فحذفتَ الميم والسين، لكان على مثالٍ موجودٍ وهو تفاعِلُ نحو تناضِبَ، لكن الميم ذهبت وهي دالة على بنية الفاعل أو المفعول، فإذا حُذفت اختلت بنيته من حيث هي لاسم فاعل أو مفعول، وأيضاً فإنها حرف معنى، وقد قال:
والميمُ أولى من سواه بالبقا
وهو المرجح الثاني، لكون الميم دالة على معنى اسم الفاعل أو المفعول، وما دل على معنى أولى بالإثبات مما ليس كذلك.
فإن قلتَ: لِمَ قال: "والميمُ أولى من سواه"، وقد فُهِمَ له ذلك من تعيينه ما يحذف من مسْتَدْعٍ؛ إذ قال:
والسينَ والتا من كمُسْتَدْعٍ أزِلْ
أن الميم تثبتُ ولا بدَّ، فالظاهر أن هذا الكلام فضلٌ لا يُحتاج إليه؟
فالجواب: أن ذلك ليس بحشوٍ، بل هو مفيدٌ لفوائدَ:
إحداها: التنصيص على بقاء الميم بخصوصها، إذ لو لم يذكر ذلك لفهم من العلة جواز حذف الميم مع السين وإبقاء التاء، لأن ذلك أيضاً لا يخل ببناء الجمع لبقائه على تَفاعِلَ، وذلك موجودٌ، فكان يكون قوله: "والسينَ والتا أَزِلْ" غير مقصودٍ في نفسه.
وهذا
خطأٌ في نفسه، إذ زوالهما يتعين لِمَا قال من الإخلال بالبِنية، ولوجهٍ آخرَ وهو حذف المعنى من غير فائدة ولا ضرورة، فلذلك نص على إثبات الميم.
والثانية: التنبيه على الترجيح بالدلالة على معنى، لأنا لو فرضنا أنه يُفهم مما تقدم بقاء الميم لم يُعَين لابقائها معنًى زائد على ما ذكر من الإخلال، بخلاف ما إذا نص عليها فإن الفهم ينصرف إلى وجه خلاف ما تقدم، وهذا هو / الدلالة على المعنى، وقد تقدمت أمثلة ذلك.
والفائدة الثالثة: أنه نص على ذلك ليدخل له بالمعنى كل ميم موجودة أول الكلمة دالة على معنى، فتقول في مُقتَدِرٍ: مقادِرُ، وفي منطَلِقٍ: مطالِقُ، وفي متكاسِلٍ: مكاسِلُ، ونحو ذلك، ولا تعكس الأمر.
والفائدة الرابعة: الإشارة إلى قَصْرِ حرف المعنى على الميم رداً لاختيار المبرد في ألف التأنيث في حُبَارى، إذ زعم أنها لمعنًى فتثبت دون الألف الأولى، فكأنه يَرُدُّ على المبرد إما بكون ألف التأنيث ليست بحرف معنى، وإما بكون معناها لا يعتبر أخذاً بقياس
سيبويه للألفين على حرفي الإلحاق في حَبَنْطًى ونحوه.
المرجح الثالث: السبقيَّةُ، وذلك قوله:
والهمزُ والياء مثلُهُ إن سَبَقَا
يعني أن الهمزة والياء مثلُ الميم في كونهما أحقَّ وأولى بالبقاء من غيرهما، كما كانت الميم أولى بالبقاء من غيرها، إن كانت الهمزة والياء قد سبقتا غيرهما من الزوائد، ومثال ذلك ما تقدم من أَلَنْدَدٍ ويَلَنْدَدٍ، وأَلَنْجَجٍ ويَلَنْجَجٍ، فالهمزة والياء أولى بالإثبات لمرجِّحِ السبقية.
فإن قلتَ: لِمَ عيَّنَ هذين الحرفين والترجيحُ بالسبقية عام في كلام النحويين، إذ لا يُعينون ذلك في همزة أو ياء ولا غيرهما، بل يطلقون القول إطلاقاً، فكلام الناظم مخالف لكلامهم.
فالجواب: أن ما قاله الناظم صحيح، وذلك لأن الترجيح بالتقدم لا تكاد تجده إلا في هذين المثالين، لاتفاق حرفي الزيادة في كونهما في الكلمة للإلحاق، وليس في أحد الموضعين مرجِّحٌ إلا بالتحرك، وهو مرجِّحٌ ضعيف، وأما غير هذين فقد يقع السبق ولا يحصل الترجيح به، كما قالوا في خَفَيدَدٍ، فعينوا إبقاء الدال مع إمكان ترجيح الياء
بالتقدم، ولا أقل من أن يكون التقدم مكافئاً لكون الدال ليس من حروف سألتمونيها، فكان يكون محل تخيير كما خيروا بين نون حنبطًى وألفه، إذ تكافآ بسبقية النون وتحرك الألف، فكون النحويين لم يقولوا ذلك في خَفَيدَدٍ دليل على عدم اعتبار السبقية وحدها اعتباراً مطلقاً كغيرها، أو لا ترى إلى تخييرهم في عَفَرْنًى بين حذف النون والألف، وكلاهما ملحَقٌ ومتحرك، وانفردت النون بمزية السبق، ثم لم يجعلوا ذلك مؤثراً، بل قالوا: العَفَارَى / والعفارِنُ على الجواز.
وإذا استقرأتَ أكثر مسائل الباب وجدتَ الترجيح بالتقدم تابعاً لغيره، وأما هذان الحرفان فيظهر للتقدم فيهما مزية، فلذلك عينها.
ووجه ذلك - والله أعلم - أن مجرد سبقية أحد الحرفين للآخر ليست هي المعتبرة وحدها، بل السبقية أو الكلمة ما لم يعارض معارضٌ أقوى، لأن أول الكلمة محلٌ لوقوع حروف المعاني كهمزة التعدية، وحروف المضارعة، وكالميم الدال على الفاعل والمفعول، ولذلك قالوا في إستبرق: أبارِقُ وأُبَيرقٌ، وهو داخل تحت نظم الناظم، لموافقته أفاكِلَ مع وقوعه موضع الميم من اسم الفاعل؛ لأن أصله الفعل.
وهذه السبقية هي التي أراد الناظم، إذ لم يرد مجرد
السبقية على الزائد الآخر، وإنما أراد التقدم أول الكلمة، فهذا ممكن في توجيه هذا الموضع.
المرجّحُ الرابع: كون أحد الزائدين لا يًغني حذفه عن حذف غيره، وهو قوله:
والياءَ لا الواوَ احذفِ انْ جَمَعْتَ ما
كحيزبونٍ..................
"الياء": مفعولٌ بـ "احذف"، و "ما": موصولة صلتها بالمجرور بالكاف.
يريد أن ما كان من الأسماء مثل حيزبون في كونه سداسياً ذا زائدين، أحدهما لين قبل الآخر، فإنك إذا أردت جمعه فحذفت الياء الأولى، ولا تحذف الواو أصلاً، فتقول: حزابين.
ومثله عيطموس تقول فيه: عطاميسُ، فتحذف الياء، وفي عيضموزٍ: عضاميزُ، وفي عيسجورٍ: عساجيرُ، وفي خَيْسفوجٍ: خسافيجُ، وفي خيْتَعُورٍ: ختاعير.
وكذلك تقول في خَنْقَقِيقٍ: خفاقيقُ فتحذف النون، وفي خنشليلٍ: خشاليلُ، وفي منجنيق: مجانيقُ، وفي عنتريس: عتاريسُ.
وكذلك تقول في الجِحْنِبَار: جحابيرُ.
فتحذف النون أيضاً،
وفي جِعْنِبَار: جعابير، وفي فِرِنْدَادٍ: فراديدُ.
ولا يجوز: حذف الحرف الذي قبل الآخر ويترك الأول لقوله: "فهو حكمٌ حُتِمَا"، أي حذف الأول، ووجه هذا الانحتام ما تقدم من أنه لو حذف الثاني لم يُغنِ حذفه عن حذف الأول، إذ كانت بنية التكسير لا تقوم بحذف الثاني وحده، وتقوم بحذف الأول وحده.
والحيزبون في كلامه معناه: العجوز.
هذه جملة ما ذكر من المرجحات، وعليه فيها نظر، وهو أنه وقع له فيما ذكر تكرار لا يحتاج إليه، وترك ذكر ما يحتاج إليه.
أما وقوع التكرار فلأن هذا المرجح الأخير إنما / اعتبر لعدم قيام بنية التكسير كما ذكر آنفاً، وهذا المعنى راجع إلى ما ذكر أولاً، ألا ترى أنك لو حذفت واو "حيزبون" وحدها لقلت: حيازِبْنُ، فوقع بعد الألف ثلاثة أحرف ليس ثانيها مدة، كما أنك لو تركت السين والتاء من مُسْتَدْعٍ أو حذفت واحداً لم تقُم بنية التكسير، فلا فرق بين هذا وذاك في محصول الأمر.
وأما تركه ما يحتاج إليه فإنه ترَكَ من مشهور ما ذكر الناس ثلاثة أشياء: التحرك، ومقابلة الأصول، والخروج عن حروف سألتمونيها،
وترك ذلك يوهم القول بأشياء لا يقول بها من عدم اعتبار هذه الأمور في التكسير، وقد اعتبروها على ما تقدم في بيانها.
والجواب عن الأول: أن النوعين، وإن كانا يرجعان إلى شيء واحد، قد ذكرهما النحويون على انفراد كل واحد منهما، فاتبعهم في ذلك.
وعن الثاني: أن هذا النظم ليس قصده الاستيفاء، وإنما قصده الإتيان بالجليل من الأحكام، والمشهور منها، والتنبيه على جملة من المسائل.
وأيضاً فالتي ذكَرَ هي الضروريات في الموضع أو ما يقرب منها، وأما ما ترك فليس مثل ذلك، والله أعلم.
وقوله: "والسينَ والتا من كمُسْتَدْعٍ"، أدخل حرف الجر على الكاف، وذلك لا يكون إلا في الضرورة، إذ لا يقال: مررت بكالأسد، ولا: ركبت على كالطير، ولكن لما كانت الكاف تعطي معنى مثل عوملت معاملته، كأنه قال: من مثل مُسْتَدْعٍ، ومثله في الشعر قول ابن عادية السلمي:
ورَعْتُ بكالهراوةِ أعْوَجِي إذا وَنَتِ الركابُ جرى وتابا
وقال امرؤ القيس، ويروى لعمرو بن عمار الطائي:
ورُحْنا بكابِن الماء يُجنَبُ وسطُنا تَصَوَّبُ فيه العين طوراً وترتقي
وقال خطام المجاشعي أنشده سيبويه:
وصالياتٍ كَكما يؤثفينْ
وفيه كثرةٌ في الشعر.
وقوله: "إذ بِبِنَا الجمع"، أراد "ببناء" فقَصَر.
وهذه عادته في أكثر هذا النظم، ومنه في هذين الشطرين ثلاثة مواضع، وهو قياس في الشعر.
والحرف الجار متعلق بـ "مخلّ".
وقد مرَّ له من هذا النوع من
تقديم معمول الخبر على المبتدأ مواضع كثيرة.
وقوله: "من سواه" بإدخال الجار على سوى / على رأيه في تصرُّف سوى.
وهاء "سواه" عائد على "الميم"، وهو يذكَّر ويؤنث.
وكذلك الضمير في "مثله" للميم أيضاً.
والألف في "سَبَقَا" ضمير التثنية عائد على الهمز والياء.
ثم ذكر موضع التكافؤ بين الزيادتين فقال:
وخيَّروا في زائدي سَرَنْدَى وكل ما ضاهاه كالعَلَنْدَى
يعني أن النحويين جعلوا الحرفين الزائدين في هذا الاسم الذي هو سرندى مخيراً فيهما، فيجوز لك حذف النون دون الألف، ويجوز حذف الألف دون النون، فتقول على الأول: سرانِدُ، وتقول على الثاني: سرادٍ، وكذلك ما ضاهاهما وأشبهه مثل العلندى، فلك أن تقول فيه: علانِدُ وعلادٍ، ومثل حبنْطًى، تقول: حبانِطُ إن شئت وحباطٍ.
وكذلك العَكَنْبَى، والقرْنَبى، والدلَنْظَى، والسَّبَنْدَى،
والسَّبنْتَى، وما أشبه ذلك.
وهذه الأسماء كلها مما وقعت النون والألف فيهما ملحقتين معاً فاستوتا في هذا الوصف، قالوا: لكن رَجَحت النون بالتقدم، ورَجَحت الألف بتقدير الحركة فتكافأتا، فصارتا في الحذف والإثبات سواء، فصار الحاذف مخيراً.
فالوصف الخاص بهذين المثالين اللذين مثل بهما الناظم أن الحرفين معاً فيهما لقصد واحد وهو الإلحاق، وليس أحدهما خارجاً عن حروف "سألتمونيها"، فاستويا في ذلك، ولم يرجح أحدهما على الآخر بوجه من الترجيح إلا والآخر قد ترجح بوجه آخر، فيلحق بهما ما كان في معناهما، فمن ذلك قلنسوة، أنت مخير في أن تقول: قلانِسُ فتحذف الواو، أو قلاسٍ فتثبتها، ومع أن النون ترجُح بالتقدم والواو بالتحرك.
ومن ذلك عند سيبويه حُبَارَى كما تقدم، ووجه التخيير في الألفين بأنهما زيادتان متساويتان في أنهما ليسا للإلحاق، كما استوت الزيادتان في حَبَنْطَى في أنهما للإلحاق تساويا في حكم التخيير.
ويلحق بهذه المسائل غيرها، والحكم فيها موكولٌ إلى نظر الناظر في الترجيح، ولكن أكثر ما يكون التخيير فيما أشار إليه الناظم.
والسَّرندى من الرجال: الشديد، ويقال: الجريء، والأنثى سَرَنْداةٌ.
وأنشد يعقوب عن أبي عمرو لأبي مساوِرٍ الفَقْعسي:
سرينا وفينا صارم متغطرس سرندى خشوفٌ في الدجى مؤلِفُ / القَفْرِ
وقال رؤبة:
كل سَرَنْداةِ السُّرى نَعُوفِ
بَوَّاعةٍ أو بَشَكَى زَيُوفِ
والعلندى: الجمل الضخم، والأنثى علنداةٌ.
وقال الأصمعي: العلندى الغليظ من كل شيء، وقال ذو الرمة:
فعاجا علندى ناجياً ذا بُرايةٍ وعوَّجْتُ مِذْعَاناً لَمُوعاً زِمَامُهَا
والعلندى أيضاً: نبتٌ.
قال عنترة:
ستأتيكمُ مني وإن كُنْتُ نائياً دخانُ العلندى دون بيتي مِذْوَدُ وقد انتهى كلامه في الجموع، وسقط له منه معنى ضروري التنبيه عليه، وهو بيان التعويض قبل الآخر مما حذف من الاسم لإقامة بنية التكسير، لكن سيأتي التنبيه على ذلك بعد هذا في باب التصغير، فثمَّ ذكر هذا الحكم، وبالله التوفيق.