أنها لو كانت عوضا لم تثبت مع المعوض منه في وجهة.
وجوابه به ظاهر وذلك لازم فيه كما هو لازم في عدة، فلا يجوز أن يقال: وعد عدا، ولا وزن زنا، كما لا يجوز أن تقول في زنادقة زنادق دون ياء- إلا في الضرورة، لأن الهاء عوض من الياء في زناديق، فحيث لزم الحذف لزم التعويض من غير إشكال نعم، لو دعت ضرورة إلى حذف التاء كما قال الشاعر، أنشده الفراء:
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
قال سيبويه: "وأما فعلة- إذا كانت مصدرا- فإنهم يحذفون الواو منها كما يحذفونها من فعلها، لأن الكسر يستثقل في الواو".
ومضى في التعليل ثم لم تكن الهاء فلا حذف، لأنه ليس عوض".
ثم قال بعد ذلك: إن الحذف إنما ثبت في المصدر إذ كان على فعلة، لأنه على عدد يفعل وعلى وزنه، لأن كل واحد منهما أربعة أحرف وثانيهما ساكن، فلما أعلوا ألقوا حركة الواو على ما بعدها، إذ لم يكن قلبها شيء وصارت بمنزلة الهمزة إذا خففت وقبلها ساكن.
والثالث: كون المصدر بزنة الفعل، بمعنى مقابلة المتحرك بالمتحرك، والساكن بالساكن.
وهو الذي علل به سيبويه، فلذلك أتى الناظم بما هو على فعلة مما ثانية ساكن وهو على أربعة بالتاء تحرزا من أن يكون الثاني متحركا، أو يكون المصدر مزيدا فيه، فإنه إن تحرك ثانيه كما لو أتى على فعلة لم يعل،
فتقول فيه من الوعد: وعدة، وإن زيد فيه فكذلك أيضا نحو: الوراثة والوفادة (والولادة)، وما أشبه ذلك، فهذا كله مما اعتبره الناظم في هذا الوصف، وهو ظاهر كما رأيت.
ثم في هذا الكلام نظر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تمثيله بعدة مشكل، لأن عدة مصدر قد حذفت فاؤه، وهو إنما يتكلم في موضع الحذف والاشتراط فيه، فكأنه يقول: "و" فيما كان من المصادر محذوف الفاء اطرد الحذف.
وهذا لا حقيقة له، لأنك إذا قلت له: كل ما هو محذوف منه فاحذف منه كان كلاما غير محصل، وأمرا بتحصيل الحاصل.
وأيضا فهذا الكلام يصدق على ما كان حذفه بالسماع لا يقاس، فلو ألقيت مكان عدة مثلا رقة لكان الأطراد صادقا، لأن المعنى: كل ما سمع فيه الحذف فالحذف فيه مطرد، (و) لاشك أنه كذلك ولو لو يوجد منه إلا اللفظان أو الثلاثة.
فهذه العبارة (غير محصلة)، وكلامه في التسهيل أحسن من هذا حيث قال: "وحمل على ذي الياء أخواته والأمر، والمصدر الكائن على فعل محرك العين بحركة الفاء معوضا منها هاء التأنيث".
والثاني: أن الإشارة بذاك إلى الحذف المتقدم الذكر والحذف المتقدم إنما هو حذف/ فاء المضارع والأمر الموصوفين، فإذا نزلت العبارة على معناها جاء منه أن حذف فاء المضارع والأمر اطرد في المصدر.
وهذا خلف، إذ الحذف المخصوص بشيء لا يكون في غيره، ولم
يتقدم له حذف فاء مطلق فتعاد الإشارة إليه، وإنما قال: "فا آمر أو مضارع من كوعد احذف"، فالحذف مضاف إلى فاء الفعلين لا إلى فاء مطلقة.
نعم، لو عادت إلى فاء مطلقة لكان الكلام مستقيما، إلا أنه لم يفعل ذلك.
والثالث: أن هذا الإطلاق لم يقيد بقيد، فدل على دخول ما كان من هذه المصادر معتل اللام نحو: شية ودية، فاقتضى أنك تقول: وقى قية، ووهى هية، وونى نية، ووعى عية، ووحي حية، وما أشبه ذلك.
وهذا مما ينظر فيه؛ إذ السماع في مثل هذا قليل يلحق بالمحفوظ.
والجواب عن الأول: أن هذه العبارة مفهومة المعنى وإن تجوز فيها، وإنما أراد أن ما كان على فعل فإنه تحذف فاؤه وتلزمه الهاء عوضا، فتقول في وعدة: عدة، فأتى بالمثال تنبيها على غاية العمل فيه، ولم يرد أن ما كان بهذه الغاية فحكمه كذا.
فاتكل على فهم المراد من اللفظ.
ومثل هذا الكلام مما يجري على ألسنة النحويين كثيرا وإن كان المعنى غير مطابق لحقيقة تنزيل اللفظ، وقد قال المازني في نحو من هذا في المسألة نفسها: "واعلم أن المصدر إذا كان على فعلة فالهاء لازمه".
قال ابن جني: "لو قال مكان هذا: واعلم أن المصدر إذا كان على ثلاثة أحرف وفاؤه مكسورة وعينه ساكنه فالهاء لازمة له، لكان أحسن في العبارة".
قال: "ولكنه تسامح في اللفظ، وهو من عادة أهل علم العربية، ولهم أشياء كثيرة تحمل على المسامحة، ولكنهم يفعلون هذا لأن أغراضهم مفهومة".
قال: "ونظير هذا الذي قاله أبو عثمان في التجوز (قولهم): وكل اسم على فعلول فهو مضموم الأول.
