شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 505-544

اضرب أيهم قام أبوه أو اضرب أيهم هو قائم، فلابد من الإعراب أيضا، ووجه ذلك أن المضافة إليه أي لم يتنزل منزلة جزء من الصلة إذ لم يحذف منها شيء فلم تسلب سبب الإعراب وهو الإضافة، وأيضا فلم تخالف سائر أخواتها بحذف الضمير المبتدأ من صلتها، فلم تستحق بناء لأجل ذلك، فهاتان الصورتان بينتا مراده بقوله: (ما لم تضف وصدر وصلها ضمير أنحذف)، ولم يبق من صور المسألة إلا صورة واحدة وهي أن تكون "أي" مضافة وصدر وصلها ضمير أنحذف وهي التي نفاها الناظم بحرف "لم" عن أن تكون معربة، ففهم أنها هنالك عنده فتقول: اضرب أيهم قائم وأكرم أيهم أفضل، وفي القرآن الكريم: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾، وأنشد أبو عمرو الشيباني: إذا ما أتيت بني مالك... فسلم على أيهم أفضل وما ذهب إليه من البناء هو مذهب سيبويه ومن قال

بقوله ووجه البناء فيها عنده أنه لما حذف الضمير المبتدأ من صلتها وكان ذلك فيها حسنا بخلاف سائر أخواتها فإنها لا يحسن فيها ذلك فلا تقول: جاءني الذي أفضل إلا نادرا، وتقول: اضرب أيهم أفضل في شائع الكلام خالفوا بإعرابها حيث استعملوها على غير ما استعملوا عليه سائر أخواتها، كما أنهم قالوا: يا الله، فلم يحذفوا ألفه لما خالف في استعمالها سائر ما فيه الألف واللام، وعلل ذلك غيره أن حذف شطر صلتها لم يحسن فيها إلا تنزيل ما أضيفت (إليه بمنزلة) ما حذف، وذلك يستلزم حينئذ تنزلها منزلة غير مضاف لفظا ولا نية، وإنما أعربت لإضافتها، فإذا صارت بمنزلة غير المضاف ضعف موجب الإعراب فرجعت إلى البناء الذي هو أصلها، فعلى هذا الوجه موجب بنائها هو شبه الحرف الذي استقر لها أولا، فيرجع إلى

الافتقار الأصيل.
وذهب الخليل ويونس إلى أن أيا على حالها من الإعراب ولا بناء فيها البتة وما جاء مما ظاهره البناء فهو على غير البناء، فأما الخليل فحمل الآية ونحوها على الحكاية.
فإذا قلت: اضرب أيهم أفضل، فهو على معنى اضرب الذي يقال له: أيهم أفضل، وشبهه بقول الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة بمنزل... فأبيت لا حرج ولا محروم وكان الأصل أن يقول: "فأبيت لا حرجا ولا محروما" إلا أنه حمله على معنى فأبيت يقال في: لا حرج ولا محروم أو يكون لا حرج ولا محروم مبتدأ خبره محذوف أي بالمكان الذي أنا فيه والجملة خبر "أبيت"، وهي حكاية أيضا، واستبعده سيبويه، لأن الحكاية في مثل هذا إنما تجوز مع التسمية وليس هذا منها، أو في الشعر كقوله: وكانت كليب خامري أم عامر قال سيبويه: ولو اتسع هذا لجاز أن تقول: اضرب الفاسق الخبيث، تريد: الذي يقال له: الفاسق الخبيث.

وأما يونس: فحمل ذلك على تعليق الفعل، فإذا قلت: اضرب أيهم أفضل/ فهو على أن علق اضرب عن العمل بمنزلة تعليق "اشهد" في قوله: أشهد أنك لمنطلق.
قال سيبويه: لا يشبه أشهد أنك لمنطلق، قال في الشرقية: لأن ما بعد أشهد كلام مستغن، ورد ابن مالك عليهما معا بقوله: فسلم على أيهم أفضل قال: لأن حرف الجر لا يعلق عن مجرورة ولا يضمر قول بينهما، وإذا بطل التعليق وإضمار القول تعين البناء، إذ لا قائل، بخلاف ذلك، وفي ضمن هذا الكلام جواز حذف الضمير العائد على "أي" من صلتها إذا كان صدرا فيها، لأنه بنى حكم البناء على ذلك وأثبته، فدل على أن حذف هذا الضمير ثابت أيضا، وقد تقدم أن حذف الضمير هو السبب في بناء أي، فالحذف إذا في القوى في درجة البناء، والبناء مشهور في كلام العرب، ليس من الشاذ ولا القليل، فكذلك حذف الضمير ليس من القليل أيضا.
وقد تعين من سياق كلامه وتقسيمه أن هذا الضمير المحذوف ضمير رفع، لا ضمير نصب ولا جر، من جهة أنه تكلم بعد على ضمير النصب وضمير الجر، وهنا تكلم على ضمير لم يعينه، فدلت قوة التقسيم على أنه ضمير رفع والضمير العائد على الموصول قد يكون ضمير رفع، وقد يكون ضمير نصب، وقد يكون ضمير جر، وكل واحد من هذه الأقسام قد يجوز حذفه وقد يمتنع، فلا بد من ذكر

مواضع جواز الحذف وتمييزها عن غيرها، فأما ضمير الرفع وهو الذي أشار إليه فيجوز حذفه إذا وقع صدر الصلة ولا يكون كذلك إلا مبتدأ نحو: اضرب أيهم هو قائم؛ وهذا في أي، وأما غيرها فسيذكرها، فإذا حذفت الضمير قلت: اضرب أيهم قائم، وقد تقدم وجه البناء، وحصل من كلامه هنا حكمان: أحدهما: جواز الحذف مطلقا كانت "أي" مضافة أم لا، إذا أعربت.
والثاني: لأنه حذف و "أي" مضافة فلابد من البناء على اللغة الشهري وأما الحكم الثاني فظاهر، وأما الأول ففيه نظر من جهة إطلاق الجواز، إذ الجواز الحسن المطلق إنما هو مع إضافة أي، وأما مع فقد الإضافة فلا، بل هو من قبيل النزر القليل، كالحذف في قولك: مررت بالذي قائم.
قال ابن الحاج: وتقول في أي المضافة: اضرب أيهم هو أفضل تعرب وتثبت الضمير.
قال: ولا يجوز حذفه إلا كما يجوز في الذي، يعني إذا قلت: اضرب الذي أفضل، ومثل ذلك قال في غير المضافة.
قال: فالموضع الذي يحذف فيه الضمير من أي هو حال بنائها خاصة، أعني الحذف الذي لا ضعف فيه وهو خاص بها من بين أخواتها وما عدا ذلك من مواضعها لا يجوز حذف الضمير فيه إلا كما يجوز من سائر أخواتها، وكذلك زعم أن من أعرب مطلقا فليس حذف الضمير عنده إلا كحذفه من غيرها، واستشهد على ما قال بكلام النحويين، فذكر الأخفش في "الأوسط" أن كل موضع تقع فيه أي ويقبح فيه من والذي، فأي فيه مضموم أبدا، ثم قال: وإن شئت نصبت هذا وقلت: هو

بمنزلة اضرب الذي أفضل لو كان يتكلم به، وقال سيبويه بعد ما تكلم على الآية: ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد، وأما الذين نصبوه فقاسوه وقالوا: هو بمنزلة اضرب الذين أفضل، فنص كما ترى على التسوية بينهما.
وقال الزجاج في الآية والنصب حسن، وإن كنت قد حذفت هو؛ لأن هو قد يجوز حذفها، فقد قرئ ﴿تماما على أحسن﴾، وقال سيبويه في اضرب أيا أفضل ويقيس على الذي يعني في حذف/ الضمير، فجعل حكم أي حكم الذي.
وقال الزجاج أيضا في "ألمنتخب" وهو الذي اختصر منه أبو القاسم كتاب "الجمل": إذا وصلت أيا باسم واحد بنيتها لأنك وصلتها بما لا يوصل به الذي إلا مستكرها قال: ومن أجاز ذلك قال ابن الحاج: يعني في الذي أعرب أيا هنا فقال: لأقصدن أيهم قائم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد﴾ بالنصب.
هذا ما ذكر ابن الحاج ونقل عن غيره وقال: على هذا ينبغي أن يحمل كلام النحويين في هذا إذا جاء شيء منه، واعترض على نفسه بقول سيبويه في قراءة النصب حين حكاها عن الكوفيين، وهي لغة جيدة فاستجداها ولم يجعلها ضعيفة، والضمير محذوف، وهي لغة جيدة فاستجادها ولم يجعلها ضعيفة، والضمير محذوف، وأجاب عن ذلك بأنه يعني نصب أي وإعرابها لا حذف الضمير.
قال: فكان إبقاء أي على إعرابها مع حذف

الضمير يتصف بالجودة بالإضافة إلى بنائها الذي يبعد توجيهه ويقل في السماع وجوده، حتى إن الكوفيين وهم أهل السماع أنكروه وقال الجرمي: خرجت من الخندق- يعني خندق البصرة- حتى (صرت) إلى مكة لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيهم فضل، كلهم ينصب.
قال: أو نقول: إنما جاز لسيبويه أن يصف ذلك بالجودة مع حذف الضمير لما فيه من الطول هذا ما قال.
وهو جار على ظاهر كلام سيبويه فإذا تقرر هذا فكلام الناظم نأى عن طريقة النحويين حيث أطلق جواز حذف المبتدأ من صلة أي ولم يفصل الأمر فيه كما فصله في غير أي، إلى ما كان فيه الوصل مستطالا وإلى ما لا فهو إذا معترض، والاعتذار عنه أن هؤلاء المتأخرين ظاهر كلامهم عدم التفصيل في صلة أي خصوصا، فإن الصلة عندهم قد طالت بالمضاف إليه أي، وذكر ابن خروف في "شرح الكتاب" أن أيا إذا حذف ضميرها فيها وجهان، فبعضهم يبنى وهو الأكثر وبعضهم يعرب، وظاهر هذا أن إعرابها مع حذف الضمير ليس على حد "ما بعوضة"، وأيضا إذا كان طول الوصل هو المحسن فقد لزم أيا للطول، فما الحاجة إلى التفصيل مع أن الذي عنده إذا طالت صلتها تلحق بأي في حسن الحذف، وكذلك "من" و "ما" ونحوها.
وقد أجاز ابن الحاج أن تكون استجادة سيبويه النصب مع الحذف للطول الذي في صلة أي، فهو إذا موافق له لا مخالف، فهو إذا موافق له لا مخالف، ويتفق عند ذلك كلامه وكلام

من نقل عنه ابن الحاج تلك الطريقة والله أعلم.
وهنا مسألتان: إحداهما: أن بناء أي حيث بنيت إنما يكون على الضم، وليس في كلام الناظم ما يشعر بذلك، وإنما أتى بما يفهم منه البناء مطلقا من غير أن يعين خصوص الحركة المبنى عليها، وكان من حقه ذلك ولا جواب لي على هذا الاعتراض.
والثانية: أن ظاهر كلامه أن أيا إذا لم تضف فهي باقية على موصوليتها، وهو ظاهر كلام غيره أيضا، وزعم ابن خروف أنها إذا قطعت عن الإضافة نكرة موصوفة لا موصولة، وحمل كلام سيبويه على ذلك وقال: إنما هي عنده نكرة موصوفة بمنزلة/ "من" على القياس، فنصب وجر في موضع النصب والجر.
قال: ولو جعلها موصولة للزم البناء لما ذكر، ثم حكي عن شيخه أنه قال: ولا أمنع أن يدخل التنوين في المعرفة إذا كانت بلفظ النكرة من حيث لم يوصف كل بمعرفة قال: وقد يقول القائل: إن أيا في الاستفهام وبمعنى الذي قد تكون معرفة ونكرة، وان التنوين فيه بدل من الإضافة في اللفظ فيكون كل وبعض، وما قاله ابن خروف خلاف ظاهر سيبويه فتأمله في موضعه، فإن الظاهر أنه لا دليل فيه على ما زعمه ابن خروف وثبت ما ظهر من الناظم وغيره.


ثم ذكر في أي وجها آخر فقال: وبعضهم أعرب مطلقا وفي... ذا الحذف أيا غير أي يقتفى إن يستطل وصل وإن لم يستطل... فالحذف نزر وأبوا أن يختزل إن صلح الباقي لوصل مكمل... والحذف عندهم كثير منجلى في عائد متصل إن انتصب... بفعل أو وصف كمن نرجو يهب الضمير في بعضهم يحتمل بحسب اللفظ وجهين: أحدهما: - وهو الظاهر من مقصده- أن يكون عائدا على العرب، فيعنى أن بعض العرب أعرب "أيا" على الإطلاق، يريد سواء حذف المبتدأ من صلتها، أم لا، فالإطلاق مشار به إلى نفي التقييد المتقدم في اللغة الأخرى، فتقول: على هذا اضرب أيهم أفضل، وامرر بأيهم هو أفضل وما أشبهه ذلك، ولما حكي سيبويه أن ناسا يقرءون، ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ يعني بالنصب قال: وهي لغة جيدة فأثبتها لغة لبعض العرب.
قال السيرافي: الذي قرأه منهم معاذ بن مسلم الهراء وهو من

رؤسائهم في النحو.
قال: وروى أيضا عن هارون القارى.
وقراءة النصب هي القياس والأصل والاستعمال في أي الموصولة والشرطية والاستفهامية.
قال سيبويه: وسألت الخليل- رحمه الله- عن قولهم: اضرب أيهم أفضل، فقال: القياس النصب، كما تقول: اضرب الذي أفضل، لأن أيا في غير الجزاء والاستفهام بمنزلة "الذي"، كما أن "من" في غير الاستفهام والجزار بمنزلة "الذي".
والثاني: أن يريد إعادة الضمير على النحويين لا على العرب، كأنه قال: إن بعض النحويين أعرب "أيا" مطلقا ولم يحكم ببنائها البتة في موضع من المواضع، وهذا الخلاف يتصور على مذهبين: أحدهما: مذهب الكوفيين المانعين من ضم أي على الإطلاق إلا في موضع الرفع حذفوا العائد من الصلة أم لا، وذلك أنهم لم يسمعوا البناء فيها وإن حذف المبتدأ من صلتها، وأيد ذل ما روى عن الجرمي قال: خرجت من

الخندق- يعني خندق البصرة- حتى (صرت) إلى (مكة) لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيهم أفضل بل كلهم ينصب.
وأما الآية فتأولوها/ على ما يوجب رفع أيهم بالابتداء وأشد خبره.

فقال الكسائي والفراء إن "لننزعن" مكتفية بمن كقوله: قتلت من كل قبيلة وأكلت من كل طعام، ولا تذكر منصوبا اكتفاء بالمجرور، وجاء قوله: "أيهم أشد" مبتدأ وخبرا، وقد قيل: إن الطالب لأيهم قوله: "شيعة" لما فيه من معنى الفعل، وكأن المعنى من كل قوم شايعوا لينظروا أيهم أشد، لأن المشايعة في أيهم أشد تقتضى النظر الذي يعلق فعله عن الاستفهام وهذا كله تكلف والذي يرد عليهم أمران: الأول: حكاية سيبويه الضم عن العرب، لأنه قال: وسألته عن قولهم: اضرب أيهم أفضل وأجابه بالحكاية، وذلك دليل على أنه من كلامهم، وقال: أيضا ومن قال: امرر على أيهم أفضل قال: امرر بأيهم أفضل.
والثاني: أنه إن تأتى للكوفيين التأويل في الآية على ظهور التعسف في ذلك، فلا يتأتى لهم مع حرف الجر كالمثال الذي حكاه سيبويه آنفا وقاس عليه وأيضا ما حكي أبو عمرو الشيباني عن أحد من يأخذ عنه اللغة أنه أنشد: إذا ما أتيت بني مالك... فسلم على أيهم أفضل

والمذهب الثاني: مذهب الخليل ويونس فإن حاصل مذهبهما أنهما لا يثبتان في الموصولات أيا مبنية، بل يتأولان ما جاء من ذلك ويحملانه على أنه أيا فيه استفهامية لا موصولة، إما محكية بالقول على رأي الخليل، وإما على التعليق عند يونس.
فإن قيل: فالظاهر إذا أن هذا المذهب متحد مع مذهب الكوفيين؛ لأن الجميع لا يقولون بالبناء.
فالجواب: أن الأمر كذلك إلا أن الفرق بين المذهبين من جهة أخرى، وهي أن الكوفيين على ما يفهم من النقل عنهم أنهم لا يرفعون "أيا" على ذينك التأويلين، وإنما قصدهم دفع ما جاء من ذل على غير الإعراب الصحيح، فلا يقولون قياسا على الآية: انزع أيهم أفضل، ولا اضرب من الشيع أيهم أفضل، ولا ما كان نحو ذلك: وأما الخليل ويونس فإنهما يقيسان على ما جاء من ذلك ويتأولانه على ما تأولا عليه المسموع.
ألا ترى أن سيبويه حكي عنهما القياس في غير موضع السماع فقال: ومن قولهما: اضرب أي أفضل.
يريد: على مقتضى تأويلهما، ومن هنا نسب ليونس أن التعليق في غير أفعال القلوب جائز مطلقا، فهذا فرق ما بينهما، فلأجل ذلك حكيا مذهبين مع اتفاقهما على إنكار البناء، وعلى أن أيا في ذلك المسموع استفهامية والله أعلم.
ثم قال: (وفي ذا الحذف أيا غير أي يقتفى إن يستطل وصل) (أيا) مفعول بقوله: (يقتفى) و (غير) مبتدأ خبره (يقتفى) وفي هذا البيت

وجهان من الإعراب ممنوعان عند النحويين أحدهما قوله: (إن يستطل وصل) فأتى بالمضارع مصاحبا لأداة الشرط، والجواب مقدم وهذا غير جائز إلا في الشعر كقوله أنشده أبو عبيد وغيره: فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت... فطعنة لا غس ولا بمعمر والثاني: تقديمه معمول الخبر على المبتدأ في قوله: (وفي/ ذا الحذف أيا غير أي يقتفى) فقدم المجرور والمنصوب والعامل فيهما (يقتفى) وهو خبر المبتدأ الذي هو (غير) والقاعدة أن المعمول لا يتقدم إلا حيث يصح تقدم العامل، والعامل هنا لا يتقدم، لأنه فعل فاعله ضمير المبتدأ، وقد نص هو على امتناع هذا والاعتذار عن الأول أنه اضطر فاستباح ما يباح مثله في الضرورة، وعن الثاني قد تقدم قبل في قوله: (ونحو ضمنت إياهم الأرض الضرورة اقتضت) ويقتفى معناه يتبع.
يقال: اقتفين أثره وتقفيته وقفوته، والمصدر من هذا الأخير قفوا وقفوا وقفيت على أثره بفلان أي: أتبعته إياه.
وأستطيل الشيء يستطال، بمعنى أنه وجد طويلا فاستغفل هنا لمعنى إلفاء الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولك: استحسنته واستقبحته واستصغرته واستكثرته

وذلك إذا وجدته حسنا أو قبيحا أو صغيرا أو فظيعا أو كثيرا، ويريد أن ما سوى "أي" من الموصولات التي توصل بالجمل يتبع أيا في الحذف المتقدم وهو الذي أشار إلى جوازه من غير ضعف ولا قبح، لكن بشرط أن تكون الصلة طويلة، فإن أيا إنما حسن الحذف المذكور فيها بسبب طول صلتها بما لزمها من الإضافة، فإذا وجد سبب الحسن في غيرها جرى فيه ما جرى فيها.
فإذا قلت: أنا الذي هو ضارب زيدا غدا، حسن هناك حذف "هو" فتقول: أنا الذي ضارب زيدا غد، وعليه حكاية الخليل: ما أنا بالذي قائل لك سوءا أراد بالذي هو قائل لك شيئا، ومنه ما قال الأعشى: فأنت الجواد وأنت الذي... إذا ما النفوس ملأن الصدورا جدير بطعنة يوم اللقا... ء تضرب منها (النساء) النحورا أراد: وأنت الذي هو جدير بذا فطالت الصلة بمعمول الخبر وبالظرف وما بعده وهذا كله في الضمير إذا كان مبتدأ على حد ما كان في أي، يدل على ذلك قوله: (وفي ذا الحذف) أي: المعين الذكر في أي وذلك قوله: (وصدر وصلها ضمير أنحذف) وهو شرط من الشروط اللازمة في

الجميع، فإنه إن لم يكن كذلك لم يجز حذفه وذلك إذا كان فاعلا أو ما أشبه الفاعل وهو المفعول الذي لم يسم فاعله أو اسم "كان" وأخواتها أو "إن" أو "ما" وأخواتهما أولا أو ما أشبه ذلك، فمثل هذا لا يجوز حذفه من صلة "أي" فكذلك حذفه من صلة غيرها، ويزيد غير أي شرطا ثانيا وهو طول الصلة كما ذكر، وإن لم تطل الصلة، فلا يحسن الحذف بل يكون نادرا وذلك قوله: (وإن لم يستطل فالحذف نزر) يعني أن الوصل إن لم يكن مستطالا فحذف الضمير الواقع مبتدأ في الصلة قليل، كما تقول: جاءني الذي قائم، أي الذي هو قائم، ومنه قراءة ابن أبي عبلة والضحاك ورؤية بن العجاج: ﴿إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة﴾ الآية برفع (بعوضة) أي: الذي هو بعوضة، وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: ﴿تماما على الذي أحسن﴾، أي: الذي هو أحسن وهذا أمثل شيئا مما قبله لأن أفعل طالب في المعنى للمضاف/ إليه فأكسب الوصل بذلك طولا.
وقرأ أبو رجاء: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ بكسر لام "لما" وتخفيف الميم، أي: الذي هو متاع الحياة الدنيا، ومنه

في أحد الوجهين قوله- أنشده ابن جنى-: لم أر مثل الفتيان في غبن... الأيام ينسون ما عواقبها وهذا كله قليل، فمن هنالك قال الناظم: (وإن لم يستطل فالحذف نزر) والنزر القليل التافه وقد نزر الشيء- بالضم- نزارة، وعطاء منزور، أي قليل.
ويرد على الناظم في هذه المسألة سؤالان: أحدهما: أنه أطلق القول بجواز الحذف فيما إذا طالت الصلة في غير أي ولم يقيد ذلك بقلة فاقتضى أن الأمر في ذل كأي، وليس ذلك كذلك، بل الذي عليه النحويون أن الصلة إذا طالت فالحذف ضعيف والمشهور هو الإثبات.
قال سيبويه: وزعم الخليل- رحمه الله- أنه سمع غربيا يقول: "ما أنا بالذي قائل لك شيئا" قال: وهذه قليلة هكذا ثبت في النسخة الشرقية قال: ومن تكلم بهذا فقياسه اضرب أيهم قائل لك شيئا.
قلت: أفيقال: ما أنا بالذي منطلق؟ فقال: إذا طال الكلام فهو (أمثل قليل) كأن طوله عوض من ترك هو.

