هذا هو النوعُ الرابعُ من نواسخِ الابتداءِ، وذلك إِنّ وأخواتها.
وكان الأصلُ في الحرف -إذا اختُصّ بما يدخُلُ عليه من الأسماء، ولم يكن كالجزء منه، ولا شبيها بغير المختص- أن يعملَ الجرّ بَيّن في الأصول.
وإنما يخرج عن أصله لشَبَهِهِ بغيره، فأشبهت هذه الحروف كان وأخواتِها من جهة طلبها للمبتدأ والخبر، واختصاصها بهما والاستغناء بهما، فلم تكن كألا وأمَا الاستفتاحيتين في عدم الاختصاص، ولا مثل لو ولولا في عدم الاستغناء بهما عن الجواب؛ إذ كانتا امتناعيتيّن، وكذلك إذا المفاجأة لافتقارها إلى كلام سابق.
وهذا وجه الشبه عند ابن مالك.
وعند الزجاجى -رَحِمه الله- أنها أشبهت الفعل المتعدّى إلى واحدٍ من خمسة أوجه:
أحدها: أن معانيها كمعاني الأفعال من التوكيد والمنى والترجي والتشبيه والاستدراك ولذلك عَمِلت كأنّ -بما فيها من معنى التشبيه- عَمَلَ الفعل في نحو قول النابغة:
كَأنه خارجًا من جَنْبِ صَفَحَتهِ
والثاني: أن عددها كعدد الأفعال،: لأن منها ثلاثيا، ورباعياً، وخماسياً.
والثالث: أن أواخرها مفتوحة كأواخر الماضى.
والرابع: أنها تطلب اسمين من وجهين مختلفين، وذلك أنها تطلب الخبر، لأنها إنّما سيقت لتوكيده أو تَمنّيه أو تَرجّيه أو غير ذلك من المعاني المذكورة.
وتطلب المبتدأ بتوسط الخبر لأنه مطلوبه لا على اللزوم.
والخامس: أنها يتصل بها ضمير المنصوب كما يتصل بالفعل، فتقول: إِنّك، وإنّه، وإننى كما تقول: ضربك، وضربه، وضربنى.
ونقضها السهيلى كلّها إلا الرابع، قال: أما اتصال الضمير المنصوب بها فلم يكن غلا بعد حصول الشبه الموجب للعمل، ولولا ذلك لم يتصلْ بها، فلا فرق في ذلك بين الضمير والظاهر في أن كلّ واحدٍ منهما ثانٍ عن الوجه الأول الذى أوجب لها العمل.
وأما الثلاثة الباقية فموجودة في حرف ثُمّ، ولم يوجب لها ذلك شيئًا من العمل.
هذا ما قال، وهو في الخامس صحيح، وفي غيره غير صحيح.
فتأمله.
قال شيخنا -رحمه الله-: وأجود ما يقال في ذلك -والله أعلم-: أنّ اختصاصها بالجملة الاسمية هو الذى أوجب لها العمل، وأما الشبه المذكور فلم يوجب لها شيئًا من العمل، وإنما أوجب تقسيم العمل على حسب الحاصل في معموليها.
ولنرجع إلى كلامه/:
لإِنّ أَنّ لَيْتَ لَكِنّ لَعَلْ
كَأنّ عَكْسُ ما لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
كإِنّ زَيْدًا عَالِمٌ بِأَنّى
كُفْءٌ، وَلَكِنّ ابنَهُ ذُو ضِغْنِ
لإِنّ: متعلّق بمحذف هو خبرٌ للمبتدأ، الذى هو عكسُ -وأراد: لإِنّ، وأنّ، وليت ولكّ، ولعلّ، وكأنّ.
فحذف العاطف على عادته.
ويعنى أنّ هذه الأدواتِ لها من العمل في المبتدأ والخبر عكسُ ما ثبت لكان فيها، وقد تقدّم أن كان ترفع المبتدا وتنصب الخبر، فعكسُ هذا -الذى هو نصبُ المبتدأ ورفعُ الخبر- ثابتٌ لإنّ وأخواتها.
والذى دلّ على أنها تعملُ في المبتدأ والخبر إحالتُه على [عمل كان، فقد ثبت ذلك فيها، فكذا في هذا ووجه ثبت عكس العمل هنا أنّ إِنّ وأخواتها لمّا ساوتْ كان في العمل، [و] أرادوا أن ينبهوا على فرعيّة العمل فيها- عكسوه، فجعلوا النصب في الاسم والرفع في الخبر، ليكون معها كمفعول قُدِّم وفاعل أُخّرِ.
فإن قيل: فِلمَ لَمْ يكن مثل هذا في ما وأخواتها؟ فالجواب: أنهم أرادوا أيفصلوا بين ما يُشْبِه الفعلَ ولفظُه لفظُ الفِعْلِ، وبين ما يشبه الفعلَ وليس لفظُه لفظَ الفِعْلِ، قاله الزجاج؛ وذلك أَنّ لفظ هذه الحروف كلفظ الفعل لكونها ثلاثيّةً فما زاد، وكونها مفتوحة الأواخر، فأرادوا أن يفرقوا بينهما ليتبيّن الحرف من الفعلِ، بخلاف ما وأخواتها فإنها متميزة الألفاظ من ألفاظ الفِعْلِ، فلم يحتاجوا إلى تفرقة.
وأيضا الفرعيّة فيها تظهر في جهة أخرى، وذلك في إبطال العمل عند تقديم الخبر ودخول إلّا ونحو ذلك.
وهذا كلّه تعليل بعد
السماع.
ولما ظهر من كلامه أن هذه الأحرف تنصب الاسم وترفع الخبر، ظهرت مخالفته للكوفيين في مسألتين:
إحداهما: ما زعموه من أن هذه الأحرف لا ترفع الخبر البتة، وإنما اقتصر بها على عمل النصب.
والدليل على صحة ما قاله الناظم أنا لم نجد في عوامل الأسماء ما يعمل نصبًا دون رفعٍ البتةَ، وقد وجدنا عمل الجرّ وحده، وذلك حروف الجرّ، وما يعمل الرفع وحده، وذلك الابتداء والمبتدأ، أو الخبر، العائد على المبتدأ؛ فقولُ من قال: إن هذه الأحرف تعمل النصب وحده -مُصَيّرٌ إلى ما لا نظير.
وهذا أبعد من قولهم في «ما»: إِنّها تعملُ الرفع فقط؛ لأنّ لما قالوه هناك نظيرًا بخلاف.
فإن قيل: إن لهذا نظيرًا أيضًا على مذهبكم، وذلك المنادى، فإنه منصوب بيا وأخواتها، وكذلك التى لنفي الجنس عند سيبويه، هى ناصبةٌ غير رافعة.
فالجواب: أن المنادى ليس بمنصوب بيا لا عندكم ولا عندنا، أما عندكم فهو منصوبٌ للكثرة استعمال، وأما عندنا فبفعل مُقَدّر.
فالاتفاقُ على أن حرف النداء غير ناصب.
وأما لا فإن الاقتصار بها على النصب مذهبًا لكم فالصحيح عند الناظم خلافُه، وإن لم يكن مذهبا لكم فبناؤكم عليه صحيح؛ / فإن القياسَ على أصل يُعتَقَدْ فسادُه فاسدٌ.
وأيضًا
فالخبرُ إِذا لم يرتفع بالحروف -ولا بُدّ له رافع- فلا يخلو أن يكون المبتدأ أو غيره، فإن كان المبتدأ لم يَصِحّ لأنه الآن غير مبتدأ.
فإن: إن الأصل فيه المبتدأ، والأصل معتبر، لزمهم أن يُعِمِلُوا الخبر في المبتدأ من تلك الجهة، أو الضمير من الخبر، وذلك لا يصحّ.
فإن قيل: إن الخبر إنما يعملُ في المبتدأ بشرط ألا يكون عامِلٌ آخَرُ.
قيل لهم: وكذلكَ دعى أنّ المبتدأ لا يعمل في الخبر إلا بشرط أن يكون العاملُ في المبتدأِ الابتداءُ.
فجوابُهم على هذا نُجِيب به على ما قالوه.
فإن قيل: إنّ هذه الحروفَ إنّما عملت بالشّبَه اتفاقًا، وإذا كان كذلك فينبغي ألّا تعمل في الخبر، لأن ذلك يؤدّى إلى التسوية بين الأصل الذى هو الفعل، والفرع الذى هو الحرف.
فالجواب: أن الشبه هو الذى يقتضى العمل في الأمرين، وضعفُ الفرع موجود في جهة أخرى، وذلك في منع تقدّم مرفوعها على منصوبها وغير ذلك من الأحكام.
وهنا أدلّة أُخَرُ من الجانبين يكفى هذا منها.
والثانية: أن الناظم من حيث قَصَر هذه الحروفَ على عمل الرفع في الخبر مع نصب المبتدأ، دلّ ذلك على مخالفته لمن أجاز في الخبر النصب، فأما الفراءُ فأجاز نصب خبر ليت وحدها، ووافقه الكسائى على ذلك فيما أنشدوه من
قول رؤبة، وأنشده سيبويه أيضا:
يا ليتَ أيّامَ الصِّبا رَوَاجِعَا
وأنشدوا أيضا:
ليت الشبابَ هو الرّجيعَ على الفَتَى
والشيب كان هو البَدِئُ الأوّلُ
وباقي الكوفيين أجازوا ذلك [أيضًا] في سائر أخوات ليت، فيجوزُ عندهم: إنّ زيدًا قائمًا، ولكن زيدًا قائما، وكأن زيدًا قائمًا.
