وكذلك اختصم زيد وعمرو، وسائر ما تقدم التمثيل به.
هذا شرط لابد منه.
وشرط ثان، وهو أن يكون القصد الإخبار عن فعل واحد لا عن فعلين.
وبيان ذلك أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو فهذا محتمل أن تكون أخبرت عن مرور واحد أشركتهما فيه، ولا يضر في ذلك كون المرور حصل من أحدهما قبل الآخر، ومعنى هذا أنك أخبرت عنهما معًا بوقوع جنس المرور منهما، ويحتمل أن تكون أخبرت عن مرور لكل واحد منهما، كأنك قلت: مررت بزيد، ومررت أيضًا بعمرو، فهما مروران، ولا يضر في هذا الوجه كون المرورين وقعًا معًا في زمان واحد، وكلا الاحتمالين موجود في الكلام، ونص عليه سيبويه وغيره.
فعلى الاحتمال الثاني لا يصح استعمال (الواو) المصاحب ما بعدها لما قبلها في تلك الأمثلة، لأنها تقتضي استئناف الإخبار عن (المرور بعمرو) والموضع لا يقتضي ذلك، بل يجب فيه اعتقاد الاحتمال الأول والجزم به، وعند ذلك يصح العطف في الأمثلة.
فهذان الشرطان لم يذكر الناظم واحدًا منهما، بل أطلق القول، فأفهم أنها يعطف بها ما لا يغني متبوعة على كل أحوالها، وليس كذلك.
والجواب عن هذا أن مراده الاختصاص بـ (الواو) دون غيرها على الجملة، فكأنه يقول: لا يقع غير (الواو) هنا.
وبقى عليه العلم على أي معنى تقع (الواو) فلم يصرح به.
وأيضًا فإن كلامه اقتضى هذين الشرطين، لأنه قال: "واخصص بها عطف الذي لا يغنى متبوعة" وإذا كان (الواو) غير مصاحب ما بعدها لما قبلها أغنى المتبوع معها عن التابع، لجواز الإخبار عن فعل أحدهما دون الآخر.
وكذلك إذا قصد الإخبار عن فعلين، لأن الكلام إذ ذاك في تقدير كلامين، فإذا اجتمع الشرطان فعند ذلك لا يغني المتبوع عن التابع.
فإن قيل: فقد تقول: قام زيد وعمرو، مع اجتماع الشرطين، ويكون لك أن تقتصر على المتبوع فتقول: قام زيد- قيل: لا أسلم جواز/ الاقتصار، بل يكون حكمه حكم.
قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ وما أشبه.
فتأمله، والله أعلم.
وإن سلم الاحتمال في: قام زيد وعمرو- فلا يحتمل ذلك في مسألتنا.
ثم قال:
والفاء للترتيب باتصال... وثم للترتيب بانفصال
وأخصص بفاء عطف ما ليس صلة... على الذي استقر أنه الصلة
يعني أن (الفاء) العاطفة معناها ترتيب ما بعدها على ما قبلها في الزمان كترتيب اللفظ، لكن بشرط الاتصال، ومعناه اتصال فعل المعطوف بفعل المعطوف عليه.
فإذا قلت: (قام زيد فعمرو) فالقائم أولًا زيدً، وبعده عم لكن امهلة بينهما، ولا فصل بين زمانيهما إلا بمقدارٍ ما، لا يمكن الشروع في الثاني بعد الفراغ من الأول إلا به عادة، فلا يلزم أن يقال: إن الثاني متصل بالأول من غير فصل البتة، ولا تراخ قليلٍ ولا كثير، بل ما ذكر، وهو الذي ينبغي تفسير الاتصال به في كلام الناظم، وهو التحقيق عند شيخنا الأستاذ، رحمه الله.
قال: وقد أشار الفارسي في "الإيضاح" إلى هذا المعنى.
فقول الناظم" "باتصال" معناه الاتصال العرفي الذي لا يعد به الثاني منقطعا من الأول.
وهذا يقتضي أنها لا تكون لغير ترتيب، وهو الذي عليه الجمهور.
وذهب بعض النحاة، فيما نقل، أن (الفاء) قد تكون للاجتماع كـ (الواو) فليس الترتيب يلازم لها عندهم.
والاستقراء يشهد بخلاف ما قالوا.
وقد احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء توهم دعواهم، منها قوله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطي فعقر {أي تعاطي الذنب فعقر، وتعاطي الذنب هو العقر نفسه.
وقوله: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا {الآية، لأن الإهلاك بعد مجيء البأس أو معه، لا أن مجيء البأس مرتب على الإهلاك.
وقوله تعالى: {ثم دنا فتدلى {- المراد- والله أعلم- تدلى، يعني جبريل، فدنا.
وقال امرؤ القيس:
بين الدخول فحومل
فأتى بـ (الفاء) وهو موضع (الواو) كما تقدم.
فدل على أنها في البيت مرادفة لها.
وليس فيما جلبوا دليل.
أما قوله: ﴿فتعاطي فعقر﴾ فمعناه أن قوم قدار بن سالف نادوه، وأشاروا عليه بعقر الناقة، فتعاطي، أي تناول أمرهم وقبله، فعقر بعد تعاطي ما رغبوا فيه.
وقيل: معنى (تعاطي) قام على أطراف أصابع رجليه، ثم رفع يده فضربها، فـ (الفاء) على معناها من الترتيب.
وأما قوله: ﴿أهلكناها فجاءها بأسنا﴾ فهو على المعنى: أردنا إهلاكنا، فمجيء البأس عقيب الإرادة، والهلاك في الواقع بعد مجيء البأس، فهذا من إطلاق المسبب، وهو كثير في القرآن وكلام العرب.
ومنه قوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فأستعذ بالله﴾ وقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية.
وأما قوله: ﴿ثم دنا فتدلى﴾ فقيل: معناه: ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فتدلى، أي بقي متدليًا بعد الدنو، ولم يصل إليه، والتدلي: التعلق في الهواء، وليس
الهبوط.
ومنه: دلى رجليه من السرير.
