شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 590-4

فهذا نص بأنَّ جميع ما ذكر في الباب مقيسٌ ليس فيه ما يوقف على السماع، وإذا كان كذلك كان الناظم قد ارتضى رأي من قال بالقياس، وكذلك فعل في "التسهيل"، وهو ظاهر كلام سيبويه؛ إذ قال بعد ما أتى بأمثلة منه: "وذا أكثر من أن يحصى"، ولا شك أن ما كان هكذا فهو أحرى بالقياس عليه.
وهذا الكلام هو الذي اعتمد الشلوبين في القول بالقياس، وذهب جماعةٌ إلى وقفه على السماع، وإليه ذهب ابن خروف، واعتمده ابن عصفور، واعتمد ابن خروف في ذلك على كلام سيبويه، حيث قال: وتقول لمن كان شيءٌ من هذه الأشياء صنعته: لبَّانٌ، وتمَّارٌ، ونبَّالٌ، قال: وليس في كل شيء من هذا قيل هذا، ألا ترى أنك لا تقول لصاحب البزّ: بزّاز، ولا لصاحب الفاكهة: فكَّاه، ولا لصاحب الشعير: شعَّار، ولا لصاحب الدقيق: دقَّاق، هذا كلامه، وظاهره عنده عدم القياس، وقد تأول غيره هذا الكلام على الاستغناء في بعض المواضع، فذكر الشلوبين أنه لا ينبغي أن يؤخذ من هذا الكلام عدم القياس، بل هو مقيسٌ عنده، ألا ترى إلى قوله: "وهو أكثر من أن يحصى"، لكن

بيَّن أنَّ العرب قد تترك القياس في بعض المواضع، وتستغني بغيره عنه فتحفظ تلك المواضع، ويبقى مقيساً فيما عداها.
وبعد، فأصل الخلاف في المسألة لفظ سيبويه، فمن ترجَّح عنده أحد الموضعين قال به.
المسألة الثالثة: فيما على الناظم من الدرَكِ وذلك من وجهين: أحدهما: أنه ذكر الاستغناء ولم يبيِّن أنه في موضع مختصٍّ ومحلٍّ معيَّن، وإنما ذكر أن هذا آتٍ في الكلام على الجملة، ومثل هذا لا يحصِّل معنًى في النحو، كما لو قال: إن الضمير يأتي متصلاً، ويأتي منفصلاً من غير أن يذكر موضع الاتصال ولا الانفصال، فإن مثل هذا لا يبيِّنُ في المسألةة حقيقة؛ إذ الضمير لا يأتي متصلاً مطلقاً، ولا منفصلاً مطلقاً، فكذلك كلامه هنا، وهذه الأبنية / الثلاثة إنَّما يستغنى بها في مواضع مخصوصة، فأمَّا (فاعل) فيوتى به لمن كان صاحب شيء وليس فيه علاج، ولا محاولة كـ"لابِنٍ" لمن كان له لبنٌ، و"تامرٌ" لمن كان له تمرٌ، وكذلك سائر المُثُل.
وأما (فعَّال) فلمن كان صاحب شيء له فيه علاج ومحاولة كـ"جمَّال" و"حمَّار" لصاحبي الجمال والحمير اللذين يعملان عليها، وكذلك سائر الأمثلة، هذا هو الغالب في المثالين، وقد يستعمل أحدهما مكان الآخر كقولهم: سيَّافٌ لذي السيف الذي لا يحاول فيه شيئاً، ويقال لذي البغل: بغَّالٌ، ونابلٌ للذي يعالج النبل، وقد أطلق امرؤ القيس النبَّال

في موضع النابل، والنابل في موضع النبَّال، فقال في الأول: وليس بذي رمحٍ فيطعُنَني به وليس بذي سيفٍ وليس بنبَّالِ فإنما يعني صاحب النبل خاصة، وقال في الثاني: نطعنُهُم سُلكَى ومخلوجةً لَفْتَكَ لأْمَينَ على نابِلِ فإنما يعني المعالج للنبل على ما حكي أنه قال: مررتُ بنابلٍ وصاحبه يناوله الريش لؤاماً وظُهاراً، فما رأيتُ شيئاً أحسن منه، فشبهت به، وأما (فَعِل) فللملازم للشيء، كذا قال ابن عصفور، نحو: عَمِلٍ للملازم العمل، ونَهِرٍ للملازم للشغل بالنهار، وسائر المثل كذلك، وغيره يجعل (فعَّالاً) و (فَعِلاً) من باب واحد، وذلك ملازمة العمل والعلاج ومداومَتُه؛ لأنها معاً من أمثلة المبالغة، فهذا مما فات الناظمَ تفسيرُهُ، وهو ضروري؛ إذ لا تَرِدُ هذه الأمثلة علىى محلٍّ واحد كما رأيت، ولا بدَّ من الاختصاص، وهو لم يذكره فيوهم كلامه حكماً لم يقل به أحداً، ولا جواب لي عن هذا الدَّرَكِ الآن.
الوجه الثاني: من وجهَي الدَّرَكِ أنَّ النحويين إنما عادتهم أن يذكروا من هذه الأبنية (فاعلاً) و (فعَّالاً)، وأما (فَعِل) فلا يجعلونه من ذلك، وعلى المثالين اعتمد في "التسهيل" و"الفوائد"، وهو

الذي ينبغي.
فإن قلتَ: إن (فَعِلاً) قد ذكره سيبويه وكثيرٌ من النحويين كما ذكروا (فاعلاً) و (فعَّالاً).
فالجوابُ: أنهم إنما ذكروه على جهة الشذوذ والقلة؛ إذ لك يَلْحق (فاعلاً) و (فعَّالاً) ولا قاربهما، وقد أشار إليه إشارة القلة في الجملة في كتاب "التسهيل" إذ قال: "وقد يقام أحدهما مقام الآخر وغيرهما مقامهما"، فالغير يريد به (فَعِلاً) وما كان نحوه، وأيضاً فحين بنى على ما ذكروه فلنذكر (فعولاً) و (مفعالاً) و (مِفْعَلاً)، وقد ذكر هذا سيبويه: وزاد غيره (مِفعِيلاً) و (فعَّالاً) و (فَعِيلاً) بمعنى مفعول، بل كل صفة جرت على المذكر والمؤنث بلفظ واحدٍ فهي من هذا الباب؛ / لأنها غير جاريةٍ على فِعْلٍ أصلاً، فهي عند البصريين على معنى النسب، فكان من حقه حين أراد أن يستدرك على غيره أن يذكر ما ذكره الناس من هذه الأشياء، ويقولَ حين لم يُرِدِ الاستيفاء، فلا حاجة به إلى ذكر (فَعِل)، بل كان يسكت عنه كما سكت غيره عنه.
وقد يجاب عن هذا الثاني بأن يقال: يمكن أن يكون ارتضى القياسَ على (فَعِل) إذ قد جاء منه أشياءٌ لها كثرةٌ وإن كانت أقليَّةً بالنسبة إلى كثرة (فاعل) و (فعَّال)، فذلك لا يمنع القياس، وخصه

بذلك دون سائر الأمثلة المتقدِّمة؛ لأنه الذي ظهرت فيه المشاركة في معنى النسب حقيقة، وذلك أن المثالين المتقدمين استعمِلا على غير النسب أصلاً؛ إذ لم يقولوا من التمر: تَمْرٌ، ولا من النبل: نَبلٌ، ولا من اللبن: لَبِنٌ، ولا من الحمار: حَمِرٌ، ولا غير ذلك، فظهر فيه معنى النسب ظهوراً بيِّناً، حين قالوا: لاَبِنٌ وتَامِرٌ، وشبه ذلك، وهذا هو الأصل في الباب، وهو الذي جعله سيبويه أكثر من أن يحصى، ثم ذكر ما وجد فيه معنى النسب مما استعمل له فعلٌ، فألحقه بما ليس له فعلٌ مستعملُ الفاء لاستعماله كقولهم: "عشيةٌ راضيةٌ"، وطاعم، وكاسٍ، وما أشبه ذلك، فإنهم استعملوا رَضِيَ وطَعِمَ وكَسِيَ على الجملة، لكنهم ألغوا فيه ذلك المعنى، فألحقوا بلابنٍ وتامرٍ، ولأجل أنَّ الباب مبنيٌّ على إهمال الفعل استشكال بعض المتأخرين جعل سيبويه تامراً من صلب الباب، مع أن ابن القطاع حكى: تَمِرَ القوم: إذا كان عندهم تمرٌ، واعتذر بأن قال: لعل هذا لم يحفظه سيبويه، ثم استشكل إدخاله آهلاً مع قولهم: أَهَلَ المكان أُهولاً؛ إذا كثُرَ أهله، ذكره ابن القوطية، قال: وإذا ثبت ففي هذا إشكال عظيم.
هذا ما

قاله:، ولا إشكالَ فيه، على ما تقرر في طاعمٍ وكاسٍ ونحوهما، وإنما جلبتُ هذا الكلام استشهاداً على اعتمادهم في تقرُّرِ معنى النسب على إهمال الفعل، وأن فاعلاً وفعَّالاً غير جاريَين على فَعِل.
فإذا تقرّر هذا فـ (فَعِل) قد وُجد، وليس له فعلٌ أصلاً، وذلك قولهم: نَهِرٌ؛ إذ لم يستعملوا نَهَر، فصار بهذا النقل في نمط فاعل وفعَّال هذا، وإن كان نادراً فإنهم قد استعملوا عليه ماله فعلٌ على تقدير الغاية، وذلك قولهم: طَعِمٌ وسَتِهٌ وحَرِحٌ ونحو ذلك، بخلاف جميع ما ذكر في السؤال من فَعول ومِفعال وغيرهما، فإنها إنما استعملت / على معنى النسب إلحاقاً لها بغيرها لا بحق الأصل؛ إذ ليس فيها ما استعمل، وليس له فعل البتة، بل كل واحد منهما فعل مستعمل، فلم يلحقها الناظم بما ذكر، ويا حُسْنَ ما ذهب إليه لولا قلته في السماع، وذلك لا يضر إذا كان عنده إذا كان يبلغ مبلغ القياس، وإنما ذكر سيبويه فَعِلاً مع فَعُول ومِفعالٍ ونحوها؛ لأن الجميع عنده غير قياس.
ثم أشار الناظم أن ما عدا ما ذُكِر موقوفٌ على السماع، وهو القسم الثاني من قسمي المنسوب، فقال: وغيرُ ما أسلفتُهُ مقرراً على الذي يُنقلُ فيه اقتُصرا أسلفتُهُ معناه: قدمته، ومنه: سلَفُ الرجل، وهم أباؤه المتقدِّمون، يعني: أنَّما عدا ما قدَّمَ من الأحكام المقررة في هذا الباب يُقتصر منه على المنقول المسموع، ولا يقاس عليه ما سواه، وحين نبَّه

على قسم الشَّاذ، فلا بد من التنبيه على أمثله منه، يتبيَّنُ بها مقصوده، ويستريح إليها النار في نظمه.
فاعلم أن ما خرج عن القياس في باب النسب ثلاثةُ أقسام: أحدهما: ما كان قياسه أن لا يغيَّر بغير زيادةٍ على ما اقتضى القياسُ فيه من التغيير، فغيَّرتْهُ العرب شذوذاً.
والثاني: ما كان قياسه أن يغير فلم يغيَّر شذوذاً على عكس الأول.
والثالث: ما كان قياسه أن يغيَّر تغييراً ما، فغيِّر تغييراً آخر شذوذاً كذلك، وكل واحد من هذه الأقسام لا بدَّ لما فعلته العرب فيه من علة.
وجملة علل الباب ثلاثة أنواع: إحداها: التفرقة بين نسبتين إلى لفظٍ واحدٍ قصداً إلى إزالة اللبس.
والثانية: المعدول عن الثقل إلى الخفة.
والثالثة: تشبيه الشيء بالشيء.
وثمَّ نوعٌ رابعٌ استقرائيّ وهو: الاستغناء عن النسب إلى الشيء بالنسب إلى ما في معناه أو ما يلابسه.
القسم الأول: مثاله قولهم في قريشٍ: قُرَشيٌّ، وفي هذيل: هُذَلي، وفي ثقيف: ثَقَفيٌّ، ووجهه إما تشبيه ما ليس فيه التاء بما هي فيه؛ لأن الوزن واحد، ولا بد للتاء أن تزولَ في النسب، وإما لثقلِ

اجتماع الياءات في الكلمة إذا قالوا: قُرَيشي.
ومن ذلك قولهم: سُهليٌّ بالضم في النسب إلى السَّهل خلاف الجبل، فرقوا بينه وبين النسب إلى سَهْلٍ اسم رجل؛ إذ قالوا فيه: سَهْليٌّ، وكذلك دُهريٌّ للرجل المسنِّ منسوب إلى الدهر، فرقوا بينه وبين الدَّهري، وهو القائل بالدهر من الملحدة، وكذلك أَمويٌّ بفتح الهمزة في أُمية، والقياس: أُمويٌّ، لكنهم كأنهم نسبوا / إلى المكبَّر وهو: أمةٌ استغناءٌ، ومثله في الاستغناء قولهم في البصرة: بِصريٌّ، ووجَّهه بعضهم بأنه نسب إلى البِصر وهي حجارةٌ بيضٌ توجد في الموضع المسمَّى بَصرة، فنسب إليها، والمراد الموضع شذوذاً، وقالوا: عُبَدِيٌّ بضم العين في بني عَبيدة، حيٌّ من بني عَديّ، فرّقوا بينهم وبين عَبيدة من غيرهم، ومثله قول بعضهم في بني جَذيمة: جُذَمِيّ، قال السيرافيّ: لأنَّ في قريش جَذيمَة ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وفي خزاعة جذيمة، وهو المصطلق، وفي الأزد جذيمة بن زهير، والأمثلة أكثر من هذا.
والقسم الثاني: مثاله قولهم في عليّ: عليِّيّ، وفي قصيّ: قُصيِّيّ، وهذا مذهب الناظم حيث جعل ذلك شذوذاً، وإلا فهو عند طائفة قياس، كما تقدم، ووجه التشبيه بظبْيِيّ حيث لم يحفِلوا فيه بالياءات،

فلذلك لم يحفِلوا بها في ذلك، ومن ذلك قولهم في البحرين اسم موضع: بحراني بإثبات الالف والنون اللتين هما علم للتثنية في الأصل، فرقوا بذلك بينه وبين البحرين الذي هو تثنية حقيقية لم يسمّ به بعد، فبنوا اسم الموضع علا (فَعلان) ثم نسبوا إليه كذلك.
والقسم الثالث: مثاله قولهم في زَبينة: زَبانيٌّ، كأنهم أرادوا إبقاء الحروف على حالها، فاستثقلوا الياء في زَبينيٌّ فردوها إلى الألف؛ لأن الألف أخفّ من الياء هنا لما في بقائها من اجتماع الياءات في كلمة.
ومن ذلك قولهم: طائيٌّ؛ إذ لو قالوا على القياس: طيئيٌّ لثقُلَ باجتماع الياءات وبينهما همزة هي من مخرج الألف، وهي أيضاً تناسب الياء، فقلبوا الياء ألفاً.
ومن سليقيٌّ في السَّليقة، قياسه: سَلَقيٌّ، لكنهم شبهوه بـ (فعيل)، فتركوا الياء على حالها.
وقالوا في صنعاء: صنعانيّ، وفي بهراء: بهرانيّ، وفي دَسْتَوَاء: دَسْتَوانيّ، أبدلوا الهمزة نوناً لشبهها بها، ألا تراهم قالوا: ظرابيّ في ظَرِبان، وأناسيّ في إنسان، شبهوا النون بالهمزة، فكذلك شبهوا هنا الهمزة بالنون على العكس من ذاك.
وقالوا في جَلولاء وحَروراء: جَلُوليٌّ وحَروريٌّ فحذفوا الهمزة تشبيهاً للممدود من الألفات بالمقصور.

وكذلك قالوا في خراسان: خُراسيٌّ، كأنهم شهوا الألف والنون بعلم التثنية، فحذفوا لذلك.
والمُثُل في الباب كثيرةٌ، فلنقتصر منها على هذا القدر فهو كافٍ.
/ ويلحق بهذا الفصل مسألةٌ تتعلق بكلام الناظم، وذلك أن هذه الأشياء التي شذت في النسب إليها إذا سُمِّيَ بها فإنما ينسب إليها على القياس المطرد، ويترك ذلك الشذوذ المسموع فيها، فلو نسبْتَ إلى رجل سمَّيتَه زَبينة لم تقل: زَبانيٌّ، وإنما تقول: زَبَنيٌّ على القياس، وكذلك إذا سميتَ رجلاً بدهر فنسبت إليه لم تقل إلا: دَهريٌّ بالفتح، أو جذيمة لم تقل إلا: جَذَميٌّ بفتح، وكذلك سائر ما تقدم، وكذلك الحكم في التصغير، وإذا ثبت هذا فكلام الناظم قد يشعر بأن ما جاء شاذاً يقتصر فيه على النقل سواء أكان ذلك قبل التسمية أم بعدها؛ إذْ لم يقيَّد ذلك بما قبل التسمية فصار الإطلاق مشعراً بالتسويغ في الجميع، وذلك غير صحيح، بل الحكم الفرق بين الحالين كما ذكر.
والجواب: أن كلام الناظم يشعر بذلك؛ لأنه إنما قال: "على الذي ينقل فيه اقتصرا" والذي نقل شاذاً إنما نقل غير مسمًّى به، فإذا سمي به فقد خرج بالتسمية عن المسموع؛ إذْ كنتَ تصرفتَ فيه بالتسمية، ألا ترى إلى قولهم: سُهليٌّ إنما قالوه في النسب إلى السَّهل خلاف الجبل، ليفرقوا بينه وبين النسب إلى سَهْل الرجل، فإذا سميتَ بالسهل خلاف الجبل فقد صار غير محلّ التفرقة، فيلزم فيه اتّباع القياس، وعلى هذا النحو

يجري سائر ما في الباب، قال الشلوبين: "إنما رجع سيبويه في النسب إلى القياس؛ لأنه وجد العرب كثيراً ما تغيِّر الاسمَ المنسوب إليه فرقاً بين معنيين كقولهم في النسب إلى السَّهل: سُهليٌّ، وفي النسب إلى اسم رجل: سَهليٌّ بالفتح، فلما كان أكثر تغييرهم للفرق صار ذلك الشذوذ مختصاً بذلك المعنى المغيَّر، فوجب عند زوال ذلك المعنى زوالُ ذلك التغيير، فكان الوجه الرجوع إلى القياس، وكذلك التصغير وجدوا أكثر الشذوذ فيه مختصاً بالظروف، وهي في كلامهم قد اختصَّت بأشياء لا تكون في غيرها من الأسماء، هذا مع أن التصغير في الظروف لمعنًى ليس في غيرها، فوجب الرجوع إلى القياس هذا وجه ما قالوا، بخلاف الجمع فإن الحكم فيه بعد التسمية كحكمه بعدها، فتقول في ابن: بَنُونَ على غير القياس، فإذا سمَّيتَ به قلتَ: بنون أيضاً، وكذلك (أمٌّ) تقول فيه: أمَّهاتٌ وأُمَّاتٌ / قبل التسمية وبعدها، وإنْ كان أمَّاتٌ شاذاً، ووجه الفرق أن الجمع على بنون أو أمهات لم يكن لأجل معنًى يزول ذلك المعنى بالتسمية، فيزول موجبُه لذلك، بل أمره بعد التسمية وقبلها أمرٌ واحداٌ، وأما النسب فالشذوذ لمعنًى يزول بالتسمية كما تقدم فيزول موجبه، ونظيره قولهم في جمع أحمر الصفة: حُمْر، فإذا نقلْتَه بالتسمية زال موجب ذلك الحكم؛ لأن الوصفية هي الموجبة للجمع على (فُعْل)،

فإذا زالت زالَ موجبها، فالحاصل أن الاسم قبل التسمية بالنسبة إلى النسب الشاذّ مخالف له بعد التسمية، فليس هو المنقولَ نفسَه بعد التسمية، فلم يشمله كلامُ الناظم هنا، فلا بد من رجوعه إلى القياس المقرَّر قبلُ، وهو ما أردنا أن نبين، وينظر هنا هل فاته ذكر مسألة من تغيير النسب مطَّردة لم تدخل له تحت ما ذكر، وقلَّما يخلوا من ذلك، فيُردّ عليه الاعتراضُ؛ لأنه قال: "وغير ما أسلفتُهُ مقرراً" إلى آخره، فأعطى أن ما لم يذكر له تغييراً مطرداً في هذا النظم فهو شاذٌ محفوظٌ.
كمل النسب، يتلوه الوقف إن شاء الله تعالى تمَّ السِّفْرُ الرابع بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل


فهرس موضوعات الجزء السابع الموضوع... الصفحة جمع التكسير... 9 التصغير... 261 النسب... 429

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة أم القرى معهد البحوث العلمية مركز إحياء التراث الإسلامي

المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية

للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (790 هـ)

الجزء الثامن

تحقيق الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنا [1]

[... [

حقوق الطبع محفوظة لمعهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي جامعة أم القرى مكة المكرمة

الطبعة الأولى 1428 هـ - 2007 م [2]

المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية 8 [3]

بسم الله الرحمن الرحيم [4]

جارٍ التحميل