ونحن نعلم أنه لا يكون على فعلول إلا وأوله مضموم، لأنا قد لفظنا بالضمة في أول فعلول، والعبارة
المستقيمة في هذا الموضع أن يقال: كل اسم على خمسة أحرف وعينه ساكنة، ولامه مضمومة، وبعدها واو، وبعد الواو لام، أخرى- ففاؤه مضمومة.
وهذا المعنى يريدون، ولكنهم يحتصرون".
هذا ما قال، وهو مثل ما ذكره الناظم في المسألة حين قصد الاختصار، وكان وجه العبارة ما ذكره في التسهيل، فإذا هذه الطريقة ليست ببدع في النحويين فدخل بهذا الاختصار في سوادهم.
والجواب عن الثاني من وجهين:
أحدهما: أن الإشارة لا تقول إنها للحذف المذكور أولا أو ما دل عليه، بل هي إشارة لما في عدة من العمل، كأنه قال: وفي نحو عدة اطرد هذا العمل الذي تراه، وهو حذف الفاء المكسورة ونقل حركتها إلى ما بعدها، وهو العين، وتعويض الهاء آخرا منها: وترك التنبيه على أصل عدة اتكالا على الشيخ، أو على فها لشادي الفطن؛ إذ هو بالنسبة إلى فهمه قريب.
والثاني: إذا سلمنا أن الإشارة إلى الحذف المفهوم من "أحذف"، فلا يلزم ما قيل، لأن الكلام محمول على معناه، وتقديره/: احذف الفاء في الفعل المضارع والأمر، وهو في المصدر أيضا مطرد.
فإنما أضيفت الفاء إلى المضارع والأمر من حيث كونهما محلا للفاء لا من حيث التخصيص المنحتم عليها.
ولذلك أظهر ما قصد في المصدر حيث قال: وفي عدة،
فأتى بفي، أي: احذف في هذا وفي هذا، وهذا ظاهر أيضا، ولكن الوجه الأول أولى، لأن فيه تنبيها على التعويض في الهاء، وهذا الوجه الثاني لا يدل على ذلك، فكان ينقصه التنبيه على معنى متأكد.
والجواب عن الثالث: أن عدم استثنائه المعتل اللام موافق لغيره، إذ لم يستثنه غيره، مع أنهم قد قالوا: وداه دية، ووشى الثوب شية.
فكذلك نقول في كل مصدر منه أتى على فعل ولا نبالي.
وحذف همز أفعل استمر في... مضارع وبنيتي متصف
يعني أن حذف همزة أفعل مطرد إذا بني منه الفعل المضارع والبناءان اللذان للوصف، وهما: مفعل للفاعل، ومفعل للمفعول.
وأطلق عليهما لفظ المتصف لأن كل واحد منهما متصف بمعنى ما اشتق منه، مثال ذلك: أكرم، وأخرج، وأعرض، تقول في المضارع منهما: يكرم ويكرم، ويخرج ويخرج، ويعرض ويعرض عنه.
فالمضارع شامل لما بني للفاعل أو المفعول.
وتقول في وصف الفاعل منهما: مكرم ومخرج (ومعرض.
وفي وصف المفعول: مكرم ومخرج) ومعرض عنه.
وإنما قال: "وبنيتي متصف"، فثنى ولم يقل: وبنية متصف، وكان للقائل أن يقول: إنه يجزئه ذلك، لأن الفاعل متصف بأنه فعل، والمفعول متصف بأنه فعل به- رفعا للإشكال العارض في ذلك، فإنه لو قال: وبنية متصف، لكان ظاهرا في اسم الفاعل خاصة لأنك إذا أطلقت لفظ
المتصف فهو حقيقة فيمن قام به الوصف، فمكرم يقال فيه: متصف بالإكرام، ولا يقال في مكرم: إنه متصف بالإكرام إلا مجازا، وهو لا يفهم إلا بقرينة، شأن (سائر) المجازات.
فلما كان قصده أن يشمل الأمرين معا لم يكن بد من التنبيه على ذلك، فنبه عليه بالتثنية، فلما قال ذلك علم أنه يريد مع اسم الفاعل آمرا أخر، وذلك لا يكون إلا اسم المفعول، إذ يطلق على مكرم: إنه متصف بالإكرام، بمعنى أنه ذو إكرام، أي: محل الإكرام.
ومن هذه الجهة ساغ أن تبنى له صيغة المفعول من المصدر، وقد دعاهم تخيل هذا المعنى وهذه الملابسة إلى أن بنوا له بنية الفاعل نحو: عيشة راضية، ونهاره صائم، وليله قائم، أي: مصوم فيه (ومقوم فيه).
هذا معناه، لكنهم راعوا فيه مجرد النسبة والإضافة، إذ كان في التقدير ذا كذا.
فإذا معنى قوله: "متصف"، أي: ذي وصف، ليشمل الأمرين معا.
ولا يخلو مع هذا من مجاز في العبارة، لأن إطلاق المتصف وذي الوصف حقيقة إنما يكون في الفاعل، وهو في المفعول مجاز، فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
ولم يذكر هنا فعل الأمر، لأنه كالماضي لا تحذف همزته، بل تقول: أكرم وأخرج وأعرض، قال:
أرد من الأمور ما ينبغي... وما تطيقه وما يستقيم
وكان الأصل: أكرم يؤكرم فهو مؤكرم ومؤكرم، لكنهم حذفوا الهمزة من المضارع لما (كان) يؤدى إثباتها إلى اجتماع الهمزتين إذا قلت: أأكرم أنا، فحذفوها لذلك، ثم حملوا سائر الزوائد في أوله على الهمزة، وإن لم يكن معها موجب للحذف، فقالوا: يكرم ونكرم وتكرم، قصدا للمماثلة بين أصناف التصرفات في المضارع، لئلا يختلف الباب، كما فعلوا حين حذفوا الواو من نعد وتعد وأعد حملا على يعد الذي فيه الموجب، وقد تقدم، ولهذا نظائر، ثم حملوا الصفتين على المضارع لجريانهما عليه فقالوا مكرم ومكرم، وما أشبه ذلك.
