بمعناه ليس بأولى من إلحاق أعلمت بعلمت بل الأمر بالعكس لأن مفهوم علم مستفاد من أعلمت كاستفادة مفهوم «أظن» من أرى فالمناسبتان مستويتان.
وبين علمت وأعلمت مناسبتان أخريان وهما: رجوعهما إلى مادة واحدة، واستواؤهما في التصرف بخلاف «أرى» و «أظن» فإنهما مختلفتان في المادة والتصرف.
أما التخالف في المادة فظاهر وأما في التصرف فلأن أرى لم يستعمل له ماض.
فقد بان أن مناسبة أرى لأظن أضعف من مناسبة أعلمت لعلمت و «أرى» قد جرت مجرى «أظن»؛ فإذا جرت أعلمت مجرى علمت كان ذلك أحق وأولى فقد ظهر أن المحقق من أجاز الإلغاء والتعليق في هذا الباب لا من صنعه 555، والله تعالى أعلم.
[2/ 222] والصحيح: أن «أعلم» وأخواتها مما بني للمفعول مساو لظن وأخواتها 556 لعدم الفائدة جائز في أعلم وأخواتها لحصول الفائدة.
هذا كلام المصنف في شرح هذا الفصل 557 وهو كلام شاف واف بالمقصود لله الحمد، ثم لا بد ذكر أمور: منها: أن الشيخ نبه على أن الأحسن في قول المصنف: فينصبان ثلاثة مفاعيل - أن يضبط ثلاثة بالتنوين لأن مفاعيل صفة ولا يضاف العدد إلى الصفة إلا في الشعر أو في قليل من الكلام بل تتبع الصفة اسم العدد في الإعراب فيقال: عندي ثلاثة -

الجزء: 3 - الصفحة: 1561

................................  قرشيون، قال: ونبه الشيخ بهاء الدين بن النحاس حين قرأت عليه الكتاب على ذلك فقال في قول سيبويه: هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين 558: ينبغي أن يضبط ثلاثة بالتنوين لأن مفعولين صفة لثلاثة 559. ومنها: أنك قد فهمت من قول المصنف في المتن: ويجوز حذفه والاقتصار عليه على الأصح.. وقوله في الشرح: إن ابن خروف لا يجوز حذف أول الثلاثة ولا الاقتصار عليه - أن في ذلك خلافا والذي ذكره الشيخ أن المذاهب في ذلك ثلاثة: فالجواز مذهب المبرد وابن السراج وابن كيسان وخطاب المارداني والأكثرين، والمنع مذهب سيبويه وقال به ابن طاهر وابن خروف والأستاذ أبي علي وابن عصفور ذهبوا إلى أنه لا يقتصر عنه ولا عليه، ونقل عن الأستاذ أبي علي أنه لا يجوز الاقتصار على الأول ولكنه يجوز حذفه فيجيز أعلمت كبشك سمينا ولا يجيز أعلمت زيدا، قال الشيخ: والذي نختاره هو أن يرجع في ذلك إلى السماع 560. ومنها: أن المصنف نوقش في شيئين: أحدهما: قوله إن «أرى» لم يستعمل لها ماض، قال الشيخ: وليس ذلك بصحيح فقد نص سيبويه على ذلك 561. الثاني: كونه جعل من تعليق «أدرى» بمعنى «أعلم» قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 562 قال الشيخ: لا حجة له في ذلك لأن الأكثر في كلام العرب تعدية «درى» بحرف جر، تقول: دريت به.
والأقل تضمينها معنى علم فتقول: دريت زيدا قائما.
وعلى هذا إذا دخلت عليها همزة التعدية تعدت إلى واحد بنفسها وإلى آخر بحرف جر، لأن الأكثر فيها قيل دخول الهمزة أن تتعدى بحرف جر فوجب الحمل بعد دخول الهمزة على ما هو الأكثر فيها ودليل ذلك قوله تعالى: وَلا أَدْراكُمْ بِهِ 563 وإذا كان كذلك فقوله تعالى وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 564 ليس «ما -

الجزء: 3 - الصفحة: 1562

................................  يوم الدين» سادّا مسد المفعولين فيكون بمنزلة أعلم في ذلك وإنما سدت مسد المفعول الذي يتعدى إليه بحرف الجر فهي جملة في موضع نصب نائبة [2/ 223] عن مفعول واحد أصله بحرف الجر، قال: والدليل على أن «أدرى» لا يكون في التعدية إلى ثلاثة كأعلم، أن الذين استقرؤوا كلام العرب من جميع النحويين البصريين والكوفيين إنما أنهوها إلى سبعة أفعال، ولم يذكروا فيها «أدرى» بمعنى اعلم 565. انتهى.
والجواب عن هذا الثاني: أن المصنف لم يحكم على «أدرى» أنه كأعلم فيلزمه ما ألزمه الشيخ من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة تزيد على سبعة وهو خلاف الإجماع، إنما علقت في قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 566 قال: فإذا علق «أدرى» لكونه بمعنى أعلم أي يفيد ما يفيده فلأن تعليق أعلم، أولى ولم يجعل المصنف «أدرى» متعدية إلى ثلاثة حتى يقول الشيخ إنه جعلها كأعلم، غاية ما قال أنه جعلها بمعنى أعلم ولا يلزم من كون كلمة بمعنى كلمة أخرى أن تعطي هذه الكلمة أحكام تلك الكلمة.
ومنها: أن كلام المصنف في الشرح المتقدم نقله عنه يعطي صريحا أن نبّأ وأنبأ وخبّر وأخبر وحدّث أعني الأفعال الخمسة قد يدعى فيها عدم التعدي إلى ثلاثة، وأن النصب بعدها لإسقاط الخافض، وأن القول بذلك فيها أرجح من القول بتعديها إلى ثلاثة مستدلا على هذا بحمل سيبويه قول الشاعر 567: 1190 - نبّئت عبد الله [بالجوّ] أصبحت...... البيت 568 على حذف حرف الجر مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت إلى آخر ما ذكره.
ومما يقوي بحث المصنف: أن سيبويه لم يزد على أعلم وأرى إلا «نبأ».
وأما أخبر وخبّر وحدّث فزيادتها منقولة على الكوفيين 569 وأما «أنبأ» فذكرها أبو علي والجرجاني مع أعلم وأرى ونبّأ مقتصرين على الأربعة 570، وقال صاحب -

