شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 8-47

مندوحة.
وهو 1 استدلال قياسيٌّ في الموضع، وإلاّ فالأصل الذي هو معنى اللام طالب له، فإذا صَلَح تقديرُ اللاَّمِ / لم يُنْتَقَلْ عنه إلا بدليل واضح وسبَبٍ قَوِيٍّ، وذلك موجود في... 337 خاتم حديد، وثوب خَزٍّ ونحوه، وغير موجود في نحو: يد زيد، وبعض القوم وما ضبطه 2 في التسهيل لا يعطي هذا المعنى، فكأن ((ما 3)) هنا أولى.
وقد ذهب ابن كيسانَ والسيرافي إلى أن إضافةَ كلٍّ وبعضٍ من الإضافة التي بمعنى من، ولم يَرِه الناظمُ، لأنَّ تقدير منِ تقدير منِ لا يتعين فيهما، فلا ينبغي أن يقال به إلا إذا تعين كما تقدم، فالظاهر مذهب الناظم، وقد عزا في الشرح معنى ما ذكر في التسهيل إلى ابن السراَّجِ.
وأما الإضافة التي بمعنى في، فمعناها على أن يكون المضافُ إليه ظرفاً وَقَع فيه المضافُ، وهذه الإضافةُ قد أغَفَلها أكثرُ النحويِّين وأثبتَها المؤلِّفُ في كُتُبِه، وقال بها لوجودها (زَعَم (في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كقوله تعالى: ﴿وهو أَلِدُّ الخصامِ﴾ 4. لأن المعنى وهو أَلَدُّ في الخصام، وكقوله تعالى: ﴿للذين يُؤْلُون من نِسائهم تَرَبُّصُ أربعةِ أَشْهرٍ 5﴾. فالمعنى: تَربُّصُ في أربعة أشهر.
وقوله 6 تعالى: {يا صاحِبَي

السجنِ 1}، أي: يا صاحِبَيَّ في السجن وقوله: ﴿بل مَكْرُ اللَّيلِ والنَّهارِ 2﴾. وفي الحديث: ((لا يَجِدُون عالِماً أَعلَمَ من عالمِ المدينةِ 3)).
والعربُ تقولُ: شهيدُ الدارِ وقتيلُ كربلاءَ.
ثم أنشد أبياتاً على هذا المعنى، تُشْبِه ما أَنْشَدَ سيبويه للكُميت 4: شُمٍّ مهاوينَ أبدانَ الجَزُورِ مخا ميصَ العَشِيَّاتِ لا خُورٍ ولا قَزَمِ ثم قال: فلا يَخْفَى أنّ معنى ((في)) في هذه الشواهد كلِّها صحيح ظاهر، لا غنى عن اعتباره وأَنَّ اعتبار غيره ممتنع أو مُتَّصِلٍ إليه بتكلُّف لا مَزِيدَ عليه، فيصح ما أردناه والحمدلله، ولقد رد عليه ابنه في الشرح بأوجه ثلاثة 5: أحدها: أَنَّ إثبات هذه الإضافةِ يستلزم دْعَوْى كَثْرَةِ الاشتراكِ في معناها، وهو على خلاف الأصل.
وله أنْ يُجِيب عن هذا بأنَّ الدليلَ هو المتَّبَع، وقد دلَّ على وجود إضافه ((في)) 6 كما بُيِّن، فلابد من اتِّباعه.

والثاني: أن كل ما استُدلّ به يصحُّ فيه معنى إضافة 1 اللامِ مجازاً، وهو أرجح من جهتين، إحدهما أن المجاز خيرٌ من الاشتراك، والثانية: أنَّ الإضافة لمجازِ الملكِ والاختصاص ثابتةٌ باتفاق، كما قوله 2: إِذَا كوكبُ الخَرْقَاء لاح بِسُحْرةٍ وقولِ الآخَرِ 3: لِتُغْنِي عَنِّي ذا إِنائِك أَجْمعاَ والإضافة بمعنى في مُخْتلَفٌ فيها، والحملُ على المتَّفق عليه أولى.
وله أن يجيب عن الأولى بأنها معارضةٌ بقول من عَكَس القضيةَ، فجعلُ الاشتراك أولى، والمسألة خلافيَّةٌ، يذكرها أربابُ الأصولِ.
وعن الثانية: بأنّ الدليل قد دلَّ على وجودِ ما اخُتِلف فيه، فَتَرْكُ القولِ به مع قيامِ الدليل عليه إهمالٌ للدليلِ من غير موجِبٍ، وهو باطل باتفاق.
والثالث: أَنَّ الإضافةَ في نحو: ﴿بل مكرُ الليلِ والنهارِ﴾.
إِمَّا بمعنى اللام على جَعْلِ الظَرْف مفعولاً به على السعَّة، ((4 - وإِمَّا بمعنى في، على بقاء الظرفية، والاتفاق على جواز جَعْلِ الظَّرْفِ مفعولاً به على السعَّة -4)) كما في: صيِد عليه يومان وُوِلد له ستّون عاما.
والاختلافُ في جواز إضافة في، والمتَّفَقُ عليه أرجَحُ.4

ويعارض هذا الاتفاق باتفاقهم على أن الأصل في الظرف/ الذي 1 وقع فيه... 338 الفعل أن يبقى على ظرفيته، كما إذا سبكت من المضاف فعلا نحو قولك، بل مَكَرْتُم الليل والنهار، وزيد لدَّ في الخصام، وتربص أربعة أشهر، وما أشبه ذلك، وإذا كانت الإضافة هذا أصلها باتفاق، فالأصل بقاءُ معناها وعدم نسخه بمعنى آخر.
هذا مما يُعتذرُ بع عما يرد عليه، وقد اعتُرض عليه أيضا في ارتكاب هذا المذهب بأشياء، منها ما ذكره ابنُه، وتأوُّلُ ما استشهد به المؤلِّفُ، على غير تكلف، والأمر في ذلك كله قريب؛ إذ لا يختف حكم الكلام مع تقدير أحد الأمرين.
ثم قال: ((واللام خُذَ الماسوى ذين)).
خذا: أصله خُذَنْ، بالنون التوكيدية، أبدلت في الوقف ألفا كقوله 2: ولا تَعْبُدِ الأوثانَ واللَّهَ فاعبُدَا ويعني أن ماسوى هذين القسمين فالإضافة 3 فيه على معنى اللام، واللام فيه منوية، وهو الباب الكثير، سواء أحسُنَ ذكرها لفظا أم لم يَحْسُن، فإن اللام مقدرة، فقولك: زيدٌ عند عمرو، على تقدير اللام بلابُدٍّ، وإن لم يصح أن تقول: زيد عنداً عمرو، كما كانت الظروف غير المتصرفة على تقدير فْي وإن لم يحسُن تقديرها نحو: زيد عندك، وقد يحسُن ذكرها لفظا، وهو الباب، نحو: غلامُ زيد، وصاحبُ عمرو، وسرجُ الدابة،

وثوب المرأة، وما أشبه ذلك.
وفي قوله: ((واللام خُذ الماسوى ذين)) إشعار بأن اللام هي الأصلُ؛ إذ المعنى: واللام خُذْ لما لم يتعين فيه تقدير من أوفى، فرجَّح اللام كما ترى وإن احتمل غيرها، وما ذاك إلا لأصالتها في باب الإضافة، وقد تقدم هذا المعنى.
وهنا مسألتان: إحدهما: أنَّ في كلامه هنا ما قد يُستشعر منه أن الجارَّ للمضاف إليه هو الحرفُ المنويُّ لأنه لما قال ((والثاني اجرُرْ وانوِمِنْ))... إلى آخره.
فهو في حكم ما لو قال: والثاني: اجرر بكذا أو كذا منوياً هناك لا ظاهرا، فإن أراد ذلك فهو أحد المذاهب الثلاثة أن الجر بالحرف المقدَّر الذي ناب عنه المضاف، وهو رأي ابن الباذش.
والثاني: أن الجر بمعنى الإضافة، فالعامل هنا على هذا الرأي معنويٌ لا لفظي، وهذا رأي السُّهيلي 1. وذهب الأكثر إلى أن الجارَّ هو المضاف نفسه، لكن من هؤلاء من يطلق هذا القول هكذا، ومنهم من يقول: أنه عمل الجر لتضمُّنه معنى حرفه، وظاهر التسهيل موافقةُ الجماعة، ولكل مذهبٍ حُجَّة قيل به 2 من أجلها، والذي يغلب على الظن أن الناظم لم يتعرض للعامل ما هو، فلا يحتاج إلى تكلُّف الاحتجاج، وإنما أراد أن الإضافة تأتي على هذه المعاني خاصة.
والثانية: أن الناظم جعل للإضافة 3 التقدير بالحروف من غير أن

