، والإضافة على وجهين: إضافة اسم إلى اسم نحو: غلام زيد، وإضافة فعل إلى اسم بواسطة الحرف المضيف، نحو: مررت بزيد، وكان لكل واحد من القسمين أحكام تختص به، خص كل قسم بباب على حدة، وبدأ بإضافة الفعل إلى الاسم، وهي المختصة بالحروف، فقال:
هاك حروف الجر وهي من إلى... حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا... والكاف، والبا، ولعل ومتى
(ها) مقصورا، وهاء ممدودًا أسما فعل معناهما: خذ، ويجوز لحاق الكاف لهما حرف خطاب بحسب المخاطب من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، كما في اسم الإشارة، فتقول: هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن، وكذلك سائر الحالات، فمعنى قوله: (هاك حروف الجر): خذ حروف الجر، وكأنه على حذف المضاف، أي خذ أحكام حروف الجر، من معانيها، ومواضعها، وغير ذلك من أحكامها، وسماها حروف الجر، لأنها تعمل الجر فيما دخلت عليه؛ فسميت بأثرها، وتسمى أيضًا حروف الإضافة، وذلك من جهة معناها؛ لأنها تضيف إلى الاسم ما قبله أو ما بعده، فإذا قلت: مررت بزيد، فقد أضفت المرور إلى زيد بالباء.
وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب، وكذلك سائر الحروف.
ثم أخذ في تعدادها فقال: (وهي من إلى) إلى آخرها، عطف بعضها على
بعض بحرف عطف تارة، وبغير حرف تارة، بل على تقديره حسب ما / اعتاده في حذفه إياه اختصارًا، والذي ذكر منها عشرون حرفًا، وهي: من، نحو: جئت من الدار، وإلى نحو: ذهبت إلى السوق، وحتى، نحو: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾، وخلا، نحو: قام القوم خلا زيد، وحاشا، ؟ نحو: قام القوم حاشا زيد، وعدا، نحو: جاء القوم عدا زيد، وفي، نحو: زيد في الدار، وعن، نحو: أعرضت عن زيد، وعلى، نحو: قعدت على الحصير، ومنذ ومذ، نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ومذ يوم الجمعة، ورب، نحو: رب رجل يقول ذاك، واللام، تحو: المال لزيد، وكي، نحو: جئتك كي تكرمني، على قولهم: كيمه، والواو في القسم نحو: والله لأكرمن زيدًا، والتاء كذلك نحو: تالله لا يقوم زيد، وكاف نحو: زيد كأسد، والباء نحو: مررت بزيد.
ولعل حرف جر عند بني عقيل، سمعه أبو زيد من بني عقيل.
وروى الجر بها أيضًا الفراء وغيره، ولامها الأخيرة مفتوحة أو مكسورة؟، وأنشدوا على ذلك:
لعل الله يمكنني عليها... جهاراً من زهير أو أسيد
وروى الفراء الجر بعل، وأنشد:
عل صرف الدهر أو دولاتها... يدنيننا اللمة من لماتها
فيستريح القلب من زفراتها
ومتى أيضًا حرف الجر عند هزيل، حكى يعقوب عنهم أنهم يستعملونها بمنزلة (من).
وقال الكسائي، قال معاذ: سمعت ابن جوية يقول: وضعته في متى كمي، أي: في كمي.
وأنشد الأصمعي لأبي ذويبٍ الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت... متى لججٍ خضر لهن نئيج
وقال أبو المثلم الهذلي:
متى ما تنكروها تعرفوها... متى أقطارها غلق نفيث
وفي كون (متى) في هذه اللغة حرفًا نظر، فقد قال يعقوب في كتاب المقصور والممدود: إنها بمعنى وسط، وإن معنى قولهم: جعلته في متى كمي، أي: في وسط كمي، فأدخل عليها (في) كما ترى، وذلك شاهد على أنها اسم لا حرف.
ثم قال: وقد تكون بمعنى (من)، ثم أنشد البيتين، فحكاية معاذ لهذا لا دليل فيها لوضوح كونها اسمًا؛ بدليل دخول (في) عليها، قال ابن جني: أما (متى) في لغة هذيل، فإنها اسم.
قال: وكذلك التي بمعنى (من) هذه، وكأن
حرف الجر مراد معها، أي: ترفعت من متى لجج، أي: من أوساط لجج، وكذلك قول الآخر: متى أقطارها، أي: من متى أقطارها، ثم قال: ولا ينكر أيضًا أن يكون حرفًا كـ "من"، فإذا لم يتحصل يعد كون (متى) في لغة هذيل حرفًا، فإثبات الناظم لها في حروف الجر دعوى لا دليل عليها.
والجواب: أن كون (متى) بمعنى: وسط في تلك اللغة ثابت، وليس هو مراد ابن مالك، وإنما مراده الاستعمال الآخر؛ إذ اللغويين حكوا في (متى) في لغة هذيل استعمالين:
أحدهما: أن تكون بمعنى وسط، وذلك قولهم: وضعته في متى كمي.
والآخر: أن يكون بمعنى (من) كما في الأبيات المذكورة.
وأما ما جوزه ابن جني فبناء على قول من قال: إنها في الشعر بمعنى / وسط أيضًا؛ إذ للعلماء فيها قولان:
أحدهما: هذا، وأن كونها بمعنى (من) لم يثبت بعد، فرد المحتمل إلى المحقق.
والثاني: أنها تستعمل بمعنى (من)؟، وهو رأي يعقوب، وجماعة من اللغويين والنحويين - وإلى هذا القول ذهب الناظم هنا، وفي التسهيل ميلًا مع الأكثر - حكى هذين القولين ابن السيد في قوله: متى لجج خضر، فكأن ابن جني جوز كل واحد من القولين واعتمد الناظم على أحدهما.
ولم يذكر من حروف الجر (لولا) إذا جاء بعدها الضمير المتصل نحو: لولاك، ولولاه، وإن
كان مذهب سيبويه أنها في تلك الحال جارة؛ لقلة مجيئها كذلك؛ ولذلك لما ذكر (لولا) لم يعرج عليها في ذلك القليل، بل قال:
لولا ولو ما يلزمان الابتدا... إذا امتناعًا بوجود عقدا
ويحتمل أن يكون مذهبه هنا مذهب الأخفش والفراء القائلين بأن هذه الضمائر بعد (لولا) في موضع رفع، كأنه من وضع المتصل موضع المنفصل، ويكون قوله: (يلزمان الابتدا) نفيًا لرأي سيبويه فيها، فلا تكون على هذا من حروف الجر أصلًا.
أو يكون هنا رأي [رأي] المبرد في أن لولاك، ولولاه ليس من كلام العرب.
وهذا أظهر في نفي وقوع (لولا) حرف جر، وسيأتي الكلام على هذا كله في: فصل (لو) إن شاء الله.
وأعلم أن هذه الحروف تأتي على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون حروفًا لا غير، كالباء، والواو، والتاء، ورب، ومن، وإلى، وحتى، وفي، واللام، وكي، ولعل.
والثاني: أن تكون حروفًا تارة وأفعالًا تارة, وذلك: خلا، وعدا، وحاشا، وقد مر ذكر ذلك في باب الاستثناء.
والثالث: أن تكون حروفًا تارة وأسماء تارة، وذلك: عن، وعلى، ومذ، ومنذ، والكاف، ومتى.
وإنما هذا التقسيم بالنسبة إلى وضع اللفظ بعينه، لا بالنسبة إلى اشتراك اللفظ بسبب الإعلال التصريفي، فإن ذلك عارض، كـ (من) الجارة مع: (من) أمرًا من: مان يمين، و (في) الجارة مع (في) أمرًا للمخاطبة من: وفي يفي، وكذلك ما أشبهه، فليس المراد هذا، وإنما المراد ما كان فيها في أصل الوضع عومل معاملة الحرف والاسم، أو معاملة الحرف والفعل والمعنى واحد، وعلى هذا التقسيم بني الناظم كلامه هنا.
وهذه الحروف تقدم منها في باب الاستثناء: خلا، وحاشا، وعدا، ويختص منها بباب القسم: الواو، والتاء، فأحكامهما مستوفاة هناك، ولم يذكر هنا من أحكامهما إلا بعضًا: وهو ما يتعلق بهما من حيث هما حرفا جر، وأما ما يتعلق بهما في القسم، فلم يذكره في هذا النظم؛ إذ ترك باب القسم جملة، فلم يبوب عليه فيه أصلًا، وهو ضروري الذكر كسائر الأبواب؛ بل الضرورة إليه أشد من الضروري إلى باب الإخبار.
وما أدري ما الذي صده عن ذكره؟ وعلى كل تقدير فالأحرف الجارة في القسم هي هذه، وما / يتعلق بها من أحكام الجر قد ذكره.
فإن قيل: فقد نقصه من حروف القسم الجارة (من)، فإنك تقول: من ربي لأفعلن، إما على أن (من) وضعت موضع الباء.
والأصل: (بربي).
وإما على أن المعنى: من أجل ربي، وكذلك: مـ الله لأفعلن، على أن أصلها الواو، كأنه قال: والله لأفعلن.
فالجواب: أن (من) أصلها عنده (أيمن)، فهي مما غير في القسم، وكذلك: مـ الله، فهي أسماء لا حروف؛ فلذلك لم يذكرها.
والله أعلم.
ثم لما عدها أتى قبل ذكر أحكامها التفصيلية المختصة بكل حرف بأحكام لها
عامَّة مشترك فيها، فقال:
بالظاهر اخصص منذ، مذ وحتى... والكاف، والواو، ورب، والتا
فقسم الحروف الجارة أولًا على قسمين:
أحدهما: ما لا تدخل من الأسماء إلا على الظاهر دون المضمر، وذلك سبعة أحرف:
أحدها والثاني: مذ، ومنذ، وهو قوله: (بالظاهر اخصص منذ، مذ) فتقول: ما رأيته منذ يومين، ومذ يومين، ولا تقول: ما رأيته مذهما، ولا منذهما، ولا مذه، ولا ما كان نحو ذلك.
قال سيبويه: "واستغنوا عن الإضمار في (مذ) بقولهم: مذذاك؛ لأن ذاك اسم مبهم، وإنما يذكر حين يظن أنك قد عرفت ما يعني"، فهو عنده من باب الاستغناء، كما استغنوا عن وذر، وودع بترك، وبليلة عن ليلاة، ولذلك قالوا: ليال وبلمحة عن ملمحة، ولشله عن مشبه، وعليه جاء ملامح ومشابه أغنى عن المتروك، واستغنوا بذكر عن مذكار أو مذكير، وعلى المتروك جاء مذاكير، وعن جمع الكثرة بجمع القلة كأرجل وآذان، وعن جمع القلة بجمع الكثرة كشسوع ورجال.
وهو باب واسع.
والثالث: حتى، فتقول: دع القوم حتى يوم كذا، ورأيتهم حتى زيد، ولا
تقول: دع القوم حتاه، ولا رأيتهم حتاه، ولا رأيتهم حتاك.
قال سيبويه: "واستغنوا عن الإضمار في (حتى) بقولهم: رأيتهم حتى ذاك، وبقولهم: دعه حتى يوم كذا وكذا، وبقولهم: دعه حتى ذاك وبالإضمار في (إلى) من قولهم: دعه إليه لأن المعنى واحد".
والرابع: الكاف فتقول: أنت كزيد، وعمرو كالأسد، ولا تقول: أنت كه، ولا كك، ولا نحو ذلك.
قال سيبويه: "وذلك أنهم استغنوا بقولهم: مثلي وشبهي عنه فأسقطوه".
والخامس: الواو فتقول: والله لأفعلن.
﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾.
ولا تقول: وه لأفعلن، ولا وك، فإن أردت الإتيان بالضمير أتيت بالباء مكان الواو، ومن هنا ظهر لهم أن الباء هي الأصل؛ لأنها أعم استعمالًا، وأقوى تصرفًا، وإنما أبدلت من الباء لمضارعتها لها لفظًا ومعنى.
أما اللفظ: فلان مخرجهما معًا من الشفتين.
وأما المعنى: فإن الباء للإلصاق، والواو للجمع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد اجتمع به، قاله ابن جني.
والسهيلي ينكر إبدالها من الباء، وليس هذا موضع الاحتجاج على الصحيح من المذهبين.
والسادس: (رب) فتقول): رب رجل / يقول ذاك، و:
ألا رب خصم فيك ألوي رددته
ولا يجوز أن تقول: ربك، ولا ربني، ولا زيد ربه؛ لأن (رب) خاصتها العرب بالدخول على النكرات، فلا تقول: رب زيد، ولا رب هذا، ولا رب الرجل، والضمائر أعرف المعارف، فلا تدخل عليها من باب أولى.
وأما من جاء من نحو: ربه رجلًا، فإنما ساغ من جهة أن هذا الضمير قد انتفى عنه المعنى الذي كان به ضمير النكرة معرفة، وهو عودة على معروف تقدم، فذلك هنا مفقود؛ فإنه عائد على ما لم يعقل إلا بعد الفراغ من ذكره، فلم تدخل عليه (رب) إلا وهو أشد إبهامًا من النكرة الظاهرة؛ لأن النكرة الظاهرة تدل بنفسها على جنس أو نوع منه بخلاف الضمير المفسر بمذكور بعده.
والسابع: التاء، فتقول: تالله لا يقوم زيد، ولا تقول: ته ولا تك، كما تقول: به وبك.
ووجه ذلك أن التاء لما كانت عندهم بدلًا من الواو المبدلة من الباء، وكانت الواو لا تدخل على المضمر كانت التاء أولى ألا تجر المضمر؛ ولذلك اختصت باسم الله تعالى فلم تدخل على غيره إلا شاذًا كقولهم: ترب الكعبة.
هذا تمثيل ما ذكر.
وقد ذكر سيبويه من هذه الحروف: الكاف، وحتى، ومذ في باب مفرد من أبواب الضمائر، ولكن لا يخالف فيما تقدم؛ إذ قد ذكر أحكام البواقي في مواضعها.
وحكى السيرافي أن المبرد أجاز في الكاف، وحتى، ومذ ما منع سيبويه
فيقول: حتى هو رفعا، وحتى إياه نصبا، وحتاه، وحتاك جرًا، وكذلك: مذه، ومذهو.
وعلى هذا يقول: زيد كك وأنت كه ونحو ذلك.
قال السيرافي: وقول سيبويه هو الموافق لكلام العرب.
وما جاء من ذلك على خلاف ما تقرر فمحفوظ كما سيذكر بعد.
وسكوته عن الحروف البواقي يقتضي أن حكمها مخالف لهذه، وأنها لا تختص بالظاهر؛ بل تدخل على كل ظاهر ومضمر، وهو القسم الثاني، فيجوز أن تقول: المال لزيد، والمال له، ومررت بزيد، ومررت به، وبك لأفعلن، وعلى زيد مال، وعليك مال، وجئت من الدار، وقرب مني، وكذلك سائر الحروف، لكنه يلزم من هذا التقسيم أن تكون حاشًا، وخلا كـ "إلى" و"على" تدخلان على الظاهر والمضمر.
وقد نص الفارسي في بعض كتبه على أنهما كحتى لا يضافان إلى المضمر، فيبقى هذا الموضع مشكلًا إلا أن يدعي الناظم خلاف ذلك، فقد أنشد في الرشح في فصل حاشا قول الشاعر:
في فتية جعلوا الصليب إلههم... حاشاي إني مسلم معذور
فيمكن أن يدعي مثل ذلك في (خلا) أيضًا؛ إذ لا مانع منه.
والله أعلم.
ثم قسم القسم الأول من القسمين تقسيمًا آخر فقال:
وأخصص بمذ ومنذ وقتًا وبرب... منكرًا والتاء لله ورب
فجعله ضربين:
أحدهما: ما يختص ببعض الأسماء الظاهرة دون بعض، وذلك أربعة أحرف: الأول، / والثاني: مذ ومنذ، وهما مختصان بالزمان، وذلك قوله: (وأخصص يمذ ومنذ وقتًا) فتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة، ومنذ يومين، ولا تقول: ما رأيته مذ قيام زيد، ولا منذ قيام زيد، وهذا الذي قال هو الذي يظهر من كلام سيبويه وغيره حيث جعلوهما لابتداء الغاية في الزمان أو للغاية كلها، لكن في الزمان أيضًا، فيقتضي ذلك أنهما لا يدخلان إلا على الزمان.
وهذا مشكل على رأيه؛ لأنه أجاز في التسهيل أن يضافا إلى المصدر، فتقول: ما رأيته مذ قيام زيد، ومنذ قيام زيد.
فإذا ليس بمختص بالزمان على رأيه، وكذلك تقول: ما رأيته مذ أن زيدًا قائم، وهو على ذاك لا يختص بالزمان، فكيف يقول: (وأخصص بمذ ومنذ وقتًا).
والجواب عن ذلك: أن (مذ) و (منذ) إذا جرا المصدر، فعلى تقدير الزمان لابد من ذلك، كأنك قلت: مذ زمان قيام زيد، ومذ زمان أن زيدًا قائم، فلم ينفكا إذًا عن الاختصاص بالزمان إما لفظًا وإما تقديرًا، وكذلك أيضًا يقدر الزمان وإن كان اسمًا، ووقع بعدهما الجملة، نحو: مذ قام زيد، حسب ما
يذكر في موضعه إن شاء الله.
والثالث: رب، وهي مختصة بجر النكرة لقوله: (وبرب منكرًا) أي: وأخصص برب منكرًا من الأسماء، فلا تدخل على المعارف، فتقول: رب رجل يقول ذاك، ولا يقال: رب زيد الذي يقول ذاك، وما جاء من قولهم: ربه رجلًا، فقد تقدم العذر عنه، وأنها إنما جرت هنا المضمر لإبهامه كالنكرة مع أنه نادر كما سيأتي بعد.
فإن قيل: كيف تختص بالنكرة، وأنت تقول: رب رجل وأخيه، فتعطف على مخفوضها النكرة معرفة، والمعطوف مقدر الوقوع في موضع المعطوف عليه، فكأنك قلت: رب أخيه.
وأبين من هذا أنك تقول: رب ضارب زيد.
وقد قرر النحويون أن (رب) تصرف زمان ما تدخل عليه إلى الماضي، فهي مختصة بالماضي من الزمان، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي إضافته محضة.
فالإضافة إذًا في رب ضارب زيد محضة، وإذا كانت محضة، فضارب معرفة بالإضافة، وقد دخلت عليه (رب)، فـ (رب) إذًا يجوز أن تجر المعرفة والنكرة، فلم تختص إذًا بالنكرة، كما قال- أنشد سيبويه لجرير -:
يا رب غابطنا لو كان يعرفكم... لاقي مباعدة منكم وحرمانًا
ولا يقال: لعل الناظم يقول: إن إضافة اسم الفاعل غير محضة، وإن كانت بمعنى الماضي؛ لأنه نص على اختصاص إضافة التخفيف بما كان من اسم الفاعل
بمعنى الحال أو الاستقبال، فالذي بمعنى الماضي إذًا إضافته لغير التخفيف، وهي إضافة التخصيص أو التعريف.
فالجواب: أن قولك: رب رجل وأخيه، ليس مما نحن فيه؛ إذ يجوز عندهم في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه في مواضع معدودة هذا منها.
ومنها: كل رجل وأخيه، وكل شاة وسخلتها، وكم رجل وأخيه، و:
أي فتى هيجاء أنت وجارها
ولا رجل وأخاه، وهذه ناقة وفصيلها/ راتعان، وهل من رجل وأخيه؟ فلا اعتراض برب رجل وأخيه؛ إذ لا يحل محل المعطوف عليه وإن كان معطوفًا، كما لا تحل هذه المعطوفات كلها محل ما عطفت عليه.
وأما: رب ضارب زيد، فالإضافة فيه غير محضة، إما على ما رآه في التسهيل من أنها لا يلزم مضي ما تتعلق به، بل قد يكون حالًا ومستقبلًا، فليس بصارفة للمضي.
قال ذبك في باب حروف الجر.
ونقل عن ابن السراج جواز أن يكون
حالًا ومنع أن يكون مستقبلًا، وأيضًا فإنه نص في باب الإضافة على أن رب تدخل على ما هو حال أو مستقبل، فقال:
وإن يشابه المضاف يفعل... وصفًا فعن تنكيره لا يعدل
ثم قال:
كرب راجينا عظيم الأمل
فجعل (رب) داخلة على ما شابه (يفعل) الذي هو للحال أو الاستقبال.
وإما أن يكون يرى هنا أن (رب) تخلص للمضي كمذهب غيره من النحويين، ويتأول (يا رب غابطنا) على حكاية الحال الماضية، فكأن (رب) دخلت اعتبارًا بمعنى المضي الحاصل في الوجود و (غابط) حكت حاله فيما مضى، فصح انفصال إضافته.
وعلى الجملة فقد اتفقوا على أن ما بعد (رب) لا يكون إلا نكرة، وقد ظهر ذلك بما أنشده سيبويه لأبي محجن الثقفي رضي الله عنه:
يا رب مثلك في النساء غريرة... بيضاء قد متعتها بطلاق
فوصف مثلك بالنكرة، فدل على أنه نكرة وإن كانت رب مختصة بالماضي، فصح ما نص عليه الناظم من اختصاص رب بأن تجر النكرة ويتعلق برب هنا مسألتان:
إحداهما: أنه قد تقرر فيها جعله لها من حروف الجر، فالحرفية فيها ثابتة عنده، وهذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيين إلى أنها اسم، والأصح ما ذهب إليه الناظم؛ لخلوها من العلامات اللفظية الدالة على الاسمية، وكذلك خلت من الدلالات المعنوية؛ ولأنها مساوية للحرف في عدم استقلالها بالمفهومية دون ذكر مجرورها، وقد خرجت (كم) عن هذا بصلاحيتها لعلامات الأسماء، وهي الإضافة إليها، نحو: غلام كم رجل ضربت؟ ودخول حرف الجر عليها، نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك؟ والابتداء بها نحو: كم مالك؟ ووقوعها مفعولًا نحو: كم أكرمت؟ وغير ذلك من خواص الأسماء وليس في (رب) شيء من هذا، وليست بفعل باتفاق، فدل على أنها حرف.
فإن قيل: إن الذي يدل على أسميتها أمور:
منها: أنها مساوية لكم في معنى العدد، ونظيرتها في معنى التكثير، أو نقيضتها إن كانت للتقليل، والشيء يحمل على نظيره ونقيضه في الحكم.
ومنها: اختصاصها عن حروف الجر بما لا يكون في سائرها كلزومها صدر الكلام واختصاصها بجر النكرة الموصوفة، وحذف متعلقها.
ومنها: دخول التصرف فيها بالحذف فتقول: رب.
وقد قرئ بالوجهين: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾.
والتصرف بعيد عن الحروف قريب من الأسماء، فإذا كان كذلك لحقت بجنس ما يتصرف.
ومنها: وقوعها مبتدأ مثل (كم) فتقول: / رب رجل قائم، وأنشدوا:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن... عارًا عليك، ورب قتل عار
فالجواب: أن هذا كله لا دلالة فيه، أما كونها للعدد فليس كذلك؛ بل هي للتقليل أو التكثير أولهما، وكلاهما من معاني الحروف لا من معاني الأسماء.
وأما لزومها الصدر؛ فلمضارعتها لحروف النفي، لأن التقليل تقريب من النفي؛ ولذلك تستعمل (قل) في النفي، فتقول: قلما يقوم زيد، بمعنى: ما يقوم زيد، وغن كانت للتكثير فلمضارعة (كم)، ولا يلزم من ذلك أسميتها، كما لم يلزم من مضارعة (قل) للنفي أن تصير حرفًا.
وأما اختصاصها بجر النكرة الموصوفة فلا يلزم من اختصاصها ببعض الأسماء أسميتها، وإلا لزم من اختصاص التاء أو الواو بالظاهر أن تكون أسماء.
وأما التصرف: فقد يأتي في الحروف الحذف، وأكثر ذلك في المضاعف كأن وأن ولعل، تقول فيه: عل، وحاشا: حاش وحشا.
والكوفيون يزعمون أن سوف يلحقها الحذف، وليست باسم باتفاق.
وأما (رب قتل عار) فعار: خبر مبتدأ محذوف، أي هو عار، لا أن (رب) مبتدأ فقد ثبت أن (رب) حرف لا اسم، والله أعلم.
والثانية: أن الناظم أتى هنا برب هكذا خفيفة ساكنة، فيمكن أن يكون ذلك لأجل القافية، والأصل (رب)، فيحتمل أن يكون أتى بذلك على أصل اللغة في استعمالها، فرب منقولة بضم الراء وإسكان الباء.
وفي (رب) لغات غير
هاتين، فيقال: رب ورب ورب ورب، وتلحقها التاء مفتوحة ورب ورب.
وذكر في التسهيل لها عشر لغات.
والرابع من الحروف المختصة ببعض الأسماء الظاهرة: التاء، فزعم أنها مختصة باسمين من أسماء الله تعالى، وهما: الله والرب، فأما دخولها على اسم الله فهو الشهير نحو: ﴿تالله تفتوا تذكر يوسف﴾.
﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾.
وأنشد سيبويه:
تالله يبقي على الأيام ذو حيد... بمشمخر به الظيان والآس
وأما دخلوها على الرب، فحكى الأخفش: تربى، ولكن هذا شاذ محفوظ.
ومن هنا يكون قول الناظم مشكلًا؛ لأن حقيقة الأمر في التاء اختصاصها باسم الله ولا تدخل على غيره إلا ما شذ من دخولها على الرب، ولا يصح أن تكون مختصة بالرب بهذا الشذوذ؛ بل هي مختصة بألا تدخل عليه، والشاذ لا
يكسر هذا الاختصاص، كما لا يكسر اختصاص حروف الجر بالأسماء قول من قال:
والله ما زيد بنام صاحبه
ولا اختصاص (ال) بالأسماء قولهم: اليجدع، وما أشبه ذلك، وإذا كان كذلك فإطلاقه اختصاص التاء بالاسمين معًا موهم أنهما في ذلك سيان، وذلك غير صحيح، وأيضًا يقتضي أن ذلك قياس في الرب، وأن تقول: تربى، وترب الكعبة، وترب الناس، وتالرب، وتربك، وما/ أشبه ذلك، وهو أيضًا غير صحيح؛ بل هو موقوف على محله بنصه في التسهيل وشرحه على ذلك.
فقوله: (لله ورب) فيه ما ترى.
والقسم الثاني: ما عدا هذه الأربعة، لا يختص ببعض الأسماء الظاهرة دون بعض، فحتى، والكاف، والواو تدخل على كل ظاهر، فتقول: حتى زيد، و ﴿حتى مطلع الفجر﴾.
وحتى يوم كذا، وكذا سائرها، ثم استدرك ذكر ما خرج عن هذا الضابط المذكور فقال:
وما رووا من نحو ربه فتى... نزر كذاكها ونحوه أتى
يعني أن القاعدة المطردة في (رب) إنما هي الدخول على الظاهر النكرة، فما جاء فيها من الدخول على المضمر وجرها له نزر قليل، ولا يكون ذلك إلا والضمير قد لزمه بعده مفسر منصوب على التمييز، فلا يكون الضمير مما يعود على ما قبله أصلًا، وإنما يكون ضميرًا موضوعًا على الإبهام يفسر بمنصوب كنعم في قولك: نعم رجلًا زيد، فتقول: ربه رجلًا، وربه غلامًا، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربه رجالًا، وريه نسوة، لا يختلف الضمير وإن اختلف ما يفسره؛ بل يلزمه الإفراد والتذكير في أشهر الاستعمالين.
وقد نبه الناظم على اشتراط المفسر بعده، وأنه لا يفسره متقدم بمثاله الذي مثل به، وهو (ربه فتى) لكنه لم ينه على لزومه طريقة واحدة، أو جواز أن يختلف باختلاف المفسر كرأي الكوفيين، وحكايتهم، ولكن المطابقة قليلة الاستعمال بالنسبة إلى عدمها، فإذا كان الأمران منقولين، فلا يضيره السكوت عن ذلك مع أن جرها للضمير قليل في نفسه.
ثم قال: (كذاكها ونحوه أتى) يعني أنه أتى من كلامهم دخول الكاف على الضمير المتصل، لكن نزرًا أيضًا لقوله: (كذاكها)، ونبه بهذا المثال المخصوص الذي دخلت الكاف فيه على ضمير الواحدة المؤنثة على ما جاء في الشعر بهذا اللفظ بعينه، كأنه يشير إلى سماع في ذلك معين، وذلك قول العجاج أنشده سيبويه:
وأم أوعالٍ كها أو أقربا
كأنه قال: مثلها أو أقرب.
ونبه بقوله: (ونحوه) على ما جاء في كلامهم من نحو هذا الضمير، وهو ما أنشده سيبويه للعجاج:
فلا ترى بعلًا ولا حلائلًا... كهو ولا كهن إلا حاظلًا
وأنشد الفراء:
وإذا الحرب شمرت لم تكن كي... حين تدعو الكماة فيها نزال
وقال الفراء: سمعت بعض من يروي عن الحسن، وكان فصيحًا: "حتى يكون كك وتكون كه".
وأنشد الفارسي في دخولها على الضمير المنفصل قول الشاعر:
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر
وحكى الأخفش أو غيره: ما أنا كانت ولا أنت كأنا.
وهذا الأخير أعني دخولها على الضمير المنفصل ضعيف في القياس، والقياس الاتصال.
قال سيبويه/ في توجيه ما أنشده: إلا أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف؟، فيجرونها على القياس" ثم أتى بالشاهدين.
ثم قال: "شبهه بقولهم: له ولهن".
قال: "ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف؟ إلى نفسه قال: "كي".
وقد ورد مثل هذا في حتى.
قال الشاعر:
فلا والله لا يلفى أناس... فتى حتاك يا ابن أبي يزيد
أنشده ابن خروف، ولم ينبه على مثله الناظم.
وإنما ترك ذلك لشذوذه جدًا بخلاف ما نبه عليه، فإنه شهير في النقل، وفيه على شذوذه كثرة ما في الشعر، وقد وجد بعضه في الكلام.
فإن قيل: فكذلك الأمر في (حتى) و (مذ) و (منذ) عند المبرد هو مما يقاس، فكان أولى أن ينبه عليه.
قيل: إنما تعرض الناظم للتنبيه على السماع، والمبرد لا سماع له في مذهبه، وإنما يقول بمقتضى القياس، كما أجاز (أعطاهوني) و (منحتنيني) قياسًا، وإن لم يسمع، فاقتصار الناظم على ما اقتصر عليه حسن.
وقوله: (كذاكها ونحوه أتى) يعني أنه أتى نزرًا أيضًا.
ثم شرع في الكلام على الحروف على التفصيل فقال:
بعض وبين وابتدئ في الأمكنة... بمن وقد تأتي لبدء الأزمنة
وزيد في نفي وشبهه فجر.... نكرة كما لباغ من مقر
فابتدأ في ذكر معاني هذه الحروف حرفًا حرفًا.
وقبل الشروع في شرح كلامه لابد من إيراد سؤال يسأل عنه ابن مالك في هذا النظم وغيره من تواليفه؛ بل هو سؤال وارد على جميع من تكلم في حصر معاني هذه الحروف حتى إن باب حروف الجر صار غالب ما يذكر فيه تفسير معانيها بحيث صارت الأحكام المتعلقة بها في القياس أقلية بالنسبة إلى تفسير المعاني، ولا شك أن هذا نحلة اللغوي لا نحلة النحوي من حيث هو نحوي، فمن تعرض لتفسير معاني الحروف وصيرها كالأمر الضروري في صناعة النحو فليتعرض لتفسير معاني الأسماء والأفعال وحينئذ يصير لغويًا ولا نحويًا، أو ليترك تفسير الجميع حتى يكون تحويًا فقط وهو الأحق، لأن غيره تخليط لبعض العلوم ببعض.
فالجواب عن هذا: أن حروف المعاني على الجملة مما يحتاج في إدراك
حقائق معانيها إلى قياس ونظر، كما يحتاج في سائر أبواب النحو إلى القياس والنظر لتمييز الصواب من الخطأ، وهذا النحو ليس على وضع تفسير الغريب؛ إذ كنت تفسر الشيء بمرادفه فقط.
وأيضًا تفسيرها يصعب لأنها تدور بين المولدين والعرب على معنى واحد لشدة الحاجة إلى معانيها، فتفسيرها أشد من تفسير الغريب، لأن الغريب له / ما يساويه من اللفظ المعروف للمعنى الواحد، فإذا طلب ذلك وجد ما يقوم مقامه، فيفسر به، ولأنه قد كان يستغني به عن الغريب العربي.
وأما الحروف فليست كذلك، لأنها تجري في كلام العرب والمولدين سواء.
فليس في كلام المولدين ما يستغني به عنها، كما كان في الأسماء والأفعال، فإذا طلب ما تفسر به أعوز ذلك، فصار بيانها أشد من بيان غيرها.
هذا ما قال ابن سيدة في المخصص في توجيه المسألة، وكأنه منتزع من كلام سيبويه، فإنه لما تكلم على معاني الحروف وما أشبهها من الأسماء في باب عدة ما يكون عليه الكلم ختم الباب بأن قال: "وإنما كتبنا منن الثلاثة وما جاوزها غير المتمكن الكثير الاستعمال من الأسماء وغيرها الذي تكلم به العامة، لأنه أشد تفسيرًا، وكذلك الواضح عند كل أحد هو أشد تفسيرًا؛ لأنه يوضح به الأشياء، فكأنه تفسير التفسير".
ثم قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة على نحو الحرف والحرفين، وفيه الإشكال والنظر".
هذا ما قال، وهو يشير إلى ما تقدم، فكان إذًا تفسير الحروف العربية وما أشبهها من مشكلات الكلم التي لا مرادف لها تفسر به مما يلحق النظر فيه بعلم النحو بهذا التقرير، وعلى هذا جرى النحويون فيما أشكل معناه من
الأدوات أو ما أشبه الأدوات، فما فعل الناظم في هذا الباب وغيره صواب لم يخرج به عن النظر القياسي النحوي على هذه الطريقة.
ثم نرجع إلى كلام الناظم فقوله: (بعض وبين وابتدئ في الأمكنة (بمن)... ) إلى آخره جعل (من) أولاً على قسمين: زائدٍة، وغيره زائداة.
فأما غير الزائدة: فلها عنده في الوضع الأول أربعة معانٍ:
أحدها: أن تأتي للتبعيض بقوله: (بعض) أي بعض بها ما أتى بعدها، أي أجعل الفعل الذي تعلقت به مسلطًا على مجرورها بقيد التبعيض فيه، وذلك قولك: أكلت من الرغيف، وشربت من الماء.
وفي القرآن الكريم: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعٍض، منهم من كلم الله﴾.
﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾.
﴿والله خلق كل دابٍة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع﴾.
﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾.
﴿ومنهم من ينظر إليك﴾.
وعلامة كونها للتبعيض صلاحية بعٍض مكانها، كما جاء في قراءة عبد الله: ﴿تنالوا البر حتى تنفقوا بعض ما تحبون﴾.
وهذا المعنى متفق عليه في (من).
والثاني: أن تأتي لبيان الجنس، وهو قوله: (وبين) أي أجعلها للبيان مثاله
قولك: لبست ثوبًا من كتان وسوارًا من ذهب، وجعلوا من ذلك قول الله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾.
وجعل بعضهم علامة كونها لبيان الجنس أن تقع بيانًا لما قبلها مقدرة بالذي كما في الآية.
ورد هذا ابن أبي الربيع بأنه لو كان كما قال لصح أن تقول على مثله: مررت برجٍل من زيد، ومررت/ بزيد من أخيك، على تقدير الذي هو زيد والذي هو أخوك.
وهذا لا يقال.
وللناظم أن يجيب عن هذا بأن (من) لم تدخل فيه على الجنس، فإنها إذا كانت لبيان الجنس، فيلزم دخولها على الجنس الذي تكون به مبينة.
وعلى هذا تقول: مررت بالعصبة من الرجال، فتكون على تقدير: الذين هم الرجال.
ومررت بالمنتجعة من بني تميم، وبالفرسان من قريش.
ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهٍب ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندٍس وإستبرٍق﴾.
وما كان نحو ذلك.
ومنه أيضًا: (من) الجارة للتمييز نحو: لي ملؤه من عسل، وبكم درهٍم اشتريت ثوبك؟
وما ذهب إليه من إثبات هذا القسم في (من) مذهب طائفة ونفاه
بعضهم، وهو رأي الشلويين، ويظهر من سيبويه، وتأولت هذه الأمور على أن تكون (من) فيها للتبعيض، وابن مالك إنما وقف مع ظاهر المعنى بناء على قاعدة سيبويه وغيره من الحمل على الظاهر وإن أمكن أن يكون المراد غيره، فإذا كان ظاهر المعنى شاهدًا بأمر، فلا ينبغي أن يتعدى إلى ما يكون فيه تكلف.
فإن قيل: فإن الأولى أيضًا تقليل المعاني، وردها إلى أقل ما يمكن، بناء على قاعدة تقليل الأوضاع.
فالجواب: أن هذا يعارضه الحمل على الظاهر، فإذا تعارضت القاعدتان وجب الرجوع إلى الترجيح، فمال الناظم إلى ترجيح قاعدة الظاهر، ومال غيره إلى ترجيح قاعدة تقليل الأوضاع.
والثالث: أن تأتي لابتداء الغاية في المكان وهو قوله: (وابتدئ في الأمكنة)، أي: اجعلها لابتداء الغاية في المكان بمعنى أن يكون ما بعدها أول غاية الفعل
الذي تعلقت به، وعلامتها أن يصلح معها (إلى) التي هي لانتهاء الغاية، نحو: سرت من الدار إلى المسجد، وكذلك تعرف التي لابتداء الغاية في الزمان بصلاحية (إلى) معها.
ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾.
وقوله: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾.
وقوله: ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾.
وهو كثير.
ولا خلاف في ثبوت هذا القسم.
والرابع: أن تأتي لابتداء الغاية في الزمان.
وذلك قوله: (وقد تأتي لبدء الأزمنة).
يعني أن (من) قد تدخل قليلًا على الأزمنة، فتكون لابتداء الغاية فيها، كما كانت كذلك في الأمكنة إلا أنها في الأزمنة لا تكثر كثرتها في الأمكنة، وحقيقة المعنى: وقد تأتي لبدء الغاية في الأزمنة لكن حذف واختصر، وأضاف البدء إلى نفس الأزمنة لما كان المبدوء واقعًا فيها، نظير قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾.
فالمعنى: بل مكر كم في الليل والنهار، فحذف واختصر لعلم المخاطب، فكذلك هذا.
وهذا القسم مختلف في ثبوته، فمذهب أكثر البصريين نفيه، وأن (من) هنا لا تدخل على الزمان أصلًا، وإنما هي في المكان نظير (مذ) في الزمان، فكما لا تدخل مذ على الأمكنة باتفاق كذلك لا تدخل (من) على الأزمنة.
وأما الكوفيون: /فأجازوا ذلك - ووافقهم المؤلف في التسهيل - واستدلوا على ذلك بالسماع، ففي القرآن: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾.
فدخلت (من) على (أول يوم) وهو زمان.
وحكى الأخفش عن بعض العرب: من اليوم إلى غد.
وقال النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم... بهن فلول من قراع الكتائب
تورثن من أزمان يوم حليمة... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
وقال زهير بن أبي سلمى:
لمن الديار بقنة الحجر... أقوين من حجج ومن دهر
وقال أبو صخر الهذلي:
كأنهما ملآن لم يتغيرا... وقد مر للدارين من بعدنا عصر
وقال قيس بن ذريح:
فمن كان محزونًا غدًا لفراقنا... فملآن فليبك لما هو واقع
والمراد من البيتين (من الآن) فحذقت نون (من) ضرورة.
