وسبب منعها للإمالة أنها حرف مكرر كأن حرفان للتكرير الذي فيه فإذا قلت راشد أو راجل فكأنك تكلمت براءين مفتوحتين وكذلك إذا قلت حمار أو بدار فكأنك قد تكلمت براءين مضمومتين فلما كانت كذلك قويت على نصب الألفات ومنعت الإمالة وتنزلت منزلة الحرف المستعلي إذا كانت مفتوحة أو مضمومة كما أنها لتكريرها إذا كانت مكسورة كفت المستعلي عن منع الإمالة فأميلت الألف نحو قارب وضارب وغارم وطارد وصارف وما أشبه ذلك لأن المكسورة في تقدير كسرتين فقوي بها موجب الإمالة فقلبت المستعلي وسيأتي ذلك وتنبيه الناظم عليه
وأما إذا كان سبب الإمالة غير ظاهر فمقتضى كلامه أن حكم الراء حكم المستعلي أيضا فلا تمنع الإمالة فتقول راش وارب وسار وكذلك سرى وجرى وذكرى وحسرى وما أشبه ذلك فتجري في الإمالة مجراها فلو لم تكن راء ولا حرف استعلاء وذلك صحيح أيضا لما تقدم ذكره
وحذف مفعول «تَكُفُّ» الثاني للعلم به وهو المظهر من الكسر أو الياء وهذا الحكم المذكور جملي وأما التفصيل فهو قوله «إِنْ كَانَ مَا يَكُفُّ بَعْدُ مُتَّصِلْ» يعني أن حكم الكف ثابت لهذه الحروف إذا تأخرت عن الألف أو إذا تقدمت فالحكم فيها واحد لكن ليس كل مستعل متأخر عن الألف يكف إمالتها ولا كل متقدم عليها بل لا بد من تحديد ذلك وتقييده فأما المتأخر من حروف الاستعلاء فإنه يكف إذا وقع في ثلاثة مواضع: [169]
أحدهما أن يلي الألف متصلا بها وذلك قوله «إِنْ كَانَ مَا يَكُفُّ بَعْدُ مُتَّصِلْ» أي إن كان الكاف بعد الألف متصلا بها فقوله «بَعْدُ» يعم المتصل بها والمنفصل عنها
وقوله (مُتَّصِلا) بيان لتلك البعدية مثال المتصل عاصم وعاضد وعاطس وعاظل وداغِل وناقد وناخل وما أشبه ذلك
والثاني أن لا يلي الألف ولكن يفصل بينهما حرف واحد وذلك قوله «... أَوْ بَعْدَ حَرْفٍ» والتقدير أو كائنا بعد حرف وهو عطف على «مُتَّصِلْ» لأنه منصوب وإنما وقف عليه على لغة
جعل القين على الدف إبر
ويعني أن الكف ثابت أيضا إذا وقع الحرف الكافُّ بعد حرف متصل بالألف ومثاله ناكص وناهض وشاحط وواعظ ونابغ ونافق ونافخ ونحو ذلك قال سيبويه «لم يمنعه الحرف الذي بينهما من هذا كما لم يمنع السين من الصاد في سبقت ونحوه»
والثالث أن يفصل بينهما حرفان وذلك قوله «أَوْ بِحَرْفَيْنِ فُصِلْ» و(فُصِلْ) جملة في تقدير المفرد معطوفة على «مُتَّصِلْ» والتقدير إن كان متصلا أو كائنا بعد حرف أو مفصولا بحرفين ومثال المفصول بحرفين [170]
نحو دعاميص ومناهيض ومناشيط ومواعيظ ومباليغ ومعاليق ومنافيخ ونحو ذلك وإنما لم يمنع الحرفان الكف كما لم يمنها السين من أن تقلب صادا في صويق لأجل القاف وبينهما حرفان إلا أنهم حكموا لهما بحكم الحرف الواحد في قولهم صبقت كما جعلوا ما فصل بحرف كما لم يفصل بشيء في قولهم صقت والإمالة شبيهة بهذا
فهذه المواضع لا يميل فيها إلا من لا يؤخذ بلغته إلا في الأخير فإنه قد أمال فيه قوم وإن كانوا قليلين فقد حكى سيبويه عن قوم أنهم قالوا المناشيط فأمالوا قال «وهي قليلة» وعلل بتراخي حرف الاستعلاء عن الألف وبعدها عنها ولكن اللغة الشهيرة الفتح كما ذكر الناظم
هذا غاية ما ذكر في الفصل وهو يقتضي نظرين:
أحدهما أن الفصل إذا وقع بما هو أكثر من ذلك لم يكف وليس كذلك بل قد جاء الكف شهيرا من كلام العرب مع الفصل بثلاثة أحرف وذلك أنهم حكوا ذلك في حرف الاستعلاء المنفصل نحو مررت بمال ملق ومررت بمال يَبْقَلُ وأراد أن يضربها سَمْلَقٌ وأن يضربها بسوط فإذا كان كذلك [171]
فالفصل بثلاثة أحرف لو وجد بكلمة واحدة أولى وأحرى وعلى أن التسهيل لم يتعد هذا المذهب فلم يزد فيه في الفصل على حرفين خاصة وعلى هذا النظر يكون قوله بعد «... وَالْكَفُّ قَدْ يُوجِبُهُ مَا يَنْفَصِلْ» مقيدا بعدم الزيادة في الفصل على حرفين فلا يدخل له مررت بمال ملق وبابه فيكون مقتضيا أنه لا يكف أصلا وهو غير صحيح ولم يمنعه النحويون بل أجازوه لكن المستعلي إذا كان مع الألف في كلمة واحدة أقوى منه إذا كان في كلمة أخرى على الجملة سواء أكان بينهما فاصل أم لم يكن فهذا مقدار ما بين المتصل والمنفصل من التفاوت وهو لا يوجب منع الكف فهذا من الناظم فيه ما ترى اللهم إلا أن يكون الفصل بثلاثة أحرف نادرا عنده لم يبلغ الكثرة مبلغ الاعتبار مطلقا فالله أعلم
النظر الثاني اقتضاؤه أن الراء داخلة في هذا التقييد إذ قال «وَكَذَا تَكُفُّ رَا» ثم عطف على الجميع بقوله «إِنْ كَانَ مَا يَكُفُّ بَعْدُ مُتَّصِلْ» إلى آخره فعم بصيغة «مَا» جميع ما تقدم أنه يكف ومنها الراء فكما كانت حروف الاستعلاء تكف في ثلاثة المواضع فكذلك يعطي في الراء أنها تكف كذلك وكذلك في تقدم المستعلي على الألف أيضا حيث قال «كَذَا إِذَا قُدِّمَ» لا بد أن تدخل الراء في الجملة وهذا غير صحيح ولا مستقيم [172]
لأن الاشتراط الذي في المستعلي ليس في الراء ولا الذي في الراء يكون في المستعلي فالحرف المستعلي يكف إذا تأخر مطلقا انكسر انفتح أو انضم والراء لا تكف إلا مضمومة أو مفتوحة وأيضا المستعلي يكف متصلا بالألف ومنفصلا بحرف أو حرفين على طريقة الناظم والراء لا تكف في اللغة الفصيحة إلا متصلة فالكافر في موضع الرفع والكافرون وهذه المنابر ممالة عند الأفصح من أهل الإمالة قالوا لبعد الراء من الألف وكذلك إذا تقدم المستعلي فإنه يكف متصلا بالألف ومنفصلا عنها كما سيذكر والراء لا تكف إلا متصلة بالألف فنحو رواعد روافد لا تكف فيه الراء أصلا إذ ليست قوة الراء قوة المستعلي لأنه غير مستعل وأيضا فإن قال «وَكَذَا تَكُفُّ رَا» فأطلق القول بأن كفها على نحو كف المستعلي فيقتضي أنهما في الكف سواء وليس كذلك بل قد تتقدم الراء على الألف فلا تؤثر عند طائفة من العرب ولو وضع المستعلي في موضعها لأثر وذلك أن من العرب من يميل نحو قولك رأيت عِفْرا وأراد أن يعقرها وأن يعقرا ورأيت عسرا وإن كانت الراء مفتوحة فلم يعتبروها للكسرة التي قبلها كما أنهم يميلون للياء أيضا فيقولون رأيت عيرا وديرا وسرت سيرا وما أشبه [173]
ذلك وكذلك قالوا النغران وعمران وقالوا هذا فراش وجراب وخيل عراب فأمالوا هذا النوع للكسرة ولم يعتبروا الراء مع أن المستعلي لو وقع ذلك الموقع لم يميلوا نحو برقان وحمقان وعلقا وضيقا فلا يميلون إلا ما ندر من نحو علقا تشبيها بحبلى وأما مع الراء فعللوا الإمالة بضعف الراء وأنها ليست كحروف الاستعلاء فلم يكن لها قوة أن تساويها في حكم الكف وهذا وإن كان الفتح في الجميع هو الأشهر فالقصد بيان أن الراء ليست في رتبة المستعلي كما يظهر من هذا النظم
ثم إن الناظم أطلق القول في كف المستعلي للإمالة فلم يقيده بفتح ولا ضم بل جعله كافا على الإطلاق إذا كان بعد ياء كان مضموما أو مفتوحا أو مكسورا أو ساكنا ما عدا الراء فإنه قيدها بعد بأنها لا تمنع مكسورة بخلاف القبلي فإنه قيده بأن لا يكون مكسورا ولا ساكنا بعد مكسور والإطلاق صحيح فإن حرف الاستعلاء البعدي أقوى منه إذا كان قبليا كما أن الموجب للإمالة القبلي أقوى منه إذا كان بعديا وسبب ذلك أن التصعُّد بعد التسفل أصعب عندهم ن التسفل بعد التصعد كما أن التسفل بعد التصعد [174]
أسهل من العكس فلو أمالوا مع حرف الاستعلاء البعدي لكانوا قد وضعوا ألسنتهم موضع التسفل ثم أصعدوها وذلك صعب بخلاف ما إذا أصعدوها ثم مالوا إلى الانسفال فإن هذا خفيف ألا تراهم قالوا صبقت وصقت وصويق لما كان يثقل عليهم أن يكونوا في حال تسفل عند النطق بالسين ثم يصعدون ألسنتهم أبدلوا من ذلك السين الصاد ليكون اللسان يعمل عملا واحدا ويقع موقعا واحدا وقالوا قسوت وقست وما أشبه ذلك فلم يحولوا السين عن حالها لأنهم لما علت ألسنتهم بالقاف انحدروا فكان أخف فتركوا السين على ما كانت عليه ومسألتنا كذلك فحرف الاستعلاء إذا كان بعد الألف فموجب الكف قوي فلم تكن الكسرة لتمنعه عن ذلك بخلاف ما إذا كان قبل الألف فإنه هنالك ضعيف فتمنعه الكسرة عن الكف وأما المتقدم من حروف الاستعلاء على الألف فقال الناظم في ذلك «كَذَا إِذَا قُدِّمَ» والضمير في «قُدِّمَ» عائد على المستعلي يعني أنه إذا قدم على الألف فالحكم أنه يكف سبب الإمالة عن التأثير في الألف وذلك نحو قولك صاعد وضامن وطامع وظالم وغائب وقاعد وخامد وما أشبه ذلك فلا تميل هذا كله لأجل الموانع المتقدمة على الألف لأنها حروف مستعلية إلى الحنك الأعلى والألف إذا خرجت من موضعها استعلت أيضا فغلب عليها المستعلي كما غلبت الكسرة على الألف فأخرجتها عن أصلها من الانفتاح إلى انسفال الإمالة قال سيبويه «ولا نعلم أحدا يميل هذه الألف إلا من لا يؤخذ بلغته» وظاهر هذا الكلام من الناظم أن كف حرف الاستعلاء المتقدم على [175]
حد منعه متأخرا فيكف إذا كان متصلا بالألف لم يفصل بينهما بحرف ويكف إذا فصل بينهما بحرف واحد أو بحرفين كما ذكر في المتأخر هذا الذي يعطي قوله «كَذَا إِذَا قُدِّمَ» وهو مما ينظر في صحته فأما إذا اتصل المستعلي بالألف فكفه ظاهر كما تقدم تمثيله وأما إذا فصل بينهما حرف فالكف أيضا لكن قالوا إنه ليس في قوة الأول كذا قال بعض المتأخرين ولكنه صحيح نحو صوامع وضوامن وطوالع وظوالم وغوال وقوائم وخوالف وما أشبه ذلك ومن باب أولى أن يمنع إذا كان الفاصل هاء نحو يريد أن يضبطها وأن يغلقها وأن يعرضها وأن يغلظها وأن يخلصها ونحو ذلك وأما إذا فصل بينهما حرفان فلا أثر للمستعلي على ظاهر كلامهم إذ لم يزيدوا على الفصل بحرف واحد مع أن الفصل به ليس بتلك القوة في الكف فإذا قلت قتلا أملت لبعد المستعلي عن الألف ومن باب أولى أن لا يمنع في نحو قتلنا وطمعنا وما أشبه ذلك فالحاصل أن إطلاق الناظم في تشبيه حرف الاستعلاء المتقدم بالمتأخر في الحكم مشكل إذ ليس مثله كما رأيت إلا في بعض الصور دون بعض وسبب ذلك ما تقدم من أن موجب الكف إذا كان متأخرا أقوى منه إذا كان [176]
متقدما ولذلك يكف مع التأخير وإن كان مكسورا بخلافه متقدما فإنه لا يكف إلا مفتوحا كما ذكر فإذًا كلام الناظم معتَرض
ثم أخذ في القيد المعتبر في كف المستعلي إذا كان متقدما على الألف فقال «مَا لَمْ يَنْكَسِرْ... أَوْ يَسْكُنِ اثْرَ الْكَسْرِ» يعني أن حرف الاستعلاء إنما يكف متقدما إذا لم يكن مكسورا ولا كان أيضا ساكنا بعد مكسور فإن كان مكسورا أو ساكنا بعد مكسور فلا يمنع الإمالة فأما المكسور فنحو قِفافٍ وطِنابٍ وخِباثٍ وغِلابٍ وصِعابٍ وضِعافٍ وظِلالٍ وما أشبه ذلك فمثل هذا لا يكف الإمالة بل يجوز أن تميل الألف هنا عند جميع من يميل خلافا لما وقع للجزولي هنا من أن حكمه حكم الساكن بعد الكسرة يكف الإمالة عند بعض العرب قال الشلوبين لا أعلم هذا عن أحد من العرب ولا من النحويين فالصواب إسقاطه من هذا الموضع وأما الساكن بعد الكسر فنحو مصباح ومِطعان ومِقْلات ومِظْعان ومِخْلاف وما أشبه ذلك فلا تمتنع الإمالة في هذا أيضا ولا يتصور هذان الوجهان إلا مع الفصل لأن المستعلي المتصل بالألف لازم له الفتح وإنما لم تمتنع الإمالة هنا لأن الحرف المستعلي إذا تقدم على الألف ضعيف من حيث كانت الإمالة معه انحدارا بعد إصعاد وذلك سهل وقد لزم ذلك أيضا في الكسرة حين قلت قفاف وصعاب لأنه في التقدير بعد الحرف فمناسبة صوت الألف للكسرة أولى بخلاف ما إذا كان مفتوحا فإن الفتح يقوي المستعلي من حيث كان [177]
الفتح وحده يمنع الإمالة ألا ترى تركهم الإمالة نحو هذا عذاب وتابل ونحو ذلك فإذا كانت الفتحة وحدها تمنع الإمالة فأولى إذا اجتمعا معا أن يمنعاها هذا في الوجه الأول وأما الثاني فلأن الكسرة المتقدمة على حرف الاستعلاء لما كانت بعد الحرف المكسور في التقدير عدت كأنها على حرف الاستعلاء فكأنه صباح وطعان وقلات وظِعان وخلاف فصار في حكم قِفاف وضعاف
واعلم أن هذا الفصل كله لا حظ فيه للراء وإن كان الناظم قد ضمها في كلامه مع الحروف المستعلية وإنما هو مختص بحروف الاستعلاء وحدها وقد تقدم الاعتراض عليه في مساقه للراء إلا أنه يبقى هنا على الناظم سؤلان وهما أن يقال ما الذي أحرز بقوله «اثْرَ الْكَسْرِ»؟ ولو قال ما لم ينكسر أو يسكن لكان يظهر أنه يكفيه ولم اقتصر في نحو مصباح على ذكر عدم الكف وللعرب فيه وجهان أحدهما ما قال والآخر كف الإمالة لأن حرف الاستعلاء وإن كان ساكنا قد فتح ما بعده فصار بمنزلة ما لو كان متحركا بعده الألف الممالة ولو كان كذلك لكف فكذلك هذا قال سيبويه «وبعض من يقول قفاف ويميل ألف مِفْعالٍ وليس فيها شيء من هذه الحروف ينصب الألف في مصباح ونحوه» قال «لأن حرف الاستعلاء جاء ساكنا غير مكسور وبعده الفتح فلما جاء مسكنا تليه الفتحة صار [178]