يفصل بين الإضافة المحضة وغيرها، كما جعل حَذْفَ التنوين والنون والجرَّ في المضاف إليه عاما في نوعيها 1 ولم يُفَصِّل، فدل ذلك 2 على أنه ذهب إلى تقدير الحرف في الإضافة غير المحضة، كما جعلها في المحضة، وهذا مخالف لظاهر كلام النحويين، فإنهم إنما يُقَدِّرون الحروف في الإضافة المحضة ولا يُعَرَّجون على تقديرها في غير المحضة، لأنها عندهم لمجرد التخفيف، وهي في قوة الانتفاء، ولذلك يسمُّونها لفظية، أي أن تأثيرها إنما هو في اللفظ لا في المعنى، فكأنها مقصودةٌ، وتقدير اللام أو/ غيرها ثانٍ عن حصول معنى الإضافة ولم يَحْصُلْ، فلا يصح تقدير... 339 الحرف، ولكن ما رآه الناظم قد قال به ابن جنَّي حين تكلم على بيت 3 عَبْدَةُ بن الطبيب من شعراء الحماسة 4: تحية من غادرته غرض الردى إذا زار عن شحط بلادك سلما فزعم أن غرض الردى لما كان في معنى الصفة حالٌ، وأن الإضافة غير محضةٍ، وأن تقديره غرضا للردى 5، فَحُذِفَت 6 اللام كما تُحذف من اسم الفاعل نحو: مررت بزيد ضارب عمرو، أي ضارباً لعمرو، أو من

اسم المفعول نحو: جاءني زيد منصوباً للأذى، ثم منصوبَ الأذى، فجعل الإضافة غير المحضة (كما ترى (في تقدير اللام.
قال الشَلَوبينُ: لابد عندي مما قال أبو الفتح، وتَتَأَوَّلُ الظواهر (يعني ظواهر كلام النحويين سيبويه وغيره (فإن الخفض إذا كان بالإضافة فلابد أن تُقدر أن الأصل ضاربٌ لزيدٍ، حتى يكون في الكلام معنى الإضافة.
وأن قُدر 1 أن الأصل ضاربٌ زيداً لم يكن هناك إضافة أصلا، وإنما يكون فيه المعنى الذي يقتضي به الفعلُ مفعوله، ولا إضافه هناك، فلا سبيل إلى الخفض، فإذا أردت التخفيف في هذا النوع أدخلت في الكلام معنى إضافة الصفة إلى المفعول بواسطه اللام لضعفها عن قُوة الفعل، ثم أضفت الصفة إلى المفعول إضافة تخفيفٍ لا تعريف، فحذفت اللام والتنوين لذلك.
[قال] 2 وهذا من أبي الفتح تنبيهٌ عالٍ جداً قلَّ من يعرفُ قدره أو يُلْقِى له باله.
هذا ما قال، ولا مزيد عليه في توجيه ما رآه الناظم، وهو من التنبيهات الحسنة وبالله التوفيق.
ثم قال: ((وأخصُص أولا))،، إلى آخره.
هذه تتمةُ التعريف بأحكام الإضافة اللازمة لماهيتها 3، وقد جعل هذه الإضافة على قسمين: قسمٌ يفيد تعريفا للمضاف بالمضاف إليه أو تخصيصا، وهو الذي قال فيه: ((واخصص أولا أو أعطه التعريف)).
وقسمٌ لا يفيد تعريفاً ولا تخصيصاً، وإنما يفيد تخفيفا في اللفظ، وهو الذي

قال فيه بعد: ((وأن يُشابه المضاف يفعل)).. إلى آخره.
فأما كلامه في القسم الأول: فيعني أن الأول من الاسمين، وهو المضاف، يحصل له بتاليه الذي بعده، وهو المضاف إليه، أحد أمرين: إما التخصيص به وإما التعريف به.
فأما التعريف: ففيما إذا كان الثاني معرفةً نحو: غلامُ زيدٍ، وصاحبُ الدابَّةِ، وفرسك، ما أشبه ذلك، لأن المضاف لما وقع من المضاف إليه موقع تنوينه واتصل به اتصال الجزء منه اكتسى منه التعريف الذي هو وصْفُه.
وأما التخصيص: ففيما إذا كان المضاف إليه نكرةٍ نحو: غلامُ امرأةٍ، وصاحبُ رجل صالح، ونحو ذلك، فالمضاف هنا ليس بمكتسٍ من المضاف إليه تعريفا؛ إذ ليس بمعرفةٍ ولكنه يتخصَّصُ به من سائر الأنواع والأجناس، فقولك: غلامُ امرأةٍ، قد تخصَّص بإضافته إلى المرأة على أن يكون غلامَ رجلٍ، فالتخصيص المفهوم من قوله: ((واخصص أولا)) راجعٌ إلى النكرة، والتعريف/ 340 راجعٌ إلى المعرفة، هذا وإن كان التخصيص في المعنى أعمَّ من التعريف، إذ المضاف إلى معرفةٍ قد تخصَّص به وتعرَّف، والمضاف إلى نكرةٍ تخصَّص به ولم يتعرَّف، إلا أن اصطلاح النحاة هنا في التخصيص أن يخصُّوه بما لا يحصل معه التعريف كأنه قسيمٌ 1 للتعريف.
وقوله: ((بالذي تلا)) مطلوبٌ للفعلين معا.
في قوله: ((واخصص)) وقوله: ((أو أعطه التعريف))، فاخصُصْ والتعريفُ يطلبانه معا من باب

الإعمال؛ إذ التقديرُ (واخصص أولا) بالذي تلا أو عرِّفه (بالذي تلا) فأعمل الثاني وهو التعريف، ولو أعمل الأول لقال: أو أعْطِهِ التعريف (به (بالذي تلا، ويقال: خَصَصْتُ الشيء بالشيء: إذا أفردته [به 1]، فقوله: ((واخصُصْ أولا)) من هذا.
وأما القسم الثاني من قسمي الإضافة، فهو الذي قال فيه: وَإِنْ يُشَابِهِ المضافُ يَفْعَلُ وصفاً فَعَنْ تنكيره لا يُعْدَلُ 2، كَرُبَّ راجِينا عظيمُ الأمَلِ مُرَوَّعُ لقَلْبِ قَلِيلُ الَحِيلِ يعني أن المضاف إن كان شبيهاً بالفعل الموازن ليفعل، وهو المضارع، وواقعا موقعه، وهو وصفً من الأوصاف، فإن الإضافة لا تُؤَثِّر فيه تعريف ولا تخصيصا؛ بل يبقى على ما كان عليه من التنكير قبل الإضافة، فإنه من حيث وقع موقع الفعل وأشبه الفعل في نِيَّة الانفصال، لأن المضاف إليه إما مرفوعُ المحلِّ بالمضاف أو منصوبهُ، والإضافةُ غيرُ ناسخةٍ لهذا المعنى، فكلما كان قبل الإضافة نكرةً، فكذلك بعدها، إذْ لا فائدةَ للإضافة هنا إلا مجرد تخفيف اللفظ حسب ما أَشْعَر به قوله بعد: ((وذي الإضافة اسمها لفظية)) 3. فإذا قلت: مررت برجل ضاربِ زيدٍ غدا، فهو في تقدير: ضاربٍ زيداً غداً، وكذلك إذا قلت: [مررتُ] برجل قائمِ الأبِ، هو في تقدير: قائمٍ أبُوه، فلا

تخصيص ولا تعريف.
وقد حصل من هذا الكلام وصفان مشترطان في الحكم المذكور: أحدهما: كونُ المضاف شبيهاً بالفعل الموازن يَفْعَلُ، وهو المضارع.
فإذا كان المضاف شبيهاً به فهناك يكون ما قال، فإن لم يشابهْه كانت الإضافة محضةً، والشبه المراد هو المعنوي لا اللفظي، وإن كانت لفظة المشابهة تصدق على المشابهة اللفظية [والمعنوية 1]، لتقييدها بالأمثلة المذكورة بعد؛ إذ لم يُلتزم فيها إلا المشابهة المعنوية، فذلك أن يكون المضاف مرادا به الحال أو الاستقبال، فهناك تكون الإضافةُ غير معرفة ولا مُخصصة، فلو كان بمعنى الماضي كاسم الفاعل الماضي الزمان لم تكن إضافته إلا محضة من القسم الأول، فتقول: مررت بزيد ضارب عمرو أمسٍ، كما تقول: مررت بزيد صاحبِ عمروٍ، أو أخي عمروٍ، أو غلامِ عمروٍ، لأن اسم الفاعل بمعنى يفعل، إنما كانت إضافته غير محضة لكون المضاف في نية الانفصال من المضاف عليه؛ إذ الأصلُ الرفعُ أو النصبُ كما تقدم، / أعني في المضاف إليه.
وأما اسم... 341 الفاعل بمعنى الماضي، فإنما المضاف إليه معه في موضع جر بالإضافة على ظاهر لفظه، وليست إضافته من رفعٍ ولا نصبٍ، لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يرفع ظاهرا ولا ينصب مفعولا البتة عند البصريين، والناظم منهم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
والثاني: كون المضاف وصفاً، وهو أن يكون مشتقا شأنه أن يجري على موصوف، فإذا كان كذلك صحَّ ما قال، فإن لم يكن وصفاً،

