شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 45-84

وذهب أبو الحسن ابن الباذش إلى جواز ذلك في (يومئذ) و (حينئذ) قال «لأن الحركة قد لزمته في الوصل في الاستعمال فيكون الوقف عليها كالوقف على كل متحرك وإن كان أصلها - إذا لم يدخلها التنوين عوضا - السكون وكأنها مع التنوين في حكم ما بني على الكسر وحركاتُ البناء تشم وترام كحركات الإعراب»

فعلى الجملة لا بد من هذا الاستثناء إذ هو ضروري ولا يقول أحد باعتبار حركة ﴿قل الحق﴾ في الوقف فكان من حق الناظم أن ينبه على ذلك وإلا كان إطلاقه خطأ

والرابع من المستثنيات: هاء الضمير إذا كانت مكسورة وقبلها كسرة أو ياء ساكنة نحو بِه أو فيه وإليه وعليه أو كانت مضمومة وقبلها ضمة أو واو نحو يضربُه ويكرمُه وضربُوه وأكرمُوه فاختلفوا في جواز الروم والإشمام في هذا النحو فحكى مكيٌّ عن القراء أنه لا يجوز فيه إلا السكون وذلك لخفائها وبعد مخرجها واحتياج الواقف لأجل الروم إلى تكلف إظهارها هذا مع ما في الكلام من ثِقَل خُروجٍ من ضم إلى ضم ومن كسرٍ إلى كسرٍ فكان ذلك كله مستثقلا ومتكلفا في النطق وحكى عن النحاس جواز الروم والإشمام في هذا قال: وليس هو مذهب القراء قال وذكر [45]

الداني الخلاف عن أهل الأداء وأن منهم من يأخذ بالإشارة قال وهو أقيس

قال أبو جعفر ابن الباذش «وهو كما قال» يعني كونه أقيس قال «وإنما نزّل سيبويه الهاء منزلة الساكن في كونها وصلا للرويّ في قوله

عفتِ الديار محلّها فمقامها

لا في امتناع الروم والإشمام» قال «فالواجب الأخذ فيها بالإشارة وفي ميم الجميع بغير إشارة على ما ذكرنا من نص سيبويه» هذا ما قالوا وليس على الناظم في عدم استثنائه هذا درْكٌ لإمكان حمل كلامه على ما قال النحاس وهو أقيس الوجهين على ما قال ابن الباذش على أن ما قاله القراء من إلزام الإسكان له وجه وذلك أنّ العلة التي لأجلها منع سيبويه الإشارة في ميم الجميع من استثقال توالي الكسرات أو الضمات وتوالي المتحركات موجودٌ هنا ولأجل ذلك كان من منع هنا مجيزا فيما إذا لم يكن قبل هاء الضمير إلا فتحة كقولك (أكْرَمَه) لفقد الاستثقال الموجود في مسألتنا.
فما قاله سيبويه في وجه المنع يصح أن يكون مستندا في المنع هنا [46]

وهذا التوجيه تلقيته من بعض أصحابنا المحققين نفه الله وعليه يجري أيضا منع الإشارة فيما إذا تحرك ما قبل الهاء بالكسر نحو قوله تعالى ﴿وما أنسانيهُ إلا الشيطان﴾ ونحوه عند من ضمّ الهاء بعد الكسرة وهو خلاف ما رواه مكي، فافهمه.

والخامس من المستثنيات: الهمزةُ المسهَّلة بينَ بين إذا وُقف عليها نحو ذَرَأ وتبرَّأ ومن الخطأ وامرؤٌ ولؤلؤ ويُبْدِئ وتبرئ فالهمزة هنا تسهيلها بين بين فإذا وقفت عليها فالقياسُ أن لا روم فيها ولا إشمام لأنها قد سكنت في الوقف وصار التسهيل فيها إذ ذاك بالإبدال فألف قرا كألف الرحى ويا بيدي كياء يرمي وواو لُوْلو كواو يغزو فلا يصح فيها غير التسكين كحروف المد واللين.
وقد ذكر الداني ومكيّ عند قوم الإشارة والتسهيل بينَ بين وتعقب ذلك أبو الحسن ابن الباذش بأن الحرف الموقوف عليه ساكن وطروءَ الرَّوم عليه لا يُوجِب له حركة وإذا كان كذلك سكنت الهمزة في الوقف كما يجب في كل حرف موقوف عليه ثم تبدل ألفا أو واوا أو ياء على حسب حركة ما قبلها ولا يتأتى في هذه الحروف روم وسبيله في ذلك سبيلُ تاء التأنيث المبدلة في الوقف هاءً فلا يكون فيها روم ولا إشمام لأن الحرف الساكن في الوقف غير الحرف المتحرك في الوصل.
[47]

هذا ما قال وقد نص على هذا المعنى من أنه لا روم فيها ولا إشمام الفارسي في الإيضاح حين تكلم على الوقف على الهمزة المتحرك ما قبلها كالخطأ والرشأ فقال «وأما الذين يخففون الهمزة - يريد بين بين - من أهل الحجاز فيقولون (رعيت الكلا وهذا الكلا وبالكلا) فيقلبونها ألفا لأنها قد سكنت في الوقف وقبلها فتحة فصارت بمنزلة الألف في راس وفاس إذا خُفّفت» قال «ولا تشم ولا تروم كما لا تفعل ذلك بألف الرحى والعصا» قال «ولو كان ما قبل الهمزة مضموما لانقلبت على قولهم في التحفيف واوا نحو قولهم (هذه أكمو) إذا وقفت على (هذه أكمؤٌ يا فتى) وإن كانت كسرة انقلبت ياء نحو (أنا أهنِي») قال «ولا إشمام في هذه الواو ولا هذه الياء ولا رَدْمَ كما لا إشمام ولا روم في واو يغزو ولا ياء يرمي».

وعلى هذا المعنى الذي قرره الفارسي نص سيبويه في باب الوقف في الهمز غير أنه نفى الإشمام ولم يتعرض للروم بنفي ولا إثبات فهو محتمل إلا أنه قد فسر بكلام الفارسي والظاهر من قول الفارسي ما قاله ابن الباذش من أن الروم وارد على السكون وإلا فكانوا يذكرون جواز الوقف بالروم ابتداء ثم ينصون على المنع فيما إذا وقفوا أولا بالسكون [48]

وأيضاً لو لم يكن الأمر كذلك لم يمنع إبدال الهمز عند وجود الروم لأنه نطق ببعض الحركة والسكون بعدُ لم يكن فكيف تُبدَلُ مع بقاء التحريك؟ هذا مشكل وعند هذا قد يصح ما قاله مكي وغيره وهو ظاهر من حال الروم فإنه إبقاء لبعض الحركة في الحس فيظهر أن تقدير تقدم السكون دعوى اللهم إلا أن يُنقل عن العرب المخففين الامتناع من الروم إذا وقفوا فحينئذ يصح هذا التقدير والله أعلم وأما الإشمام فظاهر المنع على كل تقدير لما تقدم.

وإذا تقرر هذا حصل أن همزة بين بين لا يصح فيها روم عند الفارسي وابن الباذش ولا إشمامٌ مطلقا مع أنها متحركة إذ هي بزنة المتحرك في الشعر وهذا مذكور في موضعه فصار نقضا على إطلاق الناظم المتقدم حيث قال

وَغَيْرُ هَا التَّأْنِيثِ مِنْ مُحَرَّكِ... سَكِّنْهُ، أَوْ قِفْ رَائِمَ التَّحَرُّكِ

ولم يستثن من ذلك الهمزة المسهلة بينَ بين فاقتضى ذلك جواز الروم فيها وهو ممنوع إلا أن يكون رأى في ذلك رأي من حكى عنهم الداني ومكي وهو بعيد أو يقول: إنّ الوقف بالروم ليس ثانيا عن السكون بل هو إبقاء لبعض الحركة في الوصل على ما هو الظاهر، فإذا عُزم على الروم أمكن إبقاء الهمزة على حالها في الوصل إذ لم تذهب الحركة جملة.
[49]

فالحاصل أنّ القيود المحتاج إلى ذكرها في جواز تلك التغيّرات لم يذكر منها إلا أن لا يكون الآخر هاء التأنيث وأغفل ذكر البواقي كما رأيت وكذلك فعل في التسهيل فلم يستثن فيه إلا ما استثنى هنا وعذره في ذلك مقبول؛ إذ أكثر النحويين لا ينبهون على هذه الأشياء ولا يشيرون إلى شيء منها، وذكرُها ضروري.