وقد شذ من هذا شيء فجاء على الأصل، قال الراجز:
فإنه أهل لإن يؤكرما
وقالت ليلى الأخيلية:
تدلت على حص ظماء كأنها... كرات غلام في كساء مؤرنب
أي: متخذ من جلود الأرانب.
وأنشد سيبويه لخطام المجاشعي:
وصاليات ككما يؤثفين
وهو محتمل أن يكون من ثفيت القدر، فيكون من هذا الشذوذ.
وأن يكون من تأنف، كقول النابغة:
وإن تأثفك الأعداء بالرفد
وهو إذ ذاك على القياس، لأن الناظم قال: "وحذف همز أفعل"، فعين أن هذا الحكم إنما هو في الهمزة الزائدة لا في الأصلية.
وإذا قلنا: إن يؤثفين من تأثف فالهمزة أصلية لا زائدة، والأصلية لا تحذف، فتقول في السعة: يؤثفين، كما تقول: يسلقين، لأن وزنه: يفعلين.
وقالوا أيضا: هذا أديم مؤرطى، فهو يحتمل الشذوذ بجعله على لغة من يقول: أديم مرطى، إذ الهمزة عند هؤلاء زائدة، من أرطيت الأديم: إذا دبغته بالأرطى.
ويحتمل الجريان على القياس بجعله على لغة من قال: أديم مأروط وهي الشهري، لأن الهمزة أصلية،
فمؤرطى مفعلى كمسلقى، ووزنه على الأولى مؤفعل وعلى هذا لو بنيت مثل وحرج من الأخذ لقلت: أخذذ، فإن رددته إلى المضارع فقياسه على هذا يؤخذذ، بإثبات الهمزة، ولا يجوز: يخذذ- بحذف الهمزة- كما لو كنت قائلا: يكرم، لأن الفعل ملحق بدحرج فالهمزة أصلية في مقابلة الدال من دحرج.
فكما تقول: أدحرج، كذلك تقول: أوخذذ، إلا أنك تبدل الهمزة واوا لاجتماع الهمزتين ولا تحذف، فكذلك في سائر التصرفات.
إلا أن قول الناظم: "في مضارع وبنيتي متصف"، قاصر عن استيفاء مواضع الحذف، فإن اسم المصدر، واسم الزمان والمكان، حكمها حكم اسم الفاعل والمفعول، ولم يذكر ذلك، فأوهم فيها حكم الإثبات، كما ثبت في الأمر تحقيقا؛ إذ لم يذكره في جملة ما تحذف منه الهمزة فكان من الواجب أن ينبه على ذلك.
والجواب: أن ذلك قد دخل له تحت بينتي المتصف، لأن المفعول يطلق ويراد به جميع المفعولات الخمسة: المفعول به، وفيه، وله، والمطلق، فقد تقول: هذا المكان مكرم فيه، وهذا الزمان مخرج فيه، ويقال: ضربك مضروب،.
كما يقال: شعرك شاعر.
فدخل سائر المفعولات تحت بنية المفعول، لأن كل واحد منها ذو كذا، كما كان المفعول به كذلك.
وعبارته هنا تسع هذا التأويل وكذلك عبارته في التسهيل، فإنه لم ينص فيها على المفعول به بخصوصه فيخرج له ما عداه، بل قال: "ومما اطرد حذفه همزة أفعل من مضارعه، واسمى فاعله ومفعوله".
فأطلق لفظ المفعول، فدخل له جميع المفعولات على ذلك التفسير.
وقوله: "استمر"، معناه المراد: اطرد، أي: اطرد هذا الحذف في هذه المواضع المذكورة.
ومعناه في اللغة: الذهاب، مر الرجل يمر مرا ومرورا، واستمر، أي: ذهب.
كأن هذا الحذف يذهب في أفراد الباب فلا يقف دون شيء منها، وهو معنى الاطراد.
ويقال: استمر مريره، أي: استحكم عزمه.
وهو من ذلك، لأنه يمر فيما عزم عليه لا يقف ولا ينثني.
وقالوا: لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر- بفتح الميم الثانية- أي: إنه قوي في الخصومة لا يسأم المراس.
وأنشد أبو عبيدة:
وجدتني ألوي بعيد المستمر... أحمل ما حملت من خير وشر
ظلت وظلت في ظللت استعملا... وقرن في اقررن وقرن نقلا
استعملا، ألفه للتثنية، أي: استعمل هذان الوجهان، يريد أن ما كان نحو ظللت وعلى صفته حذفت منه عين الكلمة، وكان فيه بعد ذلك وجهان:
أحدهما: أن تحذفها بحركتها ولا تنقلها إلى ما قبلها، فتقول في ظللت: ظلت.
ومنه قوله تعالى: ﴿فظلتم تفكهون﴾.
والثاني: ألا تحذفها، ولكن تنقلها إلى الفاء فتغلب على حركتها، لأن الحكم للطارئ، فتقول: ظلت، بكسر الظاء، ومنه قراءة أبي حيوة: (فظلتم تفكهون) وكذلك قرأ عبد الله إلا أنه قرأ: (فظلتم تفكنون)، النون مكان الهاء.
وكذلك تقول في مسست: مست ومست.
