الباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه
[تعريف المصدر - وأسماؤه وأصالته]
قال ابن مالك: (المصدر اسم دالّ بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه، حقيقة أو مجازا، أو واقع على مفعول، وقد يسمّى فعلا وحدثا وحدثانا، وهو أصل الفعل لا فرعه خلافا للكوفيّين، وكذا الصّفة خلافا لبعض أصحابنا).
قال ناظر الجيش: لم يذكر المصنف حد المفعول المطلق، مع أن هذا الباب إنما هو معقود له، بل عدل إلى ذكر حد المصدر الذي إذا نصب بما سنذكره كان مفعولا مطلقا، ولا شك أن المفعول المطلق أخص من المصدر، ولا يلزم من تعريف الأعم تعريف الأخص 1. وأصح حدود المفعول المطلق ما ذكره ابن الحاجب رحمه الله تعالى، فقال: «هو اسم ما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه» 2 فاحترز بقوله: اسم ما فعله فاعل، عن اسم ما لم يفعله فاعل، وهو ظاهر، وبقوله: مذكور من نحو:
أعجبني القيام، فإن القيام اسم ما فعله فاعل، ولكنه ليس فاعلا لفعل مذكور، وبقوله: بمعناه من نحو: كرهت قيامي، فإنه اسم ما فعله فعل مذكور؛ لأن القيام [2/ 358] اسم لما فعله المتكلم وهو فاعل الفعل المذكور، فلما قيل بمعناه وجعل وصفا للفعل خرج: كرهت قيامي؛ لأن كرهت ليس بمعنى قيامي، قال: وقلت ها هنا: اسم ولم أذكر لفظ اسم في غيره من الحدود؛ لأنني لو لم أذكره لورد على الحد ضربت؛ فإنه شيء فعله فاعل فعل مذكور غدا، وقد أورد على هذا ضرب ضرب شديد؛ فإنه اسم لما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه ولفظه، فيجب أن يدخل في الحد، وإذا دخل في الحد فيجب أن ينصب؛ لأنه إنما حدّ ليعرف فينصب، كما أن الفاعل إنما حدّ ليعرف فيرفع، وهو غير وارد؛ لأنه عندنا داخل في الحد.
ولا شك أن ذكرنا تعريفه هنا لينتصب، ولكن بعد أن عرفنا أنّ منه قسما يجب -
الجزء: 4 - الصفحة: 1811
................................
رفعه، وهو إذا قصد إقامته مقام الفاعل وجعله أحد الجزأين، فإذا حصل الإعلام بذلك ثم حد المفعول المطلق باعتبار ما هو مفعول مطلق، فيجب دخول المرفوع في الحد وإن كان الغرض من حدّه تعريف نصبه؛ لأن ما تقدم يفيد تخصيصه؛ لأنه خاص، وقد ذكر أن حكمه الرفع فكأنه قيل هاهنا: ينصب هذا المحدود في غير المحل الخاص الذي عرفنا أن رفعه واجب فيما تقدم، واستغني عن ذكره ها هنا؛ لأنّ ذكره راجع إلى تكرير محض لا فائدة فيه زائدة؛ لأنا لو ذكرناه ذكرنا عين ما تقدم، فتبين أنه لا حاجة إلى الاحتراز منه، ولزم وجوب أنه لو ذكر كان خطأ، ألا ترى أنه يكون مخرجا من حد المفعول المطلق، وقد قلنا: إن المفعول المطلق نفسه يرتفع إذا أقيم مقام الفاعل، فيصير حاصل الأمرين هو مفعول مطلق، وليس بمفعول مطلق من جهة واحدة، وهذا ظاهر الفساد غير خاف بالنظر المستقيم 3. وهو كلام يشهد لصاحبه بأنه في الرتبة العليا من التحقيق.
ثم ليعلم أن المفعول المطلق هو المفعول حقيقة؛ لأنه هو الذي يحدثه الفاعل 4، أما المفعول به فهو محل الفعل خاصة، والزمان وقت يقع فيه الفعل، والمكان محل الفاعل والمفعول، ويلزم من ذلك أن يكون محلّا للفعل والمفعول لأجله علة لوجود الفعل، والمفعول معه مصاحب للفاعل أو للمفعول 5؛ وإذا قد عرفت هذا فلنرجع إلى مقصود الكتاب، فنقول: أفادت ترجمة الباب أن الذي ينصب مفعولا مطلقا هو المصدر، وما ينوب منابه، وإلى ذلك أشار بقوله: (وما يجري مجراه)، وقد ذكر في الباب ما يقوم مقام المصدر كما ستعرفه، وقد حد المصدر بقوله: (المصدر اسم دال) إلى آخره، فتقييد الدلالة بالأصالة مخرج لأسماء المصادر، وهي عبارة عن كل اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه بعلميّة كجماد حماد 6، أو بتجرده لفظا وتقديرا دون عوض من زيادة في فعله كاغتسل غسلا، وتوضأ وضوءا، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1812
................................
فهذه وأمثالها إذا عبر عنها بمصادر، فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يعبر [2/ 359] عنها بأسماء المصادر 7، واحترز بقوله: دون عوض من نحو: عدة وتعليم، فإنهما مصدران مع خلو «عدة» من واو «وعد» وخلو «تعليم» من تضعيف العين، فهاء «عدة» عوض من الواو، وياء «تعليم» عوض من التضعيف، وأشار بقوله: لفظا وتقديرا إلى أن بعض ما في الفعل قد يخلو لفظ المصدر منه، ويكون مقدرا، فلا يضرّ زواله من اللفظ، كقتال مصدر قاتل 8، فإن أصله: قيتال كما سيأتي الكلام على ذلك في باب إعمال المصدر - إن شاء الله تعالى - والدال على معنى قائم بفاعل كحسن وفهم، والدال على معنى صادر عن فاعل كخط وخياطة، وقيام الحسن والفهم بالفاعل حقيقة، وكذا صدور الخط والخياطة من فاعلهما بخلاف نسبة العدم للمعدوم، والموت إلى الميت؛ فإنهما مجاز، والواقع على مفعول مصدر، وما لم يسم فاعله نحو: ضرب زيد ضربا، والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحي، وكذا المفعول.
فبهذا يعم الحد مصدر كل فعل، وإطلاق المصدر على ما تناوله الحد إطلاق متفق عليه، وقد يعبر عنه بالفاعل الحدث والحدثان 9، وهو من التعبير عن الشيء بلفظ مدلوله 10. هذا كلام المصنف 11، والظاهر أن قوله: (حقيقة أو مجازا) تقسيم لما هو صادر عن الفاعل خاصة، لا إلى المعنى القائم بالفاعل.
ثم هاهنا بحثان:
الأول:
قد تبين من تقرير المصنف أن اسم المصدر موافق للمصدر في الدلالة على شيء واحد لا فرق بينهما بالنسبة إلى ما دلّا عليه من المعنى إلا في أمرين:
أحدهما: أن دلالة المصدر بالأصالة بخلاف دلالة اسم المصدر، وكأنه يريد بالأصالة أن الكلمة موضوعة لذلك المعنى، وهذا بخلاف دلالة اسم المصدر؛ فكأن -
الجزء: 4 - الصفحة: 1813
................................
دلالة على ذلك نائبة عن دلالة المصدر 12، ويحتاج تحقيق ذلك إلى نظر.
ثانيهما: أن اسم المصدر يخالف المصدر إما بعلمية، وإما بالتجرد الذي ذكره 13، وقد فرق بين المصدر واسم المصدر بغير ما ذكره المصنف، فقيل: إن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره، كقولنا: إن ضربا مصدر في قولنا:
يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى، وسموا ما يعبر عنه مصدرا مجازا نحو ضرب في قولنا: إن ضربا مصدر منصوب إذا قلنا: ضربت ضربا، فيكون مسماه لفظا واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره كسبحان المسمى بالتسبيح الذي هو صادر عن المسبح، لا لفظ (ت س ب ي ح) بل المعنى المعبر عنه بهذه الأحرف، ومعناه: البراءة والتنزيه 14، واستؤنس لهذا القول بقول الزمخشري:
وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان، فسموا التسبيح بسبحان 15.
فنص على أن المسمى هنا معنى لا لفظ، وقال ابن يعيش: اسم المصدر مسماه لفظ نحو: سبحان، عبارة عن التسبيح، وقيل: إن المصدر يدل بالوضع، واسم المصدر وهو الذي لا يكون بصيغ المصدر [2/ 360] المستعملة، يوضع موضع المصدر في بعض المواضع، فيستفاد منه ما يستفاد من المصدر، لكن لا بالوضع بل بالاستعمال كما يوضع المصدر في موضع اسم الفاعل واسم المفعول 16. انتهى.
قلت: وبهذا يشعر كلام المصنف حيث قال إنه احترز بقوله: دال بالأصالة عن اسم المصدر.
البحث الثاني:
إن قول المصنف: أو واقع على مفعول؛ غير محتاج إليه؛ لأنه إذا قيل: ضرب -
الجزء: 4 - الصفحة: 1814
................................
زيد ضربا صدق على «ضربا» أنه دال على معنى صادر عن فاعل، وكذا إذا قيل:
فهمت المسألة فهما، صدق أن «فهما» دال على معنى قائم بفاعل، إلا أن تريد أن ذلك الفاعل يكون مذكورا، وأن المفعول يكون مذكورا أيضا كما يشعر بذلك قوله:
والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحي، وكذلك المفعول، فربما يحتاج إلى ذكر ذلك.
ثم قال المصنف 17: واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر، لكن البصريين جعلوا الأصالة للمصدر، وجعلها الكوفيون للفعل، والصحيح مذهب البصريين 18، ويدل على صحته ستة أمور:
أحدها: أن المصدر يكثر كونه واحدا لأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر، فلو اشتق المصدر من الفعل لم يخل من أن يشتق من الثلاثة أو من بعضها؛ فاشتقاقه من الثلاثة محال، واشتقاقه من واحد منها يستلزم ترجيحا دون مرجح، فتعين اطّراح ما أفضى إلى ذلك.
الثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق المركب، فالدال عليه أولى بالأصالة.
الثالث: أن مفهوم المصدر عام ومفهوم الفعل خاص، والدال على عام أولى بالأصالة من الدال على خاص.
الرابع: أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين: أحدهما أصل والآخر فرع؛ فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، وكالعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه، والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعين الزمان، فكان فرعا والمصدر أصل.
الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظا ولا تقديرا، وذلك نحو: ويح وويل، وويش وويب.
فلو كان الفعل أصلا لكانت هذه المصادر فروعا لا أصول لها، وذلك محال، وإنما قلنا: إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديرا؛ لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما يستحق فاء «يعد» -
الجزء: 4 - الصفحة: 1815
................................
ولاستحق عينه من السكون ما استحق عين «تبيع» فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه، وليس في الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن كتبارك وفعل التعجب، إذ لا مانع في اللفظ، ويقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة تزيد على الأفعال كالأبوة [2/ 361] والبنوة والخؤولة والعمومة والعبودية واللصوصية وقعدك الله، وبله زيد وبهله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بويح وأخواته، ولا حجة للكوفيين في أن المصدر يتبع الفعل في صحته وإعلاله نحو: لاوذ لواذا، ولاذ لياذا؛ لأن الشيئين قد يحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلا للآخر كحمل يرضيان على رضيا، وأعطيا على يعطيان.
والأصل: يرضوان وأعطوا؛ لأنّ حكم الواو بين فتحة وألف التصحيح؛ لكن حمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سنن واحد، فكذلك فعل بالمصدرين من لاوذ ولاذ، ولا حجة أيضا في توكيد الفعل بالمصدر؛ لأن الشيء قد يؤكد بنفسه نحو:
زيد قام قام.
فلو دل التوكيد على فرعية المؤكّد لزم كون الشيء فرع نفسه، وذلك محال، ولا حجة أيضا في إعمال الفعل في المصدر؛ لأن الحرف يعمل في الاسم والفعل ولا حظ له في الأصالة، وببعض ما استدللنا على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر يستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه، لأن كل صفة تضمنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث، وتزيد بالدلالة على ما هي له كما زاد الفعل بالدلالة على الزمان المعين؛ فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل، إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على الزمان المعين 19. انتهى كلام المصنف 20.
وذكر الشيخ أن ابن طلحة ذهب إلى أن المصدر والفعل كل منهما أصل، وليس أحدهما مشتقّا من الآخر، وكأن ابن طلحة 21 نزع في هذه المسألة إلى مذهب من -
الجزء: 4 - الصفحة: 1816
[المفعول المطلق: ناصبه - أنواعه - ما ينوب عنه]
قال ابن مالك: (وينصب بمثله أو بفرعه أو بقائم مقام أحدهما، فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرّد التوكيد، ويسمّى مبهما، ولا يثنّى ولا يجمع، وإن زاد عليه فهو لبيان النّوع أو العدد، ويسمّى مختصّا ومؤقّتا، ويثنّى ويجمع، ويقوم مقام المؤكّد مصدر مرادف واسم مصدر غير علم، ومقام المبيّن نوع أو وصف أو هيئة أو آلة أو كلّ أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة، أو وقت، أو «ما» الاستفهاميّة أو الشّرطيّة).
ينفي الاشتقاق أصلا؛ فإن الشيخ ذكر في ذلك مذاهب ثلاثة:
أحدها: مذهب الجمهور، وهو أن من الكلمات ما هو مشتق، ومنها ما ليس بمشتق.
ثانيها: أن كل لفظ مشتق، قال: وعزاه جماعة إلى الزجاج 22.
ثالثها: أن شيئا ليس مشتقّا من شيء، بل كل أصل بنفسه 23. انتهى.
وليس هذا مما يتشاغل به، ولا يضيع الزمان في ذكره.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 24: وينصب المصدر بمثله، كقولك: عجبت [2/ 362] من قيامك قياما ونصبه بفرعه، كقولك: طلبتك طلبا، وأنا طالبك طلبا، وأنت مطلوب طلبا، ونصبه بقائم مقام أحدهما كقولك: عجبت من إيمانك تصديقا، وأنا مؤمن تصديقا، ولقاء الله مؤمن به تصديقا، والمصدر المنصوب في جميع هذه الأمثلة قد ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى الواقع هكذا مبهما ولا يثنى ولا يجمع؛ لأنه بمنزلة تكرير الفعل فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع، إذ هو صالح للقليل والكثير 25، وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع نحو: سرت خببا وعدوا، ورجعت القهقرى 26، وقعدت القرفصاء 27، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1817
................................
أو لعدد المرات نحو: قمت قومتين، وضربته ضربات.