ومن حجتهم على ذلك في «إِنّ» ما في الحديث من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن قَعْرَ جهنم لسبعين خريفًا».
وفي الشعر قول الشاعر:
إنّ العَجُوزَ خَبّةٌ جَرُوَزا
تأكلُ كُلّ ليلةٍ قَفيزَا
وقال الآخر:
إِذَا اسْوَدّ جُنْحُ اللّيلِ فَلْتأْتِ وَلْتكُنْ
خُطَاك خِفَافًا، إِنّ حُرَّاسَنا أُسْدَا
وفي كأنّ قولُ الشاعر:
كَأَنّ أُذْنَيْه إذا تَشَوّفَا
قَادِمَةٌ أَوْ قَلَمًا مُحَرّفَا
وقد زَعَم ابنُ السّيد أَنّ نَصْبَ الخبرِ مع هذه الأحرفِ لغةٌ لبعض العرب.
فإن ثبت ما قال بغير هذه الشواهد، بل بنقلٍ لا تأويل فيه، أو بمشافهة لأهلها من غير احتمالٍ فذاك، إلا بهذه الشواهد فهى محتملةٌ لغير ما التزمه الكوفيون.
فأما بيت رؤبة فرواجعُ فيه حال، عاملها الخبر المحذوف، كأنه قال: يا ليتَ أيامَ الصِّبا لنا رَوَاجعَ، أو أقبلَتْ رواجعَ، كما قال، أنشده سيبويه:
إِنّ مَحَلًا وإِنّ مُرُتَحلًا
أى: إن لنا كذا.
وأما قوله: ليت الشبابَ هو الرجيعَ/.
وقوله: كأَنّ أُذْنَيه، فقد رواه أهلُ البصرة على الرفع في الرجيع وما بعده.
وقادمتا أو قلما، على التثنية.
وحُذِفَت النون ضرورة -وهذا كلّه ردٌّ لرواية العَدْل.
أو يكون الرجيع على إضمار كنَ؛ فإنّ كان تُسْتَعمل بَعيد هذه الأحرف كثيرا فجازَ إضمارُها.
وقادمةً: مصوب بإضمار فعل، أى يلحقان قادمةً.
أما: إِنّ العجوز خَبّةً، فالخبر «تأكل» لا «خَبّ».
وأما: إن حُرّاسَنا أُسْدَا، فعلى إضمار فِعْلٍ أيضًا تقديره: يشبهون أُسْدًا، أو تجدهم أُسْدًا، أو نحو هذا.
وأمّا الحديثُ فحمله الناظم في شرح التسهيل على أنّ «قَعْر» مصدرُ قَعَرْتُ الشئ، أى: جعلته في القعر، وسبعين ظرفٌ، والمعنى على هذا صحيح، والإخار بالزمان عن المعنى جائز.
وهذا كلّه تكلّف، والوجه في هذا أن يُرَدّ بندوره وقِلّتِه إن لم يكن له تأويل سائغٌ.
وَعَدّ الناظم هذه الأحرف وهى: إِنّ، وأَنّ، ولَيْتَ، ولعلّ، وكأنّ، ولكنّ.
أمّا إِنّ وأَنّ فللتوكيد، وليت للتمني، ولكن للاستدراك، ولعلّ للترجّى ويدخلها معنى الإشفاق،.
وعند الأخفش قد تكون للتعليل، وعلى ذلك حَمَلَ قولَ الله -تعالى-: ﴿لَعَلّهُ يَتَذكّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، أى: ليتذكّر أو يخشى.
وقال المؤلف: انها تكون للاستفهام.
وحَمَل على ذلك قولَ الله -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ؟ لعَلّه يَزّكى؟ ﴾ وَقَوْلَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لبعض الأنصار وقد دعاه فخرج إليه مستعجلًا: «لعلنا أعجلناك؟ ». وهذا فيه نظر.
وكأَنّ معناها التشبيه المؤكّد، وأصلها عندهم: إِنّ والكاف، فقولك: كأنّ زيدًا أَشَدّ، أصله: إِنّ زيدًا كأسَدٍ، لكنهم قدموا الكاف على إِنّ، ثم فتحوها إصلاحًا للفظ، فصار الحرفان واحدًا.
وقد قيل: إنها تأتى للتحقيق، واسُتدلّ عليه بقول الشاعر:
فأصبح بطنُ مَكّةَ مقشعرًا
كأن الأرضَ ليسَ بها هشامُ
وَعَدُّه لها ستةً ذَهَابٌ إلى ما فَعل غيره كالزجاج وغيره.
والمتقدمون يعدُّونها خمسة، وبوّب عليها سيبويه: «هذا بابُ الأحرف الخمسة».
ولم يعدّ أَنّ المفتوحة وكذلك فعل المبرِّدُ وابن السّراج وغيرهم،
لأنّ المفتوحة فرعٌ عن المكسورة، من جهة أنها إذا وقعت موقع مفردٍ لم يمكن أَنْ تبقى مكسورة، لما يلزم فيها من وقوعها مبتدأةً وبعدها جملة، ففتحوها لأَنْ تَصِير مقدّرة بمفرد، ويصحّ لهم ما قصدوه من التوكيد.
وقد غَمَز في شرح التسهيل عَدّ من عدّها ستة، وقال: إن ذلك لا حاجة إليه لأجل الفرعية.
فكان الأخلقُ به أن يَعُدّها خمسة فقط.
والعذر عه أنه إنّما اعتبر صُوَرها خاصّةً ولم يعتبر الأصل، كما لم يعتبر هو ولا غيره الأصل في كأنّ، إِذْ أَصلها إنّ والكاف، وإلّا فلو لزم أن يعتبر أصلها لعدّت أربعة.
فإن قيل: الفرقُ بينهما أن أصل كأن منسوخ، ولذلك لم تفتقر الكاف إلى مُتَعلق، بخلاف أنّ فليس أصلها منسوخا بدليل جواز العطف/ بعدها على معنى الابتداء، كما يعطف عليه بعد المكسورة، فاعُتبِرت فرعيّة أنّ دون كأنّ لذلك.
فالجواب: أنّ اعتبار الابتداء في أنّ إنما كان من وجهٍ دون وجه؛ ألا ترى أنه من جهة التأويل بالمفرد غير معتبر، كما أن التوكيد في كأنّ معتبرٌ أيضًا، فليس أصلُها بمنسوخٍ من كلّ وجه.
والذى منع من اعتبار الابتداء معها إنشاءُ التشبيه، فإنه معنى مخالف لمعنى الابتداء الذى هو إخبار.
وأيضا إِنْ كن قد عدّها هنا ستةً فقد نَبّه على فرعيّةِ أَنّ بعد هذا في قوله:
وَهَمْزَ إِنّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَر
مَسَدّها.........
فجمع بين الطريقتين، طريقة من عدّها خمسة فبيّن فرعيّة أَنّ.
ثم مَثّل ذلك بقوله: «كَإِنّ زيدًا عالِمٌ.. » إلى آخره، فأتى بثلاثة أمثلةٍ لأحرف ثلاثة، فإن زيدًا عالم، مثالٌ لإنّ المكسورة.
و «بأنِّىَ كُفْءٌ، مثال للمفتوحة.
وبلكنّ ابنَه ذو ضِغْن مثال للكنّ.
وتجرى البواقي نحوها، نحو: ليت هذا الليل شهرٌ، ولعل زيدًا قائم، وكأنّه بدرٌ.
والكُفْءُ، والكفُؤُ، والكُفُوءُ -على فُعُولٍ، كذا في الصحاح- والكفِئُ: النظيرُ.
والمصدر الكفاءَة، بالفتح والمدّ.
ويقال: فلانٌ لا كِفاءَ له -
بالكسر- وهو في الأصل مصدر، أى: لا نظير له.
والضِّغْنُ والضغينَهُ: الحِقدُ، وقد ضَغِنَ عليه -بالكسر- ضَغَنًا: إذا أضمر عداوته (ثم قال):
وَرَاعِ ذَا التّرتِيب إلّا فِي الّذِى
كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ البَذِى
الترتيبُ الذى أشارَ إليهِ هو كونُ الاسم يلى الحرفَ العاملَ، والخبر بعد ذلك، حَسْبما أشار إليه في الأمثلة المذكورة، يعنى أنه لا يجوز تقديم أخبار هذه الحروف عليها، فلا تقول: قائمٌ إِنّ زيدًا، ولا توسيطه وهو غير ظرفٍ ولا مجرور، فلا تقول: إن قائمٌ زيدًا، ولا ليت صاحبٌ لك عَمرًا، ولا إنّ يقومُ زيدًا.
ولا ما أشبه ذلك.
وإنما لم تتقدّم أخبارها عليها لعدَم تصرّفها، وكذلك لا تتوسّطُ لأجل عدم التصرف في نفسها فلا تتصرّف في معمولها، ولأمرٍ (آخر) وهو أهم قصدُوا أوّلًا في إِنّ عكس عمل كان، من تقديم المنصوب وتأخير ملرفوع، فلو وَسّطُوا الخبر كان ذلك بصورة ما أرادوا الخروج عنه، فكأنه عودٌ إليه.
ومِنْ سجاياهم:
إِذا انصرفَتْ نفْسِى عن الشّىْءِ لم تكنَ
عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخِرَ الدّهْرِ تُقْبِلُ
فالتزموا التأخير في الخبر لذلك.
وأما الظرف والمجرور فشأهما في كلام العرب أن يتوسّع فيهما ما لا يتوسّع في غيرهما، فجاز التوسيط فيهما إذا وقعا
في هذا الباب خبرين، فلذلك استثناهما الناظم بقوله: «إلّا في الّذى كليت فيها».. إلى آخره، فأشار إلى أَنّ الترتيب المذكور لا يلتزم فيما كان مثل هذين المثالين، بل يجوز أن تخالف في الترتيب المذكور، فتقدم الخبر على الاسم فتقول: ليت فيها غير البَذِئ، وليت هُنَا غير البَذِئ.
ولَفّ المثالين في مثال واحد، لِفَهْمِ ذلك، وكأنه قال: راع/ الترتيب المذكور إلا إذا كان الخبرُ ظرفًا كليت هنا غير البَذِىْ، أو مجرورًا كليت فيها غيرَ البَذِئِ، فإن ذلك أَنْ تأتى بالكلام على هذا الوجه من توسيط الخبر.
وهذا التمثيل أعطى موضع مخالفة الترتيب، لأنه أتى بالخبر متوسطًا بين الحرف واسمه، فَيُتَقيد بما عيّن، فلا يجوز أن يتقدّم الخبر عليهما معًا فلا تقول: فيها ليت غير البذئِ، ولا: هنا ليت غير البذئِ.
فالمثال إذًا أعطى قيدين: قيدًا في الخبر المتصرّف فيه، وهو كونه ظرفًا أو مجرورًا، وقيدًا في صورة التصرف، وهو التوسيط خاصّة.
وهذا ظاهر، وأما تقديمُ معمولِ الخبر فلم يجر له هنا ذِكْرٌ، ولعلّه تركه لأنه ذكر في باب كان قاعدة تشمل هذا البابَ وغيره في قوله:
وَلَا يَلِى العَامِلَ مَعُمُولُ الخَبَرْ
إِلّا إِذَا ظَرْفًا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ
فاستغنى بذلك عن الإعادة هنا، أو ترك ذلك اتّكالا على القياس؛ لأن العلة واحدةٌ في الجميع.
وتقولُ على ما تقتضيه القاعدة: إنّ في الدار زيدًا قاعدٌ، وإن مكانك زيدًا قاعدٌ.
ومنه ما أنشد سيبويه، من قول الشاعر:
فَلَا تَلْحَنِي فِيهَا فَإِنّ بُحبِّها
أَخَاك مُصَابُ القَلْبِ جَمٌّ بَلَابِلُهْ
وتقول أيضًا: إن زيدًا طعامَك آكلٌ، ولا تقول: إن طعامَك زيدًا آكلٌ.
وما أشبه مما تقدم ذكر تمثيله.
والبَذِى: أصلُه البذئُ، بالهمز، إِلّا أنّه حذَفَ الهمزة على غير قياسٍ، أو سهّلها بإبدالها ياءٌ كالنّسِى، ثم حذفها للساكنين.
ومعناه الفاحش السىِءُ القول.
وهذا التوجيه على أنّه من المهموز، لأنّه يقال: بَذُؤَ الرجلَ بذاءَةً: إذا سَفِه، على مثال: بذع بَذَاعَةً وبَذَاعًا.
وهى لغة.
وإن جعلته البَذِى، من المعتل بالواو، فالأمر أسهل، فإنه يقال: بَذَوْتُ على القومِ وأبذيْتُ عليه، وبَذُو (الرجل يبذو) بذاءٌ لا غير.
وفلانٌ بَذِىُّ اللسان، وامرأةٌ بَذِيّةُ.
وهذه اللغة الشهيرة.
وَهَمْزَ إِنّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ
مَسَدّهَا، وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
مقصُودهُ في هذا الفصل أن يُبَيّن المواضع التى تقع فيها أَنّ المفتوحة وإِنّ المكسورة؛ فإنّ لكلِّ واحدةٍ مِنْهما موضعًا يخصّها، وحكمًا يلزمها.
وقد ظهر من هنا أنّ الكسورة أصلٌ للمفتوحة وأن المفتوحة فرعٌ عنها بقوله: «وهَمْزَ إِنّ افْتَحْ».
ولو كانت أصلا بنفسها لقال إنّ المفتوح تقع مواقع المصدر، أو ما يعطى
هذا المعنى.
وهذه الإشارة مقصودة له، ووجه ذلك: أنّ الكلام مع المكسورة جملةٌ غير مؤوّل بمفردٍ، وأما المفتوحة فالكلام بعدها مؤوّل بالمفرد، وكونُ المنطوق جملةٌ من كلِّ وجهٍ، أو مفردًا من كل وجه، أصلٌ لكونه جملةٌ من وجهٍ أو مفردًا من وجه.
وأيضًا المكسورة مستغنية بمعموليها عن زيادةٍ، والمفتوحة لا تستغنى عن زيادة، والمجرد من الزيادة أصلٌ للمزيد فيه.
وأيضا فإن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلّقُ به كقولك في عرفتُ أَنّك بَرٌّ: إِنّك بَرٌّ، ولا تصير المكسورةُ مفتوحةً إلّا بردِّه، كقولك في إِنّك بَرٌّ: عرفتُ أنّك بَرٌّ.
والمرجوعُ إليه بحذف/ الزيادة أصلٌ للمتوصّلِ إليه بزيادةٍ.
هذا توجيه المؤلف في الشرح واستدل ابن خروفٍ على ذلك بوقوع المكسورة في موضع المفتوحة، ولا تقع المفتوحهُ في موضعها، تقول: ظننتُ أنّ زيدًا قائم، فإذا دخلتِ اللامُ لم يصحّ منه إلا المكسورة، فتقول: ظننتُ إنّ زيدًا لقائمٌ.
ثم قوله: «وهمزَ إنّ افتح».. إلى آخره، يعنى أن الموضع إذا كان المصدرُ يسدُّ فيه مسد إِنّ واسمها وخبرها، فافتح همزتها، وإذا كان المصدرُ لا يسدُّ فيه مسدّها فأبقها على أصْلِها من الكسر.
وفي ضمن هذين القسمين قسمٌ ثالثٌ، أنه إذا كان الموضع محتملًا للوجهين ساغ في إِنّ الكسر والفتحُ، وقد نبّه عليه بعد ذلك.
وهذه قاعدة الفصل، وضابط المسألة، لكن عادتهم أن يحصروا مواضع الكسر، ومواضع الفتح، ومواضع جواز الوجهين زيادةً في البيان، ورفعًا لإشكال الحال في
بعض المواضع.
ويَرِدُ على الناظم هنا سؤالٌ، وهو أنه عَلّل فَتْح هَمْزَة إِنّ بسدّ المصدر مسدّها، وهذا يقتضى صحة وقوع المصدر موقعها، وهذا لا يطّردُ له في جميع ما تُفْتَح فيه، أمّا أنّ المصدر يقعُ موقعها على الجملة من غير حصرٍ فصحيح، وأما أنّ ذلك يصحّ في كلّ موضع فلا؛ ألا تَرَى أنّ أن تفتح بعد لو -وقد نَصّ هو على ذلك في بابها- مع أنّ المصدر لا يصحّ في موضعها؛ فلا تقول: لو ذهابُ زيدٍ لأكرمتك، وأنت تقول: لو أنّ زيدًا ذاهبٌ لأكرمتك.
فإذا ثبت هذا فإطلاقُه القولَ في سدّ المصدر مسدها مُشكلٌ.
والجواب: أن سدّ المصدر مسدّ إنّ صحيح باتفاق، ولذلك سميت مصدرية، والشاهد لذلك اطراده في مواضع الفتح، غير أنّ لو اختصّت بهذا الحكم -أعنى بعدم النظق بالمصدر بعدها- استقباحًا لوقوع الاسم بعدها يليها؛ إذا خصُّوها بدخولها على الفعل، مع أنّ المصدر سائغٌ في التقدير [على] القياس، وقد جُعِلَ وقوعُ أنّ بعدها لزوما استغناء عن وقوع المصدر بعدها فذكروا أنهم استغنوا عن: لو ذهابهُ، بلو أنّه ذاهب.
وإذا كان ذلك على الاستغناءِ لم يكن قادحًا في إطلاق سدّ المصدر مسدّها، لأنّه حاصل في القياس أو في الاستعمال.
والله أعلم.
ثم أخذ في تعديد مواضع الكسر، وهو أحد الأقسام الثلاثة فقال:
فَاكْسِرْ في الابْتَدِا، وَفِى بَدْءِ صِلَهْ
وَحَيثُ إِنّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
أَوْ حُكِيَتً بِالْقَولِ، أَوْ حَلّتْ مَحَلْ
حَالٍ، كَزُرْتُهُ وَإِنِّى ذُو أَمَلْ
وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلّقَا
بِاللّامِ، كَاعْلَمْ إِنّهُ لَذُو تُقىَ
قوله: «فاكسر» أراد الكسر اللازم، بدليل أنه ذكر بعد ذلك قسمًا آخر في جواز الوجهين؛ فإذًا لا بُدّ أِنْ يكون الكسرُ هنا حتمًا، وذكر لذلك ستة مواضع:
أحدهما: الابتداءُ، وهو قوله: «فاكسر في الابتداء».
في الابتداء: معمول فاعلٍ [هو حال] من ضمير إنّ، وحذفه للعلم به، وكأنه قال: فاكسره كائنًا في الابتداء، أى: في ابتداءِ الكلام إذا وقع هنالك، نحو/ قولك: إن زيدًا أخوك، و ﴿إِنّ الله يفصل بينهم يومَ القيامة، إِنّ الله عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهيدٌ﴾.
ووقوع إن في الابتداء تارة يكون لفظا ومعنى، كالأمثلة المذكورة، وتارةٌ يكون معنًى لا لفظًا، ولفظ الابتداء يشمل الوجهين.
ومثال ذلك إِنّ الواقعة بعد ألا الاستفتاحية، نحو قول الله سبحانه: ﴿ألَا إِنّهم في مِرْيةٍ من لقاءِ رَبِّهمْ، أَلَا إِنّه بكلِّ شَئٍ مُحِيط﴾.
هذا على تفسير المؤلف في
شَرْح التسهيل، فإنه أدخل تحت الواقعة مبتدأةٌ نحو: ألا إنّ زيدًا قائم، وكذلك نحو: ﴿كَلّا إِنّ الإنسان لَيَطْغَى﴾.
وسائر الأدوات التى يبتدأ بعدها الكلام.
ويحتملُ أن يريد الواقعة مبتدأ لفظًا ومعنًى خاصّة، كأنه قال: فاكسرها إذا صُدِّر الكلام المبتدأ بها حقيقةً وحكمًا، فإِنّا إِنْ فرجنا بها عن هذا إلى نحو آخَرَ لزمنا أمرٌ يصعُبُ الجواب عنه أو يضعفُ:
أما أوّلًا فإنّ إنّ الواقعة بعد إذا التى للمفاجأة فيها وجهان، مع أَنّ إذا من أدوات الابتداء، إذا دخلت لا تغير معناه.
وأما ثانيا فيقال: كما تدخلُ إِنّ المبتدأُ بها معنًى لا لفظًا في إطلاق لفظه، فالمبتدأ بها لفظا لا معنًى أَحْرى، نحو: أنك كريم جئتك، أي لأنّك كريم.
وأيضا يدخل له تحت المبتدأ بها معنى لا لفظا نحو: عندى أنك كريمٌ؛ فإن أَنّك كريم بابهُ في الأصل التقديمُ، لأنه المبتدأ وما قبله خبره، فيقتضى أَنّ أَنّ في هذه المواضع كُلِّها يجب كسرها.
وهو غير مستقيم، بل منها ما يجب فتحه، ومنها ما فيه الوجهان؛ فالأولى أن يحمل قوله: «فاكسر في الابتدا» على أنه يريد الابتداءَ حقيقةً وحكمًا؛ وذلك نحو: إن زيدًا قائم، خاصّةً.
فإن قلت: فإنّ هذا المحملَ أيضًا يلزم عليه مثلُ هذا الاعتراض.
فسيأتى في موضعه بيانه، إن شاء الله.
والثاني من مواضع الكسر: مبتدأُ صِلَةِ الموصولِ، وذلك قوله: «وفي بَدْءِ صِلَةٍ «. ويعنى أَنْ تقع إِنّ مُبْتَدأً بها في الصلة، نحو قولك: أعجبنى الذى إِنّه قائم.
فالكسر هنا واجب كما وجب في الأول؛ لأن الصلة لا تكون إلا جملة، وأَنّ
المفتوحة في تأويل المفرد، والمفردُ لا يقع صلةً للذى وأخواتها.
كما أنك إذا جعلتها في أوّلِ الكلم لزم الكسر، لأنّ المفتوحة في حكم المفرد، والمفرد لا يستقلّ به الكلام.
ومن مُثْلِ هذا الموضع قولُ الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ﴾.. الآية.
ومن أمثلة الكتاب: «أعطيته ما إِنّ شرّه خيرٌ من جَيد ما معك، وهؤلاءِ الذين إِنّ أَحْبَنَهم لأشجعُ من شجعانكم «.
وإنّما قال: «في بَدْءِ صِلَةٍ «، ولم يقلُ: في الصلة؛ لأنها إنما تكسر حتمًا إذا ابتُدِئَتْ فإن كانت في حشوها فلا يجبُ الكسرُ، بل قد تكون مكسورةٌ نحو قولك: أعجبنى الذى أَبُوه إنه منطلق.
وتكون مفتوحة نحو: أعجبني الذى ذكرتَ أَنّه فاضِلٌ.
فالفتح هنا واجب لكونِ أَنّ منصوبة المحلّ بذكرتَ، كما وجب الكسر في: أبوه إنه منطلق لكون إن خبرًا عن عَينٍ.
والثالث: أن تقع إنّ في جواب القسم، وذلك قوله: «وحيثُ إِنّ لَيِمِين مُكْمِلَه «، يريد أنها تكسرُ إذا وقعت مكملة للقسم، وتكميلُه إنما هو بجوابه، فكأنه قال: وحيث إِنّ جوابٌ للقسم، وذلك نحو: والله إنّ زيدًا لقائم، وفي التنزيل: ﴿إِنّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًا﴾.. الآية، بعد قوله: ﴿حم.
وَالكتابِ المُبِينِ﴾.
وكذلك: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.
/ ووجهُ ذلك أنّ جواب القسم لا يكونُ بالمفرد، وإنما يكون جملة، فوجب أن لا تفتح إنّ هنالك لتأوّلها بالمفرد.
وإطلاقُ الناظم ههنا مرادٌ به التقييد، وذلك أنه حكم بلزوم الكسر ولم يفرّق بين أن تكون إن (بعدها اللام).
وكونها لا لام معها، وحكمها مختلف، فقد قال في قسم الوجهين:
بَعْد إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ
لَا لَامَ بَعْدَه بِوَجْهَينِ نُهِى
فإذا جمعنا بين كلاميه صار ما هالك مُقيِّدًا لما أُطلِق هنا، فيكون مرادُه إِنّ الواقع بعدها اللام ولا عليه من هذا؛ فإن العرب تُطلق في موضع وتُقَيِّد في آخر، بناءٌ على أن مرادها بالمطلق ما أرادت بالمقيّد.
والرابع: إذا وقعت إِنّ محكيّةً بالقَولِ، وذلك قولُه: «أو حُكِيت بالقَولِ»، فالضمير في حُكِيت» راجع إلى إِنّ، ومرادُه مع معموليها، ويزيد أنها إذا وقعت بعد القول محكيّةً به وجب الكسر أيضًا، نحو قُلتُ: إنّ زيدًا منطلقٌ.
ولا يجوز الفتح، لأن الحكاية بالقول تقتضى الجملة لا المفرد، وإنما تقتضى المفردَ إذا لم يُحْكَ به.
ومن مثله قول الله تعالى: ﴿قَالَ: إِنِّي عبدُ اللهِ﴾، ﴿وقال: إِنّي ذاهبٌ إلى ربِّي سَيهْدِينِ﴾.
وهذه العبارة التى عبّر بها الناظمُ (عبارة) مختصرٌ حسنةٌ سليمةٌ من النقد الذى يلزم غيره؛ فإنّ الجزولى وغيره يقولون هنا: وبعد القول
المجرد من معنى الظن.
وتحرّزوا بذلك مما يكون القولُ فيه غير مجرّدٍ من معنى الظن، فإنّه إذ ذاك يعمل كما يعملُ الظنُّ، فتكون فيه أَنّ مفتوحة على الوجوب، لوقوعها موقع المفرد.
وهذا الذى قرّرُوه ليس بسالم عن النقد، لأنّ القول إذا أُشْرِب معنى الظن (لم) يعمل عَمَل الظنِّ مطلقا؛ إذ من العرب من يلزم الحكاية به وإن أشرب معنى الظن، حسبما يأتى في موضعه إن شاء الله؛ فلا يسوغ أن يُستثنى القولُ المشربُ معنى الظنِّ على الإطلاق، لاختلاف العرب فيه.
فأما قول الناظم: «أو حُكِيتَ بالقول» فقد أزاح الإشكال؛ لأنّ قصد الحكية يضبط اختلاف اللغات إلى ضابطٍ لا مَحِيد عنه؛ فإنّ من أشربه معنى الظن فَأَعملَ إذا أراد الحكاية كسر إِنّ، كما أنّ من لم يعمل هو قاصدٌ أبدًا للحكاية فيكسرها، فلا يبقى على المسألة غبارٌ.
والله أعلم.
والخامس: إذ حَلّت إنّ محلّ الحال ووقعت موقِعَه، وذلك قوله: «أو حَلّتْ مَحَلّ حالٍ يعنى أَنْ تقع مع ما بعدها جملةً في موضع الحال، نحو قوله: «زُرْته وإنّىِ ذُو أَمَلْ»، أى: زُرْتُه آملًا.
فالمفتوحة لا تقعُ هنا، لأن الحال بالمفرد لا تصاحب الواو.
ومنه في التنزيل: ﴿كَما أَخْرَجَكَ ربُّكَ من بيتك بالحقَ، وإِنّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمنِين لكارهُونَ.
يُجادلُونَك﴾.. الآية.
وأنشد سيبويه لكُثَيّر:
ما أَعْطَيَانِى ولا سَألْتهما
إِلّا وَإِنِّى لحاجِزِى كَرَمِي
والسادس: إذا كانت بعد فِعْلٍ عُلِّق باللّام، وذلك قوله: «وكَسَرُوا -يعنى العرب- من بَعْدِ فِعْلٍ عُلِّق باللّام».
يريد تعليق الفعل عن عمله فيما طلبه من معمولٍ، واللام المعلِّقة هى لام الابتداء.
وسيأتى بيانُ التعليق بعدُ إن شاء الله.
فإذا كان الفعلُ مُعَلّقًا باللام لم يكن للفعل في إِنّ عملٌ، فبقيت على حالها من الكسر.