وأما بيت أمريء ألقيس:
بين الدخول فحومل
فإن الرواية المشهورة فيه (الواو) وهي القياس، فإذا ثبتت رواية (الفاء) فنجيزها حيث ثبتت، لا تتعدى ذلك، ولا نقيس على المسموع فيه حكم كل شاذ، قال خطاب ألماردي: وقد يجوز عندي على أن (الدخول) مكان يجوز أن يشتمل على أمكنة كثيرة، فتم الكلام، كما تقول: قعدت بين الكوفة، تريد: بين دورها وأماكنها أو طرقها، أو ما أشبه ذلك مما يشتمل عليه، فإذا جاز هذا في (الكوفة) لم يمتنع في مثل (الدخول) على مثل هذا، فجئت بـ (الفاء) على تقدير: فبين حومل، وجعلت (حوملًا) مكانا متضمنًا لأمكنة أيضا، فصار هذا كقولك: اختصم إخوتك فأعمامك، إذا كان كل فريق منهم خصمًا لصاحبه.
قال: وهذا عندي أصح من أن أجعله شاذًا إذا ثبتت الرواية، وقد قال ابن حلزة:
أوقدتها بين العقيق فشخصين... بعودٍ كما يلوح الضياء
وقال جرير:
بين المحيض فالعزاف منزلة... كالوحي من عهد موسى في القراطيس
كذا وجدته بحظ أبي عبيد البكري.
وجميع ذلك يجري على هذا المهيع، وهو مع ذلك قليل.
وقال الآخر:
ربما ضربةٍ بسيف صقيلٍ... بين بصري وطعنةٍ نجلاء
ثم قوله: "والفاء للترتيب" يحتمل أن يريد الترتيب ألزماني وغيره، فإن العرب قد ترتب بالفاء في غير الزمان كثيرًا، كقواهم: نزل المطر بمكان كذا فمكان كذا.
وقال امرؤ ألقيس:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل... فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
وقال قيس بن ذريح أو غيره:
عفا سرف من أهله فسراوع... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع
فمكة فالأخساف أخساف ظبيةٍ... بها من لبيني مخرف ومطبع
وقال النابغة الذبياني:
عفاذ ذو وحسي من فرتني فالفوارغ... فجنبا أريكٍ فالتلاع الدوافع
فمجمع الأشراجٍ غير رسمها... مصايف مرت بعدنا ومرابع
وأكثر ما يكون هذا في الأماكن، والترتيب فيه ترتيب لفظي، فيدخل هذا كله تحت قوله: "والفاء للترتيب".
ويحتمل، وهو الأظهر، أن يكون مقصوده ترتيب الزمان، وهو الذي يشعر به قوله: "باتصال" لأن تقييد الترتيب بالاتصال يشعر بأنه زماني، وكأنه إنما لم ينبه على هذا الترتيب الآخر لقلته، ولأنه كالمفرغ عن ألزماني.
وأما (ثم) فذكر أنها لترتيب ما بعدها على ما قبلها، لكن منفصلًا عنه انفصالًا معتدًا به.
فإذا قلت: قام زيد بن عمرو- فالقائد أولًا (زيد) ثم تأخر عنه (عمرو) تأخرًا ينفسح عن ترتيب الفاء.
وقد اجتمع ترتيب (الفاء، وثم) في قوله في الحديث: "إن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم" إلى آخر الحديث.
والتزام الترتيب فيها، كما أشار إليه الناظم، وهو مذهب الجمهور، وذهب قوم إلى أنها ترادف (الواو) في بعض تصريفها، فلا تعطي ترتيبًا، واستدلوا على ذلك بأشياء: منها قوله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة﴾ ثم قال: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ فلو كانت للترتيب والمهملة لكان طلب الإيمان مرتبًا على طلب فروعه، وذلك فاسد.
فالمعنى فلم يقتحم: ولا كان من الذين آمنوا، فالموضع موضع اجتماع.
وقال تعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم﴾ والخلق والتصوير في زمان واحد، لأنهما راجعان إلى معنى واحد.
وقال سبحانه: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ والهداية لا تتأخر عن التوبة والإيمان والعمل الصالح.
وقال الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه... ثم قد ساد بعد ذلك جده
فهذا موضع (الواو) لأن الموضع لمدح الابن، والابن متأخر عن الأب، فسؤدد الابن بعد سؤدد الأب في المعتاد، فقد أتى ما بعد (ثم) سابقًا بالزمان، و (ثم) لا تعطف المتقدم على المتأخر إلا إذا عدت كالواو.
والجواب أن ما ذكر لا دليل فيه.
أما الآية الأولى فـ (ثم) فيها على بابها، بمعنى أن الله عز وجل خلق الإنسان، وهداه طريق الخير والشر، فلم يعط مما رزق يتيمًا ولا مسكينًا، ثم بعد هذا المنع لم يؤمن، ولم ينتظر في سلك المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة.
وقيل: إن (ثم) فيه لترتيب الأخبار كالفاء، إلا أنه قصد هنا التنبيه على تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة عن العتق والصدقة، لا ترتيب الزمان.
وأما قوله: ﴿ثم اهتدى﴾ فمعناه: تمادي على ذلك، ودام وثبت، كقوله: ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾ إنما طلبوا التثبيت على الهدى، لأنهم في الحين مهتدون.
وأما البيت فـ (ثم) فيه لترتيب الأخبار، أو تكون على بابها والسيادة حصلت لأبيه ثم لجده مرتبة على سيادته، كأنه ساد أولًا، ثم ساد أبوه بسيادته،
ثم جده، على مثال قول الآخر.
كما علت برسول الله عدنان
والدليل على لزمم الترتيب لها استقراء المتقدمين المتحققين بكلام العرب.
وأيضًا فلو صح جريانها مجرى (الواو) لجاز وقوعها حيث لا يصلح إلا معنى (الواو) فكنت تقول: اختصم زيد ثم عمرو، كما تقول: اختصم زيد وعمرو، لكن ذلك غير مقول باتفاق، فدل على أن ما ادعوه من معنى (الواو) غير صالح في (ثم) أصلا.
وقال ألماردي: الدليل على أن (ثم) لا تكون بمعنى (الواو) إجماع الفقهاء على أنه لا يجوز أن يقال: هذا بيمن الله ويمنك، بالواو، ولكن أجازوا أن يقال: هذا بيمن الله ثم يمنك قال: ولو كانت بمعنى/ (الواو) ما قروا إليها.
قال: وفي الحديث أن بعض اليهود قال لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تزعمون أنكم لا تشركون بالله وأنتم تقولون: ما شاء الله وشئت! فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تقولوها، وقالوا: ما شاء الله ثم شئت" حدث به قاسم بن اصبغ.
فإن قيل: فهل يجوز: ما شاء الله فشئت، بالفاء؟ قيل: لا، لأن فيه خلافًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن الفاء تدل على أن
ما بعدها يتلو ما قبلها بتراخٍ يسير، ومشيئة العباد لا تقارب مشيئة الله تعالى.
فهذان دليلان يشترك فيهما الفاء وثم والله أعلم.
ثم قال: "وأخصص بفاءٍ عطف كذا" يعني أن (الفاء) أيضا تختص دون أخواتها بحكم، وهو أن تعطف من الجمل ما ليس بصلة، ولا يصلح أن يقع في موضع الصلة، على ما ثبت أنه صلة، أي للموصول.
ومعنى ذلك أنك تقول: أعجبني الذي رأيته فأكرمت زيدًا، فقولك: "رأيته" صلة "الذي" و "أكرمت" زيدًا" جملة معطوفة عن جملة الصلة، وليست بصلة.
يريد أنها لا تصلح أن تكون صلة للموصول المتقدم، لأنك لو قلت: أعجبني الذي أكرمت عمرًا- لم يجز، لبقاء الموصول دون ضمير عائد عليه من صلته، وذلك أن الجملة المعطوفة على جملة الصلة لا بد فيها من ضمير به تصلح أن تكون صلة للموصول المتقدم.
فمن شرط المعطوف صلاحيته لوقوعه موقع المعطوف عليه إذا كان العطف بغير الفاء، فلا تقول: أعجبني الذي أكرمته وخرج عمرو، ولا ثم خرج عمرو، ولا ثم خرج عمرو، ولا ما أشبه ذلك.
وأما (الفاء) فجاز ذلك معها لما فيها من الربط المعنوي ألسببي، فصارت الجملتان بذلك كالجملة الوحدة، فصاغ العطف وإن لم يصح في الثانية وقوعها صلة، فتقول على هذا: (الذي يطير فيغضب زيد الذباب) و (الذي أكرمته فجاءني عمرو أخوك) ونحو ذلك.
ويشبه هاتين الجملتين جملتا الشرط والجزاء إذا وقعتا صلة للموصول، فإنه يكتفي بضمير واحد في إحدى الجملتين لحصول التسبب الذي يصيرهما كالجملة الواحدة، فتقول: أعجبني الذي إن أكرمته فرح الناس ولا فرق في
المسألتين بين كون الضمير في الجملة الأولى والثانية.
وفي هذا ما يدل على أن غير الفاء لا يقع في هذا الموضع موقعها.
وقد زعم ابن عصفور أن (الواو) الجامعة مثل الفاء في هذا، فإن الواو قد تكون عاطفة غير جامعة، فلا يصير ما بعدها مع ما قبلها كشيء واحد، كقولك: هذان قائمان وضاحكان، فـ (قائمان) خبر هذين، و (ضاحكان) خبر ثان معطوف عليه.
وقد تكون جامعة تصير ما بعدها مع ما قبلها كشيء واحد، كقولك: هذان زيد وعمرو، ألا ترى أن (زيدًا) على انفراده ليس بخبر لهذين، وكذلك (عمرو) على انفراده ليس بخبر لهذين، وإنما الخبر (زيد وعمرو) معًا، فالواو صيرتهما بمنزلة خبر واحد.
وإذا ثبت هذا فإن قدرت (الواو) في قولك: (الذي يطير ويغضب زيد الذباب) جامعة، كأنك قلت: الذي يجتمع طيرانه وغضب زيدٍ الذباب.
- صارت الجملتان بمنزلة الجملة الواحدة، فيكون الحكم مثله مع (الفاء).
وإن قدرتها عاطفة غير جامعة كانت كل واحدة من الجملتين منفصلة من الأخرى فلم يجز.
وهذا التفصيل لم يقل به غيره، لأن (الواو) وإن قصد به الجمع، لا بد أن يصلح ما بعدها لوقوعه موقع ما قبلها، وهذا لا يصح هنا للزوم خلو الصلة من ضمير ما تقدم، بخلاف (الفاء) فإن ربط التسبيب فيها لا يصح معه تقدير وقوع ما بعدها موقع وما قبلها، لأن الثانية مسببة عن الأولى، فلا يمكن أن تقدر هنالك غير مسببة.
وجمع (الواو) لا يقتضى ترتيبًا تسبيبًا، فلذلك يقدر ما بعدها في موضع ما قبلها.
وكذلك (ثم) وغيرها من حروف العطف حكم ما بعدها مع ما قبلها حكم (الواو) وما ذكره ابن عصفور من تقدير الجملتين مع (الواو) الجامعة جملة واحدة تقدير معنوي، لا تقاس عليه أحكام اللفظ، وقد نزل الجملتين، ولا موضع لهما من الإعراب، منزلة ما له موضع من الإعراب لفعل غير موجود.
وهذا كله ضعيف، فالصحيح ما ذهب إليه غيره من اختصاص الموضع بالفاء، إلا أن في هذا الموضع نظرًا من وجهين:
أحدهما أنه خص هذا الحكم بالصلة وحدها، ولم يشرك معها غيرها.
والصلة والصفة والخبر والحال في هذا الحكم سواء، فكما يجوز أن يقال: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، كذلك يجوز: مررت برجلٍ يبكي فيضحك عمرو، وزيد يقوم فيقعد عمرو، ومررت بزيدٍ يضحك فيبكي بشر.
لا مانع من هذا كله.
وكلامه هذا يقتضي اختصاص ذلك بالصلة، وليس كذلك.
وقد نبه على هذا الموضع في "التسهيل" فقال في (الفاء): وتنفرد أيضًا بكذا، وبتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمن جملتين، من صلةٍ أو صفة أو خبرٍ.
وقال في "الشرح": أو حالٍ.
ويمكن أن يعتذر عنه بأنه ذكر الصلة التي هي أشد افتقارا إلى الضمير العائد من غيرها، وترك ذكر ما سواها، ليلحقه الناظر به، فلا يعد تركه إغفالًا.
والثاني: أنه أتى بالمسألة قاصرة، فإنه ذكر في هذا الاختصاص عطف ما ليس بصلة على الصلة، وترك العكس، وهو عطف ما هو صلة وحده على
ما ليس وحده بصلة، كقولك: التي يقوم زيد فأكرمها هند، والذي يطير الذباب فيغضب زيد، فإن هذا جائز كالمسألة الأولى، والحكم فيهما سواء، فإن ربط الجملتين بالفاء يصيرهما كجملة الشرط والجزاء، ولا فرق في جملتي الشرط والجزاء بين أن يكون الضمير في الأولى، وأن يكون في الثانية، فتقول: زيد إن يقم يقم عمرو، [وزيد إن يقم عمرو] أكرمه، فكذلك هنا.
ولم ينبه على ذلك الناظم، فكأنه ذكر نصف المسألة، وترك النصف الآخر.
والعذر أنه قصد هنا أن يبين وجه الاختصاص على الجملة وترك ما عداه لأنه راجع إلى باب "الابتداء" لا إلى هذا الباب، وينهض هذا عذرًا عن السؤال الأول.
وأيضًا كما أنه يمكن أن يكون هنا نبه على إحدى المسألتين، وترك الأخرى لفهمها مما ذكر.
والله أعلم.
ووجه ثالث، وهو أن تخصيص هذا الحكم بـ (الفاء) ليس على إطلاقه كما هو الظاهر من كلامه، بل هو مشروط بأن تكون (الفاء) تؤدي معنى السببية، فقد قالوا في قولهم: (يطير الذباب فيغضب زيد): لا يخلو أن تجعل (الفاء) رابطة لإحدى الجملتين بالأخرى ارتباط السبب بالمسبب أولًا، فإن لم تجعلها رابطة، بل قصدت أن تخبر عن الذباب بأنه يطير، وعن زيد بأنه يغضب، لا من أجل طيران الذباب، كان حكم كل واحدة من الجملتين حكمها لو انفردت.
وأما إن قصدت التسبيب، وأن غضب زيدٍ يقع لطيران الذباب، فحينئذٍ تصير الجملتان كالجملة الواحدة، فإذا كان كذلك كقولك: الذي يطير فيغضب زيد الذباب- جائز على وجه، وممتنع على وجه آخر، فيجوز إذا قصدت بـ (الفاء) معنى التسبيب، ويمتنع إذا قصدت بها مجرد العطف من غير تسبيب، كما يمتنع مع (ثم) وغيرها.
والناظم لم يفصل هذا التفصيل، بل قرينة ذكر الحروف العاطفة توهم أن هذا جائز مع قصد العطف من غير تسبيب، وذلك غير صحيح.
والجواب أنه إنما قصد تخصيص الفاء بذلك الحكم دون غيرها، ولا شك في صحة ذلك، وأهمل ما سوى ذلك لقصده إجمال الحكم.
وهذا ضعيف، والله أعلم.
ووقع في هذين الشطرين لفظ واحد في القافيتين، لكن أحدهما منكر، والآخر معرف، وليس بإبطاء.
وقد تقدم مثله.
بعضًا بحتي أعطف على كل ولا... يكون إلا غاية الذي تلا
لـ (حتى) في الكلام متصرفات، فقد تكون جارة، وقد تقدم ذكرها في (باب الجر).
وقد تكون حرف ابتداء، وسيأتي ذكرها في إعراب الفعل إن شاء الله تعالى.
وقد تكون عاطفة، وهي التي ذكر هنا، وهي أقل الأقسام في الكلام استعمالا.
ومعناها الغاية هنا، واشعر بذلك منصرفها في العطف، ولذلك قال: إنها لا تكون إلا غاية الذي تلا.
وكذلك هي في باب الجر.
وقد عرف بذلك ثمة.
ويريد هنا أنه لا يعطف بـ (حتى) إلا إذا اجتمع شرطان:
أحدهما أن يكون ما بعدها بعضًا، وما قبلها كلا لذلك البعض، وهو قوله: "بعضًا بحتي اعطف على كل" فلو كان ما بعدها غير بعضٍ لما قبلها لم يجز العطف بها بمقتضى مفهوم كلامه، فلا تقول: عجبت من الجارية حتى من ابنها، كما تقول: أعجبتني الجارية حتى كلامها، وحتى شعرها.
والثاني أن ذلك البعض لا يكون إلا غاية لما قبله، وذلك قوله: "ولا يكون إلا غاية الذي تلا" فضمير "يكون" عائد على "البعض" و "الذي" واقعة على "الكل" وعائده محذوف، وفاعل "تلا" هو "البعض" وتقديره: ولا يكون ما بعد (حتى) وهو البعض، إلا غاية الكل الذي تلاه بعضه.
ومعنى كونه غايةً أي في زيادة أو نقصان، أو كثرة أو قلة، أو قوة أو ضعف، أو صفر أو كبر، أو نحو ذلك.
فلو لم يكن ما بعد (حتى) غاية لم يعطف بها.
فلو قلت: خرج الفرسان حتى بنو فلان، وهم من وسط (الفرسان) لم يجز، لأن الغاية لا تصح إلا في الأطراف العالية أو السافلة.
وضابط ذلك أنه يزيد بذكره تعجبًا ومبالغةً في المعنى، بحيث لو لم يذكر لم يحصل الشعور به.
فإذا اجتمع الشرطان اقتضى العطف بـ (حتى) فقلت: فاق على الأبطال حتى عنترة، وعجز في العلم الأذكياء حتى الحكماء، وقصر عن وجوده الأجواد حتى حاتم.
ومن كلامهم "استنت الفصال حتى ألقرعي" و "كل شيء يحب ولده حتى الحباري" وفي الحديث "كل شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ حتى العجز الكيس" ومن ذلك كثير، وأنشد المؤلف:
قهرناكم حتى الكماه فأنتم... تهابوننا حتى بنينا الأصاغرا
والبعض الذي ذكر تارة يكون حقيقة كما مثل، وتارة يكون مجازًا، كقولك: أعجبتني الجارية حتى حديثهما.
ومن ذلك قول الشاعر، وينسب للمتلمس، قال ابن سيده: ولم يقع في ديوان شعره، وإنما هو لابن مروان
النحوي قاله في قصة المتلمس:
ألقي الصحيفة كي يخفف رحله... والزاد حتى نعله ألقاها
على رواية نصب "النعل" كأنه جعل "النعل" بعضا لما قبل "حتى" مجازا، فصار في التقدير: ألقي ما يشغله حتى نعله.
ويجوز في البيت غير هذا.
وهنا مسألتان، أحدهما أنه لم يذكر لـ (حتى) ما ذكر لما قبلها من الترتيب، فدل ذلك على أنها لا تقتضيه، فإذا قلت: قدم الحاج حتى المشاة، وزارني الناس حتى الأمير- لم يكن في ذلك دليل على تأخير قدوم المشاة عن جملة الحاج، ولا تأخير زيارة الأمير عن زيارة غيره من الناس.
وزعم بعض الناس أنها تقتضي الترتيب، فما بعدها مرتب على ما قبلها، فالأمير إنما زار بعد ما زار الناس، والمشاة إنما قدموا بعد قدوم الحاج، وكذلك سائر الأمثلة.
وهذه دعوى لا دليل عليها، وفي الحديث ما يدل على خلافها، وهو قوله عليه السلام: "كل شيء بقضاءٍ وقدرٍ حتى العجز والكيس" وليس في القضاء ولا في القدر ترتيب، وإنما الترتيب في ظهور المقضيات والمقدورات.
وكذلك من قال: "كل شيء يحب ولده حتى الحباري" فليست الحباري ممن يتأخر حبها ولدها عن غيرها.
وإذا كان هذا مشهورًا لم يصح الحكم عليها باقتضاء ترتيب.
والثانية: أن الناظم نقصه هنا في اقتضاء (حتى) الغاية شرط، وهو حصول الإفادة.
وقد اعتبره في "التسهيل"، وقال في "الشرح": وقيدت الغاية بأن يكون ذكرها مفيدًا تنبيها على أنك لو قلت: أتيتك الأيام حتى يومًا- لم يجز، لأنه لا فائدة فيه.
قال: فلو وقت ما بعد (حتى) حسن، وكانت فيه فائدة نحو: صمت الأيام حتى يوم الجمعة.
وإذا ثبت هذا دخل له في كلامه هنا ما أفاد وما لم يفد، وكان غير مستقيم.
والجواب أن شرط الإفادة معلوم من أول الكتاب، فهو محال به على موضعه.
وذكره بعد ذلك تكرارًا لا لقصدٍ آخر حسبما تقدم ذكره في موضع أخر.
وأيضًا فإذا فسرنا الغاية بما تقدم أغنى ذلك عن اشتراط الإفادة.
والله أعلم.
وأم بها أعطف إثر همز التسوية... أو همزة عن لفظ أي مغنيه
"أم" على وجهين، متصلة ومنقطعة.
والمتصلة هي العاطفة، وهي التي بدأ بالكلام عليها، وإنما سميت متصلة لأن ما بعدها مع ما قبلها
لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا تحصل الفائدة بأحدهما عن الآخر، بل هما كلام واحد.
والمنقطعة بخلاف ذل، ما بعدها كلام منقطع مما قبلها.
ولذلك سميت "منقطعة".
وأخير الناظم أن المتصلة، وهي العاطفة ها موضعان: أحدهما أن تقع بعد همزة التسوية وهمزة التسوية هي همزة الاستفهام الواقعة بعد (سواء) ونحو ذلك، مما تكون الهمزة معه على الأخبار لا على السؤال كقولك: ما أبالي أزيدًا لقيت أم حمارًا.
وسواء على أقمت أم قعدت.
وفي القرآن الكريم ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ وقوله ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ و ﴿سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ وأنشد سيبويه لحسان بن ثابت رضي الله عنه:
ما أبالي أنب بالحزان تيس... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
وإنما سميت هذه "همزة التسوية" لأنك سويت الأمرين عليك، كما استويا عليك علمًا حين قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فجرى على الاستفهام، وإن لم يكن استفهامًا حقيقة، كما جرى "الاختصاص" على حرف النداء، وإن لم يكن
نداءً حقيقة في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، لاجتماعهما في معنى الاختصاص والقصد، فالهمزة في التسوية على الإجبار لا على السؤال.
وكذلك إذا قلت: علمت أزيد في الدار أم عمرو- من هذا القبيل أيضا، لأنه ليس باستفهام حقيقة.
والموضع الثاني: أن تقع بعد همزة تغني عن لفظ "أي" أي تغني المتكلم عن إتيانه بلفظ "أي" الاستفهامية التي هي سؤال عن التعيين، يعني أنها مرادفتها.
فإذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فالهمزة هنا مع (أم) مرادفة لـ (أي) كأنك قلت: أيهما في الدار؟ تسأل عن تعيين المستقر في الدار، لا عن وقوع الاستقرار.
فإذا اجتمعت الهمزة مع (أم) على هذا الوضع فـ (أم) متصلة عاطفة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون﴾ وقوله: ﴿أذلك خير نزلًا أم شجرة الزقوم﴾ وقوله: ﴿أأنتم أشد خلقًا أم السماء﴾ وهو كثير.
وما قاله الناظم هنا من كون الهمزة مع (أم) صالحةً لوقوع (أي) موقعها كافٍ في التعريف بـ (أم) المتصلة لأنه شرط واحد جامع لسائر الشروط التي ذكر غيره، لكنه تعريف مجمل، فلا بد من إيضاح الشروط التي تضمنها هذا الشرط.
وإذ ذاك يتبين مراده حق التبيين بحول الله.
والذي تضمن هذا الشرط ستة شروط:
أحدها أن تقع (أم) بعد استفهام كما تقدم، فلو كان ما قبلها خبرًا لم تكن عاطفة، كقولك: إن زيدًا قائم أم قاعد، لأن (أيا) لا تصلح ههنا.
ومنه قولهم: إنها لإبل أم شاء، وفي القرآن المجيد- ﴿آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه﴾ ومنه في أحد الاحتمالين ما أنشده سيبويه من قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط... غلس الظلام من الرباب خيالًا
وأنشد أيضًا لكثير:
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي... لكل نجيب من خزاعة أزهرا
والثاني: أن يكون الاستفهام بالهمزة لا بغيرها من أدواته، وهو نص قوله: "أو همزة صفتها كذا" فلو كان الاستفهام بغير الهمزة لم تكن عاطفة نحو قولك: هل زيد في الدار أم عمرو؟ لأن (هل) لا تقع موقع (أي) لأن (أيًا) سؤال
عن التعيين، و (هل) سؤال عن الوقوع، فلم يصح أن تقع موقعها، فـ (أم) في المثال منقطعة.
ومن ذلك قول مالك بن الريب، أنشده سيبويه:
ألا ليت شعري هل تغيرت الرحى... رحى الحزن أم أضحت بفلجٍ كما هيا
على رواية "أم" وأنشد أيضًا لعلقمة بن عبدة:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم... أم حبلها إذنأتك اليوم مصروم
والثالث: ألا تقع بعد (أم) أداة استفهام،, فإنه يجوز أن تقع أدوات الاستفهام بعدها ما عدا الهمزة، فتقول: أعندك زيد أم هل عندك عمرو، وتقول: أيكرمني زيد أم من يكرمني؟ وتقول: أنتظرك أم كيف أصنع؟ فـ (أم) في هذه المواضع منقطعة.