قال: وقل من يتكلم بذلك، يعني وقل من يتكلم بنحو ما أنا بالذي قائل لك شيئا وقوله: فهو (أمثل قليلا)، يعني أن مررت بالذي منطلق دون درجة الطويل وليس يبلغ ذلك أن يكون أحدهما ممتنعا والآخر سائغا جائزا، بل كل ما يقول العالم فيه أنه أمثل من الممتنع قليلا فإنما يقصد به توهين الضعف وتهوين القبح لا التسويغ المطلق وعلى هذا كلام النحويين، والحاصل من كلامهم أن حذف المبتدأ من صلة غير أي قليل ضعيف على الإطلاق، إلا أن الصلة إذا طالت كان أسهل، وإنما أطلق القول بالجواز ابن عصفور ورد عليه الناس، فإذا كان الناظم متبعا له فيما اعترض عليه فيه توجه الرد عليه أيضا.
والثاني: أن قوله: (فالحذف نزر) أي: قليل، يقتضى القياس على قلة على طريقته المنبه عليها، وقد منع غيره هذا القياس وجعله من الشاذ الذي لا يقاس عليه، وممن ظهر منه المنع ابن جنى قال في: "سر الصناعة" إذا طال الكلام جاز فيه من الحذف ما لا يجوز فيه إذا قصر.
ألا ترى إلى ما حكاه الخليل عنهم من قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئا.
ولو قلت: ما أنا بالذي قائم لقبح، ثم تأويل: "ينسون ما عواقبها" على أن "ما" استفهامية وجعله أوجه من الموصولة لقلة ﴿تماما على الذي أحسن﴾.

وصرح ابن عصفور بعدم الجواز أيضا فكان من حق الناظم أن يأتي بلفظ لا يدل على القياس، والجواب عن الأول: أن النحويين إن ظهر منهم تضعيف الحذف مع الطول فليس عنده بضعيف، بل هو عنده جائز كأي والذي جرأه على هذا الرأي مجيئه في القرآن كما تقدم في الآيات المذكورة، وأيضا قد جاء على قراءة الجماعة وذلك قوله تعالى: "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" فإنه على تقدير: وهو الذي هو في السماء إله وفي الأرض/ إله، وفي حرف/ أبي: وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله، وهو كالأول، فالصلة هنا لما طالت بالمجرور، وكان آتيا في القرآن في مواضع كان الأولى القول بالجواز الحسن وعادة الناظم القياس على ما جاء في القرآن والاعتماد عليه وعدم تضعيفه، وسيأتي من ذلك موضع ينبه عليها إذا تصدت بحول الله ومشيئته وهي قاعدة من قواعده التي استبد بها دون غيره وللتنبيه على ما فيها موضع غير هذا.
والجواب عن الثاني أن كلام الجمهور على أنه من قلته منقاس فقد قاس سيبويه على ما جاء منه في مواضع في باب "أي" وإن نص على قبحه وقلته وذكر في باب "من وما" شيئا من ذلك وجعل قوله.
فكفى بنا فضلا على من غيرنا فرفع "غير" أجود من الجر، والجر جائز في الكلام على أن

تكون "من" نكرة موصوفة، فالرفع على أن "من" موصولة مع حذف المبتدأ من صلتها أولى من الجواز ونص الفراء أيضا على مثل ما نص عليه سيبويه وأجاز هو والزجاج الرفع في قوله: "مثلا ما بعوضة"، قال الزجاج: الرفع في بعوضة جائز في الإعراب ولا أحفظ من قرأ به.
قال: ومن قرأ: ﴿تماما على الذي أحسن﴾ جاز أن يقرأ: "ما بعوضة" ولكنه في الذي أقوى؛ لأنه أطول.
ونص ابن السراج على ذلك أيضا ولا يكاد يخالف في هذا أحد، فالذي ينبغي إذا ورد في هذه المسألة عن أحد من النحويين عدم الجواز أنه إنما يريد نفى الجواز الحسن لا نفي الجواز مطلقا، وكلام ابن جنى محتمل يصح حمله على هذا، وأما كلام ابن عصفور فنص في المخالفة للجمهور فلا اعتبار به والله أعلم.
واعلم أن المؤلف في "التسهيل" وشرحه نقل عن الكوفيين عدم اعتبار هذا الشرط الثاني للحذف وهو طول الصلة، بل أطلقوا الجواز في غير أي على حده في أي، فإن كان ما نقل على ظاهره من التسوية في رتبة الحذف بين أي وغيرها طالت الصلة أو لا، فما أورده هنا من التفصيل ظاهر في

مخالفتهم، والسماع مع البصريين لقلة الحذف عند العرب مع غير أي كما تقدم، وإن أراد أنهم يطلقون القياس في الجميع فلا مخالفة بينهم وبين البصريين؛ لأن البصريين يقولون بالقياس في أي وغيرها، لكن الجواز عندهم على مراتب في الحسن والقبح، فليحقق النقل عن الكوفيين في المسألة.
ثم أتى بشرط ثالث عام في أي وغيرها فقال: (وأبوا أن يختزل إن صلح الباقي لوصل مكمل) الضمير في أبوا عائد على النحويين، يعني أن النحويين امتنعوا من أن يحذف الضمير المرفوع المبتدأ إن كان ما بقى من الصلة صالحا للاستقلال والاكتفاء به في الوصل، فتكون الصلة به كاملة، والذي تكون فيه الصلة كاملة الظرف والمجرور والجملة اسمية أو فعلية، فإذا وقع شيء من ذلك خبرا للضمير المبتدأ لم يجز حذفه فتقول: أعجبني الذي هو في الدار والذي هو عندك والذي هو أبوه قائم والذي هو يقوم، فلو حذفت الضمير هنا فقلت: أعجبني الذي في الدار والذي هو عندك والذي هو أبوه قائم والذي هو يقوم، فلو حذفت الضمير هنا فقلت: أعجبني الذي في الدار والذي عندك والذي أبوه قائم والذي هو يقوم، فلو حذفت الضمير هنا فقلت: أعجبني الذي في الدار والذي عندك والذي أبوه قائم والذي أبوه يقوم كان/ ما بقى صالحا لأن يكون صلة تامة، ولم يبق دليل على المحذوف فلا يجوز الحذف لذلك، وكذلك إذا قلت: أعجبني الذي هو وجهه حسن، فجعلت وجهه بدلا من هو، وكذلك أعجبني الذي هو ماله كثير، والذي هو رجله مريضة وما أشبه ذلك من الصلات واقتضى هذا الشرط مفهوما مقصودا له، وهو أنه إذا لم يصلح الباقي لوصل مكمل لم يمتنع الحذف كما تقدم من الأمثلة في أي