ومثال ذلك قوله: «اعلم إِنّه لذو تُقَى»، فاعلَمْ: معلّقٌ باللام في قوله: لذو تُقَى؛ لأنّ/ أصلها التقديم، فأصل الكلام: اعلم لهُوَ ذو تُقَىً، فلما دخلت إِنّ أخّرُوا اللام إلى الخبر، لما سيذكر.
ومن مُثُل ذلك في الكلام قولُ الله: ﴿قد نعلَمُ إنّه ليحزُنكَ الذي يقُولونَ﴾، وقوله: ﴿والله يعلمُ إِنّك لرسولُه، والله يشهدُ إِنّ المنافقون لكاذِبُون﴾.
وم الشعر قولُ الشاعر؛ أنشده لسيبويه:
أَلَم تَرَ إِنِّى وابنَ أَسْودَ لَيْلةً
لَنَسْرِى إلى نَارَينِ يَعْلُو سَنَاهُما
وأنشد ابن جنى في المحتسب:
وأعَلمُ إِنّ تسليمًا وَتْركًا
للامُتَشَابِهانِ وَلَا سَوَاءُ
فلو زالت اللام لتسلّط الفعل على إنّ فانفتحت، نحو: {عَلِم الله أَنّكُم
سَتَذْكُرُونَهُنّ}، ﴿شهد الله أنّه لَا إِلَه إِلّا هُوَ﴾، ﴿ألم تَرَ أنّ الله يُسبِّحُ لَهُ﴾.. الآية.
هذا تمامُ ما ذَكَر من مواضع لزوم الكسر، وقد بقي عليه فيها دَرْكٌ من وجهين:
أحدهما: أنّ إتيانه بهذه المواضع فَضْلٌ غيرُ محتاج إليه؛ لأنّ العقد الأوّل كان كافيًا، وذلك قوله: «وهمز إِنّ لسدّ مصدرٍ مسدّها» فإنه أتى به ظاهر المعنى، بَيِّن المأخذ.
فإذا اعتبرت به المواضع كلها في الأقسام الثلاثة ظهر ما يلزم فيه كُسْرُ إنّ كالواقعةِ مبتدأةً وفي بدء الصلة ونحو، حسبما فُسِّر، وما يسوغُ فيه الوجهان كالواقعة بعد إذا فُجاءةٍ أو قسم، أو نحو ذلك، وما يلزم فيه الفتح كالواقعة في موضع الفاعل أو المفعول أو المجرور.
وإذا كان كذلك لم يكن في تعداد هذه المواضع كبيرُ فائدة.
والثاني: على تسليم أنه ذكرها للحاجة إليها، فإنه لم يَستوْفِها بل نقصه مواضعُ ذكرها غيره، فمنها:
أن تقع خبرًا لاسم عينٍ، نحو: زيدٌ إنه قائم.
فالكسر هنا لازم، لأنّ المفتوحة في تقدير المصدر، والمصدرُ لا يُخْبَرُ به عن الجُثّة إلى على معنى الوصف، والوصف بأنّ معدوم.
ومنها: أن تَقَع في خبرها اللامُ نحو: إِن زيدًا لقائمٌ، عَدّه الناسُ موضعًا زائدًا على وقوع إنّ في الابتداء، ولم يفعلُوا ذلك إِلّا لما بينهما من المباينة.
ومنها: أن تقع بعد ألا الاستفتاحية، نحو: ألا إِ أخاك منطلقٌ.
وفي القرآن: ﴿أَلَا إنهم يثنون صُدورَهُم﴾، ﴿أَلَا إِنّهم في مِرْيَةٍ من لِقَاءِ ربّهم﴾؛ لأنّ أَلَا من حروف الابتداء، فإِنّ بعدها مبتدأةٌ في المعنى.
ومنها: أن تقع بعد كَلّا، نحو قول الله تعالى: ﴿كَلّا إنهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمِئذٍ لمحجُوبُونَ﴾، ﴿كَلّا إِنّها تَذْكِرَة﴾.
وما أشبه ذلك.
فلا تقع هنا المفتوحة لأنّ ما بعد كلّا كلامٌ مبتدأ ومنها: أن تقع بعد حتى الابتدائية، نحو: قام القومُ حتى إِنّ زيدًا قائم؛ لا يجوزُ هنا فتح إِنّ لتعذّر تأَوُّلها بالمصدر.
فهذه مواضعُ خمسة زائدة على الستة التى ذكرها، فكان عدُّه قاصرا.
والجوابُ عن الأوّلِ: أَن مجرّد الضابط المتقدّم غيرُ كافٍ في بيان المقصود، وذلك أنه ليس كلُّ ما يصحّ تأوُّلُه بالمصدر يكون مفتوحَ الهمزة عند العرب لزوما أو جوازًا، بل قد يلزم الكسر ولا يراعى فيه صحّةُ التأويل بالمصدر؛ ألا ترى أنّ حتى الابتدائية قد يصحُّ/ قياسًا فتح أنّ بعدها على تأويل المصدر، ويكون خبر مبتدأٍ محذوف للعلم به، فتقول: أسرع القوم حتّى أنهم لا ينامون،: حتّى أمرهُم عدمُ النومِ.
فهذا ممكن كما أمكن بعد إذا الفجائية، وفاءِ الجزاء، والقسم لالام بعده، وما أشبه ذلك؛ إلا أن العرب اقتصرت في حتى على الكسر، اعتبارًا بعدم التأويل
بالمصدر، ولم يقتصر في إذا وفاء الجزاء وغيرهما على ذلك.
فالحاصل أن ما أمكن تقديرهُ قياسا لا يستلزم أن يكون منطوقًا به، فثبت أنّ معنى سدّ المصدر أنّ، أو عدم ذلك، كونه موجودًا في السماع كذلك، إلا أنك تقيس على مواضع الفتح أو الكسر ما كان في معناها.
والجواب عن الثاني أن يقال: إِنّ هذه المواضع قد ترجع إلى ما ذكر:
أَمّا نحو: زيد إِنّه قائم، فإن الخبر هنا وقع جملة، فأصلُه الأول جملة الخبر، وجملة الخبر في الأصل مستقلّةٌ، ووقوعُها خبرًا عارضٌ، وإذا كان كذلك فلم تقع إِنّ إلا في الابتداءِ، فوجب الكسر.
وَأَما إنّ زيدًا لقائم، فهو الذي قال فيه: «وكسَرُوا من بعد فِعْلِ عُلقا.. باللامِ»، لأن إنّ إذ وقع اللام في خبرها فإما أن يتقدّمها فِعْلٌ يطلبها أولا، فَإِنْ تقدّم فهو الذي قال، إذ لا يكون إِلا من أفعال التعليق، وإلا فإنّ مكسورةٌ كان معها اللام أم لا.
فما فعله الناظم هنا أولى من عَدّدهِ موضعًا ثانيًا لوقوعها في الابتداءِ، وهو كون اللام في خبرها، فإنه كلام متداخل غير مُحَرّرٍ.
وأما ألَا فهى كلمة تدخل على الكلام لتنبيه المخاطب لسماعه، فهي بمنزلة قولك: اسمعْ، أو تَنبّهُ، أو نحو ذلك، ثم يقع بعدها الكلام المبتدأ، فلما أنّ قولك: إن زيدًا قائم، بعد تتبّع كلامٌ وإنّ فيه في الابتداءِ فكذلك ما في معنى ذلك، وهو ألا.
وأما كَلّا فهي أداةُ زَجْرٍ عما تَقَدّم من الكلام، فهي رد لهوزجرٌ عنه، وما بعدها مستأنف، فإن بعدها في محل الابتداء.
وأما حتّى فبمنزلة ألَا؛ من حيث إِنّ كل واحدةٍ منهما يقع بعدها الكلامُ المبتدأ، فإنّ بعدها واقعة في الابتداء بهذا المعنى.
وقد يُقالُ: لعلّ الناظم رأي هذه المواضعُ مما يقعُ فيها النظر، فلا تكون إِنّ فيها من قسم المبتدأة إلا بعد تأمل، فترك التنبيه عليها، اتكالًا على نظر الناظر في كتابه.
والله أعلم.
ثم ذكر مواضع الوجهين فقال:
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ
لَا لَامَ بَعْدَه بِوَجْهينِ نُمِى
مَعْ تِلْوِ فَالحَزَا وَذا يَطّرِدُ
فِي نْحوِ: خَيْرُ القَوْلِ أنِّى أَحْمدُ
الوجهان هنا هما: فتح (همزة) إِنّ وكسرها، وذلك يكون باعتبارين، فباعتبار سدّ المصدر مسدّها تُفتَحُ، وباعتبارِ عدمِ ذلك تُكسرُ.
ولا يكون ذلك إلبا من وجهين مختلفين.
وأتى لهذا القسم بأربعة مواضع:
أحدها: أن تقع بعد إذا التي للمفاجأة نحو: مررت به فإِذا إِنه عبدٌ.
يجوز في إِنّ الكسر، وهو الأصل، لأنّ إذا المفاجأة مختصّة بالدخول على الجملة الاسميّة، فإذا وقعت بعدها إنّ فهي داخلةٌ على جملة، فيحتاج إلى كسرها، كأنه قال: فإذا هو عبدٌ.
ويجوز الفتح، وهو خلاف الأصل، ولكنه/ جائز، على أن تكون أَنّ وما بعدها في موضع خَبَر مبتدأ محذوفٍ، كأنه قال: فإذا أمرُه أنه عبدٌ؛ قال سيبويه: «ولو قلت: مررت فإذا أنه عبدٌ، تريد: مررت فإذا العبوديّةُ واللؤم، كأنك قلت: مريت فإذا أمرُه العبوديّة واللؤم.
ثم وضعت أَنّ في
هذا الموضع جاز، ومثل [ذلك] ما أنشده سيبويه من قوله:
وكنتُ أُرَى زيدًا كما قيلَ سَيِّدا
إذا أَنّه عبدُ القَفَا واللهازِمِ
والثاني: بعد القسم الذي لا لام بعده، وذلك قوله: «أو قَسَمِ.. لا لَامَ بَعْدَه».
وهو معطوفٌ على مخفوض «بعد»، لا مخفوضِ «إذا»، إذ ليس للقسم لفظ إذا.
وقوله: «لا لام بعده» في موضع الصفة لقسم فالضمير في «بعده» عائد على القسم.
ويريد القَسَمَ الذي في جوابه إنّ.
وضمير «نُمِى» عائد على همز إِن.
ويعنى أنّ إِنّ إذا وقعت جوابا للقسم وليس معها اللام فإنّ في همزها وجهين، وهما: الكسر والفتح ودل عليهما تقَدُّمُهما قبلُ.
فَأَمّا الكسر فنحو: والله إِنّ زيدًا قائم، وأقسم إِنك كريم.
وأما الفتح فنحو: أقسمتُ أَنّ زيدًا قائم.
ومن الأول قولُ الله تعالى: ﴿حم.
والكتاب المبين إِنّا أنزلْناه في ليلةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.
وفي الآخرِ: ﴿إنا جَعَلْنَاه قُرْآنًا عَرَبيًّا﴾.
ومن الثاني قولُ الراجز:
أَوْ تَحْلِفِى بِرَبِّك العَلىّ
أَنِّى أَبُوذَيّا لك الصّبي
وتحرَّزَ بقوله: «لا لام بَعْدَه» من القسم الذي بعده اللام، وتقع في خَبَرِ إن، فإنّ هذا لا وجهين فيه، وإنما فيه وجهٌ واحدٌ وهو الكسر، نحو قول الله تعالى: ﴿والله يعلَمُ إِنّك لرسُولُه﴾.. الآية.
بل كقوله: ﴿قُلْ: إِىْ وَرَبِّي إِنّه لحقٌّ﴾، ﴿فورَبِّ السماءِ والأَرض إِنه لحقٌّ﴾ فوجهُ الكسر أنّ القسم إذا كان جوابه جُمْلَةً اسميةً فلا بدّ أَنْ يتلقى -إذا كانت موجَبَةً- بإنّ واللام، أو بأحدهما، ولا يستغنى عن واحدٍ منهما.
هو هو الأصلُ، ولذلك لا تقول: والله أنت ذاهبٌ.
ولو فتحت إنّ لكان بتلك المنزلة، فكان الكسر أولى.
ووجه الفتح أن يقال: لعلّ الفتح على إضمار الجارّ إذا قلت أقسمُ أنّك قائِمٌ، أى: على أَنّك قائِمُ.
وكذلك يكونُ قوله:
أَوْ تَحِلفِى بِرَبِّك العَلِىَ
أَنِّى أَبو ذَيّا لك الصّبِىِّ
ثم يحملُ على ذلك ما كان الفعلُ فيه غير مصرّح به، نحو: والله إِنّ زيدًا قائمٌ.
وما أجاز هنا من الوجهين ليس بمذهَبِ البصريين، وإنما هو رَأْىُ الكوفيين على ما حكاه ابنُ كيسان، ونحا نحوهم الزجاجىّ إِذ قال: «وقد أجاز بعض النحويين فتحها بعد اليمين، واختاره بعضهم على الكسر، والكسر
أجودُ وأكثر في كلام العرب، والفتح جائز قياسًا، فجعل أبو القاسم الفتح قياسًا، وإن كان الأجود الكسر.
وذهب ابن أبي الربيع مذهبه أيضا.
فالناظم كوفىُّ في أصل المسألة وزَجّاجِىٌّ، إلا أن الأجود عند الكوفيين الفتح، وعند الزجاجي الكسر.
وأصلق الناظم القول في جوازهما فالظاهر التساوي عنده، وإذ ذاك يكون قد اختار القول بمذهبٍ ثالث مخالفِ لما تقدم نقله، ومخالفٍ لما رأه في شرح التسهيل من كونِ الفتحِ غير قياسٍ.
فأما كونه مخالفًا لما رأه في شرح التسهيل فاضطراب في المذهب، وأما/ مخالفته للناس فاختراع لقول لم يره أحدٌ من النحويين، فهو مخالفٌ للإجماع.
ولا يقال: لعل قوله: «بوجهين نُمِى» أراد به وجهين على الجملة، فيكون أحدهما قليلًا، فيتفق له القولان، إِن أراد أنه غير مقيس؛ إذ الفتح نادِرٌ، أو يكون موافقا للزجاجي إن أرد أنه مقيس.
وقد رأى هنا غير ما رآه في شرح التسهيل، ولا بُعدَ في هذا، إذ المجتهدون تختلف آراؤهم في الأوقات المختلفة، فيكون له قولان هنا -لأنّا نقول: أما اختلاف القولين للعالم فممكن في نفسه إلا أنه غير ظاهر هنا من وجهين:
احدهما: أن من عادته إذا كان أحدُ الوجهين نادرًا أو شاذًا أو قليلًا أو يُنَبِّه على القلّة أو الشذوذ، أو الشياع والكثرة، وهنا لم يفعل ذلك.
والثاني: / أنه قال: «بوجهين نُمِى»، إنهُ نِقل عن العرب؛ فإن عنى قياسًا فلازمٌ في الجميع، أو غير قياس فكذلك، ويُبيّنِ ذلك أنه شرك في المسألة ما بعد إذا الفجائية لقوله: «بَعْدَ إذا فجاءَةِ أو قَسَمٍ».. إلى آخره، وهما في إذا وجهان جَيِّدان لا نُدُورَ في أحدهما ولا قلّة، فكذلك يلزم في القَسَمِ لا محالة، وإذ ذاك يكون مخالفًا لأهل البصرة والكوفة معًا.
ويجاب عن ذلك أَنّ إحداثَ قول ثالث إذا أجمع الناس على قولين لا يكون خرقًا للإجماع عند جماعة من أهل الأصول، فلا عَتْبَ عليه.
والحقُّ أنه كلامه غير مقتض لتساوي لوجهين، وإنما يقتضى قياسهما، ومعتمدُه في ذلك السماع، ولا شك أن السماع بذلك نادر، لكن قول الشاعر:
أَنِّى أَبُو ذَيالِكِ الصّبِيِّ
قد يلتحق على مذهبه بالنثر؛ إذ لا مانع ولا ضرورة تمنع من الكسر، فهو بمنزلته في غير الشعر، والقياس قابلٌ لما قال.
وأيضًا الكوفيون قد اختارو الفتح على ما نقل عنهم ابن كيسانَ، وذلك لا يكون إلا مع السماع، لأن ما لا سماع فيه -وإنما أُجِيزَ بالقياسِ- لا يقال فيه: إنه أكثر من غيره، وقد قالوا: إنّ الفتح أكثر من السكر؛ فقد انتظم القياس مع السماع، وذلك ما أَرَدْنا، فلذلك -والله أعلم- اختيار الناظم هذا ما اختار.
إلا أنّ فيه نظرًا من جهة أنّ إطلاقه في جواز الوجهين في القسّمِ اقتضى أن المفتوحة تقع جوابًا للقسم مطلقًا، لأنه
قال: بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةِ أو قَسَمِ»... إلى آخره، وإذا وقعت بعده فذلك على أنه جوابٌ له، سواءٌ أكان فعل القسم مصرّحًا به أو غير مُصرح به.
وليس كذلك، بل الوجهان إنّما ذكرا مع التصريح بالفِعْلِ والقسم، نحو قوله:
أو تَحْلِفِى بِرَبِّكِ العَلِىِّ
أَنّى أبو ذَيّالِكِ الصّبِىِّ
وأما كونُ الفعل غير مُصَرَّحِ به فلم أر من ذكر فيه نقلًا، نحو: والله أَنّك قائم.
والظاهر المنعُ من الفتح والتزام الكسر؛ لأن المفتوحة مُؤَوّلةٌ باسمِ يقع مبتدأً، أو خبر مُبتدأِ، والجملة الابتدائية لا تقعُ بنفسها جوابًا للقسم؛ لا تقول: والله زيدٌ قائم، فكذلك لا تقول: والله أَنّك قائم؛ إذ هو في تأويل: والله أمرك القيام.
أما جواز الفتح مع التصريح بفعل القسم فظاهر على تعلّو أنّ به.، لا على أنه جواب، فقولك: حلفت أنّك قائم، على تقدير: حلفتُ على أنك قائم.
وهذا بَيِّن، فإطلاق الناظم القول في جواز الوجهين فيه ما ترى.
والجواب: بأَنّ كثيرا من المتأخرين يطلقون القول في جواز الوجهين من غير تفصيل، فكان الناظم أتبعهم.
وأيضا الذي حُكِى عن الكوفيين في الشرح/ مماثل لما ذُكر هنا من عدم التفصيل، والمسألة -كما تقدّم- إنما تصح على التفصيل المذكور، فالسؤال واردٌ على الجميع، والله أعلم.