ولنرجع إلى ما كنا بسبيله، فقوله «... سَكِّنْهُ» هو أحد الأوجه الخمسة في الوقف على المحرك أي قِفْ عليه بالسكون فتقول في (جاءني زيدٌ): (جاءني زيدْ) وفي (قام الرجلُ): (قام الرجلْ) وما أشبه ذلك وإنما قدَّم السكون لأنه الأصل في الوقف وذلك لأن الوقف موضع استراحة والابتداءُ شروع في عمل وقد تقرر أن الابتداء إنما يكونُ بالحركة فضِدُّه الذي هو استراحة وفراغ من العمل إنما يكون بضد الحركة وهو السكون.
وأكثر العرب على الوقف بالسكون على ما نقله السيرافي قالوا: ومن استعمل الروم والإشمام والتضعيف والنقل فإنه على مذهب غيره في السكون إلا أنه زاد الفرق بين ما يعرض سكونُه في الوقف وبين ما يلزمه السكونُ في الوصل والوقف على مذهب العرب في التنبيه على الأصول.

وعلامة السكون في الخط خاءٌ فوق الحرف المسكن نحو (هذا زيد (خـ) » وهي مقتطعة من قولك (خفيف) لأن الروم والإشمام فيهما إشارة إلى الحركة فليس الوقف بهما إسكانا خالصا.
[50]

ثم قال «أَوْ قِفْ رَائِمَ التَّحَرُّكِ» هذا هو الوجه الثاني وهو الروم أتى باسم فاعله أي: قف حالة كونك دائما الحركة، أي: مشيرا لها إشارة الروم، وأقام التحرك مقام الحركة لقرب معناهما والروم هو النطق ببعض الحركة فلا بد من الصوت معها؛ لأن الحركة صوتٌ فلذلك كان الروم مما يدركه الأعمى بخلاف الإشمام وإنما أتوا بالروم حرصا على بيان الحركة وهو آكد من الإشمام في بيانها لأنه نطق ببعضها بخلاف الإشمام

وعلامته خط أما الحرف فتقول (هذا زيد ـ) و (مررت بخالد ـ) و (رأيت الحارث ـ)

وإطلاق الناظم في هذا يدل على أن الروم يكون في الأحوال كلها من الرفع والنصب والجر كما مر تمثيله لأنه صويت ضعيف بالحركات الثلاث يتبع ذك الصويت الحرفَ الذي تقفُ عليه

وفي المسألة ثلاثةُ أقوال هذا أحدها وعليه سيبويه والجمهور

والثاني استثناءُ المنصوب وهو مذهب القراء أجمعين وذهب إليه [51]

أبو حاتم من المتقدمين وأطلق العبارة به ابن عبيدة من القريبي العهد المتأخرين أخذًا منه لذلك عن شيخه ابن أبي الربيع حيث جعل الروم في المنصوب قليلا ولذلك لم يقرأ به أح من القراء واحتجوا بخفة الفتحة وبأنها ضعيفة فإذا نطقت ببعضها نطقت بجميعها وهذا لم يرتضه الناظم وقد رد بأن الروم لا يرفع حكم السكون بما فيه من جري بعض الحركة في الوقف فلا يمتنع أن يكون الفتح كغيره.
وإنما فرق سيبويه بين النصب وبين الرفع والجر في الوصل فذكر أنهم يشبعون الضمة والكسرة ويمططون فيقولون (هو يضربها) و (من مأمنك) قال: وعلامتها واو وياء ويختلسها بعضهم اختلاسا فيقولون (يضربها) و (من مأمنك) يسرعون اللفظ.
قال «ولا يكون هذا في النصب لأن الفتحة أخف عليهم» يعني أن خِفَّتها مشبعة تغني عن تخفيفها بالاختلاس.
وروم حركة النصب ليس للتخفيف إنما هو للدلالة على تحرك الحرف في الوصل فالحركات كلها يمكنُ النطقُ بجميعها وببعضها غير أن الفتحة لما كانت خفيفة مع الإشباع لم تختلس في الوصل في (لن يضربها) إذ لا حاجة إلى ذلك واختُلست (رِيمَت) بسبب الحاجة إلى ذلك في حالة الوقف وهذا ظاهر.
[52]

والقولُ الثالث: الاقتصار بالروم على المرفوع والمضموم خاصة وهو قولٌ ينسبُ إلى ابن كيسان وهو ظاهر كلام الزجاجي في الجمل حيث قال: والإشمامُ ورومُ الحركة إنما يكونان في المرفوع، ثم قال حين بيَّن الروم: وهو أن تلفظ بآخر الكلمة وأنت مشير إلى الحركة ليُعلَم أنه مضموم فخصّه بالضم وهو كالنص على أن الشلوبين تأوّله على أن مراده بقوله إنما يكونان في المرفوع أي إنما يجتمعان معا في المرفوع ويكون قوله لتعلم أنه مضموم تمثيلا فقط لا لأنه مختص به.
وأيّا ما أراد فهذا مذهبٌ مردود مخالِف لما يحكيه سيبويه وغيرُه عن العرب وهم الحجة على الجميع ولم يحفل به الناظم مع أن عمل الروم ممكن في الحركات كلها لأنه عمل اللسان فيلفظ بها لفظا خفيفا مسموعا

ثم قال «أَوْ أَشْمِمِ الضَّمَّةَ»

هذا هو الوجهُ الثالث وهو الإشمامُ أتى بفعله أي: أشِرْ إلى الضمة إشارة الإشمام، وحقيقة الإشمام ضمُّ الشفتين بعد الإسكان بحيث لا يُحسّه الأعمى وإنما هو لرأي العين على هذا جمهور النحويين ولبعضهم هنا مخالفة في أربعة مواضع: [53]

فالأخفش حُكي عنه أن الإشمام يفهم بالسمع دون النظر قال ابن خروف وهي حكاية فاسدة

وقطربٌ يقول الإشمام وضع النحويين وليس بمسموع من العرب وهذا فاسدٌ لأنه وإن لم يُسمَع مأخوذٌ بالأبصار من أفواه العرب وقد قال سيبويه بعد كلامه في الإشمام «وهذا قولُ العرب ويونس والخليل» فعزاه إلى العرب وهو الثقة فيما ينقل فلا يسمع كلامُ غيره في ذلك.

وابن خروف يقول إن الإشمام على وجهين: إشمامٌ في الوقف وهذا هو الذي لا يُحسُّ به الأعمى وإشمامٌ في وسط الكلمة وهذا لا يمكن إلا أن يكون له صوتٌ فهو مما يسمع كالروم.

وينقل القراء عن ثعلب وابن كيسان أنّ الإشمام أتمُّ في البيان من الروم وكأنه نطقٌ ببعض الحركة بخلاف الروم فإنه تناولٌ إلى الحركة من غير وصولٍ إليها، وحجة هذا الرأي ما ذكروا مِن أنّ القائل إذا قال (رُمت الشيء) فهو عبارةٌ عن محاولة أخذِه من غير وُصولٍ إليه بعدُ وإذا قال (أشممتُ الفضّة الذهب) فالمعنى أنه خلطها بشيء منه فالروم والإشمام منقولان من هذا.
وما قالاه اعتراضٌ على الاصطلاح؛ إذ غايته أنْ سمَّوا الروم إشماما والإشمام روما، وإذا فُهِمت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ

وعلامة الإشمام نقطةٌ أمام الحرف كقولك (هذا زيد.) و (مررت بخالد.) [54]