الحديث: 1190 - الجزء: 3 - الصفحة: 1563

................................  اللباب 571: المستعمل من ذلك بلا خلاف أعلم وأرى، فأما أنبأ ونبّأ فإلى واحد بنفسه وإلى ثان بحرف جر وأخبر وخبر وحدّث كنبّأ وإنما تعدت إلى ثلاثة تشبيها بأعلم وقد ذهب بعضهم إلى أن «أنبأ» تتعدى إلى اثنين بنفسها مستدلّا بقوله مَنْ أَنْبَأَكَ هذا 572 ولا دليل فيه لأن استعماله بحرف الجر أكثر 573. لكن قال الشيخ: ما قرره المصنف من أن هذه الأفعال الأربعة لا تلحق في التعدي بأعلم يعكس على استدلاله أن «أعلم» يحذف فيها التعليق مستدلا بقوله تعالى: يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 574 ويقول الشاعر: 1191 - حذار فقد نبّئت إنّك للّذي...... البيت 575 لأن نبأ هذه المعلقة ليست تتعدى إلى ثلاثة إذ لم يثبت لها ذلك، فلا يكون في تعليقه على صحة ثبوته دليل على تعليق أعلم وأرى، قال: فقد ناقض المصنف في الاستدلال على أن التعليق يجوز فيما يتعدى إلى ثلاثة وهذا تناقض واضح 576. انتهى.
وأقول: لا تناقض في كلام المصنف [2/ 224] لأنه لم يدع أن «ينبئكم» في الآية الشريفة متعدية إلى ثلاثة فيلزمه ما ألزمه به وإنما ذكر أنها معلقة عن العمل، وليس من شرط الفعل المعلق التعدي لا إلى ثلاثة ولا إلى أقل منها بل المعتبر أن يكون من أفعال القلوب موافقا في المعنى أو مقاربا للأفعال التي تعلق في هذا الباب وقد قال المصنف: إن «ينبئكم» بمعنى يعلمكم يعني أننا نستفيد من هذا المعنى الذي تستفيده من تلك، فكما نقول: إذا علق «ينبئكم» وهو بمعنى «يعلمكم» اتجه لنا أن نعلق يعلمكم لأن المسوغ لتعليق «ينبئكم» إنما هو كونه بمعنى يعلمكم، ويدل على أن هذا مراده في «ينبئكم» إدراجه في التمثيل قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ 577 ولا شك أن «أدرى» ليس من الأفعال السبعة المذكورة في هذا - - فيقال: أنبأته كذا كقوله تعالى: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا الأصل بهذا».
اه.

الحديث: 1191 - الجزء: 3 - الصفحة: 1564

................................  الفصل تعدية إلى ثلاثة وقد حصل لها التعليق لكونها بمعنى أعلم فتبين أن المصنف لم يقصد أن هذين الفعلين محكوم بتعديهما إلى ثلاثة وإن كان قد حكم بأنهما معلقان.
ومنها: أن الشيخ ذكر عن الحريري أنه ذكر في شرح الملحة له فيما يتعدى إلى ثلاثة «علم» المنقولة بالتضعيف من علم المتعدية إلى اثنين، قال: والذي ذكره أصحابنا أن «علم» المتعدية إلى اثنين لم تنقل إلا بالهمزة وإن «علم» المتعدية لواحد لا تنقل بالتضعيف ليفوق بذلك بين المعنيين ولم يوجد «علم» متعدية إلى ثلاثة في لسان العرب 578. ومنها: أن العرب قالوا: «أريت» مبنيّا للمفعول بمعنى أظننت و «أريت» لم ينطق لها بفعل مبني للفاعل متعدّ إلى ثلاثة فهو مبني من فعل مسند للفاعل لم ينطق به، ولم ينطق أيضا بـ «أظننت» التي «أريت» بمعناها وحكم الماضي حكم المضارع في ذلك فتقول: أرى زيد ذاهبا وترى زيدا ذاهبا 579. قال الشيخ: وقد نص سيبويه وغيره من النحويين على أنه فعل بني للمفعول ولم يبن للفاعل 580 وهو في معنى الظن ولا يكون المفعول الأول لها إلا ضمير متكلم ماضيا كان الفعل أو مضارعا نحو أريت وأرى ونري وقد يكون ضمير مخاطب نحو قولهم: كم ترى الحروريّة رجلا ونحو قوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى 581 في قراءة 582 من ضم التاء 583.

الجزء: 3 - الصفحة: 1565

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»

تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ

دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)

[المجلد الرابع]

الجزء: 4

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل