نحو هذا فيشاركك فِعَالاً فيها غيره، فلهذا نبَّه على هذا المعنى في طويل وطويلة، ويعني أنه لا يتجاوز فِعَالٌ في كل فَعِيل وفَعِيلة بمعنى فاعل وفاعلة إذا كانت / عينه وواً إلى جمع تكسير سواه.
نعم يجوز أن يجمع جمع تصحيح إذا اجتمعت شروط التصحيح، ولا كلام فيه هنا، بخلاف غيره مما هو من الصفات على فعيل فإنه يأتي أيضاً على فعلاء أو أفعلاء، كما يأتي في موضعه، فلذلك نبه على اللزوم لفعال.
ونظير طويل وطويلة قويم وقويمة تقول فيهما: قوام، لا غير.
وعلى هذا المعنى نبه أيضاً في التسهيل بقوله: "ولم يجاوز في نحو طويل وطويلة إلا إلى التصحيح".
وقال سيبويه: "وأما من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن عينات فإنه لم يكسر على فُعَلاء ولا أفعلاء، استغنوا عنهما بفعال، لأنه أقل مما ذكرنا، وذلك قولك: طويل وطوال، وقويم وقوام".
ويحتمل أن يكون مراد الناظم التنبيه على أن مثل طويل وطويلة لم تأت له العرب بجمع قلة إلا جمع التصحيح، فيكون قصده مقصوراً
على التنبيه على جمع التكسير الموضوع للقلة، وأنه لم يسمع في هذا النوع، فلا ينبغي أن يجمع على غير فعال في القلة والكثرة إلا إن ذهبت مذهب جمع التصحيح بالواو والنون، أو بالألف والتاء.
ويستشعر هذا من التسهيل، وفي هذا النظم ما يدل عليه بقوله: "تفي"، أي: تفِ بالمقصود حتى لا ينقصك منه مطلب، لأن العرب وضعته للقليل والكثير، فدلالته وافية بالغرض المقصود من القلة أو الكثرة، ويكون هذا البناء من جملة ما نبَّه عليه أول الباب بقوله:
وبعض ذي بكثرة وضعاً كُفِي كأرجلٍ والعكسُ جاء كالصُّفِي
فهذا من العكس الذي جاء.
وقد تم الكلام على تفسير هذا الفصل على ظاهر كلامه فيه، وبقي النظر فيه من جهة صحة ما قاله فيه:
فاعلم أن فيه - فيما يظهر - إخلالاً كثيراً بأحكام هذا الجمع الذي هو فِعَال، ومخالفة لكلامه في التسهيل وكلام غيره من النحويين:
فأما البناء الأول، وهو فَعْلٌ، فلم يستثنِ من القياس فيه إلا يائي العين، وأما في التسهيل فاستثنى شيئين: اليائيَّ العين، واليائيَّ الفاء
نحو يَعْرٍ، قالوا: يِعَار، وهو نادر، فلا يقال على قياسه في يَتْنٍ: يِتَان.
بل نقول: لا يقال في كل ما كانت فاؤه ياء: على أي الأبنية كان، فيِقَاظٌ في / جمع يَقُظ أو يقظان نادر سماعاً، وإنما ذلك لثقل الكسرة على الياء، ولذلك يقول بعضهم: لم يأتِ في الكلام كلمة أولها ياء مكسورة إلا يِعَار ويِقَاظ خاصة.
فالحاصل أن اليائيَّ الفاء لا يجمع على فِعَال بوجه، وكذلك لا يجمع أيضاً على فِعَل للعلَّة المذكورة.
وظاهر إطلاق الناظم الجواز فيهما.
وقد يجاب عنه بأن هذا لما كان نادراً وشاذاً في المفرد والجمع معاً لم يحتج إلى التنبيه عليه في الجمع لامتناعه لغة لا لامتناعه في الجمع خاصة.
وأما البناء الثاني، وهو فَعْلَة، فعليه فيه من الاعتراض أنه أخرج من القياس ما كان منه معتل العين بالياء، لقوله بعد ما قدم فَعْلاً
وفَعْلَةَ:
وقلَّ فيما عينه الياء منهما
وإخراجه عن القياس غير مستقيم، وقد أدخله في القياس في التسهيل، ونبه عليه بقوله: "ولفَعْلَةَ مطلقاً" يعني سواءٌ أكان معتل العين بالياء أم لا، وكذلك يقول النحويون، قال سيبويه: "وإذا كسَّرْتَ فَعْلَةَ من بناء الياء والواو على بناء أكثر العدد كسَّرتها على البناء الذي كسَّرتَ عليه غير المعتل، وذلك قولك: عَيبة وعَيبات وعِياب، وضَيعة وضَيعات وضِياع، وروضة وروضات ورياض، وقوله: "على البناء الذي كسَّرتَ عليه غير المعتل" يعني نحو صَحفة وصِحاف، وقَصْعة وقِصَاع.
هذا (ما) قال في الاسم، وكذلك ذكر في الصفة أن جميع ما لحقه الهاء من فَعْل يجمع على فِعَال نحو عَبْلَة وعِبَال، وغيره.
ولم يستثن من ذلك يائي العين من غيره، فالظاهر أن هذا التقييد من الناظم جرى على وهمٍ لا على تحقيق، والله أعلم.
وأما البناء الثالث، وهو فَعَلٌ، فالاعتراض عليه من وجهين:
أحدهما: أن ظاهر إطلاقه أن يكون قياس فِعَال فيه في الاسم والصفة معاً، إذ لم يقيد باسمية، ولأن ما قبله مطلقٌ في الاسم والصفة.
ولم ير ذلك في التسهيل، بل قيد هذا الحكم بالاسمية فقال: "ولِفَعَلٍ اسماً غير مضاعف ولا معتل اللام".
فأخرج الصفة عن هذا الحكم، وهنا أطلق القول، فكلامه منتقضٌ.
والجواب عن هذا: أن كلامه في هذا النظم أجرى على كلام النحويين، فإنهم (في ذلك) يطلقون القول بالقياس في الاسم والصفة على الجملة، نص على ذلك سيبويه وغيره، وليس عندهم في ذلك / خلاف فيما أذكر الآن، وإنما الذي جاء مخالفاً لهم كلامه في التسهيل، ألا ترى كيف قال سيبويه في الصفة: "وأما ما كان فَعَلاً فإنهم يكسِّرونه على فِعَال كما كسَّروا الفعل، واتفقا عليه كما أنهما متفقان عليه في الأسماء" ثم مثَّل ذلك بِحسان وسِباط وقِطاط.
وكذا قال غيره، فلا اعتراض على الناظم هنا.
والوجه الثاني من الاعتراض: إطلاقه القول في استثناء المضاعف في الاسم والصفة معاً، وأن فِعالاً فيه قليلٌ فيهما أو معدوم، وذلك ليس على إطلاقه، وإننما يصح ذلك في الاسم خاصة، حيث اقتصروا في تكسيره على أفعال نحو: فَنَن وأفنان، وطَلَل وأطلال، ولَبَب وألباب.
فلم يجاوزوه كما لم يجاوزوه في الأقدام والأرسان سماعاً من العرب.
وأما الصفة فظاهر كلام سيبويه أن فِعَالاً قياسٌ فيه، حيث أطلق في أن فَعَلاً يجمع على فِعَال، ولم يُقَيِّدْهُ بعدم تضعيف، بل أتى بمثال منه في قاعدة الجواز، وهو قَطَطٌ وقِطَاطٌ.
فدل بظاهره القريب من النص أن المضاعف مع غيره في فِعَال سواءٌ في أنه قياسٌ، وهو أيضاً لم يستثن معتلاً من غيره.
فظاهره أن فِعَالاً جارٍ في الجميع، وعليه يدل إطلاقه.
وهو خلاف ما ذكره الناظم، ومثل كلام سيبويه يأتي كلام النحويين، وهو اعتراض ثالث على كلام الناظم.
ووجه رابع من الاعتراض، وهو أنه استثنى اعتلال اللام بقوله:
ما لم يكن في لامه اعتلال
ولم يستثن اعتلال العين، فدل أنه عنده مما يجمع على فِعَال قياساً.
وليس كذلك.
وفَعَلٌ المعتل العين عند سيبويه وغيره على قسمين -
أعني الاسم دون الصفة -:
أحدهما: أن يكون مذكراً نحو: تاجٍ وقاعٍ.
وهذا إنما يجمع في الكثير على فِعْلان نحو: قِيعان وتِيجان.
والثاني: أن يكون مؤنثاً كنارٍ وساقٍ.
وهذا أيضاً إنما يجمع في الكثير على فُعْل نحو: نُورٍ وسُوقٍ.
ولم يذكر أحد منهم - فيما رأيت - أنه يجمع على فِعَال.
وعلى هذا السبيل جرى في التسهيل.
وهو مخالف لغيره كما ترى.
وأما البناء الرابع وهو فَعَلة، فإنه جعله في الحكم مثل فَعَل العديم الهاء، وقد تقدم له في فَعَلٍ حكمان، أحدهما: عموم فِعَال له اسماً كان أو صفة، والثاني: استثناء المعتل اللام والمضاعف.
فأما الحكم الأول فصحيح؛ لأن "فَعَلة" في الصفة جمعها على فِعَال كحَسَنة وحِسَان.
وأما الحكم الثاني فغير صحيح؛ لأنه لم / يستثن في كتاب التسهيل المضاعف ولا المعتل اللام، بل جعل فِعَالاً جمعاً له على الإطلاق، وسواءٌ أكان مضاعفاً أم لا، وسواءٌ أكان معتل اللام أم لا.
وكذلك يقول غيره.
وأما البناء الخامس، وهو فُعْلٌ، فعليه فيه اعتراضان:
أحدهما: أن ظاهره جريان القياس فيه في الاسم والصفة معاً؛
إذ لم يقيد ذلك بالاسمية (ولا بالوصفية، فيجري في ظاهره على حكم ما تقدم.
وذلك غير صحيحن وإنما يجمع قياساً الاسم لا الصفة، وقد قيده في التسهيل بالاسمية)، ولا بد من ذلك، لأن الصفة لا تجمع قياساً إلا بالواو والنون إن وجدت الشروط، أو بالألف والتاء.
وأما التكسير فلم يكسر إلا قليلاً، حكى سيبويه: مُرٌّ وأمرار.
فلا يصح هذا الإطلاق على حال.
والثاني: أن الاسم أيضاً لا يقاس فيه فِعَالٌ هكذا مطلقاً، بل لا بد من اشتراط ألا يكون معتل العين، وألا يكون معتل اللام، فإنه إن كان معتل العين مثل: حوت وكوب وكوز لم يجمع على فِعَال أصلاً، وإنما يجمع على فِعْلان في الكثرة نحو: حيتان وكِيزان.
وإن كان معتل اللام لم يجاوز أفعالاً نحو: مُدْيٍ وأمْداء، نصَّ عليه سيبويه وغيره، بل المؤلف في التسهيل في قوله: "ولاسمٍ على فِعْلٍ أو فُعْلٍ ما لم يكن كمُدْيٍ أو حوتٍ" فهذا إخلال كما ترى.
وأما البناء السادس، وهو فِعْلٌ، فيرِدُ عليه مثل ما ورد على ما
قبله من الاعتراضين:
أحدهما: أن ظاهره جريان القياس في الاسم والصفة.
وليس كذلك، لأن سيبويه أخبر أنهم يقتصرون في الصفة على أفعال في القلة والكثرة، نحو جِلْف وأجلاف، ونِضْو وأنضاء.
هذا هو الغالب في إلا ما شذَّ مما جاء على غير فِعَال، وأما فِعَال فمعدوم فيه رأساً فيما نقل.
وقد تحرز منه في التسهيل فقيده بكونه اسماً كما تقدم نقله فوق هذا.
والثاني: أن الاسم لا يجتمع على "فِعال" هكذا مطلقاً إلا الصحيح والمضاعف والمعتل اللام، وأما المعتل العين فعلي وجهين: معتل بالواو، ومعتل بالياء.
فالمعتل بالياء بابه فُعُول لا فِعال كفُيُول ودُيُوك وجُيُود.
ولا يقال: فِيَال ولا دِيَاك، إلا أن يُسمع.
وقالوا في المعتل بالواو: ريح ورياح.
ولم يقولوا: رُوُوح.
/ والعلة في ذلك أن العرب حكموا لهما بحكم فَعْلٍ، حيث خصُّوا بنات الياء بفُعُول، وبنات الواو بفِعَال كبُيُوت وحِيَاض.
ولا أرتهنُ في المعتل بالواو أن فِعَالاً فيه فاشٍ في السماع، ولكنه قياسه.
ولم يذكره سيبويه إلا في
مساق السماع فيما قد يظهر منه، لأنه قال: "وقالوا في فِعْلٍ من بنات الواو: رِيح وأرْواح ورِياح، ونظيره: أبْآر وبِئَار" ثم علل ذلك بمعنى ما تقدم آنفاً.
وكلامه يحتمل، يمكن أن يُحمل محمل القياس، فلا يبقى على الناظم إلا المعتل العين بالياء، فكلامه فيه على غير وجهه.
فهذه الأبنية فيها ما ترى من النظر، والله أعلم.
وبفُعُولٍ فَعِلٌ نحو كَبِد يُخصُّ غالباً كذاك يَطَّرِدْ
في فَعْلٍ اسماً مطلق الفا وفَعَلْ له وللفُعَالِ فِعْلان حصلْ
وشاع في حوتٍ وقاعٍ مَعَ ما ضاهاهُمَا وقُلَّ في غيرهما
فُعُولٌ: بناءٌ من أبنية الجمع، جعله في هذا النظم جمعاً لأبنية، قدم منه الكلام على فَعِل، فقوله: "وبفُعُول" متعلق بـ "يُخَص"، و "فَعِلٌ" مبتداٌ خبره "يُخَصُّ" وقدم معمول الخبر على المبتدأ على ما تقدم من عادته.
ويعني أن فُعُولاً يُخصُّ به من المفردات فَعِلٌ - بفتح الفاء وكسر العين - فيكون فيه قياساً.
ومعنى الاختصاص أنه لم يأت له في الكثرة إلا فُعُول، فلم يكسَّر على غيره كما كُسِّرَ غيره من
الأبنية.
وإنما له في القلة أفعالٌ خاصة، وفي الكثرة فُعُول، وذلك لقلته في الأبنية - أعني فَعِلاً - فلم يجاوزوا ذلك فيه.
وقوله: "نحو كَبِدْ" تمثيلٌ أحرز به شرطاً في جمع فَعِلٍ على فُعُولٍ، وهو أن يكون اسماً لا صفة، فإنه إن كان صفة لم يجمع على فُعُولٍ أصلاً.
وإنما اقتصر به على أفعال نحو: نَكِدٍ وأنكاد، هذا إن كُسِّرَ، وهو قليلٌ، وإلا فالقياس فيه التصحيح لا التكسير.
هكذا يقول سيبويه؛ لأن باب الصفات التصحيح، وباب الأسماء التكسير.
فأما إذا كان فَعِلٌ اسماً فحينئذٍ يجمع على الفُعُول قياساً عند الناظم، وذلك قولهم: كَبِد وكُبُود، ونمر ونُمُور، ووَعِل ووُعُول، ونحو ذلك.
واعلم أن الناظم في قياس هذا الجمع في فَعِلٍ مخالف في ظاهر أمره للنحويين من وجهين:
/ أحدهما: جعله إياه قياساً فيه، وليس كذلك عند غيره، بل هو موقوفٌ على السماع لقلته، وقلما يجاوزون به بناء أدنى العدد، وذلك أفعالٌ، فيقولون: أكبادٌ، وأنمارٌ، وأوعالٌ، وأكتافٌ.
وهذا نقل سيبويه، والناظم صرَّح هنا وفي التسهيل بالقياس كما ترى.
والثاني: أن كلامه يعطى أن فعلاً في الكثرة يُخصُّ بفُعُول ولا يجمع على غيره عند إرادتها.
وهذا ليس كذلك، لما نقله سيبويه من أن العرب يجمعونه على أفعال إذا أرادوا الكثرة، ألا تراه كيف قال: "وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان فَعِلاً فإنك تكسِّره من أبنية أدنى العدد على أفعالٍ".
ولم يقل: تُكسِّره إذا أردتَ أدنى العدد، أو في أدنى العدد.
قال: "وقلما يجاوزون هذا البناء".
ثم ذكر ما نقل من تكسيره على فُعُول، وأن ذلك قليلٌ.
فأنت ترى بناء الأقل قد أغنى عن بناء الأكثر، فلم يُخصَّ فُعُولٌ إذا بالدلالة على الكثرة في فَعِل لمشاركة أفعالٍ له في ذلك.
وذلك خلاف ما يظهر من هذا النظم.
والجواب عن الأول أن يقال: لعل ابن مالك استقرأ فيه من كلام العرب كثرة أدَّتْهُ على القول بالقياس، وله من هذا النحو في كتبه كثير.
وعن الثاني: أن الخصوصية المقصودة هنا إنما هي بالنسبة إلى جمعٍ آخرَ من جموع الكثرة، لا بالنسبة إلى ما يدل على الكثرة عند العرب، ولا شك أن فَعِلاً لم يأت له في الغالب مثلاُ كثرة إلا فُعُول، فكلامه صحيح.
وقوله: "يُخَصُّ غالباً" نكَّتَ بالغلبيَّة على ما جاء من جموع الكثرة مشاركاً لفُعُول، وهو غير غالب، وذلك فِعَالٌ، فإنه قد جاء في فَعِلٍ قليلاً، قالوا: ظَرِبٌ وظِرابٌ.
(والظَّربُ: ما نتأ من الحجارة وحُدَّ طَرَفُهُ، ونظيره من الصفات: طَرِبٌ وطِرَابٌ) أنشد سيبويه:
حتى شآها كليلٌ مَوهِناً عَمِلٌ باتت طِرَاباً وبات الليل لم يَنَمِ
وشاركه أيضاً قليلاً: فُعُلٌ، قالوا: نَمِرٌ ونُمُر، أنشد سيبويه:
فيها عَيائيلُ أُسُودٌ ونُمُر
وحرَّكَ الميم وأصلها السكون كأُسْدٍ.
وتنبيهه بالغلبة على هذا أحسنُ في التحرز من إطلاقه في
التسهيل، إذ قال: "وانفرد - يعني فُعُولٌ - مقيساً بنحو كَبِدٍ".
ولم يذكر المشاركة.
فاعترض عليه شيخنا القاضي في عرض الجموع بأنه كان ينبغي له أن يذكر فَعِلاً فيما وقعت (فيه) المشاركة، فإنه قد ذكر في فصل فِعَال - يعني في التسهيل - أن فَعِلاً يجمع عليه، / قال: فوجه الصواب أن يكون من جنس ما شارك فيه فُعُولٌ فِعَالاً، وهو قياسٌ في فُعُولٍ، وسماعٌ في فِعَالٍ".
فعبارته ها هنا أحسنُ.
ثم قال:
..................... كذاك يطردْ
في فَعْلٍ اسماً مطلق الفا.................. "
ضمير "يطَّرد" عائد على فُعُول، يعني أنه يطَّردُ أيضاً الجمع على فُعُول في فَعْلٍ ساكن العين، سواءٌ أكان مفتوحَ الفاء أم مضمومها أن مكسورها، وهو المراد بقوله: "مطلقَ الفا" أي: مطلقَ الفاء بالنسبة إلى الحركات.
وقد انتظم هذا الإطلاق ثلاثة أبنية: فَعْلٌ، فِعْلٌ،
وفُعْلٌ، ولكن قيَّدها بالاسميَّة في قوله: اسماً"، فخرج بذلك فَعْلٌ وفِعْلٌ وفُعْلٌ إذا كانت صفات.
أما فَعْلٌ - بفتح الفاء - إذا كانت اسماً فمثاله: نَسْرٌ ونُسُورٌ، وفهد وفهود، وكعب وكعوب، وفحل وفحول.
وفي المضاعف: صَكٌّ وصُكُوكٌ، وبتٌّ وبُتُوتٌ.
وفي المعتل: عينٌ وعُيُونٌ، وبيتٌ وبيوت، ودلو ودُليٌّ، وثَدْيٌ وثُدُيٌّ، ونحو ذلك.
لكن المعتل تارةً يكون معتلَّ اللام، - وما قال فيه صحيحٌ - وتارةً يكون معتل العين، واعتلالها إما بالياء، وكلامه فيه صحيحٌ أيضاً، وإما بالواو، وكلامه في غير صحيح؛ لأن الواويَّ العين لا يجمع على فُعُول قياساً، لثقل الضم مع الواوات فعوَّضوا عنه فِعَالاً كثوب وثياب، وما جاء منه على فُعُول شاذٌّ، حكى سيبويه: "فَوْجٌ وفُئُوجٌ"، قال: "كما قالوا: نَحُوٌّ ونُحُوٌّ كثيرةٌ".
قال: "وهذا لا يكاد يكون في الأسماء ولكن في المصادر".
ثم بين علة ذلك بما تقدم معناه.
فالناظم لم يستثن في فُعُولٍ ما عينه واو من فَعْلٍ، فلزمه الاعتراض لذلك.
وأما إذا كان فَعْلٍ صفة ففُعُولٌ فيه غير قياس، وذلك نحو: كَهْل
وكهُول، وفسْل وفُسُول، وإنما بابه فِعَالٌ خاصة.
وأما فِعْلٌ - بكسر الفاء - فمثاله عِدْل وعُدُول، وحِمْل وحُمُولن وجذع وجُذُوع، وعِذْق وعُذُوق، وعِرق وعُرُوق، وفي المضاعف: لِصٌّ ولُصُوصٌ.
وفي المعتل نِحْيٌ ونُحِيٌّ.
وما أشبه ذلك.
وأما إذا كان صفة فلا يجمع على فُعُول ولا على غيره قياساً، وإنما يقتصر به على أفعال في القليل والكثير، قال سيبويه: "وجعلوه بدلاً من فُعُولٍ وفِعَالٍ".
وأما فُعْلٌ - بضم الفاء - فمثاله: بُرْدٌ وبُرُودٌ، وجُنْدٌ / وجُنُودٌ، وبرج وبروج، وجرح وجروح.
وظاهر هذا الكلام جريانه في المضاعف والمعتل العين والمعتل اللام، أما المضاعف فليس قياسه إلا فِعَالاً في الكثير، وقد جاء: خُصَّ وخُصُوص، وحُصٌّ وحُصُوصٌ،
ولكنه نادر، فكيف يجعله الناظم قياساً على ما اقتضاه إطلاقه.