وتخصيصه الإشمام بالضمة في قوله «أَوْ أَشْمِمِ الضَّمَّةَ» ولم يطلق ظاهر في أنه لا يقع عنده في المفتوح والمكسور.
وهذا مذهب غيره وإنما اختص بالرفع والضم دون غيرهما لأنه إذا وضعت لسانك أو حلقك موضع الحروف استطعت أن تضم شفتيك حتى تُعْلِمَ الذي يبصرك أنك تنوي الرفعَ في الحرف وإذا تكلمت بالحرف فأردتَ أنْ تُعلِم أنك تنوي فيه الفتح أو الكسر كما فعلت في المرفوع لم تقدِر أنْ تُريَ مَن ينظُرُ إليك ما في فيك وحلْقِكَ كما أريْتَهُ ما في شفتَيْك؛ لأن ما في الشفتين يظهر للناظر وما في الفم لا يظهر.
إلى هذا المعنى أشار سيبويه في تعليل الاختصاص بالمرفوع والمضموم.
وعلّل الصيمريّ منع الإشمام في المكسور بأنه تشويه للفم.
قال ابن ملكون: هذا لا معنى له، ولو امتنع الإشمام في المكسور لأنه تشويه للفم لوجب أن يمتنع في المرفوع والمضموم مخافة التشويه.
قال: وأيُّ تشويهٍ في الإشارة بالشفتين قليلا إلى الضم للدلالة على الحركة المفقودة في الموقف؟ ! ثم علل ذلك بأن ضمَّ الشفتين لا يكون دلالة على الجر والكسر كما كان دليلا على الرفع والضم وقول الناظم «أَوْ أَشْمِمِ الضَّمَّةَ» أطلق الضمة على حركة الإعراب وحركة البناء معا لأن حركة الإعراب يقال لها الضمة كما يقال ذلك لحركة البناء فإطلاقه صحيح على الاصطلاح بخلاف ما لو قال (الضم) من غير تخصيص بهاء التأنيث فحينئذٍ كان يُحتاج إلى الاعتذار عنه في ذلك الإطلاق.
ويريد بالضمة ضمةَ آخر الكلمة، وهو بيِّن.
[55]

ثم قال «أَوْ قِفْ مُضْعِفَا»

هذا هو الوجه الرابع وهو التضعيف، أطلق عليه لفظ الإضعاف فبنى منه مُضْعِفا اسم فاعل من أضعَفَ والاصطلاحُ على ضعَّفَ تضعيفا فهو مضعِّفٌ لا على أضعفَ إضعافا فهو مُضْعِف.
لكن لما كان المعنى واحدا تساهل في العبارة عنه ومعنى كلامه أنك مخيَّر أيضا في أن تقف على الحرف الآخر مضعفا له ومشددا فتقول في خالد: خالدْ (ش) وفي فرج: فرج (ش) وفي يجعل: يَجْعَلْ (ش) فتشدّ الآخر ومنه ما روي عن عاصم أنه كان يقف على قوله تعالى ﴿وكل صغيرٍ وكبيرٍ مستطر (ش)﴾ بتشديد الراء قال الأهوازي «ولم يذكُر من جميع القرآن إلا هذا الحرفَ فقط ويلزمه أن يقف كذلك على جميع ما أشبه ذلك إذا تحركَ ما قبل آخرِ حرفٍ مِن الكلمة إلا أنّ القراءة سنة ليست بالقياس»

وعلامة التشديد: ش، وهي مقتطعة من شديد كما أن الخاء مقتطعة من خفيف قال سيبويه «هم أشدُّ توكيدا» يعني أنّ من وقف بالتضعيف زاد في التوكيد في الدلالة على أن الموقوف عليه متحرك لا ساكن «فأرادوا أن يجيئوا بحرف لا يكون الحرف الذي بعده إلا متحركا» لأنك لو قلت: خالِدْ فخففت لتوهِّم أنه كان ساكنا في الوصل فلما ثقلت [56]

ذهب ذلك التوهم لأنه لا يكون المدغم فيها ساكنا أبدا لما في ذلك من اجتماع ساكنين على غير شرطه

ثم أخذ يذكر شروط الوقفِ بالتضعيف فأتى بشروطٍ ثلاثة:

أحدها ألّا يكون الحرفُ الموقوفُ عليه همزةً وذلك قوله «... مَا لَيْسَ هَمْزًا» ما: منصوبة على المفعول باسم الفاعل الذي هو مُضعِفٌ يعني أنه لا يجوزُ التضعيفُ في الهمزة لأنها لثقلها لا تضاعف على ما هو مذكورٌ في بابِ الإدغام فلا تقول في الخطأ والرشأ: الخطأْ (ش) الرشأْ (ش)

الثاني أن لا يكون الحرف عليلا وذلك قوله «أَوْ عَلِيلًا» وهو معطوف على «هَمْزًا» والتقدير: أو قف مُضعفا ما ليس عليلا أي معتلا فإنه إن كان معتلا لم يصح تضعيفه.
وحرفُ العلة الألف والواو والياء فأما الواو والياء فتضعيفهما يؤدي إلى الثقل المهروب عنه فلا تقول في يغزو: يغزوْ (ش) ولا في يرمي: يرميْ (ش) وأما الألف فأولى أن لا يصحّ فيها التضعيف فيستثقل أو يستخف [57]

والثالث أن يقفُوَ مُحرَّكا وذلك قولُه «إِنْ قَفَا... مُحَرَّكًا» والضمير في «قَفَا» عائد على مدلول «مَا» وهو الحرف الموقوف عليه وأُتِي به في مساق الشرط المدلول عليه بإنْ بعد ما جمع الوصفين المتقدمين كأنه يقول: ما جمع الوصفين المذكورين يجوز فيه التضعيف إن كان قد قفا مُحرَّكا ومعنى قفا: تبع، قفوت أثره واقتفيتُه إذا اتّبعتَه وأتيت في قفاه أي إن تبع الآخر محركا وذلك نحو ما تقدم من قولك: فرج وخالد وجعفر ففي مثل هذا تقول فرحْ (ش) وخالدْ (ش) وجعفرْ (ش) فإن قفا ساكنا فمفهوم الشرط أن لا يقف بالتضعيف لأنه لا يمكن الجمع بين ثلاثة سواكن

فإن قيل فهل يجوزُ التضعيفُ إن كان ما قبل الآخر ساكنا بمنزلة المتحرك وذلك حروف المدّ واللين لأنّ مدّها يقوم مقام الحركة فكما تقول: دوابّ وثوبك ثُمُودّ وهذا أُصَيْمُّ فتقف عليها بالتضعيف الأصلي فكذلك كان ينبغي أن تقول في حمار إذا وقفت حمار وفي بعير بعيرّ وفي كفور: كفورْ (ش)

فالجوابُ أن ذلك لا ينبغي أن يجوز في الوقف على الألف لأن الجمع بين ساكنين على الإطلاق مستثقلٌ فلا يجوز أن يُؤتى به في الوقف الذي هو موضع استراحة فإذا استثقل الساكنان في الوقف كما ذكر فاستثقال [58]

ثلاثة سواكن أولى مع أن هذا لم ينقل عن العرب فالقولُ بجوازه قولٌ باختراع اللغة وإذا امتنع في الألف فهو في الياء والواو أولى بالامتناع قاله ابن الضائع ثم قال «وَحَرَكَاتٍ اِنْقُلَا» هذا هو الوجهُ الخامس وهو النقل.
و (حَرَكَاتٍ) مفعول بانْقُلْ.
والنقلُ: عبارةٌ عن نقل حركة الحرف الموقوف عليه إلى الحرف الذي قبله حتى يوقف عليه بخالص السكون فتقول في قولك (هذا النقْرُ): (هذا النقُرْ) وفي قولك (انتفعتُ بالنقر): (انتفعتُ بالنقِرْ) وفي (منْهُ) و (عنْهُ) و (اضربْهُ): (مِنُهْ) و (عَنُهْ) و (اضربُهْ) وكذلك ما أشبهه.
فمن نَقْلِ الضمة ما ذكره خلف عن الكسائي من أنه كان يستحب الوقف على منهُ وعنهُ يُشم النون الضمة حكاه ابن مجاهد.
وحكى ابن الأنباري عن خلف قال: سمعتُ الكسائي يقول: الوقف على ﴿فلا تكُ في مِريةٍ مِنْه﴾ مِنْهُ بالتخفيف وجزمِ النون في الوقف كما يصل.
قال «ويجوز مِنُهْ برفع النون في الوقف وكذلك عَنُه برفع النون في الوقف.
قال خلف: والتخفيف فيهما أحب إلى الكسائي» ومن ذلك أيضا ما أنشده سيبويه من قول عُبَيدِ بن [59]

ماوية الطائي

أنا ابنُ ماوِيَّة إذْ جَدَّ النَّقُرْ

يريد جدّ النقْرُ وأنشد أيضا لزياد الأعجم

عجِبتُ والدهر كثيرٌ عجَبُه... مِنْ عَنَزِي سَبَّني لم أضْرِبُه

يريد لم أضربْه وأنشد أيضا لأبي النجم

فقرِّبَنْ هذا وهذا أزْحِلُهْ

يريد أزحله وقال طرفة

حابسي رِسْمٌ وقفْتُ به... لو أُطِيعُ النَّفسَ لم أرِمُهْ

وعلى ذلك حمل ابن جني ما أنشده ابن الأعرابي

فإنّما أنتَ أخٌ لا نَعْدَمُهْ

قال أراد لا نعدمْهُ على وجه الدعاء له

ومن نقْلِ الكسرة قولُ امرئ القيس أنشده ابن الأنباري شاهدا

لعمري لقوم قد نَرَى أمْسِ فيهم... مَرابِطَ للأمْهارِ والعَكَر الدَّثِرْ [60]

أراد الدثْر وهو الكثير وأنشد أيضا لجرير بن عبد الله البَجَليِّ رضي الله عنه

أنا جرير كنيتي أبو عَمِرْ... أضرب بالسيف وسَعْدٌ في القَصِرْ

أراد (أبو عَمْرو) و (في القَصْرِ) ومنه أيضا على التأويل قول طرفة بن العبد

بجفان تعتري نادِيَنا... من سَديف حين هاج الصَّنَّبِرْ

أصلُه (الصَّنَّبْرِ) وكان حقه في النقل أن يقول (الصَّنَّبُرْ) بضم الباء لكن حمله ابن جني على أنه من باب الحمل على المرادف كأنه قال: حين هَيْج الصِّنَّبرِ من باب قولهم

مشائيمُ ليسُوا مُصْلِحين عَشِيرةً... ولا ناعبٍ إلَّا ببين غرابُها

أنشده سيبويه

ووجهُ النقل عند من يقفُ به أمران: أحدهما كراهيةُ التقاء الساكنين إذا قلت: النقْرْ ومنْهْ وعنْهْ فحركوا الحرف الأول بحركة الثاني ليزول التقاءُ الساكنين ولهذا جاء الفارسي [61]

في الإيضاح بهذا الوجه في باب التقاء الساكنين في كلمة

والثاني أنهم أرادوا بيان حركة الحرف الموقوف عليه كما أرادوا ذلك في الروم والإشمام والتضعيف

وإنما قال «وَحَرَكَاتٍ اِنْقُلَا» فجمع الحركات بيانا أنّ النقل يكون على الجملة في الحركات كلها فالضمة والكسرةُ مثالهما ما تقدم والفتحة في الهمز لا في غيره على ما يُذكر من مذهب البصريين مثالها قولهم (رأيت الدِّفَأْ) في (رأيت الدِّفْءَ) فالحركات الثلاثُ تنقل على الجملة فلذلك جمَعها

وقوله «اِنْقُلَا» أراد (اِنْقُلَنْ) بنون التوكيد

ثم أتى بالشروط المعتبرة في هذا الوجه وهي أربعة:

أحدها أن يكون ما قبل الآخر - وهو الحرف المنقولُ إليه الحركةُ - ساكنا لا متحركا وذلك قوله «... لِسَاكِنٍ» وهو مجرور متعلق بانقل أي انقل الحركات لساكنٍ فلو كان الحرفُ المنقول إليه متحركا لم يجُزِ النقلُ فلا تقولُ في (هذا خالدٌ): (هذا خالُدْ) ولا في (مررتُ بجعفَرٍ): (مررتُ بجعفِرْ) لوجهين أحدهما ما تقدم من أنّ سبب النقل عند الناقلين هو التقاءُ الساكنين فإذا تحرك ما قبل الآخر زال السببُ الموجب فيزول موجبه والثاني أن الساكن [62]

هو الذي يقبل حركة غيره لعروِّه من الحركة فإذا كان متحركا فالمحلُّ مشغول بحركته فلا ينبغي أن تُترَكَ حركتُه ويُحرَّك بحركة غيره وهذا الثاني فيه نظر وقد نقل إلى المتحرك في الضرورة أنشد الفارسي في التذكرة لأبي النجم

ويلٌ له ويلٌ لهُ ويلٌ لُهْ... إذا غَدَا قائده يتلُّهْ

فنقل ضمة الهاء من «لَهُ» إلى اللام وهي متحركة على هذا حمله الفارسي

والشرط الثاني أن يكون ذلك الساكن يصح أن يتحرك وذلك قوله «... لِسَاكِنٍ تَحْرِيكُهُ لَنْ يُحْظَلَا» أي النقلُ إنما يكون لساكن لا يُحظلُ تحريكُه أي لا يُمنَعُ تحريكه بل يجوز ومعنى الحَظْلِ لغةً المنعُ من التصرُّفِ والحركة وقد حظَل عليه يحظُل بالضم قال الشاعر أنشده الجوهري

فما يُعدِمك لا يُعدِمْك منه... طبانيه فيحظُلُ أو يَغارُ وقد تضمن هذا الشرطُ شرطين اثنين: أحدهما أن لا يكون حرفا من حروف العلة لأنه إن كان كذلك حصل فيه بتحركه مع تحرك ما قبله الاستثقال لو قلت في (هذا زيدٌ): (هذا زيُدْ) أو في (بِزَيدٍ): (بِزَيدْ) وكذلك في (زَوْر): (زَوُرْ) أو (زَوِرْ) هذا إن لم يكن حركة ما قبلها من جنسها فإنها إن كانت كذلك زاد [63]

الثقل أو تعذَّر النطقُ كما يتعذَّرُ في الألف نحو (عماد) فكذلك يتعذر في ثمودٍ وسعيدٍ لأن الياء والواو هنا مدّاتٌ مطلقة كالألف.
ووجه ثانٍ وهو أن الألف والواو والياء حروفُ مد وحروفُ المد تحتمل التقاء الساكنين ولا يحتمله غيرها فساغ الوقف على الساكن مع سكون ما قبله - وهو حرف اللين - لاحتماله ذلك بما فيه من المدّ المُشبه للحركة ولذلك جمعوا بين الساكنين في الوصل إذا كن الثاني مدغما إلى نحو هذين الوجهين أشار سيبويه في تعليل هذا الموضع

والشرط الثاني أن لا يكون مُدغما فإنه إن كان كذلك لم يجز النقل لما يلزم به من تحريك الحرف المدغم وذلك قولك رَدٌّ وجَدٌّ لو قلن رَدُدْ أو (انتفعتُ بِجَدِدْ) لكان فيه من الكراهة ما في قولك رَدَدَ يَرْدُدُ فهو رادِدٌ وذلك ممنوع عندهم

والشرط الثالث أن لا تكون الحركةُ المنقولة فتحةً في غير المهموز وهذا الشرط يختصّ باشتراطه البصريون وذلك قوله

وَنَقْلُ فَتْحٍ مِنْ سِوَى الْمَهْمُوزِ لَا... يَرَاهُ بَصْرِيٌّ، وَكُوفٍ نَقَلَا [64]

يعني أنّ النقل الجائز إنما هو نقلُ الضم أو الكسر كما تقدم تمثيلُه في نحو (هذا النقُرْ) و (مررت بالنّقِرْ) وأما نقلُ الفتح فمذهبُ البصريين أن النقل على وجهين جائز وممنوع فالممنوع النقل من غير المهموز الآخر فلا يجوز أن تقول في (سمعت النَّقْرَ): (سمعت النَّقَرْ) ولا في (رَفَعْتُ الِعدْلَ): (رَفَعْتُ الِعدَلْ) ولا في (كسرت القُفْل): (كسرت القفل) ولا ما كان نحو ذلك وإنما لم ير هذا البصريون لأنه لما كان المنصوبُ أكثر ما يوقف عليه بالألف المبدلة من التنوين صار مجيئه غير مُنوّنٍ كأنه عارض مع أن الألف واللام معاقبة للتنوين والعرب قد تحكم للمعاقب بحكم المعاقَب فلم يجيزوا النقل لذلك مع أن السماع معدوم في نقل الفتحة؛ إذ لم ينقلوا ذلك في الكلام وما جاء منه فشاذ لا يقاس عليه ومنه قول العجاج