وقد يكون المبين للنوع بلفظ المؤكد، فيستفاد التنويع بوصفه أو إضافته أو إدخال حرف التعريف عليه أو بتثنيته أو بجمعه 28، ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف نحو: جلست قعودا، أو اسم مصدر غير علم نحو: اغتسلت غسلا وتوضأت وضوءا، ولا يستعمل اسم المصدر العلم مؤكدا ولا مبيّنا فلا يقال: حمدت حماد ونحو ذلك؛ لأن العلم زائد معناه على معنى العامل، فلا ينزل منزلة تكرار الفعل، ولأنه كاسم الفعل، فلا يجمع بينه وبين الفعل، ولا ما يقوم مقامه 29. ومن قيام أحد المترادفين مقام الآخر قول امرئ القيس:
1400 - ويوما على ظهر الكثيب تعذّرت... عليّ وآلت حلفة لم تحلّل 30
وقول رؤبة:
1401 - لوّحها من بعد بدن وسنق... تضميرك السّابق يطوى للسّبق 31
لوحها ضمرها، والبدن السّمن، والسنق البشم، والسبق الخطر، والخطر هو الذي يوضع بين أهل السابق، ويقوم مقام المبين للنوع اسم نوع كالقهقرى -
الحديث: 1400 - الجزء: 4 - الصفحة: 1818
................................ والقرفصاء، وكقوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً 32، أو وصف نحو: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً 33، أو هيئة نحو: يموت الكافرون ميتة سوء، ويعيش المؤمنون عيشة مرضية، أو آلة نحو: ضرب المؤدب الصبيّ قضيبا أو سوطا، أو كل نحو قوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ 34، أو بعض كقوله تعالى: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً 35، أو ضمير كقوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ 36، أو اسم إشارة نحو: لأجدّنّ ذلك الجدّ، ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة المقصود به المصدرية؛ ولذلك خطئ من حمل قول المتنبي: 1402 - هذي برزت لنا فهجت رسيسا 37 على أنه أراد هذه البرزة برزت؛ لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب. وقد يقام مقام المصدر المبين زمان [2/ 363] مضاف إليه المصدر تقديرا كقول الشاعر: 1403 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا 38
الحديث: 1402 - الجزء: 4 - الصفحة: 1819
................................ أراد: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد، فحذف المصدر وأقام الزمان مقامه كما عكس من قال: كان ذلك طلوع الشمس، إلا أن ذلك قليل وهذا كثير، أو 39 «ما» الاستفهامية نحو: ما تضرب زيدا، المعنى: أي ضرب تضرب زيدا، قال الشاعر 40: 1404 - ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما... لا ترقدان ولا بؤس لمن رقدا 41 أو «ما» الشرطية نحو قولك: ما شئت فقم، كأنك قلت: أي قيام شئت فقم، قال الشاعر وهو جرير: 1405 - نعب الغراب فقلت بين عاجل... ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب 42 ومن قيام النوع مقام المصدر قول الشاعر: 1406 - على كلّ موّار أفانين سيره... شؤوّا لأبواع الجمال الرّواتك 43 ومن قيام الصفة قول ليلى الأخيلية: 1407 - نظرت ودوني من عماية منكب... وبطن الرّكاء أيّ نظرة ناظر 44
الحديث: 1404 - الجزء: 4 - الصفحة: 1820
................................
ومثله قول الآخر:
1408 - وضابع أن جرى أيّا أردت به... لا الشّدّ شدّ ولا التّقريب تقريب 45
أي لا الشد شد معتاد ولا التقريب تقريب معتاد، بل هما خارقا العادة، والصحيح في المصدر الموافق معنى لا لفظا كونه معمولا لموافقة معنى، فحلفة من قوله:
1409 - وآلت حلفة لم تحلّل 46
منصوب «بآلت» لا بحلفت مقدرا 47، لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأنه لو كان المخالف لفظا لا ينتصب إلا بفعل من لفظه لم يجز أن يقع موقعه ما لا فعل له من لفظه نحو: حلفت يمينا وفَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ 48 وفَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً 49، وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً 50؛ فهذه وأمثالها لا يمكن أن يقدر لها عامل من لفظها، بل لا بد من كون العامل فيما وقع منها ما قبله مما هو موافق معنى لا لفظا، ووجب اطراد هذا الحكم في ما له فعل من لفظه، ليجري الباب على سنن واحد، وهذا الذي اخترته هو اختيار المبرد 51 والسيرافي 52، ومن شواهد ذلك قراءة محمد بن السميفع 53: (فتبسّم ضحكا مّن قولها) 54 ذكرها ابن جني في - - اللغة: عماية: موضع.
الركاء: واد بنجد.
والشاهد فيه: أن قوله: «أي نظرة ناظر» وصف نائب عن المصدر المحذوف.
الحديث: 1408 - الجزء: 4 - الصفحة: 1821
................................
المحتسب 55، انتهى كلامه 56 رحمه الله تعالى.
ولكن لا بد من التنبيه على أمور:
1 - منها: أن المصنف جعل ما ينتصب في هذا الباب وهو غير مصدر من الأشياء التي ذكرها قائما مقام المصدر، ومقتضى كلام ابن عصفور أنه يطلق عليها المصدر؛ فإنه قال: فأما المصدر هو اسم الفعل أو عدده أي ما قام مقامه 57، وعبارة المصنف أولى، غير أن المصنف لم يذكر اسم العدد في ما يقوم مقام المصدر، ولا شك أنك إذا قلت: ضربته عشرين ضربة، فقد أقمت اسم العدد [2/ 364] مقام المصدر المبين، فكان ذكره متعينا.
2 - ومنها: أن المصنف جعل الآلة قائمة مقام المصدر في نحو: ضربته سوطا.
وقرر الشيخ بهاء الدين بن النحاس بأن الأصل: ضربته ضربة بسوط، فحذف الموصوف الذي هو ضربة، وأقيمت الصفة التي هي بسوط مقامه، فصار: ضربته بسوط، ثم أسقط حرف الجر، ووصل الفعل إليه فنصبه فقيل:
ضربته سوطا 58.
وأما ابن عصفور فإنه جعل ذلك من قيام المضاف إليه مقام المضاف، فقال: الأصل:
ضربته ضربة سوط، فحذف المصدر وأقيم الاسم الذي كان مضافا إليه مقامه، فأعرب بإعرابه 59. ثم قال: ولا يجوز حذف المصدر وإقامة ما كان مضافا إليه مقامه بقياس إلا أن يكون ذلك 60 له نحو: ضربته سيفا ورشقته سهما وطعنته رمحا، الأصل: ضربة سيف ورشقة سهم وطعنة رمح، ولو قلت: ضربته خشبة أو رميته آجرّة 61 لم يجز، لأنه الخشبة ليست آلة للضرب، ولا الآجرة آلة للرمي 62، فإن جاء شيء في غير أسماء -
الجزء: 4 - الصفحة: 1822
................................
الآلات التي يوقع بها الفعل الناصب للمصدر حفظ ولم يقس عليه نحو قوله:
1410 - حتّى إذا اصطفّوا لنا جدارا 63
وقول الآخر:
1411 - ولم يضع ما بيننا لحم وضم 64
الأصل: اصطفاف جدار وإضاعة لحم وضم، والجدار ليس آلة للاصطفاف، ولحم وضم ليس آلة للإضاعة.
3 - ومنها: أن المصنف ذكر أن ما يقوم مقام المصدر وصفه، وأطلق ولم يقيد ومثل لذلك بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً 65. وأما ابن عصفور فإنه ذكر الوصف أيضا ومثل له بقوله: سرت قليلا أي سرت سيرا قليلا 66 إلا أنه قال: ولا يجوز إقامة صفة المصدر مقامه إلا إذا كانت من قبيل الصفات التي تستعمل استعمال الأسماء كقليل 67، ألا ترى أن العوامل تباشره كما تباشر الأسماء التي ليست بصفات، فيقال: جئت قبل فلان بقليل، قال الله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 68 ومن ثم قال الشيخ بعد أن ذكر استشهاد المصنف بقوله تعالى: وَاذْكُرْ -
الحديث: 1410 - الجزء: 4 - الصفحة: 1823
................................
رَبَّكَ كَثِيراً 69 وبما أنشده من قول ليلى الأخيلية:
1412 - نظرت ودوني من عماية منكب......... البيت (2)
وقول الآخر:
1413 - وضائع أيّ جري ما أردت به 70
مذهب سيبويه أن نصب هذا الوصف على الحال 71، لأنه صفة غير خاصة بالموصوف، وإذا حذف الموصوف خرج الوصف عن أن يكون وصفا لعدم التبعية فكان حالا؛ إذ شأنها عدم الإتباع 72. انتهى.
وفي كل من الكلامين بحث، أما قول ابن عصفور: إنه لا يجوز إقامة الصفة إلا إذا كانت من قبيل الصفات التي تستعمل استعمال الأسماء فقد يمنع؛ لأن النحاة إنما اشترطوا في حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه أن يكون النعت صالحا لمباشرة العامل 73 وأما ما ذكره الشيخ فإنه يقتضي أن الموصوف لا يحذف ويقام الوصف مقامه إلا إذا كانت الصفة خاصة بالموصوف، وليس [2/ 365] الأمر كذلك، بل الشرط أن يعلم جنس المحذوف، والعلم بذلك ليس منحصرا في الاختصاص، بل قد يكون بسبب اختصاص الوصف به كقولك: مررت بمهندس ولقيت كاتبا، وقد يكون بسبب مصاحبة ما يعيّنه كقوله تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ 74 أي دروعا سابغات، وسابغات ليس وصفا مختصّا بالدروع، وإنما علم أن الموصوف المحذوف هو الدروع بسبب مقارنة ما ذكر قبله وهو الحديد، والحاصل أن المقصود حصول الدلالة على المحذوف من حيث الجملة، ولا شك أن بمقارنة «اذكر» في قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً علم الموصوف المحذوف، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى دعوى الحالية، إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك 75.
4 - ومنها: أن قول المصنف: (أو هيئة) قد يقال فيه: إنه غير محتاج إليه؛ -
الحديث: 1412 - الجزء: 4 - الصفحة: 1824
................................
لأن الهيئة نفسها مصدر، وهو ذكرها على أنها قائمة مقام المصدر، وواقعة موقعه.
5 - ومنها: أن ابن عصفور لم يذكر «كلّا وبعضا»، بل قال: أو ما أضيف إليه يعني إلى المصدر، بشرط أن يكون ذلك المضاف هو المضاف إليه في المعنى، أو بعضه، فالأول نحو: سرت كل السير، لأن كل السير هو السير، والثاني نحو:
سرت أشد السير 76، فإن أشد السير سير، فقد يقال: شملت عبارة ابن عصفور:
سرت بعض السير 77، ولم تشمل عبارة المصنف سرت أشد السير، فترجّح عبارة ابن عصفور، وليس كذلك؛ لأن المصنف لم يرد لفظ (بعض)، بل ما كان بعضا؛ ولذا مثّل بقوله تعالى: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً 78.
6 - ومنها: أنه قد فهم من كلام المصنف في المتن والشرح أن الناصب للمصدر ولما يقوم مقامه هو العامل المذكور معه سواء أوافق لفظه أم لم يوافق، وقد نبّه على أن في ذلك خلافا بقوله: وهذا الذي اخترته هو اختيار المبرد 79 والسيرافي 80.
وقد تعرض ابن عصفور إلى ذكر ذلك مفصلا، فقال: وإذا كان المصدر منصوبا بعد فعل من لفظه، فإن كان جاريا على الفعل كان منصوبا به، وإن لم يكن جاريا -
الجزء: 4 - الصفحة: 1825
................................ عليه نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً 81 وقول القطامي: 1414 - وخير الأمر ما استقبلت منه... وليس بأن تتبّعه اتّباعا 82 ففي الناصب له خلاف، منهم من نصبه بفعل مضمر يجري عليه المصدر، ويدل عليه الفعل الظاهر، وهو مذهب المبرد وابن خروف 83، وزعم أنه مذهب سيبويه 84، ومنهم من ذهب إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر، وإن لم يكن جاريا عليه 85، ومنهم من فصّل فجعل ما كان معناه مغايرا لمعنى مصدر ذلك الفعل الظاهر منصوبا بفعل مضمر يدل عليه الظاهر كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً فنباتا منصوب بنبت مضمرا، أي فنبتّم نباتا، ودل نبت عليه، لأنهم إذا أنبتوا فقد نبتوا، وما [2/ 366] كان معناه غير مغاير لمعنى مصدر الفعل الظاهر جعله منصوبا بالفعل الظاهر؛ إذ لا موجب لتكلف الإضمار، وذلك نحو قول القائل: 1415 - وقد تطوّيت انطواء الخصب 86
الحديث: 1414 - الجزء: 4 - الصفحة: 1826
................................
فانطواء منصوب بتطويت؛ لأن الانطواء والتطوي بمعنى واحد، وقول الآخر:
1416 - يلوح بجانب الجبلين منه... رباب يحفر التّرب احتفارا 87
فاحتفار منصوب بتحفر؛ لأن الاحتفار والحفر بمعنى واحد، ومنه بيت القطامي المتقدم؛ لأن الاتباع والتتبع بمعنى واحد، قال ابن عصفور: والصحيح في المغاير أنه يجوز أن يكون منصوبا بالفعل، وأن يكون منصوبا بالفعل المضمر المدلول عليه بالظاهر، وهو الذي يعطيه كلام سيبويه، فإن عمل الظاهر راجح من حيث إنه لم يتكلف الإضمار، مرجوح من حيث المغايرة، وعمل المضمر راجح من حيث الموافقة لمعنى المصدر، مرجوح لتكلف الإضمار 88، وإذا كان المصدر منصوبا بعد فعل من معناه، فإن لم يكن له فعل من لفظه كان منصوبا بذلك الفعل الذي هو من معناه نحو شيء من قول الهذلي 89:
1417 - فعدّيت شيئا والدّريس كأنّه... يزعزعه ورد من الموم مردم 90
فإنه مصدر منصوب بعاديت؛ لأنه واقع موقع معاداة، وكأنه قال: فعاديت -91 - والتذييل (3/ 181)، والبحر المحيط (6/ 496)، والكافي شرح الهادي (ص 363)، والهمع (1/ 187)، وديوانه (ص 16)، واللسان «خصب - طوي».
اللغة: الخصب: الذكر الضخم من الحيات، أو حية دقيقة.
والشاهد في البيت: وقوع الانطواء بعد تطويت وإن كان غير جار عليه؛ لأن المعنى واحد.
الحديث: 1416 - الجزء: 4 - الصفحة: 1827
................................ معاداة، قال: ومن هذا القبيل تعدي الفعل إلى الضمير العائد على المصدر المفهوم منه نحو قولك: ظننته زيدا قائما، تريد ظننت ظنّا زيدا قائما، وإن كان له فعل من لفظه نحو: حلفة من قول امرئ القيس: 1418 - وآلت حلفة لم تحلّل 92 ففيه خلاف: منهم من ذهب إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر، وهو رأي المبرد والسيرافي، قال ابن عصفور: وإلى هذا المذهب عندي ذهب سيبويه بدليل جعله القهقرى من رجع زيد القهقرى منصوبا برجع لما كان ضربا من المرجوع وإن لم يكن من لفظ رجع، وذهب الفارسي وابن جني إلى أنه منصوب بفعل مضمر من لفظه 93، وقد نص ابن جني في الخاطريات 94 له على امتناع انتصاب جلوس بقعد من قولك: قعد زيد جلوسا، وذكر ابن عصفور استدلاله على ذلك، واستدلال الفارسي أيضا، ثم أبطله، ثم قال: وقد نسب جماعة هذا المذهب إلى سيبويه، قالوا: ولذلك جعل المصادر التي هي «دأب بكار» من قول القائل: 1419 - إذا رأتني سقطت أبصارها... دأب بكار شايحت بكارها 95 و «طي المحمل» من قول أبي كبير الهذلي: 1420 - ما إن يمسّ الأرض إلّا منكب... منه وحرف السّاق طيّ المحمل 96
-
- اللغة: الدريس: الثوب الخلق.