وقد استثنى في التسهيل المضاعف من فُعْلٍ فأخرجه عن كونه قياساً، ثم جعله من قبيل الشذوذات، وهو موافق هناك لغيره.
وأما المعتل العين نحو حُوْتٌ ففُعُولٌ فيه معدوم أو شاذ إن كان، وإنما جمعه في الكثير على فِعْلان كما سيأتي على فُعُولٍ ولا فِعَال... " إلى آخره.
وقد تقدم نقل هذا قبل.
وأما المعتل فانفرد به أفعالٌ كمُدْيٍ وأمداء.
وقد تقدم أيضاً.
فإطلاق الناظم في هذه المسألة وقع على غير احتراز كالفصل قبله.
وأما إن كان صفةً فقد تقدم أنه قليل، وأنهم إنما جمعوه على أفعال، فلذلك قيده الناظم بقوله: "اسماً" ليخرج الصفة.
ثم قال: "وفَعَلْ له".
هذا البناء يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون راجعاً إلى حكم فِعْلان، كأن الكلام على فعول قد تم ثم ابتدأ الكلام على فِعْلان، ويعني أن بناء فِعْلان - بكسر الفاء - من جموع التكسير يكون قياساً لأبنيةٍ أحدها فَعَلٌ - بفتح الفاء والعين - هكذا رأيته مضبوطاً هنا، وفي التسهيل تكلم عليه أيضاً
وقاسه.
وفيه من النظر ما أذكره إثر هذا إن شاء الله.
ولم يقيد هذا النوع بقيد، ومثاله: خَرَبٌ وخِرْبانٌ، وبَرَقٌ وبِرْقانٌ، وشَبَثٌ وشِبْثَانٌ، وورَل ووِرْلان.
وفي المعتل: فتًى وفِتيان، وقاع وقيعان، وساجٌ وسيجان، ونارٌ ونيران، ونحو ذلك.
وسيذكر المعتل العين، لكن إطلاقه في هذا النوع غير معترض، وذلك أنه لم يقيده بكونه اسماً، فيفهم له أن هذا الحكم عام في الاسم والصفة، وليس كذلك، وإنما هو مختص بالاسم، وبذلك قيده في التسهيل، ولم يذكر غيره قياسه في الصفة أصلاً، بل هو فيه إما معدوم، وإما شاذ إن وجد.
ووجه ثانٍ في هذا الإطلاقن وهو اقتضاؤه جمع جميع أصنافه من صحيح ومعتل ومضاعف.
وليس / كذلك، بل هو في الصحيح وحده، أما المضاعف فبابه أفعال خاصة، وأما المعتل اللام فباباه فُعُولٌ لا فِعْلان، وإنما فِعْلانُ فيه قليل، وأما المعتل العين فقد ذكره إثر هذا، فهو الذي نبه على ما فيه وحده.
ثم إن الناظم على مقتضى هذا التفسير ينازع في كونه جعل فِعْلان قياساً في فَعَلٍ، مع أن النحويين سيبويه وغيره إنما ظاهر
كلامهم أنه سماع لا قياس، لأنهم إنما يسوقونه مساق المنقول خاصة، قال سيبويه: "وما كان على ثلاثة أحرف وكان فَعَلاً فإنك إذا كسَّرتها لأدنى العدد فإنه يجيء على فِعَالٍ وفُعُولٍ".
ثم قال: "وقد يجيء إذا جاوزوا أدنى العدد على فُعْلانَ وفِعْلانَ".
فظاهر هذا المساق يقتضي أنه مسموع، وبذلك صرح غيره.
لكن يجاب عن هذا الأخير بأنه مذهب له، ذكره في التسهيل، ولم يقيد أنه سماع بل أطلق القياس فيه، والخلاف ففي المسألة خلاف في شهادةٍ بشهرة السماع فيه حتى يصح القياس أو عدم شهرته فلا يقاس.
ولا شك أن قول الجمهور أولى.
والله أعلم.
الاحتمال الثاني في تفسير كلام الناظم أن يكون فَعَلٌ في قوله: "وفَعَلْ له" راجعاً إلى فُعُول أولاً، كأنه قال: وفَعَلٌ ثابتٌ لفُعُول، يُجمع عليه قياساً، فيقال: أَسَدٌ وأُسُودٌ، وذكر وذكور، والقياس في هذا ذكره النحويون، إلا أن الاعتراض على إطلاقه بالصفة وارد على هذا التفسير أيضاً؛ إذ ليس فُعُولٌ في الصفة جمعاً لفَعَل، وإنما بابه فِعَالٌ كما تقدم بيانه.
وأما الاعتراض بالمعتل فيرد أيضاً على نوع آخر، وذلك لأن المعتل العين بابه فِعْلان كما سيذكره إثر هذا عند تمثيله بقاع، ففُعُولٌ غير داخل فيه.
وكذلك المضاعف يرد عليه؛ إذ لا يجمع عل فُعُولٍ كما لا يجمع على فِعْلان، وإنما يصح كلامه في المعتل اللام.
وأما الاعتراض عليه بمخالفة النحويين في التفسير الأول فلا يرد عليه في هذا التفسير، ولهذا لما كانت هذه الاعتراضات الثلاثة واردة عليه في كلا التفسيرين حملتهما كلامه، ولم أقتصر في شرح كلامه على أحدهما.
ثم التحقيق في الموضع أنه إنما قصد هذا التفسير الثاني / لأنه قد عد بعد ذلك فَعَلاً على وجهين، معتل العين وغير معتلها، فالمعتل شائع مقيس، وهو الذي مثل بقاع، والصحيح قليل، وهو الذي أشار إليه بقوله: "وقل في غيرهما"، على ما يذكر إن شاء الله، وإذا كان كذلك تعيَّن هذا الثاني، وإنما ذكر الأول على حسب الفهم السابق لبادِي الرأين وعلى الثاني حمله ابن الناظم، إلا أنه استشعر من قوله: "وفَعَلْ له" أيضاً حيث أطلق القول فيه ولم يقيده باطرادٍ أنه محفوظٌ فيه.
وما قاله خلاف الظاهر من كلام أبيه، فقد مر
له مواضعُ كثيرة، وتأتي أُخَرُ، لا يقيدها باطراد مع أنها مطَّردة، فما فسَّرَ به ضعيفٌ، والله أعلم.
ثم قال: "وللفعال فِعْلان حَصَلْ"... إلى آخره، من ها هنا ابتدأ حكمُ فِعْلانَ، فذكر له ثلاثة أبنية:
البناء الأول: فُعَالٌ - بضم الفاء - يعني أنه يُجمع على فِعْلان قياساً ومثاله: غُرابٌ وغِرْبانٌ، وعقاب وعقبان، وغلام وغِلمان، وبُغاث وبِغثان، وخُراج وخِرجان.
ولم يقيده بصحيح من غيره فيجري القياس، فتقول في المضاعف: ذُبابٌ وذِبَّانٌ، وفي المعتل: حُوارٌ وحِيرانٌ.
وكذلك أيضاً لم يقيده بالاسم فيعطي أن الصفة كذلك أيضاً.
وهو غير صحيح، وإنما ذلك في الاسم لا في الصفة كما تقدم تمثيله، وبذلك قيده في التسهيل، وإنما جمع فُعَال الصفة على فُعَلاء أو أفْعِلاء على تفصيل يذكره الناظم بعد في فَعِيلٍ، وإن كان لم يذكره في فُعَالٍ ولم ينبه عليه، لأن فَعِيلاً وفُعالاً أخَوان يجريان في الصفة مجرًى واحداً.