بمنزلة - لو كان متحركا بعده الألف وصار بمنزلة القاف في قوائم» قال «وكلاهما عربي له مذهب» يعني من أمال في مصباح ومن لم يمل فكان حقه أن ينسب عدم الكف في الساكن بعد المكسور إلى بعض العرب ولا يطلق العبارة إطلاقا
والجواب عن الأول أنه قد تقدم وجه ذلك لأن الكسرة إذا تقدمت المستعلي فكأنها عليه لأن الحركة بعد الحرف فكأنك قلت صباح قفاف وذلك لا يمنع الإمالة لضعف المستعلي بالكسر بخلاف ما إذا فرض ما قبله مفتوحا فإنه على ذلك التقدير في حكم أن لو قلت صباح وقذال وذلك مانع من الإمالة كما تقدم ذكره
والجواب عن الثاني أن الكف فيه إنما هو عند الأقل من العرب والأكثر منهم على عدم الكف قال ابن الضائع والإمالة أرجح لأن الحركة في التقدير بعد الحرف ولذلك بدأ سيبويه بالإمالة بل يظهر أن السماع في ذلك وافق القياس وهو الظاهر من كلامه
وقوله «كَالْمِطْوَاعَ مِرْ» مثال المستعلي الساكن بعد المكسور والمطواع المطيع ومِفعال مبالغة فيه وهو المنقاد ويقال طاع لك فلان يطوع إذا انقاد ومِرْ من قولهم مار أهله يميرُهم مَيْرا والمِيْرَةُ الطعام [179]
يمتاره الإنسان فالمعنى امتَرِ المِطواعَ وأْتِهِ بمَئُونَةٍ وقد يكون «مِرْ» من قولك مار غيره إذا أعطاه مطلقا كأنه يقول أعط المطواع وهذا المعنى أظهر وأنسب
وَكَفُّ مُسْتَعْلٍ وَرًا يَنْكَفُّ... بِكَسْرِ رًا كَـ (غَارِمًا لَا أَجْفُو)
قوله «وَرًا» محله الجر عطفا على «مُسْتَعْلٍ» وضمير «يَنْكَفُّ» عائد على كف و «بِكَسْرِ» متعلق بيَنْكَفُّ وأراد وراءٍ ممدودا لكنه قصر ضرورة كما قال بعضهم شربت مًا يا هذا وكل ما جاء من هذا النحو في كلام الناظم بغير إضافة ولا ألف ولام فإنه منون لا بد من هذا كما قال العربي شربت مًا وكثير من الناس ينطق به في الوصل بغير تنوين وهو خطأ
وقد تقدم أن حرف الاستعلاء والراء يكفان سبب الإمالة عن إعماله فيريد ههنا أن كف حرف الاستعلاء لإمالة الممال وكف الراء أيضا ينكف عن منع الإمالة بوقوع الكسر في الراء وإذا انكف ذلك الكف لزم الرجوع إلى الأصل من إعمال سبب الإمالة فتقول غارم فتميل ألفه وهو الذي [180]
مثل به وإنما أملت وقد اكتنف الألف مانعان من الإمالة وهما الغين والراء لأن الراء انكسرت فصارت بذلك على عكس ما كانت عليه مضمومة أو مفتوحة فالكسرة في الراء هي المانع من الكف على الحقيقة وذلك لأن الراء كما تقدم من وصفها التكرار فكأن الحرف منها في تقدير حرفين وكأن الكسرة في تقدير كسرتين فإذا كان كذلك فتكون إحدى الكسرتين في مقابلة المستعلي والأخرى موجبة للإمالة
ثم قوله «بِكَسْرِ» يعطي بمفهومه أن الراء غير المكسورة هي التي تكف الإمالة وهي التي تقدم ذكرها في قوله «وَكَذَا تَكُفُّ رَا» وهي المفتوحة أو المضمومة نحو بدار وجهار وحمار وبدارا وجهارا وحمارا ونحو ذلك فكذلك راجل وراحل وراشد لأن الراء هنا تجري مجرى المستعلي لتفخيمها وقد تقدم ذكر ذلك
واعلم أن الراء المذكورة في قوله «... بِكَسْرِ رًا» أتى بها منكرة فيحتمل المساق فيها وجهين
أحدهما أن تكون هي الأولى كما لو قال ورًا ينكف بكسرها أي بكسر تلك الراء والوجه على هذا أن يأتي بها معرفة لا نكرة إذ التنكير يوهم المباينة كما قالوا في قوله تعالى ﴿إنّ مع العسر يسرا﴾ بعد قوله [181]
﴿فإنّ مع العسر يسرا﴾ وأما التعريف فهو المفهم للاتحاد كقوله تعالى ﴿فعصى فرعونُ الرسولَ﴾ ولكن الناظم أتى به منكرا لضرورة الوزن إذ لو قال بكسر الرَّا لم يتسن الوزن ولو عوض منها الضمير فقال بكسرها - أي بكسر الراء - لأوهم أن يعود الضمير على المستعلي والراء معا وليس الحكم كذلك لأن المستعلي يكف وإن كان مكسورا إذا تأخر عن الألف كما تقدم
والوجه الثاني أن يريد راءً أيَّ راءٍ كانت على ظاهر لفظه ويشتمل كلامه إذ ذاك على ثلاث مسائل
إحداها ما كان من نحو البدار والجهار والحمار وراشد وراحل ورافد وما أشبه ذلك مما إذا انفتحت راؤه أو انضمت منعت الإمالة وإن وحضر سببها وهو الكسر فكأنه يقول هذه الراء الكافة هنا إذا انكسرت انكف منها ذلك الكف فصارت الإمالة إلى حالها فتميل نحو عجبت من البدار والجهار والحمار وإن لم تكسر بقيت على حالها من الكف كراشد وراحل ونحوه
والثانية ما كان من نحو غارم وقارب وضارب وصارف وخارج طارد وهذا النوع الذي أشار إليه بالمثال مما كانت الراء فيه تكف غيرها من حروف [182]
الاستعلاء فهذا مستعل كفته كسرة الراء عن كف الإمالة فأميل ما كان يمال
والثالثة ما كان من نحو قرارك ومرارك نحوهما مما تكف الراء فيه مثلها فالإمالة هنا جائزة وإن تقدمت الراء مفتوحة لأن الراء المكسورة قويت عليها فمنعتها أن تكف الإمالة كما منعت المستعلي أيضا أن يكف
فهذه أوجه ثلاثة داخلة تحت عبارته على تقديره تنكير «راءٍ» في القصد وهي كلها صحيحة فالوجه الثاني في كلامه أولى من الوجه الأول
ثم في تمثيله التنبيه على شرطين معتبرين في كف الراء للمستعلي:
أحدهما أن لا يقع بعد الراء الحرف المستعلي أعني بعد الراء المكسورة فإنه إن وقع بعدها لم يكن للراء تأثير سواء أكانت الراء متقدمة على الألف أم متأخرة عنه فإذا قلت مِن رقابٍ ورغاب ونحو ذلك لم تمل كما لا تميل حِمْقان لأن المستعلي هو الغالب على الألف وكذلك إذا قلت مفاريق رأسِه وفارق وفارغ وفارض ومعاريض وفارط وما أشبه ذلك لم تمل الألف وإن وجدت الراء مكسورة بل حكم الراء هنا حكم غيرها من [183]
الحروف الواقعة بين الألف والمستعلي نحو ناعق ومناشيط وعلل ذلك السيرافي بأن حرف الاستعلاء بعد الألف أشد منعا منه قبلها فمن أجل ذلك أجازوا الإمالة فيما كان قبل الألف فيه حرف مستعل وبعده راء مكسورة نحو قارب وغارب ولم يجيزوا ذلك في فارق وناعق لأن التصعد بعد التسفل أصعب على اللسان من العكس
والشرط الثاني أن تكون الراء متصلة بالألف كغارم وضارب فلو كانت منفصلة عن الألف بحرفين لم تكف أصلا نحو مطامير ومقادير لبعد الراء عن الألف وأولى ألا تكف إذا فصل بينهما أكثر من حرفين وأما الفصل بالحرف الواحد فمفهوم المثال وما أعطاه من التقييد أنه لا يكف نحو مررت بمقابر فلان فيفتح الألف في هذا النحو وهذا المقتضى منقول عن العرب ومقول به عند النحويين قال سيبويه «اعلم أن الذين يقولون هذا قارب - يعني فيميلون - يقولون - مررت بقادر ينصبون الألف» وعلل ذلك بالبعد من الألف فكف المستعلي الإمالة لأجل ذلك لكن هذا الوجه هو أحد الوجهين عند العرب إذ حكى سيبويه عن قوم ترتضى عربيتهم مررتُ بقادر بالإمالة على اعتبار كسرة الراء وعدم اعتبار المستعلي إذ كفته الراء وإن كانت بعد الألف بحرف ووجه ذلك بأن هؤلاء يقولون قارب بالإمالة كما يميلون جارم فيسوون بين المستعلي وغيره في عدم الاعتبار فأرادوا أيضا أن يسووا بين قادر وكافر فيميلون فيهما معا ولا يفصلون بين مستعل وغيره [184]
كما لم يفصلوا بينهما في قارب وجارم وذكر سيبويه أنه سمع من يثق بعربيته ينشد بيت هدبة بن خشرم بالإمالة:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر... بمنهمر جون الرباب سكوبِ
وإذا كان في المسألة وجهان فاقتصار الناظم على أحدهما معترض
والجواب أن الأكثر في كلامهم عدم اعتبار الراء لبعدها ونص عليه في التسهيل فقال «وربما أثّرت - يعني الراء - منفصلة تأثيرها متصلة» فقللها بربما وهو الذي أشار إليه كلامه
وقوله «ولَا أَجْفُو» من تمام المثال أي لا أجفو غارما بمعنى لا أطالب مطالبة الجفاء بل مطالبة الرفق والتيسير
وَلَا تُمِلْ لِسَبَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ... وَالْكَفُّ قَدْ يُوجِبُهُ مَا يَنْفَصِلْ
هذا الكلام ذكر فيه الناظم المانع الثاني من موانع الإمالة وهو انفصال السبب عن الألف بمعنى أنه منه في كلمة أخرى مستقلة بنفسها فيقول لا تجوز الإمالة وإن وجد سببها إذا كان السبب لم يتصل بالألف ولا يريد الاتصال في اللفظ بحيث يكون السبب ملاصقا للألف لأن سبب الإمالة يوجبها وإن فصل بينهما حرف وحرفان وأكثر على ما تقدم إذا كانا في كلمة [185]
واحدة فإنما المانع كونهما في كلمتين مستقلتين فإذا قلت لعمرو بابْ وللرجل حالْ وما أشبه ذلك لم تمل هذه الألف وإن تقدمت الكسرة لأنه من كلمة أخرى وإن جاء من هذا شيء فهو قليل محفوظ ومن ذلك قولهم لزيد مال أمالوا هذا إجراءً للمنفصل مجرى المتصل فكأن «دٍ مال» من لزيد مال بمنزلة سربال وقال مِن عبد الله فأمالوا الألف من اسم الله تعالى صار «د الله» بمنزلة سربال أيضا فأمالوا لكن هذا قليل فينبغي أن يوقف على محله على أن بعض النحويين يطلق فيه عبارة الجواز والظاهر ما ذهب إليه الناظم
هذا إذا كان السبب متقدما وقد يكون متأخرا منفصلا كما قالوا ثلثا درهم فأمالوا الألف ولكنه أيضا قليل كالأول
فإن قيل إذا كان مراده بالاتصال ألا يكونا في كلمتين فقد خرج له عن حكم الإمالة شيء لا ينحصر وكان قد خالف النحويين أجمعين وذلك أن الكلمتين تارة تكون كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى غير محتاجة إليها من حيث الوضع كقولك لزيد مالْ فهذا هو الذي تكون فيه الإمالة نادرة كما تقدم ذكره وتارة تكون إحداهما محتاجة إلى الأخرى من حيث الوضع كالضمائر المتصلة وحروف الجر كقولك بها وبنا ومنا وهو يريد أن يضربها ويدها ومنها وإليها وغير ذلك مما لا ينحصر وأكثر [186]
مُثُل النحويين في الإمالة من هذا القبيل ولم يقل أحد بأنه ممنوع أو موقوف على السماع بل هو عندهم مطرد مقيس وكلام والناظم على ما مضى من التفسير يجعله من السماع القليل الذي لا يبنى عليه وهذا فاسد
فالجواب أنه إنما قال «وَلَا تُمِلْ لِسَبَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ» ويريد لم يتصل بالكلمة الاتصال المعروف والاتصال الذي يعرفه النحويون على وجهين اتصال في كلمة واحدة كسربال وعماد واتصال في كلمتين إحداهما مفتقرة إلى الأخرى لعدم استقلالها بنفسها وههنا تدخل الضمائر المتصلة وحروف الجر لأنها شديدة الاتصال بما اتصلت به حتى إنه لا يجوز أن يوقف على إحداهما دون الأخرى لا أن يبتدأ بها دونها فالاتصال ولا بد شامل لهذا ومن أجل ذلك جرى في التفسير الأول للانفصال أن يكونا في كلمتين مستقلتين فقيدتهما بالاستقلال لأحرز هذا المعنى نعم الاعتراض لازم لعبارته في التسهيل حيث قال «ولا يؤثر سبب الإمالة إلا وهو بعض ما الألف بعضه» فإن هذه العبارة لا تصدق على نحو بها ومنها وعندها ويريد أن يضربها ومنا ونحوه إذ ليس الضمير بعض تلك الكلم وإنما تصدق على نحو عماد وسربال فعبارته هنا أحسن منها هنالك
ثم قال «... وَالْكَفُّ قَدْ يُوجِبُهُ مَا يَنْفَصِلْ» يعني أن كف الإمالة قد يوجبه من الحروف المستعلية ما يكون منفصلا عن كلمة الألف وفي كلمة أخرى مستقلة فيكون ذلك مانعنا من إعمال سبب الإمالة وهذا المنفصل تارة يكون متصلا بالألف أعني ملاصقا لها لفظا نحو منا قاسم وعندها [187]
ظالم وأراد أن يضربها خالد ومنها طلحة وما أشبه ذلك فلا يميل لاتصال المستعلي في اللفظ إذا أدرجت فهذا مثل قولك مررت بعاقد وبفاضل وبباطل إجراءً للمنفصل مجرى المتصل وتارة يفصل بينهما حرف واحد نحو منا فضل وأن يضربها بطل ومنا نقل وعندها بخس ونحو ذلك وكذلك مررت بمال خالد وبمال قاسم وبمال طامع فهذا جار مجري قولك مررت بناعق ومررت بسابق ونحو ذلك وتارة يفصل بينهما حرفان نحو يريد أن يضربها مَلِقٌ وبيدها سوط ومنا يَنْقَل ونحو ذلك فهذا جار مجرى مناشيط ونحوه وقد زادوا على ذلك حتى فصلوا بثلاثة أحرف قالوا: يريد أن يضربها سَمْلَقُ ويريد أن يضربها بسوط ومررت بمال مَلَقٍ وبمال يَنْقَلُ ففتحوا هذا كله لكف المستعلي وإن كان منفصلا قال سيبويه «نصبوا لهذه المستعلية وغلبت كما غلبت في مناشيط ونحوها وضارعت الألف في فاعل ومفاعيل وصارت الهاء والألف - يريد في يضربها - كالفاء والألف في فاعل ومفاعيل» قال «ولم يمنع النصب ما بين الألف وهذه الحروف كما لم يمنع في السماليق قلبَ السين صادا» فإن قيل لم قال «... وَالْكَفُّ قَدْ يُوجِبُهُ مَا يَنْفَصِلْ» فأتى بقد ولم يجزم الحكم بذلك فيقتضي أنه قد لا يوجبه أيضا فكأن الأمر فيه على التخيير أو فيه وجهان عند العرب فهل يوجد هذا أو لا؟ [188]
فالجواب أن الوجهين موجودان في لغة أهل الإمالة وذلك أن المنفصل لا يقوى قوة المتصل ولا يطرد إجراؤه مجراه وإنما هو تشبيه يقع في الدرْج كما قال سيبويه وأيضا فإن من كلام العرب ألا يميلوا في الدَّرْج ويميلوا إذا وقفوا فيقول أراد أن يضربها فيميل ثم يقول أراد أن يضربها زيد فيفتح فلما كان هذا من كلامهم قابل اعتبار الاتصال فضعف أيضا ضعفا آخر فمن هنا حكى سيبويه أن بعض العرب يقول بمال قاسم بالإمالة قال «ففرق بين المنفصل والمتصل ولم يقو على النصب إذ كان منفصلا» يعني حرف الاستعلاء فحصّلت عبارة الناظم الوجهين بأحسن عبارة وهو هنا أكثر تحريرا من التسهيل وذلك أنه حين ذكر أن سبب الإمالة لا يؤثر إلا وهو بعض ما الألف بعضه قال «ويؤثر مانعها مطلقا» فيظهر من هذه العبارة أن «بمال قاسم» ونحوه مساوٍ لناعق وناشط ونحوهما وليس كذلك وكم من مسألة تجدها في هذا النظم أحسن وأشد تحريرا منها في التسهيل