ويقال فيه نَمَيتُ اليه الحديث ونموتُه فأنا أَنْمِيه وأَنْمُوه: إذا رفعته
إليه فَنُمِي مَبْني من أحد الفعلين.
ثم قال: «مَعْ تِلْوِ فَا الجَزَا».
هذا هو الموضع الثالث من مواضع جواز الوجهين في إنّ.
وذلك إذا كان تِلْوًا -أي: تاليًا- لفاء الجزاء، وفاء الجزاء هي الواقعة في جواب الشرط.
ومع: متعلقة باسم فاعل محذوف هو حال من الضمير في نُمِى، أى: نُقِل إن بوجهين حالة كونه مصاحبًا إن التالى فاء الجزاء.
ويريد مصاحبته في الحكم بجواز الوجهين.
يعنى أَنّ إِنّ إذا وقعت بعد فاء الجزاء فإن للعرب فيها وجهين أيضا: الكسر والفتح.
فالكسر نحو قول الله تعالى: ﴿إنّه مَنْ يَتّقِ ويَصبِر فإنّ الله لا يُضِيعُ أَجْر المُحْسِنينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُروا فَإِنّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْكُمْ﴾.
وهو كثير.
وأما الفتح فنحو قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّهُ مَن يحادِدِ اللهَ ورَسُولَهُ فَأَنّ له نارَ جَهَنّم﴾.. الآية.
وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنّه من تَولّاهُ فأَنّهُ يُضِلُّه﴾.. الآية.
ومما قُرِئَ بالوجهين قولُ الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلَى نَفْسهِ الرَّحْمَة أَنّه من عَمِل منكم سُوءًا بِجَهالةٍ ثمّ تاب من بَعْدِه وأصلح فأَنّه غفورٌ رحيمٌ﴾.
فقرأ
نافعٌ وغيرُه -إلا عاصمًا وابن عامرٍ- بكسر إِنّ بعد الفاء، وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها.
ووجه الفتح أن يكون ما بعد الفاء في تقدير مصدر مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف منوىّ التقديم، أى: فله أنه غفورٌ رحيمٌ، أى: فله غفرانُ الله ورحمتُه.
ويجوز أن يكون المحذوف المبتدأ، تقديره: فأمرُه أنه غفور رحيم.
وهذا النحو يجرى سائر ما ذكر من الشواهد.
وأما الكسر فلا يحتاج إلى تكلّف شئٍ من ذلك؛ لأنّ ما بعد الفاء حكمه الابتداء؛ قال الفارسي: ومن ثَمّ حُمِل قولهُ: ﴿وَمَنْ عَادَ فينتقمُ الله مِنْه﴾، على أنّ بعد الفاء مبتدأ محذوفًا، أى: فهو ينتقم الله منه.
فإن قيل: هذا الإطلاقُ من الناظم غيرُ مستقيم؛ وذلك لأن الشاهد عليه إنما جاء مع تقدّم أنّ المفتوحة، كما مر في الأمثلة، وأَنّ بعد الفاء (في الأمثلة) يحتمل وجهين: أحدهما ما تقدّم من كونها خبرًا أو مبتدأ.
والثاني: أن يكون تكررًا لانّ المتقدمة، إما توكيدًا مجرّدًا -وهو مذهب الفراء والمبرّد وغيرهما- وإما بدلًا على جهة التأكيد من الأولى.
والمعنى في القولين واحدٌ إلا أن العبارة مختلف، والأظهر من سيبويه هذا الثاني، وهو أن تكون الثانيةُ بدلًا من الأولى، كقوله تعالى: ﴿أَيعدُكم أَنّكم إذا متُّم وكنتُم ترابًا وعظامًا أنّكم مخرجون﴾، لأن المعنى: أيعدْكم أنكم مخرجُونَ إذا متم، لكن قدّمت أنّ الأولى وما بعدها من الظرف ليعلم بعد أىّ شئٍ الإخراج.
هذا معنى تعليل سيبويه.
ثم قال: «زعم الخليل -رحمه الله- أن مثل ذلك قوله تعالى: / ﴿أَلَم يَعْلَمُوا أَنّه مَنْ يحادِدِ الله وَرَسُولَه فَأَنّ له نار جَهَنّم﴾.
فظاهر هذا الحملُ على التكرير/ قال السيرافي: «ولو لم تكن مكرّرة لكسرت، لأنها في موضع ابتداءٍ بعد الفاء».
فإذا كان كذلك لم يكن في فتحها بعد الفاء في هذه المواضع شاهد على فتحتها بعد الفاء مطلقا، ولا بُدّ أن يثبت من كلام العرب مثل: من تكْرِمُنِى فَأَنى أكرمُه.
وهذا ربما لا تجده، وإذا كان معدوما كان الناظم غير صحيح، لاقتضائه جواز: من يكرمني فَأَنى أكرمه.
فالجواب: أن الناظم جرى في هذا الكلام على طريقة (أبى) الحسن الأخفش في الآية، من تعيين الاحتمال الأول، أن يكون ما بعد الفاء محمولًا على الابتداء والخبر، كما مَرّ تفسيرُه، وتكون هذه الآيات مثل قول الله تعالى: ﴿والّذِين كَسبُوا السيئاتِ جزاءُ سيِّئةٍ بِمثْلِها﴾ تقديره: أمرهم جزاءُ سَيِّئةٍ، أو جزاؤهم.
وكذلك قوله: ﴿قلنا: ياذا القَرْنَينِ إِمّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمّا أَنْ تَتَّخِذِ فِيهِمْ حُسْنًا﴾، أى: إمّا أمرُهم كذا وإمّا أمرُهم كذا.
وهو في الكلام كثير.
وهذا الذى قاله الأخفش ارتضاه ابن خروف، وقال: إذا حُمِل على هذا صلح الفظ والمعنى، قال: ولا وجه للتأكيد في الآية ولا للبدل.
وتأوّل كلام سيبويه على هذا المعنى، وأنّ قوله: «وزعم
الخليلِ أنّ مثل ذلك» يريدُ به مثل قوله: قد علمت زيدًا أبوه خيرٌ منك، وقد رأيت زيدًا يقول أبوه ذلك -قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾.. الآية، يشير إلى المسائل التى يبتدأ فيها، لا إلى أنها على التأكيد ولا البدل.
فعلى هذه الطريقة تكون الآياتُ شواهِدَ على جواز نحو: من يكرمني فأنّى أكرمه، على معنى: فأمرى أنّى أكرمه، وفَلَهُ أنّى أكرمه، أو ما أشبه ذلك.
ويظهر أَنّ هذه الطريقة أولى، لوجود نظائرها في كلام العرب، ولأنّ البدل والتأكيد لا يكونان جوابا، وقد وقع ذلك الجواب على الطريقة الأخرى.
فما ارتض الناظم أحسنُ في القياس الصناعىّ، وبه يصحّ الإطلاق في القاعدة.
ثم قال: «وذا يَطِّردُ»، ذا: إشارة إلى الحكم المذكور، وهو جواز الوجهين في إنّ، ويطرد معناه: يجرى قياسًا لا ينكسر، وأصله من قولهم: اطّرد الخبرِ أو الشرّ: إذا اتَبِع بعضُه بعضًا، وجرى من غير تَوَقُّفٍ، وقولهم: اطرد الأمر: إذا جرى واستقام.
واطّرد النهر: جرى.
يقول: وهذا الحكم يجرى فيما [كان] نحو قولهم: خير القول إنّى أحمدُ، وهو الرابع من مواضع جواز الوجهين، فيجوز، فيجوز لك في إنّ الفتح فتقول: خيرُ القولِ أَنى أحمدُ الله، على تقدير المصور، أى: خيرُ القول حمدُ الله.
ويصدق في هذا الوجه على كلِّ حمد، بأىّ عبارةٍ كان.
ويجوز الكسر فتقول: خير القول إني أحمد الله، على تقدير: خير القولِ هذا القولُ المعيّن المفتتح بإنى.
فهو في التقدير على ما هو في اللفظ ولا تصدقُ هذه العبارة إلا على الحمد بهذا اللفظ المذكور.
ومثلُ ذلك ما مثّل به سيبويه حيث قال: «وتقول: أول ما
أقولُ أَني أحمدُ الله، كأنك قلت: أول ما أقول الحمدُ لله، وأَنّ في موضعه».
قال: «وإنْ أردْت أن تحكى قلت: أولُ ما أقول: إِنى أحمد الله».
يعنى بالحكاية الحملُ على الابتداء.
ومثله: كلامُ زيدا إنه يقول كذا كذا، وجوابه إنّ زيدًا في الدار، وسؤالى إِنى أسأل الله كذا كذا، وخبرى عن حالِ زيدٍ إنه مُتّكِئ.
وما أشبه ذلك.
وقيّد مثاله المسألة بشرط لا بُدّ منه وهو: أن يكون أول الكلام مما يقتضى الحكاية، وذلك القولُ وما في معناه، فلذلك قال: «فِى نَحْو خَيرِ الْقَولِ إِنِّى أَحْمَدُ»، والقول يقتضى الحكاية، فإذا كان كذلك ساغ إجراؤه على الحكاية، وساغ إجراؤه على غير الحكاية، ومن ثَمّ جاز الوجهانِ في إنّ هذه.
ولما حَصَرَ مواضع القسمين واستوفى عَدّها، دَلّ كلامُه على أنّ ما عدا ذلك فهى فيه مفتوحة، وهو القسمُ الثالثُ من أقسام إِنّ، فلم يَحْتَجْ إلى تكلُّفِ عدِّها.
وقد ذكر الناس لفتحها عشرة مواضع:
أحدها: أن تقع فاعلة، أى: مُؤَوّلة مع معموليها بالفاعل، لأنها مصدرية، نحو: أعجبنى أنّك منطلقٌ، لأنها في تقدير: أعجبني انطلاقُك.
والثاني: أن تقع مفعولةً نحوُ: كرهتُ أنّك قائم، تقديرُه: كرهتُ قيامك.
والثالث: أن تقع مجرورةً لفظًا، نحو: عجبتُ من أَنّك مُنْطَلِقٌ، أو تقديرًا نحو: ﴿وأَنّ المساجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا﴾.. الآية.
(أى): ولأَن المساجد لله.
والرابع: أن تقع مبتدأة، نحو: عِنْدى أَنك منطلق.
والخامس: أن تقع خَبَرَ مبتدأٍ، الكرمُ أنّك تَفْعَلُ كذا.
والسادس: أن تقع بَدَلَ من شئ، نحو: أعجبتني قصّتُك أَنّك أعطيتَ فلانًا.
والسابع: أن تقع بَدَل اشتمالٍ، نحو قول الله تعالى: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحدى الطّائِفَتَينِ أَنّها لَكُمْ﴾.
والثامن: أن تقعَ بعد لو نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنّهم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، ﴿وَلَو أَنّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ به﴾.. الآية.
والتاسع: أن تقع بعد لولا، نحو: لولا أَنّك قائمٌ لأكرمتُكَ.
والعاشر: أن تقع بعد مُذْ، نحو: ما رأيتُه مذ أَنّ الله خلقنى.
وما أشبه هذه المواضع فهى في معناها.
واعلم أن اقتصاره فيما يجوز فيه الوجهان على أربعة مواضعَ يُدْخِلُ عليه في هذا القسم خَلَلًا؛ لأن الناس قد ذكروا الجواز الوجهين مواضع أُخَر لم يذكرها الناظم، فاقتضى ذلك فيها لزومً الفتح، وليس كذلك.
منها: ما بعد حتى إذا كانت ابتدائية كسرت إِنّ بعدها -وقد تقدم- وإذا كانت عاطفة فُتِحَتْ، نحو: أعجبنى أمرُك كلُّه حتى أنّك متواضع.
ومنها: ما تقع بعد أما، نحو: أَمَا إنّك منطلق، بالفتح والكسر، فإذا فتحت كانت أما ظرفًا بمعنى حقًا، كأنك قلت: حقًا أنّك ذاهب.
وإذا كسرت كانت حرف تنبيه كألا.
ومنها: أن تقع بعد حرف تنبيه كألا.
ومنها: أن تقع بعد حرف العطف، نحو: عرفتُ أنّك ذاهبٌ وأنك مُعْجَلٌ.
يجوز الوجهان، فالفتح عطف على أَنّ الأولى، والكسر استئنافٌ.
وكذلك مع ثُمّ إذا قلت عرفتُ أنّك ذاهبٌ ثم أَنّك مُعُجَلٌ.
ومن ذلك في القرآن.
﴿إِنّ لَكَ أن لا تَجُوعَ فيها ولا تَعْرَى.
وأَنّكَ لا تَظْمَأُ فيها وَلَا تَضْحَى﴾، قُرِئت بالكسر، وهو لنافع وأبي بكر.
وفتح الباقون.
ومنها: أن تقع بعد الواو لكن مع اسم الإشارة، نحو: ذاك وأَنّك قائم، فالفتح -على معنى: الأمر ذاك وأنّك قائم، والكسر على الاستئناف.
ومن الكسر قولُ تعالى: ﴿هذا وَإِنّ للطاغِينَ لَشَرّ مَآبٍ﴾.
ومن الفتح قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وأَنّ للكافِرينَ عَذَابَ النّارِ﴾، / ﴿ذَلِكُمْ وأَنّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرينَ﴾.
ومنها: أن تقع بعد القول المُشْرَبِ معنى الظّنِّ، نحو: أتقول إنّ زيدًا قائم؟ وأتقول: أَنّ زيدًا قائم.
إلى غير ذلك من المواضع التى يجوز فيها الوجهان، زيادةً إلى ما تقدّم من المواضع التى تَلْزَم الكسرَ، فجميعها ينقضُ عليه هذا التقسيم فلا يَتَخلّص للقسم الأخيرِ شئٌ بعينه.
والذى يقال في هذا -والله أعلم- أَنّه لم يقصد الحَصْر التامّ
لسائر الأقسام، وإنما قصد التنبيه على بعض المواضع المشهورة في القسمين الأوّلَينِ، وترك الثالث غُفْلًا لئَلّا يُفْهَم منه لزوم الفتح في جميع ما لم يذكر.
وكأنه ذكر ضابط الفتح.
وهو سدُّ المصدر مسدّه، فاكتفى به على الجملة، ثم نَبّه على شَىْءٍ مما خرج عنه إلى لزوم الكسر أو جواز الوجهين، وترك سائر المواضع لينتظر فيها الناظر في كتابه، بناءً على ما ذكر له، وذلك كافٍ في مثل هذا المختصر.
(ثم قال):
وَبَعْدَ ذَاتِ الكَسْرِ تَصْحَبُ الخَبَرْ
لَامُ ابْتِدَاءٍ، نَحْوُ: إِنّى لَوَزَرْ
وَلَا يَلِى ذِى اللّامَ مَا قَدْ نُفِيا
وَلَا مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ، كإِنّ ذا
لَقَدْ سَمَا عَلَى العِدَا مُسْتَحْوذا
(وَتصْحَبُ الواسِطَ مَعْمُولَ الخَبَرْ
وَالْفَصْلَ، وَاسْمًا حَلّ قَبْلَهُ خَبَرْ)
أخذ الآن يُبيّين ما يتعلق بهذه الحروفِ أو ببعضها من الأحكام، زائِدًا إلى ما لها من ذلك في أنفسها.
وابتدأ بِذِكْرِ إِنّ المكسورة، فذكر أن لام الابتداء تدخُلْ مع إِنّ على الخبر وغيره.
وذلك أنّ لام الابتداء أصلها أنّ تدخل على المبتدأ
والخبر لتؤكِّد الكلام، فتقول: لَزيدٌ قائمٌ، و ﴿لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ من مُشْرِكٍ﴾.
ثم إِنّ إِنْ تدخل على المبتدأ والخبر أيضًا للمعنى الذى تدخله اللام من التوكيد، ويبقى معها معنى الابتداء، كما كان باقيًا مع اللام، فلما لم يتناقضا جاز اجتماعُهم زيادةً في التوكيد، وحسُن اجتماعٌ توكيدين بحرفين، كما حَسُن اجتماعهما باسمين، نحو: ﴿فَسَجَدَ الملائِكَةُ كُلٌّهم أَجْمَعُون﴾، وموضِعُ كل واحدٍ من الحرفين صدرُ الكلام، لكن لما اجتمعا كرهوا ذلك، وأن يجتمعها ويتلاحقا، ولذلك لما جمعوا بينهما في الشعر غَيّروا أنّ بإبدال همزتها هاءً، فقالوا: أنشده عامة النحاة:
أَلَا يا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الحَمِى
لَهِنّكَ مِنْ بَرقٍ عَلى كَرِيمُ
والأصل عندهم: لإنك.
فأبدلوا كما أبدلوا ألف ما حين اجتمعت مع مثلها في قوله، أنشده ابن جني:
مَهْما لى اللّيْلَةَ مَهْمَا لِيَهْ
فلما كان اجتماعهما مكروها أخّروا اللام وأبقوا إنّ في موضعها اعتبارًا
باختصاص إنّ بالمبتدأ وعملها فيه دون اللام، فإنها لا تختص ولا تعمل، فقالوا: إنّ زيدًا لقائم.
ومع هذا فاللام في نية التقديم ولذلك عَمِلت [إنّ]، ولولا ذلك لعلقتها عن العمل، كما علقت أفعال القلوب.
فإذا أخّروها فلا بُدّ أن يقع بين إِنّ وبينها فاصلٌ، وإلّا كان المحذوف باقيا.
فلا تدخل إلا حيث يحصُلُ هذا الشرط.
وذكر الناظم لدخولها أربعة مواضع، وهى: الخبر، ومعموله، والفعل، والاسم.
فأما دخولها على الخبر فذلك قوله: «وَبَعْدَ ذَاتِ الكسرِ تصحتُ الخبر بعد إِنّ المكسورة.
وإنما قال: «وَبَعْدَ ذَاتِ الكَسْرِ» بيانًا أنّ هذه اللام مختصّة اللحاق بإنّ لا بغيرها من الحروف المذكورة؛ فلا/ تدخل في خبر المفتوحة، فلا تقولك أعجبني أن زيدًا لقائم.
وما جاء من ذلك في السماع فشادُّ لا يقاس عليه، كقراءة من قرأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا أنّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطّعَام﴾، بفتح (أنّهم) مع اللام ولا تدخل أيضا في خبر غير أنّ، فلا تقول: كأنّ زيدًا لقائمٌ، ولا لعلّ زيدًا لقائم، ولا ليت زيدًا لقائم.
وهذه متفقٌ عليها.
ولا تقول أيضًا: لكن زيدًا لقائمٌ.
عند البصريين وهو رأى الناظم.
وذهب الكوفيون إلى جوازه.
والصحيح مذهب أهل البصرة للقياس والسماع أمّا القياسُ فلأَنّ هذه اللامَ إما لام الابتداء وإما لام