المردم: الملازم.
وعديت: صرفت عنهم.
والشاهد فيه: نصب «شيئا» بعاديت؛ لأنه واقع موقع معاداة.
- اللغة: الدريس: الثوب الخلق.
الحديث: 1418 - الجزء: 4 - الصفحة: 1828
................................
وتضميرك من قول رؤبة:
1421 - لوّحها من بعد بدن وسنق... تضميرك السّابق يطوى للسّبق 97
منصوبة بأفعال مضمرة لما لم يكن من الأفعال التي قبلها.
قال: والصحيح عندي أن مذهبه [2/ 367] ما ذكرته قبل من أن المصدر إذا جاء بعد فعل من معناه انتصب به، وإن لم يكن من لفظه، بدليل ما ذكرته من أنه جعل القهقرى من رجع زيد القهقرى منصوبا برجع لما كان ضربا من الرجوع، وأما دأب بكار، وطي المحمل، وتضميرك السابق، فلم يجئ شيء منها بعد فعل من معناه، إذ ليس الدأب سقوط البصر، ولا ضربا منه، والطي ليس المس ولا ضربا منه، والتضمير ليس التلويح ولا ضربا منه، وإنما هو شيء يلزم عنه التلويح، والتلويح هو التغيير، يقال: لوّحته الشمس إذا غيرته، والتضمير هو رد القوس إلى القوت بعد السمن، وذلك شيء يلزم منه التغيير، فلذلك جعلها سيبويه منصوبة بأفعال مضمرة يفسرها الكلام الذي قبلها، ومن هذا القبيل قولهم: تبسّمت وميض البرق؛ لأن التبسم ليس الوميض في المعنى، وإنما هو مشبه به، قال: وقد يجوز عندي أن يكون (دأب بكار) منصوبا (بسقطت) وتضميرك منصوبا (بلوّحها) ووميض البرق منصوبا بتبسمت على أن يكون التقدير: سقطت أبصارها سقوطا مثل دأب بكار، ولوحها تلويحا مثل تضميرك السابق، وتبسمت تبسّما مثل وميض البرق، فحذف المصدر وأقيمت صفته مقامه 98. انتهى.
وقد تقدم من كلام المصنف أن معنى (لوحها) ضمرها، وهذا مخالف لما قاله ابن عصفور، ثم قال: والصحيح عندي في المصدر المنصوب بعد فعل ليس من لفظه، بل من معناه أنه يجوز أن يكون منصوبا بذلك الفعل الظاهر، بالدليل الذي - - والخصائص (2/ 309)، والإنصاف (1/ 230)، والارتشاف (ص 549)، والتذييل (3/ 246)، والعيني (3/ 54)، والتصريح (1/ 334)، وديوان الحماسة (1/ 21)، وشرح الحماسة للمرزوقي (90)، والأشموني (2/ 121)، وديوان الهذليين (2/ 93). والشاهد في البيت: نصب (طي المحمل) بإضمار فعل دل عليه قوله: (ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق) لأن هذا يدل على أنه طوى طيّا.
الحديث: 1421 - الجزء: 4 - الصفحة: 1829
................................ تقدم ذكره، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر من لفظه يدل عليه الظاهر 99، وعلل ذلك بنظير ما تقدم. قلت: وقد عرفت من كلام ابن عصفور أن الذي اختاره المصنف من أن المصدر الموافق معنى لا لفظا معمول لموافقه معنى، وأن الواجب اطراد هذا الحكم في ما له فعل من لفظه؛ ليجري الباب على سنن واحد هو الصّواب، فرحمه الله تعالى. 7 - ومنها: أنه قد تقدم من كلام المصنف أن تنويع المصدر قد يستفاد بوصفه أو إضافته أو إدخال حرف التعريف عليه أو تثنيته أو بجمعه، فالوصف نحو: سار زيد سيرا عنيفا، والإضافة نحو: سار سير البريد أو سار سير الأثقال، وإدخال حرف التعريف نحو: ضربت الضرب تريد ضربا معهودا بينك وبين مخاطبك، كأنك قلت: ضربت الضرب الذي تعلم زمنه، قول الشاعر: 1422 - لعمري لقد أحببتك الحبّ كلّه... وزدتك حبّا لم يكن قطّ يعرف 100 وقول الآخر [2/ 368]: 1423 - فدع عنك ليلى إنّ ليلى وشأنها... وإن وعدتك الوعد لا يتيسّر 101 وقول الآخر 102: 1424 - فلو تعلمين العلم أيقنت أنّني... وربّ الهدايا المشعرات صدوق 103
الحديث: 1422 - الجزء: 4 - الصفحة: 1830
................................
قال الشيخ - بعد إنشاد هذه الأبيات -: ولا يتصور أن تكون (أل) فيها جنسية، لأن الجنس لا يمكن وقوعه، قال: وإنما أريد بالحب أصناف الحب المعهودة من الناس وبالوعد، والوعد الذي كان يرجوه منها، بالعلم، العلم الذي يتوصل به إلى صدقه 104. انتهى.
وفيما قاله نظر؛ لأن الذي لا يمكن وقوعه الجنس من حيث هو جنس، أما وقوع فرد يتضمن الجنس فلا يتصور منع وقوعه، وأي مانع من أن يكون مراد من قال:
1425 - وإن وعدتك الوعد (2)
وإن وعدتك وعدا، وكذا من قال:
1426 - فلو تعلمين العلم (3)
يمكن أن يريد: فلو تعلمين علما، وأما إرادة أفراد الجنس في قول من قال:
1427 - لقد أحببتك الحبّ كلّه 105
فظاهرة، ويدل على ذلك التوكيد بكل، وأما تثنيته وجمعه فسنذكرهما.
8 - ومنها: أن بعض النحاة أجاز أن يقال: ضربته أن أضربه.
قال ابن عصفور:
والذي عليه الجمهور أن ذلك لا يجوز، قالوا: وقول الناس: لعنه الله أن لعنه - لحن، قال الزجاج: وإنما امتنع في مثل هذا أن يؤكد به الفعل، لأن أن تخلص الفعل للاستقبال، والتأكيد إنما يكون بالمصدر المبهم، وقد حكيت إجازة ذلك عن الأخفش، والذي ذكره في كتابه الكبير إنما هو منعه 106، انتهى.
والتعليل الذي ذكر عن الزجاج غير ظاهر؛ لأن الاستقبال لا يخرج عن الإبهام؛ ولأن المؤكد إنما هو المصدر المنسبك من (أن) والفعل، والمصدر لا دلالة له على الاستقبال ولا غيره، ولو قيل في تعليل ذلك: إنّ (أن) والفعل بمنزلة اسم معرفة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر، والتعريف يخرج الكلمة من الإبهام إلى التخصيص - لكان أقرب.
-
الحديث: 1425 - الجزء: 4 - الصفحة: 1831
................................
9 - ومنها: أن الشيخ لما مثل المصدر المختص بالإضافة بـ (قمت قيام زيد)، وقال: أصله قياما مثل قيام زيد حذف المصدر ثم صفته، وقام مقامها المضاف إليه فأعرب إعرابه - بحث فقال: فإن قلت: يلزم أن يكون انتصاب قيام زيد على الحال لا على المصدر؛ لأنه قائم مقام مثل، ومثل المحذوفة حال من جهة أن المصدر إذا حذف وأبقيت صفته انتصب على الحال لا على المصدر، فالجواب أنه لا ينتصب على الحال إلا إذا لم تكن خاصة بجنس الموصوف نحو: ساروا شديدا، وليس كذلك مثل قيام زيد، لأنه صفة خاصة بجنس الموصوف المحذوف، وهو قيامها 107، انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والسؤال من أصله مدفوع؛ لأن دعوى التزام نصب صفة المصدر على الحال إذا لم [2/ 369] تكن خاصة بجنس الموصوف ممنوعة، وقد تقدم تقريره، وقد نقض الشيخ كلامه بعد ذلك بورقات، فقال: إذا قلت ضربت ضربا مثل ضرب الأمير، فضرب مصدر منصوب لضربت؛ فإذا قلت: مثل ضرب الأمير فمذهب سيبويه أنه حال 108، وينبغي في القياس أن لا يحذف (مثل)؛ لأنك إذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه أعرب إعرابه، والمعرفة لا تكون حالا 109، انتهى.
وهذه مناقضة ظاهرة.
10 - ومنها: أن المصنف نص على جواز تثنية المصدر المختص وجمعه، وكذا نص ابن الحاجب 110. فأما الذي يقصد به الدلالة على العدد فواضح أنه لا يتصور فيه خلاف، لأن المقصود به الدلالة على ذلك، وأما الذي لا يقصد به ذلك ففي تثنيته وجمعه عند اختلاف أنواعه خلاف، منهم من أجاز ذلك قياسا على ما سمع منه، ومنهم من قال: لا يثنى ولا يجمع.
وإلى ذلك ذهب الشلوبين 111، وهو ظاهر مذهب سيبويه، قال: واعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع كالأشغال والعقول والألباب والحلوم، ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والفطن والعلم 112. انتهى، وقد قال الشاعر: -
الجزء: 4 - الصفحة: 1832
................................
1428 - ثلاثة أحباب فحبّ علاقة... وحب تملّاق وحبّ هو القتل 113
وقال آخر:
1429 - هل من حلوم لأقوام فتنذرهم... ما جرّب الدّهر من غضّي وتضريسي 114
ويقال: فلان ينظر في علوم كثيرة.
11 - ومنها: أن الفعل إذا كان له مصدران مؤكد ومبين، فمذهب الأكثرين ومنهم الأخفش والمبرد وابن السراج أن الفعل لا ينصبهما معا، وأجاز السيرافي وابن طاهر نصب المصدرين، بل قالا: إن الفعل يجوز أن ينصب ثلاثة مصادر إذا اختلف معناها 115. قال الشيخ: وفي البديع إذا قلت: ضربت زيدا ضربا شديدا ضربتين، كان ضربتين بدلا من الأول، ولا يكونان مصدرين؛ لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين، فأما قول الشاعر:
1430 - ووطئتنا وطأ على حنق... وطأ المقيّد ثابت الهرم 116
فلا يكون الثاني بدلا، لأنه غيره، ولكنه بمعنى: مثل وطء القيد.
أو على إضمار فعل 117. انتهى.
والظاهر في هذه المسألة مذهب الأخفش ومن وافقه وهم الأكثرون: أن الفعل لا ينصب مصدرين على ما تقتضيه قواعد الصناعة النحوية؛ -
الحديث: 1428 - الجزء: 4 - الصفحة: 1833
[حذف عامل المفعول المطلق - جوازا ووجوبا - ومواضع ذلك]
قال ابن مالك: (ويحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظيّة أو معنويّة، ووجوبا لكونه بدلا من اللّفظ بفعل مهمل، أو لكونه بدلا من اللّفظ بفعل مستعمل في طلب، أو خبر إنشائيّ، أو غير إنشائيّ، أو في توبيخ مع استفهام، ودونه للنفس، أو لمخاطب [2/ 370] أو غائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أو نائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر، أو مؤكّد جملة ناصّة على معناه، وهو مؤكّد نفسه، أو صائرة به نصّا وهو مؤكّد غيره، والأصحّ منع تقديمهما. ومن الملتزم إضمار ناصبه المشبّه به مشعرا بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ، ولا صلاحية للعمل فيه، وإتباعه جائز، وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها، وكذا التّالي جملة خالية ممّا هو له. وقد يرفع مبتدأ المفيد طلبا وخبرا المكرّر والمحصور والمؤكّد نفسه، والمفيد خبرا إنشائيّا، وغير إنشائيّ). لأن المصدر المنصوب إنما ينتصب على أنه مفعول مطلق، والصناعة أن لا يتعدى فعل إلى معمولين من نوع واحد دون عطف. قال ناظر الجيش: قال المصنف 118: حذف عامل المصدر جواز لقرينة لفظية كقولك لمن قال: أيّ سير سرت؟ سيرا حثيثا، ولمن قال: ما قمت؟ بلى قياما طويلا، وحذفه لقرينة معنوية كقولك لمن تأهب لسفر: تأهبا مباركا ميمونا، وسفرا مأمونا، ولمن قدم من حج: حجّا مبرورا وسعيا مشكورا، والمحذوف العامل وجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل: إما مفرد كقولهم: أفّة له، وتفّة، وذفرا، بمعنى نتنا، وبهرا بمعنى تبّا كقول الشاعر: 1431 - تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا 119
الحديث: 1431 - الجزء: 4 - الصفحة: 1834
................................
وبمعنى عجبا كقول عمر بن أبي ربيعة:
1432 - ثمّ قالوا تحبّها قلت بهرا... عدد الرّمل والحصا والتّراب 120
وإما مضاف: كقول الشاعر:
1433 - تذر الجماجم ضاحيا هاماتها... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق 121
أي تترك الأكف تركا كأنها لم تخلق، وروي (بله الأكفّ) بالنصب على أنها اسم فعل بمعنى اترك.
ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: قولهم في القسم الاستعطافي: قعدك الله إلا فعلت، أي تثبيتك الله، ومثله: عمرك الله في لزوم الإضافة والاستعطاف إلا أن هذا مختصر من التعمير مصدر عمرتك الله 122، ومنه قول الشاعر 123:
1434 - عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 124
-
- والشاهد قوله: «بهرا لهم بعدها بهرا»؛ حيث حذف عامل المصدر وجوبا؛ لأنه بدل من الفعل المهمل.
الحديث: 1432 - الجزء: 4 - الصفحة: 1835
................................
وأصله من العمر وهو البقاء، فالمتكلم به متوسل باعتقاد البقاء لله.
