المستمرة في أن أحد المضاعفين زائد إذا تضمنت الكلمة ثلاثة أصول فأكثر وليست مختصة بزائد التضعيف بل الحكم عام في زائد التضعيف وزائد «سألتمونيها» على ما سيأتي ذكره حيث تكلم عليه إن شاء الله
فإن قيل قد يتخلف عنها في المضاعف تكرير الفاء وحدها نحو قرقف وفرفخ وقهقرى وجحجبى وديدبون وزيزفون وما أشبه ذلك واشتراط عدم الفصل بين المضاعفين بأصل
أما تكرير الفاء فلم يأت في كلامهم إذ ليس في الأبنية فعفل ولا فعفلى ولا ما أشبه ذلك ولا دليل على ذلك من اشتقاق ولا تصريف إلا في النادر إن ثبت فلأجل ذلك ادعوا الأصالة في الحرفين معا وإشارة كلام الناظم مطلقة في زيادة ما عدا نحو سمسم كما تقدم فاقتضى أن الفاء أيضا كذلك
وأما اشتراط عدم الفصل بين المضاعفين بأصل فهو شرط لازم عندهم ولذلك كان نحو حدرد وقسطاس ونحوهما قد حكم فيه بأصالة المضاعفين كما تقدم فيقال إن الناظم إن كان أشار إلى قاعدة زيادة التضعيف فقد فاته عمدتها وهو ذكر الشرطين فإما أن يكون لم يتعرض من زيادة التضعيف إلا لما نص عليه فيكون قد ذكر بعض أطراف المسألة وترك جلها وهذا قصور وإما أن يكون أراد ما تقدم تفسيره فيقتضي [338]
الزيادة مطلقاً في الفاء إن ضوعفت وحدها ومع الفصل بأصل وذلك غير صحيح
فالجواب أن كلامه صحيح في جميع أطراف المسألة وبيان ذلك أن قوله «وَاحْكُمْ بِتَأَصِيلِ حُرُوفِ سِمْسِمِ... وَنَحْوِهِ» إنما يريد ما كان نحو سمسم مما اجتمع فيه من الأوصاف ما اجتمع في سمسم وهذا المثال لو ادعيت فيه الزيادة فإما أن تدعى في الحرفين معا أو في أحدهما فإن ادعيت فيهما معا بقي الاسم على أقل من ثلاثة أحرف فقد تخلف فيه أحد الشرطين وهو توفر أقل الأصول وهذا الشرط لم يذكره هنا إذ قد تقدم له في قوله «وَلَيْسَ أَدْنَى مِنْ ثُلَاثِيٍّ يُرَى» إلى آخره وإن ادعيت في أحدهما لزم الفصل بين المضاعفين بأصل فالناظم إنما أشار كلامه إلى ما فقد فيه شرط دعوى الزيادة فكأنه يقول واحكم بتأصيل ما لزم بزيادته فقد الشرط ولا شك أن «سمسم» مما لم يتوفر فيه ذلك الشرك فقد حكم بتأصيله وبتأصيل ما كان نحوه فيدخل له على ذلك ما كان نحو قرقف وفرفخ إذ يلزم من دعوى زيادة أحد القافين أو الفاءين الفصل بينهما بأصل وكذلك ما كان نحو قسطاس وحدرد ومن هنا نقول إن نحو مرمريس ونحو صمحمح المضاعفين مما فيه زائدان إذا جعلت الزائد فيهما هو الثاني من الأول وذلك الميم الثانية منهما والأول من الثاني وذلك الراء الأولى والحاء الأولى وقد فرق في التسهيل بين صمحمح ومرمريس فجعل الزائدين في الأول كما تقدم وفي الآخر الثاني منهما وفيه فقد الشرط لأن الميم الأولى [339]
مع الثانية قد فصل بينهما بالراء الأولى وهي أصل ومن ههنا استشكل شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف رحمه الله كلامه في التسهيل وقال إنه على خلاف القاعدة واعتذر عنه بأنه مقتضى كلام سيبويه في أبواب التحقير وبأن الذي قام مقام هذا الشرط مساعدة العين للفاء في التضعيف إذ لم تضاعف الفاء وحدها قال شيخنا القاضي فكأن الفاء قد امتزجت واختلطت بها من حيث ضوعفت بسببها وأصل الامتزاج يقتضي المناسبة بأن يجعل الأصلي ممازجا للأصلي والزائد ممازجا للزائد أما الميم الأولى فلا يحكم بزيادتها فلا بد من الحكم بزيادة الراء الثانية قال فهنا انعكست تلك القاعدة
وقد يقال إن ما ذهب إليه الناظم من إجرائه مجرى صمحمح هو الأولى أما أولا فحمل باب التضعيف على طريقة واحدة أولى وأيضا فإنا نقول إن مساعدة العين إنما اشترطت في تضعيف الفاء لما يلقى في عدم تضعيفها من الفصل بين المضاعفين بأصل كقرقف ونحوه فإذا ساعدتها العين في التضعيف صارت معها كالعين واللام في صمحمح فلم يلق محذور فإذا ادعينا أصالة الميم والراء الأوليين لزم فيه خلاف الشرط فيمتنع وهنا [340]
نقول إن المضاعفين كالشيء الواحد لأن أحدهما كأنه هو نفس الآخر فلا ينبغي أن يفصل بينهما لأنهما في الأصل شيء واحد فإن وقع الفاصل ولا بد فلا يكون إلا زائدا لأن الزائد في حكم المعدوم في الأصل فإذا ثبت هذا فقد انقلبت النكتة التي ذكرها شيخنا القاضي على ابن مالك وصار كلامه في التسهيل بسببها مرجوحا ومقتضى نظمه راجحا وكلام سيبويه مؤول