ووجه هذا أن ظلت ومست ونحوهما أصله: ظلل ومسس، فأعلوه بالإدغام فصار: ظل ومس، فأشبه قام وباع، لسكون العين فيهما، فإذا اتصل بالفعل المعتل ما يوجب تسكين لامه حذفوا حرف العلة لالتقاء الساكنين، فقالوا: قمت وبعت، فشبهوا ظل بقام، فلما اتصل به ما سكن آخره لأجله اجتمع ساكنان، فحذفوا اللام الأولى لالتقاء الساكنين، ولم يحذفوا الأخيرة كما لم يحذفوا الثاني في قام.
وأيضا الأولى قد كانت اعتلت بالسكون فضعفت، فمان إعلالها بالحذف أولى.
وعلى طريقة السيرافي كان الأصل ظللت، فكرهوا اجتماع المثلين ولم يمكنهم الإدغام فيحركوا ما لا يتحرك وهو ما قبل الضمير، فحذفوا الأول ولم يحذفوا الآخر، لأنهم لو حذفوه لاحتاجوا إلى تسكين الأول فيزيدوه تغييرا، فكان حذف الأول أولى.
فأما من ترك الفاء على الفتح ولم ينقل إليها فشبهها بلست، لما جاء على غير الأصل تركه على حاله، كما تركت فتحة ليس على حالها لما كانت مخالفة
للأفعال المعلة في اعتلالها وفي تصرفها.
ومن كسر الفاء فنقل حركة العين إليها فشبهها بخفت، فأجراها على قياس الأفعال المتصرفة.
واعلم أن تمثيله أحرز شروطا معتبرة، وهي ستة أحدها: كونه فعلا، تحرزا من الاسم، فإنك إن فرضت اسما على فعل لم يقع فيه هذا الإعلال لما سيذكر من العلة.
والثاني: كونه مضاعفا، تحرزا من غير المضاعف، فإن هذا الحكم لا يجري فيه لا مطردا ولا شاذا، فلا تقول في خرجت: خجت، ولا في أعرضت: أعضت.
ولا نحو ذلك.
وأما المعتل العين فحذف عينه عند إسناده إلى الضمير البارز من باب التقاء الساكنين لا من باب الإعلال التصريفي كما سيأتي بحول الله.
والثالث: كون المحذوف مكسورا؛ إذ مثل بظللت، وهو كذلك، تحرزا من ضمه أو فتحه، فإن كان مفتوحا قلت: مررت، وفررت، وصببت.
ولا تقول: مرت، ولا فرت، ولا: صبت.
قال تعالى: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾، وقال: ﴿قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين﴾، مع أنه قال: (فظلتم تفكهون) وكذلك إذا انضم نحو: لببت وحببت، فلا تقول فيه: لبت ولا لبت، ولا ما كان نحو ذلك.
وقد شذ في المفتوح قولهم: ظنت في ظننت.
والرابع: كونه مبنيا للفاعل، فإن كان مبنيا للمفعول لم يجز فيه ذلك الحكم بمقتضى المفهوم، فتقول: مسست، وظننت (كذا)، ولا تقول: مست، ولا: ظنت، ولا: مست، ولا: ظنت.
والخامس: أن يكون الفعل متصلا بما يسكن له آخره من ضمائر الرفع البارزة، ودل على ذلك إتيانه بالضمير، فتقول على هذا: ظلت أنا، وظلنا نحن، وظلت أنت، وظلت أنت، و (كذلك): ظلنا، وظلتم، وظلتن، والهندات ظلن فهذه مواضع ثمانية يستتب فيها هذا الحكم.
وحيث فسر ما أراد باتصال الضمير بما يسكن له آخر الفعل دخل له كون النون ضميرا كما تقدم، أو علامة نحو: ظلن الهندات، في لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة".
ووجه هذا أنهم حين نقلوا الحركة إلى الفاء فسكنت العين لم تكن لتثبت واللام ساكنة في موضع لا تتحرك فيه البتة، كما أنها لم تكن لتثبت في قمت، بخلاف ما إذا لم يلحقه ضمير ولا ما يسكن الآخر لأجله فإن اللام تتحرك فتثبت العين وإن سكنت.
والسادس: أن يكون ماضيا لا أمرا ولا مضارعا، فإنه إن كان كذلك لم يستعمل فيه الحذف استعمالا يعتد بمثله، فإن جاء فهو نادر، ولذلك أخرج الأمر
بخصوصه فقال: "وقرن في اقررن نقلا"، أي: هو في حيز الموقوف على النقل، ولذلك لما حكى في التسهيل أن بني سليم يحذفون في الماضي قال في غيره: "وربما فعل ذلك بالأمر والمضارع".
فالنوعان عنده ليسا على حد واحد في الحكم.
وهذا على خلاف ما يظهر من النحويين، إذ هم يأتون ببعضها دليلا على البعض، فلا فرق عندهم بين الماضي في الحذف والمضارع (والأمر)، وهو ظاهر، إلا فما الفرق بينهما؟ وما يلزم في أحدهما لازم في الآخر، وبعيد أن يكون بنو سليم الذين نقل عنهم الحذف خصوه بالماضي وحده ولم يحذفوا في غيره، مع أن العلة التي لأجلها وقع الحذف موجودة في الجميع: فكما تقول: يقمن، فتحذف للساكنين، كذلك تقول: يقرن في يقررن، كما كنت قائلا في الماضي: قمن، وحملت عليه: ظلن.
فأتا الآن لا أعرف للتفرقة التي ارتكبها المؤلف وجها إلا ما زعم من الندور، فانظر فيه.
ثم في كلامه مسائل:
إحداها: أن الجمهور- سيبويه وغيره- يرون أن قولهم: ظلت ومست من باب الشاذ الموقوف على السماع، ويقل جدل أن ترى واحدا يشير في هذا النحو إلى قياس، بل هم في ذلك بين أن ينصوا على شذوذه لسيبويه، كقوله: "وليس هذا النحو إلا شاذا كقوله في موضع آخر: ومن الشاذ قولهم كذا وبين ألا ينصوا على الشذوذ لكن لا يأتون إلا بهذه الألفاظ الثلاثة وهي: أحست، وظلت، ومست.
وظاهر هذا أيضا عدم القياس.
ونقل ابن الضائع عن
شيخه الشلوبين أن هذه الألفاظ شاذة لكنها مطردة عنده في أمثالها من الأفعال.
قال: وتأخذ ذلك من قول سيبويه فيما شذ من المضاعف: "وذلك قولهم: أحست، يريدون: أحسست، وأحسن، يريدون: أحسسن" قال: "وكذلك تفعل به في كل بناء تبنى اللام من الفعل فيه على السكون ولا تصل إليها الحركة".
فزعم أن هذا من كلامه يدل على أنه مطرد.
قال ابن الضائع: فقلت له: من كلامه ما يدل عل خلاف ذلك وهو قوله في ذلك الباب: "ولا نعلم شيئا من المضاعف شذ إلا هذه الأحرف".
(فقال: إنما يعني إلا هذه الأحرف) وما كان مثلها من المضاعف.
قال ابن الضائع: هذا فاسد، لأنه إذا كان كذلك فالمضاعف كله شاذ.
قال: وإنما ينبغي أن يحمل كلامه أولا على أحست، أي: كل ما يبنى من هذا على أن اللام لا تصل إليها الحركة يحذف فيقال: أحست، وأحسنا، وأحست، وأحست، (وأحستما)، وكذلك في الأمر، فهذا أظهر.
فقوله: "تفعل به" لا يعود الضمير على المضاعف بل على أحست، ولا يتناقض الموضعان.
قال: وهو حسن.
هذا ما ذكر ابن الضائع من الخلاف في القياس في المسألة، ولا مرية أن مستند الشلوبين فيما ذهب إليه لا يظهر، فإن كلام سيبويه أظهر فيما قاله ابن الضائع، فلا ينبغي أن تجعل هذا مستندا للناظم، وإنما مستنده في الجواز ما نقل في التسهيل من أنها لغة، فهذا أقرب في الاستناد إن ثبت أنها لغة كما زعم، وأنهم يشترطون في الحذف ما اشترطه هنا من كون الفعل ماضا وما أشبه ذلك مما تقدم.
والله أعلم.
والثانية: أن الناس قد ضموا إلى هذه المسألة ما كان على أفعل، وهو: أحسس، وأحسست.
والناظم ليس في كلامه ما يشعر بذلك، وإنما يدل تمثيله
وكلامه عل الفعل الثلاثي الذي على فعل، فيحتمل أن يكون مثل هذا عنده مما لا يدخله القياس لتخلف شرط كونه ثلاثيا، وهذا لا يمشي على ما نقل في التسهيل حيث لم يشترط هذا الشرط، بل قال: "ويجوز في لغة سليم حذف عين الفعل الماضي (المضاعف) المتصل بتاء الضمير أو نونه".
والحكم كذلك عند غيره، فيدخل له أحسست، وأحسسن، فتقول فيه: أحست، وأحسن وأحسنا، وأحست وأحست وأحستما، وأحستم، وأحستن.
والعلة في الجميع واحدة، وقد تقدمت، قال أبو زبيد الطائي:
سوى أن العتاق من المطايا... أحسن به فهن إليه شوس
وعادة الناظم أن يشير إلى القيود والشروط بالأمثلة اكتفاء (بها) عن التنصيص عليها قصدا/ للاختصار، ولاشك أنها قد تحرزها في بعض المواطن وتتخلف في بعضها، إذ لا يخلو كثير من المثل من زيادة أوصاف لا تكون مقصودة كهذا المثال، فقد ينازع الناظر في عدم قصده إلى اشتراط الثلاثية في هذا الموضع لظهوره في تمثيله بظللت، كما أنه لو مثل بأحسست لظهر أنه قصد الرباعي دون الثلاثي، وهذا أمر لازم في طريقته في الاجتزاء بالتمثل.
والثالثة: أن هذا الحذف الذي إنما هو للعين لا لغيرها، ودل على ذلك كلامه، لأنه قال: "ظلت وظلت في ظللت استعملا"؛ إذ الظاهر أن
اللام كانت ساكنة قبل الحذف فكذلك بقيت بعده، وأيضا فنقل الكسرة إلى الفاء دليل أن المحذوف من المضاعفين هو المكسور، وهو العين، وهذا ظاهر.
والرابعة: أن الناظم لم يبين هنا كون الحذف حصل بعد تغيير، وإنما أشعر بمجرد الحذف فقط، فالأولى حمل كلامه على أن الحذف مسلط على الحرف المضاعف، وهو على أصله لم يبدل إلى غيره، وهو الظاهر من كلام سيبويه وغيره.
ومن النحويين من يزعم أن العين أبدلت قبل الحذف حرف علة كما فعل بقيراط ودينار، ثم حذفت بعد ذلك، على حد ما حذفت عين قمت وبعت لالتقاء الساكنين.
وهذا الثاني ذهب إليه الفارسي (في الحجة) في قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، على أنه من القرار.
والأظهر الحذف من غير إبدال كما أشار إليه الناظم.
وقد اعترض على الفارسي هذا المذهب بأنهم قد قالوا: ظلت ومست، بفتح فاء الفعل، من غير نقل الحركة إليها، ولو كان قد دخل في باب بعت لم يكن بد من نقل الحركة فيقال: ظلت، ومست، البتة، من غير إجازة لغيره، كما لم يجز في بعت إلا النقل، لكنهم لم يوجبوا ذلك، فدل على أنه لم يدخل في باب بعت، بل حذف المضاعف ابتداء من غير إبدال.
وقد أجيب عن هذا بوجهين، (أحدهما): أن للفارسي أن يقول: (هذا) ليس من باب بعت حقيقة، وإنما هو لاحق به بالتشبيه، وقد تقرر أن المشبه لا يقوى قوة المشبه به؛ ألا ترى أن الإعلال طارئ عليه وليس بأصل فيه، فلا يلزم
أن يساوي حروف العلة الأصلية في الحكم، فأجازوا فيه ترك النقل على مخالفة حروف العلة الأصلية، ليكون ذلك إشعارا بأنه ليس منها بحكم الأصل.
وهذا الجواب ضعيف، فإن حروف العلة وإن كانت بدلا من غيرها محكوم لها بحكم ما أبدلت إليه كتظنيت وقصيت أظفاري ونحوهما؛ إذ لا يقال فيمن هذه سبيله: يحكم لها بحكم حروف العلة في بعض المواضع دون بعض، بل الحكم مطلق فيها كذلك ما لم يظهر المبدل منه لزوال علة الإبدال.
والثاني: أن يكون هذا القول مقتصرا به على محل النقل حيث اطرد حكم حروف العلة وجرى على سننها وطريقها، وأما حيث لا نقل فيكون القول في ذلك أن العين حذفت بحالها من غير قلب، ويرتفع الخلاف فيها.
وقد يظهر هذا من الفارسي إذ لم يتكلم في "الحجة" إلا في محل النقل، ولم يعرض لما لا نقل فيه.
وهذا الجواب/ أقرب من الأول إلا أنه محتاج إلى تحرير هذا النقل، وأن صاحب هذا القول يفصل هذا التفصيل، ومع هذا فإنه على خلاف الظاهر، ودعوى لا دلالة عليها إلا مجرد التأنيس بمجيء تظنيت وأملاه بمعنى تظننت وأمله.
وهذا لا ينهض أن يكون مقاوما لما ظهر؛ إذ القاعدة الحمل على الظاهر والوقوف معه حتى يدل دليل على خلافه وإن أمكن فلا ينبغي أن يصار إليه بمجرد الإمكان من غير دليل.
والله أعلم.
والخامسة، وهي مبنية على ما قبلها أن يقال: إذا قلنا بقول الفارسي فالإعلال حاصل- أعني التصريفي- بالإبدال، ثم جاء الحذف بعد ذلك لالتقاء الساكنين، فليس لباب التصريف هنا عمل إلا مجرد الإبدال، وأما الحذف فلا، كما أن حذف العين من قمت لا يعد من هذا الباب ولا يعتد به إعلالا تصريفيا، وإلا فكان يجب أن يذكر في هذا الفصل كل ما كان من الحذف لالتقاء الساكنين، ولم يفعلوا ذلك.
وأما إذا قلنا بالقول الآخر، وهو الحذف ابتداء فعلى (هذا) يكون من باب التصريف، ومن أجل ذلك ذكره الناظم هنا، وظهر بذلك اعتماده على مذهب الجمهور.
إلا أن لقائل أن يقول: قد تقدم في تعليل هذا الحذف أنه لالتقاء الساكنين، وذلك أن ظل لما صار بالإدغام كقام، إذ كان أصله ظلل، فكرهوا إظهار التضعيف، فسكنوا وأدغموا، فلما لحق الضمير لم يكن بد من تسكين اللام الثانية أيضا، فاجتمع ساكنان، فحذفوا الأول منهما لالتقاء الساكنين.
وإذا كان كذلك فليس من هذا الباب، وإنما الحذف من باب آخر، فكيف ذكر هنا، وذلك أن الحذف لالتقاء الساكنين إنما هو عارض لموجب حاضر يزول بزوال موجبه، فهو عندهم كأنه لم يحذف، ولذلك لم يذكروا في باب التصريف الحذف لالتقاء الساكنين، وأفردوه على حدة، فلم يقم- مثلا- أصله: لم يقوم، فحذفت الواو.
ولم يذكر ذلك الناظم لأنه ليس من هذا الباب، لأن هذا بصدد أن يزول إذا حركت اللام، فكذلك ظلت بصدد أن تتحرك
اللام فترجع العين (فتقول): ظلوا يفعلون، وظل زيد يفعل، كما تقول: لم تقومن، ولا تقومن، وتقوم، ونحو ذلك.
فليس بينهما في هذا الحكم فرق، فكيف يجعل الناظم هذا الحذف من هذا الباب، ولم يجعله من التقاء الساكنين؟
والجواب: أن الحذف لالتقاء الساكنين لا يكون إلا في حروف العلة أصلية كانت أو زائدة، ولا تجد حرفا صحيحا يحذف لالتقاء الساكنين إلا ما هو شاذ لا معول عليه، والتنوين: وإن حذف للساكنين فليس حذفه بالقوي، بل الشهير والمعروف حذف حرف اللين الأصلي والزائد لأجله، ومع ذلك فلشبهه بحروف اللين ومشاركته لها بالغنة التي في النون حذفت.
ولذلك حذفت نون "لم يكن" تشبيها بلم يفز، وما عدا ذلك فلم يثبت فيه هذا.
والوجه في ظللت تحريك اللام الأولى عند التقاء الساكنين وردها إلى أصلها من الكسر كما في اللغة المشهورة، لكن من قال: ظلت، استثقل ظهور التضعيف، فأراد الحذف/ فجعل الطريق إليه التشبيه بقام كما تقدم، لا أنه في الحقيقة اجتراء (على الحذف) لالتقاء الساكنين مجردا، إذ كان له مندوحة عنه، وهو التحريك.
ولهذا جعل السيرافي الحذف في أحست من أحسست لا من أحس.
فاستثقال التضعيف هو الموجب، والتشبيه بقام مرجح وسيبويه وإن اعتمد التشبيه فهو على التضعيف أيضا أشد اعتمادا، ألا ترى أنه
في آخر الإدغام إنما علل به فقال: "ومن الشاذ قولهم: أحست، ومست، وظلت لما كثر في كلامهم كرهوا التضعيف، وكرهوا تحريك هذا الحرف الذي لا تصل إليه الحركة في فعلت وفعلن الذي هو غير مضاعف، فحذفوا، (كما حذفوا) التاء من قولهم: يستطيع، فقالوا: يسطيع"... وأتم التعليل إلى آخره، فاعتمد الثقل في التضعيف هنا واقتصر عليه، وأشار إليه في الباب الآخر، وهو باب ما شذ من المضاعف، وأيضا إذا فرضنا أنه (اعتمد) على التشبيه في التعليل فليس من باب التقاء الساكنين، بل من الحذف التصريفي المشبه به، ولا يلزم من كونه مشبها به أن يكون من بابه بلا بد، بل حذفت العين حذفا لما أشبه المضاعف المعتل في باب التقاء الساكنين.. فظهر إذا أن الحذف هنا على طريقة الناظم تصريفي، وتبين وجهه.
والسادسة: أن كلام الناظم هنا يحتمل وجهين:
أحدهما أن يكون إنما قصد الكلام على هذا اللفظ بخصوصه، من حيث جاء سماعا، فلا يكون قائلا بالقياس في بابه، ويريد بقوله: استعمل، استعمال العرب، إذ لم يقل: ظلت ونحوه، ولاما يعطي معنى تعميم الحكم في أمثاله، كما قال قبيل هذا: "من كوعد"، "وفي كعدة"، فأدخل مع المثال ما أشبهه.
والثاني: أن يكون أراده وما كان نحوه، فأتى بالمثال على جهة تمثيل الأصل: ويريد بقوله: استعمل، استعمال النحويين قياسا.
فإن أراد الأول فهو مساعد لظاهر لفظه وموافق لجمهور النحويين حسب ما تقدم، إلا أنه يشاح من وجهين:
أحدهما: أن السماع لم يأت بهذا اللفظ وحده، بل جاء منه ألفاظ أخر كقولهم: ظنت في ظننت، ومست في مسست، وأحست في أحسست، أو حست (في حسست) بل هي لغة ذكرها في التسهيل منقولة عن سليم، فكيف يقتصر على نقل لفظة واحدة، فيوهم اقتصاره عدم السماع في غيرها، وذلك غير صحيح؟
وقد يجاب عن هذا بأنه لم يقصد إلى نقل مجرد السماع فقط، فإن ذلك ليس من شأن النحوي من حيث هو نحوي، لاسيما في مثل هذا المختصر، وإنما قصده نقل ما كثر استعماله من هذا الباب، فذلك قال: "استعملا"، ولم يقل: شذا ولا ندرا، ولا نحو ذلك.
ولفظ الاستعمال يعطي كثرة التداول والشياع على الألسنة، وقد جاء في القرآن الكريم كما مر، وترك ما عدا هذه اللفظة لأنه قليل في الاستعمال (إذا اعتبرته.
فإن قيل: فما فائدة ذكره وهو موقوف على السماع؟
قيل: قد جرت له عادة بذكر الألفاظ الشهيرة الاستعمال) كما فعل في إذا في باب الوقف، وحذف ألف ما الاستفهامية ونحو ذلك.
والثاني: أن القائل بالوقف على السماع في هذا وما أشبهه لا يقصره/ على مجرد ما ذكر الناظم من كونه متصلا بضمير الواحد، بل يستعمل عنده متصلا بجميع الضمائر التي يسكن لها آخر الفعل، فيقول: ظلت، وظلت، وظلتما، وظلتم، وظلتن.
وكذلك لا يقتصر فيه أيضا على الماضي دون الأمر والمضارع، بل يقول: ظلن- يا هندات- قائمات لوجود العلة الموجبة للإعلال في الجميع: وقد مر هذا في الاشتراط.
وإن أراد الوجه الثاني- وهو القياس- فليس ببعيد عن قصده، لأنه قد يمثل فقط ويريد ما كان نحوه، كما قال في باب الضمائر: "في كنته الخلف انتمى.
كذاك خلتنيه"، فإنما يعني: في كنته وما أشبهه، كذاك خلتينه وبابه، لكنه على هذا المحمل مخالف لجمهور النحويين كما تقدم، فالأول أظهر من جهة اللفظ، والثاني أظهر من جهة القصد.
وعلى هذا الثاني وقع الشرح المتقدم.
ثم قال: "وقرن في اقررن وقرن نقلا".
(ألف نقلا) ألف تثنية.
يعني أن قرن- بكسر القاف- وقرن- بفتحها- نقلا معا، وأراد أنهما معا محذوفان من المضاعف، حذفت العين منهما؛ إذ كان الأصل في قرن: اقررن، كما قال، وذكر أن ذلك نقل لا قياس بخلاف الماضي فإنه فيه قياس كما ذكر.
وقد مر ما في هذه التفرقة من النظر.
وأشار بقرن وقرن إلى ما في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، قرئ بكسر القاف وفتحها، والفتح لنافع وعاصم، والكسر لمن عداهما.