ومن المهمل الفعل ما يضاف ويفرد كقولهم للمصاب: المرحوم ويحه، وويح فلان، وويح له، وفي الحديث: «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية» 125 وللمتعجّب منه: ويبا له، وويبك، وويب غيرك، قال الشاعر:
1435 - فلا تجبهيه ويب غيرك إنّه... فتى عن دنيّات الخلائق نازح 126
وكذا يقال: ويح غيرك وويبه مثله أو قريب منه، ويقال للمضاف المغضوب عليه:
[2/ 371] ويله وويل له ويل طويل، وويل له ويلا طويلا، وويل له ويلا كبيلا، وويل له وعول، وويلك وعولك، ولا يفرد عول، وقد يفرد ويل 127 منصوبا كقول الشاعر:
1436 - كسا اللّؤم تيما خضرة في جلودها... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر 128
ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: سبحان الله، أي براءة له من السوء، وليس بمصدر يسبح، بل سبح مشتق منه كاشتقاق حاشيت من حاش إذا نطق بلفظها، وكاشتقاق لوليت وصهصهت وأفّفت وسوّفت وبأبأت ولبّب من: لولا وصه وأف - - والارتشاف (626)، والتذييل (3/ 199، 621)، والخزانة (1/ 231)، والهمع (2/ 45)، والدرر (2/ 53)، واللسان «عمر» والمسائل الشيرازيات (ص 65).
والشاهد فيه: أن «عمرتك الله» منصوب بفعل مهمل على رأي ابن مالك، واعترض على ذلك أبو حيان؛ لأنه يرى أن «عمرتك» إذا كان مختصرا من التعمير على ما ذكر ابن مالك له فعل مستعمل.
الحديث: 1435 - الجزء: 4 - الصفحة: 1836
................................ وسوف بأبأ ولبيك، وقالوا أيضا: سبحل إذا قال: سبحان الله، وقد يفرد في الشعر سبحان منونة إن لم تنو الإضافة 129 كقول الشاعر: 1437 - سبحانه ثمّ سبحانا نعوذ به... وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد 130 وغير منونة إن نويت الإضافة كقول الآخر 131: 1438 - أقول لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر 132 أراد سبحان الله، فحذف المضاف إليه وترك المضاف بهيئته التي كان عليها قبل الحذف كما قال الراجز: 1439 - خالط من سلمى خياشيم وفا 133
-
- والشاهد فيه: «فويلا لتيم»؛ حيث أفرد (ويل) منصوبا.
الحديث: 1437 - الجزء: 4 - الصفحة: 1837
................................
تريد وفاها، وهذا التوجيه أولى من جعل سبحان علما، ومثل سبحانك في المعنى وإهمال الفعل سلامك في قول الشاعر:
1440 - سلامك ربّنا في كلّ فجر... بريئا ما تغنّثك الذّموم 134
أي براءتك ربنا من كل سوء، وبريئا حال مؤكدة، وما تغنثك أي ما تعلق بك، والذموم جمع ذم.
ومن المهمل اللازم للإضافة: قولهم في إجابة الداعي: لبيك.
ومعناه لزوما لطاعتك بعد لزوم، قال سيبويه: أراد بقوله: لبيك وسعديك، إجابة بعد إجابة كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في الآخر مجيب، وهو مثنى اللفظ، وزعم يونس أنه مفرد اللفظ وأن ياءه منقلبة عن ألف إجراء له مجرى (على).
ورد عليه سيبويه بقول الشاعر 135:
1441 - دعوت لما نابني مسورا... فلبّى فلبّي يدي مسور 136
-
- والارتشاف (265)، والتذييل (3/ 205)، والخزانة (2/ 62، 261)، والعيني (1/ 152)، وحاشية يس (1/ 125)، وحاشية الصبان (1/ 135)، واللسان «خرطم - فوه - نهى»، والهمع (1/ 40) والدرر (1/ 41). والشاهد في قوله: «وفا»؛ حيث حذف المضاف إليه وترك المضاف بهيئته، فلم يبدل حرف العلة ميما، فيقال «فما».
الحديث: 1440 - الجزء: 4 - الصفحة: 1838
................................ فأثبتت الياء في إضافته إلى الظاهر، ولو كان جاريا مجرى (على) لم يفعل به ذلك كما لا يفعل بعلى 137، وفي قول الشاعر إضافة لبي إلى ظاهر، والمعروف إضافته إلى ضمير المخاطب، فشذّت إضافته لبّي إلى ظاهر كما شذت إضافته إلى ضمير الغائب في قول الراجز: 1442 - إنّك لو دعوتني ودوني... زوراء ذات مترع بيون لقلت لبّيه لمن يدعوني 138 وقد يغني عن لبيك لب مفردا مكسورا جعلوه اسم فعل بمعنى أجيب 139، والمحذوف العامل وجوبا، لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب منه مضاف نحو: غفرانك وفَضَرْبَ الرِّقابِ 140، ومنه مفرد وهو أكثر من المضاف وليس مقيسا عند سيبويه مع كثرته 141، وهو عند الفراء والأخفش مقيس 142 بشرط إفراده وتنكيره نحو: [2/ 372] سقيا له ورعيا وجدعا لعدوك وتعسا. ومنه قول الشاعر: 1443 - سقيا لقوم لدنياهم وإن بعدوا... وخيبة للألى وجدانهم عدم 143
الحديث: 1442 - الجزء: 4 - الصفحة: 1839
................................ ومثله في الأمر: 1444 - فصبرا في مجال الموت صبرا... فما نيل الخلود بمستطاع 144 ومثله في النهي: 1445 - قد زاد حزنك لمّا قيل لا حزنا... حتّى كأنّ الّذي ينهاك يغريكا 145 والوارد منه في خبر إنشائي نحو: حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا، وقسما لأفعلن. قال سيبويه: ومما ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره، ولكنه في معنى التعجب، قولك: كرما وصلفا 146 كأنه يقول: أكرمك الله، ثم قال: لأنه صار بدلا من قولك: أكرم به وأصلف 147، قلت: وهذا أيضا مما يتناوله الخبر الإنشائي، وأما الخبر غير الإنشائي فكقولك في وعد من يعز عليك: افعل وكرامة ومسرة 148، وكقولك للمغضوب عليه: لا أفعل ولا كيدا ولا غمّا، ولأفعلن ما يسوءك ورغما وهوانا 149. وأما الوارد في التوبيخ مع استفهام: فكقول الشاعر: 1446 - أذلّا إذا شبّ العدى نار حربهم... وزهوا إذا ما يجنحون إلى السّلم 150
الحديث: 1444 - الجزء: 4 - الصفحة: 1840
................................
وفي توبيخ دون استفهام: كقول الشاعر:
1447 - خمولا وإهمالا وغيرك مولع... بتثبيت أسباب السّيادة والمجد 151
وقد يفعل هذا من يخاطب نفسه كقول عامر بن الطفيل - لعنه الله -:
«أغدّة كغدّة البعير، وموتا في بيت سلوليّة» 152.
وقد يقصد بمثل هذا غائب في حكم حاضر كقولك وقد بلغك أن شيخا يكثر اللهو واللعب: ألعبا وقد علاه الشيب.
ومثال الكائن في تفصيل عاقبة طلب: قوله تعالى 153: فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 154.
ومثال المفصل به عاقبة خبر: قول الشاعر:
1448 - لأجهدنّ فإمّا درء واقعة... تخشى وإمّا بلوغ السّؤل والأمل 155
ومثال النائب عن خبر اسم عين بتكرير: قول الشاعر: - - والشاهد في قوله: «أذلّا - وزهوا»؛ حيث حذف عامل المصدر وجوبا في الاستفهام التوبيخي، والتقدير: أتذلون ذلّا، وتزهون زهوا؟
الحديث: 1447 - الجزء: 4 - الصفحة: 1841
................................
1449 - أنا جدّا جدّا ولهوك يزدا... د إذا ما إلى اتّفاق سبيل 156
ومثال النائب بحصر قول الشاعر:
1450 - ألا إنّما المستوجبون تفضّلا... بدارا إلى نيل التّقدم والفضل 157
واشترط كون هذا بتكرير، ليكون أحد اللفظين عوضا من ظهور الفعل، فيثبت بذلك سبب التزام إضمار الفعل، وقام الحصر مقام التكرير؛ لأنه لا يخلو من لفظ يدل عليه، وهو إنما أو إلّا بعد نفي، فجعل ذلك عوضا أيضا، ولأن
في الحصر من تقوية المعنى ما يقوم مقام التكرير، واشترط كون المخبر عنه اسم عين؛ لأنه لو كان اسم معنى لكان المصدر خبرا، فيرفع كقولك: جدّك جدّ عظيم، وإنما بدارة بدار حريص، وإذا كان اسم عين لم يصلح جعل المصدر خبرا له إلا على سبيل المجاز، وإذا لم يصلح جعله خبرا تعيّن نصبه بفعل هو الخبر.
فتقدير [2/ 373] أنا جدّا جدّا: أنا أجد جدّا.
وتقدير: إنّما المستوجبون تفضّلا بدارا: إنما المستوجبون تفضلا يبادرون بدارا، ولو عدم الحصر والتكرير لم يلزم الإضمار بل يكون جائزا هو والإظهار 158.
ومن المضمر عامله وجوبا: المصدر المؤكد مضمون جملة، فإن كان لا يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر سمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وكأن الجملة نفسه، وهو كقولك: له عليّ دينار اعترافا، فإن كان مضمون الجملة تطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصّا سمّي مؤكدا لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة، فهو غيرها لفظا ومعنى، وذلك كقولك: هو -
الحديث: 1449 - الجزء: 4 - الصفحة: 1842
................................
ابني حقّا، ولا يجوز تقدمهما على الجملة؛ لأن مضمونها يدل على العامل فيها، ولا يتأتى ذلك إلا بعد تمام الجملة 159، وأما قولهم: أجدّك لا تفعل فأجاز فيه أبو علي الفارسي تقديرين:
أحدهما: أن يكون لا تفعل في موضع الحال.
والثاني: أن يكون أصله أجدك أن لا تفعل، ثم حذفت أن، وبطل عملها 160.
وزعم أبو علي الشلوبين أن فيه معنى القسم، ولذلك قدم 161.
ومن الملتزم إضمار ناصبه: المصدر المشبه به بعد جملة مشتملة على معناه، وعلى ما هو فاعل في المعنى، ولا بد من دلالته على الحديث، فمن ذلك قولهم: له دق دقّك بالمنحاز حب المقلقل، وله صوت صوت حمار، ومنه قول الشاعر يصف طعنة:
1451 - لها بعد إسناد الكليم وهدئه... ورنّة من يبكي إذا كان باكيا
هدير هدير الثّور ينفض رأسه... يذبّ بروقيه الكلاب الضّواريا 162
فلو لم يكن بعد جملة لم يجز النصب كقولك: دقه دقك بالمنحاز، وصوته صوت حمار، وهديرها هدير الثور، فلو كان بعد جملة تضمنت معنى الحديث دون معنى الفاعل لم يجز النصب إلا على ضعف كقولك فيها صوت صوت حمار، فيجعل صوت حمار بدلا ويضعف النصب؛ لأنه إنما استجيز في: له صوت صوت حمار؛ لأن (له صوت) بمنزلة هو يصوّت، لاشتماله على صاحب الصوت والصوت، فجاز أن يجعل بدلا من اللفظ بصوت مسندا إلى ضمير بخلاف فيها صوت، فإنه لم -
الحديث: 1451 - الجزء: 4 - الصفحة: 1843
................................ يتضمن إلا الصوت، فلم يحسن أن يجعل بدلا من اللفظ بصوت، ومع ذلك فالنصب جائز على ضعف؛ لأن الكلام الذي قبله وإن لم يتضمن اسم ما هو فاعل في المعنى؛ فكونه جملة متضمنة الصوت كاف، فإنك إذا قلت: فيها صوت، علم أن فيها مصوتا، لاستحالة صوت بلا مصوت، ولو كان المصدر غير دال على حدوث لم يجز النصب كقولك: له ذكاء ذكاء الحكماء؛ لأن نصب صوت وشبهه لم يثبت إلا لكون ما قبله بمنزلة [2/ 374] يفعل مسند إلى الفاعل، فقولك: مررت بزيد وله صوت بمنزلة قولك: مررت به وهو يصوت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه، وإذا قلت: مررت بزيد، وله ذكاء - فلست تريد أنك مررت به وهو يفعل، لكنك أخبرت عنه بأنه ذو ذكاء، فنزل ذلك منزلة مررت به، وله يد يد أسد، فكما لا ينصب يد أسد، لا ينصب ما هو بمنزلته، فإن عبرت بالذكاء عن عمل دال على الذكاء جاز النصب 163. وإن وقع موقع المصدر المشار إليه صفته ضعف النصب ورجح الإتباع كقولك: له صوت أي صوت، ولو نصب لجاز على تقدير: يصوت أي تصويت، ومنه قول رؤبة بن العجاج: 1452 - قولك أقوالا مع التّحلاف... فيه ازدهاف أيّما ازدهاف 164 ولم يضمن المصدر الذي تضمنته الجملة من إضمار فعل لعدم صلاحية العمل، فإن شرط عمل المصدر إذا لم يكن بدلا من اللفظ بالفعل صلاحية تقديره بحرف مصدري وفعل، والمصدر المشار إليه بخلاف ذلك. فلو تضمنت الجملة ما فيه معنى الفعل والصلاحية للعمل، لكان هو العامل نحو: هو مصوّت تصويت حمار، ومن هذا ونحوه احترزت بقولي: (دون لفظ ولا صلاحية للعمل فيه)، ويلحق بـ «له صوت صوت حمار» قول أبي كبير الهذلي: 1453 - ما إن يمسّ الأرض إلا منكب... منه وحرف السّاق طيّ المحمل 165
الحديث: 1452 - الجزء: 4 - الصفحة: 1844
................................
ولذلك قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت: صار ما إن يمس بمنزلة له طي، ويجوز في نحو:
إنما أنت سيرا، الرفع على أن يجعل المعنى خبرا عن اسم العين مبالغة، ومنه قول الخنساء:
1454 - ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت... فإنّما هي إقبال وإدبار 166
وكذلك يجوز في: له عليّ دينار اعترافا، رفع اعتراف على تقدير: هذا الكلام اعتراف، فإذا استوفيت شروط نصب المشبه به فرفعه على الإتباع جائز، وكذا نصبه على الحال والعامل يبديه أو نحوه.
ومثال رفع المفيد طلبا: قول حسان رضي الله تعالى عنه:
1455 - أهاجيتم حسّان عند ذكائه... فغيّ لأولاد الحماس طويل 167
ومثله:
1456 - يشكو إليّ جملي طول السّرى... صبر جميل فكلانا مبتلى 168
قال سيبويه بعد إنشاد هذا: والنصب أجود وأكثر؛ لأنه يأمره 169. -
الحديث: 1454 - الجزء: 4 - الصفحة: 1845
................................ ومثال رفع المفيد إنشاء قول الشاعر 170: 1457 - عجب لتلك قضيّة وإقامتي... فيكم على تلك القضيّة أعجب 171 ومثال رفع المفيد خبرا غير إنشائي قول الشاعر يصف أسدا: 1458 - أقام وأقوى ذات يوم وخيبة... لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر 172 هذا آخر كلام المصنف 173، وهو كما قال القائل: 1459 - وهو المشيّع بالمسامع إن مضى... وهو المضاعف حسنه إن كرّرا 174 ولنردفه بمباحث: الأول: إن المصنف أطلق القول في جواز حذف عامل المصدر [2/ 375] لقرينة، وقيد -
الحديث: 1457 - الجزء: 4 - الصفحة: 1846
................................
ذلك في الألفية بأن يكون المصدر غير مؤكد حيث قال: «وحذف عامل المؤكد امتنع» معللا ذلك بأن المؤكد إنما جيء به لتقوية عامله وتقرير معناه 175، والحذف ينافي هذين الأمرين، وهو تعليل ظاهر، وقد رد ابنه الإمام بدر الدين ذلك ردّا فظيعا وقال: قد حذف عامل المؤكد جوازا في نحو: أنت سيرا، ووجوبا في: أنت سيرا سيرا، وفي نحو: سقيا ورعيا.
انتهى 176.
وفيما رد به نظر، أما نحو سقيا ورعيا فلا يرد؛ لأن المصدر في مثله جعل بدلا من اللفظ بالعامل، فذكر العامل معه مناف للمقصود به، ثم لا نسلم أنه حينئذ مؤكد لعامله، والدليل على أنه غير مؤكد أنه إذا وقع بعده معمول نحو: ضربا زيدا، كان معمولا له لا للعامل المحذوف على المذهب الصحيح، وإذا كان عاملا انتفى كونه مؤكدا؛ لأن النحاة نصوا على أن المؤكد لا يعمل 177، وأما نحو: أنت سيرا سيرا، فلاشك أن التكرير فيه قائم مقام العامل، وإذا كان كذلك فالعامل في حكم الموجود لفظا، فكأنه لم يحذف 178. وأما نحو: أنت سيرا فهو صورة مخصصة لعموم قوله: عامل المؤكد لا يحذف، ثم لك أن تفرق بين الصورتين، وهما ضربت ضربا، وأنت سيرا؛ حيث امتنع في الأولى، وجاز في الثانية بأن تقول: تقدير الفعل في نحو: أنت سيرا متعين متحتم لازم لا محيد عنه من أجل أن اسم العين الذي هو المبتدأ لا بد له من خبر، واسم المعنى لا يخبر به عن اسم العين، فجعل تحتم التقدير لصحة المعنى في قوة الموجود المنطوق به.
الثاني:
استفيد من كلام المصنف أن المصدر المنصوب بفعل مهمل بالنسبة إلى استعماله مضافا وغير مضاف أربعة أقسام:
ما هو مفرد: أي لا يستعمل مضافا وذلك كأفّة وتفّة وذفرا وبهرا، والأفة في الأصل ريح الأذن، والتفة وسخ الأظفار، وما هو مضاف: أي لا يقطع عن الإضافة وهذا قسمان: مفرد ومثنى.
-
الجزء: 4 - الصفحة: 1847
................................
فالمفرد: بله نحو: بله الأكف، وقعدك الله في القسم، وسبحانك وسلامك، إلا أن سبحان قد يقطع عن الإضافة قليلا كما ذكر.
والمثنى نحو: لبيك 179.
وما يستعمل مضافا وغير مضاف: نحو: ويح وويب وويس وويل وعول 180، وأن المصدر المنصوب بفعل مستعمل منه مضاف كغفرانك، وفَضَرْبَ الرِّقابِ 181.
وغير مضاف وهو أكثر من المضاف كسقيا ورعيا.
هذا في الطلب، وكذلك في الخبر كما ستأتي أمثلته، والويل الفضيحة، والحيرة والويب في معناه، وانتصاب ويح وويل مع الإضافة لا شك فيه، أما إذا أفردا [2/ 376] عن الإضافة، فالذي فهم من كلام المصنف المتقدم أن كلمة ويل ترفع؛ لأنه لما مثل بها غير مضافة قال: ويح له، وأن كلمة ويل يجوز فيها النصب، لكنه أقل من الرفع؛ لأنه مثل بقوله: ويل له، ثم قال: وقد يفرد (ويل) منصوبا كقول القائل:
1460 - فويلا لتيم من سرابيلها الخضر 182
وكذا يقتضيه كلام غيره، وقال ابن أبي الربيع: تبّا لك التزم نصبه، وويح لك التزم رفعه، وويل لك فيه الوجهان، وقال: ولو قسنا لساوياه، لكن لا يتعدى السماع 183، ثم قال: وإن عطفت ويحا على تب نصبته ولا يجوز رفعه؛ لأنه لا خبر له.
وإن عطفت تبّا على ويح فكحاله قبل العطف، وتكون قد عطفت جملة فعلية على جملة اسمية لتساويهما في المعنى، وتقول: تبّا له وويح له؛ فلا يكون في ويح إلا الرفع كحاله قبل العطف 184. انتهى.
وحاصله: أن ويحا إذا أفرد عن الإضافة يرفع أبدا إلا إذا عطفته على قولك: تبّا له فقلت: تبّا له وويحا، فإنك تنصبه، إلا إذا ذكر خبره، فإنك ترفعه، نحو: تبّا له وويح، وهو كلام محرر، لكن في شرح الشيخ وربما نقله عن ابن عصفور: أنك -
الحديث: 1460 - الجزء: 4 - الصفحة: 1848
................................ إذا عطفت (تبّا) على قولك: ويح له، جاز رفعه فتقول: ويح له وتب 185، وهذا مخالف لما قاله ابن أبي الربيع وغيره، وذكر عن المازني أنه يمنع هذا العطف، ويقول: كيف يتصور أن يكون مدعوّا له وعليه في خبر واحد، وذلك أن معنى «تبّا له» خسران له، ومعنى «ويح له»: رحمة له، وخرج الناس هذا على وجهين: أحدهما: أن قولك: ويح له ليس بدعاء كما في: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 186. فمعنى تبّا له وويح له خسران له، وهو لكونه ذا خسران يجب أن يقال فيه: رحمة له. الثاني: أن يكون تبّا له دعاء له على حد: قاتله الله ما أشعره! ويذكر عن الجرمي منع هذا الباب جملة، قال: لأنه يؤدي إلى أن يرفع ما شأنه النصب، وينصب ما شأنه الرفع 187. وبعد؛ فلم يتحرر لي الكلام في صور هذا الفصل وأطلت النظر في شرح الشيخ، فلم ينضبط لي ما قاله؛ لعدم تطابق منقولاته عن النحاة. المبحث الثالث: هذه المصادر إذا عرفت باللام فالنصب فيها جائز كما كان، لكن الرفع حينئذ أحسن من النصب؛ ولهذا كان الجمهور على قراءة الحمد لله رب العالمين 188 بالرفع 189. قال سيبويه: وإنما استحبّوا الرفع؛ لأنه صار معرفة، وهو خبر، فقوي في الابتداء بمنزلة عبد الله والرجل، وهو في رفعه بمنزلة رفع العمدة من معنى الفعل، وما بعده خبر 190. انتهى. والحكم في المصدر المفرد من اللام بالعكس، فالنصب فيه الوجه، ولا يقال الرفع إلا سماعا كقول الشاعر: 1461 - عجب لتلك قضيّة وإقامتي... فيكم على تلك القضيّة أعجب 191
الحديث: 1461 - الجزء: 4 - الصفحة: 1849
................................ [2/ 377] ثم إن إدخال (أل) ليس مطردا في جميع المصادر، وإنما هو سماع 192، قال سيبويه: ليس كل حرف يدخل فيه (أل) من هذا الباب، لو قلت: السّقي لك والرعي 193 لم يجز. انتهى. ولكن الفراء والجرمي أجازا ذلك قياسا 194. المبحث الرابع: جعل المصنف غفرانك بدلا من اللفظ بفعله المستعمل، لكنه لم يذكر الفعل الناصب ما هو، وقد اختلف فيه: فقيل: إنه (اغفر) والتقدير: اغفر غفرانك 195، فعلى هذا الجملة طلبية، وقال الزمخشري: يقال: غفرانك لا كفرانك أي: نستغفرك ولا نكفرك 196، وعلى هذا الجملة خبرية، وأجاز بعضهم أن ينتصب على المفعول به 197 أي نسأل غفرانك وهو غير ظاهر؛ لأنه لو كان مفعولا به، لم يكن حذف عامله واجبا، ولكن قد اضطرب كلام ابن عصفور، فتارة أوجب إضمار عامله 198 وتارة أجاز إظهاره 199، فيمكن أن يقال: إنه إنما أجاز الأمرين باعتبارين، فحيث جعله مصدرا، أوجب حذف العامل، وحيث جعله مفعولا به أجاز إظهاره، ثم قد علمت أن المصنف لما ذكر المحذوف عامله وجوبا في الأمر، ومثله بقول القائل: 1462 - فصبرا في مجال الموت صبرا (9) قال: ومثله في النهي: 1463 - قد زاد حزنك لمّا قيل لا حزنا 200
الحديث: 1462 - الجزء: 4 - الصفحة: 1850
................................
فاستدرك الشيخ ذلك عليه، وقال: هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ لأن (لا) التي للنهي من خصائص الفعل المضارع، ولا تدخل على الاسم، ولا يجوز أن يدعى أن فعلها محذوف وأن التقدير لا يحزن حزنا؛ لأن فعل (لا) التي للنهي لا يجوز حذفه، قال: والذي نختاره أن (لا) للنفي، ولو دخلت على حزن، فنفته وهو مبني على الفتح معها، ونوّن ضرورة كما نوّن:
1464 - سلام الله يا مطر عليها 201
وهو نفي معناه النهي كما في قوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 202؛ فإنه نفي معناه النهي على أحد التأويلين 203. انتهى.
ولك أن تقول: لا شك أن المعنى على النهي، ولا حاجة بنا إلى أن نجعله نفيا ثم نؤوله به، إذ يمكن كونه نهيا من الأصل، فأما دعوى الشيخ أن فعل (لا) التي للنهي لا يجوز حذفه وإطلاقه ذلك، فقد يمنع، فيقال: إنما يجب الذكر إذا لم يدل دليل على المحذوف، أما إذا قام غيره مقامه، فالحذف لازم، وأي فرق بين قولنا:
(صبرا) وبين قولنا: (لا حزنا) بالنسبة إلى كون المصدر بدلا من اللفظ بالفعل في المسألتين، وقد كان الفعل قبل قيام (صبرا) مقامه لا يجوز حذفه، ثم صار حذفه بعد ذكر (صبرا) واجبا إذا قصد إقامته مقامه.
فكذلك (لا حزنا)، قد كان الفعل المقصود بالنهي غير جائز الحذف، فلما أقيم (حزنا) مقامه عاد الحذف واجبا.
-
الحديث: 1464 - الجزء: 4 - الصفحة: 1851
................................
المبحث الخامس:
لا شك أن المسائل التي يجب فيها حذف عامل المصدر، منها ما هو سماعي، ومنها ما هو قياسي، والظاهر أن المذكور من أول الفصل [2/ 378] إلى قوله:
أو غائب في حكم حاضر - هو السماعي، وأن المذكور بعد ذلك إلى آخر الفصل هو القياس، وليس في كلام المصنف ما يشعر بذلك، غير أنه لما ذكر المصدر المضاف نحو: غفرانك وفَضَرْبَ الرِّقابِ 204، قال: ومنه مفرد وهو أكثر من المضاف، وليس مقيسا عند سيبويه مع كثرته، وهذا صريح في أن نحو: سقيا ورعيا سماعي عند سيبويه، ثم قال: وهو عند الفراء والأخفش مقيس بشرط إفراده وتنكيره، وسرد الكلام إلى آخره كما تقدم، وقد صرح ابن الحاجب: بأنه سماعي في مثل:
سقيا ورعيا وخيبة وجدعا وحمدا وشكرا وعجبا، وأنه قياسي في ست مسائل وهي:
ما أنت إلا سيرا وفَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (2)، وإذا له صوت صوت حمار، وله علي ألف اعترافا، وزيد قائم حقّا، ولبيك وسعديك 205. وعلى هذا الذي ذكره ابن الحاجب يستثنى من الصور الأول التي قلنا: إنها سماعية - لبيك وسعديك، ويضم إلى الصور التي قلنا: إنها قياسية على أن الظاهر عد (لبيك) من السماعي دون القياسي، وهذا أمر لا يحتاج إلى نقل عن أئمة هذا الشأن.
المبحث السادس:
يظهر أن قول ابن الحاجب معبرا عن فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 206 ما وقع تفصيلا لأثر مضمون جملة متقدمة أحسن من قول المصنف: إنه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، وأما قول المصنف: (أو نائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر) فهو أولى من قول ابن الحاجب: ما وقع مثبتا بعد نفي أو بمعنى نفي داخل على اسم لا يكون خبرا 207 -
الجزء: 4 - الصفحة: 1852
................................
عنه، لأن نحو: زيد سيرا سيرا لم يدخل تحت عبارة ابن الحاجب، ولا شك أن إضمار عامل المصدر في مثلها واجب.
المبحث السابع:
يشمل قول المصنف: (نائبا عن خبر اسم عين بتكرير) نحو: أنت سيرا سيرا، وإن زيدا سيرا سيرا، وكان زيد سيرا سيرا، وأنت سيرا سيرا مستفهما، ويجوز أن يكون المصدر معرفة نحو: زيد السير السير، وقد تقدم إنشاد قول الشاعر:
1465 - أنا جدّا جدّا 208
فلا فرق بين أن يكون اسم العين المخبر عنه ضمير مخاطب أو متكلم أو غائب، أو اسما ظاهرا، قالوا: لا يكون ذلك يعني هذا التركيب الذي يجب فيه إضمار العامل إلا إذا رأيته يعني المخبر عنه على تلك الحال، أو ذكر ذلك، أو قدرت ذلك لنفسك أو غيرك، وذلك على جهة الاتصال أي السير المتصل بعضه ببعض، أي توقعه سيرا متواليا 209.
قال الشيخ: ومثله في التكرير ما كان بغير لفظه نحو: أنت قياما قعودا، وما عطف عليه مصدر آخر نحو: زيد ضربا وقيلا، وزيد سيرا وردّا، قال: وكذا لو لم تكن الواو نحو: زيد إما قياما إما قعودا (3)، ومما نبه عليه الشيخ أنه لما ذكر وجوب [3/ 379] إضمار العامل فيما إذا كان المصدر محصورا نحو: ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا شرب الإبل، على التشبيه، أي تشرب شربا مثل شرب الإبل، قال:
أو كان المصدر مستفهما عنه نحو: أأنت سيرا، وعلل ذلك بأن ما فيه من معنى الاستفهام الطالب للفعل كأنه ناب عن التكرير 210، ثم قال الشيخ - بعد التمثيل بـ (ما أنت إلا سيرا) وأخواته -: «والإخبار فيه على ما تقدم من مشاهد هذه الحال والاتصال»، ثم قال: فأما قولك: زيد سيرا - وما زيد سيرا فنص سيبويه على أن (أنت سيرا) أنه ما لا يجوز إظهار العامل فيه؛ لأنه أدخله في الباب، قال:
وكذلك: ما أنت سيرا، قال: وأجاز ذلك غيره، وأطلق بعضهم جواز ذلك، ولم -
الحديث: 1465 - الجزء: 4 - الصفحة: 1853
................................
يفرق بين الاستفهام وغيره 211. انتهى.
والذي ذكره عن بعضهم من جواز ذلك هو المشهور، وكذا عدم التفرقة بين الاستفهام وغيره، ونسبة القول بوجوب إضمار العامل في مثل: أنت سيرا، وما أنت سيرا إلى سيبويه، لكونه أدخله في الباب - فيه نظر؛ لأنه لا يلزم من إدخاله له في الباب أن يكون حكمه حكم ما ذكر معه.. 212.
المبحث الثامن:
قد علم أن المصدر المؤكد مضمون جملة قسمان: مؤكد نفسه، ومؤكد غيره، فليعلم أن هذا المصدر في ضربيه يجوز أن يأتي نكرة ومعرفة بأل وبالإضافة، فما استعمل معرفة بأل ونكرة: الحق والباطل، تقول: هذا عبد الله حقّا، وهذا زيد الحق لا الباطل، واليقين لا الشك، وغير وقول يستعمل مضافا إلى معرفة نحو: هذا القول لا قولك، وهذا القول غير ما تقول، وتقول هذا القول غير قيل باطل، وقال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ 213 ووَعْدَ اللَّهِ 214؛ لأن الكلام الذي قبله (صنع ووعد).
ومن النكرة: هذا عبد الله قطعا ويقينا، ومنه لا إله إلا الله قولا حقّا، قيل:
ومنه هو عالم جدّا 215، كقوله 216:
1466 - وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي... وبين بني عمّي لمختلف جدّا 217
قال الشيخ: وسيبويه يقول في هو حسيب جدّا: إنه على الحال 218؛ لأنه يجري عنده وصفا في قولك: هو العالم جد العالم، فكان على الحال، وقد التزم في بعض هذه المصادر التعريف، فلا يستعمل على التأكيد إلا معرفة نحو: ألبتة كقولك: -
الحديث: 1466 - الجزء: 4 - الصفحة: 1854
................................
لا أفعله ألبتة، ومعناه القطع، ولا عودة له ألبتة لا يستعمل دون ألف ولام، فأما قوله:
1467 - وإنّي لآتيها وفي النّفس هجرها... بتاتا لأخزي الدّهر ما طلع الفجر 219
فهو على الحال، قيل: ومن هذا الباب وهو شاذ 220، ثم قد علمت أن الأصح منع تقديم المصدرين المذكورين على الجملة، وتقدمت الإشارة في كلام المصنف إلى علة ذلك، وأفاد كلامه أن في التقديم خلافا.
قال الشيخ: وأجاز الزجاج توسيطه [3/ 380] تقول: هذا حقّا عبد الله، وهو مسموع من كلامهم 221، وأجاز بعضهم تقديمها على الجملة، قال أبو علي: يجوز غير ذي شك زيد منطلق، فتقدم وتؤخر والعامل فيه المعنى، وإن كان متقدما؛ لأن غير ذي شك يقتضيه، فظني أنه قد أجري مجرى الظرف، والظرف يعمل فيه المعنى متقدما نحو: أكلّ يوم لك ثوب؟ فكذلك هذا.
انتهى 222.
وقد استدل بعضهم على جواز ذلك بقول العرب: أحقّا زيد منطلق؟ ولا دليل في ذلك؛ لأن حقّا منصوب على الظرف لا على المصدر 223، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر ثم ما كان مصدرا نصب بفعل من لفظه: التقدير: أحق وأقطع وأبت، وما كان غير مصدرا نصبت بأقول مضمرا، فتقدير هذا القول غير ما يقول أقول غير ما يقول 224.
المبحث التاسع:
قد تقدم في كلام المصنف الإشارة إلى قولهم: أجدّك لا تفعل، وأن الفارسي له فيه تقديران: -
الحديث: 1467 - الجزء: 4 - الصفحة: 1855
................................
أحدهما: أن لا تفعل في موضع الحال.
ثانيهما: أن يكون أصله: أجدك أن لا تفعل، ثم حذف (أن) وبطل عملها، وأن الشلوبين زعم أن فيه معنى القسم، قال: ولذلك قدم، ولم ينضج المصنف الكلام في المسألة.
وقد تكلم غيره على ذلك، فقال ابن الحاجب في شرح المفصل: أجدّك لا تفعل كذا، أصله: لا تفعل كذا جدّا؛ لأن الذي ينتفي الفعل عنه يجوز أن يكون بجد منه، ويجوز أن يكون من غير جد، فإذا قال: جدّا فقد ذكر أحد المحتملين، ثم أدخلوا همزة الاستفهام إيذانا بأن الأمر ينبغي أن يكون كذلك على سبيل التقرير، فقدم لأجل الاستفهام، فقيل: أجدك لا تفعل كذا، ثم لما كان معناه تقرير أن يكون الأمر على وفق ما أخبر، صار في معنى تأكيد كلام المتكلم، فيتكلم به من يقصد إلى التوكيد، وإن كان ما تقدم هو الأصل الجاري على قياس لغتهم.
ويجوز أن يكون معنى أجدك في مثله: أتفعله جدّا منك، على سبيل الإنكار لفعله جدّا، ثم نهاه عنه، وأخبر بأنه لا يفعله، فيكون (أجدك) توكيدا لجملة مقدرة، دل سياق الكلام عليها، ومما يدل على أنهم يقولون: أفعله جدّا قول أبي طالب:
1468 - إذا لاتّبعناه على كلّ حالة... من الدّهر جدّا غير قول التّهازل 225
انتهى 226.
وقال الشيخ - بعد إيراده كلام المصنف في المسألة -: فإن قلت: كيف أدخل سيبويه هذا في المصدر المؤكد لما قبله، وليس كذلك، لأنك إذا فرضته مؤكدا فإنما يكون مؤكدا لما بعده، قلت: إنما هو جواب لمن قال: أنا لا أفعل كذا، وأنا أفعل كذا، وبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد، فهو مجد فيما يقول.
فإذا قلت:
أتجد ذلك جدّا فهو مؤكد لما قبله، لكنه لم يستعمل قط إلا مضافا، قال الشاعر 227: -
الحديث: 1468 - الجزء: 4 - الصفحة: 1856
................................
1469 - خليليّ هبّا طالما قد رقدتما... أجدّكما لا تقضيان كراكما 228
وقال آخر:
1470 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا 229
وقال آخر:
1471 - أجدّك لم تغتمض ليلة... فترقدها مع رقّادها 230
قال: وغالبا بعده «لا» أو «لم»، أو «لن» 231، وفي [2/ 381] النهاية قال الأعشى:
1472 - أجدّك ودعت الدّمى والولائدا 232
يعني أن ودعت موجب، وجاء مع لم كثيرا، ومع لا، نقول: أجدك لا تفعل، وهو مصدر مؤكد تقدم على الجملة من أجل همزة الاستفهام، وهو - يعني همزة الاستفهام - دخلت على قولك: لا تفعل، فصار معنى الكلام التقرير، كأنه قال:
ألا تفعل كذا وكذا جدّك، فقدم المصدر لما ذكرنا 233. انتهى ما نقله عن النهاية.
-
الحديث: 1469 - الجزء: 4 - الصفحة: 1857
................................
وهو كلام حسن، وينحل به ما قاله ابن الحاجب، ثم قال الشيخ في الارتشاف:
وها هنا نكتة وهي أن الاسم المضاف إليه جد، حقه أن يناسب فاعل الفعل الذي بعدها في التكلم والخطاب والغيبة نحو: أجدّك لا أكرمك، وأجدّك لا تفعل، وأجدّه لا يزورنا، وعلة ذلك أنه مصدر يؤكد الجملة التي بعده، فلو أضفته لغير فاعل اختل التوكيد 234.
المبحث العاشر:
قال سيبويه - في مسألة: له صوت صوت حمار -: فإنما انتصب هذا؛ لأنك مررت به في حال تصويت ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه، ولكنك لما قلت: له صوت، علم أنه قد كان، ثم عمل، فصار قولك: صوت بمنزلة قولك:
فإذا هو بصوت، فحملت الثاني على المعنى ثم قال: كأنه توهم بعد قوله: صوت:
يصوت صوت حمار، أو يبديه، أو يخرجه صوت حمار 235. انتهى.
وفهم الناس منه أن صوت حمار يكون مصدرا مبينا إن قدر العامل من لفظ صوت، ويكون حالا إن قدر العامل من غير لفظ صوت 236، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله المتقدم: فإذا استوفيت شروط نصب المشبه به، فرفعه على الإتباع جائز، وكذا نصبه على الحال والعامل يبديه أو نحوه 237.
المبحث الحادي عشر:
أشار المصنف بقوله: (وإتباعه جائز) في المتن، وبقوله في الشرح: إن رفعه على الإتباع جائز 238 إلى جواز رفع هذا المصدر، إذ لا مانع من ذلك، ثم إن كان المصدر نكرة، جاز فيه كونه صفة، وكونه بدلا، ويؤخذ هذا من قول
سيبويه: ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه 239 ويجوز أيضا أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وإن كان المصدر معرفة كقولهم: لها هدير هدير الثور - تعين البدل، -
الجزء: 4 - الصفحة: 1858
................................ ويجوز كونه خبرا لمبتدأ محذوف أيضا، ولا يجوز أن يكون صفة، لأنه معرفة، وأجاز ذلك الخليل؛ لأنه عنده في معنى النكرة، لأنها مضاف إليها مثل، وزعم سيبويه أن هذا قبيح ضعيف، لا يجوز إلا في موضع اضطرار 240، ثم قول المصنف: (وإتباعه جائز) يفهم منه ظاهرا أن النصب أرجح من الرفع، وقد اختلف في ذلك، فقال ابن خروف: النصب في هذا الباب الوجه؛ لأن الثاني ليس الأول فيدخله المجاز والإتباع، يعني إذا رفع 241، وقال ابن عصفور: الرفع والنصب فيه متكافئان؛ لأن النصب فيه [2/ 382] الإضمار، وفي الرفع المجاز، لأنه جعل الأول: الثاني 242 وليس به، وفيما قاله ابن عصفور نظر، فإن العامل المضمر قد قام شيء مقامه؛ ولذا التزم إضماره. وأما قول المصنف: (وإن وقعت صفة موقعه فإتباعها أولى من نصبها) فقد تقدم شرحه له، وقد نص سيبويه على أن الاختيار في ذلك الرفع 243 كما ذكر المصنف. وقرن سيبويه بهذه المسألة ما إذا كرر صوت ووصف نحو: له صوت صوت حسن، وعلل ذلك بأنه إنما أريد الوصف، فذكر صوت توطئة له، وأشار سيبويه إلى أن النصب جائز بقوله: وإن قلت: له صوت، أيما صوت أو مثل صوت الحمار، أو له صوت صوتا حسنا جاز. وزعم ذلك الخليل، ويقوي ذلك أن يونس وعيسى جميعا زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصبا: 1473 - فيه ازدهاف أيّما ازدهاف 244 فحمله على الفعل ينصب صوت حمار؛ لأن ذلك الفعل لو ظهر نصب ما كان صفة، وما كان غير صفة 245. وأما قول المصنف: (وكذا التالي جملة خالية مما هو له) فأراد به الإشارة إلى نحو: فيها صوت صوت حمار، يعني أن الإتباع فيه أولى من النصب، وقد تقدم ذلك في كلام المصنف. قال سيبويه: ولو نصبت كان وجها؛ لأنه إذا قال: هذا صوت، فقد علم أن مع الصوت فاعلا نحمله على المعنى كما قال: 1474 - ليبك يزيد ضارع لخصومة 246
الحديث: 1473 - الجزء: 4 - الصفحة: 1859
................................
المبحث الثاني عشر:
قسم ابن عصفور المصدر بالنظر إلى التصرف والانصراف أربعة أقسام:
الأول: متصرف لا منصرف: وهو كل ما أقيم من الصفات مقام مصدر محذوف نحو: قعد زيد أكثر من قعود عمرو، وما جمع من المصادر جمعا متناهيا نحو: جربت هذا الأمر تجارب كثيرة، وما فيه ألف تأنيث نحو: رجعته رجعى، وذكرته ذكرى.
الثاني: منصرف لا متصرف عكس الأول، وهو سبحان الله ومعاذ الله وريحانه أي استرزاقه، وعمرك الله وقعدك، وغفرانك لا كفرانك أي استغفارا، وحنانيك وهذاذيك، وحذاريك، ودواليك ولبّيك وسعديك.
والثالث: لا متصرّف ولا منصرف ومثله: «بسبحان» إذا جعل علما ولم يضف نحو: سبحان من علقمة الفاخر.
والرابع: متصرّف منصرف، وهو ما عدا ما ذكر نحو: ضرب وقتل إذا نصبتهما 247. انتهى.
وهو أمر غير محتاج إلى التنبيه عليه، لوضوحه، ولهذا لم يتعرض المصنف إلى ذكره، فإن قيل: كيف تعرض إلى
مثل هذا التقسيم في الظرف؟
فالجواب: أن الظرف ثبت عنده كما ثبت عنده غيره أن فيه قسما لا ينصرف ولا يتصرّف، وهو سحر المعيّن 248، وبثبوت ذلك صارت القسمة رباعية [2/ 383] وهو محتاج إلى التنبيه على ما لا ينصرف، كما احتاج إلى التنبيه على ما لا يتصرّف ولا ينصرف، فلما كان ذكر هذين القسمين متعينا، والقسمة رباعية كما عرفت - ناسب أن يشير إلى الأقسام الأربعة، وأما المصدر فلم يكن عنده فيه قسم لا ينصرف ولا يتصرف، لأن سبحان عنده من قول القائل:
1475 - سبحان من علقمة الفاخر 249
-
- والضارع: الذليل.
وقد ورد البيت بعدة مراجع منها شرح المفصل (1/ 80)، وشرح التصريح (1/ 274)، والمحتسب (1/ 230)، والمقتضب (3/ 282).
- والضارع: الذليل.
الحديث: 1475 - الجزء: 4 - الصفحة: 1860
................................
منوي الإضافة، فتنوينه إنما حذف لنيّة الإضافة كما تقدم تقريره، ولهذا قال: قد ينون إن لم تنو الإضافة نحو:
1476 - سبحانه ثمّ سبحانا نعوذ به 250
فامتنع ذكر هذا القسم، وما ينصرف ويتصرّف معلوم، وكذا ما ينصرف ولا يتصرف معلوم أيضا، فلم يبق مما يحتاج إلى التنبيه عليه من ذلك إلا قسم واحد، وهو: ما ينصرف ولا يتصرف، وقد ذكر المصنف منه عدة كلمات كما عرفت حين تكلم على حذف عامل المصدر، لكنه لم يتعرض في هذا الباب إلى عدم تصرفه، وكان الواجب أن ينبه على ذلك، ثم إن ابن عصفور تعرض إلى الكلام على بعض المصادر التي لا تتصرف 251، وأنا أذكر من كلامه على ذلك ما لم يتضمنه كلام المصنف، فأقول: ذكر في سبحان ما ذكره المصنف من أنه مصدر، ونسب القول بمصدريته إلى السيرافي، قال: مذهب أبي سعيد السيرافي أنه مصدر فعل غير مستعمل كأنه قيل: سبح سبحانا كما يقال: كفر كفرانا وشكر شكرانا، قال - يعني السيرافي -: وقولهم سبح فعل ورد على سبحان بعد أن ذكر، وعلم، ومعنى سبح: قال: سبحان الله كما نقول: بسمل إذا قال: بسم الله، وذهب غيره إلى أنه يقال: سبح الله إذا نزهه.
وبقوله: سبحان الله، أو بغير ذلك من ألفاظ التنزيه، وأن سبحان مصدر له غير جار عليه، كما قالوا: افترقوا فرقة، فجعلوا
فرقة مصدر الافتراق، وإن لم يكن جاريا عليه، قال: وهذا المذهب هو الذي يعطيه كلام سيبويه، بدليل قوله: كأنه حين قال: سبحان الله قال: تسبيحا 252، ثم قال ابن عصفور: وأما معاذ، فله فعل من لفظه يقال: أعوذ بالله عواذا ومعاذا؛ فإذا قالوا: معاذ الله فكأنهم قالوا: عياذا بالله، إلا أنهم أوصلوا معاذا إلى المفعول بنفسه، ولذلك أضافوه، ويقال أيضا: معاذه وجه الله أي: عياذا بوجه الله 253، أنشد القالي 254 في نوادره لابن الدّمينة: -
الحديث: 1476 - الجزء: 4 - الصفحة: 1861
................................
1477 - معاذه وجه الله أن أشمت العدى... بليلى وإن لم تجزني ما أدينها 255
قال: وأما ريحان فمصدر ليس له فعل من لفظه، فإذا قالوا: ريحان الله فكأنهم قالوا: استرزاقه، لأن الريحان الرزق، فوضع موضع استرزاقه، ثم سأل فقال: فقد رفع في قول النمر بن تولب:
1478 - سلام الإله وريحانه... ورحمته وسماء درر 256
وأجاب عن ذلك بأن قوله: [2/ 384] وريحانه معناه: ورزقه، فهو مضاف إلى غير المفعول، وريحانه الذي هو من هذا الباب مضاف إلى المفعول، فقد حكى سيبويه أن معنى قوله: سبحان الله وريحانه: أسبح الله وأسترزقه 257. انتهى.
وفي شرح الشيخ: وأما ريحان فقيل: معناه الاسترزاق، وقيل: الطيب والريحان في كلام العرب على هذين الوجهين، ومنه قوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ 258، وقال الشاعر:
سلام الإله وريحانه
وإذا كان بهذا المعنى تصرف وتدخله (أل) ومعنى الاسترزاق لا يتصرف ولا يكون إلا مضافا، ثم قيل: إنه لا يستعمل وحده، بل مقترنا بسبحان الله، ويضيف هذا القول أن سيبويه ذكره وحده، ولم يتعرض إلى التنبيه على ذلك 259 ثم ستعرف في التصريف أن أصل: ريحان ريوحان بوزن فيعلان، لأن أصله (روح) فقلبت الواو ياء على القاعدة المعروفة، وحصل الإدغام فصار: ريحان، ثم حذفت عين الكلمة، ووزنها بعد الحذف فيلان، وهو حذف سماعي غير مطرد 260. - - والزجاج والأخفش الصغير وابن السراج وغيرهم، ومن كتبه: الأمالي، والممدود والمقصور، وفعلت وفعلت، والنوادر وغيرها.
توفي سنة 356 هـ (ينظر: ترجمته في البغية (1/ 453) تحقيق محمد أبو الفضل).
الحديث: 1477 - الجزء: 4 - الصفحة: 1862
................................ ثم قال ابن عصفور: وأما عمر من قولهم: عمرك الله فمصدر لعمر واقع موقع تعمير حذفت زوائده، ورد إلى الأصل، ونظيره في ذلك (قدر) من قول الشاعر: 1479 - فإن يبرأه لم أنفث عليه... وإن يهلك فذلك كان قدري 261 يريد: تقديري، فحذف منه الزوائد ورده إلى الأصل، وهو مصدر تشبيهي جعل بدلا من الناصب له، وهو عمر، فإذا قلت: عمرك الله، فالتقدير: عمرتك الله عمرك الله نفسك، أي عمرتك الله مثل تعميرك إياه نفسك، إلا أنه حذف الثاني من مفعولي المصدر للعلم به، ومعنى عمرتك الله: تعميرك إياه نفسك، سألت الله أن يعمرك كسؤالك أن يعمرك الله. وقعدك الله بمعنى عمرك الله، والقول فيه كالقول في عمرك الله، أعني أنه مصدر لقعد واقع موقع تقعيد حذفت زوائده، ورد إلى الأصل، كما أن عمرك الله كذلك، وهو أيضا مصدر تشبيهي جعل بدلا من الناصب له وهو قعد؛ فإذا قلت: قعدك الله فالتقدير: قعدتك قعدك الله نفسك، أي قعدتك الله تقعيدا مثل تقعيدك إياه نفسك، ومعنى قعدتك قعدك الله نفسك حفظتك تحفيظا كتحفيظك إياه نفسك، أي: سألت الله أن يحفظك كسؤالك إياه أن يحفظك، إلا أنه لم يستعمل من قعدك فعل، فيقال: قعدتك الله، كما قالوا: عمرتك الله 262، وليس قعدتك من القعود الذي هو خلاف القيام، ولكنه من قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 263 أي حفيظ، يبين ذلك قوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 264، وقد جاء في الشعر [2/ 385]: قعيدك الله كما قال الشاعر: 1480 - قعيدكما الله الّذي أنتما له... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا 265
الحديث: 1479 - الجزء: 4 - الصفحة: 1863
................................
وهو مصدر كالنذير من أنذر، ثم قال: وقعدك الله، وعمرك الله وإن كان تفسيرها ما ذكرناه، فإنها لما كانت كثيرا تستعمل عند الطلب والسؤال صار قائلها كأنه قال: سألتك الله هل كان كذا وكذا، فوقع بعدها لذلك ما وقع عليه السؤال، والذي يقع عليه السؤال ست: الأمر والنهي والاستفهام، وأن ولما حقيقة وإلا فوقع بعدها الأمر والنهي والاستفهام؛ لأنها كلا بمعنى السؤال ومن ذلك قوله:
1481 - عمرك الله ساعة حديثنا... ودعينا من ذكر ما يؤذينا 266
وقول بعضهم:
عمرك الله لا تقل إلا صدقت، ولا تسر إلا وقفت.
ووقعت بعدها أن؛ لأنها في صلة السؤال، ومن ذلك قوله:
1482 - قعيدك أن لا تسمعيني ملامة... ولا تنكأي قرح الفؤاد فييجعا 267
كأنه قال: سألتك بالله أن لا تسمعيني ملامة، ووقعت بعدها لما حقيقة، قالا:
لأنهما يقعان بعد السؤال؛ فقالوا: عمرتك الله لما تفعل كذا، وإلا فعلت كذا، من ذلك قوله:
1483 - عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 268
وساغ إدخال (إلا) بعد السؤال في نحو قولك: سألتك بالله إلا فعلت، حملا على ما أفادوه من معنى النفي، لأنهم أرادوا: ما أسألك بالله إلا فعلت، والأصل في قولهم: (إلا فعلت): إلا أن تفعل، فأوقعوا الماضي موقع المضارع ولم يدخلوا (أن)، وقال الفارسي: إن الأصل فيه: إلا فعلك، فأوقعوا الفعل موقع المصدر، كما وقع موقعه في قول الشاعر أنشده أبو زيد: -
الحديث: 1481 - الجزء: 4 - الصفحة: 1864
................................ 1484 - وقالوا ما تشاء فقلت ألهو... إلى الإصباح آثر ذي أثير 269 فأوقع (ألهو) في جواب (ما تشاء) موقع اللهو 270، ونظير ذلك في الإتيان بألّا لإرادة معنى النفي قوله 271: 1485 - وهل هند إلّا مهرة عربيّة... سليلة أفراس تحلّلها بغل 272 فأتى بإلّا، لأن المعنى: ما هند إلا مهرة عربية، وقول الآخر: 1486 - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته... كعين الكذوب جهدها واحتفالها 273 فأتى أيضا بإلا؛ لأن المعنى: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب، قال 274: وأما غفرانك من قولهم: غفرانك لا كفرانك، فمصدر واقع موقع استغفار، ولا يستعمل على هذا المعنى إلا منصوبا مضافا إلى المفعول، ثم قال: وأما حنانيك، وهذاذيك وحذاريك ودواليك ولبيك وسعديك، فمصادر مثناة بلا خلاف، إلا لبيك فإن فيه خلافا، ثم ذكر المسألة إلى آخرها ومذهب يونس فيها، واستدلال سيبويه 275 عليه كما تقدم [2/ 386] في كلام المصنف، ثم قال: -
الحديث: 1484 - الجزء: 4 - الصفحة: 1865
................................
والغرض بتثنية هذه المصادر التكثير بمعنى حنانيك تحنّنا بعد تحنّن، ثم فسر ذلك بأن قال: أي كلما كنت في رحمة منك فلا تنقطع عنا، ولكن موصولة بأخرى، وفيه نظر، قال: سبحان الله وحنانيه، فكأنه قال: سبحان الله واسترحامه، أي أسبح الله وأسترحمه استرحاما موصولا بمثله، وإذا قال:
حذاريك فكأنه قال: ليكن منك حذر بعد حذر، وإذا قال: فعلته دواليك، فكأنه قال: مداولتك، وهو مصدر تشبيهي أي نتداوله مرة بعد أخرى مداولة مثل دواليك، أي مثل مداولتك، وإذا قال: هذاذيك فكأنه قال: هذا بعد هذا.
وإذا قال لبيك وسعديك كأنه قال: إجابة بعد إجابة أي كلما أجبتك في أمر، فإني في الآخر مجيب، قال: وإنما استعملتا في هذا المعنى وإن كان لبيك من قولهم: ألبّ على الأمر، إذا داوم عليه، ولم يفارقه.
وسعديك من قولهم:
أسعد فلان فلانا على مراده، وساعده عليه، ولا يقال: ألب ولا أسعد بمعنى أجاب؛ لأن الإلباب والمساعدة دنوّ منه ومتابعة، وكل من دنا منك وتابعك على ما تريده فقد أجابك إلى ما تريد منه 276، ثم قال: ولكون هذه المصادر المثناة قد دخلها بالتثنية في حال انتصابها على أنها مصادر معنى، ليس للتثنية بحق الأصالة، وهو الكثير - لم يتصرفوا فيها، ومما يدل على ذلك أنهم لما أفردوا حنانا لم يمنعوه التصرف، قال الله تعالى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا 277، وقال الشاعر:
1487 - فقالت حنان ما أتى بك هاهنا 278
ثم قال: فأما حنانيك وهذاذيك، وحذاريك، فإنها مضافة إلى الفاعل، وأما -
الحديث: 1487 - الجزء: 4 - الصفحة: 1866
................................
سعديك ولبيك وحنانيه من سبحان الله وحنانيه، فإنها مضافة إلى المفعول، قال:
وما ذهب إليه الأعلم من أن الكاف في دواليك وهذاذيك حرف خطاب 279 بمنزلتها في النجاك 280 باطل؛ لأن النون
قد حذفت لها، ولا يعرف من كلامهم حذف النون للكاف التي هي حرف خطاب.
هذا انتهاء كلام ابن عصفور 281، وفي بعضه بحث، وسيأتي الكلام على هذه المصادر أعني المثناة كدواليك في باب الإضافة إن شاء الله تعالى.
وفي شرح الشيخ: وأما سلاما فقال أبو الخطاب 282: موضع تسليم برأه، أي لا خير بيننا ولا شر، وإذا لقيت فلانا فقل سلاما، فسره بعضهم بالبرأة عنه، ومعنى سلامك ربنا في كل فجر 283، وسلامتك أي برأتك من كل سوء كما تقول: سلم سلامة من هذا الأمر أي لم يتثبت منه بشيء.
وعلل عدم تصرفه بأنه حذفت منه التاء فلزم النصب، قال سيبويه: إن من العرب من يرفعه [2/ 387] فيقول: سلام وهو يريد معنى المبارأة، كما رفعوا حنان، سمع من العرب من يقول: لا تكونن مني إلا سلام بسلام 284، وهو استثناء منقطع، التقدير: إلا أن يكون مباركة ومبارأة، كأنه قال: إلا أمرنا سلام فسلام، أي مبارأة ما جرى، يريد مني ومنك، وكأنه قال: لا تكونن مني إلا مجانبا ومسالما، وكان هنا تامة؛ لأن -
الجزء: 4 - الصفحة: 1867
................................
النهي لا يكون في الناقصة، كما لا يكون الأمر وقد حمل على الناقصة وهو للمبرد 285 فيكون مني متعلّقا بمحذوف هو الخبر لها على معنى لا يكونن منسوبا إلى إلا بالمجانبة 286. انتهى، وقول هذا القائل: إن النهي لا يكون في الناقصة كما لا يكون الأمر - كلام عجيب، وما المانع أن تقول لمخاطبك: لا تكن ظالما، ولا تكن جاهلا،
وكن عالما، وكن عادلا، وقد قال الله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً 287 وفي الشرح المذكور أيضا: وأما حجرا فكأنه من الحجر، وهو المنع فاستعمل مكسورا، كاستعمال العمر في القسم مفتوحا وهو من العمر، وقيل: هو الاسم واقع موقع المصدر، فيكون على فعل من لفظه، كأنه قال: أحجر حجرا، أي أمنعه عن نفسي وأبعده وأبرأ منه، ويقول الرجل للرجل: أتفعل هذا؟ فيقول:
حجرا، أي منعا، وقال سيبويه: أي سترا وبرأة من هذا 288. والحجر يراد به الستر ومنه: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً 289 أي حراما 290؛ لأن الحرام ممنوع منه.
ومحجورا تأكيد يريد حجرا حجرا، لكن أتى بصيغة المفعول وهو لا ينصرف إن كان بمعنى المبارأة والتعوذ، فإن كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى، تصرف كقوله تعالى: قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ 291 أي لصاحب مانع يمنعه عن الباطل، أي صاحب عقل، ولذلك فسر هنا بالعقل؛ فأما وَحِجْراً مَحْجُوراً 292 يعد برزخا فمعناه ستر، فلم يجعل موضع الفعل على ذلك المعنى، وقيل: هو هنا على الأصل المذكور نائبا عن فعل، كأنه لما جعل بينهما البرزخ قدر ذلك بينهما تنافرا، فصار كل واحد منهما كأنه يقول للآخر: حجرا محجورا، مبالغة في الحجر، قال: وذهب المبرد 293 إلى أن حجرا يتصرف لما رآه يتصرف في موضع، ولكن قد تقدم الفرق 294.
الجزء: 4 - الصفحة: 1868
[أحكام للمفعول المطلق المحذوف عامله وجوبا]
قال ابن مالك: (فصل: المجعول بدلا من اللفظ بفعل مهمل مفرد كذفرا، وجائز الإفراد والإضافة كويله، ومضاف غير مثنّى كبله الشيء وبهله، ومثنّى كلبّيك وليس كلدى لبقاء يائه مضافا إلى الظّاهر، خلافا ليونس، وربّما أفرد مبنيّا على الكسر.
وقد ينوب عن المصدر اللّازم إضمار ناصبه صفات كـ: عائذا بك، وهنيئا لك، وأقائما وقد قعد النّاس 295، وأسماء أعيان كتربا وجندلا، وفاها لفيك، وأأعور وذا ناب؛ والأصحّ كون الأسماء مفعولات والصّفات أحوالا).
قال ناظر الجيش: اعلم أن صدر هذا الفصل إلى قوله: (وربما أفرد [2/ 388] مبنيّا على الكسر) قد تضمن كلام المصنف المتقدم شرحه مستوعبا، وأما قوله: وقد ينوب عن المصدر اللازم إضمار ناصبه إلى آخر الفصل، فقال المصنف في شرحه 296: الأصل في الدعاء والإنشاء والتوبيخ والاستفهام أن يكون الفعل، وكثرت نيابة المصدر عنه في ذلك، لقوّة دلالته عليه نحو: معاذ الله، وغفرانك، و:
1488 - أذلّا إذا شبّ العدى نار حربهم 297
وقعودا يعلم الله وقد سار الركب، وقد يقوم مقام المصدر صفات مقصودا بها الحالية على سبيل التوكيد نحو: عائذا بالله من شرها، وهنيئا لك، وأقاعدا وقد سار الركب، وقائما علم الله وقد قعد الناس، فوقعت الصفات في مواقع المصادر، لتضمنها إياها 298، وجعلت أحوالا مؤكدة لعواملها المقدرة استغني بها عن المؤكد كما استغني بالمصادر، ولا يستبعد كون الحال مؤكدة لعاملها مع كونه -
الحديث: 1488 - الجزء: 4 - الصفحة: 1869
................................
من لفظها، فإن ذلك واقع في أفصح الكلام كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 299، وقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ 300. ومن نيابة الحال في الإنشاء قول عبد الله بن الحارث السهمي رضي الله عنه 301:
1489 - ألحق عذابك بالقوم الّذين طغوا... وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني 302
أراد: وأعوذ عائذا بك، فحذف الفعل وأقام الحال كما كان يفعل بالمصدر، لو قال: عياذا بك؛ ومن نيابتها في التوبيخ قول الآخر:
1490 - أراك جمعت مسألة وحرصا... وعند الحقّ زحّارا أنانا 303
الأنان: الأنين، والعامل فيه (زحّارا)؛ لأن (زحر) قريب المعنى من أنّ.
ومن نيابة الحال في الاستفهام قول الذبياني:
1491 - أتاركة تدلّلها قطام... وضنّا بالتّحيّة والكلام 304
فهذا كقولك: قائما زيد وقد قعد الناس، وقد حمل المبرد: عائذا بك وأقائما -
الحديث: 1489 - الجزء: 4 - الصفحة: 1870
................................ وقد سار الركب ونحوهما - على أنها مصادر، وجاءت على وزن فاعل كقولهم: فلج به فالجا، وما ذهب إليه غير صحيح 305؛ لأنه يوافقنا على أن عائذا وقاعدا ونحوه لا يدل على المصدرية في غير الأمثلة التي ادعى فيها المصدرية؛ فدلالتها عليها في هذه الأمكنة اشتراك ومخالفة للاستعمال المجمع عليه فلا تقبل بمجرد الدعوى، ولو سلم الاشتراك لكانت المصدرية مرجوحة في الصفات المشار إليها؛ لأن استعمالها في غير المصدرية أكثر من استعمالها في المصدرية عند من يرى صلاحيتها؛ فكان الحكم بعدم مصدريتها أولى، ومما يدل على أن عائذا وقاعدا ونحوهما ليست مصادر في الأمكنة [2/ 389] المذكورة امتناع مجيئها في الأمكنة المختصة للمصدرية نحو: قعدت قعودا طويلا، وقعدت قعود خاشع، والقعود المعروف؛ فلو جعلت قاعدا في أحد هذه الأمكنة لم يجز، فدل ذلك على انتفاء مصدريته وبثبوت حاليته، ولذلك لا يجيء هذا النوع إلا نكرة، ولو كان مصدرا لجاز وقوعه معرفة، كما جاز تعريف المصدر، قال سيبويه: ومن العرب من ينصب بالألف واللام، من ذلك: الحمد لله، فنصبها عامة بني تميم، وناس من العرب كثير، وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون: العجب لك 306، قلت: فعلى هذا لو قيل: العياذ بك على موضع عياذا بك لجاز، ولو عرف عائذ من قولهم: عائذا بك -
الجزء: 4 - الصفحة: 1871
................................
لم يجز، فدل ذلك على أنه حال لا مصدر، وفي بعض ما ذكرته كفاية والحمد لله.
وكما استغنوا عن الفعل في هذه المواضع بالحال استغنوا في بعضها بالمفعول به كقولهم: تربا له وجندلا على تقدير: ألزمه الله وأطعمه، وكلا التقديرين قول سيبويه 307، ومثله قولهم: فاها لفيك، والضمير ضمير الداهية، ومنه قول الشاعر 308:
1492 - تحسّب هوّاس وأقبل أنّني... بها مفتد من واحد لا أغامره
فقلت له: فاها لفيك فإنّها... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره 309
ومن حكم بالمصدرية على هذه الأسماء، فليس بمصيب، ولو نال من الشهرة أوفر نصيب، لكن الموضع بالأصالة للفعل، ثم للمصدر، ثم للحال، ثم للمفعول به، فمن قال: تربا لك وجندلا، فكأنه قال: تربت وجندلت، ومن قال: فاها لفيك، فكأنه قال: دهيت، فلو روعي في النّيابة الدرجة الأولى لقيل: تربا لك، وجندلة، ودهيا، ولو روعيت الدرجة الثانية لقيل: متروبا ومجندلا ومدهيا؛ لكنهم راعوا الدرجة الثالثة فجيء بأسماء الأعيان، ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: يا بني أسد أأعور وذا ناب؟! 310 يريد: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك في يوم التقى فيه بنو أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيرا أعور، فتطير وقال لقومه هذا الكلام، فقضي أن قومه هزموا وقتل منهم.
انتهى كلام المصنف 311. -
الحديث: 1492 - الجزء: 4 - الصفحة: 1872
................................
وها هنا أمور ننبه عليها منها:
1 - أن الفعل الموافق (هنيئا) في الاشتقاق كهنأ، يقال: هنأني الطعام أي ساغ لي وطاب، واسم الفاعل هانئ، وهنيء عدل من هانئ إليه للمبالغة، وأجازوا أن يكون من هنؤ الطعام إذا ساغ كما يقال: ظرف فهو ظريف، قالوا: وكذلك (مريئا) يحتمل أن يكون من هنأني الطعام ومرأني، ومن هنؤ الطعام ومرؤ، ثم إذا لم يذكر هنأني يقال:
أمرأني رباعيّا، واستعمل مع هنأني [2/ 390] ثلاثيّا طلبا للتشاكل، والمريء ما ينساغ في الحلق 312، وإذ قد عرف اشتقاق هاتين الكلمتين، فاعلم أن سيبويه قال:
هنيئا مرئيا صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئا مريئا 313. انتهى.
ومريئا تابع لهنيئا، وقال الزمخشري: إن انتصاب هنيئا مريئا في قوله تعالى: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً 314 على أنه نعت لمصدر محذوف أي: فكلوه أكلا هنيئا، أو على أنه حال من ضمير المفعول 315. قال الشيخ: وهو قول مخالف لقول أئمة العربية سيبويه وغيره، فعلى ما قاله أئمة العربية يكون هنيئا مريئا من جملة أخرى غير (فكلوه)، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى 316. انتهى.
وكان الزمخشري يقول: إن هنيئا له استعمالان:
أحدهما: أن لا يقصد به الدعاء، فيستعمل مكملا به كلام تقدمه، وحينئذ يكون معمولا للعامل الكائن في ذلك الكلام، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ومن ثم أعرب نعتا لمصدر محذوف، أو حالا.
ثانيهما: أن يقصد به الدعاء، فيؤتى به في ابتداء الكلام 317، وذلك بأن يقول -
الجزء: 4 - الصفحة: 1873
................................
إنسان: أكلت أو شربت، فتقول له هنيئا مريئا، وهذا هو الذي يجب إضمار عامله، وهو الذي قصده سيبويه، إلا أن
يقال: ليس من شأن الطعام أن يكون هنيئا مريئا بنفسه، وإنما ذلك من فعل الله تعالى، وإذا كان كذلك تعين أن يكون هنيئا مريئا دعاء، وإذا كان دعاء تعين أن يكون له عامل غير ما هو له مذكور في الكلام، وهو ما أشار إليه سيبويه بقوله: كأنهم قالوا: نبت ذلك هنيئا مريئا 318.
ثم قال الشيخ: وجماع القول في (هنيئا) أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها، فإذا قيل: إن فلانا أصاب خبزا، فقلت: هنيئا له ذلك، فالأصل ثبت له ذلك هنيئا فحذف ثبت وأقيم هنيئا مقامه.
واختلفوا حينئذ فيما يرفع به ذلك فقال السيرافي: إنه مرفوع بذلك الفعل الذي هو ثبت وهنيئا حال من ذلك، وفي هنيئا ضمير يعود على ذلك، وإذا قلت (هنيئا) ولم تقل ذلك بل اقتصرت على (هنيئا) ففيه ضمير مستتر يعود على ذي الحال وهو ضمير الفاعل الذي استتر في ثبت المحذوف 319، وذهب الفارسي إلى أن (ذلك) مرفوع بقولك (هنيئا) القائم مقام الفعل المحذوف؛ لأنه صار عوضا منه، ولا يكون في هنيئا ضمير، لأنه قد رفع الظاهر أعني اسم الإشارة، وإذا قلت (هنيئا) دون (ذلك) ففيه ضمير فاعل بها وهو الضمير الذي كان فاعلا لثبت، ويكون (هنيئا) قد قام مقام الفعل المختزل مفرغا من الفاعل، قال: وإذا أتبعت (هنيئا) بقولك (مريئا) ففي نصب (مريئا) خلاف:
قال بعضهم 320: إنه صفة لقولك: (هنيئا)، وقال الفارسي 321: إن انتصابه [2/ 391] انتصاب (هنيئا) فالتقدير عنده ثبت (مريئا).
ولا يجوز عنده أن يكون صفة لقولك: (هنيئا) من جهة أن حكم (هنيئا) حكم الفعل لنيابته عنه، والفعل لا يوصف 322. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التعليل، وليعلم أن سيبويه أجاز أن يكون الفعل المقدر الناصب لهنيئا هنأ، مع إجازته تقدير ثبت، والتقدير: هنأه ذلك -
الجزء: 4 - الصفحة: 1874
................................ هنيئا 323 قال بعض النحاة: وتقدير ثبت أولى، لكون الحال فيه مبينة، وإن قدر (هنأ) كانت الحال مؤكدة 324. 2 - ومنها: أن سيبويه رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر تربا وجندلا قال: واختزل الفعل هنا؛ لأنهم جعلوه بدلا من قولك: تربت يداك 325؛ فقد يتوهم من كلامه أن تربت هو الناصب لتربا، وليس مراده ذلك، بل مراده أنه لا يقال تربا إلا في المعنى الذي يقال فيه: (تربت يداك)، ثم إن تربا لما حل محل المصدر الذي اختزل فعله، وكان المصدر يجوز أن يعدل به من النصب إلى الرفع مع إرادة معنى النصب، جاز أن يعامل (تربا) هذه المعاملة، ومنه قول الشاعر: 1493 - لقد ألّب الواشون ألبا بجمعهم... فترب لأفواه الوشاة وجندل 326 فرفع وهو يريد ما يراد بالمنصوب من الدعاء، لكنهم نصوا على أن الرفع لا ينقاس في أسماء الأعيان التي يراد بها الدعاء لو قلت: (فوها لفيك) على قصد الدعاء لم يجز، قالوا: ولا يجوز تعريفها باللام، لأن الدعاء بالاسم قليل واللام -
الحديث: 1493 - الجزء: 4 - الصفحة: 1875
................................
للاسم الذي لم يوضع موضع الفعل 327، لكن نقل الشيخ عن البسيط أن فيه:
وقد أدخلوا هنا اللام كما فعلوا في المصدر رفعا ونصبا، فقالوا: الترب له والترب له 328. انتهى.
وقال سيبويه - في أأعور وذا ناب -: ولو قال: أأعور وذو ناب كان مصيبا يعني أنه يرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، التقدير: أمستقبلكم أو استقبالكم، ويكون إضمار ذلك المبتدأ واجبا، فلا يجوز إظهاره، كما أن الناصب لأعور كان كذلك 329.
3 - ومنها: أنه قد فهم من قول المصنف ومن حكم على هذه الأسماء - يعني تربا وجندلا، ونحوهما - بالمصدرية فليس بمصيب أنه كما قيل بمصدرية عائذا بك ونحوه قيل بمصدرية تربا وجندلا، وما كان نحوهما، لكن المصنف ذكر أن القائل بمصدرية نحو عائذا بك هو المبرد، وأما القائل بمصدرية نحو تربا وجندلا، فلم يذكره، وقد قال الشيخ: وذهب الأستاذ أبو علي وغيره إلى أن تربا وجندلا ينتصب كنصب المصادر؛ لأنها وإن كانت جواهر فقد وضعت موضع المصادر، لأن هذا المعنى كثر فيها، قال: ولذلك قدرها سيبويه بألزمك الله أو أطعمك الله 330، ثم قال: لأنهم جعلوه بدلا من تربت يداك؛ فالأول هو التقدير الأصلي، والثاني هو الطارئ الذي قلناه، وكذلك قدر في جندلا فعلا من لفظه ينتصب عليه، ولذلك تدخل فيه اللام، فتقول: تربا لك [3/ 392] كما تقول سقيا لك، وقصته قصته 331. انتهى.
ولم أفهم من هذا الكلام مقصودا، ثم ذكر الشيخ في: (أأعور وذا ناب) كلاما من نسبة هذا الكلام عن ابن عصفور 332، وأتبعه بأن المصنف خلط، حيث جمع -
الجزء: 4 - الصفحة: 1876
................................ بين تربا وجندلا، وفاها لفيك، وبين أأعور وذا ناب، وذكر أن سيبويه لم يفعل ذلك، بل أفرد الثلاثة الأول بباب، وذكر أأعور وذا ناب في باب آخر 333، ولم يتحصل لي من ذلك كله شيء، ومن ثم يظهر فضل المصنف، فقد أفصح عن المقصود، وأبان المطلوب بأفصح عبارة وأوضح إشارة، فرحمه الله تعالى ورحمنا، ورحمهم أجمعين بمنّه وكرمه، إنه وليّ الإجابة.
الجزء: 4 - الصفحة: 1877