وَقَدْ أَمَالُوا لِتَنَاسُبٍ بِلَا... دَاعٍ سِوَاهُ كَ (عِمَادًا) وَ (تَلَا) [189]
هذا هو السبب السادس من أسباب الإمالة المتقدمة الذكر وهو المناسبة للممال وإنما ذكره منفصلا عن الأسباب الأخر وقد كان وجه الترتيب أن يقدم ذكر جميع الأسباب ثم يذكر بعد ذلك الموانع لأن الموانع لا حظ لها في كف هذا السبب لأنه لازم للإمالة من حيث كان مجرد تناسب للمال فإذا لا يتصور لهذه الإمالة مانع إذ لو كان ثم مانع لكان مانعا للأصل فيرتفع التناسب كقولك رأيت عمادا فإمالة ألف التنوين هي المتكلَّم فيها وسببها مناسبتُها للألف المتقدمة لأنه ممالة فلو كان ثم مانع من حرف استعلاء نحو رأيت سباقا مثلا لكان مانعا للألف الأولى من الإمالة فلا يبقى وجهٌ لإمالة الألف الثانية لزوال سببها وهو إمالة الأولى فلما كان الأمر على هذا أخّر الناظم ذكر هذا السبب الذي لا ينكف أصلا بعد ذكر الموانع تنبيها على هذا المعنى وهو لطيف من التنبيه وفيه أيضا وجه آخر وهو أن إمالة التناسب المذكور ليست في قوة غيرها من سائر ما ذكر قبل وإن كانت عند سيبويه وغيره قياسا لأن التناسب لا يقوى قوة غيره من الأسباب فلأجل هذا أيضا أخر ذكره وليس في كلامه ما يعيّن كونها قياسا لقوله «وَقَدْ أَمَالُوا» فأتى بضمير [190]
يحتمل أن يعود على النحويين فيكون المعنى أن النحويين قاسوا فجعلوا المناسبة سببا من أسباب الإمالة فيكون على هذا قائلا بالقياس ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى العرب ويعني أن العرب قد أمالت الألف لمجرد طلب التناسب بين الألفات في الكلام لا لسبب غير ذلك وعلى هذا أيضا لا يدل على وجه من قياس أو غيره إذ لم يقل: وتجوز الإمالة للمناسبة ولا ما يشعر بالقياس ولا عدمه وكأنه أراد ترك ذلك للناظر في المسألة لأنه في محل الاجتهاد إذ لم يكثر السماع فيها كثرة يقطع بالقياس فيها فنقل ما وجد وخرج عن عهدته وعلى أنه قد أشعر بالقياس في التسهيل على ضعفه فقال «وقد يمال عارٍ من سبب الإمالة» إلى آخره فلم يسند ذلك إلى السماع وقد قال سيبويه «وقالوا مِعْزانا في قول من قال عمادا فأمالهما جميعا» قال «وذا قياس»
وقوله «بِلَا... دَاعٍ سِوَاهُ» حصرٌ لهذه الإمالة في مجرد المناسبة كأنه يقول لا سبب للإمالة إلا المناسبة خوفا من توهم وجود داع سواها ثم مثّل ذلك بقوله «كَعِمَادًا وَتَلَا» وللناس في مراده بهذين المثالين تفسيران أحدهما أن يريد أن ألف «عِمَادًا» الأخيرة في الوقف تمال لتناسب الألف قبلها وذلك ألف «تَلَا» بعد «عِمَادًا» تمال مع اتصالها بعمادا على حد اتصالها في كلامه للتناسب بالكلمة قبلها فيكون كلامه يعطي أن التناسب [191]
مرعي في الكلمة والكلمتين فإذا أفردتَ الكلمة الأولى فقلت أقام زيد عمادا أملت الألفين وإذا قلت أقام زيد عمادا وتلا أملت الألفات الثلاث وهذا التفسير نقلتُ معناه من طرة كُتبت بإزاء هذا الموضع وفيه نظر أما «عِمَادًا» ونحوه إذا وُقف عليه فإمالة الألفين فيه لا إشكال فيها فالأولى لموجبها والثانية للتناسب ومثله معزانا ونهانا وتلاها وشمالا وقتالا وما أشبه ذلك ومن ذلك في الكتاب العزيز قراءةٌ رُويت عن أبي عمرو في رءوس الآي التي فيها هاء بين ألفين كآخر سورة «والنازعات» وسورة «والشمس» بإمالة الألف التي بعد الهاء بين الفتح والكسر وكذلك رُوي عنه أيضا إمالة الألفين من قوله تعالى ﴿مَجراها ومُرساها﴾ هذا إذا كان التناسب للألف المتقدمة وكذلك إذا تأخرت نحو كُسالى أمالوا الألف الأولى لتناسب الألف الثانية وكذلك تقول جمادى وحمادى وذُنابى ويتامى ونحو ذلك فتميل الألفين معا ومن المسموع في ذلك ما رُوي عن الكسائي من إمالة الصاد والتاء والسين والكاف من النصارى واليتامى وأسارى وكسالى وسكارى في جميع القرآن في هذه الأحرف الخمسة إلا أن تلقى ساكنا ورُوي عنه أنه قال أنا أقرأ لنفسي بإمالة ما قبل الألف فإذا أخذَتْ عليَّ الناسُ فتحتها وقالوا مهارى فأمالوا الألفين وما قبلهما من [192]
الهاء والميم فهذا كله صحيح وأما أن «تَلَا» أتى به الناظم تنبيها على أنه تمال ألفه أيضا إذا اتصلت بعمادا طلبا للتناسب بين الكلمتين فإنما حمله على هذا التفسير قوله في التسهيل «وقد يُمال عار من سبب الإمالة لمجاورة الممال أو لكونه آخر مجاوِرِ ما أُميل آخرُه طلبا للتناسب» فنزّله على أنه أراد ذلك هنا كأنّ ألف «تَلَا» منقلبة عن واو فلا موجب فيه للإمالة فتمال إتباعا لألف «عِمَاد» الأخيرة التي أميلت إتباعا للألف الأولى فإن عنى هذا فهو غير صحيح من جهتين:
إحداهما أن ألف «تَلَا» تميلها العرب بإطلاق أعنى المميلين منهم لأن ما لامه واو عندهم يساوي ما لامُه ياء في اطراد الإمالة وقد تقدم كلامُ الناظم في الإشارة إلى هذا ونصُّ سيبويه وغيره على هذا المعنى وإنما تفرِّق العرب بين بنات الواو وبنات الياء في الأسماء لا في الأفعال وأما القراء فهم الذين يفرقون بين ذوات الواو فلا يميلونها وإن كانت في الفعل وبين ذوات الياء فيميلُها المميلُ منهم فإذا كان كذلك لم يكن إتيانه بتلا مطابقا لما قصد كيف وألفه ممالة لداعٍ فيه وهو انقلاب الألف ياءً في تُلِي وهو قد قال «وَقَدْ أَمَالُوا لِتَنَاسُبٍ بِلَا... دَاعٍ» فكان يكون تمثيله على هذا التفسير مناقضا لما أصّل [193]
والثانية على تسليم ما قال لا يستقيم له هذا التمثيل لأنك إذا
قلت عِمَادًا وَتَلَا ووصلتَ إحداهما بالأخرى سقطت الألف الثانية في الدرْج
لأنها ألف التنوين فلم يبق للألف الثالثة ما تناسب بإمالتها لأن المؤلف إن
كان جعل في التسهيل إمالة الألف الثالثة مناسبة للثانية الممالة مناسبةً للأولى
لقوله «أو لكونه آخر مجاورٍ ما أميل آخره طلبا للتناسب» فلا
ينزّل هذا المثال على قوله وأما كلامه في التسهيل فالظاهر أنه قصد تناسب
رءوس الآي بعضها لبعض نحو ﴿والضحى.
والليل إذا سجى.
