[1 فَدَلّ على أنه مخالفٌ لمن قال: إنها مع السكون حرف (1)].
وقد حُكِي عن النحاس أن النحويين مجمعون على أنها حرفٌ، قال المؤلف: ((وهذا منه عَجَبٌ، لأن كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كلّ حالٍ، وأن الشاعر إنما سكنّها اضطراراً)).
والحاصل أن المسألة مختلف فيها، وقد رَجَّح في الشرح الاسميةَ بأن المعنى في الحركة والسكون واحدٌ، فلا سبيل إلى الحرفية؛ إذ لا يثبت ذلك فيها إلاّ بدليل، والأصل عدمه، وقد ثبتت الاسميّة مع الحركة باتفاق فيسُتَصْحَبُ الأصلُ حتى يَرِد ما يَخرُجُ عنه، وهذا معارضٌ بالسكون، فإنه لا يصحُّ في اسم معرب سكونٌ في التركيب من فتحَ بغير موجب.
وقد يجاب بأن يُدَّعى البناء على هذه اللغة لتضمّنها معنى حرف المصاحبة، وضُعِ للمصاحبة حرفٌ أو لا، ولا يقال: إنها قد استعملت مفردةً في قولهم: معاً، وإذا استعملت مفردةً ونكرةً أيضاً، فقد دَخَلها التمكّن فلا تبنى؛ إِذْ لقائلٍ أن يدّعي أنهما لفظان متباينان، وكذلك نقول: إنها مع المحَّركة العين مختلفتان استدلالاً بالأثر، ولا يلزم على ذلك محذورٌ، أما إن قلنا برأي سيبويه والخليل أَنَّ السكون للاضطرار فلا إشكال، ولكن يأباه/ رأي الناظم لما سيجئ بحول الله.... 389
والمسالة الثانية: أن قوله: ((مَعْ فيها قليل))، يدلّ على أن السكون ليس مختصاً بالضرورة، بل هو واقعٌ في الكلام؛ قد نُقِل عن الكسائي أن ربيعة تقول: ذهبتُ مَعْ أخِيك، وجئت مَعْ أبيك، بالسكون، وعليه حمل المؤلفُ بيت الراعي:
يشيِ منكُم وهَواي مَعْكُمْ
وهذا النقل يقتضي خلاف ما ذهب إليه سيبويه من أن السكون اضطرارٌ شعريٌّ؛ إذ لم يثبتُ عنده لغةً، وإذا ثَبَتَ لغةً، وإذا ثَبَتَ لغةً فلا يقالَ لأحدٍ، لسيبويه من السماعِ، ومن حَفِظ فمحفوظُه حجةٌ على من لم يحفَظ.
ثم قال بعد إثباتِ سكون العين: ((ونُقِل فتحٌ وكسرٌ لسكونٍ يتصل)) يعني أنه إذا اتصل بمَعْ الساكنةِ العينِ ساكنٌ بعده، فالمنقول عن المُسْكِنينَ فيها وجهان: الفتح والكسر، فالفتح نحو: سرت مَعَ القوم، ومْعَ ابْنِك.
والكسر نحو: سرتُ مَعِ ابنِك، ومَعِ القومِ.
وهذا ممّا يدلّ على أن السكون بناءٌ لا عارضٌ لموجبٍ غيرِه.
ووجه الكسر ظاهرٌ على أصلِ التقاء الساكنين، وأما الفتح فللإتباع، أو لاعتبار اللغة الأخرى.
فإن قيل: لِمَ حملْتَ قوله: ونُقِل كذا، على إنه يريدُ في لغة التسكين وحدها؟
قيل: لأنَّ مَعَ في اللغة الأخرى معربة، وحركة الإعراب لا تختلف مع الساكن، فلم يفتقر إلى التنبيه عليها، وإنما ينبغي التنبيه على ما نَبَّه عليه.
فقوله: ونُقِل كذا، إنما يريد في لغةِ ربيعةَ خاصة.
واضمُمْ بناءً غيراً أن عَدِمَتْ ما له أُضِيفَ، ناوياً ما عُدِما هذا فصلٌ يذكر فيه حكم اُسماء لازَمَتِ الإضافةَ، إلا أنها قُطعت عنها لفظا، فَبُنِيت عند ذلك، فيعني أن غيرا يُضمّ آخرها ضمةَ بناءٍ لا ضَمَة إعرابٍ إذا قُطِعت عن الإضافة وكانت مرادةً معنىً، فتقول: جاء القومُ الفُلانيُّون لا غيرُ،
وجاء أخوك ليس غيرُ.
وما أشبه ذلك.
وقولُه: بناءً، تنكيتٌ على من يقولُ: إن الضمَّة في قولك: جاء بنُو فلانٍ لا غيرُ، أو: ليس غيرُ-ضمةُ إعرابٍ، وهو الأخفش 1، فيرى أنَّ التنوين نُزِعَ للإضافة، لأنَّ المضاف إليه ثابت في التقدير.
وقد جاز ذلك ابنُ خروفٍ ايضاً، على أن يكون ((غير)) اسم ليس في قولك: ليس غيرُ، وقطعت عن الإضافة لفظاً، وعلى ذلك تكون ((غير)) في قولك: لا غيرُ، مبتدأةً محذوفةً الخبر إن كان يوجد، وإلا فقد نَصُّوا على أن العرب لا تقطع غيراً عن الإضافة إلا بعد ليس خاصة، فإن وقعت بعد غيرها من أدوات النفي لم تقطع.
وأكثرُ النحويّين على ما رآه الناظم من انه ضَمُّ بناءٍ، فإن المقطوع عن الإضافة مع إرادتها لا يعدو في الشائع أمرين: البناء على الضم، او إلحاق التنوين، فالأول كقبل وبعدُ، والثاني ككلٍّ وبعضٍ.
ويبقى النظر في وجه بنائها، فقالوا: إنها محمولةٌ على قبل وبعد لشبهها بهما في الإبهام والقطع عن الإضافة.
وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.
وقد قيل/: إنها بُنِيت لوقوعها موقع الحرف، 390 الأن العرب تقول: ليس إلاّ، في معنى: ليس غيرُ، فكأنها لما وقعَتْ موقع إِلاَّ عُومِلت معاملته في البناء.
وإنما بُنيت على حركةٍ للمزيّة التي لها على مالم يُعرَب قطُّ، وكانت الحركة ضمّةً حملاً على قبلُ وبعدُ.
فإن قيل: هذا البناءُ، إلى أيِّ نوع من أنواع شَبَهِ الحرفِ يرجعُ؟
فالجواب: أنَّا إِنْ فَرَضْنا أن كلَّ بناء جائزٍ أو لازمٍ راجعٌ إلى شَبِه
الحرف فحينئذ يلزمُنا الجوابُ، فنقول: أَمّا على القول بالبناء حملاً على قبلُ وبعدُ فسيذكر بعدُ، وأما على القول الآخر فكأنها ضُمّنت معنى إِلاَّ، أو حُمِلت على ما تضمّن 1 ذلك، فيرجع إلى شبه الحرف المعنوي.
ثم نرجع إلى كلامه فنقولُ: إنه شَرَط في هذا البناءِ المذكورِ شرطين:
أحدهما: أن تُعدَم الإضافةُ لفظاً، وذلك قولُه: ((إن عَدِمت ماله أُضِيف))، أي ك ما أُضِيفْ غَيرُ له، نحو قولك: قام زيدٌ ليس غيرُ.
وهذا الشرط مبنيٌّ على جواز قطع غير عن الإضافة، وإلا فلو كان غير جائز لم يتصوّر هذا الحكم الذي هو البناء.
فأما إذا لم تُعدَم الإضافة فمفهوم هذا الشرط ألاّ يُضَمَّ ضَمَّة بناءٍ، بل يبقى على أصله من الإعراب، فتقول: جاءني بنو فلانٍ ليس غيرُهم، وليس غَيرَهم، ولا غَيرهُم، ورأيت بني فلان لا غَيْرَهم، وما أشبه ذلك.
و((ما)): في موضع نصب بَعَدِمت.
والضمير في ((له)): عائد على ما، وهي واقعة على ما أضيف إليه غير.
والذي في ((أُضيف)): عائد إلى غير، كأنه قال: إن عَدِمت الاسمَ الذي أُضيف إليه غيرُ.
والثاني من الشرطين: أن يكون المضافُ إليه مراداً في التقدير، ولا يكون مُطَّرحاً جملةً، وذلك قوله: ((ناوياً ما عُدِما)).
ناويا: حالٌ من فاعل ((اضمُم)).
وذلك أنك إذا قٌلْتَ: ليس غيرُ، فالمعنى: ليس غيرُ ذلك المعنى الذي حَدَّثتُك به.
إشارةً إلى ما تقدم ذكره في الكلام، كائناً ما كان.
فلو لم يكن المضاف إليه منويا ولا مُقَدَّر الذكر، لم يُبنَ غيرُ، بل يجري مجرى قبل وبعدُ.
فتقول: ليس غيرٌ، ولا غيراً، أي: ليس ثَمَّ غيرٌ، بمعنى: ليس ثمَّ مغايرٌ.
ووجه
الإعراب هنا سيأتي ذكره إن شاء الله مبسوطاً، وإن كان ظاهرا لأنه الأصل، ولأن غيراً هنا نكرةً لفظاً ومعنىً، فجرت كسائر الأسماء النكرة غير المفتقرة لما بعدها.
فإن قيل: فقد تقرّر إذاً أن غيراً ليست من الأسماء اللازمة للإضافة، بل هي تُضافُ تارةً، ولا تضافُ أخرى، وإذا كانت كذلك فكيف يجعلها من الأسماء اللازمة للإضافة؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن غيراً أصلُها الإضافة لافتقارها في أصل الاستعمال لما يُبَيِّن معناها، كقبل وبعدٍ، وكلٌ وبعضٍ، وما جاء فيها من قصد التنكير أمرٌ طارئ عليها، على قصد تناسي المضاف إليه، مع أنك تجده ملحوظاً من طرفٍ خفيٍّ، لكنه أُهمِل في محصول الاستعمال، فالقياس يطلبه والقياسُ يلغيه.
وإذا 1 تعارض أصل القياس وأصل الاستعمال فالمقدّم أصل الاستعمال، فبهذا الاستعمال عُدَّ نكرةٌ غير منويّ الإضافة، وإلاّ فلا فَرْقَ في القياس/ يدل على ذلك المعنى الأصلي في 391 غير، وربما يَصعُبُ فهمُ هذا التقرير، ولكنه واضح في علم الأصول العربية، مقرَّرٌ في الكلام على الأصل والفرع.
والثاني: إن سُلِّم أن لها وجهين في الاستعمال، وهما الافتقار إلى الإضافة وعدمه، فالناظمُ إنما تكلَّم على القسم اللازم لها، لِمَا يَنْبَنِي له عليه من الأحكام، وتَرَك ذِكْر غَيره بأن أخرجه بالشرط الثاني، إذ لا حاجةَ له إليه في حكم البناء، وهذا ظاهر.
ثم أخذ في ذِكْر ما جرى مجرى غير فقال:
قبلُ كغيرُ، بعدُ، حسبُ، أوَّلُ
ودُونُ، والجهاتُ أيضاً، وَعَلُ
حَذَف هنا حرف العطُف، والمرادُ: وبعدُ وحسبُ وأوّلُ.
وهي مبتدآتٌ حُذِف خبرُها لدلالةِ قولِه ((كغيرُ)) عليه.
والتقدير: وبعدُ وحسبُ وكذا كغيرٍ.
يعني أن الأسماء كلها، الظروف منها وغيرها، وهي: قبلُ وبعدُ وحسبُ وأولُ ودونُ، والجهاتُ السِّتُ- وهي: فوقُ وتحتُ، وقُدّامُ وخلفُ، وأمامُ ووراءُ- وسائر أسمائها، وعلُ حكمُها حكمُ غيرٍ في البناء على الضمّ بالشرطَين المذكورين فيها، وهما: أن يكون المضافُ إليه غيرَ مذكورٍ معها في اللفظ، وأن يكون منويُّ الذكر، مقدَّر الظهور.
فلم لم يتوفَّر الشرطان لم يَجُز البناءُ، بل يلزمُ الإعراب، حسب ما يُذكر بعدُ' إن شاء الله.
أما قبلُ وبعدُ فمثالُ ذلك فيهما: ﴿للهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ﴾ أي: من قبل الحوادِث المذكورة ومن بعدها.
وأما حسبُ فإنك تقول: هذا رجلٌ حسبُك من رجلٍ، وهذا زيدٌ حسبُك من رَجُلٍ.
وتقطعه عن الإضافة فتقول: مررت بزيدٍ فحسبُ يا فتى، وأخذتُ درهماً فحسبُ، كأنه قال: فحسبُك، أو: فحسبي، فحذف لدلالة المعنى، وبنى حسبُ على الضمّ.
وأما أوّل فكقولهم: ابدأ بهذا أولُ.
يريد: أولَ الأشياء، لكنه حذف المضاف إليه.
ومنه قولُ مَعْنِ بنِ أوس 1:
لعُمرك ما أدرِي وإنِّي لأوجلُ
على أيِّنا تَعدُوا المنيّة أولُ
وأما دونُ فنحو قولك: جلست من دونُ.
تريد: من دونِ ذلك المكان المعروف.
أنشد سيبويه 1:
لا يحملُ الفارسَ إلاَّ المَلْبُونْ
المَحْضُ من أمامِه ومن دُونْ
فالقافية هنا لو كانت مطلقة الرَّوِيّ لكان مبنياً على الضمِّ، لأنه في نية الإضافة.
وأما الجهات فتقول فيها: جلستُ عند زيدٍ من خلفُ، أو: من أمامُ، أو: من قدّامُ، أو: من فوقُ، أو: من تحتُ.
وما أشبه ذلك.
ومنه ما أنشد سيبويه، لأبي النجم 2:
أقبُّ من تحتُ عريضٌ من علُ
وقال الآخر 3:
وتَفَرْي اللحمُ من تَعْدَائِها
فَهْيَ مِنْ تَحتُ مُشِيحاتُ الحُزُمْ
وقال الآخر 1:
تَظْمأ من تحتُ وتَرْوَى من عَالْ
وينشد هكذا:
ضَمْأَي النَّسا من تحتُ رَيَّا من عَالْ
وقال أيضاً 2:
قَبَّاءُ من تحتُ وريَّا مِنْ عَالْ
وأنشد الفراء والأخفش وغيرهما 3:
إذا أنا لم أُومَنْ عَليكَ وَلم يكنُ لقاؤُك إِلاَّ من وَراءُ وراءُ
وقال/ رجلٌ من بني تميم 4:... 392
لَعَن الإله تعِلَّةَ بن مُسَافِرٍ
لَعْناً يشَنُّ عَلَيه مِنْ قدَّامُ
والقوافي مرفوعة في هذا وما قبله.
وأما عَلْ فمعناه معنى فوق، تقول: جئتُ من عَلُ، كما تقول: جئت من
فوقُ.
ومنه قولُ أوسٍ 1
فَمَلَّكَ باللِّيطِ الذي تحتِ قشْرِها
كَغِرْقِئِ بيضٍ كَنَّه القَيْضُ من عَلُ
وأنشد السيرافي 2:
ولقد سَدَدْتُ عليك كلّ ثنيَةٍ
وأتيت فوق بني كُليبٍ من علُ
هذه جملة ما أتى به الناظم من السماء التي تُبنى على الضم إذا قُطعت عن الإضافة مع بقاء معناها.
ودخل في الجهات الستِّ: يمنةُ وشأمةُ.
ولكن السماع فيها قليل، والقياس قابل.
وكذا كل ما وقع على الجات الست كَتُجاه وقُبالَةَ، وحِذاء وإزاء وتلقاء، وأعلى وأسفل.
وما كان نحوها من الجهات التي تقع ظروفا، كل ذلك داخلٌ تحت قوله: ((والجهات أيضا)).
وسببُ البناء فيه كلِّها الشبه بقبل وبعد في الإبهام والقطع عن الإضافة.
وأما قبلُ وبعد فلمناسبة الحرف، ومناسبتهما له من جهة أن أصلهما الإضافة واكتُفِى بمعرفة المخاطب، فَحُذِف المضاف إليه، فلما بقى المضاف وَتَضَمَّن معنى الإضافة وجب أن يُبنيَ، لأن بعض الاسم مبني.
وقال في الشرح المؤلِّفُ: إنهما وغيرهما مما تقدم بُني لشبه الحرف لفظا من قَبلِ الجمود، وكونها لا تثنى ولا تجمع، ولا يخبر عنها، ولا تصغَّر 1، ولا يُشتق منها.
وبالجملة لا تتصرّفُ تصرّف السماء.
وشبهه معنى من جهة الافتقار لما يُبين معناها لزوما، قال: فكان مقتضى هذا أن تُبنى أبداً، إلا أنها أشبهت الأسماء التامة الدلالة بأن أُضيفت إضافةً صريحةً، وبأن جُرِّدت تجريداً صريحاً قصداً للتنكير، فوافقتها في الإعراب، فإذا قُطعت عن الإضافة ونُوِى معنى الثاني دون لفظه أشبهت حروف الجواب في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها.
والحاصلُ لها الآن ثلاثةُ أحوال: حالُ التصريح بترك الإضافة عند قصد التنكير، وحالُ التصريح بالإضافة عند قصد التعريف، وحالُ تركِ الإضافة لفظاً وإرادتها معنى، فكان البناءُ مع هذه الحال الأخيرة أليقَ لأنها على خلاف الأصل، وبناءُ الاسم على خلاف الأصل، فَجَمع بينهما التناسبُ، وتعيّن كون الإعراب مع الحالين الأخيريين لأنهما على وَفْقِ الأصل، وإعراب الاسم على وفق الأصل.
وإنما بُنيت على حركة للمزيّة الثابتة لها على مالم يُعْربْ قَطُّ، وكانت ضمةٌ لأنها حالة لا تعرب عليها قبلُ وبعدُ، وحًمِلت البواقي عليها، أو لأن الفتحة قد استحقَّها الإعراب ظرفا أو حالاً، والكسرة لم يُبن عليها لإيهام الجرّ بالإضافة، فلم يبق إلا الضمةُ.
فإن قيل: إلى أي وجهٍ شبه الحرف يرجعُ؟
فالجواب: أنا قلنا: أن الناظم لم يحصر أوجه شبه الحرف في الأنواع الأربعة، فلا إشكال، لأن ما كر هنا نوعٌ آخرٌ من الشبه، وهو الشبه بحرف الجواب.
وكذلك/ إن قلنا: إنه ذكر 393 الشبه اللازم المقتضي للبناء اللازم، وأما أن قلنا: أنه حصر أنواع الشبه في الأربعة، وأن البناء اللازم وغير اللازم يرجع إليها فنقول: إنه يرجع إلى الافتقار الأصيل لأنه يشبههه، أو للشبه المعنوي لتضمنه معنى الإضافة، كما أشار إليه السيرافي.
ولما كان هذا ابناء- كما تقدم- مشروطاً بشرطين، وهما عدم الإضافة لفظاً وأرادتها معنى، كان ما تخلف عنه شرطٌ منهما في هذه الأسماء المتقدمة يرجع إلى الإعراب، وذلك ما كان مضافاً في اللفظ، نحو: جلست خلفَك وأمامك وقُدَّام زيد، وجئت قبلَ زيد.
ولا إشكال في هذا، أو ما كان غير مضافٍ ولا منويّ الإضافة، وهذا في حكم إعرابه نظرٌ ما يتكلم عليه في البيت بعد هذا، وهو قوله:
وأعربُوا نَصْباَ إذا ما نكَّرا
قبلاً، وما مِنْ بعدِ قد ذُكِرا
الواو في ((أعربوا)) ضميرُ العرب، يعني أن العرب أعربوا قبلاً وما ذكر الناظم بعده مِنْ: غيرٍ، وبعدٍ، وحسبٍ، وأوّلٍ، والجهات، وعلٍ.
إذا اعتُقد تنكيرُها وخلوُّها من تقدير الإضافة وتخفيفها 1 - وذلك بالنصب- وهو قوله: ((وأعربوا نصباً)).
فتقولُ: جئتُك قبلاً- تريد: في زمانٍ متقدم مطلقاً، لا تريد زماناً معيناً- وجئتك بعداً، كذلك في زمان
مّا متأخَّرٍ.
حكى ذلك سيبويه عن بعضِ العرب.
وكذلك: جئتُك أولاً، وجلستُ فوقاً وتحتاً وخلفاً وأماماً وقدّاماً ووراءً.
وما أشبه ذلك.
ومن ذلك ما أنشده 1 من قول الشاعر:
فَساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلا
أكاد أَغَصُّ بالماءِ الفراتِ
وأنشد السيرافي عن أبي زيد 2:
حَبوتُ بها بني عمرو بن عوفٍ
على ما كان قبلاً من عتابِ
ويروى: قبلٌ من عتاب
وأنشد ابنُ خَروف عن الفراء 3:
هَتَكْتُ بيوتَ بني طَريف
على ما كان قبلٌ من عتابِ
بالرفع.
وقال سيبويه: ((وتقول في النصب على حدّ قولك من دونٍ، ومن أمامٍ:
جلست أماماً، كما قلت: يمنةً وشأمةً، قال الجعديّ 1:
لها فَرَطٌ يكونُ ولا تَراهُ
أَماماً من مُعَرَّ سنا ودُونَا
فإن قيل: تخصيصُه النصبَ في هذه الأشياءِ إذا قُصِد تنكيرهُا دون الجرّ والرفع، ظاهرُ التحكُّم من غير دليلٍ، وأمرٌ لا يساعده عليه سماعٌ؛ فإن أكثر ما ذُكِر يدخل فيه الجرُّ وغيره؛ ألا ترى أنك تقول: أتيتُه من فوقٍ ومن تحتٍ، وفي بعض القراءات المحكيَّةِ: (لله الأمرُ من قبلٍ ومن بعدٍ 2)، ومن دونٍ، ومن دُبُرٍ 3، وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: ((وسألته- يعني الخليل- عن قوله: من دونٍ، ومن فَوقٍ، ومن تحتٍ، ومن قَبْلٍ، ومن بَعْدٍ، ومن دُبُرٍ، ومن خلفٍ- فقال: أجروا هذا مُجرى الأسماء المتمكنة لأنها تضافُ، وتستعمل غير ظرفٍ)).
ثم قال: ((وكذلك من أمامٍ، ومن قُدَّامٍ، ومن وراءٍ/، ومن قبُلٍ، ومن دُبُرٍ)).
قال: ((وزعم الخليلُ أنهنَّ 395 نكراتٌ كقول أبي النجم 4:
يأتي لها أيمُنٍ وأشمُلِ
وزعم أنهنّ نكراتٌ إذا لم يُضفَن 'لى معرفة، كما يكون ايمن وأشمل نكرة.
وسألنا العربَ فوجدناهم يوافقونه، يجعلونه كقولك: من يَمْنَةٍ وشَأْمةٍ 1)).
ثم ذكر في قُدَ يديمةٍ وَوُريِّئَةٍ مثل ذلك من الجرّ بمن.
وليس في هذا كلِّه نزاع، أعنى في صحّة الجرّ فيها بالحرف، وأيضاً فمنها مالا ينصب أبداً، وإنما تجده في السماع مجروراً بمن، وذلك عل في قولهم إذا نَكَّروا وإذا عَرفّوا: من علُ، ومن علِ، وقيل: من عليه، والجميع يلزمه الجرّ بمن، كما تَقدّم، وكما قال امرؤ القيس 2:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقبلٍ مُدُبرٍ معاً
كَجُلْمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيلُ مِنْ عَلٍ
وقول أبى النجم 3:
على ما كان قبلٌ من عتابِ
فأين إلزامُ الإعرابِ نصباً؟
وأيضاً فلا أعلم في السماع تنكير حسبَ ونصبه بحيث يقال: لقيت زيداً حسباً، أو: فحسباً.
وما اشبه ذلك، وكلامه يقتضيه كما اقتضى نصب ((عل))
حالة التنكير، وذلك غير موجودٍ.
وكذلك القول في أوّل، فإنك تقول: مالكذا أوّلٌ ولا آخرٌ، وأتيت الأمر من أولٍ ومن آخرٍ.
وما كان نحو ذلك فلا يُقْتَصر به على النصب وحده، فالحاصل أن هذا الموضَع عارٍ عن التحصيل 1!
وَمَا يَلي المضافَ يَأْتِي خَلَفَا
عَنْهُ في الإِعرابِ إِذَا ما حُذِفَا
وَرُبَّما جَرُّوا الّذيِ أَبقَوا كَمَا
قد كانَ قَبْلَ حَذْفٍ ما تَقَدَّما
لكِنْ بَشْرطِ أَنْ يكونَ ما حُذِفْ
مُماثِلاً لَما عَلَيه قَدْ عُطِفْ
لما كان المضافُ والمصافُ إليه قد يُحذَفُ كل واحد منهما قياساً للعلم به، أتى في هذا الباب بفصل يَذكُر فيه ذلك، وابتدأ بذكرِ حّذْفِ المضاف.
فيريدُ أن الاسم الذي يلي الاسم المضاف-وهو المضاف إليه-يأتي في الكلام قائماً مقامَ المضاف وخَلَفَاً منه فيما كان يستحقه من وجوه الإعراب، من الرفع على الفاعلية أو غيرها، والنصب على المفعولية أو ما أشبهها، والجرّ على الإضافة بالاسم أو بالحرف، وذلك إذا حُذِف المضاف.
وهذا في الكلام كثيرٌ، ولكن المضاف إليه إذ ذاك على وجهين:
أحدهما: أن يصحّ استبدادُ العاملِ الأول به، ويصلح لأن يكون معمولا له حقيقةً.
والثاني: ألاّ يصحّ ذلك فيه.
فالأول موقوفٌ على السماع لا يُتعدى إلى القياس فيه عنده، ذكره في شرح التسهيل 1، فإنك إِذا قُلْت: ضربتُ زيداً، وأنتَ تريد: ضربتُ غُلامَ زيد، أو أخا زيد لم يَجُزَ، لأنه لا يُعلم أنّ الغلام هو المراد، لصلاحية ((زيدٍ)) لذلك، لكنه قد يأتي قليلاً اتَّكالاً على قرينةٍ حاليَّةٍ وقتيةٍ أو لعادةٍ مختصةٍ، أو لفَسْرِ الشاعرِ مرادَه، كقولِ عُمَرَ بن أبي ربيعة 2:
لا تَلُمْنِي-عتيقُ-حسبي الَّذي بي
إِنَّ بي-يا عتيقُ-/ ما قَدَ كَفَانِي 396
قال من عُنِي بشعر ابن أبي ربيعة: إن مراده: ابن أبي عتيقٍ.
وقال الآخر 3:
عَشيَّةَ فَرَّ الحارثيوَّنَ بَعْدَ ما
دنا نحبُه في مُلْتَقَى القومِ هَو برُ
وإنما أراد: ابنُ أبي هَوْبرٍ 4. كذا قال أهل البَصَرِ 5 بمثل هذا، فمثلُ هذا من المضافات المحذوفة لا يُقاسُ عليها؛ إذ ليست من قبيل ما يُعَهدُ حذفُه وما هو معلومٌ إذا حُذِف، ومن شَرْط الحذفِ العِلْمُ بالمحذوفِ، وأما إذا لم يعلَم فهو لا يجوز حذفُه، لأن طلب علمه مع عدم الدليل ضربٌ من تكليفِ علم الغيب، وهذا يمكنُ إن لم يُرِده الناظم،
ويمكنُ إن أراده.
وأما الثاني-وهو أن لا يستبدَّ العاملُ بالمضاف إليه، ولا يصلحُ له حقيقةً- فهو قياس مُطَّرد، ومنه قوله تعالى حكايةً عن إِخوة يوسفَ-عليه السلام: - (واسأل القريةَ التي كُنَّا فيها 1)، الآية، المرادُ: واسأل أهلَ القريةِ، وقوله تعالى: ﴿وأُشرِبُوا في قلوبهم العِجْلَ بِكُفرِهْم 2﴾، المراد: حُبَّ العِجْلِ، وقوله: ﴿ولكن البَّر من أتقّى 3﴾، (ولكن البَّر من آمن بالله واليوم الآخر 4)، أي: بِرُّ من اتّقى، وبِرُّ من آمن وقوله: ﴿فترى الذيِن في قلوبهم مَرَضٌ يسارعون فيهم 5﴾، يريد: في موافَقَتِهمِ.
وقوله تعالى ﴿قَالَ هَلْ يسمعونكم إِذْ تَدْعُون 6﴾، قال الفارسيّ: إنما المعنى: هل يسمعون دعاءكم؟ لأنك لا تقول: سمعتُ زيداً حتى تصل به شيئاً مما يكون مسموعاً، كقولك: كذا، أو يتحدث بكذا.
قال: ويدّل على هذا قولُه تعالى: ﴿إن تَدْعُوهم لا يسمعوا دُعاءَكم 7﴾، وقال تعالى: ﴿كلاّ إنا خلقناهم مما يعلمون 8﴾، أي: من أجل ما يعلمون، يريد من أجل الطاعة، كقوله: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإِنسَ إِلا ليعبُدونَ 9﴾، وهو في القرآن كثيرٌ.
وقالت العرب: بَنُوا فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ.
أي: أهلُ الطريقِ 10. وقالوا: صِدْنا قَنَوين.
يريدون: وَحْشَ هذا الموضعِ المختصِّ 1. ومن الشعر قولُ النابغة، أنشده سيبويه 2:
وكان عَذِيرهم بجنوب سِلَّى
نعامٌ قاق في بلدٍ قَفارِ
أراد: عَذِير نعامٍ.
وأنشد أيضاً للنابغة الجعدي 3:
وكيف تُواصلُ من أصبحَتْ
خِلاَلتُه كأبى مَرْحَبِ
يُريد: كخلالة أبى مَرْحَبِ.
وانشد أيضاً للحُطيئةِ 4:
وشَرُّ المنايا مَيِّتٌ بيَن أَهْلِهِ
كَهُلْكِ الفَتى قد أَسْلَم الحيَّ حاضِرُهْ
أي: منيةُ ميِّتٍ.
وقال زهير 5:
القائد الخيلَ منكوباً دوابرُها قد أُحكِمَتْ حَكمَات القِدّ والأَبَقَا وقال النابغة الذبياني 1: يوما بأجودَ منْه سَيبَ نافِلَةٍ ولا يحولُ عطاءُ اليوم دونَ غدِ وأنشد الفارسي لكثَيِّر 2: إذا ما أرادتْ خُلَّةٌ كي نزيلها أبينا وقلنا: الحاجبَّية أَوّلُ وقال رؤبةُ بن العجاج 3: وبلدٍ عاميةٍ أعماؤُهُ كأنَّ لونَ أرضهِ سماؤُهٌ وقال امرؤ القيس الكنديُّ 4: ذَعَرْتُ بها سِرْباً نقياً جلودهُ وأكرُعُه وشْىُ البُرودِ من الخالِ
وقال عمران بن حطّان 1:
لكِنْ أَبَتْ لِيَ آياتٌ مُنَّزلةٌ
منها التلاوةُ في طه وعمرانِ
وهو أكثر من أن يحصى.
وقوله: ((يأتي خلفا عنه في الإعراب))، يريد أنه يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف إذا/ حُذِف، 397 فضمير ((يأتي)) عائد على ((ما)) في ((ما يلي المضاف))، وهو المضاف إليه.
وفي ((عنه)) عائد على المضاف.
وإنما يأتي خلفاً عنه في الإعراب غالباً لا لازماً، لقوله على أثره: ((وربّما جَرُّو الذي أبقوا)).
فالمضاف إليه عند حذف المضاف على وجهين:
أحدهما: أن يبقى على إعرابه كأن المضاف موجود لم يُحذف.
وهو القليل.
والثاني: أن ينوب عنه في إعرابه كما قال، فيرتفع على الفاعلية، كقولهم: بنو فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ 2. أو على الابتداء 3 كقوله: (ولكن البَّر من آمن بالله)، وعلى خبر الابتداء نحو 4:
وشّرُ المنايا ميتٌ بيت أَهْلِه
وعلى مالم يُسمَّ فاعله، كما قال ابن جني فيما رَوَى عن أبي عمرو: {ونزَّل الملائكةُ تنزيلا 1، إنه على حذف المصدر، كأنه قال: ونُزِّل نزولُ الملائكة.
وينتصب على المفعولية نحو: (واسأل القرية التي كنا فيها 2)، (قال هل يسمعونكم إذ تدعون 3. وعلى الظرفية نحو قولهم: أتينا طلوعَ الشمس وقوله 4:
وقَد جَعَلَتْني من حَزِيَمةَ إِصْبَعَا
أي: ذا مسافة إِصبَع
وعلى المصدر كقول الأعشى، ميمون 5:
أَلَم تَغْتَمِضْ عيناك لَيْلَةَ أَرْمَدا
وبِتَّ كما باتَ السَّلِيمُ مُسَهَّداً
أراد: اغتماضَ ليلةِ أَرمدَ، وينجرُّ بالحرفِ كقولهِ تعالى: (كالذي يُغشَى عليه من الموتِ 1)، أي: كدوران عيني الذي يُغشى عليه من الموتِ.
وبالإضافة نحو 2:
ولا يحولُ اليومِ دونَ غدِ
أي: دون عطاء غدٍ.
هذا بيان ما قال، وفيه بعد ذلك مسائلُ اربعٌ:
إحداها: أَنَّ الناظم قد أطلق القول في حذف المضاف بقوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً عنه))، فدلّ على أنه عنده قياسٌ لاسماع، وإلاّ فلو كان عنده سماعاً لقيده بذلك.
فإن قيل: ولو كان أيضاً قياساً لقيده بذلك.
فالجواب: أن عِلْم النحو إنما هو الكلام على قياس كلام العرب، فإذا اطلق القول فيه فهو محمولٌ على أصله الذي بُني عليه.
وأما السماع فإنما يتكلّم فيه النحويُّ بالانجرارِ وعلى جهة الاحتراز أن لا يقاسَ، فلذلك هنا لما لم يقيد كلامه حُمِل على ما هو الأصل في علم النحو من تقرير القياس، وإذ ذاك يتبين أن الناظم هنا آخذٌ بمذهب من قال بالقياس في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، خلافاً للأخفش القائل بعدم القياس فيه، وذلكن القياس سائغ فيه من حيث كان الحذف في كلام العرب-على الجملة- جائزاً في العُمَد
والفضلات لدلالة المعنى على المحذوف، إلا ما استُثني من الفاعل ونحوه.
وإذا كان كذلك فالمضاف من جملة ذلك فيجوزُ حذفه لاسيَّما وقد ناب عنه نائبٌ لفظي، فهو أقوى في جواز الحذفِ من المبتدأ والخبر، بل هو اشبهُ شيءٍ بالفاعل إذا حُذف ومقام المفعول مقامه، وهذا قياسه.
وأما السماع فكثير جداً في الكلام والشعر بحيث لا يَسَع 1 في القياس عليه إنكار.
وقد مرَّ من ذلك جملةٌ، وبَّوب عليه سيبويه، وأتى منه بجملةٍ صالحةٍ نثراً/ ونظما، وقال: ((هو أكثر من... 398 أِن أُحِصَيه)).
فإن قيل: القياسُ عليه يلزمُ أمران:
أحدهما: مخالفةُ الأصلِ؛ إِذ حَذْفُ المضافِ ومعاملة المضاف إلي هـ معاملته مجازٌ، والأصل الحقيقةُ، فيلزم من القياس تكثيرُ مخالفة الأصلِ والحملُ على غير الحقيقة، وذلك غير سائغٍ.
وأيضاً يلزم القياسُ في الأمور المجازيّة، وذلك ممنوع.
والثاني: أنه يلزم أن يقال: ضربتُ زيداً، وإنما ضربتُ غلامه أو ولده.
ومثلُ هذا لا يجوز؛ إِذْ لا دليل عليه، ولا مُعرِّف به.
فالجواب: أن ذلك-وإن كان مجازاً- لا يمنعهُ كونُه مجازاً من قياسه واطراده؛ ألا ترى أنك قلمَّا تجدُ كلاماً إلا وقد دخله المجازُ؛ فأشهر الكلام في الاستعمال: ضربتُ زيداً، وهو مجازٌ من أوجه ذكرها ابن جني في الخصائص 2 وغيره.
وكذلك: قام أخوك، وجاء الجيشُ، وما أشبه ذلك.
ومع ذلك فإنه قياسٌ مطردٌ وطريق مَهْيَعٌ، فكذلك نحوُ:
(اسأَلِ القرية 1).
فإن قيل: ضربتُ زيداً ونحوه كثير جداً، فكذلك حذفُ المضاف.
وأما قوله: إنه مخالف للأصل فَمُسلَّم، ولكن لا يلزم عدمُ القياس فيه، لأن مخالفة الأصل القياسيّ قد يكون قياساً استعمالياً كما في ((قام)) ونحوه، أصله القياسي: قَومَ، ولم يلزم من مخالفته محذورٌ، بل صار إعلالهُ إلى إن صار ((قام)) أصلا ثانياً استعمالياً قياسياً.
وبهذا يظهر أن القياسَ في الأمور المجازية سائغ إذا كثرت واطّردت.
وأما الأمر الثاني فقد أجاب عنه ابن جني بأن ما شَنَّعتَ به جائز، إلا ترى أنك تقول: إنما ضربتُ زيداً، بِضَرْبِك غلامه، وأهنتهُ، بإهانتك ولده.
قال: ((وهذا باب إنما يصِلحه ويفسده المعرفة [به 2]؛ فإن فُهِم عنك في قولك: ضربتُ زيداً أنك إنما أردتَ بذلك: ضَربتُ غلامه أو أخاه أو نحو ذلك - جاز، وإن لم يُفهَم عنك لم يَجُزْ، كما أنَّك إن فُهِم بقولك: أكلت الطعام، أنك أكلتَ بعضه، لم تحتَجْ إلى البدل، وإن لم يُفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه، لم تجد بداً من البيان وأن تقول: بعضه أو نصفه أو نحو ذلك؛ ألا ترى أن الشاعر لما فُهِم عنه ما أراد بقوله، قال 3:
صَبَّحن من كاظمة الحِصْن الحَزِبْ
يَحْمِلن عَبَّاسَ بنَ عبدالمطلبْ
وإنما أراد: عبدالله بن عباس.
ولو لم يكن على الثقة بفهم ذلك لم يجد
بداً من البيان.
وعلى ذلك قول الآخر 1:
عَليمٌ بما أعْيَا النَّطاسيَّ حِذْيما
أراد: ابنَ حِذْيمٍ 2)) فالصحيح ما ذهب إليه الناظم، والله أعلمُ.
والمسألة الثانية: أنَّ قوله: ((وما يلي المضاف))، إنما يريدُ به المضاف إليه، فكأنه يقول: إن المضاف إليه يقومُ مقام المضاف إذا حُذِف.
وهذا الكلامُ لا يقتضي خذفَ مضافٍ واحدٍ فقط، بل الحكم فيه مطلق، فيجوز إذاً حذفُ أكثر من مضافٍ واحدٍ، وقيامُ ما أضيف إليه مُقامه.
فَحَذْفُ المضافين كقول الله تعالى: ﴿تدورُ أَعينُهم كالّذي يُغْشَى عليه من الموتِ 3﴾، فالتقديرُ: كَدَوران عَيْنَيِ الذي يُغشَى عليه من الموت.
وقال الشاعر 4:
وَقَدَ جَعَلتْنيِ من حَزِيَمةَ إِصْبَعَا
تقديرهُ: ذا مسافَة إصَبعٍ، أو: ذَا مساحةَ إِصْبَعٍ.
وقالوا: تبسَمَّت وميضَ البرقِ، أي: مثل تبَسُّمِ وميض البرق، في أحد التأويليين/ ومن ذلك قوله أيضاً قوله تعالى، حكايةً: ﴿فَقَبَضْتُ قبضةً من أَثَر الرسول 5﴾،
التقدير: من أثر حافِرِ فرسِ الرسول.
وعلى الجملة فلا يُقَتصَر في حذفِ المضاف على الواحد، بل يجوز حذفُ مضافين فأكثر إذا كان معلوماً.
والمسألة الثالثة: أنه لما قال: ((يأتي خَلَفَاً عنه في الإعراب)) كان ذلك ظاهراً في أنّ القائم مَقَام المضافِ من شرطِهِ أن يَصلُح إعرابه بإعراب المضاف، فيُرفَع ويُنَصب ويُجرّ، لأنه قال: ((يأتي خلفاً عنه)) في كذا، وما لا يقبل الإعراب كيف يكون خلفاً عنه؟ فإذاً إِذَا كان المضاف اسماً مضافا إلى جملة لم يجز خذفُه، كما قلت: انتَظرتك طَلَعَتِ الشمسُ، تريد: زَمَن طَلَعتِ الشمس، أو كان كذا الحجاجُ أميرٌ، تريد: زمن الحّجاجُ أميرٌ، وما أشبه ذلك.
ولا أعني بكون المضاف إليه يُرفَع وينصب ويُجَرّ أن يكون معرباً في اللفظ، بل مما يقبُل الفاعلية والمفعولية والإضافة، فإن المضاف إليه قد يكون مبيناً نحو: ﴿كالذي يُغْشَى عليه من الموت﴾، فإذا كُلُّ ما لا يصلح لواحدٍ من تلك الوجوه لا يصلح أن يُحذفَ ما أُضِيف إليه.
والمسألة الرابعة: أنَّ فيما قَرَّر هنا نظراً من أربعة أوجه:
أحدها: أنَّ من شَرْطِ خذِف المضافِ العِلْمَ به، إما من قرينة حالٍ، وإما من جهة أمرٍ لفظيٍّ أو معنوي، وعلى ذلك جرى الحكم عند العربِ والنحويين، وإلا فلو لم يُعَلم ما حذف لم يُدَّعَ أوَّلاً حذفُه، وكيف يُدَّعى حذفُ شيءٍ لم يدلّ دليل أن المتكلم أراده، ولو أراده المتكلم ولم يجْعَلْ على إرادتِه دليلاً، ولا أخبر بذلك، لم يصحّ لنا دعواه، إذ دعواه وَهْم مجرّدٌ لا حكم له، وإذا كان كذلك فكان الواجب على الناظم أن يشترط ذلك الشرط، لكنه لم يفعل، فاقتضى أنه يجوزُ الحذفُ من غير دليل، وذلك غير صحيح.
فإن قيل: قد تَقَدّم له مِراراً اشتراطُ العلم بالمحذوف على الجملة فلعلّه اكتفى بلك؛ إِذ عُلم من كلامه اشتراطهُ له.
فالجواب: أنّ هذا غيرُ مطَّردٌ له، فقد يجوز الحذف وإن لم يعلم المحذوفُ، كما يحذفُ المفعول اقتصاراً، وقد تَقَدّم وجهُ ذلك.
وإذا كان الحذفُ ذا وجهين في العلم به وعدمه، كان الإخلالُ بشرطه إخلالاً بالحكم المقرّر.
والثاني: أنه جَعَل حَذْفَ المضافِ في التسهيل-وإن عُلمٍ- على وجهين: قياسٍ وسماعٍ، فالقياسُ هو فيما إذا امتنع استبدادُ العامل بالمضاف عليه دون المضاف، نحو: (واسأل القرية 1)؛ إذ لا يصلح أن تُسأل القريةُ نفسُها، فلابُدَّ من تقدير الأهل، وكذلك جميع ما مرَّ، والسماعُ هو فيما إذا لم يمتنع استبدادهُ به، نحو: ضربتُ زيداً، تريد: ضربتُ غُلامَ زيد، فإنه يُقِع اللَّبسَ وإن كان معلوماً من خارج، فلا يجوزُ مالم يكن في اللفظ ما يدّلُ على المراد، كقول القائل: مررت بالقرية فأكرمتني، فإنه جائز، وإن كان أهلُ القريةِ والقريةُ صالِحَين للمرور عليهما حقيقةً، لكن ذكر الإكرام بَيَّن أن المراد الأهل/ فجاز.
قال: وكذلك لو فُهم بغير قرينة لفظية 400 كقولة 2 ((لا تلمني، عتيقُ))، وأتى بأشياء من هذا، فجعل المضاف-كما ترى- منه ما هو سماعٌ، ومنه ما هو قياس، والناظم هنا قد أطلق القولَ في الإجازة قياساً، ففيه ما ترى.
والثالثُ: أن قوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً عنه))، يقتضي أنه لا يُحذفُ إلا مضاف واحد، لأن ما يلي المضافُ قد جعله هو الخلف عن المحذوف، وإذا كان خلفا عنه لم يجز حذفه، لأنه جمعٌ بين حذفُ العوِض والمعوض عنه، وايضاً فحذفه نقضُ الغرضِ، لأن معنى كونه خَلَفَاً عنه أنه قائم في اللفظ مقامه، فحذفه يناقِضُ هذا المعنى، لكن هذا غير صحيح، لأنّ حذف المضافين المتوالييين جائزٌ كما تقدم ذكره، فكان كلامهُ هنا غير محرَّرٍ.
وأيضاً فإن المضاف الثاني مضافٌ إليه الأولُ، فلا يدخل تحت قوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً)).
والرابع: أن قوله ((يأتي خلفاً عنه في الإعراب)) يُعِطي بظاهره أنه إنما يَخلُفُه في وجوهِ الإعرابِ خاصَّةً؛ إِذ لو أراد غير الإعراب معه لم يُقيِّده به، فكان يقول: ((يأتي خَلَفَاً عنه))، ويسكت، فيدخلُ الإعراب وغيره.
فلما لم يقل ذلك وَقَيَّد بالإعراب دلّ على اختصاص النيابة فقط، وليس كذلك، بل ينوبُ عنه في غير ذلك، فقد يقُع موقعه في التنكير فيكون نعتاً للنكرة وينتصب حالاً من المعرفة وإن كان معرفةً، لأنه ناب عن نكرة فيقول: مررتُ برجُلٍ زهيرٍ شعراً، وعنترة إقداماً، وحاتمٍ جوداً، فتصف به النكرة لأنه في تقدير: مررتُ برجلٍ مثل فلان، ولو نطقت 1 بمثل لجرى على النكرة فكذلك إذا حُذف وناب عنه المعرفة.
وكذلك تقول: مررت بزيد زهيراً شعراً، وحاتما جوداً، ونحو ذلك.
وكذلك يقع موقعه في غير ذلك.
بل لقائل أن يقول: إن قوله ((في الإعراب))، إنما يقتضي النيابة عنه في مجرّد الرفع والنصب والجر، لا في مقتضى العامل من فاعلية أو مفعولية أو إضافة أو غير ذلك، وليس الأمر على ذلك.
بل ينوب
عنه في مقتضى العامل، فقولك: بنو فلان يطؤهم الطريقُ 1، الطريقُ فيه فاعل، وقوله: (واسأل القرية 2)، القرية فيه مفعولة، وكذلك سائر الأمثلة، فظاهر هذا لا يستقيم.
والجواب عن الأول: أنَّ شرط العلم بالمحذوف لابدَّ منه، وإنما تَرَكه لكثرة المواضع التي نبَّه فيها على اشتراطه، وما اعِترُض به من مواضع الحذفِ اقتصاراً فقد تقدّم أن ذلك ليس من مواضع الحذفِ على غير علمٍ، بل هو حذفٌ بشرط العلم بالمحذوف، إلا أن العلم به تارةً يكون جُمْليا وتارة يكون تفصيليا.
وقد تقدم الكلامُ على ذلك قبلُ بما يُغني عن الإعادة، فلا معنى للتكرار.
وعن الثاني: أنَّ كلاَ القسمين المذكورين في التسهيل قسم واحد/ وشرطُ العلم 401 فيهما 3 معا لازمٌ، فإذا قلت: ضربتُ زيداً، وأنت تريد ضربتُ غلامه، لا يخلو أن يكون ثَمَّ ما يدل على المحذوف أولا، فإن كان ثَمَّ ما يدَّل عليه فلا إشكال في الجواز؛ إذ الدليلُ يمنعُ كون الضربِ واقعاً بزيدٍ، فلم يَستبدَّ العامل إذاً بالمضاف إليه الذي هو زيدٌ، ولا كان في حذف المصاف لبسٌ.
وقد تقدّم نصُّ ابن جنِّي في ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ ما يدلّ على المحذوف لم يجز الحذفُ بإطلاقٍ في مذهب أحدٍ من أهل العربية، فصار هذا التقسيم لا حاصل له، وصحّ إطلاقُه هنا، والله أعلم.
وعن الثالث: أن حذف المضافَين يدخل تحت كلامه بطريقةٍ صناعية،
وذلك أن المضاف الثاني مضافٌ إلى ما يليه، فجاز حذفُه وإقامته مقامه، وأما الأول فإن الثاني لما ناب عنه غيرُه وقام مقامه حتى كأنه هو صار الأول مضافاً في التحصيل إلى ما يليه، وهو النائب عن الثاني، وكأنه في التقدير مضافٌ إلى الثاني، لأنه أُضيف إلى ما قام مقام الثاني، فكأن الثاني ثابتٌ من حيث النائب، فَصَدَق بهذا الاعتبار أن الأول مضاف إلى الثاني الذي يليه، وأن الثاني هو الذي قام مقامه.
وأيضاً فيترشَّح ها بطريقة التدريج، وهي طريقةٌ صناعية، ارتضاها الأئمةُ، وذلك أنّ قولهم: تبسَّمَتْ وميضَ البرق، كان أصلهُ: تبسمَتْ مثل تبسُّم وميضَ البرق، وصار التبسّم خلفاً في الإعراب من مثْل، ثُم حذف التبسُّم من حيث كونه مضافاً لا من حيث كونُه نائباً وخلفاً وأقيم مقامه وميض، فصار: تَبسمت وميض البرق.
وهو أحسنُ في الصنعةِ من حذف المضافين في التقدير عَبطةً حسب ما قرره ابن جني في الخصائصِ في نحو قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً 1﴾، والأصل فيه: لا تجزي فيه، ثم قَدَّر حذف الجارَّ فصار: لا تَجْزِيه، ثم حذف الضمير، وَجَعَله أحسنَ من حذف الجار والمجرور معاً ابتداءً، وهو رأي الأخفش 2 فيها، خلافُ ظاهر سيبويه 3. وإذا كان كذلك ساغ دخول حذف المضافين تحت كلام الناظم بمقتضى هذه الصفة؛ إذ ليس فيها ما يدفعها.
وعلى أنّا إن قلنا بموجب الاعتراضِ فلا يضرّ، فالغالب في الباب حذف الواحد، وأما حذفُ أكثر من واحدٍ فقليل، ولا تكاد تجدُه إلا في مضافين خاصّة؛ إذْ لا أعلم في السماع حّذْفَ ثلاثة مضافات على التوالي، ولا أكثر من
ذلك، فلا دَرْك على الناظم في اختصاص حذف المضاف الواحد، على فرض انه أراد ذلك.
وعن الرابع: أن اللازم للمضاف إليه من النيابة عن المضاف هذه النيابةُ المخصوصةُ في الإعراب، وأما نيابته عنه في مقتضى العامل من الفاعلية وغيرها فلازمٌ وتابع للإعراب؛ ألا ترى أَنَّك تُعرِبُ المرفوع فاعلاً أو مبتداً أو خبراً، حسب ما يطلبه العامل.
وكذلك المنصوب تُعرِبه على حسب مقتضى العامل، وكذلك/ المجرور فاستغنى بذكر الملزوم عن ذكر اللازم.
وأنا نيابته عن 402 المضاف في التعريف أو التنكير فأمرٌ غير لازم ولا مُسَلَّمٍ فيما قال، ولا مُطَّردٍ إن سُلِّم.
أما أوّلاً فإن زُهَيرا في قولك: مررتُ برجلٍ زهيرٍ شعراً، ليس بنعتٍ 1 من النيابة؛ إذ لا نُسلِّم أنه نائب، بل من حيث تأولة بنكرة، إذ كان معنى شاعر.
وأما ثانيا فإن سُلَّم أنه على حذف المضاف فليس بمطّرد في كلّ ما حُذِف منه المضاف، ولا في حكم ثابت للمضاف، وإنما هو مخصوص بنيابته عن ((مِثْلٍ)) وحده في التنكير وحده، مع أنه قليلٌ، وقد نبه على ذلك في التسهيل بقوله: ((وقد يخلُفُه في التنكير إن كان المضافُ مِثْلاً 2)) فلو أطلق النيابة لكان يُفهم له ذلك في كلِّ حكمٍ، وذلك غير صحيح.
فإن قيل: وكذلك إن قٌيِّدَتِ النيابةُ بالإعراب اقتضى أنها لا تكون في غيره، وذلك غير صحيح.
وأيضاً فإن المضاف-وإن حُذِف- يبقى حكمه فيكون ملتفتاً إليه في أحد الوجهين؛ ألا ترى أنك تقول: قرأت هوداً، تريد سورة هود، فلا تمنع صرف هود، وتقول: هذه الرحمن،
فتؤنث، والمراد سورة الرحمن؛ إذ لا يجوزُ جعله اسماً للسورة، وقال الشاعر 1:
يسقُون من وَرَد البريصَ عَلَيهمُ
بَردَى يُصَفَّق بالرَّحيق السَّلسل
فقال: يًصَفَّق، مراعاةً للمضاف.
وما ذلك إلا للنيابة.
فالجوابُ: أن ذلك غير صحيح، أما اختصاص النيابة في الإعراب ومقتضاه، فقد تقدم، وأما مررت برجلٍ زهيرٍ شعراً، فلا اعتراض به كما مرّ، وأما الالتفاتُ إلى المحذوف فليس للنيابة، ولكن لأن معناه حاضر فكأنه موجودٌ لفظاً، ولذلك أبقَو الإعراب الأصلي له مع حَذْفِه، حسب ما يأتي في الوجه الثاني: [2 وإذا لم يكن للنيابة لم يبق إلا النيابة في الإعراب، وهو الذي اعتمده الناظم.
ثم أخذ في الوجه الثاني (2)] من وَجْهَي حالِ المضاف إليه بعد حَذْفِ المضاف، فقال: ((وربما جّروا الذي أبقَوا)) إلى آخره.
يعني أن العرب قد جاء عنها قليلاً إبقاءُ المضاف إليه على حالة من الجرّ الذي كان له قبل حذف المضافِ، ويجوز أن يكون ضمير ((جَرّوا)) عائداً على النحويين، ويكونُ ذلك عبارةً عن إجاتهم له قياساً لكن ضعيفاً، وإن كان عائدا على العرب، ففي ((ربَّما)) إشعارٌ بوجود ذلك في الكلام قليلاً.
وفي قوله: ((وربَّما حرّضوا)) بعضُ قلقٍ، والأولى أن لو قال: ((وربما أبقوا جَرَّ المضافِ إليه))؛ فإن قوله: ((جَروا)) يُعطي تجديد الجرِّ بعد الحذف، وليس كذلك، بل هو الجرُّ الأولُ الموجودُ قبل الحذفِ.
ثم اشترط في جواز هذا الحكم أن يكون ما حُذِف-وهو المضاف-مماثلا لمضافٍ متقدّم [عُطِف 1] عليه ذلك المحذوف، وذلك قوله: ((ولكن بشرط أن يكون ما حِذُفْ)) إلى آخره، والضمير في قوله: ((لما عليه)) عائدٌ على ((ما))، و ((ما)) واقعة 2 على المضاف المعطوف عليه، والضمير في ((عُطِف)) عائدٌ على المضاف المحذوف، و ((عليه)) متعلق/ بعطف، و ((بشرط)) متعلِّقُ... 403 باسم فاعلٍ محذوفِ هو حالٌ من فاعل جرُّوا))، أي: ملتبسين بشرط كذا.
والتقدير: وربما جرُّوا كذا بشرط أن يكون المحذوفُ مماثلاً للمضافِ الثابت الذي عطف عليه المضاف المحذوف.
وقد مشتمل هذا الشرطُ على شرطين:
أحدهما: أن يكون المحذوفُ معطوفاً على مضافٍ ثابتٍ، فإن كان كذلك جاز حذفُ المضاف، وإن لم يكن كذلك لم يجز، وما جاء من ذلك فلا يقاس عليه كقراءة ابن جَمّاز 3: (والله يريدُ الآخرةِ 4))، بجرَ (الآخرةِ)؛ فإن المضافَ المحذوفَ، وهو ((عَرَضَ)) ليس بمعطوف على (عَرَضَ) الأول في قوله: (تريدون عرضَ الدنيا (4)).
وكذلك ما في الحديث
من قول الصحابي: ((قلنا: يا رسول الله، مالُبْثُه في الأرض؟ قال أربعين يوماً 1))، على تقدير: لبثُ أربعين.
وكذلك ما أنشدوه من قوله 2:
رحم الله أَعظُما دَفَنُوها
بسجستَان طَلْحةِ الطّلَحاتِ
يريد: أَعُظمَ طلحةِ الطلحات.
فهذا ونحوه مما تقدَّم فيع المضاف، ولكن/... 403 [لم 3] يعطف عليه المحذوفُ.
وكذلك إذا لم يتقدَّم مضاف أصلاً نحو قولهم: رأيت التيمىً تَيْمِ عَدِىًّ، على تقدير من قَدَّر 4: ذا تَيْمِ عَدِىًّ، فإنه لا يقاس عليه.
والثاني: أن يكون المضافُ المحذوف مماثلا للمضافِ المتقدّم في اللفظ والمعنى، فلو كان غير مماثل له لم يجز القياس 5 فيه، فإن وجد فسماعٌ يحفظ: (والله يريدُ الأخرةِ 6)، إذا قدرنا: والله يريد باقي الآخرة، وهو تقدير شيوخنا ومن قبلهم، فلو فرضناه معطوفاً على المضاف المتقدّم لم يجز قياسهُ بمقتضى الشرطِ المذكور، فإذا توفَّر
الشرطان معاً جاز الحذف قياساً، نحو: ما مثُل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك، فالتقدير: ولا مثلُ أبيك.
وكذلك إذا قلت: ما مثل أخيك يقول ذاك زلا أبيك، تقديره: ولا مثلُ أبيك.
ومثلهُ: ما كلُّ سوداء تمرةً ولا بيضاءَ شحمةً، أي: ولا كلُّ بيضاء.
وأنشد سيبويه لأبي دُؤاد 1.
أكلَّ امرئٍ تَحسبينَ امرأً
ونارٍ توقَّدُ باللَّيل نارا
وانشد في الشَّرحِ 2:
لم أَرَ مثلَ الخيرِ يتركُه الفَتَى
ولا الشرِّ يأتيه الفتى وهو طائعُ؟
وقول الآخر 3:
لو أنَّ الأنسِ والجن داويا الَّـ
ذي بِيَ من عَفْراء ما شَفَياني
وقول الآخر 4:
لو أنَّ عُصمَ عمايتين ويذبُلٍ
سَمِعا حديثَك أنزلا الأَوْعالا
في أبيات أُخَرَ.
وهنا النظر في مسألتين:
إحداهما: أن الناظم لم يشترط في جواز هذا الحذفِ غير ما تقدّم، فدّلَ على أنه لا يرتضي من رأى اشترطَ تَقَدُّم نفيٍ أو استفهامٍ، كما في مثل قولهم: ما مثلُ أخيك ولا أبيك يقولان ذاك، وقوله:
أكلَّ امرئٍ تحسبينَ امرأً
البيت.
وهذا الرأيُ مرجوحُ بوجود الحذفِ مع عدم الشرط، كقول الشاعر:
لو أن طبيب الجنَّ والإنسِ..
وأنشد في الشرح 1:
لَغَيرُ مُغْتَبِطٍ مغْرىً بطوعِ هَوىٍ
ونادِمٌ مولعٌ بالحَزْمِ والرُّشْدِ
وقول الآخر 2:
كلّ مُتْرٍ في رهطِه ظاهرُ الـ
عزَّ دي غربةٍ وفقرٍ مَهينُ
فالصواب/ عدمُ اشتراط ذاك الشرط.... 404
والثانية: أن هذه المسألة تضمَّنت مسألتين:
إحداهما، مسألة: ما مثُل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك، وما كان مثلها، وذلك مما يتعينّ فيه حذفُ المضاف؛ إذ لو كان قوله ((ولا أبيك)) على العطف لقال: ((يقول ذاك))، لأنه راجع إلى ((مثل)) الأول، وهو مفر،
فلما قال: ((يقولان))، وكان ذلك من كلام العربِ، تعيَّن أن التقدير: ((ولا مثل أبيك)).
وكذلك يقال: ما مثل أخيك يقولُ ذاك ولا أبيك، يصحّ حمله على ((مثل)) الأول.
والثانية، مسألة: ما كلُّ سوداءَ تمرةً ولا بيضاءَ شحمة.
وهذا النمط في نفسه محتمل لأن يكون من باب العطف على معموليَ عاملين، فإن ((ما)) حجازية هنا، وكلُّ خافضة، والواو شرَّكت ما بعدها في العاملين معاً، ومحتمل أن لا يكون من باب حذف المضاف-كما قال الناظم- فهو قد ضَمَّ المسألة في ضابطه، وحكم فيها بأحد الوجهين دون الآخر، فدلَّ على أنه لم ير فيه جواز العطف على معمولي عاملين، وأنَّ رأيه في مسألة العطف رأيُ سيبويه وأكثرِ النحويين، خلافا للأخفش ومن وافقه 1. والخلافُ فيها خلافٌ في تأويل، إذ هم مُتّفقُون على جواز المسألة على الجملة، وأما الراجح في النظر عندهم فرأيُ الناظم، واحتجّوا له بأمور:
منها أن حذف ما دلَّ عليه دليلٌ من حروفِ الجرّ وغيرها مجمعٌ على جوازه، والعطف على معمولي العاملين مختلفٌ في جوازه، والأكثر على منعه، وإذا كان كذلك كان المسير إلى المجمع عليه من الحذْفِ للدليل، وإلى موافقة الأكثر في منع ذلك العطف أولى من غير ذلك.
ومنها: أَنَّ هذا العطف شبيه بتعدِّيين بتعدٍّ واحد، فكما لا يجوز أن يتعدى الفعلُ إلى شيئين بمعدٍّ واحدٍ، كذلك لا يجَوزُ ما هو بمنزلته.
ومنها: أن العاطف نائبٌ عن العامل، وعاملٌ واحد لا يعمل رفعاً وجراً، فكذلك ما أشبهه.
ومنها: أن الواو حرفٌ فلا يَقْوى أن تنُوب مناب عاملين، وإذا كان الفعلُ
لا ينوب مناب عاملين، فالحرف أحرى بذلك الحكم لضعفه وقوة الفِعْلِ؛ ألا ترى أنه يضعُفُ عند قومٍ الفصلُ بين الواو وبين معطوفها، نحو: ضربتُ اليوم زيداً وغداً عمراً؟ فالأصحّ ما ذهب إليه الناظم، والله أعلم.
ثم ذكر حَذْف المضافِ إليه فقال:
ويُحذَفُ الثانيِ فَيَبْقَى الأَوَّلُ
كحالهِ إِذَا بِهَ يتَّصلُ
بِشَرْطِ عَطْفٍ وإضافةٍ إِلى
مثْل الَّذي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلا
يعني أنَّ المضاف إليه-وهو الثاني-يجوزُ حذفُه، كما جاز حَذْفُ المضاف، لكن يبقى إذ ذاك/ المضافُ على حاله قبل أن يُحَذفَ المضافُ إليه، فيجرّ بالكسرة وإن كان فيه... 405 مانعُ الصَّرفِ، ولا يُرَدُّ إليه ما نُزِعَ منه للإضافة من نونٍ أو تنوينٍ، ولا يُبْنَى من أجلِ هذا الحذفِ وإِن كان مما يُبنى للقطع عن الإضافة، بل يُعَدُّ كأنَّ المضاف إليه موجودٌ، وهو معنى قوله: ((فيبقى الأولُ)) يعني المضافَ ((كحاله إذا به يتّصل))، أي: إذا يتّصل به الثاني.
وهذا الحكم إنما يكون بشرطٍ ذكره، وهو أن يكون ثَمَّ عطفٌ وإضافةٌ إلى اسم يماثل الاسم الذي أَضَفْتَ إليه الأول، ومعنى هذا أن يكون ثَمَّ معطوف ومعطوف عليه، وكلاهما مضافٌ إلى اسم واحدٍ، أي: إن المضاف الأول المعطوف عليه مضاف إلى مثل ما أضيف إليه الثاني
المعطوف، وبالعكس، وذلك أنك تقول: ضربت يَدَ ورِجْلَ زيدٍ، فالأصلُ فيه: ضربت يدَ زيدٍ ورجلَ زيدٍ، وَإِنْ شِئتَ أظهرتَ ذلك، لكنّ المختار إضمارُ الثاني، أرادوا التخفيفَ وحذفَ المضافِ إليه الأول لدلالة الثاني عليه، وإبقاءَ المضاف الأول على تهيئته له، كأنه ثَمَّ، لوجوده مع المضاف الثاني، فلذلك لم يُنَوِّنوا ((يداً)).
وكذلك إذا قلت: ضربتُ يَدَىْ ورِجْلَ زيدٍ، تترك ((يَدَىْ)) محذوف النون كما لو لُفِظ بزيدٍ معه.
وكذلك مررتُ بأفضَلِ وأكرمِ مَنْ ثَمَّ، تترك ((أفضل)) على جرّه بالكسرة وإن كان فيه مُوجِبُ منعِ الصرف، وذلك الوصف والوزن، لأن مَنْ 1 في حكم الملفوظ به معه.
وكذلك تقول: قمتُ قبلَ وبعدَ زيد، فتبقى قبل على نصبه وإِن عُدِم المضافُ إليه، ولا تَبنيهِ على الضمّ.
وقد حصل الشرط الذي شرطه الناظم؛ إذ حصل في الكلام-على الجملة- عطف، وهو ((ورجْلُ زيد))، وإضافةٌ كما وصف، وهي إضافة الرجل إلى مماثلِ ما أُضِيف إليه الأولُ الذي هو اليد، وذلك قولك ((زيدٌ)).
وكذلك إذا قلت: أعطيتك ستةَ دراهمَ أو سبعةَ، تريد: سبعةَ دراهمَ، فقد حصل الشرط من العطف والإضافة إلى مثل ما أُضِيف إله الأولُ، وهو الدارهم، فجاز الحذفُ قياساً.
فعلى هذا يدخلُ تحت مضمونِ هذا الكلام نوعان:
أحدهما: أن يكون حذفُ المضاف إليه موجوداً في المعطوف عليه، ودل على المحذوف المضافُ إليه في العطوف، كقولهم: ((قطع الله يد ورجل من قالها))، حكاه الفراء 2، أراد: يد من قالها ورجلَ من قالها، وأنشد سيبويه
للأعشى 1:
وَلا نقاتِلُ بالعِصِىِّ وَلاَ نُرَامى بالحجِارَة
إِلاَّ عُلاَلَةَ أو بُدَاهَةَ قَارحٍ نَهْدِ الجُزَارَةْ
أراد: إِلاَّ علالة قارح أو بداهة قارح.
وأنشد أيضا للفرزدق 2:
يا مِنْ رِأَى عارضاً أُسَرُّبه
بين ذِراعَيْ وجبهةِ الأسدِ
قال ابن جنِّي: ((ومنه قولُهم: هو خيرُ وأفضلُ مَنْ ثَمّ.
والنوع الثاني: أن يكون حذفُ المضاف إليه في العطوف لا في المعطوف عليه، وهو أقربُ في القياس /لتقدّم الدليل على المحذوف، ومنه ما وقع في البخاريّ من قول أبي برزَةَ... 406 الأسلمي-رضي الله عنه- ((غَزَوتُ مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم-سبعَ غزواتٍ أو ثمانيَ 3)).
هكذا بفتح الياءِ من غير تنوينٍ، يريد: أو ثمانيَ غزوات، فَحذَفَ.