وقوله «وَنَحْوِهِ» يريد ما كان نحو سمسم فيما حوى من الأوصاف ولا يقتصر بهذا المثال على كونه اسما لا فعلا ولا على كونه صحيحا لا معتلا بل الحكم منسحب على كل ما كان من ذلك لا يفهم معناه بسقوط حرف منه فيدخل فيه دوداة وشوشاة وضوضى وقوقى وحاحيت وعاعيت وهاهيت والهاهاة والحاحاة الحيحاء كالزلزلة والزلزال والقلقلة والقلقال ونحو صيصية وسواء أكان [341]
هذا كله قد زيد فيه من «سألتمونيها» أم لا كالزلزال والصلصال والقمقام وعاعيت معاعاة وما أشبه ذلك الحكم بأصالة المضاعفين في الجميع واحد
وأما القسم الثاني وهو ما لا يسقط معناه بسقوط حرف منه فذكر الناظم فيه خلافا فقال «وَالْخُلْفِ فِي كَلَمْلِمِ» و «الْخُلْفِ» مخفوض عطفا على «تَأَصِيلِ» والتقدير واحكم بالخلف في كلملم والكاف في كلملم اسمية بمعنى مثل أي في مثل هذا الفعل الذي هو لملم وهو فعل أمر من لململ الكتيبة أي ضمها وجمع بعضها إلى بعض فالكاف هنا مثلها في قول ذي الرمة
أبيت على ميّ كئيبا وبعلها... على كالنقا من عالج يتبطح
وقول الآخر
وزعت بكالهراوة أعوجيّ... إذا ونت الركاب جرى وثابا
وأراد بالخلف الخلاف الواقع في تأصيل حروف ما هو كلملم وذلك أن محل الخلاف قد أشار إليه المثال وهو ما لا يسقط معناه لسقوط حرف منه لكن هذا النوع على قسمين [342]
أحدهما ما يكون الساقط منه الثالث وهو الذي وقع فيه الخلاف منصوصا ومثاله ما ذكر أولا ومنه أيضا كبكبه كبكبة وكبه كبا وهما معا في القرآن فقال تعالى ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾ وقال تعالى ﴿فكبت وجوههم في النار﴾ وقالوا صرّ وصرصر صريرا وصرصرة وصلّ وصلصل وعج عجعج وعين ثرة وثرثارة وهو باب واسع
فأما تقرير الخلاف فيه فإنه من وجهين
أحدهما زيادة بالتضعيف من غير دعوى إبدال فذهب الكوفيون الزجاج من البصريين إلى أن الحرف الثالث زائد لسقوطه في بعض تصاريف الكلمة وأن الكلمة ثلاثية وقد تقدم أن الذي يدل على الزيادة في الحرف سقوطه في بعض تصاريف الكلمة فكذلك يقول هؤلاء ههنا ومذهب سائر البصريين أن الحروف كلها أصول كالقسم الأول وسقوط الثالث لا دليل فيه وذلك أن القائل بزيادته يلزمه أمران أحدهما خروجه عن باب واسع كثير هو باب تقارب الألفاظ مع اختلاف موادها نحو سبط وسبطر ودمث ودمثر وقد تقدم من ذلك أشياء كثيرة مع أن الحروف كلها أصول وسقوك الساقط ليس بسقوط في الحقيقة وإنما تلك مادة أخرى فالقول بزيادة الساقط يخرجه عن باب واسع والثاني دخوله فيما لا نظير له وهو تكرير الفاء [343]
وحدها وذلك يؤدي إلى أن يكون وزن الكلمة «فعفل» و «فعفلة» و «فعفالة» في نحو صلصل وصلصلة وثرثارة وهذا بناء مرفوض فما يؤدي إلى القول به مرفوض وإنما تضاعف الفاء الفاء مع مضاعفة العين لا وحدها وفي باب قليل لا كثير وذلك مرمريس ومرمريت لا غيرها ويمكن أن تكون التاء في مرمريت أصلها سين مرمريس من فأبدلت منها كما أبدلت في قول الشاعر
يا قاتَلَ الله بني السعلاةِ... عمرو بن يربوع شرار النات... غير أعفاء ولا أكيات
يريد شرار الناس وأكياس فلا يكون في المحفوظ من المضاعف الفاء إلا حرف واحد وقد وافقونا في نحو قرفخ وقرقل وزهزق وجرجم ونحو ذلك مما يسقط معناه بسقوط ثالثه على أنه غير مضاعف الفاء فلا دليل لهم في وجوده فإذا مذهبهم غير سديد فإن قالوا إن الزيادة هنا ليست بالتضعيف صاروا إلى زيادة ما ليس من حروف سألتمونيها في مثل كبكب وذلك إنما ثبت مع التضعيف [344]
وللكوفيين والزجاج أن يقولوا إن الأصل اتحاد المواد في مثل هذا حتى يدل دليل على خلاف ذلك وهو الباب الأوسع والمنقول الأكثر ولا يبلغ باب سبط وسبطر مبلغه إذ هو حروف معدودة وإن كثرت يحصر أكثرها أهل اللغة والتصريف بخلاف الباب الآخر فإنه غير منحصر وإذا كان كذلك فقد شملة قانون الزيادة المتقدم الذكر فيكون القول بخلافه خرقا لذلك القانون وما ردوا به من انعدام تكرير الفاء وحدها فليس كذلك فقد حكى أبو الحسن عن الخليل أن هركولة هفعولة لأنها التي تركل في مشيتها قال ابن جني «وسمعت بعض عقيل يقول في هركولة هرّكلة فإن كان هذا ثبتا عندهم فقياس قول الخليل أن تكون هرّكلة هفّعلة فتكون الفاء هنا مضاعفة فيضاف هذا الحرف إلى مرمريس» قال «ويجب على قياس هذا القول أن يكون قول الراجز
باتت بليل ساهد وقد سهد... هلقم يأكل أطراف النجد
وزنه هفعل لأنه من اللقم» ثم ذكر أنه لا يرى بأسا بقول الخليل وأبي الحسن من زيادة الهاء فقد ثبت إذًا تضعيف الفاء وحدها من كلام العرب وإن سلم أنها لم تزد وحدها فتكرير العين مع تكريرها مونس بوجوده وإن سلمنا فلا ينكر أن يأتي في المضاعف ما لا يأتي في غير المضاعف وذلك [345]
إذا كان المعتل قد يأتي فيه من الأمثلة ما لا يأتي في الصحيح نحو سيد وميت وقضاة وسعاة وقيد ودة وصيرورة وليس في الصحيح فيعل ولا فعلة في جمع فاعل ولا فيعلولة مصدرا فكذلك يجيء في المضاعف ما لا يأتي في غيره من تكرير الفاء فقد كرروها في مرمريس ونحوه فأدى إلى فعفعيل وإن كان غير موجود وكذلك قالوا قلقال وصلصال فجاء فيه فعلال وليس في غير المضاعف إلا نادرا فتكريرهم الفاء وحدها وأداؤه إلى فعفل من هذا القبيل فكان ما ذهبوا إليه غير خارج عن قياس كلامهم وغير مفقود الحجة في باب النظر وبنحو من هذا احتج ابن جني للزجاج في هذا المذهب وذكر أنه إن احتج له بهذا فهو قول
ولما رأى الناظم القولين يتجاذبان الحجة على تقارب ورأى أن مذهب الكوفيين يطرد عليه قانون الزيادة التي قدم قبت له أن الدليل في الجنبتين فوي فلم يرتهن في صحة أحدهما ولا ترجيحه بل أطلق ذكر الخلاف وترك الترجيح للناظر وإنه لحسن ولكن يؤخذ له مذهبه فيها من قوله «واحكم بتأصيل حروف سمسم ونحوه» وأنه الحكم بالأصالة لما يلقى في الزيادة من الفصل بين المضاعفين بأصل على ما نفسر بعد إن شاء الله تعالى
والوجه الثاني من تقرير الخلاف في «لملم» زيادة بالتضعيف مع دعوى الإبدال وذلك على أن يكون لملم أصله لمّم وكبكب أصله كبّب وجلجل أصله جلّل وهكذا باقي المواضع في هذا النحو لكن كرهوا التقاء الأمثال فأبدلوا من المضاعف الثاني حرفا مماثلا للفاء فقالوا لملم وكبكب [346]
وثرثارة في ثرة وكذلك ما أشبهه ذهب إلى هذا البغداديون وتابعهم أبو بكر بن السراج وصححه الزبيدي وقال قولهم عندي أولى بالصواب لاطّراد مقالتهم وصحبة الاشتقاق لمذهبهم ألا ترى أن قولك كفكفت في معنى كففت وجلجلت في معنى جضلّلت
وأما السيرافي فزعم أن هذا المضاعف يجيء على ثلاثة أوجه
أحدها أنه ثلاثي قال فبنى فعلل منه كجلبب فقيل كبّب فاستثقلوا التضعيف والتباسه بفعّل فقلبوا المتوسط للفظ الفاء كما أزالوا التضعيف من تظننت فقالوا تظنيت وفي دسّس فقالوا دسَّى وهذا النوع كثير ونقل عن الفراء تجويز أن يكون كبكب فعل وفعلل قال وكونه فعل خطأ لا يجوز أن يجيء مصدر فعل إلا تفعيلا أو فعلا ولا يقال في كبكب تكبيب بل قالوا كبكبة وهو دليل على أنه فعلل كجلبب
والثاني أن يكون مبنيا من صوت على حرفين فكرر الحرفان علامة على تكرير الصوت نحو قرقر الطائر وقعقع الحلي
فإن قيل لم اقتصروا في ذلك على تكريره مرتين؟
فأجاب بأنه ثقل عليهم التكرير مرات فاجتزءوا باثنين كما اجتزءوا في قام القوم رجلا رجلا مع أنهم يريدون أكثر من ذلك
والثالث ألا يكون أصله ثلاثيا ولا صوتا ومثاله عسعس
هذه طريقة السيرافي في هذا النحو فقد أثبت فيه قسما على طريقة البغداديين لكن بنوع آخر من الصناعة أصلها ما قالوه [347]
وقد قال البصريون إن الأولى أن يقال إن جميع ذلك رباعي لأن هذا البدل لم يثبت في كلامهم بل الثابت أن يبدل من المضاعف حرف علة نحو تظنيت وقصّيت أظفاري ولم يثبت في مثل هذا قصقصت ولا تظنظنت ولا قيل أيضا في كبكبت كببت وقد قيل في قصيت قصصت
فإن قال لم يقل كببت لئلا يلتبس بفعلت
قيل وكذلك قصيت يلتبس بفعلت ثم إن المصدر يبين ذلك
وقال ابن جني وأشار إلى هذا المذهب سألت أبا على عن فساده فقال العلة أنه أصل القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها وذلك نحو الدال والطاء والذال والظاء والثاء والهاء والهمزة والميم والنون ونحو ذلك مما تدانت مخارجه فأما الحاء يعني من حثحث فبعيدة من الثاء وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها قالوا فالصحيح أن كبكب رباعي وكبب ثلاثي كسبط وسبطر ولذلك كان مثله قليلا في كلامهم ومذهب الناظم هنا أيضا مذهب البصريين لأن الإبدال على هذا الوجه لم يثبته فهو عنده موقوف على السماع إذا تبين وجه الإبدال لا إذا أثبت بالاحتمال والله أعلم ولم يرجح أحد المذهبين على الآخر إما لتكافؤ الأدلة وقد تقدم ترجيح الزبيدي مذهب البغداديين وإما لأنه أتى بهذا الخلاف مع الخلاف الآخر الذي لم ير فيه الترجيح [348]
والقسم الثاني مما لا يسقط معناه لسقوط حرف منه ما يكون الساقط منه الحرف الرابع ومثال الناظم لم يرشد إليه بخصوصه وإنما أشار إلى القسم الأول لكن إذا أخذ المثال على عموم سقوط حرف ما شمل القسمين وهذا القسم لم يذكر في التسهيل فيه خلافا وكلام ابن جني في الخصائص يظهر منه أن أبا إسحاق مخالف فيه أيضا كالأول فإنه قال «وذهب أبو إسحاق في نحو قلقل وصرصر وجرجر إلى أنه فعفل وأن الكلمة لذلك ثلاثية قال حتى كأن أبا إسحاق لن يسمع في هذه اللغة الفاشية المنتشرة بزغد وزغدب وسبط وسبطر ودمث ومثر وإلى قول العجاج
ركبت أخشاه إذا ما أحبجا
هذا مع قولهم وَتَرٌ حِبَجْرٌ للقوية الممتلئ نعم وذهب إلى مذهب شاذ غريب في أصل منقاد عجيب ألا ترى إلى كثرته في نحو زلز وزلزل ومن أمثالهم توضقّري يا زلزة فهذا من قولهم قد تزلزلت أقدامهم إذا قلقت فلم تثبت قال ومنه وقلق وهوة وهوهاءة وغوغاء وغوغاء لأنه مصروفا رباعي وغير مصروف ثلاثي ومنه رجل أدْرَد وقالوا عض على دردره ودردوره» هذا كله كلام ابن جني ثم عقب بقوله «ومنه صل وصلصل» إلى ما مثل به من القسم الأول فيما عنده فيه خلاف الزجاج [349]
على حد واحد ويلزم ذلك أيضا الكوفيين إن لم يكونوا قالوا به وإذا كان الأمر على هذا كان ما احتج به للفريقين هنالك جاريا هنا على نصه إذ وزن زلزل على هذا الترتيب فعلع وغوغاء فعلاع وعلى هذا النحو سائرها والقول فيها كما تقدم
فَأَلِفٌ أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ... صَاحَبَ زَائِدٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
من هنا أخذ في ذكر حروف الزيادة ومواضعها وشروط الحكم عليها بالزيادة وهي عشرة أحرف لم يأت بها الناظم مجموعة أولا اكتفاء بذكرها على الإفراد واحدا واحدا على أنه قد ذكر حروف البدل مجموعة في قاله «هَدَأْتَ مُوطِيَا» فكان من الكمال أن يفعل كذلك في حروف الزيادة والخطب في هذا يسير وقد جمعها الناس في أنواع من الكلام فحكى ابن خروف أن أبا أسحق الزجاج سئل عن جمعها فقيل له ما الحروف الزوائد؟ فقال سألتمونيها فجمعها هذا الجمع ملغزا كأنه يريد تقدم سؤالكم لي فلم يفهموا حتى فهمهم وكذلك سأل المبرد عنها المازني فأنشد هويت السمان فشيبنني... وقد كنت قدما هويت السمانا ثم اقتضاه المبرد الجواب فقال قد أجبتك دفعتين لأنه ذكر في البيت «هويت السمان» مرتين وجمعها بعضهم آتيا بها في بيت فقال [350]
سألت الحروف الزائدات عن اسمها... فقالت ولم تبخل أمان وتسهيل
وحكى الزجاجي عن المازني اليوم تنساه وقد جمع ابن خروف من ذلك نحوا من عشرين نوعا سوى ما تقدم وزعم أن أكثرها له وعلى الجملة فهي عشرة أحرف وزاد ابن خروف فيها الشين اللاحقة في الوقف في قولهم أكرمتكش فهي إذًا أحد عشر وإنما سميت حروف الزيادة وإن كانت تقع أصولا لأن الزوائد منها تكون لا من غيرها
واعلم أن الناظم هنا عدّ من هذه الحروف تسعة وترك ذكر العاشر إهمالا له فذكر الألف والياء والواو والهمزة والميم والنون والتاء واللام والهاء وترك ذكر السين فلم يتعرض لها بإثبات إلا قوله حين ذكر التاء
وَالتَّاءُ فِي التَّأْنِيثِ وَالْمُضَارَعَةْ... وَنَحْوِ الِاسْتِفْعَالِ وَالْمُطَاوَعَةْ
لا يقال إنه ذكرها حين ذكر الاستفعال لأنا نقول لم يذكر الاستفعال إلا بسبب التاء خاصة فأتى بالمثال الذي تقع فيه التاء لكن اتفق أن ذلك المثال من مواقع السين لا أنه قصده بالذكر وهذا ظاهر فالدرك عليه فيه ظاهر ولا عذر له في تركه إلا أن يقال إنه اكتفى بمجرد المثال إذ كانت السين لا تزاد إلا فيه وهذا من الضعف بالمكان المكين فالحق أنه فاته ذكره فلو قال مثلا حين ذكر التاء
والتاء في التأنيث المضارعةْ... ونحو الاستفعال والمطاوعةْ كذالك في التفعيل والتفعال... كذا مع السين في الاستفعال ومثله تفاعل تفعلُ... اختص بالمطاوع التفعلُ [351]
لزال هذا الشغب وارتفع عنه في زيادة التاء شغب آخر سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى
وإنما لم يذكر الشين هنا لأن غير ابن خروف لم يلحقها بحروف الزيادة وعدم إلحاقها هو الوجه لأنه إنما ينبغي أن تثبت زيادة الحرف فيما بنيت عليه الكلمة حتى يكون لح حظ في الدلالة على تلك الكلمة بحيث لو حذف منها مع أنه زائد لاختل معنى الكلمة وليست السين كذلك وأيضا فهي تابعة للضمير والضمائر كلها كالحروف ليس فيها زيادة لأن الزيادة تصريف والتصريف لا يكون إلا في الأسماء المتمكنة والأفعال لكن يلزم الناظم أن يعدها في الزوائد على طريقته في عده هاء السكت فيها فإن هاء السكت ليست الكلمة مبنية عليها وأيضا فهي تتبع ما لا يدخله تصريف فكان الوجه أحد أمرين إما أن يعد مع الهاء الشين وإما أت يتركهما معا فالتفريق بينهما وذكر أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح ولا يجاب هنا بما أجاب به ابن جني من أن الهاء قد ثبتت زيادتها في غير الوقف نحو قولهم أمهات إذ وزنها فعلهات والهاء زائدة لأنها جمع أم وكذلك الهاء في قولهم هركولة وهبلع وما أشبه ذلك لأن هذه الأشياء لم تثبت زيادتها بعد وأيا فلو ثبتت لكانت عند الناظم نادرة مسموعة إذ لم يذكر في [352]
زيادتها قياساً إلا هاء السكت وقد اعترض المبرد على سيبويه هذه المسألة واعتراضه وارد وأجيب عن سيبويه بأنه أثبت الهاء زائدة لكثرة زيادتها في الوقف
فإن قيل فاجعل الياء في يزيد زائدة في الكلمة
فالجواب أن هذا حرف معنى كمن وإنما اتصل بالكلمة لضرورة أنه على حرف واحد وأما الهاء فإنها تزاد في الكلمة لبيان حركتها نعم هي من الزيادات التي تختص بالوقف وليس لها معنى
فإن قيل فاجعل الشين زائدة
قيل تلك لغة قليلة فلذلك لم يعول عليها والعرب متفقون على زيادة الهاء وإنما ذكروا حروف الزيادة بالنظر إلى جميع اللغات هذا وجه زيادتها وهو الذي اعتمد ابن الضائع في الجواب وهو إذا تأملته ليس بجواب إذ لم ينفصل فيه عن كون الهاء غير مبنية عليها الكلمة
والجواب عن الناظم هو الجواب عن سيبويه لكن الناظم يمكن أن يجاب عنه بأنه ابتع في هذا سيبويه والجمهور ولم ير تخلفه عما جروا عليه في عد الهاء ولم يعد الشين لما تقدم من كونها مختصة ببعض اللغات أو لأنهم لم يعدوها فاتبعهم في ذلك [353]
ولنرجع إلى كلامه فقوله «فَأَلِفٌ أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ... صَاحَبَ زَائِدٌ» أَلِفٌ مبتدأ وخبره زَائِدٌ وابتدأ بالنكرة لأنها موصوفة بقوله «صَاحَبَ» إذ هو في موضع الصفة وأَكَثَرَ مفعول بصَاحَبَ يعني أنّ الألف إذا صاحبت في الكلمة ثلاثة أحرف أصول فأكثر فاحكم عليها بالزيادة مطلقا من غير قيد سوى توفر أقل الأصول خاصة وإنما قال أكثر من أصلين ولم يقل ثلاثة أصول ليشمل كلامه الثلاثة فما زاد عليها لأنها قد تزاد مع الرباعي الأصول الخماسيها كما تزاد مع الثلاثي فالرباعي نحو عريقصان وقرطاس وصلصال والخماسي نحو قبعثرى وضبغطرى فلو قال صاحب ثلاثة أحرف لأوهم الاقتصار على الثلاثي دون الرباعي والخماسي
ثم في هذا العقد خمس مسائل
إحداها أنه أطلق القول في الألوف إذا صاحبت أكثر من أصلين أنها زائدة وإنما أراد هنا والله أعلم الألف الباقية على أصلها لم تنقلب بدليل ذكره للهمزة الواقعة بعد ألف بعد هذا وحقيقة أمرها أنها منقلبة عن حرف زائد إذ لا تكون في الآخر زائدة بنفسها وإنما هي منقلبة عن ألف التأنيث أو ألف الإلحاق أو التكثير كحمراء وصحراء وعلباء وقوباء وطرفاءة وقصباءة وما أشبه ذلك فالظاهر أنه إنما أراد الألف مع بقائها على لفظها نحو حبلى وسكرى وقائم وقاعد ونحو ذلك [354]
والثانية أن قوله «صَاحَبَ» «أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ» قد دل بمفهومه دلالة واضحة على أنه إذا لم يصاحب أكثر من أصلين فليس بزائد فقولك عصا ورحا وفتى وغزا ورمى وما أشبه ذلك ألفاتها أصول أي منقلبة عن حروف أصول لأن الألف لا تكون أصلا بنفسها في الأسماء المعربة ولا في الأفعال إذ لو كانت زوائد لبقي الاسم على حرفين وذلك لا يكون فيها أصلا وقد قال هو
