شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 568-574

ألف ضمير أو غيره كما هنا، فقد حصل حكم كسرها هناك، فلا معنى لإعادة ذكرها.
واحذف خفيفة لساكن ردف... وبعد غير فتحةٍ إذا تقف واردد إذا حذفتها في الوقف ما... من أجلها في الوصل كان عدما وأبدلنها بعد فتح ألفا... وقفًا كما تقول في قفن قفا تكلم في هذه الأبيات على العوارض اللاحقة للنون، وإنما تكلم في ذلك على النون الخفيفة، فدل ذلك من كلامه على أنها المختصة بهذه الأحكام التغييرية، بخلاف الشديدة، وهو كذلك، فإن الشديدة لا تتغير لقوتها في نفسها، حين كانت من حرفين مدغمٍ أحدهما في الآخر، ولتحركها، بخلاف الخفيفة، فكل ما ذكر من التغيير في الخفيفة منتف عن الشديدة، فإذا بقي الشديدة ساكن لم يؤثر شيئا، وكذلك إذا وقفت عليها فلا تغيير يلحقها من حذف ولا إبدال؛ بل تقول: أكرمنَّ ابن زيدٍ، ولتضربنَّ الرجل، ولتكرمانِّ زيدًا، وكذلك قول: يا زيد اضربنَّ، ولتخرجنَّ، ويا زيدون لتخرجن، ويا هندا اخرجن.
وإن خففتها في الوقف على حد قولهم

أصحوت اليوم أم شاقتك هر فلا أثر له، لأنها الشديدة، والوقف عارض.
ثم ذكر لحذفها موضعين: أحدهما: إذا جاء بعدها ساكن من كلمة أخرى، وذلك قوله: "واحذف خفيفة" يعني أن النون الخفيفة إذا ردفها ساكن، يريد: جاء بعدها، فإنها تحذف معه، فتقول اضرب ابنك، تريد: اضربن ابنك، ولتكرم الرجل، ولا تضرب ابنك" ومنه قول الشاعر: ولا تهين الفقير علك أن... تركع يومًا والدهر قد رفعه وإنما حذفت هنا لضعفها وسكونها، فلم تقو أن تكون كالتنوين، فتكسر للساكنين، لأن التنوين مختص بما هو أقوى، وهو الاسم.
وهذه النون مختصة بما هو أضعف وهو الفعل، وعلى أنهم قد عاملوا

التوين معاملتها، فقرئ: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾.
﴿ولا الليل سابق النهار﴾، وأنشدوا لأبي الأسود: ولا ذاكر الله إلا قليلًا ثم قال: "وبعد غير فتحة أإذا تقف" وهو الموضع الثاني لحذفها، يعني أن النون الخفيفة تحذف أيضا إذا وقفت، وكانت بعد ضمة أو كسرة، ولا تكون بعد ضمة أو كسرة إلا لضمير محذوف واوٍ أو ياء، فتقول: يا زيدون اضربوا، ويا هند اضربي، ويا زيدون اخشوا، ويا هند اخشي وما أشبه ذلك.
ووجه ذلك أن النون هنا شبيهة بالتنوين، لأن كل واحدة منهما زائدة على الكلمة ساكنة، فلما أشبهتها عوملت في الوقف معاملتها، فكما قالوا في الوقف على المرفوع: هذا زيد، بحذف التنوين، وفي الوقف على المخفوض: مررت بزيد، كذلك قالوا فيما هو نظير المرفوع والمجرور، وهو المضموم والمكسور من الفعل: اضربوا، واضربي.
وهذا الذي قال جارٍ على اللغة الشهرى.
وأما على قياس من قال: هذا زيدو، ومررت بزيدي، فينبغي ألا تحذف نون التوكيد؛ بل تبدل واوًا بعد الضمة، وياءً بعد الكسرة.
فتقول: اخشييي واخشووا، وهو قياس صحيح.