ثم في كلامه هنا إشكال من وجهين:
أحدهما: أن ظاهره أن قرن وقرن معا أصلهما اقررن، هذا الذي ذكره، وهو إما أن يكون ضبطه بكسر الراء الأولى- وهكذا ثبت في النسخ- أو بفتحها، أو بالضبطين، أما الضبطان فلا دليل عليها إذ لم ينبه على ذلك، وأما أحدهما فغير صحيح من جهة أن رجوعه لهما معا لا يصح، إذ مقتضاه أنهما معا من فعل واحد، وليس كذلك:
أما قرن- بفتح القاف- فن قررت (في) المكان- بالكسر- أقر فيه (بالفتح) فالأصل: اقررن- بفتح الراء الأولى- وهي لغة حكاها البغداديون والكسائي والأخفش وأنكرها المازني إذ لم يحفظها، ثم حذفت العين بعد أن نقلت حركتها إلى القاف وحذفت همزة الوصل لتحرك ما بعدها؛ كما تقول: سل، في تخفيف، اسأل.
وقد حمل أيضا على أنه من قررت به عينا أقر، وجرى فيه الإعلال المذكور.
لكن ضعف هذا المحمل من جهة المعنى، إذ ليس المراد: لتقر أعينكن في بيوتكن.
وأما قرن- بالكسر- فأجاز فيها الفارسي وجهين، أحدهما.
أن يكون أصله اقررن، من قررت في المكان أقر، وهي اللغة الفاشية، ثم حذفت العين بعد نقل حركتها إلى الفاء كما تقدم، وهذا هو الذي يريده الناظم (بقوله): "وقرن في اقررن"، فقيده بكونه من اقررن، أي: على أنه من هذا لا من الوجه الثاني الذي حمله الفارسي قراءة الكسر، وهو أن يكون قرن أمرا من الوقار، من وقر يقر، وأصله: اوقرن، ثم صار بحذف فائه إلى قرن، فهو إذ ذاك من المسألة الأولى من هذا الفصل، كعدن من الوعد، وزن من الوزن.
وعلى هذا الوجه لا يدخل له هنا، فلذلك تحرز بقوله: "في اقررن"، ولهذا/ السبب يتعين ضبط اقررن بكسر الراء، ويكون فيه تنبيه حسن واحتراز مليح، كأنه يقول: وقرن إذا قلنا إنه من اقررن لا إذا جعلناه من الوقار.
إلا أنه يلزم من حيث عين اقررن بالكسر أن يكون أيضا معينا للوجه الآخر؛ إذ لم يذكر له غير ذلك، وذلك غير صحيح، لأن قرن- بالفتح- ليس أصله اقررن- بالكسر- وإنما أصله: اقررن بالفتح أيضا كما تقرر.
فحصل أن هذا الكلام لا يستقيم تنزيله في الوجهين (على لغتين) كما ذكر الناس، وهو الذي لا يمكن غيره، وإنما يتنزل على واحدة، وذلك لا يصح.
والوجه الثاني من الإشكال: أنه أثبت في النقل قرن من القرار ولابد، لقوله: "وقرن في اقررن وقرن نقلا"، أي: (إن) قرن من اقررن منقول من كلام العرب.
وهذا ليس كذلك، لأن قرن إنما نقل في القرآن، وهو- كما رأيت- محتمل أن يكون أصله: اقررن- كما قال- أو يكون افعلن من الوقار، وأحد الوجهين لم يتعين بعد، فكيف يجعل قرن من القرار منقولا ثابتا، وليس كذلك، لأنه إنما يثبت إذا لم يحتمل غير ما ادعيت فيه، فلا يصح لك أن تقول في هذا إنه من القرار خاصة لا من الوقار؛ إذ لا دليل على ذلك، وإذا لم يدل عليه دليل لم يكن إذا جعلته من القرار بأولى من أن تجعله من الوقار، ولا تثبت اللغة بمثل هذا، ولا اعتماد على الاحتمال المجرد من غير دليل.
والجواب عن الأول: أن اقررن لا يرجع إليهما معا بل إلى ما قبله وحده، وإنما أتى به احترازا- كما تقدم- من أن يكون من وقر يقر خاصة؛ إذا لو لم يكن هنالك ذلك الاحتمال لم يحتج إلى الإتيان به؛ إذ معلوم أنه يتكلم فيما حذفت عينه للتضعيف، فليس قوله: "في اقررن" إلا إخراجا للوجه الآخر.
وأما قوله: "وقرن" فأطلقه علما بأنه من اقررن، إذ ليس فيه احتمال غير ذلك.
وأيضا فحذفه لدلالة نظيره عليه، وتقدير الكلام: وقرن في اقررن وقرن في اقررن.
وهذا ممكن، واتكل على أن ذلك مفهوم بأيسر النظر، فلم يحتج إلى التنصيص عليه.
والجواب عن الثاني: أنه يمكن أن يكون سمع من ذلك شيئا لا يحتمل إلا الحمل على اقررن لا على غيره، وإنا يكون الاحتمال قائما في الآية دون غيرها، فلعله اطلع على ما يتعين فيه أحد الوجهين، والجمهور لم ينقلوا قرن
وقرن إلا في الآية.
ويحتمل أن يكون حمل الآية على هذا الوجه دون الإمكان الآخر لقيام الدليل عنده على ذلك، (وذلك) أن قراءة الفتح قد ثبت فيها معنى القرار على ما تقرر؛ إذ لا يسوغ حملها على المعنى الآخر الذي هو من قرت عينه، وإذا ثبت ذلك هنالك كان الذي ينبغي في قراءة الكسر الحمل على قراءة الفتح، لأن اتفاق القراءتين وتواردهما على معنى واحد أولى من حملهما على معنيين مختلفين.
وهذا دليل يفيد هو وما كان مثله غلبة ظن، وغلبة الظن تكفي في إثبات اللغة، فلهذا حكم بأن قرن من اقررن، وبهذا ينهض جوابا في الموضع، وبالله التوفيق.
وهنا انتهى ما قصد ذكره من التصريف، ثم أخذ في ذكر تكملته فقال: