شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 313-333

وأما (ابن مالك) فقد ذكر أن تابع اسم الإشارة إذا كان جامدًا عطف بيانٍ لا صفة، ويجري مذهبه في (أي) وهو نص ابنه في "شرح هذا النظم".
وقد تقدم استدلاله على أنه عطف بيان في "باب عطف البيان" وتقدم أن ظاهر "هذا النظم" أنه عطف بيان، ونص هنا على الصفة.
ولما كان كذلك أمكن أن يكون رأيه كرأي النحويين في كونه صفًة وإن كان جامدًا، ويكون مستثنًى من حده المتقدم في "عطف البيان" فإنه كالعموم، أو كالإطلاق، ويكون ما هنا كالتخصيص، أو التقييد، وهو الأولى.
ويمكن أن يكون أطلق هنا لفظ الصفة، والمراد عطف البيان، كما فعل في "التسهيل" اتكالاً على اشتراطه في "باب النعت" أن يكون النعت مشتقًا، فلا يدخل له (هذا الرجل) ولا (أيها الرجل) وأما كون ذي الألف واللام مرفوعًا فذلك لازم فيه عند الجمهور.
وذهب المازني إلى إجازة الرفع والنصب فيه، فتقول: يا أيها الرجل، ويا هذا الرجل، كما يجوز في سائر الصفات إذا قلت: يا زيد الفاضل، والفاضل.
قال الزجاج في "معانيه": ولم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله، ولا تابعه عليه أحد بعده، فهو مطروح مردود لمخالفة كلام العرب.

وهذا صحيح، فإن محالفة العرب والنحويين جميعًا خطأ، فلأجل هذه المسائل - والله أعلم -/ نبه بقوله: "لدى ذي المعرفة".
وأما رجوع التنكيت على هذا الأخير، فممكن أيضا، ولاسيما وهو رأى ضعيف جدًا لا يليق بمنصب المازني.
وإنما لزم الرفع في الصفة هنا لأمرين: أحدهما: أنه المنادى في التقدير كما تقدم، والمنادى المفرد لا ينتصب.
والثاني: أن الشيء إنما يحمل على الموضع في الأمر العام بعد تمام الكلام، و (أي) لم تتم بعد، فلا تقول: يا أي، ولا يا أيها، وتسكت، لأنه مبهم يلزمه التفسير، فصار هو و (الرجل) بمنزلة اسم واحد، كأنك قلت: يا رجل.
والنوع الثاني مما توصف به (أي) اسم الإشارة، وهو الذي نبه عليه في قوله: وأي هذا أيها الذي ورد... وصف أي بسوي هذا يرد يعني أنه قد ورد عن العرب وصف (أي) باسم الإشارة الذي هو (ذا) نحو: يا أيهذا الرجل، ومنه ما أنشد سيبويه.

ألا أيهذا المنزل الدارس الذي... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد وإنما وصفت (أي) بـ (ذا) وهي مبهمة مثلها، لأن (ذا) لما وصفت بما فيه الألف واللام، فصارت هي وصفتها بمنزلة شيء واحد - صح أن يوصف بها (أي) التي لا توصف إلا بما هما فيه.
بهذا وجهها سيبويه، وعلى هذا بنه الناظم بقوله: "وأيهذا أيها الذي ورد" أي ذلك ثابت في النقل، فلا ينبغي أن يعترض عليه، فإن العرب تتوسع في كلامها كما شاءت.
وروى عن الفارسي أنه قال: كنت قديمًا أستوحش من وصف (أي) بـ (ذا) وأرى أنه لا فائدة فيه، لأنهما معًا مبهمان، حتى رأيت لأبى عمروٍ في بعض كتبه مثل الذي أنكرت.
قال بعضهم: قلت لأبي علي: إلا أن انضمام (الرجل) إليه هو الذي يفيده اختصاصا قال: فهذا يقع بـ (الرجل) فأي حاجةٍ بنا إلى (هذا)؟ قال ابن خروف: وهذا من أبي عمروٍ وأبي علي تحكم، ورد لما قالت العرب واستححسنته، ومنه.
ألا أيهذا المنزل قال: وما يأتي على طريق التأكيد في كلامهم أكثر من أن يحصى، مع أن (هذا) يقرب به، و (أي) أكثر إيهامًا منه.

دليل ذلك أن (هذا) يتبعه عطف البيان، ولا يتبع (أيًا) ويوقف عليه، ولا يوقف على (أي) قال: وقد قال سيبويه في "باب وصف المبهمة": وكأنك أردت أن تقول: (يا الرجل) ولكنك قربت بـ (ذا) انتهى.
فهذا وجه ثبوت الوصف بـ (ذا) مع ما تقدم قبله.
والنوع الثالث: الاسم الموصول الذي في أوله الألف واللام نحو: يا أيها الذي قام، ومنه في القرآن الكريم: } وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون {وإنما وصل بـ (الذي) اعتبارًا بصورة الألف واللام، وكونه يعامل في النعت به معاملة ما هما فيه، ولشبهها بالألف واللام الموصولة في اسم الفاعل والمفعول، نحو: يا أيها القائم، ويا أيها الفاعل.
وهذا النوع هو المراد بقوله: "أيها الذي".
وقوله: "ورد" خبر قوله: "وأيهذا" وهو على حذف العاطف أي "وأيها ذا" و (أيها الذي) ورد في كلام العرب.
وكان الأولى أن يقول: وردا، بضمير المثنى، لكن أعاد ضمير / المفرد على معنى ما ذكر، كقوله: فيها خطوط من سوادٍ وبلق... كأنه في الجلد توليع البهق

ولم يقل: (كأنهما) لأنه على معنى ما ذكر.
ثم في هذين المثالين تنكيت على أمرين: أحدهما: أنه قال: "وأيهذا أيها الذي ورد" يعني: ورد سماعًا، فكأنهما على غير الاستعمال المستمر؛ إذ كان الأصل هو النوع الأول، وما سواه قليل بالنسبة إليه.
وعلى هذا يظهر أنه لم يجئ في المؤنث، ولا في المجموع غير (الذين) ونحو ذلك، فلم يأت (يا أيتها ذي) ولا (يا أيهال أولاء) وكذلك لم يأت (يا أيها اللذان) ولا (يا أيهها التي) ولا (يا أيتها اللائي) ولا ما أشبه ذلك.
ولكن القياس على ما سمع من ذلك فيه نظر، تركه الناظم تحت الاحتمال، بإحالته على السماع، بخلاف ما فيه الألف واللام، فإنه مطلق الاستعمال كما نص عليه.
والثاني: أنه أتى بـ (ذا) غير مكسوعة بـ (الكاف) فكان في ذلك إشارة إلى أن (الكاف) كالمنافية للنداءن وكذا نص عليه السيرافي في (أولئك) قال: (أولئك) لا ينادي، لأن الكاف للمخاطب، و (أولاء) غير الذي له الكاف، فكيف ينادى من ليس بمخاطب؟ وما قال لازم في كل اسم إشارة لحقته (الكاف) فيمكن أن يشير الناظم إلى هذا المعنى، فكأنه إنما أشار بقوله: "ورد" إلى هذه المعاني المتقدمة، ولم يلتزم فيها قياسا، لما فيها من النظر.

ثم قال: "ووصف أي يسوى هذا يرد" يعني أن (أيًا) في هذا الباب لا توصف بغير ما ذكر من الأنواع الثلاثة [وأن وصفها بسواها] مردود لا يقبل، لأنه ليس من كلام العرب، فلا يجوز أن يقال: يا أيها ذو الجمة، ولا يا أيها صاحب الرجل، ولا يا أيها زيد، ولا: يا أيها من جاءني، ولا ما أشبه ذلك.
وفي كلام الناظم في المسألة اعتراض من وجهين أو ثلاثة: أحدها: أنه أطلق القول في (أل) وما صحبته، ولم يقيد ذلك بالجنسية، وهم قد نصوا أنها لا تكون إلا التي للجنس.
فـ (أل) الغالبة على الاسم، كالصعق، والنجم، والدبران، والتي للمح الصفة، كالحارث والحسن - لا يجوز وصف (أي) بها، فلا يقال: يا أيها الصعق، ولا: يا أيها الدبران، ولا: يا أيها الحارث.
وكذلك (أل) التي يجبر بها فقد العلمية نحو: الزيدان، والزيدون، والهندات، فلا تقول: يا أيها الزيدان، أو الزيدون، ولا: يا أيتها الهندات، ولا ما كان مثل ذلك.
وقد نبه على هذا في "التسهيل" فقال: ويوصف بمصحوبها الجنسي، فترك هذا التقييد إخلال بلا بد.
والثاني: إطلاقه أيضا في الوصف بـ (ذا) وهي عند سيبويه وغيره من النحويين إنما توصف بـ (ذا) التي وصفت بذي الألف واللام.

وتأمل ما تقدم للفارسي والجرمي في الوصف بـ (ذا) فإنه مشعر بهذا المعنى.
فظاهر كلام الناظم صحة الاقتصار على اسم الإشارة في وصف (أي) وذلك مفتقر إلى / النقل، ومخالف للناس، ولو فرضنا ذلك لكان على خلاف القياس، كما قال الفارسي والجرمي.
والثالث: أن قوله: "وأيها مصحوب أل بعد" فأطلق في (أي) بالنسبة إلى ما فيه الألف واللام، فإنه تارًة يكون مذكرًا، وإطلاق (أيً) بالنسبة إليه صحيح، وتارًة يكون مؤنثًا، وإطلاق (أي) بالنسبة إليه غير صحيح، فإنك تقول: يا أيتها المرأة، ويا أيها الرجل، ولا يقال: يا أيها المرأة.
وكلام الناظم يقتضى جواز ذلك، وأنه المقول خاصًة، ولاسيما وقد قدم في (أي) الموصولة نحو هذا، وهو فيها صحيح، وهاهنا غير صحيح، قال الله تعالى} يا أيتها النفس المطمئنة {الآية، فعدم تقييد (أيً) هنا على ما ينبغي خلل ظاهر.
والرابع: أن (ذا) و (الذي) إذا وقعا صفتين فهما مرفوعا الموضع، لأنهما كالمعرف بالألف واللام، وإذا كان الأمر كذلك فقد يتوهم أنهما ليسا كذلك، والحكم في الأنواع الثلاثة واحد، ولابد لها من الرفع إلا على قول المازني، وهو مردود عند الناظم، فلو بين ذلك لكان أولى، ويتأكد ذلك بسبب ذكر الصفة بعد (ذا) نحو: يا أيهذا الرجل.

والخامس: أن قوله: "ووصف أي بسوي هذا يرد" حشو لا فائدة، فيه لأنه لو بين أنها توصف بالأنواع الثلاثة، ثم سكت لكان الاقتصار عليها مفهوما من كلامه، كما أنه لما ذكر ما يقع فاعلا لـ (نعم، وبئس) وسكت فهم له أن غير ذلك يقع فاعلا لهما، فكذلك هذا الموضع، مع أن عادته في أمثال هذا أن يكون تحت تنبيهه فائدة أو فوائد.
فما الذي أفاد بهذا الكلام؟ والجواب عن الأول: أنه يمكن أن يكون أطلق القول اعتبارًا بالأصل في الألف واللام، من أنها ليست للمح الصفة ولا للغلبه، ولذلك ترجع التي للمح الصفة إلى التي للتعريف المطلق، وكذلك الغالبة هي المعرفة في الأصل، لكن عرض لهما عارض طارئ، فاعتمد الناظم على الأصل، وعلى كثرة الاستعمال فيه، وألغى غيرها لذلك.
وهذا جواب ضعيف.
وعن الثاني: أن الذي اقتضاه كلامه من انفراد (ذا) عن الوصف قد يلتزم، فقد نص عليه بعض النحويين، وأنك تقول: يا أيها ذا، لأن (ذا) يجرى مجرى ما فيه الألف واللام ألا ترى أن قولك: (مررت بزيدٍ هذا) في معنى قولك: (مررت بزيدٍ الحاضر) فكما تدخل على ما فيه (أل) فكذلك تدخل على ما في معناه.
وأيضا فقد أشار في "الشرح"، إلى عدم التزام وصف (ذا) وأنشد على ذلك:

أيهذان كلا زادكما... ودعاني واغلاً فيمن يغل ثم قال: والأكثر أن يجمع بين الإشارة والألف واللام، ثم أنشد على ذلك بيتًا للفرزدق صدره: ألا أيهذا السائلي عن أرومتي ونظيره قول طرفة: ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وقول جميل بن معمر: ألا أيهذا اللائمي أن أحبها... تأمل كذا إني رأيتك أعنف / فلم يلتزم الفصل، ولذلك لم يقيده أيضا في "التسهيل"، ويكون وجه الجواز في قولك: (يا أيهذا) ما تقدم آنفا، وما في كلام ابن

خروف على استشكال الفارسي والجرمي؛ إذ ليس اسم الإشارة في الإبهام كأي.
وأما الثالث: فلا جواب لي عنه.
والجواب عن الرابع أنه قد يفهم له الرفع باقترانه بما له الرفع، وهو ذوا الألف واللام.
وأيضا فقد يقال: لما أتى بهما في أسلوب النقل المحض لم يتعرض لإعرابهما، وترك ذلك للناظر القائس؛ إذ لا فرق في وصف (أيً) بين (الرجل) وغيره باعتبار الأحكام اللفظية.
وعن الخامس: وذو إشارةٍ كأي في الصفه... إن كان تركها يفيت المعرفه يعني أن اسم الإشارة حكمه في الصفة حكم (أي) في التزام وصفه، لكن بشرط أن يكون اسم الإشارة مفتقرًا إلى التفسير، لإبهامه عند المخاطب، فهو يفيت ترك الصفة معرفة المشار إليه عنده، فحينئذٍ لابد من وصفه، كما لابد من وصف (أي على الإطلاق، وهذا معنى قوله: "إن كات تركها" يريد: ترك الصفة (يفيت المعرفة).
فتقول: يا ذا الرجل، ويا هذه المرأة.
ووجه ذلك: أن اسم الإشارة مبهم كأي في الأصل، فيلزمه من التفسير ما يلزمها، إلا أن يكون معه ما يعينه.

ومن ذلك قول خزز بن لوذان السدوسي، أنشده سيبويه: يا صاح يا ذا الضامر العنس... والرحل والأقتاب والحلس وأنشد أيضا لعبيد بن الأبرص مجيبًا لامرئ القيس في قوله: والله لا يذهب شيخي باطلا يا ذا المخوفنا بمقتل شيخه... حجرٍ تمنى صاحب الأحلام وأما إذا كان اسم الإشارة مستغنيًا عن الصفة، لكون تركها لا يفيت المعرفة بل هي حاصلة دونها، فلا تلزم الصفة؛ بل يجوز لك أن تقول: يا هذا، وتسكت، ولك أن تأتي بها فتقول: يا هذا الرجل، وهذا ظاهر من مفهوم كلامه.
والألف واللام في "الصفة" للعهد، يريد الصفة المذكورة في (أي) لا الصفة مطلقا، وعلى هذا فكل ما تقدم في صفة (أي) من لزوم الرفع، وعدم الاستغناء عنها، وغير ذلك من الأمور المتقدمة، جارٍ هنا.

إلا أنه، على هذا التقرير، معترض من جهة أنه أحال في التزام الصفة في اسم الإشارة على (أي) وقد قدم في (أي) أنها توصف بثلاثة أشياء: ما فيه الألف واللام، واسم الإشارة، والموصول المصدر بالألف واللام، فلابد أن يوصف اسم الإشارة على مقتضى كلامه بالثلاثة.
ووصفه بالأول لا أشكال فيه، وكذلك الثالث، إذ لا يمتنع أن يقال: يا هذا الذي قام.
وأما وصفه باسم الإشارة فغير صحيح، لا سماعًا ولا قياسًا، فعدم / السماع ظاهر.
وأما القياس: فلو قلت: (يا هذا ذا الرجل) لكان تكرارًا من غير فائدة، والفائدة إنما حصلت بـ (الرجل) وكذلك إذا قلت: (يا هذا هذا) فلا يفيد الثاني غير ما أفاده الأول، وقد فرضناه مفتقرا للبيان، فتكراره لا بيان فيه.
والجواب عن هذا: أنه قدم في (أي) ثلاثة أنواع من الصفة، واعتمد علي واحد منها وهو الأول، وأتى بما عداه في معرض أنه سماع، فالسماع لا يحال عليه إذا لم يكن قياسا، وهو إنما قال فيه: (ورد) ولم يحتم فيه بقياس، فلا إحالة عليه.
فإن قلت: فأنت تصف (هذا) بـ (الذي) قيل: إن كان ذلك فليس في قوة ذي الألف واللام، فلم يحفل به، أو يقال: إنه أحال علي الأنواع الثلاثة على الجملة، وترك إخراج اسم الإشارة لأنه معلوم، والله أعلم.
واعلم أنه إنما قال: (كأي في الصفة) لأنه لا يستوي حكم (أي) واسم الإشارة على الإطلاق، ولا أيضًا يستويان في أحكام (هذا الباب، أعنى باب النداء.

ألا ترى أن (أيًا) يجوز حذف حرف النداء معها، ولا يحسن مع اسم الإشارة، إلى غير ذلك، ولا أيضا يستويان في جميع أحكام التوابع وإن ساواها في الافتقار إلى الصفة، ألا ترى أن (أيًا) لا يجوز أن يجرى عليها من التوابع سوى ما تقدم إلا عطف النسق، والبدل، بخلاف اسم الإشارة، فإن التأكيد، وعطف البيان، يجريان عليه أيضا زيادة على جريان البدل، وعطف النسق.
وهذا كله مبين في غير هذا الموضع، وإنما القصد بيان أن تقييد الحكم بالصفة في كلامه ضروري لابد منه.
والله تعالى أعلم.
في نحو سعد سعد الأوس ينتصب... ثانٍ وضم وافتح أولاً تصب هذه مسألة أيضا تتعلق بـ (فصل التوابع) وهي مسألة ترجم عليها أبو القاسم في "الجمل"، "باب الأسمين اللذين لفظهما واحد والآخر مضاف منهما"، وذكر الناظم فيها أن (سعدًا) الثاني، وهو (سعد الأوس) ينتصب لا غير، إذ لم يذكر فيه سوى ذلك.
وأما "سعد" الأول، فذكر فيه وجهين: أحدهما: الضم، فتقول: (يا سعد سعد الأوس)، ومثله: يا زيد زيد عمروٍ.

الوجه الآخر: الفتح، فتقول: يا سعد سعد الأوس، ويا زيد زيد عمروٍ.
ومثله ما أنشد سيبويه لجرير: يا تيم تيم عدى لا أبا لكم... لا يلقينكم في سوءةٍ عمر وأنشد أيضا: يا زيد زيد اليعملات الذب وأنشد الفراء:

ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر وقدم الضم على الفتح لأنه القياس والأصل، بخلاف الثاني.
هذا تصوير ما صور الناظم، وبقى وجه ذلك لم يتعرض إليه بالنص، لأنه بالنسبة إلى المقصد من تصوير كيفية النطق غير ضروري؛ إذ من يعرف ما قال ينحو في المسألة نحو كلام العرب وإن لم يعرف وجهًا لضم ولا فتح، وكذلك فعل في "التسهيل" / ولكنه قد أشار هنا إلى شيءٍ من توجيهها واختيار بعض التأويلات على بعض، فلابد من ذكر ذلك وشرحه، لأن أرباب المختصرات، كالجزولى وغيره، يشيرون إلى التوجيه، فليحذ حذوهم على الاختصار بحسب ما يليق بالموضع، والله المستعان.
فأما إذا كان الأول مضموما فوجهه ظاهر، وينتصب الثاني إذ ذاك من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون (عطف بيان) على الأول على الموضع.
والثاني: أن يكون (بدلاً منه) كأنه في تقدير المباشرة لحرف النداء.
والثالث: أن يكون على (نداءٍ) مستأنف حذف منه حرف النداء.
والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يجوز معه ذكر حرف النداء، ولا يجوز ذلك في البدل.
وإن قيل: إنه على تقدير تكرار العامل؛ إذ هو عند ذلك العامل كالتقدير المعنوي الذي لا يتكلم به، بخلاف الآخر فإنه تقدير لفظي.

والرابع: أن يكون منصوبا بإضمار (أعني) كأنه لما قال: يا سعد - قيل له: من تعني؟ فقال: سعد الأوس.
وهذا الفعل هو الذي يقدر في مواضع البيان.
والخامس: أن يكون (نعتًا) للأول كأنه قال: يا سعد المنسوب للأوس.
وهذا الوجه ضعيف، لأن الوصف بالجامد، على توهم الاشتقاق، موقوف على السماع فلا يقال به ما وجد عنه مندوحة، وقد وجدنا ذلك: بجواز ما تقدم من الأوجه.
وقد يحتمل على ضعفه، بناًد على ما أصله ابن جنى بقوله: لا يمنعنك قوة القوى من إجازه الضعيف، وبني ذلك على أصلٍ عربي حسن.
وأما إذا كان الأول مفتوحا: فذلك عند الناظم فتح بناءٍ أو ما أشبه البناء، لا فتح إعراب؛ إذا لو كان فتح إعراب لقال: وضم وانصب أو لا تصب.
وإذا كان فتح بناء، والثاني: عنده معرب بالنصب لا مبني لقوله: (ينتصب) ولم يقل: ينفتح - كان ظاهر الميل المذهب السيرافي، وهو أن يكون أتبع حركه الأول المبنى حركة الثاني المعرب، لأن (سعد الأوس) في بيانه للأول مثل (ابن عمرو) ولاجتماع الأولين منهما في أنهما مبنيان مناديان.

وأجاز ذلك ابن خروف أيضا، فالفتح في الأول بناء، وفي الثاني إعراب، ولعمري إنه ظاهر، وثبت له نظير في "باب النداء" متفق عليه.
والمسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال من التأويل، أحدها: هذا.
والثاني: مذهب سيبويه: أن الاسم المضاف إليه مخفوض بالأول، والاسم الثاني: مقحم بين المضاف والمضاف إليه، ونظر ذلك بمسألة (لا أبالك) في إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه، وفي قوله: يا بؤس للحرب وقولهم: يا طلحة أقبل، وقول النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب

وهذا كله قد خولف فيه، ونقده المبرد من وجهين: أحدهما: أن اطراد الفصل بين المضاف والمضاف إليه مخصوص بالشعر، بشرط أن يكون / الفصل بظرف أو مجرور، وقول سيبويه يلزم عليه الفصل بالثاني بين الأول ومخفوضه وليس بظرفٍ ولا مجرور، ولا الفصل في شعر، فوجب القول بخلافه.
والثاني: أن الاسم الثاني غير مضاف إلى ما بعده، وهو مع ذلك غير منون، ولو كان على ما يقول سيبويه لكان منونًا؛ إذ لا مانع يمنع من ذلك، وهذا وإن كان المنتصرون لسيبويه قد أجابوا عنهما فالتأويل المذكور لا يقوى قوة الأول.
والثالث: مذهب المبرد، وهو أن المضاف إليه مخفوض بما يليه وهو "سعد" الثاني، ومخفوض الأول محذوف لفظا، مراد معنى، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه وهو نظير ما ذهب إليه في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، وقول الشاعر: بين ذراعي وجبهه الأسد وقد نقد عليه من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه لو كان المضاف إليه الأول محذوفًا لوجب رجوع التنوين، لزوال ما أوجب حذفه، لأنه إنما حذف للإضافة، فلما حذف المضاف إليه المعاقب للتنوين وجب رده، كما في (كل، وبعضٍ) ونحوهما.
والثاني: أنه لو كان كذلك لم يختص هذا الحكم بالنداء، فكنت تقول: هذا زيد زيد عمروٍ، ونحو ذلك، لأن مخفوض الأول عنده محذوف لدلالة الثاني عليه، وهو مطرد في "باب الإعمال"، فكونه اختص بالنداء دليل على خلاف ما قال.
والثالث: أن تأخر الدليل عند الحذف على خلاف الأصول، فكان ما ذهب إليه من هذا الوجه مرجوحًا.
هذا ما اعترضٍ به وإن كان فيه نظر، فما ذهب إليه أرجح، لأن رأى سيبويه والمبرد فيهما مخالفة القياس، وما ذهب إليه جارٍ على باب مقيس في النداء.
فإن قيل: فقد ذهب الناظم إلى مذهب المبرد في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، حسبما تقدم في "باب الإضافة"، وجعلة قياسا، فلم لم يلحق هذا الموضع بذلك كما ألحقه المبرد؟ بل الناظم أولى بهذا من المبرد، لأنه يرى هنالك جريان القياس، فلو حمل المسألة هنا على حذف المضاف من الأول لحملها على وجه مقيس أيضا، فكأن عدوله عن ذلك إلى وده آخر ترجيح من غير مرجح.
فالجواب بأمرين:

أحدهما: أنه قد شرط في مسألة الإضافة أن يكون في الثاني عطف في قوله: بشرط عطفٍ وإضافةٍ إلى... مثل الذي له أضفت الأولا ومسألة "النداء" لا عطف فيها وإنما فرق بينهما، والله أعلم، لأن السماع إنما كثر مع العطف لا دونه فلو أجرى هذه المسألة على ذلك لكان قد أجرها على ما ليس بقياس، مع إمكان إجرائها على القياس.
والذي يرجح هذا أن حذف المضاف مع عدم العطف قليل بالاستقراء، ومثل (يا سعد يا سعد الأوس) ليس بقليلٍ قلته في غير النداء، فدل ذلك على اختلاف البابين عند العرب.
والثاني: أنا لو سلمنا استواءهما لكان حملها على ما / حملها عليه أولى بمسائل "النداء" وحمل بعض الباب على بعضٍ أولى من حمله على باب آخر، وأيضًا فإن هذا المحمل لا تقدير حذفٍ فيه، فهو أولى مما يقدر فيه الحذف، لأن الحمل على الظاهر أولى، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، وهي من أصول العربية التي اعتمدها ابن مالك، وأخذها بكلتا يديه، فهذا ما اختار هنا.
وإذا ثبت هذا فيجوز في (سعد) الثاني على رأيه وجهان: النعت كـ (يا زيد بن عمروٍ) وعطف البيان خاصة.
ولا يجوز البدل لأنه في حكم الانفراد عن الأول، أعنى بالنسبة إلى الاستقلال بالعامل، وكذلك إن كان على نداءٍ ثانٍ أو على إضمار فعل، والتركيب ينافي ذلك كله.

وسعد الأوس هو سعد بن معاذ - رضي الله عنه - وهو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وهو أخو الخزرج بن حارثة بن ثعلبة [بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد.
وقوله: "سعد الأوس" وقوله: "وافتح أولاً" جاء بهما على نقل]، والحركة وبذلك يستقيم الوزن، إذ لو لم ينقل لانكسر.

}

جارٍ التحميل