وهذا الذي قرر الناظم: هو مذهب سيبويه والخليل.
وأما يونس: فلا يحذف النون مطلقا؛ بل يقول: اخشووا، واخشيي على كل لغة، فيبدل الواو والياء من النون.
وألزمه سيبويه أن يقول ذلك في غير الموقوف نحو: هل تضربوا؟ وهل تضربي؟ لأن النون إذا كانت باقية هي أو بدلها، فالواجب ألا يرجع ما حذف.
ولما كان حذف النون هنا، على رأي الناظم، يلزم معه رد ما حذف أخذ يبين ذلك، فقال: واردد إذا حذفتها في الوقف" إلى آخره.
يعني أنك إذا حذفت النون الخفيفة للوقف، فإنك ترد ما حذف لأجلها في الوصل، من ضمير أو علامة رفع، وذلك قوله: يا زيدون اضربوا، ويا هند اضربي، فرددت الواو والياء لزوال ما أوجب حذفهما، وهو النون الساكنة.
وكذلك: اغزوا يا زيدون، واعزي يا هند.
ويونس هنا موافق للخليل وسيبويه في اللفظ، ولذلك حكي عنه الموافقة للعرب.
وأما التفسير فمختلف، لأن الخليل يقول: هي واو الضمير وياؤه، وعلى قول يونس هما بدل من النون.

فقول الناظم: (واردد ما كان عدم في الوصل) جارٍ على مذهب الخليل، لا على مذهب يونس.
وتقول على هذا: يا هند اخشي، ويا زيدون اخشوا؛ إذ كان واو الضمير وياؤه لم يحذفا، فلم يكن ثم ما يرد.
وعلى رأي يونس: اخشيي واخشووا، كما تقدم.
وتقول: يا هند هل تقومين؟ ويا زيدون هل تقومون؟ فترد الواو والياء، وترد أيضا علامة الرفع لزوال موجب حذفها.
وكذلك تقول: لتخشوون، ولتخشيين، ولتقضون، ولتقضين.
وألزم سيبويه يونس أن يقول في هذا: لتخشووا، ولتخشيي، ولتضربوا ولتضربي، فلا ترد النون، لأنه يعوض من التنوين الواو والياء، وفي قوله: ولكن العرب على ما يقوله الخليل، وليس مع يونس سماع، وإنما قاله بالقياس على المفتوح، والمصير إلى ما قالته العرب هو الواجب.
وفي قوله: "واردد" إلى آخره من النطر نظير ما تقدم قبل هذا، من عدم تنبيهه على حذف نون الرفع إذا أتي بنون التوكيد، فهاهنا لا يتبين أيضا ما الذي يرد، لأنه إذا قدم أنه يحذف الضمير، ولم يذكر خلافه، فلا يفهم له هنا الرد إلا فيما حذف، لكن هذا الموضع لا يعود عليه منه إشكال، وإنما يعود مما تقدم خاصة، فتأمله.
ثم قال: "وأبدلنها بعد فتحٍ ألفًا وقفًا" يريد أنك إذا وقفت على النون الخفيفة، وكان ما قبلها مفتوحا، فلابد من إبدالها ألفًا، ولا يجوز الوقف عليها وهي على حالها، فلا تقول: يا زيد قفن، وإنما يقال: يا زيد قفا.

وكذلك: يا زيد ارضيا، وهل تقضيا؟ وهل تدعوا؟ في (ارضين، وهل تقضين؟ وهل تدعون؟ ) ووجه ذلك: شبهها بالتونين، فكما أنهم يبدلونه في الوقف، إذا تبع المفتوح، ألفًا فتقول: رأيت زيدًا، وأكرمت عمرا، فكذلك هنا، فهما متساويان في الوقف هنا، يحذفان مع المضموم والمكسور، ويبدلان ألفًا مع المفتوح.
ومن مثل هذه المسألة قوله تعالى: ﴿ليسجنن وليكونًا من الصاغرين﴾.
وقوله: ﴿كلا لئن لم ينته لنسفعًا﴾ القراء كلهم على إبدالها في الوقف ألفًا.
وقال الشاعر، أنشده سيبويه: يحسبه الجاهل ما لم يعلما وأنشد أيضًا قول الآخر: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا وأنشد أيضا قول الآخر: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا

يريد: تأججن، أي تأجج، وهو مما لحقته النون في الإيجاب ضرورة.
وقال الآخر، أظنه ابن أبي ربيعة: وقمير بدا ابن خمسٍ وعشـ... رين له قالت الفتاتان قوما وقال الآخر: واحمر للشر ولم يصفرا وذلك شهر.
وقوله: "كما تقول في قفن قفا" أي كما تقول في (قفن) بالنون: قفا، بالألف.
وينبغي أن يكتب الأول بالنون، والثاني بالألف، وإن كان القياس الكتب بالألف في النون الخفية مطلقا، اعتبارا بقصد الناظم من إظهار النون التي تبدل، فهو لم يقصد فيها إلا كونها نونًا حتى تتبين أولًا، ثم يحكم عليها بالإبدال.

جارٍ التحميل