فإضافته محضةٌ تُخصِّصُ وتعرفُ، وذلك المصدر الواقع موقع أن والفعل، فإنه شبيه بيفعل وواقع موقعه والمضاف إليه في موضع رفع به نحو: أعجبني قيام زيدٍ غداً، لأن التقدير: أعجبني أن يقوم.
أو في موضع نصب نحو: أعجبني أكلُ الطعامِ وشربُ الماءِ الآن أو غداً، فإن التقدير: أن آكلَ الطعامَ، وأن أشربَ الماءِ، لكن إضافته ليست في تقدير الانفصال؛ بل هي محضةٌ تفيد نكرتُه التخصيص ومعرفتُه التعريف، فلذلك قيَّد المضاف بكونه وصفا لأن المصدر المقدر بأن والفعل ليس بوصفٍ.
وما ذهب إليه هنا في المصدر هو رأي الجمهور، وذهب بعضهم إلى أن إضافته غير محضةٍ؛ لأن المجرور به إما مرفوع المحل به أو منصوبهُ، وذلك يحقق كون إضافته في نية الانفصال كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة.
وضعف غيره هذا الرأي من أربعة أوجهٍ: أحدها: أن المصدر المضاف أكثر استعمالا من غير المضاف، فلو جعلت إضافته في نية الانفصال لزم جعل ما هو اقل استعمالا أصلا لما هو أكثر استعمالا، وذلك خلاف المعتاد.
والثاني: أن إضافة الصفة إلى مرفوعها أو منصوبها منويَّة الانفصال بالضمير المستتر فيها، فجاز أن ينوي انفصالها باعتبار آخر، والمصدر بخلاف ذلك، فتقدير انفصاله 1 مما هو مضافٌ إليه لا مُحْوِجَ إليه، ولا دليل عليه.
والثالث 2: أن الصفة المضافة إلى مرفوعها أو منصوبها واقعة موقع الفعل المجرد 3، والمصدر المشار إليه محكوم بتعريفه، فليكن الواقع موقعه كذلك.

والرابع: أن المصدر المضاف إلى معرفةٍ معرفةٌ ولذلك لا يُنْعَتُ إلا بمعرفةٍ، فلو كانت إضافته غير محضة لحُكِمَ بتنكيره ونُعِتَ 1 بنكرة، ولجاز دخول رُبَّ عليه، وأم يجمع فيه بين الألف واللام والإضافة، كما فُعل في الصفة المضافة إلى معرفة، نحو: ياربَّ غابِطنِا.
ورأيتُ الحسَنَ الوَجْهِ.
هذا ما استُدل به على ضعف قول من جعل إضافة المصدر غير محضةٍ، وهو رأي ابن برهان 2. وأظهرها في الاستدلال الرابع، وفيما عداه نظرٌ ليس هذا موضع ذكره.
وأتى الناظم بأمثلة أربعة تحتوي على ثلاثة أنواع مما إضافته غير محضة.
أحدهما: راجينا، وهو من إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه ومثله: مررت برجلٍ ضارِبِك/ وامرأةٍ مكرمةِ أخيكَ.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿قالوا:... 342 هذا عارضٌ مُمطرنا 3﴾. ﴿هدياً بالغ الكعبة 4﴾. ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه 5﴾. ومنه في الشعر ما أنشد سيبويه لجرير 6:

ظَلِلْنا بِمُسْتَنِّ الحَرُور كأنَّنا لذي فَرَسٍ مُسْتَقْيلِ الريح صائِمِ وأنشد أيضا للمَرَّار الأسَدِي 1: سَلِّ الهُمومَ بكل مُعْطِي رَأسِه ناجٍ مُخَالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّسِ مُغْتَالِ أَحْبُلِهِ مُبِينٍ عُنْقَهُ في مَنْكِبٍ زَيَنَ المَطِيَّ عَرَنْدَسِ وأنشد أيضا لذي الرُّمَّةِ 2: سَرَتْ تَحْيِطُ الظلْماءَ مِنْ جَانِبَيْ قَساً وَجُبَّ بِها من خَبِطِ الَّليلِ زَائِرِ وأنشد لجرير 3: يارُبَّ غابِطِنا لو كان يَعْرِفُكُمً 4 لاقَى مباعَدَةً منكم وحِرْمَانَا وأنشد لأبي مِحْجَنٍ الثقفي رضي الله عنه: يارب 5 مثلك... البيت، وليس من هذا.6

والثاني: عَظِيمُ الأَمَلِ، وهو من إضافة الصفَّة المشبَّهة باسمِ الفاعلِ إلى مرفوعها في الأصل.
ومثله: مررتُ برجُلٍ حسنِ الوَجْهِ جَميِلِه.
ومنه ما أنشده سيبويه لِزُهَيرٍ (1): أَهْدَى لها أَسْفَعُ الخَدَّينِ مُطَّرِقٌ ريشَ القَوادِمِ لم يُنْصَبْ له الشَّبَكُ وأنشد أيضا للشَّمَّاخ 1: أقامَتْ على رَبْعَيْهِما جارتَاَ صَفاً كُمُيْتا الأَعَالِي جَوْنَتَا مُصْطَلاَهُمَا وأنشد أيضا للنابغة 2: وَتأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ أَجَبِّ الظُّهْرِ ليسَ له سَنَامُ على رواية جَرِّ الظهرِ.
وقال طَرَفَةُ بن العبد 3: رحيبُ قِطابِ الجَيْبِ منها رَفِيقَةٌ بِجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ

والثالث: مُرَوَّعُ القَلْبِ، وهو من إضافة اسم المفعول إلى مرفوعِه في الأصل المقامِ مقام الفاعل، ومثله: مررتُ برجُلٍ مضروبِ الأبِ، محبوسِ الَيدِ.
ومنه ما أنشد سيبويه لبعض الأسديَّين 1: فَلاَقي ابنَ أُنْثى يَبْتَغِي مثلَ ما ابتَغَى مِنَ القومِ مَسْقِىُّ السِّهامِ حَدِائِدُهْ والرابع: قَليلُ الحِيَلِ، وهو مثلُ: عظيمُ الأملِ.
ثم يُنْظَرُ بعدُ في مسألتين: إحداهما: أنه أتى في أول الأمثلة بِرُبَّ المقتضية لتنكير ما دَخَلَت عليه، إشعاراً بأنَّ دخولَها على هذا المضافِ علامةٌ على أنَّ الإضافة غير مُعَرِّفةٍ له، وأن القولَ بأنها (غير 2) محضةٍ إنما هو بدليل يدلّ على ذلك، ولذلك استدلَّ في الشرح على كون إضافةِ المصدرِ محضةً بعدمِ دُخُولِ رُبَّ عليه، لأنها لو كانت غير محضةً لدخلت عليه، كقوله: رُبَّ راجينا، فغابِطُنا في قولِ جريرٍ 3: يا ربَّ غابِطِنا لو كان يَعْرِفُكُم نكرةُ، وكذلك ((مثلك)) في قول أبي مِحْجِنٍ 4: ياربَّ مِثْلِكِ في النساءِ غَريرةٍ بيضاءَ قد مَتَّعْتُها بِطَلاَقِ

وهو أحد الأدلة على التنكير، أتى به 1 تنبيها على ما في معناه، وجملتها أحد عشر دليلا: أحدها رُبَّ.
والثاني: كَمْ، نحو: كَمْ مِثْلِكَ 2 أَكْرَمْتُ.
والثالث: كلّ، نحو 3: سل الهموم بكل مُعِطى رأْسهِ والرابع: أيّ، نحو: أيُّ قاتلِ الأبطالِ زيد؟ والخامس: لا النافية الجنسية، نحو: لا مكرمَ زيد في الدار.
والسادس: من الزائدة/ نحو: هل من شريف الآباء عندك؟... 343 والسابع: وقوعُ هذا المضاف صفة للنكرة نحو: ﴿هذا عارضٌ مُمْطرِنُا 4﴾. والثامن: وصفهُ بالنكرة، كقوله 5: سَلِّ الهُمُوم بِكُلِّ مُعْطِى رَأْسِهِ ناجٍ مُخَالِطٍ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّسِ والتاسع: الإخبار به عن النكرة، نحو: هل أحد مكرك؟ وهذا مبني

على أن المبتدأ النكرة إنما يُخْبَر عنه بالنكرة.
والعاشر: وقوعه حالا نحو: ﴿ومن الناس من يجادلُ في الله بغير علمٍ﴾.
ثم قال: ﴿ثانيَ عِطْفِهِ 1﴾. الآية.
والحادي عشر: وقوعهُ تمييزا نحو: أكرم بزيد مطعمَ الضيفِ، ومنه لكن مجرورا بمن ما أنشده سيبويه لذي الرُّمَّةِ 2: وحُبَّ بها من خابِطِ الَّليلِ زائرِ وقالوا: لي عشرون مثلَه، ومائةٌ مثلَه.
وذلك أنَّ هذه الأشياء من أحكام النكرات، فمن هنا ظهر للنحويِّين أنَّ هذه الإضافة ليست على ظاهرها من اقتضاء التعريف؛ بل هي في تقدير الانفصال، فكان من جملة محاسن هذا النظمِ التنبيهُ على أصل الدليل على بقاء المضاف في مثله على تنكيره، ليحصل البرهان على صحة دعواه أولا.
والثانية: أنَّ فيما قرّر هنا نظراً من وجهين: أحدهما: أنه جعل ما إضافتُه غير محضةٍ محصورا في ثلاثة أنواع، وهي التي أتى بأمثلتها: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وبَقَيِ أشياءُ أُخَر لم تدخُلْ له، منها: أمثلة المبالغة نحو: مررت برجلٍ ضَرّابِ زيدٍ، وأفعل التفضيل نحو: مررت برجل أفضلِ الناسِ، وإضافة الاسم إلى الصفة كمسجدِ الجامعِ، وصلاةِ الأولى، وإضافة المسمى إلى الاسم كشهرِ رمضانَ، ويومِ الخميسِ، وذاتِ اليمينِ، وهذا ذو زيد، وسعيد كرز، وإضافة الصفة إلى الاسم

نحو: كرامِ الناسِ وشجعانِ القومِ في نحو 1: وإن سقيت كرام الناس فاسقينا واقُتْل شجعانَ القوم، وإضافة الموصوف إلى القائم مقامَ الوَصْف، نحوُ قولِهِ 2: عَلاَ زيُدنا يوم النَّقا 3 رأْسَ زَيْدِكُمْ التقدير: زيدٌ صاحِبُنا، ورأسَ زيدٍ صاحِبِكُمْ، ثم حُذِفت الصفة وأقيم الضمير مقامها، ومنه: قريشُ الحقَّ، وسعيدُ الخَير، وزيدُ الخيلِ.
وإضافة المؤكِّد نحو: يومَئِذٍ، وحينَئِذٍ، ولقيته يومَ يومٍ وليلةَ ليلةٍ، هو عند الفارسيِّ من هذا النوع.
وإضافة المُلْغَى إلى المُعْتَبَرِ كقول لَبِيدٍ 4:

إِلَى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ومنه: ﴿كمن مثله في الظلمات 1﴾، ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون 2﴾.. الآية.
وإضافة المُعتبر إلى المُلغى نحو: أي الموصولة إذا قُلت: اضرب أيهم أساء، فإضافة أي غير محضة، وإلا لزم أن يجتمع عليها تعريف الإضافة وتعريف الصلة.
ومنه: مررت برجل حسنٍ وجهُه، وحسنِ وَجْهِه، فإضافة الوجه إلى الضمير غير محضةٍ لعدم اعتباره في قصد التعريف، وقال 3: فلو بلغت عَوَّا السماِ قَبِيلةٌ /... 111 وما أشبه ذلك.
ومنها: ألفاظ اشتهرت في الاستعمال، وهي: مثلُك، وشِبْهُك، وغيرُك، وحَسْبك، وهَدُّك 4، وشَرْعُك، وهَمَّك، وناهيك، وقيْدُ الأوابد، وعُبر

الهواجر، فإنك تقول: مررت برجل مثلِك، وبرجل شِبْهِك، وهَدَّك من رجل، وحَسْبِك من رجلِ، وشَرْعِكَ من رجل، وهَمِّك من رجل، وناهِيك من رجل، (ونَهْيِك من رجل 1 ونَهَاكَ من رجل، ومررت برجل غَيْرِك، ومررت على ناقة عُبْرِ الهواجر، وأنشد سيبويه 2: بِمُنْجَرِدٍ قَيدٍ الأوابد لاحَةُ طراّدُ الهَوَادى كُلَّ شَأَوٍ مُغَرِّبِ وقال الكنديُ أيضا 3: بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ وضابطها: كُلُّ ما ليس بمشتقٍ أُجري مُجْرَى المُشْتَقَّ، فيدخلُ فيه ما ذُكِرَ وغيرُه.
ومنها: المضاف إلى ضمير النكرة إذا عُطف عليها في المواضع المختصة بالنكرة، أو ما كان نحو ذلك، نحو: كم رَجُلٍ وأخيه؟ وربَّ رَجُلٍ وأخيه، وكلُّ شاةٍ وسَخْلَتُها بِدِرْهَمٍ [وأي فَتَى هَيْجاء أنت وَجَارِها 4] ولا رَجُلَ وأخاه، وهذه ناقةٌ وفَصيلها راتعان، وما أشبه ذلك.
فهذه كلُّها مما إضافتُه غيرُ محضة، ولم ينصَّ عليها، ولا بيَّن حكمها، كما

بيَّن حكم الأنواع الثلاثة، فقد ظهر أن أنواع الإضافة غير المحضة أربعة عشر لم يَذْكُرْ منها إلا ثلاثةً وهو إخلالٌ كبيرٌ.
والثاني: أنه قال فيما ذكر من تلك الأنواع: ((فعن تنكيرِه لا يُعْدَلُ))، والنحويون يقولون: إن تعريفها بما أُضِفَتْ إليه جائزٌ، فتقول: مررت بزيدٍ ضاربكَ، ومررت بزيدٍ مثلِكَ، ومررت بعبدالله غَيْرِك، وكذلك سائر الأمثلة، إلا الصفة المشبهة باسم الفاعل، فإن التعريف لا يدخُلُها البتَّةَ.
قال سيبويه (بعد ما ذكر أنواع ما إضافتُه عنده غيرُ مَحْضَةٍ (: ((وزَعَمَ يونُس والخليلُ (رحمه الله (أن الصِّفاتِ المضافةِ (يعني إلى المعرفة (التي صارت صفةً للنَّكِرِة (قد يَجُوزُ فيهن كلهن أن يكنَّ معرفةً)) قال ((وذلك معروفٌ في كلام العرب، يدلّكُ على أنه يجوزُ لك أن تقولَ: مررت بُزيدٍ مثلك، أرادوا مررت بزيد المعروف بِشْبَهِكَ)).
قال: ((ويدلُّك على ذلك قولك: هذا مثلك قائما كأنه قال: هذا أخوك قائما، إلا حَسَن الوجه، فإنه بمنزلة رجلٍ 1)).
واستدل على ذلك بأنه يجوزُ لك أن تقول: هذا الحسنُ الوجهِ، فيصير معرفةً بالألف واللام، كما يصيرُ الرجلُ معرفةً بالألف واللام.
فلو كان معرفةً لم يصلُح دخولها عليه، فإذا قد عُدل عن تنكير ما زعم أنه لا يُعدل عن تنكيره، ووقع في بعض النسخ: [فَعَنْ تَنكيره لا يُعْزَل].
والمعنى واحد، وهذا كلٌّه ظاهرُ المخالفة والفساد.
والجواب عن الأول: أن مقصوده ما مثل به في قوله: (ربَّ راجينا).. إلى آخره وكلُّ ما تقدم في السؤال غيرُ مراد له إلا أمثلة المبالغة، فإنها في معنى

اسم الفاعل وقد الحقها به في بابه كما سيأتي إن شاء الله.
وأما أفعل التفضيل/ فمختلف فيه: هل إضافته محضةٌ أم غير محضة؟ على... 345 أقوالٍ ثلاثةٍ، فالجمهور على أن إضافته محضةٌ بإطلاق.
قال ابُن الضائع: وهو مذهبُ البصرييَّن وظاهرُ كلام سيبويه، لأنه قال 1: لو قلت: هذا زيدٌ أَسْوَدَ الناس، لم يَجُزْ لأن الحال لا تكون إلا نكرة.
ومهب الفارسيَّ في: ((الإيضاح 2)) أنها غير محضة، ومنهم من قال: إن كانت إضافتهُ على معنى من كانت غير محضةٍ، وإن كانت على معنى في كانت محضةً والذي رآه هُنا هو رأيهُ في التسهيل 3 أيضا.
واستدل على صحته في الشرح بأن الحامل على اعتقاد عدم التمحُّضِ في إضافة الصفة إلى مرفوعها ومنصوبها وقوعُ الأول منها موقع الفعلِ، ووقوع الثاني موقع مرفوع ذلك الفعل ومنصوبه، وأفعل المضاف بخلاف ذلك، فلم 4 يَجُزِ اعتقاد كون إضافته غير محضةٍ.
هذا وجه.
ووجهٌ آخَرُ: أن أفعل التفضيل إذا أُضيف إلى مَعْرِفَةٍ لا ينُعَت إلا بمعرفةٍ، ولا يُنعَت به إلا معرفة، ولا تَدْخُلُ عليه رُبَّ، ولا يُجْمَعُ فيه بين الإضافة والألف واللام، ولا ينصبُ على الحال إلا في نادرٍ من القول، ولو كانت إضافته غير محضة لكان نكرةً، ولم يَمْتَنِعْ وقوعهُ نعتا لنكرة

ولا منعوتاً بها، ولا مجروراً بُربَّ، ولا مجموعاً فيه بين الألف واللام والإضافة، ولا منصوباً على الحال دو استندار.
واحتُرِزَ بالاستندار مما في الحَدِيثِ من قَوْل المرأة: ((وما لنا أكثرً أَهلِ النار 1)).
وأما إضافة الاسم إلى الصفة فمحضةٌ، فإن الأوّلَّ (غير 2) مفصول بضمير مَنْويٍّ، كما في الصفَّةَ، ولا هو واقع موقع الفعلِ، ولا الثاني واقع موقع مرفوعٍ ولا منصوبٍ، فيكون الموضُع في نيَّةِ التنوين، فلا مُوِجبَ لعدم تمحُّضها قياسا، ولا أيضا عومل هذا المضافُ معاملةَ المنكَّرِ عندما أُضِفَ إلى معرفةٍ، فلا سبيلَ إلى دعوى أن إضافته غيرُ محضة.
فإن قيل: أنه في تقدير الانفصالِ بموصوفِ الثاني، أي: مسجد الوقتِ الجامع، وكذا سائرها.
قيل: بل هو من حذفِ الموصوفِ وإقامةِ الصفة مقامه، وإذا قامت الصفة مقامه كانت في الإضافة على حكمه' ولو حضر الموصوف لكانت إضافته محضةً، فكذلك إذا حَضر نائبِهُ.
(فإن 3) قيل: معنى الانفصال هنا مُعْتَبَرٌ من جهة أن المعنى يَصحُّ به دون تَكَلُّف، وهو أن يكون صفةً وموصوفاً كالمسجِدِ الجامِعِ، فأمَّا مسجدُ الجامِعِ فمحتاج إلى تَكَلُّفِ التقدير.
وأيضا جَعْلُ الأوَّلِ منعوتاً والثاني نعتاً

مُطَّرِدٌ كالحبَّةِ السَّمراءِ والحبَّة السَّوداءِ والحبَّةِ الخضراءِ، للحنطة والشُّونيِزِ 1 والبُطْمِ، والإضافةُ غير مطَّرِدَة، ولذلك يجوزُ الإتباعُ فيما جازت فيه الإضافةُ كالمسجدِ الجامعِ دون العكس، فلا يجوز: حبَّةُ السَّمراءِ، فإذاً إضافةُ هذا النوعِ منويةُ الانفصالِ لأصالتها بالاطَّرادِ والإغناءِ عن تَرْكِ الظَّاهِرِ.
قيل: هذا كله لا مانِعَ فيه تَمحُّضِ/ الإضافة لأن العرب استعملت هذا النوع... 346 على وجهين، ولكلِّ وجهٍ معنىً مستقلٌ، فلا يجبُ أَن يُرَدَّ أحدهُما إلى الآخر ولا أن يكون أصلاً له، وإذا لم يكن أصلاً له كانت الإضافة على أصلها من التمحضِ، حتى يُلِجئُ ملِجئُ إلى خلاف ذلك، ولا مُلْجِئَ إلى خروجها هنا عن أصلها، فهي إذاً محضة، وأيضاً، فالوجهان مسموعان، والإضافة وإن كانت غير مُطَّرِدَةٍ فلا بُدَّ لها من وجهٍ، وهو ما ذَكروه من إقامةِ الصَّفَةِ مقامَ الموصوف، وإذا قامت مقاَمه فهي على حُكْمِه في تمحض إضافة الأول إليها، ولو حذُف الموصوف وإقامةُ الصفة مقامه موجباً للانفصال لكانت إضافةُ نحو: غلامِ الخَيَّاطِ، وفَرسِ الشجاع، وثوب العاقل، غير مَحْضةٍ، وذلك غيرُ صحيحٍ، فكذلك هنا.
وأما إضافةُ المسمى إلى الاسم.
فلا فرق في الحاصل بينها وبين إضافة نحو: غلامِ زيدٍ ودارِ فلان، فكما تُعَرَّف هذه الإضافة وتُخَصَّص، فكذلك يوم الخميسِ وذو زيد، لأن المعنى: صاحب هذا الاسم المعروفِ كما 2. تقول: غلامُ زيدٍ المعروفِ.

وأما إضافة الصفة إلى الاسم: فمن باب إضافة (الخاص إلى العام 1) والنوع إلى الجنس، وهي إضافة معَّرفةٌ بلا إشكال.
وأما إضافة الموصوف إلى القائم مقام الوصف: فليس ذلك بِمُتَحصل؛ بل قوله: ((علا زيدنا)) ونحوه، من باب اعتقاد تنكير الأعلام، ثم تعريفها، فإنك تقول: جاءني زيد وزيد آخر، فكذلك تقول على هذا: زيدُ بني فلانٍ، كما تقول: شيخ بني فلان، وجعله من ذلك الباب تَكَلُّفٌ لا معنى له.
وأما إضافة المُؤكَّد إلى الموكد: فمن باب إضافة المسمى إلى الاسم، وقد تَقَدَّم.
وأما إضافة المُلْغى إلى المُعْتَبر: فليس الأمر فيها كما قال، وليس ثَمَّ مُلْغىً، وهو عند الفارسيِّ وغيره على غير ذلك، فاسمُ السلام 2. على حَذْف المضاف، أي اسمُ معنى السلام، واسم معنى السلام هو السلام، أو هو على أَنْ جَعَل اسماً بمعنى مُسمَّى كأنه قال: ثم مُسَمَّى هذا الاسم عليكما.
وقوله: مِثل كذا، مما أقيم فيه مثلُ الشيء مقام الشيء، وقد تفعل ذلك العرب بالمِثْل والمَثَلِ، ولذلك تقول: مِثْلُك يفعل الخير، وإنما المعنى أنت، ولكنهم أتوا بالمثل لمعنى من المبالغة في وصفه، وهذا النوع من ذلك.
وأما إضافة المعتبر إلى المُلغى: فليس ثَمَّ مُلْغىً؛ بل إضافةُ الوجه في: حسنٍ وَجْهُه مقصودةٌ، كما يقصدُ التعريف في مواطن تبُّرعاً وتوكيدا ومطابقةً بين العبارة والمُعَبَّر عنه، ونظيرُ هذا الإتيانُ بالنَّعت في موضعٍ لا يجب (فيه 3) لعلم المخاطب، وإن كان الأصل غير ذلك، فلا يخرجه العْلُم به عن كونه مُعْلَماً،

وهذا من باب التطوع بما لا يلزم.
وأما أيُّ الموصولة: فإنها قد اكتنفها إبهامان: إبهامٌ من جهة نفسها قبل النظر في أقسامها، وذلك الذي أزالته الإضافة، وإبهامٌ من جهة خصوص الموصولية: فلا بُدَّ لها من صِلَتها لتوضِّح معناها حتى يَتَشَخَّصَ، كما أنها تتخصص وتتشخص/ بجوابها إذا كانت استفهامية، فلم يتوارد عليها تعريفان من جهةٍ واحدةٍ،... 347 فلا مُلْغى في المسألة.
وأما عَوَّى 1 السماء فمن باب: علا زيدنا.
وأما الألفاظ المذكورة من مثل وغير وشبههما: فهي (مما 2) قُصد إخراجها عن مقصود كلامه، لأن مقصوده ما كان مقيسا من الإضافةِ غيرِ المحضةِ، وأما ما تقدم فألفاظ غير مقيسةٍ، بل يقتصر فيها على المسموع، فلم يَحْفِل 3 بها، وإنما اعتنى بما هو قياس خاصة.
وكانّ 4 ما كان نحو: رُبَّ رجل وأخيه مسموع أيضاً، فلم 5 يقصْده.
والذي يُشْعِرُ بقصده لما ذكر أنه بأربعة أمثلةٍ، ثلاثةٌ منها لثلاثة أبواب والرابع تكرار، وهو قوله: ((قليلِ الحِيَلِ))، فإنه متحد مع قوله: ((عَظِيِم الأَمَلِ)) وكان يمكنه أن يأتي بمثالٍ رابعٍ يَدُلُّ به على مالم يذكر، فتكريرهُ للمثال إشعار بهذا القصد.

والجواب عن الثاني: أن إضافة الصفة إلى مرفوعها أو منصوبها إذا كانت بمعنى يفعل على وجهين: أحدهما: أن تكون على اعتبار معنى الفعل فيها، وأن القصد إنما هو التخفيف، فالإضافة في هذا القسم غير محضةٍ، ولا تكون مع هذا القصد محضةً أصلا، لأن الموضعَ موضعُ الفعل، فكأن الفِعْلَ ثَمَّ موجودٌ وهذا القسمُ هو الذي تناوله كلامُ الناظم لقوله: ((وإن يشابه المضافُ يَفْعَلُ))، يعني أن يكون القصد بالمضاف رفعَ ما بعده أو نصبه كالفعلِ، لا غير ذلك، وإنما أضيفَ تخفيفا، ولم يُرَدْ تخصيصه بالثاني، فعلى هذا القصد لا يُعَدلُ عن تنكيرِهِ أصلا كما قال.
والثاني: أن يكون على غير اعتبار معنى الفعل ولا القصد إليه، وإن كان أصله معنى الفعل، بل اعتبر فيه الاسمية مجردة عمَّا 1 تعلق بها من شبه الفعل في قصد القاصد، فهذا القسم الإضافةُ فيه محضةً، ولا تكون غير محضةٍ مع وجود هذا القصد أصلا، لأنه إذ ذاك اسمٌ أضيف إلى اسمٍ كغلام زيدٍ، وصاحبك، ولم يتناوله كلام الناظمِ، لأن شبه الفعل (هنا 2) من حيث القصد مُهْمَلُ الاعتبار، وإنما المقصود تخصيص الأول بالثاني والثاني مَعْرِفَةٌ، فحصل التعريفُ بلا بُد، فدخل له بهذا القصد في قسم ما يتعرف أو يتخصصُ وأما الحسنُ الوجهِ: فإنما لم يدخله التعريف، لأن الوجه هو فاعل الحسن، فتقدير 3 التنوين قائم إذا حققنا معنى الفعل له، وهذا التحقيقُ غيرُ

زائلٍ أصلاً، فلا يمكن أن تكون إضافتهُ محضة 1. وأيضاً: فالحسنُ هو الوجه في المعنى، فالإضافة المحضة فيه تؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه، فلم تصح فيه إضافة محضة.
فإذا تقرر هذا فقد حصل لنا أن الإضافة في هذه الأمور على وجهين: محضةٌ وغير محضة، كما قال/ سيبويه وغيره، وأن كلام الناظم لم يتناول إلا أحد الوجهين، وهذا... 348 من الناظم احترازٌ حسنٌ، وبناء للمسألة على أصل صحيح مليحٍ، وبالله التوفيق.
ثم بَيَّن أسماء القسمين في الاصطلاح فقال: وذي الإضافةُ اسمها لفظية وتلك محضة ومعنوية.
يعني أن هذه الإضافةَ المذكورة أخيرا، وهي القريبه (الذكر 2) المشار إليها بذي المقتضيةِ للقرب اسمها الواقعُ عليها في الاصطلاح الإضافة اللفظية، أي التي المقصود بها تخفيف اللفظ خاصةً، لأن معنى قولك: مررت برجلٍ ضاربِ زيدٍ غداً (بالإضافة (هو معنى قولك: ضاربٍ زيداً غداً، بغير إضافة، لكن حُذِف التنوين، فأضيفَ تخفيفاً، ومعنى التنوين مرادٌ كأنه موجود، فلا تعريف ولا تخصيص.
وأما تلك الإضافة المتقدمة الذكر قبل، فذكر أنها تسمى إضافة محضة، لأنها خالصةٌ من شائبة الانفصال، ومعنويةٌ لأنها تنقل المضاف من الإيهام إلى التعريف أو التخصيص، ففائدة تلك راجعة إلى المعنى، كما أن هذه راجعةٌ إلى اللفظ، وقد اقتضى هذا التقديرُ أن الإضافةَ غير

المحضة لا تخصيص فيها أصلا ولا تعريف.
أما عدم التعريف فَمُسلَّم حسن ما مَّر، وأما عدم التخصيص فغير مُسلَّمٍ، وهذا المعنى بعينه.
قاله ابن عصفورٍ 1، فَرَدَّه عليه ابن الضائع فقال: أما قوله: لا تعريف 2، فصحيح.
وأما قوله: ولا تخصيص (2)، فغير صحيح؛ لأنك إذا قلت: هذا ضاربُ امرأةٍ، فقد خَصَصْتَ المضاف بالمضاف إليه مع كون الإضافة غير محضة.
هذا ما قاله، وهو اعتراض على كلام الناظم، فكان ينبغي على هذا ألاَّ ينفي عن هذه الإضافة التخصيص بإطلاقٍ.
وقد أجاب عن ذلك شيخُنا الأستاذ الشهير (رحمة الله عليه ((يعني [أبا] سعيد بن لُب 3) وقال: إن كلام ابن الضائع تحامل على ابن عصفور قال: لأن هذا التخصيص قد 4 كان موجودا قبل حصول الإضافة، فلما حَصلت بقى التخصيص على ما كان عليه، فلم تُحدِثِ الإضافة شيئاً.
وما قاله الشيخ (رحمه الله (واضحٌ، وهو الجواب عن الناظم، والله أعلم.
ثم قال: ووصلْ أل بذا 5 المضافِ مُغتَفَرْ إِنْ وُصِلَتْ بالثَّانِ كالجَعْدِ الشَّعَرْ

أو بالذّي لَهُ أُضِيفَ الثَّانِي كزَيدٌ الضاربُ رَأْسِ الجسانِي وَكَوْنُها في الوَصْفِ كافٍ إِنْ وَقَعْ مُثَنَّى أُو جَمْعاً سَبِيلهُ اتَّبَعْ يعني أن هذا المضاف الذي لا يتعرف بالإضافة ولا يتخصص، يُغْتَفرُ فيه وصل الألف واللام (به 1) فَيُجْمَعُ فيه بين الألف واللاَّمِ والإضافة، بخلاف المضاف في القسم الأول، فإنه لا يجوزُ ذلك فيه، فلا تقولُ: جاءني الغلامُ الرجِل، ولا مِرِرْتُ بالصاحبك 2، ولا بالفَرَسِ عَمْروٍ، ولا الغلامِ امرأةٍ.
وإنما لم/ يَجُزْ ذلك، لأن الإضافة فيها يراد بها التعريفُ أو التخصيصُ للمضاف، 349 وكلاهما غيرُ محتاجٍ إليه، لوجود التعريف فيه، فكان ذلك تحصيلاً للحاصلِ وزيادةً من غير فائدة.
وَدَلَّ على أن هذا الحكم لا يجوزُ في القسم الأول قوله: وَوَصْلُ أَلْ بدا المضافِ مُغَتَفَرْ كأنه قال: وَصلها بهذا وحده مغتفرٌ فدل على أنه في غيره غيرُ مغتفرٍ.
لكن إنما يُغْتَفَرُ في هذا القسم في موضعين: أحدهما: أن يكون المضافُ إليه قد لحقته الألفُ واللام، أو أضيف إلى ما لحقته الالف واللام، وهذا المعنى قد ضم وصفين: أحدهما: أن يكون معرفةً لا نكرة، فإنه إن كان نكرة لم تلحقه الألف واللام البتة، فلا تقول: مررت بزيدٍ الضاربِ غلامٍ، ولا بالرجل

الحسِن وَجْهٍ (خلافا للفراء في المسألة الأولى (لأن المضافَ إليه معاقِبٌ للتنوين، والتنوين مع وجود الألفِ واللامِ غيرُ مُقَدَّرٍ، فلا يصح تقدير حذفه، فتكون الإضافة معاقبةً له، وجاز ذلك في الضاربِ الرجلِ، والحسن الوجه لما يأتي.
والثاني: أن يكون تعريفه بالألف واللام أو بالإضافة 1 إلى ما هما فيه، فلا يصح دخولها على المضاف إلى معرفة بالعلمية، فلا يقال: مررتُ بالرَّجلِ الضاربِ زيدٍ، ولا على المضاف إلى الضمير فلا يقال: مررت بالرجلِ الضارِبِك، على أن تكون الكاف في موضع جرَّ، ولا على المضاف إلى مضافٍ إلى غير ذي الألف واللام.
ويستوي في ذلك أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه الألف واللام' أو إلى مضاف إلى ضمير ما هما فيه، أو إلى غير ذلك، فلا يقال مررت بالرجل الضارب أخيك، أو الضارب أخى زيد، ولا مررت بالرجلِ الحسن وجه أخيه، ولا بالرجل الحسن وَجْهه، ولا بالرجل (الضارب 2) أبى أخيه، ولا الضاربِ أخيه، ولا ما أشبه ذلك.
فأما مسالةُ لضاربِ زيدٍ، ونحوه، من المضاف إلى المعرفة ما عدا المستثنى، فإن الجمهور على ما أشار إليه من المنع، ورأى الفراءُ 3 جوازَ ذلك، والأصح المنعُ من جهة القياس والسماع.
أما السماع فغيرُ ثابتٍ فيه، والمتَّبَعُ هو السماعُ، والقياسُ إنما يأتي من ورائه.
وأما القياس: فإن صورة المسألة صورة الممتنع، من الجمع بين أداتي تعريفٍ، وإن كانت إحداهما غيرُ مُؤَثِّرة، ولو جازَ ذلك على تقدير لحاقَ الألفِ

واللام بعد الإضافة لجاز مثله في غُلامِ امرأةٍ، إذا أريد تعريفُ الغلامِ، وكذلك في ضارب رجل ونحوه، وهذا كله ممنوعٌ بإطلاق.
فإن قيل: إن ذلك قد يجوزُ على تأويل الذي هو ضارب زيد، كما يصحُّ أيضا الضاربُ رجلٍ، على ذلك التأويل.
فالجواب أن هذا المعنى هو الذي احتج به الفراءُ، ورُدَّ بأنه يلزمه أن يُجيز هذا الحسنُ وجهٍ، وهذا الغلام زيدٍ' على تأويل: الذي هو حسنُ وجهٍ، والذي هو غلامُ زيدٍ.
وهو غيرُ جائز باتفاق.
وأما مسألة: الضاربك، فإن قولك: هذا الضاربك، ومررت بالرجل الضاربك والضاربه، جائز على الجملة، إلا أن حمله على أن الكاف والهاء/ في موضع خفض بالإضافة هو... 350 المتنازعُ 1 فيه، فذهب المبردُ (في قوله الأول (والرّماني والزمخشري إلى جواز ذلك، ويوافقهم الفراء من المسألة التي فوق هذا 2. وذهب غيرهم، ومنهم الناظم، إلى المنع، وأنه إنما تكون الكافُ هنا أو الهاءُ في موضع نصبٍ على المفعولية، اعتباراً بالظاهر، لأنه هو الأصل، فكما إنك إذا قلت: هذا الضارب زيداً نَصَبْتَ البتَّةَ، فكذلك مع المضمر لأنه نائبٌ عنه، إذ لا يصحُّ أن يُنسب إلى النائب مالا يُنسب إلى المنوب عنه.
وهذه طريقةُ سيبويه في اتصال المضمر باسم الفاعل أنْ يَعْتَبِرهُ بالظاهر.
وأما مسألة: هذا المكرمُ غلامه، والضارب أبى 3 أخيه، فإن

بعض النحويين أجاز هنا أن يعامل ضمير ما فيه الألف واللام معاملة ظاهره.
والناظم اشار هنا إلى منع ذلك، وإن كان قد أجازه في التسهيل 1. والصحيحُ المنعُ؛ إذ لو جاز معاملة الضمير معاملة ظاهره، لجاز ذلك مطلقا، فكام يجوز: رُبَّ رجلٍ وأخيه، ونحوه، جوازاً حسناً، ولجاز أن تقول في جواب ما أتاني رجل: كلُّه أتاك 2، وما أشبه ذلك، ولكان قولك: جاءني رجلٌ فأكرمتهُ في معنى: فأكرمتُ رَجُلاً.
وكلُّ ذلك غيرُ صحيح.
وأما مسألةُ: الحَسَنِ وَجْهه، ونحوها، فغيرُ جائزةٍ باتفاق 3، لأن الأولَ مقرونٌ بالألف واللام دون الثاني، فالمعرفة مضافة إلى النكرة، وذلك عكسُ وضع الإضافة، لأن الأصل في الإضافة أن يضاف المنكَّرُ إلى المعرَّفِ ليكتسي منه التعريف أو التخصيص 4، فهذا عكسُ ذلك، ولأجله امتنع الحسن وجهٍ (3) وتزيد هذه المسألة بأن جُمع فيها بين الضمير المنقول من الوجهِ إلى الصفة، وتكراره في الوجه، فكان ذلك نقضَ الغرضِ، فلهذين الأمرين امتنعت هذه المسألة.
وإذا اثبت هذا فمثالُ كون المضاف إليه بالألف واللام قولك: مررتُ بالرَّجُل الحَسنِ الوجه، وبالرجل الضاربِ الغلامِ.
وكذلك اسم المفعول إذا قلت: هذا المضروبُ الغلامِ.
ومنه قوله: ((الجَعْدِ الشَّعَرِ)) (والجَعْدُ: اسم فاعل من جَعُدَ شعره جُعُودة: ضد سَبُطَ سبوطةً، فيصحُّ هاهنا الجمع بين الإضافة والألف واللام.

ومثالُ كون المضاف إليه مضافاً إلى ما هما فيه قولك: مررت بالضاربِ وَجْهِ الأخ، والحسنِ وَجْهِ الأب.
ومنه مثاله: زيدٌ الضاربُ رأس الجاني، وإياه عَنَى بقوله: أو بالذي له أُضيف الثاني فبالذي معطوف على بالثاني، وكلاهما متعلق بِوُصِلتْ.
والضمير 1. في ((وُصلِتْ)) عائد على أل، كأنه قال: إن وصلت بالذي أضيف له الثاني، يعني أنه إذا وُصاَت الألف واللامُ بما أُضيفَ له الثاني، وهو المضاف إليه، فهو لو كان المضاف إليه نَفْسهُ بالألف واللام، وهذا المثال من باب اسم الفاعل، والأول من باب الصفة المشبهة.
والأصلُ في المسألتين: حَسَنُ الوَجْهِ، وضاربُ الرجلِ، بتعريف المضاف إليه، فلما كان المضافُ إليه لا يتعرَّف بهذه الإضافة، لأن إضافة الحسن الوجه لا تُعَرَّف أبدا، وإضافة الضارب الرجل مع بقاء معنى الفعل كذلك، أدْخَلُوا الألف واللامَ لتعريف المضافِ، فقالوا: الحسن الوجهِ، وحملوا عليه الضارب الرجل لأنه (وإن كان لا/ يَتَعرَّف بالإضافة مع بقاء معنى الفعل (351 ويصحُّ أن يتعرف بها على الجملة مع عدم اعتبار ذلك المعنى، فصارت العلَّةُ في الحسنِ الوجهِ موجبةً، وفي الضاربِ الرجلِ مجوزةً، والعلة المجوزة إذا لم يتحتَّمِ الحكمُ معها لم يُنْسَبْ إليها حسب ما يتبين في الصول، فلذلك قالوا بالجمل.
وإنما اشتُرِط في المضاف إليه الألفُ واللامُ، لأنه إما أن يكون نكرةً أو معرفةٍ، فإن كان نكرة لم يَسُغ من قَبِلِ أَنّا لما أعطينا الصفة لفظ

الإضافة، وإن لم يكن معناها، لم يَجُزْ أن يكون لفظُها خارجاً عن لفظ الإضافة الصحيحة، لأنا شبهناها به، وليس في شيء من الإضافات لفظاً وحقيقةً، في غير النداء، ما يكون المضافُ فيه معرفةً والمضافُ إليه نكرةً، فلو أجزنا هذا لكان مخالفاً لما شبهاه به.
وإن كان المضاف إليه معرفةً فذلك غير مستنكر، إذ كان التعريف والإضافة لا يتنافيان.
ألا ترى أن ((غلام زيد)) معرفتان: الأول بالإضافة، والثاني بالعلمية، فلما لم بَتَعرَّفِ الأولُ بالإضافةِ أّدْخَلُوا ما يقع به التعريف، ومقتضى هذا أن يجوز: الحسنُ وَجْهِهِ أيضا، إلا أنهم امتنعوا منه لما ذكر، فلم يبق إلا أن يكون الثاني مُعَرَّفاً بالألف واللام، أو بما أضيف إليهما، لأن كونهما المضاف إليه قريب كم كونهما في المضاف، لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد ومن أمثله الف واللام في المضاف إليه قول المرَّاد الأَسَديِّ، أنشده سيبويه 1: انا ابنُ التّاركِ البكريِّ بشْرٍ عَليهِ الطيرُ تَرْقُبُةُ وُقُوعاً وقال الفرزدق أنشده الزَّجَّاج 2 في الكتاب: أبَانا بها قَتْلَى وما في دمائها وفاءٌ، وهُنَّ الشَّافِياتُ الحَوائِم

والموضعُ الثاني من موضِعَيْ لَحَاقِ الألف واللام المضافَ أن يكون مُثَنَّى أو مجموعاَ على حدَّه، وذلك قوله: ((وكونُها في الوَصْفِ كافٍ إن وَقَعْ)).. إلى آخره، يعني أن الألف واللام إذا دخلت على الصفة وهي 1 مثناةٌ أو مجموعةٌ جَمْعَ السلامة بالواو والنون، فذلك كافٍ فلا يحتاجُ إلى اشتراط دُخُولها في المضاف إليه وهو الثاني، فيجوزُ لك أن تقولَ في اسم الفاعل: هم الضارِبُو الرجل، هم الضاربوُ وجهِ الأخ، وهما الضاربا الرجلِ، والضاربا وجهِ الأخ 2، كالمفَردِ.
ويجوزُ أيضا: هم الضاربو زيدٍ (والضاربا 3 زيد).
وكذا في الصفةِ المشبَّهةِ فتقول: هم الطيِّيبو الأخبار، وهم الطيِّبوُ أخبار الآباء، وهما الطيِّبا الأخبار، وأخبار الآباءِ، وهم الطيِّبُو أخبارٍ، وهما الطيبا أخبارٍ.
وما أشبه ذلك، وإنما كان هذا جائزاً هنا دون غير المثنى والمجموع على حدِّه، لأن حذف النون هنا ليس للإضافة، بل لطول الاسم بالنون، لأن الألف واللام موصولة، فكما حُذِفت النون في الموصول لغير إضافة في نحو ما أنشده سيبويه للأخطل 4: أَبَني كُلَيبٍ إن عَمَّى اللَّذَا قَتَلاَ المُلُوكَ وفَكَّكا الأَغْلاَلاَ وقول أشهب بن رميلة، أنشده أيضا 5:

[و] إنّ الذَّيِ حانَتْ بِفْلج دماؤهُمْ همُ القومُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالدِ فكذلك حذفت لغير إضافة في/ نحو قول الفرزدق 1 352 أُسَيَّدُ ذو خُرَيَّطةٍ نهاراً من الملُتَقِّطي فَرَدِ القُمامِ أنشده سيبويه 2، وأنشد أيضا 3: الفارجى بابِ الأميرِ المُبْهَمِ وقولَ الآخرَ وهُوَ من الأنصار 4: الحافِظُو عَوْرَةِ العَشِيرةِ لا يَأتِيهُمُ من وَرَائِنا نَطِفُ وإنما حُذِفت لطول الاسم بالصلة، قاله سيبويه، والدليلُ على صِحَّة ذلك جوازُ الحذفِ مع عدم الإضافة فتقول: الفارجي بابَ الأميرِ المُبْهَمِ الحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرةِ وما أشبه ذلك، إلاَّ أَنَّ الخفْضَ أولى لموافقة اللفظِ، وهذا بخلافِ

الضَّاربِ زيد، والحَسَنِ وَجْه، فأنها ليست كذلك.
وفاعلُ ((وَقَعْ)) ضميرُ الوَصْفِ.
وقوله: (سَبِيلهُ اتَّبَعْ) في موضع الصفةِ لجمع، وضميرُ ((سبيله)) عائد على المثَنَّى، والضميرُ الفاعلُ في ((اتَّبعْ)) ضميرُ الجمع، والتقدير: أو جمعاً مُتَّبعا سبيل المُثَنَّى، واتباعُ الجمع سبيلَ المثنَّى هو كونُه على حدِّه، وجاريا مجراه في لَحَاقِهِ المَدَّةُ والنونُ، وهو معنى إطلاق النحويَيِّن: الجمع الذَّي على حدِّ التثنية.
وتحرَّز به من جمع التكسير، وجمع المؤنث السالم، فإنهما جاريان في الحكم مَجْرَى المُفْرَد، فلا تَدْخل عليهما الألف واللام، إلاَّ مع كونهما في المضاف إليه، فلا تقول: جاءني النَّسوةُ الضَّواربُ زيدٍ، ولا الضارباتُ زيدٍ وإنما 1 يقال الضارباتُ الرَّجُلَ، والضارباتُ الرَّجُلِ، والضواربُ غلامَ الرجلِ، والضارباتُ غُلامِ الرَّجُلِ، ونحو ذلك على حدِّ ما يُقال في المفرد، فلأجل هذا قَيَّد الجمع بقوله: ((سَبِيَلَهُ اتَّبَعْ)).
والله أعلم.
ثم قال الناظم: وَرُبَّما أكْسَبَ ثانٍ أولاً تأْنِيثا أنْ كانَ لِحَذْفٍ مُوهَلاَ كَسَبَ وأكسَبَ يتعديان فتقول: كَسَبته مالا وأكْسَبْتُه إياه، وأنشد ابن الاعرابي 2: فأكسَبَني مالاً وأكسَبْتُه حَمْدَا

وكَسَبَ يتعدى إلى واحد أيضاً فتقول: كَسَبْتُه 1 مالا فَكَسَبَ، مما جاء فيه فَعَلْتُه 2 [ففعل 3] ومفعولُ ((أكَسَبَ)) هنا أعني الثاني قوله: ((تأنيثا)) والأول قوله ((أَوَّلاَ)) و ((مُوْهلا)).
بمعنى مُؤْهلا، أي: جُعِل أهلا للحذف.
يقال: أهَلَكَ الله للخير، جعلك له أهلا.
وهذان البيتان يذكر فيهما أنَّ المُضاف (وهو الأول (قد يكتسي من المضاف إليه (وهو الثاني (التأنيث وهو قليلٌ (جدا 4)، ولذلك قال: ((وَرُبَّما))، يعني أنه قد يجئ قليلا في المضاف أن يكتسب من المضاف إليه التأنيث في اللفظ، كما يكتسب منه التعريف، ولكن يُشْتَرط أن يكون المضاف سائغاً حَذْفُهُ وإقامة المضاف إليه مُقَامَه، من غير أن يُخلَّ ذلك بالمعنى المراد، بل يكون المضاف إليه مؤديا معنى 5 المضاف وإن كان ذلك مجازا، هذا معنى كونِهِ مُؤْهَلاً للحذف، لأن المضاف إذا أَخَلَّ حَذْفهُ بالمعنى، فليس بِمُؤْهَلٍ للحذفِ، فقولُكَ: جاءني غلامُ هندٍ، وأتاني أبو زينَبَ، لا يجوز (فيه (4) حذفُ الغلام ولا الأب، لفساد المعنى، فلا يصحّ 6 لك أن تقولَ: جاءتني غلامُ هندٍ، ولا أتتني أبو زينَبَ/، ولا ما أشبه ذلك.... 353 قال سيبويه: ((فإن قلت: من ضَرَبَتْ عبدُ أُمِّك، وهذه عَبدُ زينَبَ،

لم يجز، لأنه ليس بها 1 ولا منها، ولا يجوزُ أَنْ 2 تَلْفِظ بها، تريد 140 الغُلاَم 3: يعني أن العبد ليس بعضَها ولا إياها، ولا يجوز لك أن تَحْذِفَ الغُلام، وهو مُراد؛ لأن الكلام غير مستقيم بذلك، إذ لا تلفظ بالمرأة وأنت تُريدُ غلامها، وإنما المقصود أن يُلْفَظَ بالمضاف إليه وهو يؤدي 4 معنى المضاف ولو بالمجاز، فهذا هو الذي يُعاملُ فيه المضافُ معاملةَ المضافِ إليه.
ومثاله قول العرب: اجتمعت أهل اليمامة، فأثنوا الأهل لإضافتهِ إلى المؤنث، لأنك لو حَذَفْتَ الأهل فقلت: اجتمعت اليمامةُ، لصحَّ الكلامُ وفُهِم المرادُ، وكذلك يقول من تكلم بالأهل.
قال سيبويه 5: ((وسمعنا من العَربَ من يقول ممَّن يوُثقُ بَعَربِيَتِهِ 6: اجتمعتْ أهل اليمامة))، (8 (قال: ((لأنه يقولُ في كلامِهِ: اجتمعت اليمامةُ، والمعنى أهلُ اليمامة 7 وحاصل ما يكون هكذا أن المضافُ جُزْء المضافِ إليه أو كجُزْئهِ، فمثالُ ما هو كجُزئِهِ ما ذكر آنفا.
وفي القرآن الكريم: {يا بُنَيَّ إنَّها إن تَكُ مِثقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَل 8)).
برفع المثقال، لأن مثقال الحَبّة كالجزء من الحَبَّة (أو كأنه الحبة 9).

  • الكتاب: ((و [أنت] تريدُ العَبْدَ)).
    وقال
  • المحقق: ((في الأصل الغلام، وأثبتّ ما في ط)).
جارٍ التحميل