ومعنى (أي) فيها مفقود.
ومثله ما أنشده سيبويه لزفر بن الحارث، أو للجحاف بن حكيم السلمي:
أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني... على القتل أم هل لامنى منك لائم
واجتمع في هذا البيت فقد هذا الشرط والذي قبله.
وكذلك بيتًا علقمة أنشدهما سيبويه أيضًا:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
وقال أفنون التغلبي، أنشده ابن جني:
أني جزوا عامرًا سوأى بفعلهم... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به... رئمان أنفٍ إذا ما ضن باللبن
وقال جرير:
أين الذين بنار عمروٍ حرقوا... أم أين أسعد فيكم المسترضع
والرابع ألا يتكرر الخبر بعد (أم) كقولك: أزيد عندك أم عندك عمرو؟ فإن الهمزة هنا لا تغني عن لفظ (أي) لأنك لو قلت: أيها عندك؟ لم يصح إلا على التوكيد، ولم يكن ذلك في أصل الكلام، فلابد أن يكون ما بعد (أم) منقطعًا عما قبلها.
وكذلك إذا قلت: أقام زيد أم قام عمرو؟
وغن شئت قلت في هذا الشرط: ألا يكون ما بعد (أم) جملة ليست في معنى المفرد كما تمثيله- فهو صحيح.
وكذلك إذا قلت: أقام زيد أم عمرو منطلق، لأن (أيا) لا تصلح هنا.
ومنه في القرآن الكريم ﴿أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم/ ورسوله﴾ وقوله حكاية عن فرعون: ﴿أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين﴾.
فأما إن وقع بعدها جملة في معنى المفرد فلا يلزم أن تكون منقطعة، كقولك: أقام زيد ام قعد؟ فالمعنى: أي الفعلين أوقع؟ وكذلك قول الأسود بن يعفر:
لعمرك مأدرى وإن كنت داريًا... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
لأن "ابن سهم" و"ابن منقر" وإن كانا خبرين لـ (شعيث) - لا صفتان على ما قرره المؤلف- فالمعنى معنى المفرد، أي: أشعيث بن سهم أم ابن منقر؟.
وكذلك ما أنشده المؤلف:
ولست أبالي بعد فقدي مالكًا... أموتي ناءٍ أم هو الآن واقع
المعنى: أمونى بعيد أم قريب؟
والخامس: ألا يكون ما بعد (أم) ردًا ونفيًا لما قبلها، كقولك: أقام زيد أم لم يقم؟ وأعندك زيد أم لا؟ فإن (أم) ههنا غير عاطفة، قال سيبويه: كأنه حين قال: أعندك زيد كان يظن أنه عنده، ثم أدركه مثل ذلك الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا.
ويحتمل أن يكون منه قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
على تقدير حذف الهمزة، لأن المعنى: أكذبتك عينك أم لا؟ وهذا إنما يكون كذلك مع غير همزة التسوية.
فأما مع همزة التسوية فالمعنى معنى (أي).
والسادس: أن يكون الكلام مع الهمزة و (أم) يؤدي معنى (أي) وهو المنصوص له الذي ضبط به هذه الشروط كلها، وذلك أنك إذا قلت: (أزيد عندك أم عمرو) فالشروط لخمسة موجودة ظاهرًا، ولكن الاحتمال في أن تكون متصلة أم منقطعة قائم، إذ يمكن أن يكون الكلام في تقدير: أيهما عندك؟ أو على تقدير: بل أعندك عمرو، فلابد من هذا الشرط.
وبه حصل الناظم ذلك كله، وهو حسن.
فإن قيل: إن هذا التقدير مشكل من وجهين، أحدهما أن العطف بـ (أم) بعد همزة التسوية غير محتاج إلى التنصيص عليه، لأن ما بعده يحصله، ألا ترى أن همز التسوية مغن عن لفظ (أي) إذ كان قولك: (سواء على أقمت أم قعدت) يؤدي معنى: سواء على أيهما كان، وكذلك (ما أبالي أزيدًا لقيت أم عمرًا) تقديره: ما أبالي أي هذين لقيت، وبذلك قدرها سيبويه.
وإذا كان كذلك، وكان شأن الناظم الشح بالألفاظ جدًا حيث لا تعد حشوًا، فما ظنك بها إذا كانت تكرارًا من غير مزيد فائدة؟ !
والثاني: على تسليم أم تقدم فقوله: "أو همزة عن لفظ أي مغنيه" يقتضي بظاهره أن الهمزة وحدها هي المغنية عن لفظ (أي) وأن (أم) ليس لها في ذلك المعنى دخول.
وهذا غير صحيح، بل المعطي لمعنى (أي) هو مجموعهما- ألا ترى أنك إنما تضيف (أيا) حين تقدر الكلام بها إلى ما دخلت عليه الهمزة و (أم)
معًا، ولا يصح غير ذلك، إذ ليس قولك/: (لا أدري أيهما قام) تقديرًا لقولك: (أقام زيد) وحده، دون قولك: (أم عمرو) وإذا ثبت هذا كان تخصيص الناظم هذا الحكم بالهمزة مشكلًا.
فالجواب عن الأول أن يقال: لعله قصد التفرقة بين همزة الاستفهام إذا خلع عنها الدلالة عليه، وبينها إذا بقيت على أصلها، فإنها في التسوية قد خلع عنها معناها ولم يبق فيها من حكم الاستفهام إلا الحكم اللفظي وذلك قد يخرج (أم عن الاتصال إلى الانقطاع.
ألا ترى كيف وجهوا الانقطاع في قوله:
أليس أبي بالنضر أم ليس والدي... لكل نجيب من خزاعة أزهرا
بتكرار (ليس) وبالإثبات، فالاستفهام في الهمزة مستهلك، وذلك من أسباب الانقطاع، فربما يفهم ذلك في همزة التسوية، فيقضي بانقطاعها، بخلافها في غير ذلك الموضع، فإنه قال فيه: "أو همزة عن اللفظ أو مغنيه" وذلك مشعر بحصول معنى الاستفهام فيها، وبقائها على أصلها، فكأنه أراد بيان التفرقة بين الموضعين، والله أعلم.
وأما الثاني فلعله اجتزأ في الإغناء بالهمزة اتساعًا وإتكالًا على فهم المعنى، والله أعلم.
وربما حذفت الهمزة إن... كان خفا المعنى بحذفها أمن
يريد أن (الهمزة) المذكورة قد تحذف من اللفظ، وهي مرادة في المعنى، وذلك قليل في الكلام، ولكن لا يجوز ذلك إلا إذا أمن اللبس بالخبر عندما تحذف.
فإذا قلت: (ما أدري قام زيد أم قعد) فهو على تقدير الهمزة لدلالة الكلام عليها.
وفي قراءة ابن محيصن ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ بهمزة واحدة، فالمراد "أأنذرتهم" فحذف الهمزة.
ومن ذلك ما أنشد سيبويه للأسود بن يعفر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
وأنشد أبو الحسن في الكتاب لعمر بن أبي ربيعة:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا... بسبع رمين الجمر أم بثمان
وأنشد المبرد وغيره لعمران بن حطان:
فأصبحت فيهم آمنًا لا كمعشرٍ... أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر
أم الحي قحطان فتلكم سفاهة... كما قال لي روح وصاحبه زفر
والعرب قد تحذف الهمزة إذا دل عليها الدليل مطلقًا، فقد قيل في قوله: ﴿وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل﴾ إنه على تقدير: أو تلك نعمة.
وأنشد ابن جني للكميت:
طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب
قيل: أراد: أوذوا الشيب يلعب؟
ولكن هذا كله قليل كما قال، ووجه قلته أن حذف الحرف إجحاف، لأنه من اختصار المختصر.
قال ابن جني: أخبرنا أبو علي قال: قال أبو بكر: حذف الحرف ليس بقياس، وذلك أن الحرف نائب عن الفعل بفاعله.
ألا ترى أنك إذا قلت: (ما قام زيد) فقد نابت (ما) عن (أنفى) كما نابت (إلا) عن (أستثني)
وكما نابت الهمزة عن (أستفهم) وكما نابت حروف/ العطف عن (أعطف) ونحو ذلك.
فلو ذهبت تحذف الحرف لكان ذلك اختصارًا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا أنه إذا صح التوجه إليه جاز في بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه.
والألف واللام في "الهمزة" للعهد في الهمزة المذكورة مع (أم) المتصلة، وهي همزة التسوية، والهمزة الأخرى، وأعاد ذكرها مفردة مع ذكره همزتين، إما لأنهما في الأصل واحدة، وإما لعطفه إحداهما على الأخرى بـ (أو) ولم يعرج على الهمزة في "المنقطعة" لعدم احتياجه إلى ذلك فيها، وإن كان حذف الهمزة معها جائزًا، فقد أجاز سيبويه في قوله:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
أن يكون على تقدير: أكذبتك، وإن كانت (أم) عنده منقطعة في البيت ثم ذكر المنقطعة فقال:
وبانقطاع وبمعنى بل وفت... إن تك مما قيدت به خلت
يعني أن (أم) إن خلت من ذلك القيد المتقدم، فلم تقع بعد همزة التسوية، ولا بعد همزة تغني عن ذكر (أي) فهي "المنقطعة" أو التي بمعنى (بل).
واقتضى هذا الكلام أنها إذا خلت من التقييد المذكور تفي بأمرين اثنين، أحدهما الانقطاع، والآخر الإضراب المجرد، وهو معنى (بل) فالتي تقتضي الانقطاع هي المؤدية معنى (بل) والهمزة معًا، فإذا قلت: (إنها لإبل أم شاء) فالتقدير: بل أهي شاء؟ كأنه رأى أشباحًا على بعد فتوهم أنها إبل، فقال: إنها إبل، ثم أدركه الشك فاستدرك الاستثبات فقال: أم شاء، فأضرب عن ذكر الكلام الأول، ثم أخذ يسأل: أهي شاء؟
وهكذا سائر ما تقدم من الأمثلة في تفصيل شروط الاتصال، فلا معنى لتكرارها.
وقد تبين معنى الانقطاع، إذ كان بـ (أم) مضربًا عما تقدم، ومستأنفاً سؤالًا.
وجمهور النحويين متفقون على هذا المعنى لـ (أم) المنقطعة، وقد حكى الأبذى فيها خلافًا بين البصريين والكوفيين، فحكى عن البصريين ما ذكر، وعن الكوفيين قولين، أحدهما حكاه عن الفراء، أنها بمعنى (بل) وحدها مطلقًا، فإذا قلت: هل قام زيد أم عمرو قائم؟ أو قلت: قام زيد أم عمرو قائم؟ فالمعنى عنده: بل عمرو قائم.
والثاني حكاه عن الكسائي وهشام أنها بمعنى (بل) لكن ما بعدها بمنزلة ما قبلها، فإذا قلت: قام زيد أم عمرو قائم، فالتقدير: بل عمرو قائم.
وإذا قلت: هل قام زيد أم عمرو قائم، فال تقدير بل هل عمرو قائم.
وهذا كله لا دليل عليه، بل الذي دل عليه الاستقراء ما تقدم.
قال الأبذي: والدليل على ذلك عندي أن العرب لا تدخلها على همزة الاستفهام، لا تقول: قام زيد أم أعمرو قائم؟ كما تقول: قام زيد بل أعمرو قائم: ؟ وما ذاك إلا لتضمنها معنى الهمزة، إذ لا يجوز دخول همزة الاستفهام على مثلها، وإنما تدخل (أم) على كلام فيه غير الهمزة من أدوات الاستفهام، لأن الهمزة قد تدخل على غيرها من أخواتها، كما قال:
سائل فوارس يربوع بجهلتها... أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم
فكذلك تدخل (أم) عليها، كقوله، وهو علقمة:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
وقوله فقيل هذا:
أم حبلها إذا نأتك اليوم مصروم
بمنزلة قوله: بل أحبلها، يشهد له الاستفهام الذي بعده هذا مجمل ما قال.
وللمنازع أن ينازع فيه.
والثالث من ذلك ما تلقاه أهل الخبرة مشافهة من العرب/ كما تتلقى مفردات اللغة، ولاشك عند من مارس هذا الشأن من العارفين بمصادر اللغة ومواردها في ثبوت معنى (بل) والهمزة لـ (أم) هذه.
لكن يبقى أن يقال: هل ثبت لها استعمال آخر أم لا فأثبته الناظم، وهو الثاني مما وفت به (أم) وذلك أن تكون بمعنى (بل) وحدها.
وهذا يشير إلى أنها ترادفها في العطف، وهو نصه في غير هذا النظم، وذلك إذا وقع بعدها المفرد، وهو مذهب الفراء، أنها تأتي بمعنى (بل) من غير استفهام، وأنشد الفراء على ذلك:
فو الله ما أدري أسلمي تغولت... أم النوم أم كل إلى حبيب
المعنى عنده: بل كل إلى حبيب.
وعليه حمل قوله تعالى: {أم من
خلق السماوات والأرض} وما بعدها من الآيات في سورة "النمل".
قال ابن طاهر: ولا يمتنع عندي، إذا أرادت بها مذهب (بل) أن تكون عاطفة مثلها، وتدخل في الغلط والنسيان.
قال ابن خروف: وهو قول ظاهر صحيح المعنى.
فابن مالك قال بقول الفراء في بعض مواردها، وجعل من ذلك في عطف المفرد قولهم: (إنها لإبل أم شاء) تقديره عنده: بل شاء.
وظن أن بن جني هو المخالف في هذا المثال وحده، إذ قدره بـ (بل) والهمزة، فرد عليه بان ذلك دعوى لا دليل عليها، وأن العرب قالت: إن هناك إبلًا أم شاء، فنصب "الشاء" بعد (أم).
وظاهر "الكتاب" في المثال المرفوع أنه على ما قاله ابن جني.
وهو مذهب جمهور الناس فيه، ولا يخالف أحد في المثال المنصوب إذا ثبت في السماع أنها فيه كـ (بل) وحدها ولكن ذلك- ولا يد- قليل، فعليه ينبني النظر في المثال المرفوع، وإذ ذاك يقال فيه باحتمال الوجهين، لا على سواء، بل على وزان اتساع البابين.
وإذا كان تقدير (أم) بـ (بل) والهمزة معًا هو الشائع الكثير، وتقديرها بـ (بل) وحدها قليل- فتجويز الوجهين على هذه النسبة.
إلا أن الناظم قال:
"وبمعنى بل وفت" فلم يقيد ذلك بقلة، كما لم يقيد ذات الانقطاع بقلة، فيؤخذ من ذلك تجويز الوجهين عنده في المثال المذكور.
والتحقيق في كلامه وكلام غيره أنها تكون "منقطعة" بلا إشكال، وتكون أيضًا بمعنى (بل) كذلك، ولا ينبغي أن يكون فيها خلاف، وذلك إذا وقع بعدها أداة استفهام، نحو:
أم هل كبير بكى
أم كيف يجزونني السوءى من الحسن
وما أشبه ذلك، إذ لا يصح أن تتضمن معنى الاستفهام، ثم يتكرر بعدها، ولكن التأويل يختلف فيه هنا.
فمن قال بوقعها بمعنى (بل) كالفراء أو كابن مالك يجعل هذا الضرب من ذلك بغير تكلف تأويل.
ومن قال بنفي ذلك، كظاهر كلام سيبويه وابن جني، فيجعله من باب "خلع الأدلة" كأنهم خلعوا عن (أم) دلالتها على الاستفهام لوجود أدلة بعدها.
(فهذا عنده عارض على غير الأصل، فإذا لم توجد الأداة بعدها) رجعت إلى/ أصلها من الانقطاع التام.
وهذا المعنى معزز في الأصول.
ومن هذا القسم ما إذا وقع بعدها المفرد على غير تأويل الجملة، كما في قولهم: (إن فيها إبلا أم شاء) إن ثبت، فلا ينبغي في مثل هذا أيضًا خلاف، إلا في كونه يقاس عليه أولًا.
وأما إذا وقع بعدها المفرد، وأمكن تأويله بالجملة، كما في قولهم: (إنها لإبل أم شاء) فقد تقدم ما لابن مالك فيه من الخلاف، وأن الاحتمال فيه قائم، ولا يتعين عليه ما قال.
وهو مقتضي إطلاقه هنا.
و(في، وأوفى):؛ لغتان، والرباعية هي لغة القرآن، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته... كما وفى بقلاص النجم حاديها
وهو من الوفاء بالعهد، أي أتمت الدلالة على المعنيين، وحافظت على ذلك.
وفي هذا البيت ضرورة، وهو ظهور الجزم في فعل الشرط في قوله: "إن تك" مع أنه ليس له جواب ينجزم.
وهو موجود في الشعر، وقد تقدم مثله، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى:
خير أبح قسم بأو وأبهم... واشكك وإضراب بها أيضًا نمي
وربما عاقبت الواو إذا... لم يلف ذو النطق للبس منفذًا
أتى لـ (أو) بأوجه من الاستعمال المعنوي سبعة وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب، ومعاقبة الواو.
وأصلها أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء.
وأما استعمالها لخصوص تلك المعاني فإنما ذلك بحسب قرائن الكلام، لا أنها وضع لها أصلي، هذا هو القياس.
وما عد الناظم لها من المواضع فمن المعاني الاستعمالية.
وليست هذه المعاني كلها متفقًا عليها، بل في ثبوت بعضها خلاف سيذكر إن شاء الله.
فأما التخيير: فنحو قولك: (كل سمكًا أو اشرب لبنًا) فهذا على التخيير في استعمال أحد الشيئين، أيهما كان.
وفي القرآن الكريم: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾.
وأما الإباحة: فنحو (جالس الحسن أو ابن سيرين) أي جالس أيهما شئت.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ والفرق عند ابن مالك بين التخيير والإباحة أن الإباحة يجوز فيها الجمع، ولذلك يحسن وقوع (الواو) فيها موقع (أو) فتقول: جالس الحسن وابن سيرين، بخلاف التخيير، فإنه يقتضي الجمع، ولا تصلح فيه (الواو) في موضع (أو).
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم﴾.
وأما التقسيم: فالمراد به عنده كون (أو) لم تأت لمعنى من تلك المعاني المذكورة، بل مجردة منها، فإن مع كل واحدة منها تقسيمًا.
وعبر عن هذا/ المعنى في "التسهيل" بالتفريق المجرد، وزعم أنه أجود عبارة من التقسيم، قال: لأن استعمال (الواو) في التقسيم أجود من استعمال (أو) يعتني بخلاف التفريق، كقولك: (الكلمة اسم وفعل وحرف) و (الاسم ظاهر ومضمر) و (الفعل ماض وأمر ومضارع) و (الحرف عامل وغير عامل) ومنه قول الشاعر: