شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 363-368

وفي (تَفَعَّلَ) قالوا: (تِفِعَّال) نحو تَحمَّل تِحِمالاً، قال سيبويه: ((وأما الذين قالوا: كِذَاباً فإنهم قالوا: تَحَّمْلْتُ تِحِمَّالاً 1)).
وفي (فَاعَل) جاء (الفِيعَال) بالياء، قالوا: قَاتَلَ قِيتَالاً، وهم الذين يقولون: تِحِمَّالاً.
قال سيبويه: ((فيُوَفِّرون الحروف، ويَجيئون به على مثال (إفْعَالٍ) وعلى مثال قولهم: كَلَّمْتُه كِلاَّماً 2)) يعني أنهم يَتَحرَّوْن أن يأتوا به على مثال (إفْعَال) ليكون مُوَفَّرَ الحروف، وجارياً على فِعْله بزيادة ألف قبل الآخر، ليماثل (أَفْعَلَ إِفْعَالاً) وكأن هذا الذي حَكى لغةٌ لبعض العرب في (فَعَّلَ، وتَفَعَّلَ، وفَاعَل) إلا أنها لا يقاس عليها.
وفي (فَعْلَلَ) جاء (الفَعْلاَلُ) بالفتح، فقالوا: الزَّلْزَالُ، والقَلْقَالُ، فَفَتحوا كما فتحوا تاء (التَّفْعِيل).
هذا في المضاعَف.
وجاء في (حَوْقَلَ) الْحِوقَال وعليه يُروى قوله 3: وبَعْدَ حِوْقَالِ الرِّجَالِ الْمِوتُ فجميعُ هذا وما كان مثله موقوفٌ على السماع كما قال.
وفَعْلَةٌ لَمرَّةٍ كَجَلْسَهْ وفِعْلَةٌ لهِيْئَةٍ كَجِلْسَهْ في غَيْرِ ذِي الثلاثِ بالتَّا المرَّهْ وشَذَّ فِيهِ هَيْئَةٌ كالحِمْرةْ

كل ما تقدم الكلام فيه من المصادر إنما هو فيما يُراد به الجنسُ، وهو الذي يُفهم مدلوله من... فعله./... 482 وأخذ الآن يتكلم 1 فيما يُراد به المرَّةُ الواحدةَ من الفِعْل، أو الهيئةُ المخصوصة منه، ولابد فيه من إلحاق التاء، لأن المصادر أجناس، ومن شأن الأجناس أن يُبَيَّن 2 أحدُها بالتاء، كَتْمرةٍ وتَمْرٍ، وثَمَرٍ، ونحو ذلك.
وتنقسم المصادر بحسب ذلك قسمين، أحدهما مصادر الثلاثي، الثاني مصادر غير الثلاثي، وهو الرباعي فما زاد.
فأما مصادر الثلاثي فَبيَّن الناظم أنها تأتي أبداً إذا أُرِيد بها المرَّةُ على (فَعْلَة) بفتح الفاء، لقوله: ((وفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ)) أي لمرة واحدةٍ من ذلك المعنى، كـ (جَلَسَةٍ) فإن المصدر المطلقَ لـ (جَلَسَ) الجُلوسُ على ما تقدم.
ومن ذلك قولك: ضَرَبْتُ ضَرْبَةً، وأَكَلَ أَكْلَةً، وشَرِبَ شَرْبَةً، وشَتَمَ شَتْمةً، وقَتَلَ قَتْلَةً، وما أشبه ذلك.
وفي تمثيله بـ (جَلْسَة) ما يُبَيِّن أن مصادر الثلاثي إذا كان فيها زيادةٌ على ما في الفعل لا مُعْتَبر بها في البناء للمرَّة الواحدة، بل تُطرح الزيادة، وتُبْنى من الباقي (فَعْلَةٌ) لأن مصدر (جَلَسَ) الجُلُوس، فتُحذف الواو، ولا يقال: جُلُوسَةً واحدةً، ولا قَعَد قُعُودَةً واحدةً، ولا ثَبَتَ ثَبَاتَةً واحدةً، وإنما تقول: قَعْدَةً، وثَبْتَةً.
وأَتَى أَتْيَةً واحدةً، ولا يقال: إتْيَانَةً، إلا أن يُسمع.

وكذلك إذا لم يكن في المصدر زيادة إلا أنه على غير بناء (فَعْل) إنما يُؤتى فيه بـ (فَعْلَة) كَبطِرَ بَطْرَةً، وهَدَيْتَه هَدْيَةً، وحَلَبَ حَلْبَةً، وحَلَفَ حَلْفَةً، ونحو ذلك، فلا يتعدى (فَعْلَة) أصلا.
ووجه ذلك أن منزلة (الجَلْسَة) من (الجُلوس) منزلةُ التَّمْرةَ من التَّمْر، فالأصل في الجنس ووَاحدِه أن يفرق بينهما بالتاء، فالأصل الجَلْس في (جَلَسَ) والقَعْد في (قَعَدَ) والكَذِب في (كَذَبَ)، فإذا قلتَ: القُعود والجُلوس فقد ألحقتَ في المصدر ما ليس في الفعل، مع أن هذه الزيادة غير لازمة، إذ قد يجئ فيه (فَعْل) بلا زيادة كما يجئ بالزيادة، فتقول: جَحَدَ جَحْداً وجُحوداً، وأَتَى أَتْياً وإتْيَاناً، ونحو ذلك.
بخلاف مصدر المزيد فيه، كـ (استَفْعَلَ، وأَفْعَلَ) فإن الزيادة في المصدر لابد منها، فلذلك فَرَّقوا بين مصدر الثلاثي إذا أرادوا به المرَّةَ ومصدرِ غير الثلاثي.
هذا معنى تعليل سيبويه 1. وشَذَّ في هذا النوع: أَتَيْتُه إتْيَانَةً واحدةً، ولَقِيتُه لِقَاءَةً واحدةً، ولُقْيَانَةً واحدةً.
الأخيرة عن الجوهري 2، والأوُلَيَانِ عن سيبويه.
ثم قال: وَفِعْلَةٌ لهِيْئَةٍ كجِلْسَهْ يعني أنه إذا أرادوا نوعاً من الفعل مخصوصاً، أو هيئةً منه، فأرادوا أن يُشْعِروا بذلك، ويَدلُّوا عليه باللفظ أتَوْا بالمصدر على (فِعْلَة) مكسَور الفاءِ، ملَحق الهاء، كـ (جِلْسة) إذا أرادتَ بها ضَرْباً من الجلوس.
ومثل ذلك: قَتَلْهُ قِتْلةً مُنْكَرَة، وقَعَدَ قِعْدةَ سَوْءٍ، وفلان حَسَنُ الطَّعْمَةِ

والرِّكْبَة، وماتَ مِيتَةً حَسَنةً وفي الحديث ((إذا قَتَلْتُم فأَحْسِنُوا القِتْلَة 1)) و ((مَنْ فارقَ الجماعةَ ماتَ مِيتةً جاهلَّيةَ 2)) وهو كثير.
وحُكم هذا حكم ما تقدم في المصدر المراد به المرَّةُ، لا يُتَعَّدى فيه هذا البناء وإن كان المصدر/ مَزيداً فيه، كالقعْدة من (القُعود) والرِّكْبَة من (الرُّكوب).
وكذلك مَثَّله الناظم بـ... 483 (الجِلْسَة) التي هي من (الجُلوس).
وأما مصادر غير الثلاثي فهو الذي قال فيه: ((في غَيْرِ ذِي الثَّلاَثِ بالتَّا المَرَّة)).
((المَرَّةُ)) مبتدأ، وخبره ((بالتَّا)) و ((في غير كذا)) حالٌ من (المَرَّة) والعامل فيه ((بالتاء)).
يعني أن ما زاد من الأفعال على الثلاثة فإن المرَّة منه بزيادة التَّاء على المصدر المعهود خاصَّة، لا يُتَعدَّى ذلك فيه، فتقول في الإكرام: إكْرَامَةً، وفي التعظيم: تَعْظِيمةً، نحو: أكرمتُه إكرامةً حَسَنةً، وعَظَّمْتُه تعظيمةً واحدةً، واكْتَسَبْتُ اكْتِسَابَةً، وتَقَاعَسَ تَقَاعُسَةً، وانْطَلق انطِلاَقةً، وتَدَحْرَجَ تَدَحْرُجَةً واحدةً، وما أشبه ذلك.
وبقي بعدُ النظرُ في ثلاث مسائل؛ إحداها أن ما ذَكر من الحكم ظاهرٌ فيما لا تاءَ فيه من المصادر، وأمَّا ما كانت فيه التاء بأصل الوضع نحو: أَقَامَ إقامةً، ودَحْرَجَ دَحْرَجَةً، وقاتَل مقاتلةً، واسْتَعان اسْتِعانةً، ونحو

ذلك- فلا يُزاد على ذلك فيه لقوله: ((بالتَّا المَرَّة)) ولم يَزِد على ذلك، فإذا كانت فيه التاء فلا يحتاج إلى إلحاقها، وتصير إذ ذاك دلالةُ التاء على المَرَّة بقصد القاصد.
ولو قال: تَحلق التَّاءُ للمَّرة لَسَاغ أيضاً، لأن التاء التي تدل على المرَّة غيرُ التاء التي لا تدل عليها.
والدَّليل على ذلك أنها لو لم تكن للمرَّة لم تًثَنِّ ما هي فيه ولم تجمعه، كما لا تفعل ذلك بما لا تاء فيه مما يُراد به الجنس.
والأمر في ذلك كله قريب.
فتقول: أَقَمْتُه إقامةً واحدةً، واستَعَنْتُه اسْتِعانًةً واحدةً، وقاتلتُه مقاتلةً واحدةً.
والثانية أن الناظم لم يَنص على ماله مصدران فأكثرُ لَيِّهما تَلحق التاء؟ لكنَّه أطلق القولَ بجواز اللَّحاق، فاقتضى أن لك ذلك في كل واحدٍ منها.
وليس كذلك، بل نَصَّ سيبويه وغيرُه على أن التاء تلحق من المصادر الأغلب في الاستعمال لا غير 1، فالذي على (فَاعَلَ) له (الفِعَالُ، والمَفَاعَلَة) وهذا الثاني هو المستعمل للمرَّة وإن كانت فيه التاء، ولا يقال: ضَارَبَ ضِرَابَةً واحدةً، وإنما يقال: ضَارَبَ مضاربةً واحدةً، والذي على (فَعْلَلَ) له (فَعْلَلَه، وفِعْلاَل) والمستعمل له في المرَّة (الفَعْلَلَة) لأن الأول هو الأغلب.
فالحاصل أن الفعل إذا كان له مصدران قياسيَّان فالأغلب هو المَقُول للمرَّة، ا, سَماعيَّان فكذلك، أو قياسيٌّ وسَمِاعيٌّ 2 فالقِياسِيُّ.
فكان من حق الناظم بيانُ ذلك كله، لكنه لم يَفعل فبقى إطلاقُه محتاجاً إلى التَّقييد.

والثالثة أن بناء الهَيئْة في الزائد على الثلاثة مَفْقُودٌ في كلامهم، لأن بناء (الفِعْلَة) لا يَتأتَّى فيه، إذ يلزم عن ذلك هدم البِنْية بحذف ما قُصِد إثباتُه فيها، فكأنهم اجتنبوا ذلك واستغنوا عنه بنفس المصدر الأصلي، أو المستعمل للمرَّة.
وإنما جاء فيه ذلك نادراً، وهو قوله: ((وشَذَّ فِيهِ هَيْئَةٌ)) الضمير في ((فيه)) عائد إلى ((غير ذي الثلاث)) ويريد أن (الفِعْلَة) فيه للهيئة شاذٌّ، فَتْركُ ذلك إذاً هو الباب.
ومما شَذَّ من ذلك قولهم: الخِمْرة، وهي هيئة الاخْتِمار، من الخِمَار، وهو / ما تُغَطِّي 484 به المرأةُ رأسَها.
أَتى به مثالاً للشاذّ؛ يقال: اخْتَمرت المرأةُ اخْتِماراً فهي حَسَنَةُ الخِمْرَة، وفي المثَل ((إنَّ العَوانَ لا تُعَلَّم الخِمْرَة 1)).
وقالوا: فلان حَسَن العِمَّة، من: اعْتَمَّ الرجلُ وتَعَمَّمَ، اعْتِماماً وتَعَمُّماً، وانْتَقَبتِ المرأةُ انْتِقاباً، وإنها لَحَسَنةُ النِّقْبَةِ.
وكان القياس عدم الحذف، إلا أنَّهم هَدَمُوا بِنْيَةَ المصدر، فَبنوا (الفِعْلَة) حرصاً على البيان.
والله أعلم.

جارٍ التحميل