ما ودّعك
ربُّك وما قلى﴾ إلى آخره لا ما ذكر في هذا التفسير فإذًا تفسير كلام
الناظم بهذا فيه ما ترى
والتفسير الثاني كَتَب به إليَّ بعضُ الشيوخ ورأيتُه مذكورا في بعض شروح هذه الأرجوزة وهو أن مراده بتلا قول الله تعالى ﴿والقمرِ إذا تلاها﴾ قال نبَّه بذلك - رحمه الله - على أن إمالة المناسبة لها صورتان الأولى أن يكون الموجِب قبليا وهو المراد بقوله كعمادا
والثاني أن يكون بعديا وهو المراد بقوله تلا قال والأولُ الموجب فيه متصل والثاني عكسه ويعني بالعكس الضد ومقصود هذا الشيخ حفظه الله أنّ قولَ الله تعالى ﴿والشمس وضحاها﴾ ليس في ضحاها موجِب للإمالة من الموجبات المتقدمة فإنما أميل لما وقع في الفواصل مع قوله [194]
﴿والقمرِ إذا تلاها﴾ وما بعدها وموجِب الإمالة فيها قائم فأرادوا أن يميلوا ﴿ضحاها﴾ لتناسب رءوس الآي والموجب هنا بعديّ منفصل وهو (تلا) المشار إليه وفي «عِمَادًا» قَبْلِيّ متصل فأشار إلى أن الممال للمناسبة قد تكون إمالتُه لمناسبة ما قبله ولمناسبة ما بعده وأيضا قد يكون متصلا بالممال الأصلي وقد يكون منفصلا عنه وما قاله - أجلّه الله - ممكن إلا أن عليه سؤالين طالبَينِ بالجواب عنهما:
أحجهما أن إتيان الناظم بتلا مشيرا إلى الآية بعيد جدا وقائم مقام اللغز الذي لا يشعر به وليس وضعُ التعليم على هذا
والثاني أنّ وجه الإتيان بالمثال أن يكون مما فيه ذلك الحكم المقرر وهو هنا إمالة المناسبة وليس في تلا إمالة مناسبة فكان الأحق أن يأتي بالضحى من قوله تعالى ﴿والشمس وضحاها﴾ لأنه الممال للمناسبة وإلا فيكون قد أتى بنوع من الإمالة وترك مثالها وأتى بمثال سببها وهذا في غاية البعد ويغلب على الظن أن الناظم لم يقصده فالأظهر أنّ هذا التفسير غير مُخَلَّص والذي يصح - والله أعلم - في تفسير هذا الموضع وجهٌ آخر وهو أن يكون قوله «وَتَلَا» إشارةٌ إلى نوع آخر من التناسب وذلك أنه يُمال للتناسب الألفُ وهو المشارُ إليه بعمادا ويُمال للتناسب الفتحة التي قبل الفتحة الممالة وهي فتحة التاء من تلا فهو الذي أراد بالمثال وبيان ذلك أن [195]
الحركات تمال كما تمال الألف ومن الحركات ما يُمال لسبب موجب كما سيأتي إثر هذا بحول الله تعالى ومنها ما يمال لغير سبب سوى المناسبة لكن مناسبته للممال تارة تكون واجبة لأنها من حقيقة إمالة ذلك الممال كما إذا وقعت الفتحة قبل الألف كفتحة اللام في تلا إذ لا تتصور إمالة الألف إلا بإمالة الفتحة قبلها بل هي جزء منها ولم ينص الناظم على هذه المناسبة لأنها معلومة ضرورة وتارة تكون غير واجبة ولكن على الجواز كإمالة فتحة التاء في تلا وهو موجود في كلام العرب ومن ذلك في القرآن الكريم ﴿رأى﴾ حيث وقع نحو ﴿رأى أيديهم﴾ و ﴿رأى كوكبا﴾ قرأها بإمالة فتحتي الراء والهمزة معا حمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان وكذلك ورش لكنها عنده بين بين وكذلك ﴿نأى بجانبه﴾ قرأ بإمالة النون والهمزة معا الكسائي وخلف ولا شك أن إمالة هذه الفتحة الأولى لا موجب لها إلا المناسبة لإمالة الفتحة الثانية وبهذا المعنى وجهوا هذه القراءات وهي دليل على وجودها هكذا في كلام العرب وأما نحو يريد أن يضربها وعَيْنها من إمالة فتحة ما قبل الهاء فليس من إمالة المناسبة الجائزة في اعتبار قياسهم [196]
بل هي لاحقة بإمالة الفتحة قبل الألف لخفاء الهاء ولذلك لم يعدوا الهاء فاصلا كما تقدم فعلى هذا التفسير يدخل له بالمثالين نوعَا الإمالة التناسبية على الجملة وذلك من الفرائد الحسان التي قل من ينبه عليها من النحويين وهي ظاهرة الورود عليهم ثم إن إمالة المناسبة لا يُقتصر بها على هذين الموضعين فقط وإنما أتى بهما تمثيلا مفيدا لما أراد في القاعدة المطلقة فحيث أميل للمناسبة على الحد الذي حدَّه فيها فكلامه يشمل ذلك والحدُّ الذي حده هو ما أشار إليه التمثيل من أن الألف تمال لمناسبة الألف فعمادا من إمالة الألف للألف والفتحة تمال لمناسبة الفتحة وتلا من إمالة الفتحة للفتحة وكان التقسيم العقلي يقتضي وجهين آخرين أحدهما إمالة الفتحة للألف وذلك لا يكون إلا في الفتحة التي قبل الألف تليها أو بينهما الهاء وقد نُبه على معنى ذلك والثاني عكس هذا وهي إمالة الألف للفتحة وهذان الوجهان لم يذكرهما الناظم أما الأول فلما تقدم وأما الثاني فعلى جعل التمثيل يقوم في هذا النظم مقام التقييد يخرج من مفهومه عدمُ اعتباره وأنه لا يجوز وهذا هو المنصوص لسيبويه حيث ذكر أن قولك من المُحاذَرِ تمال فيه فتحة الذال لكسرة الراء ثم قال «ولا تقوي - يعني الكسرة - على إمالة الألف لأن بعد الألف فتحا وقبلها فصارت الإمالة لا تعمل بالألف شيئا كما أنك تقول حاضر فلا تميل لأنها من الحروف المستعلية» قال: [197]
«فكما لم تمل الألف للكسرة كذلك لم تملها لإمالة الذال» هذا نص سيبويه
وتعليله وقد خالف ابن خروف في هذا فزعم أن من أمال ألف «عِمَادًا»
للمناسبة أمال ألف «المحاذَرِ» لإمالة الذال قال وهو قياسه وهذا خلاف
قول سيبويه وكان سيبويه جعل الفتحة في ذلك فاصلة وإن كانت ممالة كما
كانت الضاد في «حاضر» فاصلة وإن كانت مكسورة وكأن الراء المكسورة
ليست تقوى في جلب الإمالة إلا على ما يليها قال ابن الضائع لا ينبغي أن
يقاس إمالة الفتحة للألف بإمالة الألف للألف لأن إمالة الألف أقوى من إمالة
الفتحة ثم حكم أن إمالة الألف للألف إنما هي إمالة لإمالتي الألف والفتحة
التي قبلها بخلاف إمالة الفتحة فإنها إمالة لفتحة وحدها وإمالةٌ لإمالتين
أقوى من إمالةٍ لإمالةٍ واحدةٍ.
وبذلك ظهر ضعف قياس ابن خروف فالصحيح
إذًا ما ذهب إليه سيبويه وهو الذي أشار إليه الناظم فإذا ثبت هذا كان كلام
الناظم إنما قُصد به تبين النوعين المذكورين وهما إمالة الألف للألف أو
الفتحة للفتحة فيخرج عنه إمالة الألف للفتحة كما ذكر
وَلَا تُمِلْ مَا لَمْ يَنَلْ تَمَكُّنَا... دُونَ سَمَاعٍ غَيْرَ (هَا)، وَغَيْرَ (نَا)
هنا أخذ في بيان ما يمال من الكلم مما لا يمال ويعني أن الإمالة إنما تكون في الكلم المتمكنة وأما غير المتمكنة فلا تدخلها الإمالة ولا يجوز لك أن تميل شيئا منها بالقياس دون أن تسمع ذلك فيها إلا في اسمين غير متمكنين [198]
فإن الإمالة تدخلهما قياسا وهما «ها» الذي هو ضمير الغائبة و «نا» الذي هو ضمير المتكلم ومعه غيره هذا ما قال على الجملة وأما على التفصيل فيشتمل على مسائل:
إحداها في مراده بالتمكن وهو عند النحويين وصفٌ من أوصاف الأسماء والمراد به الإعراب فإذا قالوا الأسماء المتمكنة فإنما يريدون المعربةَ التي لم تُشْبِه الحرف كزيدٍ وعمرٍو وقد تقدم ذلك وإذا ثبت هذا فما في قوله «مَا لَمْ يَنَلْ تَمَكُّنَا» واقعة على الاسم دون الفعل والحرف عيّن ذلك لفظ التمكن وإذا كان كذلك وردَ على الناظم سؤال وهي المسألة الثانية:
وذلك أنْ يقال إذا كان قد اقتصر على الاستثناء من الأسماء فقد نقصه أن يُبيّن حكم الحروف والأفعال في الإمالة فإن السامع إذا سمع استثناء ما لم يتمكن من الأسماء عن حكم الإمالة جرى الوهمُ إلى الحروفِ وإلى ما تصرَّفَ من الأفعال أو لم يتصرف فإن عدم التصرف في الأفعال نظير عدم التمكن في الأسماء والحروف أيضا قد تتوهم فيها الإمالة وقد لا تُتَوهم وإذا كان كذلك صار كلامُه غير مُوفٍ بالمقصود
والجواب أنه إنما تعرّض هنا للأسماء خاصة وللاستثناء منها وأما الأفعال والحروف فقد ظهر من أمثلته المتقدمة وكلامه في الباب مقصدُه فيهما من إدخاله أمثلة الأفعال في القواعد القياسية وعدم ذكر الحروف رأسا فلما لم يستثن من الأفعال شيئا على دخول الجميع في حكم الإمالة مطلقا إذا وُجدت أسبابها كعسى فإنه فعل ممال وإن لم يتصرف فعدم الاستثناء منه [199]
صحيح ولما لم يذكر من الحروف شيئا دلّ على خروجها رأسا وأيضا فإنما امتنع الاسم غير المتمكن من الإمالة لشبهه بالحرف فأحرى أن لا يكون في الحرف إمالة ولأنّ الإمالة نوع من أنواع التصرف في الكلمة ألا ترى أن الألف تصير كالمقلوبة إلى الياء والقلبُ تصرفٌ والتصرُّف غير داخل في الحروف على ما سيذكره بعد في قوله
حَرْفٌ وَشِبْهُهُ مِنَ الصَّرْفِ بَرِيْ
فإذا ما أُميل من الحروف إنما أميل شذوذا كإمالتهم «يا» التي للنداء وبلى ولا في قولهم إمّا لا فافْعَل كذا وإنما احتاج إلى ذكر الأسماء فقط فبين أنها على قسمين وهي:
المسألة الثالثة:
مُتمكِّنٍ وغير متمكن فالمتمكن هو الذي تدخله الإمالة مطلقا وغير المتمكن أصلُه لا يمال مطلقا من حيث كانت الإمالة نوعا من التصرف والحروف وما أشبهها لا يدخلها تصرف لكن وقعت الإمالة فيها على وجهين مطردةٍ وغير مطردة فأما المطردة ففي الاسمين المذكورين وهما: ها ونا فاحتاج إلى ذكرهما وأنّ الإمالة فيهما مطردة وهذا مما تأكد عليه ذكرُه من جهة أنها فيهما كثيرة وذكر مع ذلك بالقصد الثاني ما جاءت فيه الإمالة غير المطردة فقال: وَلَا تُمِلْ كذا... إلى آخره ويعني أن غير المتمكن سوى الاسمين مُتلقى إمالته من السماع وليس لأحد أن يقيسها فيه ومثال ما جاء [200]
من ذلك ذا التي للإشارة أمالوها لأنا أشبهت بتثنيتها وجمعها وتصغيرها المتمكن فكأن ألفها منقلبة وأمالوا أيضا أنَّى نحو قوله تعالى ﴿أنَّى لكِ هذا﴾ وقوله ﴿أنّى شئتُم﴾ قال سيبويه «لأنّ أنّى تكون مثل أين وأين كخَلْفَك» قال وإنما هو اسم صار ظرفا فقرب من عطشى» وأمالوا أيضا متى نحو قولك متى قيامُ زيد؟ وذلك لأنها ظرف فجرت مجرى الظروف المعربة فعُومِلت مُعاملة فتى وأمّا با تا ثا فهي وإن كانت تشبه الحروف فإنها إلى المتمكن أقربُ لأنها إنما تكون كذلك على حرفين في حالة الوقف وحين جرت مجرى الأصوات لإفرادها واستعمالها كذلك دون تركيب فعوملت من هذه الجهة معاملة الحروف فإذا وقعت في الكلام مركبة جرت مجرى سائر الأسماء فقلت ياءٌ وتاء وثاء وراء ونحو ذلك فهي في حالة الوقف أقرب إلى نحو واحدْ اثنانْ ثلاثةْ وشبه ذلك مما هو مقوفٌ قابل للتصرف بوضعه حالة التركيب ألا ترى إلى قولهم في الثلاثي منها دالٌ ذال لام كاف ولا شك أن هذه مثل واحد اثنان فتكون في قبول الإمالة مثل المتمكنة وقال ابن جني «إنما [201]
دخلتْ فيها الإمالة من حيث دخلتْ بلى وذلك أنها شابهتْ بتمام الكلام
واستقلاله بها وغناها عما بعدها الأسماءَ المستقلة بنفسها فمن حيث جازت
إمالة الأسماء كذلك أيضا جازت إمالة بلى ألا ترى أنك تقول في جواب
من قال لك ألم تفعل كذا؟ بلى.
فلا تحتاج بلى لكونها جوابا مستقلا إلى
شيء بعدها فلما قامت بنفسها وقويت لحِقت في القوة بالأسماء في جواز
إمالتها كما أميل نحو أنّى ومتى وكذلك أيضا إذا قلت ألف با تا
قامت هذه الحروف بأنفسها ولم تحتج إلى شيء يُعرِّبها ولا إلى شيء
تتصل في اللفظ به فتضعف وتلطف لذلك الاتصال عن الإمالة المؤذنة
بقوة الكلمة وتصرفها» قال «ومما يقوِّي ذلك ما روينا عن قطرب أن
بعضهم قال لا أفعل فأمال لا وإنما أمالها لما كانت جوابا قائمة
بنفسها فقويت بذلك فلحقتْ بالقوة باب الأسماء والأفعال فأُميلت كما
أميلا هذا وجه إمالتها وهي حروف هجاء» انتهى ما قاله ابن جني
فإن قلت فمن أيِّ قسم تُعدُّ إمالة هذه الألفات وهي قولهم با تا ثا را طا ظا إلى آخرها أمِنْ قسم المتمكن الذي إمالته قياس فيكون داخلا في إمالة الأسماء المتمكنة أم من قسم غير المتمكن فتكون من الأسماء التي استثناها الناظم؟ [202]
فالجواب أنها تدخل له في قسم غير المتمكن لأنها عنده من حيث استعملت استعمال الأصوات ووضعت وضعَها لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف ولا توزن ولا يدخلها من هذه الأحكام ما يدخل المتمكن صارت كغير المتمكن من الأسماء ويُبيِّن ذلك أن إمالتها لغير موجب إذ ليست الألفات فيها على رأيه بمنقلبةٍ عن شيء فضلا عن أن تكون منقلبة عن ياء فتمال لذلك، بلى هي كلا وما ونحوهما ولذلك جعل الفارسي القياس فيها بعد التركيب أن تكون من باب طويت وشويت لا من باب حييتُ وإن سمعت فيها الإمالة لأنها لا تدل على أصلِ الألف إذْ ليس لها أصل غير ما ظهر من لفظها وسيأتي لهذا ذكرٌ في التصريف إن شاء الله
ووجه ما اطَّرد في ها ونا من الإمالة أنهما ضميران متصلان فقاما بما اتصلا به مقام الجزء منه ألا ترى أن سبب إمالتهما إنما يُوجد أبدا بما اتصلا به فصار قولك منها ومنا كسربال وبها وبنا كعماد والإمالة فيما اتصلا به مطردة كذلك ما كان كالجزء منه وهذا ظاهر
ولما أتم الكلام على كليات الإمالة في الألف أخذ يذكر الإمالة حيث وقعت منفردة عن الألف وذلك الحركات فقال
وَالْفَتْحَ قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ فِي طَرَفْ... أَمِلْ كَـ (لِلْأَيْسَرِ مِلْ تُكْفَ الْكُلَفْ) كَذَا الَّذِي تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ فِي... وَقْفٍ إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ [203]
فاعلم أن الحركات ثلاث وهي الضمة والفتحة والكسرة أما الكسرة فخارجة عن قصد الإمالة لأن الإمالة من حقيقتها وغيرها من الحركات إذا أميل فإنما ينتحى به نحوها فلا يصح دخولها هنا وأما الضمة والفتحة فهما اللتان يمكن ذلك فيهما بأن يُنحى بهما نحو الكسرة كما نُحِيَ بالألف نحو الياء وقد ذكر الإمالة فيهما النحويون لكن الناظم هنا لم يذكر للضمة إمالة بل أفرد الفتحة بالذكر فيُسأل لم تركها هنا وقد ذكرها هو وغيره؟ ويجاب عن ذلك بأن الإمالة فيها نادرة ومستنكرة في القياس قال ابن جني إن ذلك قليل مستنكر ألا ترى إلى كثرة قيل وغيض وقلّه نحو مذعور وابن بور وقال الفارسي إنها إمالة ما كانت تجب في القياس كما تجب إمالة الفتحة نحو الكسرة في نحو من الضرر لأن الضمة لا تقرب من الكسرة كما تقاربها الفتحة وتقرب الفتحة من الكسرة كما تقرب الياء من الألف ولا تقرب الضمة كما لا تقرب الواو لأن الذي فعل ذلك فعله كما قال مغيرة فأتبع الكسرة الكسرة فكما أن الكسر هنا ليس بقياس كما كان نحو شعير ورغيف قياسا وإنما هو على حد أنبؤك [204]
وأَجُوءُك كذلك إمالة الضمة في المُنْقُر نحو الكسرة على حد قلب الضمة كسرة في مغيرة ومنتين وكذلك لو كانت إمالة واو ثم نظر هذه المسألة بإمالة الضمة نحو الكسرة في رد وأن ذلك للدلالة بالإشمام على بناء الفعل للمفعول لا للمشاكلة بين الصورتين كشعير ومن الضرر ومن عمرو هذا ما قاله الفارسي في التذكرة من عدم كون هذه الإمالة على القياس فبحق أن يترك الناظم ذكرها
ثم نرجع إلى كلام الناظم فاعلم أنه ذكر لإمالة الفتحة سببين أحدهما وقوع راء مكسورة بعدها والثاني وقوع هاء التأنيث الموقوف عليها بعدها ولم يذكر سببا ثالثا هنا لأنه قد ذكر قبل فيها إمالة المناسبة وقد تقدم بيان ذلك وابتدأ بذكر وقوع الراء المكسورة بعدها فقوله «وَالْفَتْحَ قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ فِي طَرَفْ... أَمِلْ» الْفَتْحَ: منصوب على المفعولية بأَمِلْ وقَبْلَ متعلق باسم فاعل محذوف هو حال من الفتح وفِي طَرَفْ: في موضع الصفة لرَاءٍ والتقدير: أمل الفتح كائنا قبل كسر راء متطرفة ويعني أن الفتحة تمال إذا وقعت قبل راء مكسورة واقعة في طرف كلمة أي في آخرها وقد أشعر هذا الكلام بأن العلة في إمالة الفتحة الكسرة الواقعة على الراء مركبة من [205]
شيئين أحدهما الكسرة وقد تقدم في أحكام الألف كونها علة أيضا والثاني كونها في راء لا في غيرها ويتبين معناها في تفصيل الكلام على القيود المتعلقة بهذا النظم وهو في هذه المسألة قد اشتمل على قيود:
أحدها كون الفتحة الممالة قبل كسر وهذا القيد يعطي شيئين أحدهما أن الكسر إنما يكون علة في إمالة الفتحة إذا كان بعد الفتحة والفتحة قبله فلو كان الكسر متقدما والفتحة بعده لم تجز إمالة الفتحة كما لو قلت مررت ببقرِ جعفر فلا تميل فتحة الجيم والثاني كونها متصلة بالكسر ليس بينهما فاصل لأن هذا هو السابق للفهم من قوله «وَالْفَتْحَ قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ» وأيضا لو كان على إطلاق القبلية سواء أكانت مع فصل بينهما أم لا لم يكن لذلك في كلامه حد محدود فيختل وضع المسألة فلا بد من فهم الاتصال من كلامه وعلى هذا فلو كانت الفتحة غير متصلة بالكسر لم تُمَل على مقتضى مفهوم كلامه كما إذا قلت من عمرو ومن صدْر ومن ظهْر وما أشبه ذلك كل هذا لا يمال عنده وكان ذلك لبعد الفتحة من الكسر فلا تقوى الكسرة على إمالتها
والقيد الثاني كون الكسر في راء وذلك قوله «قَبْلَ كَسْرِ رَاءٍ» فنسب الكسر إلى الراء فدل على أن غيرها من الحروف المكسورة بخلافها كما إذا قلت من السلف أو من السلم أو من العَمضلِ أو نحو ذلك فلا تميل مثل ذلك والراء هي التي اختص بها هذا الباب لما فيها من التكرير فكأن الكسرة فيها كسرتان فقويت على إمالة الفتحة قبلها لأجل ذلك [206]
كما أمالوا لأجلها الألف لأن الفتحة من الألف قال السيرافي الراء في باب الإمالة حرف لا نظير له للتكرير الذي فيه ولاختصاصه بأحكام ينفرد بها منها ما انفرد به في هذا الباب من إمالة ما قبله إذا كان مكسورا وقبله فتحة ومن جواز الإمالة من أجله فيما تمنع حروف الاستعلاء من إمالته انتهى معنى كلامه فالراء لها اختصاص بهذا المعنى وهو مما اختُصت به في هذا الباب بخلاف غيرها من الحروف
والقيد الثالث كون الراء متطرفة أي في آخر الكلمة وهذا القيد فيه شيئان أحدهما أنها إذا كانت متوسطة فلا تمال لأجلها وإن كانت مكسورة فلو قلت هو مشترك أو مكترث أو محترف أو نحو ذلك لم تمل الفتحة لأجل الراء وكذلك إن كانت أولا لأن المتطرف عندهم هو الذي في آخر الكلمة فإذا قلت «عملت عملَ رباح» لم تمل فتحة اللام على مقتضى كلامه والثاني كون الراء متصلة مع ما قبلها في كلمة واحدة إذ لا تكون الراء في آخر كلمة إلا ما قبلها من نفس تلك الكلمة فلو كانت منفصلة نحو عمل رباح أو خبط رياش أو نحو ذلك فمقتضاه ألا تميل هذا ما يحتمله الشرح ومثال ذلك قولك من البقر ومن الكبر ومن الصغر ومن العبر ومن المُحاذَرِ ومن الأكبر والأصغر مثّل الناظم بقوله «لِلْأَيْسَرِ» إلا أنه معترض من أربعة مواضع: أحدها أن شرط الاتصال خطأ أعني اتصال الفتحة بالراء المكسورة فإن النحويين قد أجازوا الفصل بينهما بحرف ساكن أو [207]
متحرك لكن بشرط أن يكون صحيحا فالساكن نحو من عمرو ومن بكر ومن بدر وما أشبه ذلك قال سيبويه «وتقول من عمرو فتميل العين لأن الميم ساكنة» ثم قال بعد هذا «وقالوا خَبَط الريف كما قالوا من المطر» يعني فلم يعتبروا الفاصل الساكن والمتحرك نحو من حذِرِ ومن أشِرِ ومن نهِر وما أشبه ذلك وحكى سيبويه عن العرب رأيت خَبَطَ فِرِنْدٍ ممالا كما قالوا من الكافرين فأمالوا فإذا كان جائزا في المنفصل فهو في المتصل أجوز وقد أجاز المؤلف في التسهيل الإمالة مع الفصل بالساكن الصحيح فأما لو كان الساكن ياءً فلا تجوز الإمالة فلو قلت مررت بعيْرٍ أو بخير أو بِدَيْر لم يُمِل لأن تقريب الفتحة من الكسرة يخفيها مع الياء كما أن الكسر نفسه في الياء أخفى هذا تعليل الكتاب وهو ظاهر فما أشار إليه الناظم من اشتراط الاتصال لا ينهض إذًا
والموضع الثاني اشتراطه أن تكون الراء متطرفة في آخر الكلمة فإنه غير مشترط عند النحويين وقد أجازوا أن تميل نحو عمل عمل رياح ورأيتهم أحسن رجال ورأيت خبط رياح وكذا قولهم رأيت خبط فرند نص سيبويه وغيره على صحة الإمالة في هذا وأيضا فما المانع من إمالة نحو مشترك ومعترف وقد وُجد سببُ الإمالة فيه ويدل على صحة الإمالة فيه أن سيبويه جعل قولهم من الشرِق مما مَنَعتِ القافُ فيه إمالة الشين وما [208]