كتاب وحكمة} على أن أصلها لمن ما، فزاد (من).
وقد حكى الناس: قد كان من مطٍر، وقد كان من حديٍث فخل عني.
وأما الشعر: فمن ذلك قول الشاعر:
وكنت رأى كالموت من بين ساعة... فكيف يبين كان موعده الحشر
وقال الراجز:
أمهرت منها جبة وتيسا
إلى غير هذا من الأبيات المذكورة في الشرح، فهذا سماع كثير ثابت نظمًا ونثرًا، فما الذي يمنع من القياس؟
فالجواب: أن جميع ما ذكر من السماع لا يثبت به ما قال.
أما أولًا: فإن الأصل الثابت في الحروف ألا تدعى فيها الزيادة إلا إذا تيقنت، وقام الدليل عليها، وأما مع بادي الرأي فذلك غير مخلص.
وأما ثانيًا: فإن هذه المواضع المستشهد بها محتملة لما قال، ولغير ذلك.
أما الآية الأولى: فعلى حذف الموصوف حملها طائفة كأن قال: نبأ من جملة نبأ المرسلين تعبر به أو تتأسى أو نحو ذلك مما يليق، فـ (من) إذذاك للتبعيض، وعلى هذا يجري الحكم في الآية التي تليها، وفي قوله: ﴿يغضوا من أبصارهم﴾، وقولهم: كان من مطر، ومن حديث.
وقد تحذف العرب المفعول لمقاصد، وتجتزئ دونها لدلالة عليها، ولغير دلالة.
وأما ﴿يكفر عنكم من سيئاتكم﴾ ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾.
فإنه مؤول كله على تضمين الفعل معنى فعل آخر، كأنه قال: يخلصكم من ذنوبكم، فرجع إلى معنى قوله في الآيات الأخر ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾.
فـ (من) إذًا لابتداء الغاية، كقولك: خلصت منه، وخرجت منه، وكذلك هي لابتداء الغاية مع قبل وبعد ونظرائهما، فالمعنى استقر له الأمر من هذه الغاية، ومن هذه الأخرى، ولم يذكر انتهاء الغاية؛ إذ لا يلزم ذكرها، وقد يكون ترك ذلك أبلغ، أو تكون غير محتاٍج إلى ذكرها للعلم بها، أو لغير ذلك.
وأما حديث: "إن من أشد الناس عذابًا"، فعلى إضمار الشأن؛ فلذلك رفع (المصورون).
والعجب أن المؤلف حمل الحديث في التسهيل على إضمار الشأن، وصرح بمخالفة الكسائي، ثم التزم هنا مذهبه، فاستدل به في الشرح على الزيادة.
وأما ﴿لما آتيناكم﴾ فإن ما قاله ابن جني فيها تفريع على مذهب الأخفش، والرواية فيها مقال، وإن سلم ما قال فذلك شاذ كشذوذ ما أتى في الشعر من ذلك.
وأما ﴿تجرى من تحتها﴾ فـ (من) لابتداء الغاية كسائر الظروف المجرورة بـ (من)، / وإذا كان كذلك لم يثبت لها زيادة في الواجب.
وأجاز بعض الناس زيادتها في غير النفي والاستفهام والنهي، وذلك الشرط، فيقال عنده: إن أكرمت من رجٍل أكرمك.
ورد بأن القائل: إن ضربت، وإن كان غير واقٍع مفروض الوقوع بخلاف الاستفهام، فالشرط في معنى الواجب، وإن كان غير واجب؛ ولذلك يخالف الاستفهام في الأحكام الجوابية، وفي غيرها، مع أن السماع في ذلك معدوم أو نادر فلا يلتفت إليه.
فإن قيل: فقول الناظم: (وزيد في نفٍي وشبهه) يقتضي دخول الشرط، فإنه يشبه النفي في كونه غير واقع.
قيل: وكذلك يدخل له إن اعتبر هذا المقدار من الشبه، الأمر، والعرض، والتحضيض، والتمني، والترجي، والدعاء، فكنت تقول على هذا المفهوم: اضرب من رجل، وهلا ضربت من رجل، وليتك تضرب من رجل، وكذلك
سائرها، وذلك غير صحيح، وكانت هذه الأشياء داخلًة عليه في الاستثناء المفرغ، وفي زيادة الباء في الخبر، وفي غير ذلك من المواضع التي قيد فيها بالنفي وشبهه، وإنما أراد بشبه النفي ما اختص بخصوصية النفي، وذلك أن يدخل على الأسماء المختصة بالنفي كأحٍد، وغريٍب، ودياٍر، وكتيٍع، ونحوها، وذلك يختص بالاستفهام، والنهي؛ لأن النهي إنما محصوله نفي الفعل، والاستفهام يفهم هذا المعنى من حيث كان يستدعي الجواب بالنفي، ولذلك لا تدخل (من) مع كل أداة استفهام، فلا تقول: أين قام من رجٍل؟ أو متى ضربت من رجٍل؟ وإنما تدخل مع هل؟ وما يكون مثلها؛ إذ كان؛ لأن متى، وأين، ونحوهما لا تستدعي نفي الفعل؛ بل تقتضي ثبوته، وأن الاستفهام إنما هو عن وصٍف من أوصاف الفعل الواجب، وليس الفعل واجبًا مع هل، فقد تبين أن غير الاستفهام ليس بشبيٍه بالنفي بهذا الاعتبار، فلا يشمله قول الناظم: (وشبهه) أصلًا.
والشرط الثاني: لزيادة (من) أن تدخل على نكرة كما تقدم تمثيله، وذلك قوله: (فجر نكرة).
ومثل اجتماع الشرطين بقوله: (كما لباغ من مقر)، والباغي: الظالم.
المتعدي.
يقال: بغى الرجل: إذا تعدى، وبغى عليه: تعدى، وجاوز حد القصد.
والمقر: ما يستقر فيه من الأرض، والشرط المذكور هنا يشترطه البصريون، ويوافقهم على اشتراطه الكوفيون إلا الأخفش من البصريين، فإنه يزعم أنها تزاد على الإطلاق من غير شرط، ونحا نحوه المؤلف في التسهيل أيضًا، إذ قال في المجرور بمن الزائدة: "ولا يمتنع تعريفه، ولا خلوه من نفي أو
شبهه، وفاقًا للأخفش".
واستدل على ذلك بما تقدم، وما استدل به غير ثابت كما مر.
ثم في هذا الكلام مسألتان:
إحداهما: أن ظاهره يعطي أن هذه الزيادة سماع؛ لأن قوله: (وزيد) يخبر عن أمٍر ماٍض، وأنه مفروغ منه، وذلك إنما يصدق على العرب، فإنهم الذين زادوا، ولو أراد زيادة القياس لقال: يزاد، أو يزاد في كذا، أو يجوز زيادته، أو ما يعطي معنى القياس، ولكنه لم يفعل ذلك، فأشكل كلامه من حيث إنه يوهم الوقوف على السماع/ وليس كذلك؛ بل هو قياس مطرد.
والجواب: أن قوله: (وزيد) لا يتعين للعرب؛ بل يمكن أن يريد أن أهل القياس من النحويين المتقدمين زادوه، فإذا أمكن هذا لم يحمل على الأول لأمرين:
أحدهما: أنه إنما انتصب للإخبار عما يقاس، فهو الأصل الذي انتصب لتقريره، فلا يحمل على غيره إلا بدليل.
والآخر: أنه قيد الزيادة بقيود، ومثلها بمثاٍل مرتجٍل مقيٍس، ولم يعين للمثال مثالًا مسموعًا، فدل على أنه قصد تقرير القياس لا التنبيه على السماع.
والثانية: أن هذه الزيادة لم يعين لها موضعًا مخصوصًا، وكان من حقه ذلك؛ إذ لا تزاد في كل موضع، وإن كان ثم نفي أو ما أشبهه؛ إذ لا تقول: ما زيد من قائٍم، وما هذا من رجٍل، ولا ما كان نحو ذلك، وإنما تزاد في مواضع مخصوصٍة، وهو لم ينبه عليها، فكان كلامه غير محرر.
والجواب: أن تمثيله أعطى شرطًا ثالثًا لا بد منه، وهو أن تكون النكرة يراد بها العموم، فيكون الحرف داخلًا يفيد نصية العموم أو تأكيده، فإن قوله: (ما
لباغ من مقر (مقر) فيه يراد به العموم، نفى كل مقر في الدنيا على أي وصٍف كان أو أي جهٍة كان، فإذا كان كذلك لم يدخل له: ما زيد قائم ونحوه؛ إذ لا يراد بقائٍم العموم أصلًا، بخلاف ما إذا قلت: ما في الدار رجل، فإنه يصح أن يراد فيه برجل العموم، فتدخل (من) إن شئت، فتقول: ما في الدار من رجٍل، وكذلك تقول: ما قام من رجٍل، لأن رجلا يراد به العموم، فإذا كان كذلك فقد حصل للزيادة ضابط صحيح، فيجوز دخولها على المبتدأ في نحو: ما في الدار من رجل، وما من عالٍم إلا زيد.
وفي القرآن: ﴿ما لكم من إلهٍ غيره﴾.
﴿وما من إلهٍ إلا الله﴾.
وعلى الفاعل نحو: ما قام من أحٍد، وما جاءني من رجٍل، وفي القرآن: ﴿هلا يراكم من أحٍد﴾.
وعلى المفعول نحو: ما ضربت من رجٍل، وقال الله: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء﴾.
ويونس بمعنى العموم في الموضع صلاحية (أحد) في مكان النكرة التي تريد أن تدخل عليها (من)، فإن كانت لغير عاقل فقدرها للعاقل، فإن صلح (أحد) مكانها فهو موضع زيادة (من)، وإلا فلا.
ولقد أسقط هذا الشرط الثالث بعض النحويين.
ومنهم ابن عصفور، وهو مخل بموضع القياس، وممن اعتنى به ابن أبي الربيع، فزاد: أن يراد بالنكرة
استغراق الجنس، واعترض عليه بأن استغراق الجنس مستفاد من زيادة (من) في أحد الوجهين، فكيف يشترط ما هو لازم عنها.
وأجيب بأن (من) لا تزاد في النكرة إلا بشرط أن يراد بها استغراق الجنس قبل دخول (من) عليها، ودخول (من) علامة على ذلك المعنى، فإن كانت تلك النكرة غير مراٍد بها استغراق الجنس، لم يجز دخول (من) عليها، كقولك: ما قام رجل واحد بل اثنان، أو أكثر، فالصحيح اشتراطه.
وأيضًا إن لم تقيد بذلك القيد لم يكن دخولها على المنفي النكرة منضبطًا، وهذا ظاهرة.
/ للانتها حتى ولام وإلى... ومن وباء يفهمان بدلا
يعني أن هذه الأحرف الثلاثة، وهي: حتى، واللام، وإلى تأتي لانتهاء الغاية، أما (حتى) فهي على أربعة أقسام: حرف عطٍف، وحرف ابتداٍء، وحرف تعليل، وحرف جر.
فالثلاثة الأولى سيأتي حكمها في مواضعها إن شاء الله.
وأما الجارة: فهي التي تكلم فيها هنا، ومعناها انتهاء الغاية كما ذكر، إلا أن مجرورها قد يكون مصدرًا مؤولًا، أي مسبوكًا من فعٍل وحرٍف مصدري، نحو قولك: صل حتى يطلع الفجر، تقديره: حتى طلوع الفجر، ومنه: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾.
الآية، وموضع ذكر هذا باب إعراب الفعل.
وقد يكون اسمًا صريحًا، نحو قوله تعالى: {سلام هي حتى مطلع
الفجر}، وقوله: ﴿ليسجننه حتى حين﴾.
وقوله: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾.
وقال الشاعر: قيل: هو الملتمس، وقيل غيره.
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله... والزاد حتى نعله ألقاها
يروى برفع النعل، ونصبه، وجره.
والشاهد في الجر، فإن قوله: (للانتها حتى) يريد الجارة، لأنها التي ذكرها هنا بخلاف غيرها، فإنها ليست بهذا المعنى، بل لها معاٍن أخر، فالعاطفة كالواو، والتعليلية كاللام، أو كي، والابتدائية كإنما، ونحوها من حروف الابتداء، إلا أن الغاية يصحبها معناها، فإنه المعنى الأصلي لها، فحتى هنا مرادفة لـ (إلى)؛ ولذلك يصح تعويض (إلى) منها.
وأما (اللام) فتكون أيضًا كما قال لانتهاء الغاية، وهو أحد معانيها التي يذكرها بعد، نحو قولك: هديته للطريق، كهديته إليه.
قال الله تعالى: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾.
كقوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى
صراط مستقيم}.
وقال تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾.
فاللام بمعنى إلى كقوله: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾.
وقال العجاج:
وحى لها القرار فاستقرت
ووحى وأوحى بمعنى واحد.
ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿حتى إذا أقلت سحابًا ثقالًا سقناه لبلٍد ميٍت﴾.
لقوله في الآية الأخرى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلٍد ميٍت﴾.
وقال: ﴿كل يجري لأجٍل مسمى﴾.
وفي موضع آخر: ﴿كل يجري إلى أجٍل مسمى﴾.
وأما (إلى) فمثالها في انتهاء الغاية قولك: جئت من الدار إلى المسجد.
وفي القرآن: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾.
﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾.
﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾.
﴿إليه مرجعكم جميعًا﴾ ﴿وإليه ترجعون﴾.
وأطلق القول
في انتهاء الغاية، فدل على أنها في (إلى) لا تختص بالمكان، كما كانت (من) في ابتداء الغاية لا تختص بالمكان، فكما تقول: سرت من الدار إلى المسجد تقول: سرت من يوم الجمعة إلى يوم الخميس.
ومنه قول النابغة:
تورثن من أزمان يوم حليمٍة... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
وقال كثير:
وما زلت من ليلى لدن طر شاربي... إلى اليوم كالمقتضى بكل سبيٍل
وحكى الأخفش: / من الآن إلى غد.
وفي الحديث: "فمطرنا من جمعة إلى جمعة".
والكلام في (إلى) كالكلام في (من)، ولا يرد عليه هنا ما ورد عليه
من كون الغاية توجد لا في زمان ولا في مكان، كما قال سيبويه: "وتقول - إذا كتب كتابًا: من فلان إلى فلان"؛ لأنه أطلق القول هنا في الغاية، ولم يقيدها بالزمان والمكان، كما فعل في (من) فكان كلامه ها هنا محررًا.
وقوله: (ومن وباء يفهمان بدلًا) يعني أن هذين الحرفين، وهما (من)، والباء يكونان لمعنى البدلية، أي: عن ما دخلا عليه يفهمان أنه أبدل منه غيره.
فأما (من) فهو المعنى الرابع، أو الخامس لها من المعاني المذكورة لها قبل، مثال ذلك: رضيت من إكرامك بالكلام الحسن.
وفي القرآن: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلقون﴾.
﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾.
وقال الشاعر - ويقال هو أبو الغول الطهوي:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
وأما الباء: فمعنى البدلية من جملة معانيها التي يذكرها بعد، وذلك نحو: عوضت كذا بكذا.
ومن قول رافع بن خديٍج - رضي الله عنه -: "ما يسرني
أني شهدت بدرًا بالعقبة".
وقال الطهوي المذكور:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا... شدوا الإغارة فرسانًا وركبانا
وعلامة كون الباء أو (من) للبدلية صحة وقوع (بدل) موقعها، وكان قول الناظم: (يفهمان بدلًا) يشير إلى هذا، أي: يفهمان معنى هذا اللفظ حتى يصح وقوعه موقعه، وهو صحيح، والله أعلم.
واللام للملك وشبهه وفي... تعديٍة أيضًا، وتعليٍل قفي
وزيد، والظرفية استبن ببا... و (في) وقد يبينان السببا
هذه معاني اللام الجارة، وذكر هنا أنها تجيء على قسمين: زائدة، وغير زائدة، فغير الزائدة تتصرف على خمسة أوجه من المعنى: فتأتي للملك، ولشبه الملك، وللتعدية، وللتعليل، والخامس: ما ذكره قبل من انتهاء الغاية.
أما كونها للملك فمعناه أن مجرورها مالك لما ذكر قبلها أو بعدها في الكلام، ومثال ذلك: المالك لزيٍد، والدابة لعمرٍو، ومن ذلك قولنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي القرآن: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾.
﴿إن الأرض لله﴾ الآية.
وهو كثير.
وأما كونها لشبه الملك: فيدخل تحته أشياء: منها الاستحقاق، نحو: الجلباب للجارية، والسرج للدابة، والجل للفرس، ومنها النسب، ويعبر عنه بالتخصيص أيضًا، نحو: لزيٍد عم، ولعمرٍو خال، وأما أبوك فلك أب، وما أشبه ذلك.
ومنها التمليك الذي عده في التسهيل نحو: وهبت لزيد، وشبه التمليك، نحو: ﴿والله جعل لكم الأرض بساطًا﴾.
﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾.
ومنه قولهم: أدوم لك ما تدوم لي.
وفي الشعر ما أنشده في الشرح:
ما لمولاك كنت كان لك المو... لي ومثل الذي تدين تدان
ومنها المقابلى لعلى/ نحو: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾.
وقال النمر بن تولب:
فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسر
ومنها اللام التي سماها لام التبليغ: وهي التي تأتي مع قول أو ما في معناه، نحو:
قلت له، وبينت له، وأذنت له، وفسرت له، وما أشبه ذلك، فكل هذه الأنواع داخلة تحت شبه الملك.
وأما التعدية: فإن المؤلف لم يذكر اللام - حيث استوفى معانيها - معنى تعديٍة، ولا ذكر أحد من المتقدمين - فيما أعلم - لها هذا المعنى.
وأيضًا فليست التعدية من المعاني التي وضعت الحروف لها، وإنما ذلك أمر لفظي مقصوده إيصال الفعل الذي لا يستقل بالوصول بنفسه إلى الاسم فيتعدى الفعل إلى ذلك الاسم بوساطة ذلك الحرف، وهذا القصد يشترك فيه جميع حروف الجر، فإنها وضعت لأن توصل الأفعال إلى الأسماء، فهي كما قالوا في الواو التي بمعنى مع في باب المفعول معه، و (إلا) في باب الاستثناء وما أشبه ذلك؛ ولأجل هذا المعنى سميت حروف إضافٍة، فإنها تضيف الأفعال إلى الأسماء ولم تكن الأفعال لتصل إليها دون تلك الحروف، فإذا توسطت صار الاسم مطلوبًا للفعل وصار في موضع نصب به، ولذلك تعطف على موضع الحرف نصبًا.
وبهذا المعنى فسر السيرافي قول سيبويه: "ولكنها - يعني حروف الجر - يضاف بها إلى الاسم ما قبله أو ما بعده"، وهذا الحكم في هذه الحروف غير منفرد عن معانيها التي وضعت لها؛ فلذلك صار هذا الموضع مشكلًا جدًا، وقد فسر ابنه التعدية بنحو: ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾، وقلت له: افعل.
ومعنى التعدية في هذا غير ظاهر إلا بالمعنى العام لجميع الحروف، وأيضًا قد جعل أبوه لما مثل به من ذلك معنى غير التعدية، فجعل للمثال الأول معنى التمليك، وللثاني معنى التبليغ.
ولقائل أن يقول: قد
جاءت الباء للتعدية في نحو: ذهبت به بمعنى أذهبته، كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾.
فلم لا تكون اللام كذلك؟
والجواب عنه: أن ذلك لم يثبت في اللام، كما ثبت عند الجمهور في الباء؛ إذ لا يقال: دخلت لزيٍد، بمعنى أدخلته، كما يقال: دخلت به، فالتعدية على هذا المعنى غير ثابتٍة للام مطلقًا، بل ولا لحرٍف من حروف الجر عند المبرد.
وأقرب ما يعتذر به عنه أن يريد بلام التعدية اللام التي تلحق المفعول به للمتعدي في الأصل بنفسه لضعٍف لحقه أن يبقى على أصله، فكأنه لما ضعف عن تعديه بنفسه بإطلاٍق قوي باللام، فصارت اللام لاختصاصها بتقوية ما صار ضعيفًا تسمى لام التعدية، ولذلك مواضع:
أحدها: أن يتقدم معمول الفعل المتعدي بنفسه، فيجوز دخول اللام على المفعول قياسًا، فيتعدى الفعل بها، نحو قولك: لزيٍد ضربت، ولزيٍد أعطيت درهمًا.
وفي القرآن/ الكريم: ﴿إن كنتم للرويا تعبرون﴾.
ويقاس على هذا، ولا يقتصر به على السماع.
والثاني: ما كان من العوامل فرعًا عن الفعل المتعدي بنفسه كاسم الفاعل، والمفعول، وأمثلة المبالغة، فإن الفرع لا يقوى في أحكامه قوة الأصل، نحو: هذا ضارب زيدًا، فتقول: هذا ضارب لعمرٍو.
ومنه في القرآن: {إن ربَّك
فعال لما يريد}.
وهذا أيضًا قياس مطرد، وكذلك المصدر الموصول كقولك: أعجبني ضربك زيدًا، فجائز أن تقول: ضربك لزيٍد؛ لأنه فرع، والفروع لا تقوى قوة الأصول.
والثالث: ما كان من الأفعال المتعدية قد بني للتعجب على صيغة (ما أفعله) نحو: ما أضرب زيدًا لعمرٍو وما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهم.
قالت طائفة: إنما دخلت اللام على المفعول به في الأصل؛ لضعف الفعل بدخول معنى التعجب فيه، كما ضعف الفعل حين قدم مفعوله عليه؛ لأن الفعل قد رد في التعجب إلى (فعل)، و (فعل) ضعيفة مختصة بغير المتعدي، وإنما تعدى بنفسه إلى المفعول الآخر من أجل النقل بالهمزة.
وهذا توجيه حسن.
والرابع: الفعل النائب عنه حرف النداء، إذا دخله معنى التعجب أو الاستغاثة جاز جره باللام، وقد كان قبل دخول ذلك المعنى يصل بنفسه؛ لأنه لما حذف الفعل ودخله معنى الإنشاء ضعف عن التعدي بنفسه، وخص ذلك بباب الاستغاثة والتعجب لما دخل على إنشاء النداء إنشاء آخر، فكانت اللام مقوية للعامل على التعدي، وهو معنى كون اللام معدية، وذلك أن اللام في هذه المواضع لم يؤت بها لإفادة معنى زائٍد قصد الإتيان به زيادًة على التعدية، وإلا كان سائر حروف الجر آتيًا فيها عند قصد معانيها، وليس كذلك.
فهذا دليل على قصد التعدية وحده دون الالتفات إلى المعاني التي وضعت لها، ولكن لما كان هذا محتاجًا إليه في الكلام على الجملة صار هذا
الاستعمال نحوًا من أنحاء اللام، فعده الناظم.
فإن قيل: أما في باب التعجب فقد نص في غير هذا الكتاب على أن المتعدي بنفسه يتعدى فيه باللام، فالظاهر ما تقدم فيه.
وأما لام الاستغاثة: فيمكن أن يقول به، ولم ينص فيه على مخالفٍة.
وأما ما عدا ذلك فقد نص في التسهيل على زيادتها، وأنها ليست للتعدية؛ إذ قال: "وتزاد مع مفعول ذي الواحد قياسًا في نحو: ﴿للرويا تعبرون﴾، ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾.
وإذا كانت عنده زائدة بطل كونها للتعدية عنده، ولم يصح ذلك التفسير المتقدم.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه يمكن أن يكون هنا رأي خلاف ما رآه هنا؛ لوجٍه ظهر له، ودليٍل عن له.
وهذا من عادته، فقد يرى هنا ما يرى في التسهيل خلافه، وقد مضى من هذا مواضع، وستأتي أخر يقع التنبيه عليها إن شاء الله لله تعالى.
والثاني: أن القول/ هنا بالزيادة على خلاف الدليل من وجهين:
أحدهما: أنه خروج عن أصل وضع الحروف، وذلك لا يصلح إلا إذا اضطر إليه، ولم يوجد عنه مندوحة، وقد وجدت بما ظهر له هنا.
والآخر: أن العلة في زيادتها عنده في هذا الموضع ضعف العامل عند تقدم المعمول على العامل، أو كونه فرعًا عن مباشرة العامل فيه بنفسه، وهذه العلة
أولى في الاعتلال لقصد التعدي باللام منها لقصد الزيادة؛ إذ لا يناسب ضعف العامل زيادة اللام من حيث هي زيادة ويناسب الإتيان بها للتعدية، فإن أراد بالزيادة هذا المعنى فصحيح، ويرجع الخلاف في اللفظ، وسماها زائدة بمعنى أن العامل مما يصل بنفسه على الجملة، فعدي بحرف، ولا مشاحة في الألفاظ، وقد أطلق لفظ الزيادة على اللام هنا شيخنا الأستاذ - رحمة الله عليه، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنها في هذه المواضع غير زائدٍة، ولكنها لتعدية ما ضعف عن التعدي إما بالتأخر، وإما بكون عمله غير أصيٍل، كما قالوا في لام المستغاث ونحوها، فكأنه - رحمه الله - أجاز الإطلاقين باعتبارين، والذي يصح دعوى الزيادة فيه ما كان نحو: ﴿ردف لكم﴾؛ لأنه لا وجه لدخول اللام المعدية هنا؛ لعدم الموجب إلا أن يقال ما يقال في نحو: نصحت لك، وكلت لك على القول بأنهما أصلان في نحو: جئتك، وجئت إليك، فيمكن - وقد أشار إليه ابن أبي الربيع، فلا زيادة إذًا في نحو: ﴿ردف لكم﴾.
فإن قيل: كيف حملت القول بالزيادة وعدمها على أنه خلال في لفٍظ، والخلاف موجود نقلًا، فمنهم من قال: إنها توجد زائدة، ومنهم من قال: لا تكون زائدًة البتة، والقائل الأول هو المبرد، واستدل بقوله: ﴿للرؤيا تعبرون﴾.
وبقوله: ﴿ردف لكم﴾.
ورد عليه بأن (ردف لكم) مضمن معنى الوصول، فلذلك تعدى باللام وأن (للرؤيا تعبرون) قد ضعف العامل فيه عن الطلب، فقوي.
فهذا كله نزاع معنوي لا لفظي.
فالجواب: أن تحقيق الخلاف راجع إلى ما تقدم، فإن أراد القائل بالزيادة أنها لم تأت لقصٍد آخر أصلًا، فقوله غير صحيح؛ إذ لو كانت اللام في نحو: ﴿للرؤيا تعبرون﴾.
كما قال، وقد كثر ذلك فيها مع التقدم لكانوا خلقاء أن يزيدوها مع التأخير كثيرًا حتى يصير قياسًا، لكن ذلك باطل، فما أدى إليه كذلك، فلما اختصت بالتقديم، أو بكون العامل فرعًا، دل على أن الزيادة لقصٍد، وهو معنى كونها غير زائدة.
ثم دلنا الدليل أن التقديم يضعف به العامل عن طلب المعمول بدليل أنك تقول: زيد ضربت، فلا يتسلط (ضربت) على (زيد)، ولا تقول: ضربت زيد البتة، وما ذاك إلا أن التقديم يضعف العامل عن العمل في ذلك المقدم، فذلك بعينه هو السبب في دخول اللام كثيرًا، وأن اللام لتقوية الفعل على الوصول إلى ذلك المتقدم، وهو معنى التعدية.
وأما كون اللام للتعليل، وهو معنى السببية، / أي أن المجرور بها على
للحكم المذكور قبلها أو بعدها، فمثاله: جئت لكرمك، وأتيتك لنيل فضلك، وكلمتك لنصحك، ومنه: كل لامٍ دخلت على المفعول له.
ومنه بالتأويل قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس﴾ الآية.
وقد جعل الزمخشري من ذلك ما كان نحو قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه﴾.
وقوله: ﴿وقالت أخراهم لأولاهم﴾.
﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يوتيهم الله خيرًل﴾.
وما أشبهه من القول المحكي
على الغيبة.
ومنه قول أبي الأسود الدؤلي:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها... حسدًا وبغيًا: إنه لذميم
وعلامة هذه اللام أن يصح تقدير (من أجل) أو (بسبب) في موضعها.
و(قفي) في كلام الناظم فعل مبني للمفعول من: قفوت أثره، أي اتبعته، والضمير فيه اللام.
وقوله (في تعديٍة) متعلق به، والتقدير: وقفي اللام في التعدية والتعليل، أي اتبع واعتمد يعني أن ذلك ثابت في اللام من كلام العرب.
وأما الزائدة: فهي التي نبه عليها بقوله: (وزيد)، والضمير اللام، وكل حرف من حروف المعجم يجوز تذكيره وتأنيثه، فمن التذكير قول الراجز:
وكافًا وميمين وسينًا طاسما
ومن الثابت قول الآخر أنشدهما معًا سيبويه:
كما بينت كاف تلوح وميمها
ويعني أن العرب زادت اللام لغير معنى من تلك المعاني، بل جعلت دخوله كخروجه وأكثر زيادته بالسماع.
فمن ذلك الآية الكريمة: ﴿قل عسى أن يكون ردف لكم﴾.
وقد تقدم.
ومثل ذلك قول ملحة الجرمي:
عملس أسفاٍر إذا استقبلت له... سموم كحر النار لم يتثلم
أراد استقبلته.
ومن ذلك أيضًا قول النابغة:
قالت بنو عامٍر خالوا بني أسٍد... يا بوس للحرب ضرارًا لأقوام
وقول سعد بن مالك بن قيس بن ضبيعة جد طرفة:
يا بوس للحرب التي... وضعت أراهط فاستراحوا
أراد: يا بوس الحرب، ثم أقحمت اللام بين المضاف والمضاف إليه.
وهذا مختص بالشعر، وكذلك قول الآخر، وهو أضعف:
فلا والله لا يلفى لما بي... ولا للما بهم أبدًا دواء
أي: ولا لما بهم، فزاد اللام ضرورة، وتزاد قياسًا على مذهب الجمهور بين المضاف والمضاف إليه في باب (لا)، نحو: لا أبا لك، ولا يدي لك بهذا الأمر.
وأنشد سيبويه:
أهدموا بيتك لا أبا لكل... وزعموا أنك لا أخا لكا
فأنا أمشي الدالي حوالكا
إلا أن ابن مالك لم يرتض هذا المذهب في الشرح، ولم يتكلم في هذا النظم على هذه اللام فيظهر أنه موافق للشرح أو مخالف.
ثم قال: (والظرفية استبن بيا)، الظرفية مفعول بـ (استبن)، ومعنى استبان: عرف، يقال: استبان الشيء بمعنى ظهر، واستبنته أنا: عرفته، فهو يتعدى ولا
يتعدى، فأتي الناظم بالمتعدي، فالمعنى: أعرف الظرفية بسبب الباء أو أعرف الظرفية في الباء وفي، فتكون الباء في (ببا) سببية أو ظرفية، ويريد أن هذين الحرفين يأتيان لمعنى الظرفية، فيكون ما جر بهما ظرفًا للفعل الواقع قبلهما أو بعدهما.
فأما الباء: فمعنى الظرفية لها هو ثاني معنى تأتي له؛ لأنه قدم لها معنى البدلية / وسيذكر باقي معانيها التي قصد ذكرها، ومثال الظرفية فيها قولك:
زيد بالبصرة، وأقمت بمكة، وفي القرآن الكريم: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا﴾.
﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾.
﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾.
﴿ولقد نصركم الله ببدٍر وأنتم أذلة﴾.
﴿إلا آل لوٍط نجيناهم بسحر﴾.
﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل﴾.
وعلامة كونها للظرفية صحة وقوع (في) موقعها، وهي علامة أكثرية ينكسر أطرادها، بقولهم: علمت به، وظننت به، وهي عندهم للظرفية، ولا تقع موقعها (في).
وأما (في): فالظرفية فيها ظاهرة أيضًا، كقولك: زيد في الدار، والمال في الكيس.
ومنه قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أياٍم معدوداٍت﴾.
{ويذكروا
اسم الله في أياٍم معلومات}.
﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾.
﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾.
إلا أن الظرفية فيهما قد تكون حقيقية، وذلك كما في الأمثلة، وقد تكون مجازية، كما في قولك: فلان ينظر في العلم.
وفي القرآن: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾.
﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾.
﴿لقد كان في قصصهم عبرة الأولي الألباب﴾.
وفي الباء نحو: علمت به، وظننت به بمعنى جعلته موضع علمي أو ظني.
ثم قال: (وقد يبينان السببا) ضمير (يبينان) عائد على الباء وفي، يعني أنهما قد يأتيان لمعنى السببية، فيبينان معناها بمعنى أن المجرور بهما يكون سببًا لما ذكر قبلهما أو بعدهما.
فأما الباء فقولك: أكرمتك بإكرامك زيدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾.
وقوله: ﴿فبظلٍم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباٍت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا﴾.
﴿فبما رحمٍة من الله لنت لهم﴾.
وقال الشاعر:
ولكن الرزية فقد شخص... يموت بموته بشرٌ كثيرٌ
وهذا معنى ثالث ذكره للباء؛ إذ قدم معنى البدلية والظرفية.
وأما (في) فلم يقدمها لها معنى إلا الظرفية، وهذا معنى ثاٍن لها، ومثالها في السببية: عذلتك في حب فلان، وأحببتك في لومه.
ومنه في القرآن: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ﴿قالت فذلكم الذي لمتنبي فيه﴾.
وفي الحديث: "عذبت امرأة في هرٍة ربطتها".
فمعنى (في) هنا السببية؛ ولذلك يصح في موضعها (بسبب).
ومن ذلك قول الشاعر:
فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي... وهموا بقتلي يا بثين لقولي
وهنا مسألتان:
إحداهما: أن السببية التي ذكر هنا بمعنى التعليل كما تقدم في الأمثلة.
وقد أطلق في التسهيل عليها لفظ التعليل، أعني على (في)، وأطلق على الباء التي يسميها النحويون باء الاستعانة باء السببية، نحو: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، وضربته بالسوط.
واعتذر عن إيثار هذا الإطلاق الذي اصطلح عليه
من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله عز/ وجل، فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز، نحو قوله تعالى: ﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾.
﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾.
﴿فأخرجنا به نبات كل شيء﴾.
وهذا الإطلاق لم يرده الناظم هنا، ولا أراد بالسببية إلا معنى التعليل؛ لأنه شرك مع الباء (في)، و (في) لا تأتي للاستعانة أصلاً، وتأتي للتعليل كما تبين.
وأيضًا فسيذكر للباء معنى الاستعانة على إثر هذا، فهو هنا فيما يظهر لبادي الرأي موافق لإطلاق النحويين ومفارق لنظره في استحداث ذلك الاصطلاح.
وسيأتي توجيه الموضع بما يمكن بحول الله.
والثانية: أن قوله: (وقد يبينان السبب) يقتضي أن هذا المعنى فيهما قليل.
وهذا مسلم في (في) إن سلم ما قال فيها، فإن كونها لمعنى السببية قليل.
أما إن قيل بنفي هذا المعنى فواضح.
وأما الباء فالسببية فيها معنى شهير كثير لا يوصف بالقلة، فإتيانه بقد المعطية لمعنى التقليل غير محرر، والله أعلم.
ثم أخذ في تكميل معاني الباء فقال:
بالبا استعن وعد عوض ألصق... ومثل مع ومن وعن بها انطق
فذكر لها في هذين البيتين سبعة معاٍن، فجميع ما ذكر للباء عشرة معانٍ:
الأول: الاستعانة، وهو قوله: (بالبا استعن) أي اجعلها في الكلام لمعنى الاستعانة، وهي في محصول الأمر الباء الداخلة على الآلات، نحو: كتبت بالقلم، فالقلم آلة يحصل بها للكاتب الكتب، وكذلك: ضربت بالسوط،
وقطعت بالسكين.
ومنه في القرآن: ﴿الذي علم بالقلم﴾.
﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾.
واعلم أنه حيث أثبت معنى الاستعانة للباء هنا يلزمه أحد أمرين:
إما أن يطلق القول بذلك بالنسبة إلى ما جاء للعباد، وما جاء لله عز وجل، فيلزم من ذلك أن يطلق على الله عز وجل لفظ الاستعانة، وأنه مستعين، كما أن العبد مستعين، وذلك لا يجوز كما قال في الشرح، فإن الله هو المستعان، وليس بالمستعين.
وإما أن يقال: إن الباء للسببية بالنسبة إلى الله تعالى في نحو: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ فيلزم مثل ذلك فيما كان راجعًا إلى العباد، ويرتفع معنى الاستعانة عن الباء جملة؛ فلا يكون إتيانه به هنا صحيحًا على هذا التقدير، فعلى كلا التقديرين يلزم المحذور.
والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجٍه:
أحدها: أن القرآن إنما نزل بلسان العرب على حسب ما يخاطب به بعضهم بعضًا وعلى ما يتعارفون بينهم، ومن جملة ما تعارفوا أن وضعوا الباء تدل على أن ما دخلت عليه آلة للفعل، وهي التي سماها النحاة المتأخرون باء الاستعانة، فإذا جاء في القرآن من خطاب الله للعباد ما هو على ذلك التقرير، فلا نكر فيه بناء على أن كتاب الله أنزل على قانون كلام العباد، كما أنه لا نكر في دخول أداة الترجي في خطاب الله تعالى للعباد في نحو: ﴿لعلة يتذكر أو يخشى﴾.
وقوله:
﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾.
/ بناء على جريانه على قانون كلام العباد، فباء الآلات التي تسمى في الاصطلاح باء الاستعانة كلعل وعسى اللتين تسميان حرفي ترج، والترجي والاستعانة على الله محال.
فإذا قيل: لا يقول ابن مالك لأن لعل وعسى للترجي في الآيتين، بل للتعليل.
قيل: فقد قال: إن لعل في قوله: ﴿لعلك باخع نفسك﴾.
إنها للإشفاق، ونسبة الإشفاق إلى الله عز وجل كنسبة الترجي إليه في أن ذلك عليه مستحيل.
فإن قيل: فإن في ذلك الإطلاق إبهامًا فيجتنب.
قيل: فكذلك في إطلاق لفظ الترجي والإشفاق، فكما يسوغ أن تقول في (لعل) مثلًا أنها للترجي أو للإشفاق بإطلاٍق، مع تنزه الله عن الاتصاف بهما، فكذلك تقول في الباء إنها للاستعانة إذا دخلت على الآلات بإطلاق مع تنزه الله عن الاستعانة.
والثاني: أن معنى الاستعانة لا يلزم فيه أن يكون المستعين مفتقرًا إلى الآلة المستعان بها ولا بد، بل معنى ذلك إيقاع الفعل بآلةٍ، وقد يكون الفاعل غنيًا عن الآلة، وقد يكون مفتقرًا إليها، فلا يكون معنى الاستعانة مفهومًا من هذا الاصطلاح، ولا فرق بين قولك: باء الاستعانة وبين قولك: الباء الداخلة على الآلات، أو الدالة على أن المجرور بها آلة، أو نحو ذلك، فالخلاف إذًا في لفٍظ ليس تحته معنى يخالف فيه.
فإن قيل: كيف يصح أن ينسب إلى الله تعالى الفعل بآلة.
قيل: يصح على الوجه الذي ينسب إليه الفعل بسبٍب.
فإن قيل: إن الآلة تقتضي الاحتياج إليها.
قيل: فيلزم أن يكون السبب مقتضيًا للاحتياج إليه.
فإن قلت في السبب: إن الله مسببه، فكذلك الآلة الله مصيرها آلة، فهو خالق الآلة وما صنع بها، وخالق السبب والمسبب عنه.
فإن قلت: الآلة تقتضي أن لها فعلًا لا يكون دونها.
قيل: فكذلك السبب، [لأنه] من حيث وضع سببًا، إنما وجد المسبب بوساطته حتى إذا [لم يوجد السبب] لم يوجد المسبب، فقد صار المحذور المتوهم في الآلة لازمًا في السبب، فإن لزم في القول بباء الآلة أمر لزم مثله في القول بباء السبب، فلزم ابن مالك ما فر منه.
فإن قيل: فالمراد إذًا من باء السبب وباء الاستعانة معنى واحد، وإذا كان كذلك فما أطلقه المؤلف على الباءين من المعنى الواحد لا محذور فيه، إذ لم يلزم فيهما محذور في كلام الله تعالى.
قيل: إطلاقه على باء الاستعانة أنها باء السبب خطأ؛ بل معقول السببية غير معقول الاستعانة، فجعل إحداهما هي الأخرى مخالف للوضع والمعقول، فإن السبب علة معقول وجد الفعل لأجلها، وليس كذلك الآلة؛ ولذلك تقول: أكرمتك بإكرامك إياي، فيعقل منه أن إكرامه لك علة في إكرامك له لا آلة؛ لأن الإكرام لا يتوهم فيه أنه آلة.
وتقول: كتبت
بالقلم، فيعقل منه أن القلم آلة لا علة؛ إذ لا يتوهم أن كتبك وقع بسبب القلم، وكذلك تفهم من قوله تعالى: ﴿الذي علم بالقلم﴾.
أن/ القلم آلة التعليم، ولا يفهم أنه سبب التعليم.
وهذا ظاهر.
والثالث: أنا إن سلمنا أن ما وقع من ذلك في كلام الله تعالى يجب حمله على أن الباء معناها السبب، فلا يجب ذلك في كلام العباد، بل نقول: إن قولك: كتبت بالقلم، وضربت بالسوط، وسائر ما تدخل الباء فيه على الآلات في كلام العباد تحمل الباء فيه على ظاهرها من الاستعانة؛ لظهور ذلك المعنى فيها.
ويحصل بهذه الطريقة الجمع بين كلامه هنا وتحرزه في الشرح، ويؤيد ذلك أن ما ذكره من الأمثلة في القرآن يظهر فيه معنى التعليل لصحة تقدير الباء بقولك (بسبب) أو (لأجل)، فتقول: فأخرجنا بسببه من كل الثمرات، وذلك صحيح بخلاف قولك: كتبت بالقلم كما تقدم.
والثاني من معاني الباء التعدية، وذلك قوله: (وعدى) أي: عد بها بمعنى أجعلها لذلك المعنى، ومعنى التعدية أن تدخل في الكلام على معمول الفعل، فيصير في المعنى كالمعدى بالهمزة، وذلك قولك: ذهبت به، بمعنى أذهبته، وخرجت به بمعنى أخرجته، وقعدت به، بمعنى أقعدته.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾.
بمعنى: لأذهب سمعهم وأبصارهم؛ إذ لا يصح توهم المعنى الآخر؛ إذ فيه نسبة الذهاب إلى
الله، وهو محال، وكذلك قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾.
معناه: أذهب الله نورهم.
ومنه قول امرئ القيس:
كميت يزل اللبلد عن حال متنه... كما زلت الصفواء بالمتنزل
فالمعنى كما أزلت الصفواء المتنزل، وإلا فالصفواء لا تزل.
وقال قيس بن الخطيم:
ديار التي كادت ونحن على منى... تحل بنا لولا نجاء الركائب
فالمعنى تحلنا.
ومن كلامهم: تكلم فلان فما سقط بحرف، وما أسقط حرفًا، على معنى واحد، وأنكر المبرد أن تقع الباء للتعدية، وحمل ما جاء مما ظاهره ذلك على أنها للمصاحبة، وما تقدم من الأمثلة لا يسوغ له هذا التأويل في
جميعها، فإنه إن ساغ له في الآية الأولى أن يقول إن المعنى: ولو شاء الله لذهب البرق بسمعهم، فيعيد الضمير على البرق - لم يسغ له في قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، ولا في البيتين، ولا في المثال الآخر، فالأصح ما ذهب إليه الناظم من إثبات هذا المعنى للباء، وهو مذهب الجمهور.
والثالث: من معاني الباء التعويض وذلك قوله: (عوض)، والمراد: وعوض، فحذف العاطف على عادته، وكذلك في (الصق) يعني أنها تجيء أيضًا لمعنى التعويض، يريد أن يقع ما جر بها عوضًا مما بعدها أو قبلها أو معوضًا منه، ويشمل هذا الموضع موضعين مما ذكره في التسهيل، وهما معنى البدل، والمقابلة، كقولهم: اشتريت الفرس بألٍف، وقابلت الإحسان بضعٍف.
وفي القرآن: ﴿أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾.
﴿أولائك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾.
ويقال: بعته ناجزًا بناجٍز، والسمن منوان بدرهٍم.
وقال الشاعر، وهو من أبيات الحماسة:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا... شدوا الإغارة فرسانًا وركبانا
ومنه أيضًا/ قول الله تعالى: ﴿اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾.
وقال معن بن أوس: وكنت إذا ما صاحب رام ظنه... وبدل سوءًا بالذي كان يفعل قلبت له ظهر المجن ولم أدم... على ذاك إلا ريثما أتحول وقال عبد الله بن الحارث يذكر نفي قريٍش له، ولمن أسلم من بلادهم: وبدلت شبلًا شبل كل ضعيفٍة... بذي فخٍر مأوى الضعاف الأرامل وفي الحماسة قول الآخر: أبدلها الله بلوٍن لونين... سواد وجٍه وبياض عينين وقال عدي بن زيد: وبدل الفيج بالزرافة والـ... أيام خون جم عجائبها والرابع: من معاني الباء الإلصاق، وذلك قوله: (ألصق) يريد أن الباء تقع أيضًا للإلصاق، ومعنى الإلصاق: أن تأتي لمعنى وصل الشيء بالشيء حقيقة أو
مجازًا، كقولك: مررت بزيٍد، ومسحت برأسي، وضربته بيدي، وما أشبه ذلك، وهي عند المؤلف: ما وقع في نحو: وصلت كذا بكذا.
وخلطت كذا بكذا.
وهو عند غيره على أعم من هذا، فإنها الأصل عندهم في معاني الباء، وما عدا ذلك من معانيها إلى معنى الإلصاق يرجع في الغالب، قال سيبويه: "وباء الجر إنما هي للإلصاق والاختلاط وذلك قولك: خرجت بزيد، ودخلت به وضربته بالسوط، ألصقت ضربك إياه بالسوط".
قال: "فما اتسع من هذا في الكلام، فهذا أصله" وما قاله صحيح، ولذلك قال الجزولي: "الباء للإلصاق، ويدخلها معنى الاستعانة، ومعنى الظرف، ومعنى المصاحبة".
قال الشلوبين - لما ذكر معانيها - ومعناها إنما هو الإلصاق، وما سوى ذلك من المعاني المذكورة، فليس بخارج عنه، أي أنه مناسب له.
ولم يعول ابن مالك على هذا الأصل؛ بل عد لها ما كان أصلًا أو فرعًا بناء على أنها في أصل وضعها لذلك، حملًا على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، وقد تقدم لهذا نظائر في كلامه.
والخامس: أن تأتي مرادفة في المعنى لـ (مع)، وذلك قوله: (ومثل مع ومن وعن بها انطق) مثل: منصوب بانطق، أي انطق بها مثل كذا، يريد أنها تقع مواقع هذه الأدوات على معانيها، فتنطبق بالباء في الموضع الذي تنطق فيه بمع،
وكذلك ما ذكر معها، فأما كونها تقع بمعنى (مع) فهي التي تسمى باء المصاحبة، وهي التي يصلح في موضعها (مع)، ويغني عنها وعن مجرورها الحال، وذلك قولك: "المرء بأصغريه".
أي مع أصغريه، ومصاحب لهما، وذهبت بزيد، أي مع زيٍد، وخرجت بثيابي، أي معها، ومصاحب لها.
وفي القرآن الكريم: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم﴾ أي مع الحق.
وقال تعالى: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلاٍم منا وبركاٍت عليك﴾.
أي مع سلام.
وكذلك قوله: ﴿تنبت بالدهن﴾.
وسمى هذه الباء في التسهيل باء المصاحبة.
وأما كونها تقع بمعنى (من)، وهو السادس من معانيها، فمثاله قول الله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾.
تقديره: يشرب منها، وعلى هذا حمل ابن قتيبة قوله تعالى: ﴿فإن لم يستجيبوا لكم فأعلموا أنما أنزل/ بعلم الله﴾.
أي: من علم الله.
وقال أبو ذؤيب الهذلي.
شربت بماء البحر ثم تصعدت... متى لجٍج خضٍر لهن نئيح
وقال عنترة العبسي:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت... زوراء تنفر عن حياض الديلم
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
ولم يعين الناظم أي تصريف (من) تقع الباء موقعه، فيوهم أحد أمرين كلاهما محذور.
أحدهما: أن تكون واقعة موقع (من) في جميع تصاريفها، فيوتى بها لابتداء الغاية، وللتبعيض، ولبيان الجنس، ولغير ذلك من معاني (من).
والثاني: أن تقع موقعها في معنى واحٍد من تلك المعاني، وهو لم يبينه، فربما يسبق أنها تقع موقع التي لابتداء الغاية، أو لبيان الجنس، وذلك غير صحيح؛ لأنها إنما تقع موقع التبعيضية خاصة، كما تبين في التمثيل.
وقد نص على ذلك في التسهيل إذ قال: "ومن التبعيضية"، فكان الواجب أن يقيد هنا كذلك.
ويمكن أن يعتذر عنه بأنه أحال على ما وقع في كلام العرب من ذلك؛
إذ لا توجد إلا بمعنى (من) التبعيضية، فلم يضطر إلى الاحتراز من غيرها.
وليس هذا الاعتذار بجيٍد؛ لأنه لم يتكلم في المسموع، وإنما تكلم في القياس؛ ولذلك قال: (بها انطق) أمرًا لمن أراد أن يتكلم بها كذلك قياسًا، فالظاهر أن كلامه غير مخلص.
وهنا مسألة وهو أنه إذا ثبت وقوع الباء بمعنى (من) التبعيضية، وأنها مرادفتها ثبت أن الباء تقع للتبعيض عند الناظم، فيقرب مذهب الشافعية في دعوى أن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ للتبعيض، كما لو قال: وامسحوا من رءوسكم، كما أن قوله: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ بمعنى: يشرب منها.
فإن قلت: من أين يتعين في الآية أن الباء هي التي بمعنى (من)، ولعلها بمعنى آخر كالإلصاق أو الاستعانة، ونحوهما، أو زائدة؟
قيل: هي عندهم متعينة إذا دخلت على مفعول يتعدى إليه الفعل بنفسه، فإنك تقول: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، فإذا لم تدخل اقتضى مسح جميعه، وإذا دخلت اقتضى مسح البعض.
قال الرازي: نحن نعلم بالضرورة الفرق بين أن تقول: مسحت يدي بالمنديل والحائط، وبين أن تقول: مسحت المنديل والحائط، في أن الأول يفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول، وقد اعترض على هذا بأمرين:
أحدهما: إمكان كونها زائدًة، لأن معنى الزيادة ممكن؛ إذ يقال: مسحت رأسي، ومسحت برأسي على معنى واحد.
والثاني: أن ابن جني ذكر أن كون الباء للتبعيض شيء لا يعرفه أهل اللغة.
وأمر ثالث: وهو إمكان أن تكون للإلصاق كأنه إلصاق المسح بالرأس.
وقد قيل بهذا، كما أنه قد قيل بالزيادة.
وأجيب عن الأول: أن الزيادة على خلاف الأصل، فلا يقال بها ما وجد عنها مندوحة، وقد وجدناها بأن تكون للتبعيض.
وعن الثاني: بأن قول ابن جني شهادة على النفي، وقول من أثبت التبعيض شهادة على الإثبات، وشهادة الإثبات مقدمة حسب ما تقرر في علمه.
وعن/ الثالث: أن كونها للإلصاق لا ينافي كونها للتبعيض؛ لأن معنى الإلصاق هو الأصل فيها، ثم يدخل عليه ما سواه من المعاني حسب ما بينه الحذاق.
وأيضًا إذا ثبت التبعيض بها في المثل المتقدمة، لم يصح نفيه عن الآية، وقد رد بوجه رابع حكاه عياض في "ترتيب المدارك" عن محمد بن عبد الحكم قال: قلت للشافعي: لأي شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه وترك بعضه أنه يجزئه؟
قال: من سبب الباء الزائدة.
قال الله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ ولم يقل رءوسكم.
قال قلت: فأي شي ترى في التيمم إذا مسح الإنسان بعض وجهه
وترك بعضًا؟
قال: لا يجزئه.
قلت: لم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
قال: فسكت.
انتهى.
وهذا إلزام للشافعي حسن غير أن الرازي قد اعتذر عنه بأنه الأصل أيضًا في آية التيمم، التبعيض، فكان الواجب القول به لولا معارضة ما دل على وجوب مسح جميع الوجه من السنة أو الإجماع، فقوي على هذا مذهب الشافعية بعض القوة.
وهذا شيء عرض، والمقصود أن هذا الموضع من كلام ابن مالك يعضد ما ذهب إليه الشافعية من إثبات معنى التبعيض على الجملة.
وأما كون الباء بمعنى (عن) وواقعة موقعها فأكثر ما يكون مع السؤال إذا قلت: سألت به، فإنه في معنى سألت عنه.
ومنه قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾ أي: عنه.
ومنه قول علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني... بصير بأدواء النساء طبيب
وقال ابن أحمر، واسمه عمرو:
تسائل بابن أحمر من رآه... أعارت عنه أم لم تعارا
وقال الأخطل:
دع المغمر لا تسأل بمصرعه... وسل بمصقلة الكبرى ما فعلا
وقال مالك بن حريم، أو خريم أو خزيم الهمداني:
ولا يسأل الضيف الغريب إذا شتا... بما زجرت قدري له حين ودعا
وقد تقع موقع (عن) في غير السؤال.
ومنه في القرآن: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾.
قال في الشرح: أي عن الغمام.
وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾: "أي وعن أيمانهم".
ويقوي ذلك الآية الأخرى: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم