.
أما النعت فجَعله مشبَّها به، والمشبَّه به لا يكون هو نفسَ المشبَّه، وبذلك ظهر أن عطف البيان من حقيقته أن يكون جامدا أو بمنزلته، لأن من حقيقة النعت أن يكون مشتقًا أو بمنزلته.
وكلا الموضعين خاصٌ بموضعه، فلا يمكن أن يَشْرَك عطفُ البيان النعتَ في الاشتقاق، لأنه إن شاركه صار نعتا حقيقة.
وأما خروج العطف النَّسَقي فلبُعده عن شَبَه الصفة في كونه لا يُبَيَّن ولا يُوَضَّح، ولأنه قد جعله قسيما له في قوله: "إما ذُو بَيَانٍ أو نَسَق" وقسم الشيء لا يكون نفسَ الشىِء.
وأما خروج البدل فلأن البدل هو المقصود بالحكم على حسَب الاستقلال، ولذلك كان على تقدير تكرار العامل، بخلاف عطف البيان فإن متبوعه هو المقصود بالحكم، وإنما أتى بالعطف زيادةَ بيانٍ له.
وبهذا المعنى أشبه النعت؛ إذ كان النعت غير مقصود لنفسه، وإنما جيء به للأوَّل، والأول هو المقصود بالحكم، فخرج البدل بذلك.
فإن قلت: هذا مشكل، فإن عطف البيان - حيث كان - يجوز فه البدل إلا في الموضعين المذكورين، وذلك يدل على أن المقصود فيهما واحد، ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيدٌ أخوك، فـ (أخوك) يُعرب عطفَ بيان لأنه مبيَّن، ويُعرب بدلا، وهو مبيُن أيضا.
فهل اختلف المعنى باختلاف الإعرابين؟ بل هذا الفَرْق الذي فَرَق به بينهما غيُر بَيَّن.
فالجواب أن الفرق صحيح، وإنما جاز الإعرابان على مقصدين.
فإن قصدتَ بالحكم الأولَ، وجعلت الثانىَ بيانًا له بحيث لا يُستغنى عن الأول فهو عطفُ البيان، وهو معنى شَبَهه بالنعت.1
وإن قصدتَ بالحكم الثانيَ، وجعلت الأولَ كالتوطئة فهو البدل، وهذا المعنى ليس النعت، فليس الإعرابان واردَيْن على قَصْد واحد.
والدليل على ذلك خروجُ المسألتين المذكورتين بعدُ عن احتمال البدل، وهما: يا رجلُ زيداً ومررت بالرجلِ الضاربِ زيدٍ، على ما سيبيَّن إن شاء الله؛ إذ كانت هاتان المسألتان لا يُتَصور فيهما إلا أحدُ القَصْدين، وهو قصدُ كون الثاني بياناً للأول، نعم لا يُنْكَر أن يكون البدل يقع بيانا، لأنه إنما قُصِد، وصُرِف القُصد عن الأول إليه لأنه أبْيَنُ من الأول.
وهذا ظاهر، وقوله: " حقيقةُ / القَصْد به مُنْكَشِفَة" تفسيرٌ لما أراده بقوله: " شِبْهُ الصفة" إذا كان أصل الصفة أن تأتي للبيان والكشف عن مراد المتكلم بالموصوف، فكذلك عطف البيان كما تقدم.
لكنه يُعترض على هذا التفسير بدخول التوكيد، إذ يَصدق عليه أنه تابع يُشبه الصفة في أنه مبين لقصد المتكلم، لأنك إذا قلت: قَدِمَ الأميرُ احتَمل أن يكون القصد: قَدِمَ حَشَمُه، أو خَدَمُه، أو رسولهُ.
وكذلك إذا قلت: قام القومُ- احتمل أن يكون القائم بعضَهم لا جميعَهم، فلم يتبيَّن إذاً قصدُ المتكلم من إرادة مقتضى اللفظ.
فلما قلت: قدم الأميرُ نفسُه، أو قام القومُ كلُّهم- ارتفع ذلك الاحتمال، وصارت حقيقةُ القصد بالتوكيد منكشفِة، كما تقدم في بابه، فدخل التوكيد إذاً في هذا التعريف، فصار غيرَ معرف لكونه غيرَ مانع، مع أنه لو لم يَزد هذه الزيادة لكفى قوله: " شِبْهُ الصفة" على إبهامٍ مَا، وهو أحسنُ من زيادةٍ مُخِلَّة.
والعذر عنه أنه لما قال: «شِبْه الصفة» كان هذا التعريف غير تام، لأن شَبَه الصفة يقع من وجوهٍ عِدَّة، منها الاشتقاق وغيره، فلو اقتصَر على ذلك لم يكن فيه بيانُ أنه يشبهها من جهة دون أخرى، ولا تعيَّنت جهةُ الشَبَه، فبين بقوله: «حقيقةُ القصدِ به مُنْكَشفِة» ما أراد بقوله «شِبْه الصفة»
وقد مَرَّ في «الصفة» أنه يبين ما سبَق بوَسْمه، فبيَانُه من جهة تعيين المتبوع وإيضاحه، حتى لا يختلط بغيره كما تقدم.
فـ (عطف البيان) مبين ذلك البيانَ المعلوم، والتوكيد ليس كذلك، وإنما بَيانُه على وجه آخر، وهو إبراز جهة الحقيقة عن جهة المجاز في المتبوع الذى يبين معناه.
فإذا قلت: (جاء الأمير) فهو محتاج إلى البيان من الجهتين:
إحداهما من جهة تعيين مدلوله من بين سائر الأمراء، والنعت هو المبين لهذا المعنى وعطفُ البيان، فتقول جاء الأميرُ أبو عبدِ الله، أو جاء الأميرُ الفاضلُ ولا يُحتاج هنا إلى التوكيد، إذ لا يؤكَّد إلا بعد معرفته.
والثانية من جهة كونه نسبة المجيء إليه حقيقة أو مجازا، إذ يمكن أن يريد المتكلم: جاء أمرُه، أو جاء غلامُه، أو نحو ذلك، حتى تقول: نفسُه أو عينُه.
والنعت وعطف البيان غير داخلين هنا، لأن مدلول لفظ (الأمير) معروف.
وكذلك إذا قلت: قام القومُ كلُّهم.
فقد ظهر معنى قوله: «حقيقةُ القصدِ به منكشفة» حين كان بيانا لقوله: «شِبْه الصفة» وبَانَ أن التوكيد غيرُ وارد.
ويمكن أن يكون قوله: «حقيقةُ القصدِ به منكشفة» يَعني به أن عطف البيان بين ظاهر من إطلاق الاسم عليه، لا يَحتاج إلى تعريف، لأنه إنما سمي
عطفَ بيانٍ لكونه مَسُوقا لبيان الأول وإيضاحه فهذا المعنى قد فُهم من نفس / التسمية، ويكون هذا القول اعتذارا عن استغنائه في تعريفه بقوله: «تابعٌ شِبْهُ الصفة» فكأنه يقول: عطف البيان هو التابع الشبيه بالصفة، وحقيقةُ القصد به تُغْنى عن تعريفه لبيانه.
وعلى هذا لا يبقى في كلامه إيهام، ولا يَدخل له التوكيد أيضا.
وبهذا التعريف يظهر أن تابع اسم الإشارة، إذا كان جامدا، عطفُ بيانٍ لا نعت، وهو رأيه في «التسهيل» أيضا.
قال في «الشرح»: وأكثر المتأخرين يقلد بعضُهم بعضا في أنه نعت، ودعاهم إلى ذلك اعتقادهم أن عطف البيان لا يكون متبوعه أخصَّ منه.