وأنشد في الشرح:
ألفت الهوى من حيث ألفيت يافعًا... إلى الآن مبلوًا بواٍش وعاذل
وأنشد أيضًا:
ونجوت من عرض المنو... ن من الغدو إلى الرواح
إلى أبيات أخر ذكرها في شرحه.
وفي الحديث: "من يعمل لي من نصف النهار على قيراط، فعملت النصارى
من نصف النهار على قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر" الحديث.
وفي الحديث: "فمطرنا من يوم جمعة إلى جمعة".
وقال عائشة رضي الله عنها: "ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل"؛ وهذا على رأي المؤلف في الاستشهاد بالحديث، فهذه الشواهد تدل على صحة ما رآه الكوفيون، وقد تردد الفارسي في المسألة، فذكر في التذكرة مذهب سيبويه، وأن (من) و (مذ) لا تدخل إحداهما على الأخرى، ثم ذكر ما خالف ذلك من كلام العرب مما تقدم ذكره ومن غيره.
ثم قال: فلو قال قائل: إن (من) قد لزم الجر وكثر تصرفه، والحروف التي تلزم ولا تنتقل إلى موضع آخر قد يكون فيها من الاتساع والتصرف ما لا يكون فيما ينتقل ولا يلزم، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن تدخل (من) على الزمان ولا تكون كمذ؛ لأنها تنتقل عن عمل الجر.
قال: "وينبغي أن يستقرأ هذا، فإن أصيب في مواضع تكثر قطع على هذا، يعني على دخولها على الزمان، ولم يحمل على حذف المضاف، كما تأول أصحابنا قوله: ﴿من أول يوم﴾ و:
"... من حجج ومن دهر "
هذا كلامه.
وقد أنصف؛ فلذلك أتى الناظم - رحمه الله - فاعتبر المسألة بكلام العرب، فوجد دخول (من) على الأزمنة قليلًا لا يقوى أن يقاوم دخولها على الأمكنة ولا يقارب، فأقرها على ما هي عليه، ولم يطلق القول بالجواز، ولا حتم بالمنع، ولا شك فيما رأى أنه الصواب.
وقد تأول المانعون ما جاء من الشواهد مخالفًا لمذهبهم، فقدروا مصادر من قبل الزمان، فيقولون: التقدير: من تأسيس أول يوم، ومن مر حجج، ومن مر أزمان يوم حليمة، وكذلك سائرها: وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن السماع هنا قد كثر كثرة تؤذن بأن التأويل فيها تكلف؛ إذ التأويل إنما يسوغ في النوادر، وليس هذا منها، وإن كان قليلًا، فمثله لا يصرف بالتأويل إلى خلاف ظاهره.
والثاني: أني سمعت شيخنا الأستاذ - رحمة الله عليه - يحكي عن شيخه أبي عبد الله بن عبد المنعم إبطال تقدير المصدر لما يلزم عليه من التسلسل، وأن مذهب الكوفين هو الصواب، لأنك إذا قدرت في الآية: من تأسيس أول يوم، اقتضى قصد التاريخ تقدير زمان قبل التأسيس حتى يكون المعنى: من زمان تأسيس أول يوم، فترجع المسألة إلى أول أمرها، فيفتقرون إلى تقدير مصدٍر هكذا أبدًا، وهو باطل، وهكذا سائر الشواهد، فالذي تلخص من هذا أن دخولها على الزمان ثابت غير مندفع، لكنه قليل عملًا بالاستقراء، ولمن معنى آخر سيذكره بعد هذا إن شاء الله.
فإن قيل: ما ذكره قاصر من وجهين:
أحدهما: أنه ذكر في التي لابتداء الغاية تقييدًا لو سكت عنه لكان أتم، فإنه ذكر أنها لابتداء الغاية في الزمان والمكان، وهي في الحقيقة لابتداء الغاية مطلقًا، كانت في زمان أو مكان أو غيرهما، فقد قال سيبويه: "وتقول إذا كتبت كتابًا من فلان إلى فلان"، قال: "فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها"، يعني أنها ليست بأماكن كقولك: من مكان كذا إلى مكان كذا، لكنها بمنزلتها في ابتداء الغاية وانتهائها، وكذلك قال غيره، وهو صحيح، فالصواب هنا ما قاله في التسهيل حيث قال: "وهي لابتداء الغاية مطلقًا على الأصح".
والثاني: أنه ذكر لمن هنا من المعاني أقل مما ذكره في التسهيل؛ لأنه ذكر هنا التبعيض، وبيان الجنس، وابتداء الغاية في المكان والزمان، والبدل.
ونقصه أن تكون للتعليل، نحو: جئتك من أجل إكرامك.
ومنه: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾.
﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾.
الآية.
وأن تكون للبدل نحو: ﴿أرضيتهم بالحياة﴾
الدنيا من الآخرة} بمعنى بدلًا من الآخرة.
﴿ولو نشأ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾.
وأن تكون للمجاوزة نحو: عذت منه، وأنفت منه.
وفي القرآن: ﴿إني عذت بربي وربكم من كل متكبر﴾.
ومن ذلك: زيد أفضل من عمرو، لأن المعنى جاوزه في الفضل.
وأن تكون لانتهاء الغاية نحو: قربت منه؛ لأنه يفيد معنى قربت إليه.
وأن تكون للاستعلاء فتوافق على كقوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي على القوم.
قاله الأخفش.
وأن تكون للفصل بين المتضادين نحو: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾، ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾.
وأن تكون بمعنى الباء كقوله: ﴿ينظرون من طرٍف خفي﴾.
حكاه الأخفش عن يونس قال كما تقول: ضربته من السيف، أي بالسيف، وأن تكون بمعنى (في) كقول الشاعر، وهو من أبيات الحماسة:
/ عسى سائل ذو حاجة إن منعته... من اليوم سؤلًا أن يكون له غد
وهذا منتهى ما زاد في التسهيل، فذكر هنا أقل من النصف، فهو تقصير ظاهر.
فالجواب عن الأول: أنه يمكن أن يكون جعل ابتداء الغاية للمكان هو الأصل، وما سواه راجع إليه بالمجاز، فكأنه جعل الأشخاص أماكن بالتأويل لملازمة الأماكن لها؛ إذ لا يقال من فلان إلى فلان إلا ولهما مكانان بينهما مسافة، ويصل الكتاب من أحد المكانين إلى الآخر.
وعن الثاني: أن يقال: إن ما ذكر هنا من المعاني هو الأشهر في الذكر، والأكثر في الاستعمال، وهذا النظم لم يوضع للتتبع؛ بل للاقتصار على جل المهمات كما قال في آخره:
نظمًا على جل المهمات اشتمل
وبهذه الطريقة لا يعترض عليه فيما ترك من معاني هذه الحروف، وإنما ينظر معه فيما ذكر خاصة.
وأما الزائدة: فهي التي قال فيها: (وزيد في نفي وشبهه) أي: زيد الحرف الذي هو من، والحروف تذكر وتؤنث على تأويل الحرف، أو اللفظ، أو الكلمة، ومعنى كونه زائدًا كونه يدخل في موضٍع يطلبه العامل بدون ذلك الحرف، فيعمل فيه.
فإذا قلت: ما في الدار أحٍد، فأحد قد تسلط عليه عامل الابتداء من جهة المعنى ليرفعه بأنه مبتدأ، وكذا: ما جاءني من أحٍد، الفعل طالب لأحد بالفاعلية، فجاءت (من) عاملة في اللفظ مع طلب العامل الأول العمل كذلك في اللفظ، فسميت زائدًة لذلك، لأنها مقحمة بين طالب ومطلوب، ولذلك قد يقولون في (لا) من قولهم: جئت بلا زاٍد، إنها زائدة وإن كان سقوطها مخلا بالمعنى المراد، فإنما قصدوا بالزيادة ما ذكر، فعلى هذا قولهم: ما جاءني من رجٍل.
(من) فيه زائدة، وإن كانت تدل على الكثرة والعموم، لأن ذلك المعنى المذكور موجود فيها، فلا يرد إذًا على النحويين على هذه الطريقة اعتراض المبرد في جعلهم (من) في هذه المواضع زائدة لحدوث معنى الكثرة بحدوثها، لأنك إذا قلت: ما جاءني رجل، احتمل أن تريد: ما جاءني رجل واحد، بل اثنان أو ثلاثة، أو: ما جاءني رجل في قوته ونفاذه، بل ضعيف الرجولية، أو ما جاءني رجل بل امرأة.
فإذا قلت: ما جاءني من رجٍل، عم جميع ذلك، فأين كونها زائدة.
فأجيب عن ذلك بهذا المعنى المقرر.
وذكر بعضهم طريقة أخرى في الزيادة: وهي الزيادة لمجرد التوكيد من غير
إفادة كثرة ولا عموم، ورد على المبرد بقولهم: ما جاءني من أحد؛ إذ لا دلالة على عموم ولا كثرة؛ لأن أحدًأ قد أفاد ذلك المعنى؛ إذ هو مرادف لكراٍب، وعريٍب، ودياٍر ونحوها، وهي موضوعة لعموم النفي، فإذًا لا يمكن إلا الزيادة.
فإذا ثبتت زيادتها البتة في: من أحٍد جاز في: ما جاءني من رجٍل أن تزاد، فتكون على ضريين: تكون زائدة على حد زيادتها في: ما جاءني من أحٍد، وتكون / /287/ أيضًا مفيدًة للعموم، وهذا المعنى قرره الفارسي، وهو صحيح في نفسه إلا أن اعتراض المبرد قد يرد عليه؛ لأن زيادة (من) هنا للتوكيد، فالتوكيد هو أصل معناها، فليست بزائدة لأن حقيقة الزائدة ما دخوله كخروجه، وهذه ليست كذلك لأن التوكيد قبل دخولها مفقود، فلما أتى بها حصل بها التوكيد، وهو معنى كالتبعيض، والابتداء، فلا تسلم هذه الطريقة على هذا التقدير، كما أن في الطريقة الأولى محلا للبحث.
فقد يمكن أن يريد الناظم بالزيادة على هذه الطريقة ما لم يأت لمعنى العموم.
وأما على الأولى: فهي تسمى زائدة، وإن جاءت لمعنى العموم، ومذهبه في التسهيل يشير إلى الطريقة الأولى، وإليها يشير تمثيله هنا؛ لأنه يمكن في قوله: (ما لباغ من مقر) أن تكون (من) للتوكيد، أو لإفادة العموم.
فإذا تقرر معنى زيادة الحرف، فنرجع إلى كلام الناظم، فقوله: (وزيد في نفٍي وشبهه) إلى آخره، يعني أن (من) تزاد بشرطين:
أحدهما: أن تقع في نفٍي أو ما أشبه النفي.
أما زيادتها في النفي، فنحو: ما
جاءني من رجٍل، وما في الدار من رجٍل، وما ضربت من أحٍد، هذا على الطريقة الأولى.
وعلى الثانية: إنما يصح التمثيل بما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وما أشبه ذلك، فعند ذكر أحد تتعين الزيادة، ولكن إنما يقع الاعتماد في التمثيل هنا على الأولى، وعند ذلك يتسع مجال التمثيل، ففي القرآن: ﴿وما من إله إلا الله﴾.
﴿وما من إله إلا إله واحد﴾، ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشيٍر ولا نذير﴾.
﴿وما آتيناهم من كتٍب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير﴾.
وذلك كثير.
وأما شبه النفي: فالاستفهام، والنهي، فالاستفهام نحو قولك: هل جاءك من أحد؟، وهل في الدار من أحٍد؟ وفي القرآن: ﴿هل من خالق غير الله﴾.
﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحٍد﴾.
﴿هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء﴾.
والنهي نحو: لا تضرب من أحد، ولا تقم من أحد.
واشتراطه هذا الشرط بناء منه على مذهب الجمهور من البصريين.
وذهب الكوفيون والأخفش إلى جواز زيادتها في الواجب من غير اشتراط نفٍي أو شبهه، وإليه مال في التسهيل، واستدل عليه في الشرح
بأشياء محتملة.
والصواب ما ذهب إليه ها هنا؛ لأن السماع المستمر قضى أنها تختص بالنفي، إذ لم تأت زيادتها في الإيجاب إلا في محل الاحتمال أو في النذور، فلا يصح أن يقضى بالقياس حتى يتبين من الاستقراء إليها بكثرة مجيئها في الكلام، فإذا لم يكن ذلك، فيجب الوقوف مع السماع؛ لئلا ندعي على العرب ما لا نعرف.
فإن قيل: قد ثبتت الزيادة كثيرًا في الواجب بحيث لا يسع إلا القول بمقتضاها، فمن ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾.
وقوله: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾.
﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾.
﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾.
{تجري من تحتها
الأنهار}.
﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾.
وقال المؤلف: "إذا دخلت (من) على قبل، وبعد، ولدن، وعن، فهي زائدة" فهي إذًا في قوله: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾.
﴿قد بلغت من لدني عذرًا﴾.
وقول الشاعر:
من عن يمين الحبيا نظرة قبل
ونحو ذلك زائدة؛ لأن دخولها لا يزيد معنى على ما كان قبل دخولها.
وعلى ذلك حمل الكسائي قوله عليه السلام: "إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون".
وعلى ذلك أيضًا حمل ابن جني القراءة المروية عن الأعرج: {لما آتينا كم من