الحمد لله الذي أعطى الشّبَرْ

أراد الشّبْرَ وهو النكاح وقد تُؤُوِّل على أنه جاءَ على لغة من قال (رأيت زيد) وقد قالوا: إن النقل في المفتوح على تلك اللغة جائز لفقد علة [65]

المنع؛ إذ صار المفتوح حين عُدِمَ التنوين كالمضموم والمجرور فليس فيه شاهد على وجود النقل في المفتوح فوجب المصير إلى المنع منه

وأما النقل الجائز فالنقل من المهموز وعليه دلّ مفهومُ قوله «مِنْ سِوَى الْمَهْمُوزِ» أي أنّ البصري يرى النقل من المهموز ويجوز ذلك عنده فتقول في (رأيت الخَبْءَ): (رأيت الخَبَأْ) وفي (أحببتُ الدِّفْءَ): (أحببتُ الدِّفَأْ) وفي (كَرِهتُ البُطْءَ): (كَرِهتُ البُطَأْ) كما تقول باتفاق في (هذا الوَثْءُ): (هذا الوَثُؤْ) وفي (نظرت إلى الوَثْءِ): (نظرت إلى الوَثِئْ) وإنما احتملوا نقل الفتحة من الهمزة دون غيرها لأن الهمزة لما كانت أبعد الحروف وأخفاها في الوقف حرَّكوا ما قبلها ليكون أبين لها بخلاف سائر الحروف فلذلك كان التحريك مع الهمز أقوى هذا مع أن السماع في ذلك موجود قال سيبويه «واعلم أنّ ناسا من العرب كثيرا يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة حركة الهمزة سمعنا ذلك من تميم وأسد يريدون بذلك بيان الهمزة قال: وهو أبين لها إذا وَلِيت صوتا والساكن لا ترفع لسانك عنه بصوتٍ لو رفعت بصوتِ حرَّكْتَه» قال «فلما كانت الهمزةُ أبعد الحروف وأخفاها في الوقف حرَّكوا ما قبلها ليكون أبْين لها» قال «وذلك قولهم هذا الوَثُؤْ ومن الوَثئْ ورأيت الوَثَأْ» فانظر إلى تعليل سيبويه ما سمع فذكر فيه النصب فالسماع فيه محقق [66]

ومذهب الكوفيين وابن الأنباري جواز النقل في غير المهموز فيقولون (رأيت النَّقَرْ) و (حملتُ العِدَلْ) و (كسرتُ القُفَلْ) كما يقولون ذلك في المهموز ويوافقون البصريين على ذلك وتؤخذ موافقتهم في المهموز من كلام الناظم من قوله أولا «وَحَرَكَاتٍ اِنْقُلَا» ولم يخص مهموزا من غيره ولا خصّ بصريا من كوفي فيؤخذ له من إطلاقه هناك أن الكوفيين داخلون في الحكم

فإن قلت فهذا لازم في كل مسألة يذكرها وأن يكون الكوفيين فيها موافقين للبصريين إذا لم يُعيِّن لها قائلا وليس ذلك بصحيح لأن أكثر ما نقله هنا إنما هو على مذهب البصريين ومن راجع النظر في هذا النظم وجده كذلك فلا بد أن يكون المسكوت عن ذكره من الكوفيون في المسألة مسكوتا عنه في حقيقتها وإذ ذاك لا يلزم في كلام الناظم أن يكون مذهبُهم الجوازَ في المهموز فيبقى النقل عنهم في المسألة منقولا بعضه دون بعض

فالجواب أن تفصيله ثانيا مذهب أهل البصرة وأهل الكوفة يُشعِرُ بأن إجماله أولا هو على كلا المذهبين لأن عادة المؤلفين إذا أجملوا الحكم في مسألة ثم فرَّقوا في بعض تفاصيلها بين المذاهب فذلك دال دَلالة قوية على أن ما لم يفصلوا فيه قد اجتمعت فيه تلك المذاهب وكذلك مسألتنا أجمل أولا [67]

جواز النقل ثم بين الخلاف في بعض وجوهه فدل على أن ما لم يفصل فيه تفصيلا قد اتفق عليه هؤلاء المختلفون وفي مثل هذا نلتزم أن الحكم المجمل مطلق في كل مذهب بخلاف ما إذا لم يُفعَل ذلك فإنا لا نلتزمه وعلى هذه الطريقة جرى كلام الناظم وربما مضى من ذلك مسائل وقع التنبيه عليها في مواضعها فإذا ثبت هذا فالكوفيون متفقون مع البصريين في المهموز وأما قولهم في غير المهموز فحجته عندهم أن الجميع اتفقوا أن النقل إنما جاز في المرفوع والمجرور ليزول اجتماع الساكنين حالة الوقف ولا شك أن هذه العلة موجودةٌ حالة النصب؛ فإنك لو قلت (رأيت النكر) فوقفت ولم تنقل لاجتمع الساكنان كما اجتمعا في المجرور والمرفوع فقَصْرُ النقل على بعض أنواع الإعراب دون بعض تحكم وترجيحٌ من غير مرجِّح وإعمالٌ للعلة في موضع وإهمال لها في موضع آخر وذلك كلُّه فاسد فالقول بما يؤدي إليه فاسد أيضا

والجواب عن هذا أن المتبع في ذلك السماع والتعليل إنما يأتي من وراء ذلك فنحن رأينا العرب فرَّقت بين المرفوع والمجرور وبين المنصوب في غير المهموز فلا بد من القول به على أن البصريين فرقوا بين الحالتين كما تقدم فلا يلزم الجمع مع وجود الفارق والناظم لم يُشر إلى ترجيح أحد القولين على الآخر بل قال «لَا... يَرَاهُ بَصْرِيٌّ، وَكُوفٍ نَقَلَا» وقد اختار في التسهيل مذهب البصريين [68]

وقوله «وَكُوفٍ نَقَلَا» لا يريد به نقل المسموع عن العرب وإنما يريد له النقل الاصطلاحي المتكلَّم فيه أي إنّ الكوفي نقل الفتحة

وقوله «لَا... يَرَاهُ بَصْرِيٌّ» أتى بالمفرد والمراد الجمع ويسهلُ هنا أن يريد به عموم البصريين لأنه في سياق النفي كأنه قال: لا يراه أحد من البصريين لكن هذا العموم ينكسر عليه بابن الأنباري فإنه قد رآه مذهبا وهو بصري

والجواب أنّ كونه بصريا غيرُ ثابت فقد كان مجتهدا لنفسه في المذهبين فليس ببصري محقق وأيضا فإن الزُّبيدي إنما عدّه في الكوفيين في الطبقة السادسة منهم عَدّه فيها مع هارون بن الحائك وابن كيسان ونفطويه وغيرهم

وقوله «وَكُوفٍ نَقَلَا» أراد (وكوفيٌّ) لكن حذف إحدى الياءين للوزن كما يحذفونها في القوافي للضرورة وهو واقع على مفرد لقوله «نَقَلَ» ولم يقل (نقلوا) وهو على حذف الموصوف كأنه قال: وجنسٌ كوفي أو جمع كوفي نقل وذلك بمعنى الجمع ولم يُرِدْ واحدا منهم لأنهم كلُّهم مخالفون في المسألة

وقوله «إِنْ قَفَا... مُحَرَّكًا» ارتكب فيه التضمين القبيح في القوافي وهو تعلّق قافية البيت بما بعده ومثله من كلام العرب قول النابغة [69]

وهم وَرَدُوا الجفار على تميم... وهم أصحاب يوم عكاظ إنّي شهدت لهم مواطن صادقات... شهدن لهم بصدق الودِّ مني

وأحسن التضمين تعلُّق أول البيت بالبيت الثاني وكثيرا ما يستعمل الناظم هذا التضمين القبيح للضرورة

ثم قال

وَالنَّقْلُ إِنْ يُعْدَمْ نَظِيرٌ مُمْتَنِعْ... وَذَاكَ فِي الْمَهْمُوزِ لَيْسَ يَمْتَنِعْ

هو الشرط الرابع من شروط النقل وهو أن لا يؤدي إلى عدم النظير يعني أن النقل إذا كان يؤدي في الكلمة إلى صورة معدمةِ النظير امتنع النقلُ رأسا وعدمُ النظيرِ يكونُ على ضربين:

أحدهما أن يُعدم جملة فلا يوجد في الأسماء ولا في الأفعال وذلك إذا وقع قبل الضمة المنقولة حرف مكسور كقولك في (هذا العِدْلُ): (هذا العِدُلْ) وفي (هذا الحِملُ): (هذا الحِمُلْ) فجاء في النقل على صورة فِعُل وفِعُلٌ غير موجودة في أبنية الأسماء ولا في أبنية الأفعال

والثاني أن يُعدَم في الأسماء خاصة ويكون في الأفعال كثيرا وذلك إذا وقع قبل الكسرة المنقولة مضموم كقولك في (مِنَ البُسْرِ): (مِنَ البُسِرْ) وفي القُفْلِ: القُفِلْ فجاء في النقل على صورة فُعِلٍ وهو غير موجودٍ في أبنية الأسماء وإنما يوجد في أبنية الأفعال نحو ضُرِبَ وأُكِلَ وعُلِمَ [70]

فهذان البناءان لما عُدِم نظيرهما في الأسماء كرهوا أن يأتوا في النقل بصورة غير موجودة وأيضا فعلة امتناع البناءين موجودة في هذا النقل وهو استثقال الخروج من ضم إلى كسر أو من كسر إلى ضم من غير فاصل بينهما

كان هو الجارَّ هو في النقل من غير الهمزة وما النقل من الهمزة فقد نصَّ على أنَّ وجود عدم النظير فيه لا يمتنع وذلك قوله «... وَذَاكَ فِي الْمَهْمُوزِ لَيْسَ يَمْتَنِعْ» والإشارة بذاك إلى عدم النظير واسم «لَيْسَ» ضمير عائد عليه أيضا أو ضمير الشأن وضمير «يَمْتَنِعْ» عائد على عدم النظير أيضا كأنه قال: وعدم النظير في النقل من الحرف المهموز لا يمتنع فتقول على هذا في (هذا الرِّدْءُ): (هذا الرِّدُؤْ) وفي قولك (من البُطْءِ): (من البُطِئْ) وإن أدى ذلك إلى فِعُل وفُعِل المعدومين في الأسماء ووجهُ ذلك ما تقدم ذكره لسيبويه من أن الهمزة لما كانت أبعد الحروف وأخفاها في الوقف حركوا ما قبلها ليكون أبْيَنَ لها ثم مثل بقولك (من البُطِئ) و (هو الرِدُؤْ) وقال: سمعنا ذلك من تميم وأسد

ثم يقع النظر في كلام الناظم في النقل من أوجه:

أحدها أنه قال «إِنْ يُعْدَمْ نَظِيرٌ» وهو يريد - بلا شك - ما كان على فُعِلٍ أو فِعُلٍ أما فِعُلٌ فكونه معدوم النظير صحيح وما جاء من قراءة [71]

﴿والسماء ذات الحِبُكِ﴾ فمؤوّلة على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وأما فُعِل فليس بمعدوم لقولهم دُئِلٌ ورُئِمٌ وما جاء فيه في السماع شيءٌ ثابت وإن كان قليلا فلا يقال فيه إن معدوم ولا فيما أشبه في الصورة إنه معدوم النظير

فإن قيل إن الإمام سيبويه لم يثبت عنده فُعِلٌ البتة فبنى الناظم ....................................................

فالجواب أن هذا باطل لأنه قد أثبت فُعِلًا في الأسماء قليلا ألا ترى إلى قوله في التصريف

وَفِعُلٌ أُهْمِلَ، وَالْعَكْسُ يَقِلّْ... لِقَصْدِهِمْ تَخْصِيصَ فِعْلٍ بِ‍‍فُعِلْ

فذكر أنه موجود قليلا فأحد الأمرين لازم إما بطلان كلامه هنا وإما بطلانُه هنالك أو يقال: إنه لم يرد بقوله هنا «إِنْ يُعْدَمْ نَظِيرٌ» إلا فِعُلًا خاصة فيلزم أن يكون النقل جائزا في غير المهموز وإن أدى إلى مثل فُعِلٍ وذلك فاسد والثاني أنه لم يوف بالشروط على الكمال فقد شرط الناسُ زائدًا على ما ذكر شرطين: [72]

أحدهما ألا يكون الحرف الموقوف عليه حرفَ علة فلا يجوز النقل في نحو غَزْوٍ وظَبْيٍ لأنه يؤدي إلى استثقال وأيضا فإنه يؤدي إلى تغيير لأنك لو قلت (هذا ظَبُيْ) لوجب بالحكم التصريفي أن تنقلب الضمة كسرة لتصح الياء إذ لا تثبت الياء مع الضمة قبلها وإذا فُعل ذلك بها وجب حذفُ الياء للوقف وكذلك لو قلت (هذا غَزُوْ) لوجب قلبُ الضمة كسرة والواو ياءً إذ لا يُوجد مثل ذلك في الكلام ثم يفعل ما فُعل في ظبي وذلك تغيير كثير هذا إن اعتُدَّ بعارض الوقفِ وإنْ لم يُعتدَّ به كان قولك (هذا ظَبُيْ) و(مررت بِظَبِي) و (هذا غَزُو) و (مررت بِغَزِيْ) مستثقلا أيضا فمنع ما يؤدي إلى ذلك وهو النقل والثاني ألا يكون ما قبل الساكن المنقول إليه ضمة ولا كسرة وإنما ينقل إليه إذا كان ما قبله مفتوحا فإذا قلت (مررت بعِدِلْ) أو (بحِمِلْ) في عِدْلْ وحِمْلْ فهو عند سيبويه إتباعٌ لا نقل.
وكذلك إذ قلت (هذا البُسُرْ) و (هذا القُفُلْ) في البُسْر والقُفْل قال سيبويه «ولا أراهم إذْ قالوا (مِنَ الرِّدِيْ) وهو البُطُؤ إلا يتبعونه الأول وأرادوا أن يسووا بينهن إذ أجرين مجرى واحدا وأتبعوه الأول كما قالوا (رُدُّ وفِرِّ») يعني أنهم لما لَزِمهم في هذا [73]

الرِّدِيْ ومن البُطُؤ الإتباعُ فرارا من عدم النظير لو نقلوا أرادوا أن يجروا ما لا يلزم المحذور فيه مع ما يلزم فيه مجرى واحدا حتى يكون الإتباع في الأحوال كلها مستتبا فمن الإتباع في الضم قول امرئ القيس

لعمرُك ما إنْ ضرّني وسْطَ حِمْيَرٍ... وأقوالِها إلا المِخيلَةُ والسُّكُر

وقال طرفة ابن العبد

حين نادى الحيُّ لما فزِعوا... ودعا الداعي وقد لَجَّ الذُّعُرْ أيُّها الفِتْيان في مجلِسنا... جرِّدُوا منها وَرادًا وشُقُرْ

ثم قال

جافلات فوق عُوجٍ عُجُلٍ... رَكِبْت فيها مَلاطِيسُ سُمُرْ

ومن الإتباع في الكسر قول الشاعر

عَلَّمنا أخْوالُنا بنو عِجِلْ... شُرْبَ النبيذ واصطفاقًا بالرِّجلْ [74]

وقال الآخر

أرتني حِجْلًا على ساقها... فَهَشَّ الفؤاد لذاك الحِجِلْ فقلت ولم أخف عن صاحبي... ألا بأبي أصْلُ تلك الرِّجِلْ

فهذا كله مما نقصَ الناظم ونقصه مخل بما أصّل

والثالث أنه حين منع ما يؤدي إلى عدم النظير لم يبين ماذا يفعل من لغته النقل وإنما ذكر أن النقل هنالك ممتنع فيبقى محتملا لأن يرجع فيه إلى الأصل من الوقف بالسكون وإن أدى إلى التقاء الساكنين وذلك لا يصح أو إلى حكم آخر ولم يذكره فبقي الموضعُ ناقصا ونقصُ مثل هذا لا يليق بمثل ابن مالك ولا شك أن الحكم عندهم الانتقال إلى الإتباع فيقولون (هذا عِدِلْ) و (من البُسُرْ) قال سيبويه «وقالوا هذا عِدِلْ وفِسِلْ فأتبعوها الكسرة الأولى ولم يفعلوا ما فعلوا بالأول - يعني من النقل 0 لأنه ليس من كلامهم فِعُل فشبّهوها بِمُنْتُن أتبعوها الأول» قال «وقالوا (في البُسُرْ) ولم يكسروا في الجر لأنه ليس في الأسماء فُعِل فأتبعوها الأول وهم الذين يخفّفون في الصلة البُسْر» قال ابن الضائع في الإتباع: هذا يدل على رَعْي التقاء الساكنين لأنهم لما كرهوا ذلك عدلوا إلى ما يزيل التقاءهما وإن لم يكن فيه بيان حركة الموقوف عليه [75]

ونقص الناظمُ أيضا بيان كيفية الوقف لمن منع النقل في المنصوب فلم يعرّج عليه وقد يتوهّم فيه الرجوع إلى الأصل وإن التقى الساكنان وليس كذلك والحكم فيه مثل ما تقدم آنفا من لزوم الإتباع فتقول (رأيت العِدِلْ) و(رأيت البُسُرْ) قال سيبويه «لما جعلوا ما قبل الساكن في الرفع والجر مثله بعده صار في النصب كأنه بعد الساكن» وهذه عبارةٌ فيها إشكال ما وقد بينها ابن الضائع

والرابع أنه لم يذكر في المهموز في نحو (هذا الرِّدُؤْ) و (من البطِئْ) إلا وجها واحدا من أوجهٍ للعرب فيه متعددة؛ إذ ليس كل العرب يحتمل ارتكاب المعدوم النظير في الهمزة بل لهم في المهموز وجهان زيادة على ما ذكر من النقل:

أحدهما أنّ من بني تميم من يُتبع حيث أدى النقل إلى فِعُلْ أو فُعِلْ كما تقدم في غير الهمز فيقولون (هذا الرِّدِئْ) و (من البُطُؤْ) وكذلك في حالة النصب أيضا فيقولون (هذا الرِّدِئْ) و (من البُطُؤْ) فهؤلاء وجدوا مندوحة عن ذلك النقل بأن أتبعوا [76]

والثاني أن من العرب من يُبدل من الهمزة حرف لين من جنس حركتها ويبقى ما قبلها ساكنا على حاله هكذا حكى سيبويه هذا الوجه فيقول في الرفع (هذا الجرّ) و (في الوَثْوْ) من الوثْيْ وفي النصب (رأيت الوثَا) قال «الثاءُ ساكنة في الرفع والجر وهو في النصب بمنزلة القفا» يعني أنه لا ضرورة تدعو لتحريك الثاء في حال الرفع والجر لأن الواو والياء يصح أن يكون ما قبلهما ساكنا بخلاف الألف فإنه لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا قال: فهؤلاء قلبوها حرف لين حرصا على البيان فعلى هذا تقول في البطء في الرفع: البُطْوْ وفي الجر: البُطْيْ وفي النصب: البُطا وكذلك في الردء في الرفع: الرِّدْوْ وفي الجر: الرِّدْيْ وفي النصب: الرِّدَا فإذا ثبت هذا فكلامُ الناظمِ في غاية التقصير

لكن قد يُجابُ عن الأول بأن نحو دُئِل ورُئِم لا يعتدّ به في إثبات بناءٍ جديد في الأسماء والدليل على ذلك أن من لم ينقُلْ من العرب فرارًا من فُعِل قد ظهر منه أنه لم يعتبر ما جاء من ذلك ومن هنا قال ابن الضائع: وامتناعهم من النقل هنا دليلٌ على صحة مذهب سيبويه يعني في [77]

كونه لم يثبت فُعِلًا فإذًا لما كان ما جاء في فُعِل غير معتبر عدَّه كأنه معدومٌ فجعل نظيره معدوم النظير.
وأما في التصريف فتكلم على حقيقة الأمر في البناء وما جاء فيه سماعا

وعن الثاني بأن الاعتراض بالشرط الأول من الشرطين لازم له وأم الشرط الثاني فيمكن أن يكون الناظم جعل ذلك من قبيل النقل لا من قبيل الإتباع إذ ليس ثم إذ ليس ثم ما يعين أحدهما دون الآخر إلا ما رجح به سيبويه من التسوية بين الأحوال كلها وذلك غير قاطع؛ إذ لقائل أن يقول: إن الأصل إنما هو النقل فيتعذر في في بعض الصور لمانع ويبقى سائر الصور على الأصل الأول فليس ترجيح سيبويه بأولى من هذا الترجيح بل هذا أولى لأنه وقوفٌ مع حقيقة أصل لغة النقل وهذا ظاهر الفارسي في الإيضاح لأنه لما ذكر النقل أنشد على الجر فيه قول الشاعر

شُربَ النبيذِ واصطفاقًا بالرِّجِلْ

وأما السيرافي فأجاز الوجهين وهذا كله فيما عدا المنصوب نحو (رأيت العِدِلْ) و (رأيت الحُجُرْ) فإنّ مثل هذا لا يكون إلا إتباعًا؛ إذ حركة المنصوب لا تنقل ومنه قول طرفة

جردوا منها ورادًا وشُقُرْ

وأما الثالث فيظهر لزومه

وعن الرابع أن ما ذكر هو أشهر الوجوه المستعملة عند العرب فاقتصر عليه ولم يذكر سواه [78]

فِي الْوَقْفِ تَا تَأْنِيثِ الِاسْمِ هَا جُعِلْ... إِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَاكِنٍ صَحَّ وُصِلْ وَقَلَّ ذَا فِي جَمْعِ تَصْحِيحٍ وَمَا... ضَاهَى، وَغَيْرُ ذَيْنِ بِالْعَكْسِ انْتَمَى

هذا نوع من أنواع الإبدال في الوقف وهو إبدال تاء التأنيث هاءً ويريد أن تاء التأنيث تبدل في الوقف هاءً في أشهر الوجهين وإنما قلت في أشهر الوجهين لقوله بعد ذلك «وَغَيْرُ ذَيْنِ بِالْعَكْسِ انْتَمَى»

وقوله «تَا تَأْنِيثِ الِاسْمِ» يريد التاء اللاحقة للاسم فهي التي يلحقها هذا الحكم أما التاء اللاحقة للفعل الدالةُ على تأنيث الفاعل فلا تُبدَل هاءً أصلا نحو (ضربتْ) و (قامت) و (نِعْمتْ) من قولك (نعمت المرأة هندٌ) و (بئستْ) و(ليستْ) و (عستْ) ونحو ذلك فلا تقول (ضَرَبَهْ) ولا (قامَهْ) وإنما تقول ذلك إذا سميت به خاليا من ضمير إذ يصير ضربةً كشجرة فلا يكون إذ ذاك إلا اسما فتبدل تاؤه هاء وكذلك تاء التأنيث اللاحقة للحرف نحو (ربَّتْ) و (ثُمَّتْ) ﴿ولاتَ حينَ مناص﴾ فإن من القراء من يقف عليها بالهاء مع أنها حرف لحقته التاء فيقول القائل: هذا يكسر عليه قاعدة الحرف، ويُجاب بأن هذا الحرف إنما وقف عليه بالهاء الكسائي وحده والناظم لا يلتزم مذهب الكسائي دون مذهب الجماعة الذين لم ينقل عنهم في لات إلا الوقفُ [79]

بالتاء على الأصل وهو الشائع وما عداه نادر فالسماع والقياس معا عاضدان لمذهب الناظم ومن هاهنا أيضا ينبغي الوقف بالتاء على اللات من قوله تعالى ﴿اللات والعُزَّى﴾ على مذهب سيبويه لا على اعتبار المرسوم بل على مقتضى القياس لأنّ اللات جعله سيبويه من المجهول الأصل كالحرف، الاسم المبني بحق الأصل ذكره في النسب وجعل حكمه كحكم ما ولا إذا نسبت إليه فعلى هذا القياس يترجح الوقف بالتاء ولأجل ذلك لم يقف عليه بالهاء إلا الكسائي من جملة القراء السبعة وسيأتي شيءٌ من الكلام على هذا المعنى إثر هذا بحول الله تعالى

وقوله «هَا جُعِلْ» وأطلق ولم يفرّق بين حالٍ وحال فدلّ على أن التنوين لا اعتبار له عنده في حالة النصب فلا يُقال في النصب: (رأيت شجرتا) وقفا على التنوين كما قلت (رأيت زيدا) وإنما تقول (رأيت شجرَهْ) كما تقول (هذه شجره) و (مررت بشجره) فأما ما أنشده ابن جني مما قرأه على محمد بن الحسن: إذا اغتَزَلَتْ مِنْ بُقام الفَرِيرِ... فيا حُسْنَ شَمْلَتِها شَمْلَتا [80]

فإنه شَبه التاء بتاء الأصل وما أشبه الأصل نحو (رأيت فتى) و (رأيت عفريتا) فعامل تاء التأنيث معاملتها وهو بعد شاذ يحفظ ولا يقاس عليه

وإنما أُبدلت التاء هنا فرقا بينها وبين التاء التي هي من نفس الحرف وما لحق بها وهذا تعليلُ سيبويه وقيل: أُبدلت فرقا بينها وبين تاءِ التأنيث اللاحقة الفعل نحو (ضرَبتْ) و (قامَتْ)

وما ذكره هنا من الإبدال لا بد له من شرطين ذكرهما الناظم:

أحدهما أن لا يكون ما قبلها ساكنا صحيحا وذلك قوله «... إِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَاكِنٍ صَحَّ وُصِلْ» يعني أن هذا الحكم من الإبدال إنما يكون إذا لم يقع قبل التاء ساكن صحيح فقوله «صَحَّ» في موضع الصفة لـ «سَاكِنٍ» و «وُصِلْ» هو خبر «لَمْ يَكُنْ» و «بِسَاكِنٍ» متعلق بـ «وُصِلْ» وذلك أن يكون ما قبل التاء متحركا ولا يكون إلا مفتوحا أو ساكنا معتلا ولا يكون إلا ألفا فالمحرك نحو (شجره) و (ثمره) و (طلحه) و (حمزه) و (يا أبه) و (يا أمَّه) في (يا أبتِ) و (يا أُمَّتِ) وما أشبه ذلك والساكن نحو (شاة) و (علقاة) و (معاناة) و (ناقة حَلْباة) و(ناقة رَكْباة) و (ناقة مُلْقاة) و (رحمة مُهْداة) وما أشبه ذلك [81]

فإن وقع قبل تاء التأنيث ساكن صحيح فمفهوم كلامه أنها لا تُبْدَل بل تبقى حالها فتقول (بِنْتْ) و (أُخْتْ) ولا تبدل أصلا لأن هذه التاء لما سكن ما قبلها صارت كأنها ليست للتأنيث وإنما جيء بها لتُلحق بناتُ الاثنين ببنات الثلاثة نحو (عِدْلٍ) و (جُمْلٍ) فهي كتاء (سَنْبَتَةٍ) حيث كانت ملحقة ببناء (جعفر) فعوملت في ترك الإبدال معاملة (سنبتة)

فإن قلت: فإذا كان سكون ما قبلها يَمنعُ الإبدال فهلا منع فيما إذا كان الساكن ألفا؟

فالجواب أنّ ذلك الساكن في تقدير المتحرك لأنه في موضعه ومنقلب عنه وأيضا فإن الألف من الفتحة وهي بمنزلة الحرف المتحرك ولذلك يلتقي معها الساكنان نحو (دوابَّ) بخلاف ما إذا كان الساكن صحيحا

ثم يبقى النظر في هذا الشرط في شيئين

أحدهما ما كان من تاء التأنيث قبلها ألفٌ وما هي فيه لم يتمكن في الأسماء تمكن غيره وذلك قولهم (اللات) و (ذات) مؤنث (ذو) بمعنى صاحب فأصل الناظم يقضي فيهما بترجيح الإبدال كغيرهما فتقول (اللاه) و (ذاه) وهذا هو القياس الأصلي فيهما إلا أنّ لقائل أن يقول في (اللات) ما تقدم [82]

وكذلك في (ذات) لأنه اسم لازم للإضافة لم يتمكن تمكن الأسماء ولذلك جاء على حرفين أحدهما لين وذلك لا يوجد في معربات الأسماء فكان ينبغي أن يكون الأجودُ فيه الوقفَ بالتاء على الأصل تشبيها له بغير المتمكن كما تقدم في اللات فهذا لا يبعدُ وهو قياس صحيح ولذلك لم يقف عليه من القراء بالهاء إلا الكسائي وإذا ثبت هذا فيحتمل أن يكون الناظم قصد إدخال (اللات) و (ذات) تحت قانونه اعتبارا بالاسمية والإعراب فيكون ذلك النظر الذي ذكرته مطرحا فيهما ويحتمل أن لا يكون قصد ذكرهما نظرًا إلى ما ذكرته بل أبقاهما في محلّ النظر بأي القسمين يلحقان أبالأسماء المتمكنة أو بما أشبهها من الحروف فترك لك النظر في ذلك والاحتمال الأول أقوى وأولى أن يُحمَل عليه كلامُه

والنظر الثاني فيما كان من الأسماء المؤنثة بالتاء وقبلها ساكن صحيح لكنه يوقف عليه بالهاء نحو (هَنْت) و (مَنْت) فإن تقول في الوقف (هَنَهْ) و (مَنَهْ) ولا تترك التاء على حالها سماعا من العرب ونصا من النحويين فيمكن أن يكون هذا لم يعتبره المؤلف لقلته ولخروجه عن القياس لأن التاء [83]

الساكن ما قبلها إنما تسمى تاء تأنيث مجازا بل التأنيث بنفس البنية كما قالوا في (أخت) و (بنت) لا بالتاء إذ لو كانت التاء للتأنيث حقيقة للزم انفتاحُ ما قبلها فصارت كألف الأصل وألف الإلحاق فالقياس إثباتها تاءً فقولهم (هَنَهْ) و (مَنَهْ) ليس بوقفٍ على (هَنْت) و (مَنْت) نفسه بل هو وقفٌ على مردود إلى الأصل ولذلك صار ما قبلها مفتوحا

ونظرٌ ثالث وهو أن يُقال هل يدخلُ له في قوله «... إِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَاكِنٍ صَحَّ وُصِلْ» (كَيْتَ) و (ذَيْتَ) فيكون الوقف عليهما بالهاء على مقتضى كلامهم أو لا يدخل له؟ والذي يظهر أنّ كلامه قابل لدخوله لكن لم يُرده أصلا لأن وإن وُقف عليهما بالهاء فليس إلا بعد ردّ ما حُذف فتقول في الوقف (كيَّهْ) و (ذَيَّهْ) وكلامه لا يشعر بهذا الردّ مع أن سائر ما يُوقف عليه بالهاء - وقبله ساكن معتل - لا يحتاج إلى زيادة تغيير غير الإبدال.
وأيضا فالوقف عليهما على غير القياس فالظاهر أنه لم يُنبِّه عليهما ولا أرادهما وإن صلح كلامه لهما

والشرط الثاني من الشرطين المتقدمين أن لا تكون التاءُ في جمع تصحيح ولا ما أشبه جمع التصحيح بل تكون في المفرد نحو ما تقدّم من الأمثلة فإن كانت في جمع تصحيح - وهو الجمع بالألف والتاء - فاللغة الفصحى ألَّا تُبدلَ فيه وإنما تبدل فيه في لغة قليلة وذلك قوله «وَقَلَّ ذَا فِي جَمْعِ تَصْحِيحٍ» فـ (ذا) إشارة إلى الإبدال أي: قلّ الإبدال في هذا الجمع وما ضاهاه وكثر إثباتها على حالها فأما الكثير في جمع التصحيح فتقول (هذه هنداتْ) و (زينباتْ) و (طلحاتْ) ولم يحك سيبويه إلا هذه اللغة [84]

جارٍ التحميل