البناء الثاني: فُعْلٌ إذا كان معتل العين، وهو الذي نبه عليه بالمثال في قوله: "وشاع في حُوتٍ"، أي: فيما أشبه هذا المثال،
وجمع ما جمع من الأوصاف، ولذلك قال بعد ذكر "قاعٍ": وما ضاهاهما، أي: وما أشبههما في أوصافهما.
والذي جَمَعَ حوتٌ من الأوصاف ثلاثةُ أوصاف: أن يكون معتل العين، وأن يكون اعتلاله بالواو، وأن يكون اسماً لا صفة.
وأما كونه اسماً فلأنه إن كان صفة فهو قليلٌ، ولم يتوسعوا في جمعه بغير الواو والنون، وإنما جمعوه على أفعالٍ، وقد تقدم ذلك /. وأما كونه معتل العين فلأنه إن كان صحيحها لم يجمع على "فِعْلان" قياساً، وإنما جاء بالسَّماع كما سيذكر إذا نبه عليه إن شاء الله.
وأمَّا كونه معتل العين بالواو فلأنه إن كان معتلاً بالياء لم يجمع قياساً على ذلك.
فإن قيل: وأن يُتصور أن يكون فُعْلٌ عينه ياءٌ؟
فالجواب: أن سيبويه لما تكلَّم على فِعْلٍ - بكسر الفاء - وذكر فيه المعتل العين من ذوات الياء نحو مِيْلٍ وأميال، وفيل وأفيال، وجيد وأجياد، وذكر أحكامه في الجمع على أنه فِعْلٌ، جوز أن يكون فُعْلاً بالضم، لكن العرب قلبت ضمة الفاء كسرة لتصبح الياء التي هي ياء، كما فعلوا ذلك في بِيْضٍ جمع أبيض؛ لأن أصله بُيْضٌ على فُعْلٍ كحُمْرٍ وصُفْرٍ، فصُيِّرَ إلى بِيْضٍ.
قال سيبويه: "فيكون فُيُول
ودُيُوك بمنزلة - خُرْج وخُرُوج، بُرْج وبُرُوج، ويكون فِيَلة بمنزلة - خِرَجَة وجِحَرَة، يعني في أن الجمع لفُعْلٍ لا لِفِعْلٍ.
وأبو الحسن يخالف في هذا، ويأبى أن يكون دِيكٌ وفِيلٌ ونحوه إلا فِعْلاً - بكسر الفاء - إذ لا يجوز عنده ذلك الاعتلال الذي ذكره سيبويه إلا في الجمع خاصة كبِيْضٍ، فلو بنيتَ فُعْلاً من البيع قلت على مذهب سيبويه: بِيْعٌ، وعلى مذهب الأخفش: بُوْعٌ، وموضع بسط هذا التصريف.
والتفريع هنا على مذهب سيبويه، وإن بنيتَ على مذهب الأخفش وهو الذي يظهر من الناظم في التصريف فيكون هذا القيد معيناً لمحل السماع لا مخرجاً لشيء.
وهذا أيضاً صحيحٌ من التقييد.
والحاصلُ أن الناظم تحرز بالمثال من اليائي العين وُجِدَ أو لا، لأن حكمه على ما فرع عليه سيبويه حكم فِعْلٍ، وفِعْلٌ لا يجمع قياساً على فِعْلان.
فإذا اجتمعت الأوصاف الثلاثة قيس جمعه على فِعْلان نحو: حُوْتٍ وحِيتان، وهو مثاله، وعُودٍ وعِيدان، وكُوزٍ وكِيزان، وغُولٍ وغِيلان، ونُونٍ ونِينانٍ.
فرقوا بينه وبين فُعْلٍ من اليائيِّ أن جمع الذي من الياء على فُعُولٍ، وجمع هذا على فِعْلان، كما فرقوا بين فِعْلٍ من الياء وفِعْلٍ من الواو، فجمعوا ذا الواو على فِعَال، وذا الياء على فُعُولٍ.
هذا تعليل سيبويه، وهو حسَنٌ.
البناء الثالث: فَعَلٌ إذا كان معتل العينن وهو الذي أشار إليه / تمثيله بقاعٍ - والقاعُ: المستوي من الأرض، وعينه واو لقولهم في الجمع: أقواعٌ - ومعنى كلامه أن شاع أيضاً بناء فِعْلان جمعاً لما كان نحو قاعٍ، والشياع هنا يريد به الشياع الذي يقاس عليه، لا أنه يريد به التنبيه على الكثرة مع التوقف عن بلوغه مبلغ القياس، لأنه كثير جداً بحيث لا يتوقف في القياس عليه.
ونبَّه بالمثال على أوصاف إذا اجتمعت في فَعَلٍ كان الجمع قياساً، وهي: أن يكون اسماً لا صفة، وأن يكون معتل العين، وأن يكون اعتلاله بالواو لا بالياء، وأن يكون مذكراً لا مؤنثاً.
أما كونه اسماً لا صفة فلأن الصفة لا تجمع على ذلك، وقد تقدم التنبيه على هذا.
وأما كونه معتل العين فلأنه إن كان صحيحها لم يجمع كذلك قياساً، وسواء أكان معتل العين اللام أم مضاعفاً أم لا، وما جاء بخلاف هذا فقليل، كما نبه عليه إثر هذا.
وأما كونه معتلاً بالواو فلأنه إن كان معتلاً بالياء لم يجمع على "فِعْلان" وإنما يجمع على فُعُولٍ، أي ثبت له قياس نحو: نابٍ ونُيُوبٍ، وكأنهم جعلوا "فِعْلانَ" في ذوات الواو عوضاً من فُعُول لثقله، كما فرَّقوا في فُعْلٍ المتقدم.
وأما كونه مذكراً فلأنه إن كان
مؤنثاً لم يكن ليجمع قياساً على فِعْلان، وإنما كثر فيه فُعْلٌ نحو: دارٍ ودورٍ، وساقٍ وسُوقٍ، ونحو ذلك.
فإذا اجتمعت هذه الأوصاف شاع القياس فتقول في قاع: قيعان، وفي تاج: تيجان، وفي غار: غِيران، وفي جار: جيران، وفي ساج: سِيجانٌ، وما أشبه ذلك.
والمضاهاة معناها لغة: المشاكلة، يقال: ضاهيت - بغير همز - وعليه كلام الناظم.
ويقال: ضاهأت - مهموزاً أيضاً - وعليه القراءتان: ﴿يضاهُونُ قولَ الذينَ كفروا﴾ وهي قراءة من عدا عاصماً، وقرأ عاصم: ﴿يضاهِئونَ﴾.
والمعنى واحد فيهما.
وقوله: "وقلَّ في غيرهما".
الضمير راجع إلى حُوتٍ وقاعٍ وشبههما.
يعني أن "فِعْلان" قَلَّ في غير هذين المثالين المقيدين وما كان مثلهما كالصحيح على فُعْلٍ أو فَعَلٍ أو معتل اللام، أما في / فُعْلٍ فقالوا: حُشٌّ وحِشَّانٌ.
وأما في فَعَلٍ ففيه كثرة، قالوا: شَبَثٌ
وشِبْثانٌ، وخَرَبٌ وخِربان، وبَرَقٌ وبِرْقان، ووَرَلٌ ووِرْلانٌ، وفتى وفتيان.
وفي المؤنث: نارٌ ونيرانٌ، ودارٌ ودِيران وقالوا: حائطٌ وحِيطان، وظَليم وظِلمان، وخروف وخرفان، وصِنْوٌ وصِنوان، وقِنْوٌ وقِنْوانٌ.
وقد تحصَّل من كلامه أنه وافق الجماعة في أن فِعْلان لا يقاس في فَعَلٍ مطلقاً، وإنما يختص قياسه بما خصَّه به، خلافاً لما ذكر في التسهيل من القياس مطلقاً؛ إذ قال: "ومنها فِعْلانُ لاسمٍ على فُعَلٍ أو فُعَالٍ أو فَعَلٍ مطلقاً، أو فُعْلٍ واويَّ العين" فلم يقيد فَعَلاً بما قيده به هنا وجعلها شائعاً، ولا شك أن فيه كثرة ولكن لا تبلغ عندهم غيرها، فما ذهب إليه هنا أسَدُّ مما ذهب إليه هنالك.
وفَعْلاً اسماً وفَعِيلاً وفَعَلْ غيرَ مُعَلِّ العين فُعْلانُ شَمَا
فَعْلاً: منصوب على المفعولية بقوله آخراً: "شَمَل"، أي: شمل فَعْلاً وكذا وكذا.
ومعنى شَمَلَ: عَمَّ، تقول: شَمَلَهم بالعطاء أو بالدعاء: إذا عمَّهم به.
فلا يكون إلا في متعدِّد.
واللغة الشُّهرَى فيه
شَمِلَ - بالكسر - يَشْمَلُ.
وفيه لغة ثانية: شَمَلَهُم - بالفتح - يَشمَلُهُم - بالضم - ولم يعرفها الأصمعي فيما قالوا.
ويحتمل أن يكون الناظم أتى بشَمَلَ على هذه اللغة، لأن الأخرى يلز فيها السِّنادُ على مذهب الخليل، وذلك باختلاف بالتوجيه، وهي حركة ما قبل الرَّويِّ المقيد، والمنع هنا أشد؛ لأنه فتح مع كسر، وقد أجاز ذلك بعض أهل القوافي، فعليه يمشي كلام الناظم إن كان أتى بشَمِلَ من أبنية المفردات أن يجمع عليه قياساً ثلاثة أبنية: فَعْلٌ - بفتح الفاء وفَعِيلٌ، وفَعَلٌ - بفتح الفاء والعين -، فأما فَعْلٌ فقيَّده بالاسمية فلا يكون عنده قياساً في الصفة، فلا تقول في كَهْلٍ: كُهْلان، ولا في صَعْبٍ: صُعْبَان، إلا ما ندر كقولهم: وَغْدٌ ووُغْدانٌ.
وإنما يجمع على فُعْلان الاسم فتقول في ظَهْرٍ: ظُهْران، وفي بَطْنٍ: بُطْنَانٌ.
وفي تَمْرٍ: تُمْرانٌ، وفي عَبْدٍ: عُبْدان.
وهو أيضاً لم يقيد بصحة واعتلال، فيجري حكمه في الصحيح / (كما مثَّل، وهو صحيح) وفي المعتل
والمضاعف أيضاً، وهو غير صحيح؛ فإن المعتل العين بالواو بابه في الكثير فِعَال، وهو قليل في ذي الياء والكثير فيه فُعُولٌ.
وقد تقدم ذلك.
وكذلك في المضاعف، ولم أر من ذكر في المعتل هنا فُعلان لا قياساً ولا سماعاً، وإنما حُكي في ذي الواو فِعْلان - بكسر الفاء - نحو: ثَورٍ وثِيرانٍ، وقَوْزٍ وقِيزَانٍ.
فهذا الإطلاق فيه ما ترى!.
وأما "فَعيِلٌ" فداخل تحت قيد الاسمية، لأنه عطفه على فَعْلٍ، وهو مقيد.
وكذلك فعَلَ في التسهيل - أعني أنه قيَّده بالاسمية - وهو صحيحٌ، فإنه إذا كان صفة لم يجمع على فُعْلان قياساً، فإن جاء منه شيءٌ فمسموعٌ، وذلك نحو: ثِنِيٍّ وثِنْيانٍ، وشَجيعٍ وشِجعانٍ، وبعيدٍ وبُعدانٍ، وقريبٍ قِربانٍ، (يقال: فلانٌ من بُعدانِ الملك أو من قربانه).
فإذا كان اسماً جاز القياس، سواءٌ أكان معتلاً أم مضاعفاً أم لا، فتقول: رُغيفٌ ورُغفانٌ، وقضيبٌ وقُضبانٌ، وكثيب وكُثبانٌ، وصليبٌ وصُلبان، وعسيبٌ وعُسبان، وجريبٌ وجُربانٌ.
وفي المعتل:
سَرِيٌّ وسُريانٌ، وقَرِيٌّ وقُرْيانٌ.
وفي المضاعف: حَزِيزٌ وحُزَّانٌ.
وأما فَعَلٌ فداخل أيضاً تحت قيد الاسمية لعطفه على ما هو مقيد بها، ونص على ذلك في التسهيل أيضاً، فلو كان صفة لم يجز جمعه على فُعْلان، فإن جاء من ذلك شيء فهو موقوفٌ على محله، قالوا: ثوبٌ خَلَقٌ وجمعوه على خُلْقان.
وقالوا: جَذَعٌ وجُذْعانٌ.
وأما الاسم فهو الذي له هذا الجمع لكن شَرَطَ فيه زيادة على الاسمية صحة العين، وذلك بقوله: "غيرَ معتلِّ العين".
وهو حالٌ من "فَعَل" وحده، أي: شِمَل هذا الجمع فَعَلاً حال كونه غيرَ معلِّ العين، فلو اعتلَّت عينه فلا يجمع هذا الجمع، لأنه إن كان مذكَّراً فقد ثبت له فِعْلان كما تقدَّم، وإن كان مؤنثاً فإنما له فُعْلٌ.
وقد مر أيضاً هذا،
فإذا صحت العين فحينئذ يسوغ القياس، فتقول: حَمَلٌ وحُمْلانٌ، وسَلَقٌ وسُلْقانٌ، وذَكَرٌ وذُكْرانٌ، ونحو ذلك.
وما قاله في فَعَلٍ من القياس هو قوله في التسهيل، وغيره يجعله سماعاً، وقد جعله / سيبويه في طبقة فِعْلان في الصحيح، إذ قال منبهاً على قلتهما: "وقد يجيء إذا جاوز أدنى العدد على فُعْلانَ وفِعْلانَن فأما فِعْلانُ فنحو: خِربانٍ وبِرقانٍ ووِرلانٍ، وأما فُعْلانَ فنحو: حُمْلانٍ وسُلْقانٍ".
فمن الغريب كونُ الناظم فرَّقَ بينهما فجعل فِعْلانَ سماعاً حين قال قبل هذا: "وقلَّ في غيرهما" وجعل فُعْلانَ قياساً، فكان الأولى أن يعتمد على رأيٍ واحد فيهما، إما إجراءُ القياس كما فعل في التسهيل، وإما بالوقوف عندما سُمِعَ كالجماعة.
فهذا اضطرابٌ، إلا أن يكون استقرأ في فُعْلانَ كثرةً لم يجدها في فِعْلانَ.
وهذا بعيدٌ، والله أعلم.
ولِكَريمٍ وبخيلٍ فُعَلا كَذَا لِمَا ضاهاهُمَا قد جُعِلا
وناب عنه أفعلاءُ في المعَل لاماً ومُضْعَفٍ وغيرُ ذاك قَل
يعني أن فُعَلاء الممدود بناءُ جمعٍ جُعِلَ لما كان من الصفات على شاكلة كريمٍ وبخيلٍ ونحوهما، فهو جمعٌ لذلك في القياس، وذلك أن هذين المثالين يعطيان بقوتهما التنبيه على ما كان من المفردات صفة لمذكر عاقل على فَعيلٍ بمعنى فاعِلٍ.
فهذه خمسةُ أوصاف، وينضاف إليها كون تلك الصفة صحيحة اللام غير مضاعفة، وذلك من قوله إثر هذا:
وناب عنه أفعلاءُ في المعل لاماً ومضعف.........
فالجميع سبعةُ أوصاف:
أحدها: أن يكون صفة، فإنه إن كان اسماً فقد تقدَّم حكمه قبل هذا الفصل، وأنه فُعْلانُ.
والثاني: أن تكون تلك الصفة لمذكر، فإن كانت لمؤنث نحو: كريمةٍ وبخيلةٍ، فقياسها الجمع على فَعَالٍ وفعائِلَ، كما تقدم، وكما سيُذكر إن شاء الله.
والثالث: أن يكون المذكر عاقلاً، فإنه إن كان غير عاقل لم يجمع هذا الجمع، فلا يقال في نحو كبشٍ سمينٍ: سُمَناءُ، ولا في
هزيل: هُزَلاءُ، ولا نحو ذلك.
والرابع: أن تكون الصفةُ على فَعِيلٍ، فإنها إن كانت على غير فَعِيلٍ لم يكن فيها فُعَلاءُ قياساً، كفاعلٍ مثلاً في قولهم: شاعِرٌ وشُعَراءُ، وعالمٌ وعُلَماءُ، هكذا يجمعَ من يقول: عالِم، على ما نبه عليه سيبويه، وأمثلة غير هذه ينبه عليها إثر هذا إن شاء الله عند قوله: "وغير ذاك قَلّ".
والخامس أن يكون فَعِيلٌ بمعنى / فاعِل، وهو الذي يدل عليه المثالان، فإنهما بمعنى فاعِلٍ، فلو كان بمعنى مفعولٍ لم يجمع هذا الجمع، بل قد تقدم حكمه التي تُذكر إثر هذا.
والسابع: كونها غير مضاعفة، فإن ضوعِفت لم تجمع على فُعَلاء قياساً.
ولا بد مع هذا من وص ثامنٍ معتبر له ينبِّه عليه هاهنا، وإنما نبه عليه قبل هذا، وهو كون الصفة صحيحة العين، فإن المعتلة العين مختصة بفِعَال نحو: طَوِيلٍ وطِوَالٍ، وقويمٍ وقِوَامٍ.
وذكر ذلك في
فصل فِعَال فلم يحتج إلى التنبيه عليه.
فإن قلتَ: هو وإن ذكره هناك فلا يبعُدُ أن يفهم له حصول الجمعين لمعتل العين: فِعَالٌ وفُعَلاءُ، كما كان ذلك في أمثلة كثيرة كفَعْلٍ وفِعْلٍ وفَعَلٍ ونحو ذلك.
وإذا كان هذا موهِماً كان مشكِلاً، لأن المعتل العين مقتصر على فِعَالٍ خاصَّةً، نص على ذلك سيبويه وغيره.
فالجواب: أن الناظم قد بيَّن اختصاصه بفِعَالٍ إذ قال:
......... والزمْهُ في نحوُ طويلٍ وطويلةٍ تَفِي
فلا اعتراض عليه، فأما إذا استُوفيت الأوصاف فيجوز الجمعُ فتقول: كريمٌ وكُرَماءُ، وظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء، وفقيهٌ وفقهاء، ونبيهٌ ونُبَهَاء، وفقير وفقراء، وبخيل وبخلاء، وحليم وحُلَمَاء، ونحو ذلك.
وقوله:
كذا لما ضاهاهُمَا قد جُعِلا
يعني أن فُعَلاءَ قد جُعِل أيضاً لما شابه كريماً وبخيلاً في أوصافه المتقدمة، وفسَّرهُ ابنُ الناظم بمعنى آخر، وهو أن قال: "وكثُرَ - يعني فُعَلاء - فيما دلَّ على مَدح أو ذَمِّ كعاقلٍ وعُقَلاءَ، وصالحٍ وصُلَحَاءَ،
وشاعرٍ وشعراء".
قال: "وإلى هذا الإشارة بقوله:
كذا لما ضاهاهُمَا قد جُعَلا"
يعني أن نحو صالحٍ وعاقلٍ وشاعرٍ مشابهٌ لنحو كريمٍ وبخيلٍ في الدلالة على معنًى هو كالغزيرة".
قال: "فهو كالنائب عن فَعِيلٍ فلهذا جرى مجراه".
(هذا ما قاله ابن الناظم)، فالمضاهاة عنده ليست في الأوصاف اللفظية، وإنما هي من جهة المعنى.
وجرى بهذا التفسير على طريقة أبيه في التسهيل حيث قال: "وحمل عليه - يعني على فَعِيلٍ المذكور - خَلِيفةٌ، وما دل على سجيَّةِ حَمْدٍ أو ذمٍ من فَعَالٍ / أو فُعَالٍ أو فاعل" ومثال ذلك: جَبَانٌ وجُبَنَاءُ، وشجاعٌ وشُجَعَاءُ، وصالحٌ وصُلَحَاءُ.
وهو تفسيرٌ صالح إلا أنه يبقى فيه صحة القياس في هذا المحمول.
فإن أراد الناظم بقوله: "قد جُعِلا" يعني قياساً، فليس كذلك إلا في فُعَالٍ المضمومِ الفاء من
حيث هو مرادفُ فَعِيلٍ، تقول: طويلٌ وطُوالٌ، وخفيفٌ وخُفَافٌ، وبعيدٌ وبُعَادٌ، وشجيعٌ وشجاعٌ، وكبيرٌ وكُبَارٌ، وعجيبٌ وعُجَابٌ.
قال سيبويه: "وفُعَالٌ بمنزلة فَعِيلٍ لأنهما أختان".
وأما فاعلٌ ففُعَلاءُ فيه قليلٌ عند سيبويه وغيره.
وأما فَعَالٌ فهو عندهم مما ندر فيه فُعَلاءُ، فكيف يجعل مثل هذا قياساً؟ ! فالظاهر إن كان أراد ما قاله ابنُهُ أنه يريد ما جاء مسموعاً، وإلا فيقع البحث فيما قال، فلا يتخلص كلامه عن الاعتراض، فتأمل ذلك.
ثم في هذا التمثيل نظرٌ من وجهين:
أحدهما: أنه أتى بمثالين مماثلين يفيدان مقصوداً واحداً، وهو متحر للاختصار كما مر في أثناء الشرح، فكان الأولى به أن يقتصر على أحدهما لإفادته المقصود وحده.
والثاني: أنه ترك من فَعِيلٍ المجموع قياساً على فُعَلاء ما كان بمعنى مُفعَلٍ وبمعنى مفاعِلٍ، وكل واحد منهما عنده يقاس فيه، نص
على ذلك في التسهيل، فمثال مُفْعِلٍ: نَبِيءٌ - على لغة مَن هَمَزَ - وجمعُهُ: نُبَآء، قال الشاعر:
يا خاتم النُبَآءِ إنكَ مرسلٌ بالحقِّ كل هدى السَّبيلِ هُدَاكا
ومثال مُفاعِلٍ: نديمٌ ونُدَماءُ، وجليسٌ وجُلَساءُ، وخليطٌ وخُلَطاءُ.
وهذان لا يدخلان تحت تمثيله بكريم وبخيل، إذ ليس واحد منهما بمعنى مُفْعِلٍ ولا بمعنى مُفاعِلٍ، وإذا كان كذلك كان تطويلُهُ بالمثال الثاني تقصيراً.
وهذا الاعتراض الثاني إنما هو مبني على الأول في القصد، فإن كثيراً من الجموع يجمع عليها ما لم ينبَّه عليه، ويكون ذلك قياساً إما عنده على ما نص عليه في التسهيل اختياراً له، وإمَّا عند غيره.
وإذا تتبَّعْتَ ذلك في كلامه وجدتَه، ولم أكن لأُورِدَ عليه الاعتراض بما نقصه من ذلك لكون هذا المختصر لا يحتمله، إذ لا يتأتى فيه الاستيفاء، ولا قصد الناظم ذلك، وإنما جيء بالاعتراض هنا / بالنقص من جهة أنَّه كان قادراً على أن يأتي بمثالٍ وكان المثال الثاني يشير به إلى معنى مُفْعِلْ أو إلى معنى مُفاعِلٍ، فيقول: "ولِكَرِيمٍ
ونَبِيءٍ"، أو يقول: "ولِكَريمٍ وجَلِيسٍ" فيعطى زيادةَ معنًى وتمامَ فائدةٍ.
ثم قال:
وناب عنه أفْعِلاءُ في المعل لاماً ومُضْعَفٍ............
يعني أن أفعِلاءَ من أبنية الجمع نابَ عن فُعَلاء في موضعين:
أحدهما: حيث كان لامُ فَعِيلٍ الصفةِ معتلاً، وذلك قوله: "في المعلِّ لاماً" ولاماً: منصوبٌ على التمييز المنقول من الفاعل، وأصله: المعلِّ لامُهُ.
فتقول في وليٍّ: أولياء، وفي نبيٍّ: - عند من لا يهمز -: أنبياء، وفي سَرِيٍّ: أسرياء، وفي صفيٍّ: أصفياء، وفي غنيٍّ: أغنياء.
وفي غويٍّ: أغوياء.
وما أشبه ذلك.
وإنما نابَ أفعلاءُ هنا عن فُعَلاءَ لأنهم مما يكرهون تحرك حروف العلة وقبلها فتحةٌ، ولذلك كان حكمها ألا تبقى على حالها، وأن تقلب ألفاً على ما يتبيَّن في التصريف إن شاء الله، مع أن لهم مندوحةً عن ذلك، وهو الجمع على أفْعِلاءَ، فاقتصروا عليه.
هذا معنى تعليل سيبويه، ولأجل التنبيه على هذه العلة أتى الناظم بلفظ النيابة؛ إذ كانت النيابة تؤذن بعلةٍ لأجلها تُرِكَ الأصل، وهو ما ذُكِرَ.
الموضع الثاني من موضعي النيابة: المضاعف، وهو الذي أراد
بقوله: "ومُضْعُفٍ".
فأتى به من "أضْعَفَ".
وعادةُ النحويين الإتيان به من "ضاعَفَ" وإنما خلافهم للضرورة، مع أن المعنى فيهما واحدٌ، يقال: ضَعَفْتُ الشيء وأضعفتُهُ، وضاعفتُهُ، بمعنى.
فإذا كان فَعِيلٌ مضاعفاً - أي: متماثل العين واللام - فإنه ينوب فيه أفْعِلاءُ عن فُعَلاءَ، فتقول: شديدٌ وأشِدَّاءُ، وشحيحٌ وأشحَّاءُ، وعزيزٌ وأعزَّاءُ، ولبيبٌ وألبَّاءُ، وحبيبٌ وأحِبَّاءُ، وطبيبٌ وأطبَّاءُ" ونحو ذلك.
ووجه الهروب عن فُعَلاءَ أنهم كرهوا فُعَلاءَ لاجتماع المِثلين لو قالوا: شُدَداءُ وشُحَماءُ، وعُزَزاءُ، ولا يمكن إدغامه ليخفَّ اللفظ به، لأنه فُعَلٌ، وفُعَلٌ ليس على وزن الفعل كدُرَرٍ وطُرَرٍ وقُلُلٍ.
فإن قيل: لعل هذا حكمٌ مختص بالثلاثي غير المزيد - أعني امتناع الإدغام - بخلاف المزيد فإنه يمككن فيه الإدغام، وإنما المانع المحقق أنهم لو قالوا في المضاعف /: فُعَلاءٌ لكان يصير إلى مثال ما ينصرف، لأنه ليس في الكلام فُعَلاءُ إلا مصروفاً، فعدلوا عنه، لأنهم لو
جمعوه على فُعَلاءَ للزم الإدغام وسكون الحرف الأول من الحرفين فتقول: شُدَّاءٌ، فيأتي على مثال ما ينصرف، فيلزمُ صرفه.
فالجواب: أنَّ هذا التعليل علَّلَ به ابن خروف، وليس بتعليل سيبويه، وإنما تعليلُ سيبويه ما تقدم من كراهية التضعيف.
وكذلك قال السيرافي: أنهم رهوا فُعَلاءَ لتكرير حرف غير مدغم، وبه يلزم لو جمع على شُدَدَاءَ، وهو مستثقلٌ.
وردَّ ابنُ الضائع تعليلَ ابن خروف وزعمه أن الإدغام يجب بأنه فُعَلٌ، وفُعَلٌ لا يُدغم.
وأجاب عن الاختصاص بالثلاثي بأن سيبويه قد نص على أنك لو بنيت فُعَلانَ من رددتُ لقلتَ: رُدَدَان ولم تدغم، قال: لأنه فُعَلٌ زيدت عليه الألف والنون.
قال: والدليل على ذلك قولهم: خُشَشَاءُ.
قال ابن الضائع: وهذا نصٌّ في محل النزاع.
قال: فهذه سقطةٌ من ابن خروف؛ لأنه خالف العرب والإمام.
قال: وكأنه أراد أن يغرب بذلك التعليل فوقع كما ترى.
ثم قال الناظم: "وغيرُ ذاك قَلَّ" ذاك: إشارة إلى جميع ما تقدم في أفْعلاء وفُعَلاءَ، فنرجع عليه بالتنقير فنقول:
أما ما خالف قيد الوصفية فقولهم: نَصِيبٌ وأنصِبَاءُ.
وقلَّته من
وجهين، من هذا، ومن كونه غير معتل اللام ولا مضاعف، جُمِعَ على أفعِلاء.
وأما ما خالف قيد الوزن فقولهم: هَيِّنٌ وأهْوِنَاءُ، وكذلك: سَمْحٌ وسُمَحاء، وخِلْم - بالخاء المعجمة - وخُلَماء، ورسولٌ ورُسَلاء، ووَدُودٌ، وُدَدَاءُ، وحَدَثٌ وحُدَثَاء.
وقد تقدم في ما نحو شاعر وشعراء، وعالم وعلماء، وجبان وجبناء، وشُجَاعٍ وشُجَعَاء، وبُعادٍ وبُعَدَاءَ.
وأما ما خالف قيد كونه بمعنى فاعلٍ فقولهم: أسيرٌ وأُسَراءُ، وظَنينٌ - بالظاء المشالة - وأظِنَّاء.
وفي هذا أيضاً ما يقتضي أن فَعِيلاً بمعنى مُفْعَلٍ أو مفاعل سماعٌ.
وهو خلاف ما ذكر في التسهيل، والظاهر أنه قياس كما قال هنالك.
وقد يقال: إن الاعتراض بالذي في معنى مفاعل لا يلزم؛ لأنه راجع إلى معنى فاعل.
/ وأما إذا كان بمعنى مُفْعَلٍ فهو قليل فلم يعتبره، ويكون تكراره للمثال أولاً في قوله: "ولِكَريمٍ وبخيلٍ" تنبيهاً على أن الاقتصار على ذلك المعنى وحده مقصود لرجوع ما كثر إلى معنى فاعلٍ، ولإخراج معنى مُفْعَلٍ