قال: وهو غير صحيح، فإن عطف البيان يُقصد به في الجوامد، من تكميل المتبوع، ما يُقصد بالنعت في المشتق وما جرى مجراه، فلا يَمتنع أن يكون متبوعُ عطفِ البيان أخصَّ منه، كما لا يمتنع أن يكون المنعوت أخصَّ من النعت.
قال: وقد هُدِي أبو محمد بن السيد إلى الحق في هذه المسألة، فجعل ما تبع اسم الإشارة من (الرَّجُل) ونحوه عطفَ بيان.
وكذلك فعل ابنُ جنى، وحكاه أبو علي الشلَّوْبِين.
وهكذا ينبغي، لأن اسم الجنس لا يُراد به -وهو تابع لاسم الإشارة- إلا ما يراد به وهو غيرُ تابع له، فلو كان نعتاً حين يَتبع اسم الإشارة نحو: رأيتُ هذا الرجلَ لكان نعتا حين يَتبع غيره نحو رأيتُ شخصاً رجلاً، وأنت لا تريد إلا كونَه رجلاً لا امرأة.
ولا خلاف في امتناع كونه في هذه الصورة نعتاً، فيجب ألا يكون في غيرها نعتا، وإلا لزم عدم النظير، بجعل اسمٍ واحد نعتاً لبعض الأسماء دون بعض مع عدم اختلاف المعنى.
هذا ما احتج به، وهو لَعَمْرى ظاهر.
وإنما تَعَلَّق من قال: إنه نعت بظاهر كلام سيبويه في أبواب النداء، حيث حَكى عن الخليل أن (هذا الرَّجُلُ، ويَا أيُّها الرَّجُلُ) وقع (الرَّجُلُ) فيه وصفا.
والأولى عطفُ البيان، لأن الجامد لا يقع في اصطلاحهم وصفا.
وهذا جامد فلا يقع وصفا.
ولعل الخليل وسيبويه أطلقا عليه لفظ الوصف مجازا، كما يُطلق على التوكيد لفظ الوصف أيضا.
والله أعلم.
وقد وقع للناظم في باب «النداء» أن (الرَّجل) هنا صفةٌ لا عطف بيان، حيث قال: «وأيُّها مَصْحُوبَ أَلْ بَعْدُ صِفَة» ثم قال بعد ذلك: «وذو إشَارَةٍ كأي في الصفة» فنَصَّ كما ترى على أن ذا الألف واللام في الموضعين صفة مطلقا، من غير فرق بين كونه جامدا أو مشتقا، وهو راجع إلى مذهب غيره، فَبيْن هذا الظاهر وبين ما نَصَّ عليه في باب «النداء» تعارض، سنتكلم عليه هنالك إن شاء الله.
ثم أخذ في بيان أحكام العطف، ووجهِ التبعيَّة فقال:
فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأولِ
مَا مِنْ وِفَاقِ الأولِ النَّعتُ وَلِى
فَفْد يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ
كما يَكُونَانِ مُعَّرفَيْنِ
«أَوْلِيَنْهُ» أمرٌ من أَوْلَيْتُه كذا، إذا أعطيتَه إياه، وأصله من: أوليتُه الشئَ إذا أدنيتَه منه.
يريد أنك / تُعطيه من موافقة المعطوف مثل مَا أعطيتَ النعت من موافقة المنعوت.
ولما كان قد تقرر في النعت أنه يوافق المنعوت في التعريف والتنكير، والإفراد والتثثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فكذلك عطفُ البيان لا بد فيه من موافقة المعطوف عليه في هذه الوجوه كلها، ولذلك أكد هذا المعنى بقوله:
فَقد يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ
كما يَكُونَانِ مُعَرفَيْنِ
فتقول: مررت بأخيك زيدٍ، وبأخوَيْكَ الزيدَيْن، وبإخوتك الزيدِين، وبأختك هِنْدٍ وبأختَيْكَ الهندَيْنِ وبأخواتك الهِنْداتِ.
ومررت برجلٍ أخٍ لك، وبرجالٍ، إخوةٍ لكَ، وكذلك في التأنيث.
وفي هذا الكلام تنبيهٌ على الخلاف في موضعين:
أحدهما الموافقةُ في التعريف والتنكير، فإنه نُقل عن الفارسي إجازةُ عطف النكرة على المعرفة، وبالعكس، وجَعل من ذلك قول الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيَّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ فأجاز فيه البدلَ والعطفَ.
ووجه ذلك أن العطف شبيه بالبدل، إذ لا فرق بينهما إلا في نِيَّة تكرار العامل، والبدل يجوز فيه التخالف، بأن تُبدل النكرة من المعرفة، والعكس، فكذلك العطف.
وهذا معارَض بشَبَهه بالنعت، إذ لا فرق بينهما إلا في الاشتقاق وعدمه.
ويَزيد العطفُ مع النعت بأن كل واحد منهما منزَّل من المتبوع منزلة الشيء الواحد، ألا ترى أن: زَيْدًا الأحمرَ عند من لا يعرفه بمنزلة (زَيْدٍ) وحدَه عند من يعرفه.
وأما البدل مع المبدل منه كالشيء الواحد باتفاق.
فهذه العلة أوجبت في النعت مع المنعوت الاتفاقَ في التعريف والتنكير وغيرهما، كما مر ذكره، وأوجبت في البدل جوازَ الاختلاف.
وأيضا فيلزم من هذا المذهب مخالفةُ الإجماع، إذ قد حَكى المؤلف الإجماعَ على خلاف ما قال.
وفي مخالفة إجماع العلماء ما عرفتَ، فالصحيح ما ذهب إليه الناظم.
والموضع الثاني صلاحيةُ عطف البيان في النكرات فإن من قَصر ذلك على المعارف، فَمنع أن يقال: مررتُ برجلٍ أخٍ لك، على العطف.
وهذا المذهب يُنقل عن أكثر النحويين.
ونَقل المؤلف عن الشَّلَوْبين أن هذا مذهب البصريين.
ولم يرتضه الناظم، بل نصَّ على مخالفته بأنه مرجوح من جهة القياس والسماع.
أما القياس فإن الحاجة إليه في النكرة أشدُّ منها في المعرفة، لأن النكرة يلزمها الإبهامُ بحق الأصل، فهى أحوجُ إلى ما يبيَّنها من المعرفة, فتخصيصُ المعرفة بالبيان خلاف مقتضى القياس.
وأيضاً فقد تقدم أن العطف كالنعت، وليس بينهما إلا الجمود والاشتقاق، والنعتُ في النكرة سائغ اتفاقا، فكذلك ينبغي في العطف.
وأما السماع من القرآن الكريم: ﴿يُوقَدُ / مِنْ شَجَرةٍ مُبَاركَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ فالظاهر في «زَيْتُونَة» عطفُ البيان، وهو اختيار الفارسي.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ويُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ وفي قراءة] غير [نافع وابن عامر ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكَيِن﴾ وفي الموضع الآخر ﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيةٌ طَعامُ مَسَاكيِنَ﴾ في قراءة غير نافع وابن عامر.
وقال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ
وفي اللثاتِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ
وقد أشعر الناظم بوجه القياس لقوله: «كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ» أي أن المعرفة والنكرة في الاحتياج إلى البيان متساويان، وهو مَقْصد حسَن، والتشبيه للتنظير.
فإن قيل: لِمَ أتى الناظم بالشطرين، وهما قوله: «فَقَدْ يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ» إلى آخره.
مع أنه قد حصل ذلك المعنى في «العَقْد» قبله حين قال: «فأولينه مِنْ وِفَاقِ الأوَّلِ كذا» فالظاهر أن هذا فضلٌ لا زيادةَ فائدةٍ فيه.
فالجواب أنه أخرجه إلى التنصيص عليه، تنكيتاً على من ذهب إلى منع عطف النكرة.
فإن قلت: فإذا كان كذلك فكان ينبغى أن يَفعل مثل ذلك في المذهب الآخر المخالِف له في منع المخالفة في التعريف والتنكير، وهو المنقول عن الفارسي، فِلَم أغفل ذكر ذلك؟
فالجواب أنه لم ينكت على مذهب الفارسي لأمرين، أحدهما أنه على مذهب شاذ ومَنْحًى ضعيف، لم يقل به إلا الفارسيُّ، على ما حكاه المؤلف، فلم يَعتبر به
خصوصاً، ولكنه اكتفي فيه بقوله: «فأولينه» إلى آخره، بخلاف المسألة الأخرى، فإن الخلاف فيها منقول عن البصريين حسبما نقله الشَّلَوْبِينِ، وأسنده تلميذه الأبَّذِى إلى أكثر النحويين، فلذلك اعتَنى بالتنبيه عليه خوفاً أن يُتَوَهَّم أن مذهبه مذهب البصريين، فيُعترض عليه في «العَقْد» الذى عقده بقوله: «فأولينه مِنْ وِفَاقِ الأوَّلِ» وليس كذلك في إهمال التنبيه على خلاف الفارسي.
والثاني أن المؤلف ارْتَاب في هذا النقل عن الفارسي وقال: إنه لم يجده من غير جهة الشَّلَوْبِينِ، ولا يقول المؤلف هذا إلا بعد شدة البحث عن صحته، وذلك مَقامُ الوقوف والارتياب مع ما قام له من الدليل على صحة قول الناس، فلذلك زاد الشطرَيْن تأكيداً في مخالفة الناس، ولم يَزد شيئا في مخالفة الفارسي.
والله أعلم.
و«ولى» من قوله: «مَا مِنْ وِفَاقِ الأولِ النَّعتُ وَلِى» مطاوع (أوليته) و «ما» في موضع نصب (أَوْلِ) على المفعول الثاني، وهي موصولة، وصلت بالجملة الاسمية التي هي «النعتُ وَلِى» و «مِنْ وِفَاقِ» متعلق بـ (وَلِىَ) أى: ما النعتُ وَلِىَ من وِفَاق الأول.
و «الأَوَّل» في الشطر السابق واقع على المعطوف عليه.
وفي الثاني على المنعوت.
ولَمَّا لم يكن عطف البيان متعينا في أكثر المواضع، وإنما يتعين في بعضها أَخذ يبيين مواضع التعيين فقال:
وصَالِحًا لبَدَلِيَّةٍ يُرَى
في غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلامُ يَعْمُرَا
ونَحْوِ بِشْرٍ تَابعِ البَكْرى
ولَيْسَ أَنْ يُبْدَلَ بالمرْضِى
«صالحًا» حال من ضمير «يرى» وهو عائد على «عطف البيان»
ويَعنى أن عطف البيان، حيثما وقع صالحٌ لأن يُعرب بدلا، فإنك إذا قلت: قام أبو عبد الله زيدٌ- يمكن فيه عطفُ البيان، ويمكن فيه البدلُ، ولكن كل واحد منهما مبنى على قَصْده، إذ ليسا بواردَيْنِ على قصْد واحد حسبما تقدم ذكره.
وكذلك: هذا أبو عبد الله قُفَّةُ- يَحتمل البدل والعطف، فكما يصلح أن يكون الثاني بياناً للأول، والأول هو المقصود، كذلك يصلح أن يكون هو المقصود بالحكم دون الأول، إلا في موضعين، فإن العطف فيهما متعين، ولا يجوز البدل.
أحدهما باب «النداء» نحو: يا رجلُ زيداً بنصب (زيد) فإن البدل ههنا ممتنع، إذ كان على تقدير تكرير العامل، فلم يصح فيه إلا ما يصلح فيه لو كان مباشَراً بالنداء، ولو كان مباشرا به لم يكن فيه إلا البناء فتقول: يا رجلُ زيدُ، لأنه على تقدير: يا زيدُ.
وإلى هذا أشار الناظم بقوله: «في غيرِ نَحْو يا غُلاَمُ يَعْمُرا» ويَعْمُر: اسمٌ عَلَمٌ للغلام.
وكذلك إذا رفعتَ (زيداً) فقلت: يا غلامُ زيدٌ، يا غلامُ يعمرُ- لا يجوز فيه إلا عطف البيان أيضا، فالنصب بالحمل على موضع المنادى، والرفع بالحمل على لفظه.
وهكذا الحكم إذا المنادى منصوبا لكونه مضافا أو ممطولا، و (زيد) منصوب، ويا أخانا زيدا لا يجوز فيه إلا العطف، إذ لو كان بدلا لوجب بناؤه على الضم.
وجميع هذا داخل تحت إشارته بالمثال، بخلاف ما إذا قلت: يا زيد أبا عبدالله، فإن التابع هنا يحتمل العطف والبدل، وكذلك يا أخانا أبا عبدالله.
والذي يضبط لك هذا في المثال كون التابع فيه مفردا، وهو (يعمر) وقد بين ذلك في «باب النداء» وإنما هذه إشارة إلى ما هنالك.
والموضع الثاني باب «اسم الفاعل» إذا كان المعطوف خاليا من الألف واللام، والمتبوع مقرون بها، وهو مضاف إلى صفة مقرونه أيضا بها، نحو: مررت بالضارب الرجل زيد، فإن «زيدا» هنا، وهو مجرور، لا يصح فيه البدل، وإنما يعرب عطف بيان خاصة.
والعلة فيه ما ذكر من أن البدل على تقدير تكرير العامل، وأنت لو قلت: (الضارب زيد) لم يجز، إذا القاعدة في «اسم الفاعل» أنه لا يضاف، وهو بالألف واللام، إلا إلى ما هما فيه.
وقد بين الناظم ذلك في موضعه.
وأشار في تمثيل هذا النوع إلى البيت المشهور الذى أنشده سيبويه للمرار الأسدى:
أنا ابن التارك البكرى بشر
عليه الطير ترقبه وقوعا
ف (بشر) هو تابع (البكرى) وتبعيته إياه على العطف لا البدل، لأن «بشرا» لا يصح أن يلى التارك مضافا إليه، فلو كان مكان «بشر» غلام الرجل مثلا- لجاز كونه بدلا / ولا يته ل (التارك) فلابد في تعين العطف من كون المعطوف مفردا بغير ألف ولام كما في مثاله، أو مضافا إلى ما ليست فيه.
وهذا مبنى على مذهب البصريين كما سيأتي.
وفي هذا الموضع نظر، وذلك أنه حصر تعين العطف في هذين الموضعين، وأعطى أن ما سواهما يصلح فيه البدل.
وذلك غير صحيح، فإن موضع ثم مواضع أخر يتعين فيها العطف، ويمتنع البدل.
وقد نبه بعض من قيد ذلك على جملة منها.
والذى زاد على الموضعين عشرة مواضع:
أحدها: أن يكون الكلام مفتقرا إلى رابط، ولا رابط إلا التابع، على أنه عطف البيان، نحو: هند ضربت الرجل أخاها، فلا يجوز أن يكون نعتا، لأنه أعرف مما جرى عليه، ولا بدلا لئلا تعرو والجملة الأولى من رابط، فتعين عطف البيان.
والثاني: أن يضاف «أفعل التفضيل» إلى عام، ويتبع بقسمى ذلك العام، ويكون المفضل أحد قسمى ذلك العام، نحو: زيد أفضل الناس الرجال والنساء، ف (الرجال والنساء) عطف بيان لا بدل من (الناس) لأن البدل على نية تكرار العامل، فيكون التقدير: زيد أفضل الرجال والنساء، وذلك لا يسوغ.
وما جاء من قوله: أنا أشعر الجن والإنس.
فقد غلط في ذلك، وتأوله أبو على أنه أراد: أشعر الخلق.
قال: وهو قبيح، ولا يجوز القياس عليه.
والثالث: أن يتبع وصف (أى) بمضاف نحو: يا أيها الرجل غلام زيد، ف (غلام زيد) لا يكون بدلا من الرجل، لأنه ليس في تقدير جملتين، ولا وصفا، لأن ما فيه (ال) لا يوصف بالمضاف إلى (العلم).
والرابع: أن يفضل مجرور (أى) نحو: أى الرجلين زيد وعمرو أفضل؟
فلا يح بدل (زيد وعمرو) من (الرجلين) لأنه لا يجوز أن تقول: أى زيد وعمرو؟ لأن (أيا) لا تضاف إلى مفرد معرفة إلا عند قصد التجزئة نحو: أى الرجل أحسن؟ أعينه أم وجهه؟
والخامس: أن يفصل مجرور (كلا) نحو: كلا أخويك زيد وعمرو قائم، لأن (كلا) لا تضاف إلى مثنى لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ.
والسادس: أن يتبع المنادى المضموم باسم الإشارة، نحو: يا زيد هذا، لا يجوز أن يكون بدلا، لأنه لو كان بدلا لكان منادى، وحرف النداء لا يجوز أن يحذف من اسم الإشارة على رأي البصريين
والسابع: أن يتبع وصف (أي) في النداء بمنونه، نحو: يا أيها الرجل زيد، لأنه لو كان بدلا لكان غير منون.
والثامن: أن يتبع اسم الجنس أو غيره ذا (أل) لمنادى مضموم، نحو: يا زيد الرجل، ويا غلام الرجل الصالح ويارجل الحارث، أو منصوب نحو: يا أخانا الحارث، لأنه إن جعلناه بدلا أدى إلى تقدير مباشرة حرف النداء ما فيه الألف واللام، فيكون كقولك: ياالرجل، ويا الحارث.
والتاسع: أن يتبع المنادى المضاف باسم الإشارة، نحو: يا غلام زيد هذا.
والعاشر: أن يتبع وصف اسم الإشارة في النداء بمنون، نحو: يا هذا الطويل زيد وتعليل هذا الوجه وما قبله مفهوم مما تقدم.
فهذه عشرة مواضع زائدة على ما ذكره الناظم، ولعل ثم مواضع أخر لمن تتبع المسائل، وإنما هذا تنبيه على غيره.
وجميعه واضح في أن حصر الناظم قاصر جدا، وكذلك نص فى / «التسهيل» فلم يزد على الموضعين المذكورين إلا ثالثا، وهو أن يقرن ب (أل) بعد منادى، وهو الثامن هنا.
والجواب عن ذلك أن أكثر النحويين هكذا فعلوا، فتراهم ينصصون على معنى ما نص عليه، ويقصرون تعيين العطف على الموضعين، أعنى باب «النداء» وباب «اسم الفاعل» فالاعتراض وارد على جميعهم ولا يختص به.
ولكن يمكن الاعتذار عما فعلوا من أحد ثلاثة أوجه:
إما أن يقال: أن جميع ما استدرك عليه داخل له مثاليه، وذلك أن كله دائر على حرف واحد، وهو عدم صلاحية وقوع الثانى موقع الأول، وإذا تتبعت جميع المواضع وجدتها كذلك، فيكون على هذا قول الناظم: «في غير نحو كذا» مشيرا إلى كل موضع لا يحل فيه الثانى محل الأول.
وإذا كان كذلك دخل جميع ما يحتاج إليه، مما ذكر ومما لم يذكر، وإنما عين الموضعين لشهرتهما في النقل.
وإما أن يكون اقتصر على الموضعين لوجود السماع فيهما، فإن الذى سمع عن العرب في تعيين العطف محصور في البابين، وما سواهما فإنما هو تفريع بالقياس لا اتباع للسماع ويكون إذ ذاك قد نبه على جميع المواضع المتصورة في باب «النداء» ولأن السماع وارد فيه وإن لم يرد في جميع مسائله، فيدخل له، مما استدرك عليه، مسائل «النداء» كلها وهي ست، وتبقى المسائل الأربع كأنه لم يتعرض لها، لإمكان أن يقول قائل بعدم القياس فيها، أو بعدها من النوادر التى لا يعتد بها في مثل هذا المختصر.
وإما أن يقال: إنه اتبع في ذلك الجمهور، وجرى على طريقهم من غير نظير فيما يلزم عن ذلك، وهذا خلاف عادته، ولكنه ممكن على الجملة.
وإذا ثبت هذا فتلك المواضع المعترض بها ليست بمخلصة كلها، بل في بعضها نظر.
أما الأول، فإن البدلية فيه سائغة، والربط بالبدل فيه خلاف، فقد مر ذلك في باب «الاشتغال» وتقدم أن ظاهر كلامه هناك أن «العلقة» حاصلة بالبدل كما تحصل بالعطف.
وتبين وجهه هنالك.
وضبط ذلك سيبويه بالصفة، فما صح أن يكون رابطا في الصفة السببية صح أن يكون رابطا في «الاشتغال».
والصفة السببية، في كونها صفة الموصوف أو خبرا المبتدأ، سواء، فما جاز في «الاشتغال» جاز في الصفة، وما جاز في الصفة جاز في الخبر.
وهذا مسلم عند النحويين.
فالربط بالبدل جائز في الخبر لجوازه في «الاشتغال» فقولك: زيد ضربت هند أخته، أو هند ضربت زيدا أخاها- جائز على البدل، وعلى عطف البيان، فلم يتعين فيه عطف البيان، فخرج عن أن يعترض به وأما السادس فليس مما نحن فيه، فإن اسم الإشارة يجرى نعتا على العلم فتقول: مررت بزيد هذا.
وقد نص عليه الناظم وغيره، لأنه في تقدير المشتق، ولا مانع من ذلك / فلا يحتاج إلى تكلف عطف البيان إن سلم أنه يجرى نعتا فلا مانع من البدل أيضا، لأن تكرار العامل إنما معناه أن يقدر واليا له حقيقة، لا أن يكون العامل قبله مقدر الحذف، لكن جريانه على المبدل منه جار مجرى تكراره، كأن العامل مع المبدل منه عوض ومعوض منه.
وإن قيل: إنه على تقدير طرح الأول فأوضح في الجواز، لأن حرف النداء ظاهر، فإذا وليه (هذا) جاز.
فإن قيل: فلو فرض حذفه فقلت: زيد هذا- لم يصح فيه ذلك التوجيه- قيل: بل يصح، فإن المنادى كالعوض من حرف النداء، ولو قدر طرحه لجئ بالحرف، ليعامل كل اسم بما يليق به، وكذلك القول في التاسع من غير فرق.
ورأيت لهذا المقيد مثالا في أحد الموضعين المتقدمين في نظر أيضا، وذلك أنه قال: ومثل (يا أخانا زيدا) قول الشاعر:
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا
أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
في رواية من نصب «عبد شمس ونوفلا» قال: فلا يجوز هنا البدلية، لأن أحد المتعاطفين مفرد، وهما منصوبان، والبدل المجموع لا أحدهما، فلا يصح تقدير حرف النداء، وكلاهما تابع لمنصوب، لما يلزم من نصب أحدهما وهو المضاف، وبناء المفرد على الضم، والرواية بنصبهما.
هذا ما قال، وهو غير لازم، بل البدل جائز وإن كان الثانى مفردا، ويصح تقدير حرف النداء، ولا يلزم ضم المفرد، لأنه قد صار مع المضاف شيئا واحدا، فلا يمكن أن يختلفا في الإعراب والبناء، لأنه كاختلاف بعض الكلمة مع بعض، بل نقول: لو كان الاسمان معا مفردين لتعين النصب فيهما بدلين، وعطفى بيان.
أما مع البدلية فلأن مجموعهما هو البدل لا كل واحد منهما، إذ لو كان كل واحد منهما بدلا لكان من بدل المفرد من المثنى، وهو باطل، ولا يتأتى البناء فيهما إلا مع تقدير حرف النداء مع كل واحد، وذلك لا يصح، لأنه عند ذلك فلا يقدر حرف النداء إلا مع أول الاسمين، والمجموع هو البدل، فصار اسما مطولا بالعطف، كما لو سميت رجلا بزيد وعمرو، ثم ناديته لكنت قائلا:
يا زيدا وعمرا، فتنصب وجوبا كما تنصب المطولات، فمسالتنا بهذه المثابة من كل وجه، لأن الاسمين معا هما الاسم المثنى المنادى، فلو باشرا حرف النداء لانتصبا.
وعلى هذا يبنى حكم عطف البيان، لأن مجموعهما هو المعطوف، وقد كانا في المثال تابعين لمنصوب، فلا يصح فيهما غير النصب.
وكذلك إن تبعا مفردا، نحو يا صاحبان زيدا وعمرا، ويا زيدان بطة وقفة.
والعطف والبدل في ذلك سواء.
فثبت بهذا أن البيت لا يتعين فيه عطف البدل أصلا.
وإنما ذكرت هذا لئلا يتوهم أنه مما يعترض به على الناظم في جملة تلك المواضع، وليظهر وجه يصوب في المسألة.
وبالله التوفيق.
وتأمل مسألة الفارسى في «الإيضاح» فهي مبينة لهذا الموضع، وهي مسألة: يا ثلاثة وثلاثين في «باب النداء» وقول الناظم: «وليس أن يبدل بالمرضى» الضمير في «يبدل» يحتمل أن يعود على «بشر» في مثاله الأخير ونحوه، ويريد أن إعرابه بدلا غير مرضى، وإنما يعرب عطف بيان، ويتعين فيه ذلك، وكأنه أراد التنكيت على موضع الخلاف المنصوص، وذلك أن من النحويين من أجاز البدل في باب «اسم الفاعل» لكن على طريقتين، إحداهما طريقة من أجاز أن يضاف «اسم الفاعل» بالألف واللام إلى ما ليس فيه ألف ولام، وذلك مذهب الفراء، فهو يجيز: مررت بالضارب زيد، فإجازته لنحو: مررت بالضارب الرجل زيد، على البدل أولى.
والثانية طريقة من لا يعتبر حلول البدل في محل المبدل منه، وذلك مذهب الأعلم وابن خروف.
وحجتهما أن التابع قد يحل حيث يحل محل المتبوع، والبدل هنا كالعطف في: يا زيد والحارث، مع أنه لا يحل محله.
وكذلك رب رجل وأخيه، وكل شاة وسلختها بدرهم.
فإن أردت أن يحل محله.
فإن أردت أن يحل ذلك محل الأول أزلت الألف واللام من (الحارث والتارك) في قوله:
أنا ابن التارك البكرى بشر
والضمير من (الأخ والسخلة) وهذا كله على خلاف الاستقراء من البدل لأن مواضع البدل يصح فيها حلوله محل المبدل منه، فإذا لم توجد هذه الخاصية وقع الشك في كونه بدلا.
ولولا السماع في العطف لما قيس مع أنه نادر في السماع فلا يعتد به فالأصح مذهب الناظم.
وفي إشارته إلى البيت أيضا تنبيه على أنه قائل بمذهب سيبويه والجمهور في صحة الجر في مثل هذا خلافا للمبرد، فإنه منع الجر في «بشر» ونحوه.
وروى البيت بنصب «بشر».
قال السيرافى: والقول قول سيبويه للقياس وإنشاد العرب والنحويين «بشر» بالجر.
ويحتمل أن يكون الضمير في «يبدل» عائدا على عطف البيان المعين في المثالين ونحوهما، فيكون المعنى على أن البدل في هذه المواضع وما أشبهها غير مرضى أن يقال به.
ويكون تنكيتا على الخلاف الحاصل فيه في جميع المواضع، أو تخريجا، فالنص ما تقدم، والتخريج على قول الأعلم وابن خروف، إذ ظهر وجه مذهبهما، ومذهب الفراء لا أدرى هل يعتبر في الجواز ذلك الوجه أم لا، فلذلك لا ألتزم التفريع عليه.
والله أعلم.
عطف النسق
هذا هو الوجه الثاني من وجهي العطف، وهو عطف النسق.
والنسق في اللغة: الكلام الذي يأتي على نظام واحد، ونسقت الكلام نسقًا، بالتسكين، إذا عطفت بعضه على بعض، وأصله/ من التنسيق، أي التنظيم، لأن الكلام ينظم بعضه مع بعض، فالنسق في هذا الاستعمال من باب: الخبط والنفض فقولهم: (عطف النسق) بمعنى عطف الكلام المنسوق.
وليس المصدر إلا مسكنًا، فإذا أضيف العطف إلى المصدر قلت: عطف النسق.
وأتى الناظم بحد هذا العطف في قوله:
تالٍ بحرف متبع عطف النسق... كاخصص بود وثناءٍ من صدق
التالي هو التابع، وهو الجنس الأقرب، وقوله: "بحرف متبعٍ" أي بحرف وضع للتبعية، وهي أن يشرك الثاني مع الأول في عامله، فخرج بهذا الفصل سائر التوابع.
وسيذكر الحروف المتبعة، إلا أنه مثل بواحد منها وهو (الواو) فقال: "كاخصص بود وثناء" فـ (ثناء) معطوف على "ود" بالواو الموضوعة لذلك.
والكلام في هذا الباب في عطف المفردات لأن التبعية لا تتكون إلا فيها، وعليه يدل مثاله وكلامه.
و"عطف النسق" مبتدأ، خبره "تالٍ" وما تعلق به.
ثم أتى بحروف العطف فقال:
فالعطف مطلقًا بواو ثم فا... حتى أم او كفيك صدق ووفا
وأتبعت لفظًا فحسب بل ولا... لكن كلم يبد امرؤ لكن طلا
وهذه حروف العطف قد أتى بها، وهي تسعة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وأم وأو، وبل، ولا، ولكن.
ولم يذكر غيرها، فدل على أن ما عداها عنده ليس بحرف عطف، وإن ذهب إلى ذلك غيره.
والحروف التي اختلف فيها: هل هي للعطف أم لا، مما لم يذكره، سبعة: (إما) المكسورة، وإلا، وليس، وأين، وكيف، وهلا، و (أي) التفسيرية.
فأما (إما) فيشير إلى رأيه فيها.
وأما (إلا) فذهب الأخفش إلى جواز كونها حرف عطف، لأنها عنده تجئ بمعنى الواو، كقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾، وكذلك جعلها الفراء في قوله تعالى: ﴿إني لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾.
وهذه المواضع لا يلزم فيها ما قالاه، لأن بقاءها على أصلها من الاستثناء ممكن، وذلك الاستثناء المنقطع، مع أن (إلا) قد ثبت لها أصل وهو الاستثناء، فلا تخرج عنه إلا مع التعين، ولم يتعين ذلك في هذه المواضع، فلا تصح دعوى ما لم يثبت بمجرد الاحتمال.
وأما (ليس) فذهب الكوفيون إلى أنها تجئ حرف عطف، فيقولون قام زيد ليس عمرو، بمعنى: لا عمرو، محتجين بنحو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
بأبي شبيه بالنبي... ليس شبيه بعلي
ويقول لبيد:
وإن أقرضت قرضًا فاجزه... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
وذلك لا حجة فيه، لأنه على حذف خبر (ليس) وإذا اتجه هذا لم يبق لهم متعلق، ولا يجوز الخروج عما ثبت إلى ما لم يثبت، لأنه تحكم بغير دليل/.
وأما (أين، وكيف، وهلا) فحكى السيرافي عن الكوفيين جواز العطف بهن، فيقولون: ما مررت بزيدٍ ههنا فأين أبي عبد الله، وما مررت برجل فكيف امرأةٍ، وما مررت بزيدٍ فهلا عمروٍ.
وهذا كله غير جائز.
ولما مثل سيبويه بـ (كيف) وأن ما بعدها مرفوع قال: فزعم يونس أن الجر خطأ، وقال: هو بمنزلة (أين) قال سيبويه أو يونس: ومن جر فهو ينبغي له أن يقول: ما مررت بعبد الله فلم أخيه، وما لقيت زيداً مرة فكم لقيت أبا عمرو؟ تريد: فلم مررت بأخيه؟ وفكم أبا عمرو؟.
وقال السيرافي: والكوفيون لا يلتزمون هذا.
وأيضًا فما قالوا على خلاف شأن العاطف، فإن شأنه ألا يجتمع معه حرف عطف، فلا يقال: جاء زيد فو عمرو، ولا أكرمت الناس وحتى زيدًا إلا شاذًا في نحو قوله:
أراني ما بت بت على هوى... فثم إذا أصبحت أصبحت خاليَا
وأمثلتهم التي أجازوها قد اجتمعت فيها الفاء مع (أين، وكيف، وهلًا) وذلك خلاف القاعدة.
على أن بعض المتأخرين يزعم أن الكوفيين يوافقون على أنها ليست مع الفاء حروف عطف، وإنما تكون حروف عطف دونها.
وما حكاه السيرافي أثبت، وهو يستشعر من كلام سيبويه.
وأما (أي) فحكى ابن مالك عن صاحب "المستوفي في شرح المستصفي"، أنها عاطفة لجريان ما بعدها على ما قبلها، كقولك: رأيت أسدًا، أي شجاعًا، ونهيتك عن الونى، أي الفتور.
ورد هذا بأن حروف العطف لا يصح حذفها إلا شذوذًا، و (أي) يجوز حذفها جوازًا حسنًا، فإنك تقول في (مررت بغضنفر أي أسد): مررت بغضنفر أسد، وتستغني عن (أي) وسائر الحروف العاطفة على خلاف ذلك.
وأيضًا فإن حق العاطف أن يكون ما بعده مباينًا لما قبله، نحو: مررت بزيد وعمرو.
هذا في غير التوكيد، و (أي) بخلاف ذلك.
قال المؤلف: إنها حرف تفسير، وما يليها من تابع عطف بيان موافق لما قبلها في التعريف والتنكير.
فهذه السبعة هي الساقطة عن كلامه وفي اعتقاده فليست عنده عاطفة.
وما ذكر فهو الذي قال به، ولا أعلم في كونها للعطف خلاقًا إلا (لكن) فإنها مختلف فيها على حسب ما يأتي إن شاء الله في موضعه.
ولما أراد عد هذه الحروف قسمها أولًا قسمين:
أحدهما ما يأتي العطف المطلق، ومعنى ذلك أن يكون تشريك الثاني مع الأول في اللفظ والمعنى.
ويدل على هذا القصد قوله في القسم الثاني: "وأتبعت لفظًا فحسب كذا وكذا".
فأشار بهذا إلى أن الأول أتبع في اللفظ والمعنى، فهو قوله: "مطلقًا".
واتى لهذا القسم بستة أحرف وهي: الواو، وثم، والفاء، وحتى، وأم، وأو.
وعطف بعضها على بعض بغير حرف عطف ضرورة، وقصر لفظ (فا) ونقل همزة (أو) إلى ميم (أم).
ثم مثل/ بالواو، وهو قوله: "كفيك صدق ووفا" أي: فيك هذان الأمران، فقد اشترك الصدق والوفاء في العامل الأول في لفظه ومعناه، فإنك إذا قلت: قام زيد وعمرو- فالقيام حاصل لهما معاً، وقد ارتفعا به على جهة واحدة.
وكذلك قام زيد ثم عمرو، وقام زيد فمرو، وقدم المسافرون حتى المشاة، فالمشاة من جملة القادمين.
وكذلك إذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ لأن قائل هذا الكلام عالم بأن الذي في الدار أحدهما، وغير عالم بتعيينه، فالذي بعد (أم) مساوٍ للذي قبله في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه،
وحصول المساواة إنما هو بواسطة (أم) فقد شركتهما في المعنى كما شركتهما في اللفظ.
وكذلك (أو) إذا قلت: قام زيد أو عمرو- مشركة لما بعدها مع قبلها فيما يجاء بها لأجله من شك أو إبهام كما في المثال، أو تخيير أو غير ذلك.
وقد تقع موقع (الواو) فيكون حكمها حكم الواو.
وهذا توجيه المؤلف لـ (أو، وأم) وهي طريقته فيهما، أعني أنهما عنده يشركان في اللفظ والمعنى.
وفي هذا القسم تنبيهان:
أحدهما أن كلامه في (أم، وأو) مخالف- فيما زعم- للنحويين، إذ قد نصوا على أنهما إنما يشركان في اللفظ لا في المعنى، لأنك إذا قلت: قام زيد أو عمرو، فما بعد (أو) مخالف في المعنى لما قبلها، لان القيام حاصل لأحدهما دون الآخر بلا بد في اعتقادك، بحيث لا يعريان عنه معًا، ولا يتلبسان به معًا.
وكذلك إذا قلت: أقام زيد أم عمرو؟ فعندك أن أحدهما قائم، والآخر غير قائم، فسألت عن تعيين القائم منهما.
وإذا كان كذلك فكيف يقال: إنهما يشركان في اللفظ والمعنى؟ بل صارا مثل قولك: قام زيد لا عمرو، أو: ما قام زيد لكن عمرو، إلا أن القائم في مسألتنا غير متعين، وهو مع (لا، ولكن) متعين.
وقد رأيت الأستاذ شيخنا أبا عبد الله بن الفخار، رحمه الله، يحكى الإجماع على هذه الطريقة، تنكيتاً منه- والله أعلم- على ما ذهب إليه ابن مالك.
وقد صرح ابن مالك في "الشرح" بالمخالفة، وأن الصحيح ما ذهب إليه.
وأقول: إنه لم يتوارد مع النحويين على قصد واحد في المسألة؛ فإن النحويين إنما تكلموا على التشريك في معنى العامل المتقدم، وعلى هذا المعنى اتفقوا في (الواو، وثم، والفاء، وحتى) ولا يشك أحد أن معنى العامل- في محل النزاع- إنما هو لأحدهما دون الآخر، لكنه غير معين، وعدم التعين لا يضر في هذا القصد.
وابن مالك تكلم فيما يؤول إليه الكلام في قصد المتكلم، من عدم التعيين.
وعدم التعيين لمعنى العامل قد تساوي فيه ما قبل (أو، أم) وما بعدهما.
وما ذهب إليه مأخوذ من كلام سيبويه، فإنه قال في "باب العطف": ومن ذلك: مررت برجل أو امرأةٍ، فـ (أو) أشركت بينهما في الجر، وأثبتت المرور لأحدهما دون الآخر، وسوت بينهما في الدعوى.
فقوله: "وسوت بينهما في الدعوى" هو معنى كلام ابن مالك.
وقوله قيل: "وأثبتت المرور لأحدهما" هو كلام غيره، فإذا ينبغي أن يكون بينهما في المسألة خلاف، لأن إحدى الطريقتين لا تخالف الأخرى.
وقد اجتمعنا في كلام الإمام، فلم يكن ينبغي للمؤلف أن يصرح بمخالفة أصلًا.
والتنبيه الثاني أن (أم، وأو) على وجهين:
أحدهما أن يكونا بمعنى (بل) للإضراب: وحكمهما في المعنى حكم (بل) في أنهما من القسم الثاني الذي يشرهك في اللفظ فقط.
والآخر أن يكونا لغير ذلك، وحكمها كما قال.
فيقتضي إطلاقه هنا أنهما يشركان في اللفظ والمعنى في كلا الوجهين، وذلك غير صحيح.
ولذلك تحرز في "التسهيل" فقال: وكذا (أم، وأو) إن اقتضيا إضراباً، يعني أنهما كـ (بل، ولا).
والجواب أن كلامه هنا مطلق، قيده ما بعده، إذ تكلم على واحد منهما، وإذا كان مقيدًا لم يبق عليه فيه اعتراض.
والقسم الثاني ما يأتي للعطف المقيد.
ومعنى المقيد أن يكون التشريك في اللفظ لا في المعنى.
وهو قوله: "واتبعت لفظًا فحسب بل ولا" إلى آخره.
يعني أن هذه الأحرف الثلاثة، وهي (بل، ولا، ولكن) تتبع الثاني الأول في اللفظ خاصة، لا في اللفظ والمعنى معًا، كقولك: ما قام زيد بل عمرو، وقام زيد لا عمرو، وما قام زيد لكن عمرو.
ومثل الناظم هذا بقوله: "لم يبد امرؤ لكن طلا" قيل: أثبتت للثاني ما نفي عن الأول، و (لا) بالعكس، نفت عن الثاني ما ثبت الأول، و (لكن) بمعنى (بل) توجب للثاني ما نفي عن الأول، فأنت ترى كيف لم تشرك هذه الأحرف الثلاثة في معنى العامل أصلًا.
و (الطلا) بفتح الطاء ولقصر: الولد من ذوات الظلف، وهو المراد هنا.
وقد يطلق ويراد به الشخص، قاله الجوهري، وليس بمراد هنا.
وقد تم تعدادها جملة، ثم أخذ في تفصيل معانيها وأحكامها، فقال مبتدئًا بالواو لأنها أم الباب:
فاعطف بواو لاحقًا أو سابقًا... في الحكم أو مصاحبًا موافقًا
يعني أن الواو معناها في العطف الجمع المطلق من غير ترتيب ولامعية.
فإذا قلت: (قام زيد وعمرو) احتمل أن يكون عمرو لاحقًا لزيد، أي قائمًا بعده، ولذلك يحسن أن يقال: قام زيد وعمرو بعده، واحتمل أن يكون سابقًا لزيد في القيام، ولذلك يصح أن يقال: قام زيد وعمرو قبله وقبله.
واحتمل أن يكون مصاحبًا له في القيام، وموافقًا له في زمانه، فيكون فقيامها معًا، ولذلك يصلح أن يقال: قام زيد وعمرو معه.
قالوا: وليس فيها دلالة على شيء من ذلك، وهو نص سيبويه، ورأى البصريين والكوفيين.
حكى السيرافي الاتفاق من الطائفتين على ذلك.
وبعضهم يحكى عن الفراء المخالفة في هذا، وليس بصحيح، إذ قد نص في "معاني القرآن" له على ما نص عليه غيره من/ عدم التزام الترتيب، لكن الأصوليين يحكون الخلاف في المسألة، فلعله ناشئ من جهتهم.
فمما جاء في الترتيب اللفظي موافقاً للترتيب الزماني قوله تعالى ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها﴾، وقوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾، وقوله: ﴿إنا نحن نحيى ونميت وإلينا المصير﴾، وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
هجوت محمدًا وأجبت عنه... وعند الله في ذاك الجزاء
وذلك كثير.
ومما جاء على عكس الترتيب قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم﴾، وقوله: ﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾ في قراءة غير أبي عمرو والكسائي.
وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: ﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾.
ومما جاء على المعية قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، ونحو: اختصم زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو، وهذان زيد وعمرو، وما أشبه ذلك.
وهو كثير.
ومعنى قوله: "في الحكم" أي في الحكم الذي حكم به المتكلم على المعطوف، من تقدم أو تأخر أو مساواة.
وقد يكون ذلك الحكم لفظيًا كما إذا قلت: قام زيد وعمرو بعده، أو قلت: قام زيد وعمرو قبله، أو قلت: قام زيد وعمرو ومعه.
وقد لا يكون لفظيًا، كما إذا لم تلفظ بتلك الظروف، لكن معناها مستحضر عندك، فهو حكم منك أيضًا.
فكل ما كان هكذا فعطف بالواو فالمقصود منه (مجرد التشريك) في العامل الأول من غير تعرض لما حكم المتكلم به من غير وجه التشريك.
وتحرز بذلك من فهم السبقية في الوجود أو عدمها لا في الحكم.
وليس ذلك بمراد، فإن المعتمد في الكلام حكم المتكلم بمقتضاه في الوجود، لا حصول الوجود، فقد يقول القائل: (قام زيد) اعتقادًا منه انه قام، ولم يقم.
وقد يقوله كذبًا، وعلى غير ذلك، وليس في الخارج منه شيء.
فلو كان ما في الخارج قيدًا في الكلام لم يكن ثم كذب ولا غلط ولا نسيان، فكذلك إذا قال: قام زيد وعمرو، قد يكون في اعتقاده أن زيدًا هو السابق لعمرو أو بالعكس، والأمر في الخارج على خلاف ذلك، فإذا قال: "في الحكم" كان متحرزًا من ذلك كله، ولم يستلزم الحكم على الخارج بأمر أن يكون كما حكم، بل قد يكون وقد لا يكون.
وهذه المسألة مبينة في الأصول.
والسبقية هنا أطلقها، وهي التقدم، ولم يقيد ذلك، فكان في الكلام إبهام ما، وذلك أن التقدم والتأخر المتكلم فيه عند الأدباء، ليس الزماني خاصة.
بل التقدمات كلها معتبرة عندهم على حسب المقاصد ومقتضيات الأحوال، وهي التقدم بالطبع والرتبة والشرف والسببية، ومنها التقدم
بالزمان، فما الذي يخصص له تقدم الزمان وتأخره دون غيره؟ وهو الذي أراد بلا بد، إذ لا يتكلم النحويون إلا فيه.
فقد يقال: إن الناظم اتكل في ذلك على ما عند النحويين، وأيضًا فإنه أسبق إلى الذهن/ فلذلك لم يحتج إلى تنبيه لبيانه.
واخصص بها عطف الذي لا يغني... متبوعة كاصطف هذا وابني
ضمير "بها" عائد على (الواو) يريد أن الواو تختص من بين سائر أخواتها بعطف مالا يغنى عنه متبوعة، وذلك أن من العوامل مالا يستغنى بواحد دون أن يعطف عليه غيره فذلك العطف لا يكون إلا بالواو، لأنها التي تفيد الجمع المطلق.
وأما مال عداها فلا يفيده إلا بزيادة تقتضي ترتب المعطوف على المعطوف عليه أو غير ذلك مما يناقض مقصود الجمع المراد في عطف مالا يغني متبوعة.
فإذا قلت: (اصطف هذا وابني) وهو مثال الناظم، فالعطف هنا لابد منه، لأن الفعل فيه لا يقع إلا من اثنين، فلا يقال: اصطف زيد وتسكت.
فكذلك لو قلت: اصطف زيد فعمرو، أو اصطف زيد ثم عمرو، لاقتضاء هذا الكلام انفراد كل واحد منهما بالفعل، وهو فاسد.
ومثله: اقتتل زيد وعمرو، واختصم زيد وعمرو، (وتفاخر خالد وبكر، وكذلك مخفوض (بين) إذا كان مفردًا، ولا يغني دون أن يعطف عليه، فلا يعطف عليه إلا بالواو، فلا تقول: جلست بين زيد فعمروٍ،
ولا بين زيدٍ ثم عمرٍو) ولا ما أشبه ذلك، كما لا تقول: جلست بين زيدٍ - مقتصرًا، لأن المتبوع (لا يغني.
فلو كان المتبوع)، مغنيًا عن التابع لجاز العطف بالواو وغيرها، فتقول: المال بين الورثة، وجلست بين الناس، ونحو ذلك، فعلى هذا تقول: المال بين أهل الفروض فالعصبة، أو ثم العصبة، وقعدت بين الرجال ثم النساء، وما أشبه ذلك.
ون هذا قول امرئ القيس:
قفانبك من ذكرى حبيب ونزل... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها... لما نسجتها من جنوب وشمال
على ما سيأتي القول فيه بعيد هذا بحول الله.
ومن هذا قولك: هذان زيد وعمرو، وهو لا أبوك وأخوك وابنك، فلا يصح ههنا العطف إلا بالواو، إذا لا يغني المتبوع عن التابع، فلا تقول: هذان زيد، ولا هو أبوك، مقتصرًا.
فكذلك لا تقول: هذان زيد فعمرو، ولا هو أبوك ثم أخوك ثم ابنك، وذلك أن المعطوف هنا مع المعطوف عليه في قوة الاسم المثنى والمجموع، والمثنى والمجموع مرادفان لما يقتضي معناهما من الجمع المطلق، وذلك للواو لا لغيرها، وإنما كانا في قوة المثنى والمجموع لأنهما جاريان على مثنى أو مجموع، فليس المعطوف عليه بمعتبر فيه تقديم، كما أن المعطوف لا يعتبر فيه تأخير، لأن المتبوع يطلبهما طلبًا واحدًا من غير اعتبار ترتيب ولا غيره، فالعطف بغير الواو ينافي ذلك القصد، ويقتضي أن المعطوف عليه في حكم الاستقلال، لكن ترتب عليه ما أريد ترتيبه.
وكذلك الحكم في سائر حروف العطف، لا تقول:
هذان زيد لا عمرو وهذان زيد بل عمرو، ولا اصطف هذا/ بل ابني، أو لا ابني، أو ما أشبه لك، وذلك فيه أجلي، وهذا التعليل مشار إليه بقوله: "الذي لا يغني متبوعة".
ويدخل تحته أيضًا ما كان من نحو: مررت برجلين صالح وطالح، وبرجلين مسلم وكافر، ومررت برجال كاتب وشاعر وفقيه.
قالوا: وتتعين هنا دون غيرها، إذ لا يغني المتبوع عن التابع، وأنشد سيبويه:
بكيت وما بكا رجلٍ حزينٍ... على ربعين مسلوب وبال
وانشد أيضًا الحجاج:
خوى على مستويات خمس... كركرة وثفناتٍ ملس
وأنشد لكثير:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحةٍ... ورجل يرمي فيها الزمان فشلت
وفي قراءة مجاهد والحسن والزهري.
﴿قد كان لكم آية في... فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾، على الإتباع.
وهذا كله إذا أتبعت.
وأما القطع فلا يدخل تحت هذا الحكم./ وما ذكر هنا للواو هو أحد الحكمين الخاصين بها.
وسيذكر الثاني بعد.
وفي هذا الفصل نظر في أمور.
أحدها أنه قد قدم قول السيرافي أنه لا خلاف في (الواو) أنها لا توجب تقديم ما قدم من لفظه، وتأخير ما أمر لفظه، غير أن المؤلف في "التسهيل" "وشرحه" زعم أن جهة استعمالها أن يكون ما قبلها متحد الزمان مع ما بعدها راجحًا، ومتأخرات الزمان عما بعدها مرجوحًا، ومتقدم الزمان على ما بعدها متوسطًا بين الاستعمالين.
هذا مع التجريد من القرائن، وهذا اختياره بعد القول بأنها لا تقتضي ترتيبًا، فلا تنافي بين كلامه هنا وفي "التسهيل" (وشرحه)، وهو المعتمد في معنى (الواو).
فإن ثبت خلاف في ذلك فالدليل على صحة مذهب الناظم من أوجه، أجلاها الاستقراء والنقل عن الأئمة، وقد تقدم من ذلك أشياء.
وأيضاً فإذا ثبت عن أئمة الأدباء اعتبار غير الزمان من التقدمات، كالتقدم بالشرف والرتبة وغيرهما، وأنه لابد منه في مراعاة البلاغة، فلو اعتبر الزمان وحده لم يتمكن اعتبار غيره معه إلا إذا كان تابعًا له، وعند ذلك لا يتعين اعتبار غير الزمان، لكن ذلك باطل بالاستقراء، فما أدى إليه كذلك.
فإن قيل: اعتبار غير الزمان مجاز وعلى خلاف الأصل، والكلام إنما هو في الأصل، والحقيقة قيل: دعوى المجاز خلاف الأصل، فلا ترتكب إلا لدليل.
وقد استدل على ذلك بأمور أخر، كقوله تعالى ﴿وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة﴾، وفي الآية الأخرى على عكس هذا الترتيب.
فلو كانت (الواو) تقتضي الترتيب لتناقضت الآيتان.
وأيضًا فقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، وقد قال الصحابة: بأيهما نبدأ؟ وهم العارفون بلسانهم، فلو كانت الواو للترتيب عندهم لم يحتاجوا إلى سؤال، إلى غير ذلك من الأدلة.
والتطويل لا فائدة فيه، والمسألة قد تتبعها الناس، ولا زائد مع الاستقراء الصحيح.
والثاني: أن قوله: "في الحكم" إن كان مفسرًا بما تقدم فيبقى عليه ما لم يحكم عليه المتكلم بتقدم ولا تأخر ولا معية/ مهمل الاعتبار، فإن المتكلم قد يكون عارفًا بقيام زيد وعمرو (وغير عارف بزمان قيامها، فيخبر بذلك فيقول: قام زيد وعمرو)، فلا يكون عندهم حكم بتقدم شيء من ذلك، فلا يدخل له هذا القسم تحت نصه، ويبقى مسكلًا عليه، حيث ذكر نوعين، وهما ما حكم فيه المتكلم بالتقدم أو التأخر أو المعية لفظًا أو نية، وترك نوعًا آخر فلم يذكره، وهو متأكد الذكر.
إلا أن يقال: إنه أراد حكم من حكم على الجملة، لا حكم المتكلم، فإن المعطوف بـ (الواو) شأنه أن يحكم عليه بأحد الثلاثة المذكورة، فالحكم راجع إلى هذا المعنى.
والله أعلم.
والثالث: أنه ذكر الموضع الذي تختص به (الواو) دون غيرها، ولم يقيد (الواو) التي شأنها ذلك، وليست كل (واو) تقع في ذلك الموضع، وإنما تقع هنالك (الواو) التي يكون ما بعدها مصاحبًا لما قبلها في الحكم، فإن قولك: جلست بين زيد وعمرو- يقتضي مصاحبتهما معًا في الجلوس بينهما، ولا يصح غير ذلك.