ونحوها نحو: اضرب أيهم أفضل واضرب الذي ضارب أخاه عنده واضرب الذي قائم، فإن هذه الأشياء الباقية من الصلة لا تصلح لأن تكون صلات مستقلة فجاز الحذف للدلالة على المحذوف وهو ظاهر إلا أن إطلاقه معترض بمسائل يكون الوصل فيها إذا حذف منه الضمير المذكور لا يصلح الاستقلال مع أنه غير جائز، فمن ذلك الضمير إذا أبدل منه بدل الشيء من الشيء نحو أعجبني الذي هو عمرو منطلق، فلا يجوز حذف الضمير هنا وإن كان الباقي لا يصلح للوصل المكمل لما كان الضمير غير مدلول عليه، ومن ذلك أن يعطف على الضمير نحو: أعجبني الذي هو وعبد الله قائمان، فلا يجوز هنا أن تقول: الذي وعبد الله قائمان، مع أن ما بقى لا يصلح لوصل مكمل إذ لا يصلح العطف على معدوم، ومن ذلك أن يؤكد الضمير أيضا نحو: أعجبني الذي هو نفسه منطلق، فلا تقول: الذي نفسه منطلق، لأن حذف المؤكد مع بقاء المؤكد نقض للغرض، ومن هنا حكى ابن جنى عن البصريين منع الذي ضربت نفسه زيد، تريد ضربته وسينبه عليه إن شاء الله.
وقد يجاب عن هذا بأن المسألة الأولى إذا حذف منها الضمير لم يدل عليه دليل، وإذا كان غير مدلول عليه عريت الصلة من ضمير عائد على الموصول وهو قد قال قبل: (على ضمير لائق مشتملة) فاشترط وجود الضمير حقيقة أو حكما ومسألتنا ليست من ذلك، إذ ليس فيها ضمير منطوق به ولا مقدر، إذ لا دليل عليه وإلا، فلو جاز تقدير ما لا دليل عليه لجاز أن تقول في الكلام: أعجبني الذي أخوك منطلق، والعرب لا تقول مثل هذا البتة، وأما مسألة العطف فقد أجاز ابن السراج أن تقول: الذي وعبد الله ضاربان لي

أخوك، لكنه استقبحه من جهة العطف على معدوم، وأجازه الفراء مطلقا ونص الرماني أيضا على الجواز على الجملة، وإذا كان جائزا عند بعضهم لم يتمكن الاعتراض به، وليس في المنع كالذي قبله لأن دليل المحذوف هنا موجود، وأما مسألة التوكيد فقد يقال: إنها مثل مسألة العطف وهو نص الرماني، وأجازه الفراء في التوكيد بأجمعين أيضا.
وقال الرماني: واختلفوا في النسق على المحذوف في الصلة والتأكيد كقولك: الذي نفسه قائم زيد والذي وعمرو قائمان زيد، فأجازه الأخفش ونفاه ثعلب وابن السراج، فمن أجازه ذهب إلى أن المحذوف قد علم واطرد به الباب فجاز فيه القياس لأجل الاطراد، ومن نفاه ذهب إلى أن النسق نظير التثنية، فلا يصح في حقيقة المعنى حتى يكون اثنان فأما واحد فيقدر تقدير اثنين (فلا يجئ منه) تثنية إذ أحدهما/ مقدر والآخر محقق، وكذلك لا يؤكد، لأنه بالذكر أحق، هذا ما قاله (قد يقال: إن الأول- وهو الجواز- أولى)، لأن دليل الحذف موجود وهو نفسه، إذ هو لازم للتبعية فلا يلي العوامل فصار في درجة حرف العطف اللهم إلا أن يكون مثل كل وكلا أو نحوهما مما يصح ولايته العوامل.
فهنا لا يجوز الحذف إذ يصلح الباقي لوصل مكمل نحو: الذين هم كلهم قائمون بنو تميم، فلا يجوز هنا حذف "هم" لما ذكر، فهذا مما يتمشى عذرا للناظم والسؤال وارد عليه في "التسهيل" أيضا، ويختزل معناه ويحذف.
قال الجوهري: الاختزال: الاقتطاع.

يقال: اختزلته عن القوم إذا اقتطعته عنهم.
وقال صاحب المحكم: الاختزال: الحذف، استعمله سيبويه كثيرا ولا أعلم ذلك عن غيره.
ولما أتم الكلام على حكم الحذف في الضمير المرفوع شرع بعد ذلك في الضمير المنصوب بالنسبة إلى حكم الحذف فقال: "والحذف عندهم كثير منجلى في عائد متصل) إلى آخره، يعني أن حذف الضمير العائد من الصلة على الموصول كثير في كلام العرب بحيث يصلح القياس عليه، (منجلى) أي: ظاهر المعنى مدلول عليه إذا كان منصوبا لكن بشرطين: أحدهما: أن يكون متصلا، يعني أن يكون من الضمائر المتصلة لا من المنفصلة فإنه إن كان منفصلا لم يجز حذفه، كما إذا قلت: أعجبني الذي إياه ضربت فلا يحذف إياه، لأنه يصير غير منجل لإيهام كونه متصلا، لو قلت فيه: أعجبني الذي ضربت، إذا يوهم أنك أردت ضربته، وكذلك لو قلت: أعجبني الذي ما أكرمت إلا إياه، لم يصلح هذا الحذف البتة لبناء الكلام على ذكره.
والشرط الثاني: أن يكون منصوبا بفعل أو صفة، فإن كان منصوبا بغير ذلك لم يجز حذفه كالمنصوب بإن وأخواتها كقولك: أعجبني الذي إنه قائم أو الذي كأنه أسد وما أشبه ذلك، لأن "إن" وأخواتها لا تستغنى عن معموليها كسائر الحروف، فإذا اجتمع الشرطان فيقتضى كلام الناظم إطلاق جواز

الحذف نحو ما مثل به في الفعل من قوله: (كمن نرجو يهب) تقديره: من نرجوه يهب.
ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾، وقوله: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾، ومما قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾، وقوله: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس﴾، قرأ بالحذف فيهما أبو بكر وحمزة والكسائي ووافقهم في الثاني ابن كثير وأبو عمرو ومثله كثير جدا.
وأما النصب بالوصف فقولك: أعجبني الضارب زيد، تريد: الضاربه زيد وأعجبني الغلام الذي معطيك عمرو، تريد: الذي معطيكه عمرو وأنشد المؤلف على الأول قول الشاعر: وليس من الراجي يخيب بماجد... إذا عجزه لم يستبن بدليل أي: من الراجيه، وقال الآخر: ما المستفز الهوى محمود عاقبة... ولو أتيح له صفو بلا كدر وعلى الثاني قول الآخر: ما الله موليك فضل فاحمدنه به... فما لدى غيره نفع ولا ضرر

وفي هذين الموضعين يتعين نصب ما اتصل/ من الضمائر بالصفة وذلك حيث يتصل بالتي فيها الألف واللام وحيث يتصل بضمير متصل بها، أما هذا الثاني فباتفاق إذ لا يخفض بالإضافة إلا اسم واحد، وأما الأول فعلى مذهب سيبويه، وهو الظاهر من الناظم هنا، لأنه جعل الضمير المتصل بما ليس فيه ألف ولام من الصفات مجرورا في البيت الذي يلي هذا، فدل على أن ما عداه ينصب ما بعده، والمسألة مختلف فيها.
فإذا قلت: زيد أن ضاربه أو زيد أنا الضاربة، ففي موضع الهاء من الإعراب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الهاء في موضع نصب على الإطلاق كانت الصفة بالألف واللام أولا، وهو رأى الأخفش ونقل عن هشام الكوفي.
والثاني: أنها في موضع جر مطلقا، وهو رأى الجرمي والمازني والمبرد.
والثالث: أن الضمير معتبر بالظاهر، فإذا كان الظاهر عند وقوعه هنالك مجرورا لا غير فالضمير كذلك، أو منصوبا ليس إلا فالضمير مثله، أو جائزا فيه الوجهان فيجوز في الضمير الوجهان وهو ظاهر الناظم كما تقدم، ويحتمل من حيث اللفظ أن يؤخذ له مذهب الجرمى ومن وافقه فيدخل له في البيت الثاني كهذا ما فيه الألف واللام، ويريد بقوله هنا: أو "وصف" العامل في المفعول الثاني مع إضافته للأول نحو: المعطكيه والاحتمال الأول أرجح وهو الذي ذهب إليه في غير هذا النظم وبقى على كلام الناظم سؤالان:

أحدهما: أنه نقصه شرط ثالث ضروري لا يجوز الحذف بدونه وهو ألا يكون في الصلة ضمير آخر عائد على الموصول، فإنه إن كان ثم ضمير آخر لم يجز الحذف كما تقول: أعجبني الذي ضربته في داره، فهنا لا يجوز أن تقول: أعجبني الذي ضربت في داره، إذ لا دليل على هذا المحذوف لجواز أن يكون زيدا أو عمرا لا ضمير الذي، وإذا لم يعلم لم يجز الحذف فالعرب تحذف المفعول اقتصارا فتقول: ضربت، ولا تذكره لأغراض لها ومقاصد، فيكون قولك: الذي ضربت في داره محتملا لهذا القصر فلا يتعين قصد حذف العائد، وإذا كان كذلك كان عدم اشتراط هذا الشرط معترضا.
والثاني: أن حذف الضمير المنصوب بالصفة أطلق القول في جوازه حيث قرنه بما انتصب بالفعل، فاقتضى أن الجواز فيهما سواء أو قريب من ذلك، وهذا غير صحيح، بل الحذف مع الصفة قبيح قليل، ويقل قبحه إذا طالت الصلة بالمعمولات، فقد نص ابن السراج على قبحه، قال: وقد أجازوه على قبح.
وقال المازني: لا يكاد يسمع من العرب.
وقال المبرد في "المقتضب" لا اختلاف في أن حذف الهاء من صلة الألف واللام رديء جدا بخلاف "الذي"، فأما إذا طالت الصلة فيسهل الحذف كقولك: إذا أخبرت عن زيد من قولك: أعلم الله زيدا عمرا قائما.
المعلمه الله عمرا قائما زيد، فيجوز هنا المعلم الله.

قال ابن السراج: وهو هاهنا أسهل عندي وعند المازني/ لكثرة صلة هذا حتى إنه قد أفرط طوله، ولما فرق المبرد بين الألف واللام والذي علل ذلك بطول الذي بصلتها، لأنها يجتمع منها أربعة أشياء: الذي والفعل والفاعل والمفعول، وليس ذلك في الألف واللام، وأيضا قد زعم ابن بابشاذ أنه لا يحذف مع الألف واللام، وإذا كان الأمر في الحذف مع الألف واللام هكذا في الضعف أو الامتناع، فتسوية الناظم بينهما مشكل، وقد أخرج في "التسهيل" الألف واللام عن حكم "الذي" وإخوته في هذا الحذف فقال: ويجوز حذف عائد غير الألف واللام إن كان متصلا منصوبا بفعل أو وصف وهو احتراز ضروري عنده حيث نقل عن أكثر النحويين المنع، ووجه ذلك بأن الضمير يكمل صلتها تكميل صلة غيرهما ويميزهما من الألف واللام المعرفتين، ويظهر من التأنيث والتثنية والجمع ما لا يظهرانه، فلأجل ذلك امتنع عنده حذف عائدهما، وهذا كله يعضد ما اعترض به عليه هنا.
والجواب عن الأول: أن اشتراط ذلك الشرط على الإطلاق غير مسلم وذلك أنك إذا قلت: أعجبني الذي ضربت في داره بحذف

الهاء جائز على قصد وممتنع على قصد آخر.
فإن قصدت أن لا تعلم بالمضروب فالحذف سائغ لا مانع منه، وإن لم تقصد ذلك بل أردت تخصيصه وذكره ولكنك حذفته لفهم المعنى كما تحذف من الذي ضربت امتنع من جهة أنه لا دليل عليه، إذ الموصول لا يحرز موضعه لوجود رابط له، فإن كان على إثباته دليل من جهة أخرى جاز حذفه نحو قولك: الذي وصيت في حق نفسه زيد، والتي أتزوج لدينها هند، والذي لقيت وحده أخوك، ويطرد هذا النحو فيما إذا كان في الصلة جملة في موضع الحال، وفيها ضمير يعود على ذي الحال من غير احتمال، ويكون صاحب الحال هو الضمير المحذوف المنصوب كقولك: الذي قصدت ماشيا معه زيد، والحال من المحذوف جائزة، نص على ذلك ابن جنى، فإذا الاشتراط على الإطلاق معترض، كما هو منع الاشتراط، ثم إنا نقول: يحتمل أن يكون الشرط المعتبر في هذا قد نبه عليه بالمثال وهو: (من نرجو يهب) فإن الدليل على المحذوف موجود، ووجود الدليل هو المعتبر خاصة، وبه علل من اشترط ألا يكون في الصلة ضمير آخر لكن اشتراطه مخل من وجه، واشتراط وجود الدليل على المحذوف مصحح غير مخل، فوجب أن يكون هو المراد في التمثيل ولا يبقى بعد ذلك إشكال والله أعلم.
والجواب عن الثاني: أن الجمهور إن قالوا بقبحه في غير ما طال بالمعمولات، فإنهم لا يمنعونه جملة.
ألا ترى إلى قول ابن السراج وقد أجازوه على قبح.
وقال ابن خروف في "شرح الجمل" يجوز حذف ضمير الألف واللام ولكن حذف ضمير الذي أحسن، ثم نقل قول ابن بابشاذ وقال: إنه لا يعول عليه وإذا كان منع الحذف عند ابن خروف هكذا، فما نقل ابن مالك من المنع

غير معمول/ عليه عنده أيضا وقد أطلق أيضا القول بالجواز اليزيدي، فإذا لم يبق على الناظم إلا أنه لم يبين أن الحذف مع الفعل أحسن منه مع الصفة وهذا قريب لاجتماعها في الجواز على الجملة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون المنصوب عنده بالصفة إنما هو- كما تقدم- المفعول الثاني فيستلزم الطول كقولك: المعلم الله عمرا قائما زيد، فلم يفتقر إلى التقييد بالطول، ويكون غير ذلك من قبيل الضمائر المجرورة على مذهب من يرى ذلك.
فالجواب: أن هذا لا ينجي من الاعتراض، إذ قد أجاز حذف الضمير المجرور بالصفة من غير تقييد بطول الصلة، وذلك في البيت على إثر هذا، فالصواب في الاعتذار ما تقدم والله أعلم.


ثم ذكر حكم الضمير المجرور فقال: كذاك حذف ما بوصف خفضا... كانت قاض بعد أمر من قضى قسم الضمير المجرور الجائز الحذف إلى مجرور بحرف، وإلى مجرور باسم هو ناصب في التقدير للمضاف إليه وهو الضمير، والقسمة الحاضرة بالاستقراء أن يقال: الضمير العائد على الموصول إذا كان مجرورا على قسمين: أحدهما: أن يكون مجرورا بحرف وسيأتي حكم هذا القسم.
والثاني: المجرور باسم وهذا على ضربين:

أحدهما: أن يكون الجار صفة ناصبة للمجرور تقديرا وهو الذي شرع فيه الآن.
والثاني: أن يكون الجار غير صفة وهذا نوعان: أحدهما: أن يكون مما يجوز قطعه عن الإضافة وذلك نحو كل وبعض.
والثاني: أن لا يكون كذلك، فهذه أربعة أقسام، تكلم نصا على قسمين منها وترك قسمين آخرين.
ولما قيد الجواز فيما ذكر بأوصاف دل على أن ما عدم تلك الأوصاف لا يجوز حذفه فاقتضى وصف الجار بكونه صفة ناصبة له تقديرا أنه إن لم يكن كذلك فلا يجوز حذف المجرور وليس كذلك، بل فيه تفصيل فإنه لا يخلو أن يكون الاسم الجار هنالك يجوز قطعه عن الإضافة أولا، فإن كان مما يجوز قطعه عن الإضافة جاز حذفه إذا دل عليه الدليل، كما إذا أخبرت عن القوم من قولك: مررت بكل القوم، فقلت: الذين مررت بكلمهم القوم، وكذلك بعض إذا قلت: الذين مررت ببعضهم القوم، فيجوز أن تقول: الذين مررت بكل القوم والذين مررت ببعض القوم، كما تقول: أعجبني الذين كل قائم أو قائمون وما أشبه ذلك، نص على هذا ابن الضائع في فصل الأخبار من "شرح الجمل" وأجرى عليه بعض شيوخنا "قبل" و "بعد" فتقول: أجبني الذين قاموا والذين قام زيد بعد، أي بعدهم، وكذلك في "قبل" وهذا القسم مما يغفل النظر فيه أكثر النحويين منهم ابن مالك في "التسهيل" وغيره من كتبه، فالاعتراض (عليه) وارد من حيث أفهم كلامه امتناع حذف الضمير العائد من الموصول، وإن كان مما لا يجوز قطعه عن الإضافة،

فهناك يمتنع حذف الضمير فلا تقول في نحو: أعجبني الذي أبوه قائم (قائم الذي أب قائم) ولا ما أشبه ذلك/ فالحاصل أن الناظم قصر في هذا الفصل، والاعتذار عنه أن هذا النحو من حذف الضمير لم يذكره الجمهور وهذا كاف في الاعتذار عنه في هذا النظم، وإنما يرد عليه في "التسهيل" هذا إن سلم أن الأمر كما قاله ابن الضائع، وإلا فللناظم أن ينازع فيه ولاسيما في قبل وبعد، فإن هذا الحكم فيهما أضيق، ألا ترى أنهما لا يقعان مبتدأين ولا خبرين مع القطع عن الإضافة، ولا في موضع عمدة البتة، وإنما يقعان في محل الفضلة المستغنى عنها كقول الله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾، وإذا وقعا في الصلة مضافين إلى ضمير الموصول فإنهما واقعان موقع العمدة من حيث أن الصلة لا تستقل دونهما نحو: جاءني الذي قام زيد بعده أو قبله، فقد يقال: لا يجوز هنا حذف الضمير وقطعهما عن الإضافة، كما لا يجوز ذلك فيهما إذا وقعا عمدتين، فهذا مما ينظر فيه.
واعتذار ثان وهو أن الناظم إنما يتكلم هنا في جلائل النحو وضرورياته وما قاربها وفيها يكثر استعماله ويتداول على الألسنة، ومسألة الاسم الذي يقطع عن الإضافة في باب الموصول من النوادر التي لا يتعرض لمثلها إلا أرباب المطولات، فإذا أهمل ذكرها قاصدا الاختصار فلا عتب عليه.
ولما أفهم كلامه أن الضمير إذا كان مجرورا باسم غير صفة لم

يجز حذف كان موافقا للجمهور ومخالفا للكسائي القائل بجواز حذف الضمير المضاف إليه لكن مع المضاف وذلك إذا دل على المحذوف دليل مستشهدا على ذلك بقول الشاعر: أعوذ بالله وآياته... من باب من يغلق من خارج أراد: من باب من يغلق بابه (من خارج) فتقول على هذا: أعجبني مال من كثر، تريد من كثر ماله، وأكره عرض من مزق، أي من مزق عرضه، وما أشبه ذلك، وما احتج به لا حجة فيه عند من خالفه، لأنه مما حذف فيه المضاف وهو باب وأقيم المضاف إليه وهو الضمير مقامه فاستتر في الفعل فليس الفعل بخال عما يسند إليه فالبيت في هذا مثل قول الآخر: فدقت وجلت واسبكرت وأكملت حسب ما هو مذكور في باب الإضافة، وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما نص عليه الناظم، فقوله: (كذاك حذف ما بوصف خفضا) إلى آخره، ذاك إشارة إلى حذف ضمير النصب، يريد أن حذف الضمير المخفوض بوصف كثير منجل في كلام العرب كما كان في الضمير المنصوب، فإذا قلت: جاءني الذي أنا مكرمه، جاز لك أن تحذف ضميره فتقول: جاءني الذي أنا مكرم، ومن الإثبات قوله تعالى ﴿وتخفى في نفسك ما الله مبديه﴾ ومن الحذف الآية الكريمة التي أشار إليها بقوله: كأنت قاض بعد أمر من

قضى) وهي قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾، فأنت قاض جاء بعد أمر مبنى من قضية، وهو قوله: "اقض" وكان الأصل: فاقض ما أنت قاضيه، ومن ذلك قول طرفة بن العبد: ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقال سعد بن ناشب المازني- وهو من أبيات الحماسة-: سأغسل عني العار بالسيف جالبا على قضاء الله ما كان جالبا وفيها: / ويصغر في عيني تلادى إذا انثنت... يميني بإدراك الذي كنت طالبا وأنشد الفارسي في التذكرة لتأبط شرا:

سدد خلالك من مال تجمعه... حتى تلاقى الذي كل امرئ لاق وأنشد غيره أيضا: لعمرك ما تدرى الضوارب بالحصى... ولازاجرات الطير ما الله صانع وقال جميل: وقد طال جرى بيتها لا أزوره... كفى حزنا هجران من أنت وامق ومثله في الشعر كثير، وينظر بعد في مثاله هل أحرز قيدا مضطرا إليه في جواز الحذف أم لا؟ والذي قيد به في "التسهيل" هذا الحذف كون الصفة ناصبة للمجرور تقديرا، وهذا القيد الذي تحرز به المؤلف يدخل له اسم الفاعل كان بمعنى الماضي أو لا؛ لأنه الذي في تقدير الفعل، فإذا قلت: زيد ضارب عمرو أمس فهو في تقدير: ضرب عمرا أمس، كما أن الذي بمعنى الحال والاستقبال بمعنى المضارع، وهذا لم يشرحه في شرحه، ويخرج له بذلك الصفة المشبهة باسم الفاعل، لأن الضمير المجرور بها في تقدير المرفوع لا في تقدير المنصوب، فلا يحذف إذا فرض عائدا في الصلة على الموصول، وكذلك اسم الفاعل المراد به مجرد الاسم لا ما يعطيه من معنى الفعل فإنك تقول: هذا ضارب زيد، على معنى ما تقول: هذا صاحب زيد، فليس المجرور هنا في معنى المنصوب، فإذا وقع ضميرا عائدا على الموصول لم يجز حذفه، كما لا يجوز حذف الضمير المجرور بصاحب.

والناظم حين قال: (كذاك حذف ما بوصف خفضا) دخل له اسم الفاعل والصفة الشبهة، لأنها صفة واسم الفاعل المطرح فيه معنى الوصف، إذ يطلق عليه أنه وصف اعتبارا بأصله، فأخرج هذين بقوله: (كأنت قاض) لأن قاض هنا يجرى الضمير وهو ناصب له في التقدير بخلاف الحسن والضارب المسلوب معنى الوصف وهو حسن من التقييد لكنه يوهم قيدا آخر غير معتبر وهو كون العامل في الضمير موافقا في المعنى للعامل في الموصول، لأنك تقول: اضرب الذي أنت مكرم، كما قال طرفة: ستبدى لك الأيام ما كنت كاهلا وكقول جميل بن معمر: كفى حزنا هجران من أنت وامق فكان الوجه أن يفصح بالقيد ولا يشير إليه بما يوهم قيدا آخر غير معتبر.
والجواب: أن معه ما يبين مراده وهو أن قوله: "كأنت قاض" في موضع الصفة لوصف، وتقديره: كذاك حذف ما خفض بوصف شبيه بقاض الواقع بعد أمر من قضى أي الواقع الآية، فإنما أراد بقوله: (بعد أمر من قضى) تعيين الآية التي فيها الوصف المشار إليه، ولا شك أن الضمير المجرور بقاض في معنى المنصوب، فلم يرد إذا بقوله: (بعد أمر من قضى) قيدا آخر، وإنما أراد تعيين موضع الشاهد خاصة ولا يبقى في كلامه إشكال.
ثم ذكر القسم الثاني من القسمين فقال:

كذا الذي جر بما الموصول جر كمر بالذي مررت فهو بر/ "ذا" إشارة إلى ما تقدم من حكم الحذف وهو الكثرة والجواز، و "الذي" واقع على الضمير المحكوم عليه بالحذف و "ما" واقعة على الجار للضمير وهو هنا الحرف والموصول مفعول بجر مقدم عليه، أي: بالحرف الذي جر الموصول، ويريد أن الضمير إذا كان مجرورا بالحرف الذي جر الموصول فحكمه حكم ما تقدم من جواز الحذف ومثل ذلك بقوله: (كمر بالذي مررت) يريد بالذي مررت به فهاء به- وهي العائد- قد جرت بالباء المجرور بها الموصول.
وقوله: (فهو بر) جواب قوله: "مر" وهو من تمام المثال، ولو لم يأت به لتم مقصوده، ولكنه جاء به مكملا للكلام وعلة للأمر بالمرور به، ويقال: رجل بر، أي: صادق من قوم أبرار، وبار أيضا من قوم بررة.
والحاصل أنه اشترط في جواز حذف الضمير المجرور بحرف أن يكون الموصول مجرورا بمثله، وهذا الشرط يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قاصدا لما سواه فيكون قوله في المثال: (كمر بالذي مررت) إنما قصد به تمثيل اتفاق الحرفين الجارين واتفق في المثال أن اتحد متعلقاهما بحكم التبع لا بالقصد الأول، فإن كان قد قصد هذا اشتمل كلامه من ذلك على ثلاثة أنواع أعطى فيها جواز الحذف.
أحدها: أن يتحد متعلقا الحرفين، أعنى في المادة والمعنى كالمثال الذي مثل به، فإن متعلق الحرف الجار للضمير مررت، ومتعلق الجار للموصول مر، وكلاهما مشتق من المرور، وفي القرآن الكريم: ﴿يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون﴾ وأنشد

النحويون: نصلي للذي صلت قريش... ونعبده وإن جحد العموم وكذلك إن كان أحدهما فعلا والآخر صفة نحو قولك: مررت بالذي أنت مار، تريد مار به أنشد ابن جنى: وقد كنت تخفى حب سمراء حقبة... فبح لان منها بالذي أنت بائح وقال جميل: ولا تسمعي من قول واش وشي بنا... وقولي له انطق بالذي أنت ناطق والثاني: أن يتحد في المعنى لا في اللفظ نحو: جئت بالذي أتيت به وجئت إلى الذي سرت إليه وقعدت في الموضع الذي جلست وما أشبه ذلك، وهذا النوع في معنى الأول إلا أن الأول أظهر في الجواز.
والثالث: أن يختلف المتعلقان في المعنى والمادة معا نحو: نظرت إلى الذي جئت إليه، وعنيت بالذي مررت به، ومنه قول الشاعر: فابلغا الحارث بن نضلة والـ... مرء معنى بلوم من يثق

أي: من يثق به وأنشد الفارسي: وإن لساني شهدة يشتفى بها.... وهو على من صبه الله علقم يريد: على من صبه الله عليه علقم وكثير من النحويين وخصوصا من تأخر منهم لا يجيزون مثل هذا في الكلام وهو جائز عند جماعة كابن السراج والفارسي وغيرهما على أن سيبويه جعل الحذف فيما كان نحو النوع الأول ضعيفا في الكلام فقال في أبواب الجزاء: وقد يجوز أن نقول: بمن تمرر أمرر، وعلى من تنزل أنزل، إذا أردت معنى عليه، وبه، قال: وليس بحد الكلام، وفيه ضعف، وعليه أنشد قول الشاعر: / إن الكريم وأبيك يعتمل... إن لم يجد يوما على من يتكل ولم يجعل الناظم الحذف هنا إلا كثيرا منجليا على ما نبه عليه بقوله: (كذا الذي جر) أي: هو مثل الحذف في المخفوض بصفة ناصبة له تقديرا، وفي المنصوب كما تقدم.
والنوع الثاني والثالث أحرى بالضعف عن سيبويه، وكذلك عنده غيره بالنسبة إلى الأول فهو المشهور في الكلام المعروف الجواز، والأنواع الثلاثة متفقة في معنى واحد وهو كون جار الضمير والموصول واحدا وهو الذي نص عليه، فإن عدم ذلك المعنى لم يجز حذف الضمير إلا شاذا، فلا تقول: جاءني الذي مررت ولا مررت بالذي أعرضت، تريد مررت به وأعرضت

عنه وقد جاء هذا في الشعر.
قال حاتم الطائي: ومن حسد يجور على قومي... وأي الدهر ذو لم يحسدوني ويسهل هذا الحذف إذا كان مدلول الذي ظرفا وقد عاد عليه الضمير بفي كبيت حاتم، أعجبني اليوم الذي جئت تريد جئت فيه، ويقيسه غير الناظم ويحسنه للعلم بأن "في" هي المحذوفة، فتعينت كما تعين المحذوف في نحو: مررت بالذي مررت، بخلاف غير الظرف، فإنه لا يتعين فيه الجار نحو: الذي رغبت زيد، ومنه ما أنشده الفارسي من قول الشاعر: فقلت له لا والذي حج حاتم... أخونك عهدا إنني غير خوان ولعل المجيز لحذف ضمير الظرف بني على مذهب أبي الحسن في التدريج، إذ يجوز حذف "في" مع الضمير، ويصير الضمير منصوبا على المفعول به اتساعا، فكأنه يقول: وأي الدهر ذو لم يحسدونيه، ثم حذف الهاء لأنها كالهاء في نحو: جاءني الذي ضربته ومذهب سيبويه عدم التدريج فكأنه حذف الجار

والمجرور اعتباطا ومثالهم الذي تكلموا في المسألة عنده قوله تعالى: ﴿واتقوا وما ما لا تجزى نفس عن نفس شيئا﴾ تقديره: لا تجزى فيه.
قالوا: إذا جاز ذلك عند سيبويه في الصفة فهو في الصلة أولى بالجواز، وإذا ثبت هذا أشكل كلام الناظم على هذا التفسير حيث جعل ما كان نحو: وهو على من صبه الله علقم قياسا وجعل ما كان نحو: وأي الدهر ذو لم يحسدوني موقوفا على السماع حيث أخرجه بالقيد الذي تقدم ذكره.
والجواب أن يقال: لعله ذهب إلى رأى أبي الحسن في التدريج وإليه مال ابن جنى أيضا وبوب عليه في "الخصائص" وإذا كان كذلك صار بعد حذف في من قبيل الضمائر المنصوبة فدخل له تحت مسألة الضمير المنصوب بهذا الاعتبار.
فإن قيل: فيدخل له إذا تحت قوله: (والحذف عندهم كثير منجل) في كذا وليس كذلك إذا لم يبلغ عندهم مبلغ الحذف في الضمير المنصوب، بل هو قليل في الكلام بالنسبة إلى حذف المنصوب بالأصالة.
فالجواب: أن الحذف أيضا في المجرور/ بفي بعد حذفها كثير منجل؛ لأنه إذا صار في عداد المنصوبات صار له حكمها، لأنه صار من قبيل المنصوب على المفعولية اتساعا، وإنما القلة راجعة إلى حذف "في" لا إلى حذف الضمير، فلا تقدح قلته في كثرة حذف الضمير المنصوب على الجملة فتأمله.

جارٍ التحميل