وَلَيْسَ أَدْنَى مِنْ ثُلَاثِيٍّ يُرَى... قَابِلَ تَصْرِيفٍ سِوَى مَا غُيِّرَا
والثالثة أن الناظم لم يعين لزيادتها موضعا في الكلمة كما عين للهمزة والنون وغيرهما فدل على أنها يحكم بزيادتها حيث وقعت من الكلمة فتزاد ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وهكذا إلى زيادتها سابعة وهو منتهى ما تبلغ إليه الأسماء
فأما زيادتها ثانية فمثاله ضارب وقاتل وخاتم وطابق وساباط وخاتام وعاقول وحاطوم وقاصعاء ونافقاء وفي الفعل خاصم وشاتم وحافظ [355]
وأما زيادتها ثالثة فمثاله حساب وكتاب وغراب وسراب وجراب وسخاخين وعنافر وفي الفعل تقاتل وتضارب
وأما زيادتها رابعة فمثاله حملاق ودهقان وزلزال وبلبال وقرطاس وقرناس وأرطى ومعزى وذكرى وسكرى وفي الفعل نحو سلقى وجعبى على أنهم قالوا إن الألف في الفعل هنا منقلبة عن الياء لقولهم سلقيت وجعبيت فالإلحاق وقع بالياء لا بالألف فلا تعد الأفعال هنا
وأما زيادتها خامسة فمثاله حبركى ودلنظى وفرقرى وسمهى وبوكاء وقيقبان وصليان ومكرمان ومرطراط وجلبلاب وفرنداد
وأما زيادتها سادسة فنحو قبعثرى وصبغطرى وعبوثران وعريقصان وهزنبران ويهيرى ومرحيا [356]
وأما زيادتها سابعة فنحو بردرايا وأربعاوى وهو قليل وأكثر وجودها على قلته مقلوبة هزة نحو معيوراء وفيضوضاء ومطيطياء
وأما زيادتها أولا فممنوعة وإنما لم يستثن ذلك لأنه معلوم أنها لا تزاد هنالك لأنها ساكنة والساكن لا يبتدأ به
فإن قلت فهلا زيدت أولا وإن كانت ساكنة وجلبت لها همزة الوصل توصلا إلى النطق بها كما زيدت النون في انطلق والسين في استفعل ونحو ذلك سواكن ثم جلبت لها همزة الوصل؟
فالجواب أن الألف هوائية تابعة للفتحة أبدا فلو زيدت أولا لم يكن بد من فتح همزة الوصل لها وألف الوصل لا يفتح أصلا وإنما تأتي أبدا مكسورة وهو الأصل فيها أو مضمومة لعارض بعرض وهو انضمام ما بعد الساكن على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ولم تأت مفتوح إلا مع لام التعريف على القول بزيادة الهمزة وفي ايمن في بعض اللغات وإذا ثبت هذا ووقعت الهمزة قبلها مكسورة لم تبق الألف على حالها ألف بل يجب فلبها ياء للكسرة قبلها أو وقعت الهمزة قبلها مضمومة فلا بد أيضا من قلبها [357]
واوًا فلا تبقى أبدا ألفا وإنما تكون ياء أو واوا فيقع في زيادته أولا من الإشكال والإلباس ما بعضه مستكره فرفض هذا الحكم جملة قال ابن جني «وهذا كرفضهم أن يبنوا في الأسماء اسما فيما عينه واو على فَعُل مثل عضد وسبع وذلك أنهم لو بنوه لم يكونوا ليخلو من قلب الواو ألفا أو تركها غير مقلوبة ألفا فأن لم يقلبوا ثقل عليهم وإن قلبوا صار لفظه كلفظ ما عينه مفتوحة فلم يدر أمفتوحة كانت أو مضمومة فلما كانوا لا يخلون في بناء ذلك من إشكال أو استثقال رفضوه البتة» هذا وجه تركهم زيادتها
والمسألة الرابعة أن قوله «صَاحَبَ» «أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ» يريد أنه لا بد من مصاحبة ثلاثة أصول فأكثر قد تحقق كونها أصولا كالأمثلة المتقدمة فإنها إما أن يتحقق أنها أصول فههنا لا محذور في الحكم بزيادة الألف وإما أن يتحقق أن ليست بأصول كلها ولا ثلاثة منها فلا يجوز الحكم بزيادة الألف لأن الكلمة إذ ذاك تبقى على أقل من ثلاثة أصول وذلك غير جائز كقولك اختار وانقاد فالهمزة والتاء والنون مقطوع بزيادتها ولم يبق دون الألف إلا حرفان أصليان فلا يمكن مع ذلك دعوى زيادة الألف فيها لبقاء الكلمة على أقل من ثلاثة أصول وذلك ممنوع فتعين دعوى أصالتها وكونها منقلبة عن حرف أصلي وإما أن تكون محتملة للأصالة كلها ولزيادة بعضها فلا يقطع على الألف بالزيادة حتى يقطع ما عداها بالأصالة مثال ذلك مكان [358]
مثلا فإنه يحتمل أن يكون من مادة م ك ن فتكون الميم أصلية فيتوفر بها ثلاثة أحرف أصول فيصح إذ ذاك دعوى زيادة الألف لصحة دعوى أصالة الميم إذا فرضنا صحة ذلك ويمكن أن تكون الميم زائدة فتكون من مادة ك ون فلا بد من ادعاء أصالة الألف وأنها منقلبة إذ لم تتوفر ثلاثة أحرف أصول دونها
فالحاصل أن الكلمة إذا كانت في حيز الإمكان كهذه مثلا فإن الألف في حيز الإمكان أيضا أعني أنها إذا أمكن أن تتوفر فيها الأصول الثلاثة وأمكن أن لا فالألف باقية على إمكان الزيادة والأصالة فإذا تحقق فيها توفر الأصول تحقق زيادة الألف لأنهما متلازمان لا انفكاك لأحد الأمرين عن الآخر فلأجل هذا قيل إنه إنما يريد بقوله «صَاحَبَ» «أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ» أي على التحقيق فالمفهوم يعطي في كلامه أن ما لم يتحقق فيه أصالة أكثر من حرفين فلا يحكم عليه بأنه زائد وذلك يعطي نوعين
أحدهما ما تحقق فيه عدم استيفاء أكثر من أصلين نحو مال وناب وعصا ورحا وقد تقدم بيانه وكذلك استلقى إذ ثبتت زيادة الثلاثة الأول فلا يبقى دون الألف الأخيرة إلا أصلان فقط وقد تقدم أيضا والثاني ما لم يتحقق فيه شيء من ذلك فمفهوم كلامه يعطي أيضا أنه لا يقدم على الحكم بزيادة الألف فيه كمكان المتقدم وقد ذكر الناس له [359]
مثلا لا بد من ذكر أشياء منها يحصل بها التمرن في فهم مقصوده فمن ذلك قولهم قطوطى وذلولى وخجوجى وشجوجى وقلولى وقنونى ومرورى وظرورى وشرورى وشطوطى وما أشبهها الألف الأخيرة تحتمل أن تكون زائدة على أن يكون المضاعفان معا أصليين ويكون وزن الكلمة فعولى إذا ادعي في الواو الزيادة أو فعلى إذا ادعي فيها الأصالة وأن تكون أصلية على أن تكون الواو والطاء الثانية زائدتين بالتضعيف ويكون وزنها فعلعلا أو تكون الواو زائدة من «سألتمونيها» وإحدى الطاءين زائدة بالتضعيف ويكون وزن الكلمة فعوعلا أو أصلية ويكون وزنها فعوللا أو تكون أصولا كلها كسفرجل وجنعدل لكن لا يجوز أن تكون أصولا كلها فإن هذا لا يكون لأن الواو والياء لا تكونان أصلا في بنات الأربعة دون تضعيف على ما يذكره الناظم إثر هذا ولأن الألف لا يحكم عليها بالأصالة مع تحقق أصالة أكثر من حرفين وهو الذين نحن في مسألته بعد ولأن المضاعفين لا يحكم عليهما بالأصالة إذا توفر [360]
الشرطان وهما توفر أقل الأصول وعدم الفصل بين المضاعفين بأصل ولا أن يكون فعلى على زيادة الألف مثل الحبركى والقبعثى والصلخدى والجلعبى لأن الواو لا تكون أصلا في بنات الأربعة دون التضعيف وبذلك يمتنع أن تكون فعوللا كسرومط وفدوكس فلم يبق إلا أن تكون الكلمة فعولى مثل عدولى وقهوباة على تقدير زيادة الألف أو على فعوعل نحو عثوثل أو على فعلعل نحو دمكمك وذلك على تقدير أصالة الألف فكل واحد من هذه الأبنية يجتذب هذا النوع فيحتمل أن تكون زائدة بالتضعيف فلا تكون الألف إلا أصلية لأنها منقلبة عن ضعف الواو أو من «سألتمونيها» وأحد المضاعفين زائد ولا تكون الألف زائدة إلا على احتمال ألا يكون ثم زائد غير الواو فالناظم حكم بأن الألف هنا لا يحكم بزيادتها لهذا الاحتمال إلا أن يقوم دليل على أحد الاحتمالات فيثبت به للألف ما يثبت فإن لم يقم دليل يتوقف عن الحكم عليها وقد ذكر الناس الأدلة في هذه الأشياء وجعلوا منها ما هو على فعولى وما هو على فعوعل وما هو على فعلعل ولم أذكر وجه ذلك هنا لأن له موضعا غير [361]
هذا سيأتي إن شاء الله تعالى
ومن ذلك دالان وهامان وحادان وداران ونحوه الألف الأولى تحتمل أن تكون زائدة على أن تكون النون أصلية فيكون وزن الكلمة فاعلا كساباط وخاتام ويحتمل أن تكون أصلية منقلبة عن واو أو ياء والنون إذ ذاك زائدة كدوران وهيمان ونفيان وكلاهما محتمل إلا أن يدل دليل على أحد الأمرين فيرجع إليه فإذا ثبت الاحتمال سقط الحكم بالزيادة على الألف
وهذه أمثلة يقاس عليها ما سواها وجميعها لا يحكم عليها عند الناظم بالزيادة إذ لم يتحقق فيه بعد أكثر من أصلين فتكون زائدة بغير مين
والمسألة الخامسة أنه لما لم يعين للألف موضعا للزيادة ولم يخص ألفا من ألف دل على أن الألفات كلها في هذا الحكم سواء والألفات الزائدة في الكلمة على خمسة أقسام
أحدها أن تكون لمعنى وذلك ألف التأنيث نحو حبلى وحبارى وسكارى وجمادى ويلحق بهذا ما يدل في نفس البنية على معنى نحو قائم ومساجد وضارب وتقاتل فإن الألف مشاركة في معاني هذه الصيغ [362]
حتى إنه ربما ينسب لها معنى الصيغة مجازا ومن هذا القسم ألف التثنية وجمع المؤنث السالم نحو الزيدان والهندات
والثاني أن تكون لإلحاق بناء ببناء فتلحق الثلاثي بالرباعي نحو أرطى ومعزى هما ملحقان بجعفر وجرهم وتلحق الرباعي بالخماسي نحو صلخدى وضبغطى وسرندى هي ملحقة لها بسفرجل ونحوه
والثالث أن تزاد للتكثير والتطويل لحروف الكلمة نحو قبعثرى وضبغطرى ومن ذلك قولهم شكاعاة وسماناة وباقلاء على لغة من ألحق الهاء إذ ليست الألف هنا للتأنيث لمكان الهاء ولا للإلحاق إذ ليس في وزنها ما تلحق به
والرابع أن تكون للمد وهي اللاحقة قبل الآخر نحو سربال وجلباب وصلصال وكساء ورداء ونحو ذلك ومثلها اللاحقة آخر المندوب نحو وا زيداه
والخامس أن تقع في حشو الكلمة لغير مقصد زائد نحو خاتم وطابق وعاقول وما أشبه ذلك
وإنما ادعي في الألف الزيادة مطلقا فيما توفرت فيه ثلاثة أصول لأنها كثرت زيادتها جدا والكثرة دليل على ثبوت ذلك الكثير وكونه عمدة في بابه [363]
قال سيبويه «وأما الألف فلا تلحق رابعة فصاعدا إلا مزيدة لأنها كثيرة مزيدة وهي أجدر أن تكون كذلك من الهمزة لأنها تكثر ككثرتها أولا وأنه ليس في الكلام حرف إلا وبعضها فيه أو بعض الياء والواو» يريد بالبعض هنا الحركات لأنها أبعاض حروف العلة فالفتحة بعض الألف والضمة بعض الواو والكسرة بعض الياء فإذًا لا يدعى أصالتها إلا بدليل وإلا فهي زائدة
فإن قيل فإذا كانت الألف أصلها الزيادة فكيف تكون محتملة للأصالة بل يقال إذا توفر أقل الأصول فالأصل زيادتها فإن دل على ذلك دليل فذاك وإلا فالأصل الحكم عليها بالزيادة حتى يقوم دليل قاطع بأصالتها وإذا كان كذلك لم يصح تصور قسم المحتمل وإنما الألف على قسمين مقطوع بأصالتها ومقطوع بزيادتها فالأول ما يدل على أصالتها الدليل والثاني ما دل على زيادتها أو لم يدل على زيادتها ولا أصالتها فهي محمولة على الزيادة
فالجواب أن هذا السؤال مغالطة لأن قسم المحتمل لم يجعل محتملا من جهة عدم الدليل عليه بل من جهة تعارض الأدلة فيه خاصة حتى يأتي مرجح ولا شك أن نحو داران يتجاذبه أصلان أحدهما باب الدوران والهيمان فهو يقتضي كونه منه وهو من الاستدلال بالنظير فالألف على هذا أصلية [364]
والثاني باب ساباط وخاتام فهو يقتضي أيضا كونه منه وهو من الاستدلال بالنظير والألف على هذا زائدة فإذا ثبت لنا هذا التعارض حصل الاحتمال حتى يرد الترجيح وقد رجح فيه باب ساباط وإن كان قليلا فحكم على باب الدوران بأنه لو كان كذلك لكان داراق دوران وهامان وهيمان أو هومان ولم تعتل لأن باب فعلان مما عينه واو أو ياء أن يكون مصححا فلما لم يفعلوا ذلك دل على أنه ليس منه ليسلم بذلك من ترتيب إعلال على غير سبب وهذا الترجيح هو مقتضى عبارة التسهيل في قوله «ويتعين اغتفار قلة النظير إن سلم به من ترتيب حكم على غير سبب» وقد رجح الجمهور فيه باب فعلان وارتكبوا شذوذ الإعلال فيها لأجل الدخول في الباب الواسع لكثرة باب فعلان وقلة باب فاعال والحمل على الأكثر متعين وعلى هذا الأخير حمله سيبويه والمازني وابن جني وغيرهما فأنت ترى تعارض الأصول في هذه المسألة فهو الداعي إلى التوقف والاحتمال وأما ما لم يدل دليل على زيادة ولا أصالة فال مرية في دعوى الزيادة فيه جملا على الأكثر نحو الزامج واللهابة ونحوهما إذ لم يتعارض فيه دليلان كما تقدم من الأمثلة [365]
وقول الناظم «بِغَيْرِ مَيْنِ» معنى المين الكذب والجمع ميون يقال أكثر الظنون ميون وقد مان الرجل يمين مينا فهو مائن وميون وود فلان متماين أي متكاذب
فإن قيل هذه العبارة معترضة من وجهين أعني قوله «بِغَيْرِ مَيْنِ»
أحدهما أنها حشو لا فائدة فيها وقد عرفت عادته في هذا النظم في شحه بالألفاظ وأنه لا يأتي بها في غالب الأمر إلا لفائدة زائدة وهذا مخالف لذلك
والثاني على تسليم أنه أتى به حشوا ففي معناه من الضعف والوهن ما فيه فليت شعري هل كذبه أحد فيما نقل أم هل تطرق إلى ذهن الناظر في هذه المسألة حصول الكذب في طريقها أو توهمه في راو من رواتها حتى يقول إن ذلك كذلك بغير كذب؟ هذا معنى عن التحصيل بعيد زيادة إلى كونه غير مفيد ومن الحشو ما يكون فيه فائدة ما أو تحريض ما كقوله فاعلم أو فافهم أو فكن متبعا ونحو ذلك ولا يقال إن أرباب الأراجيز أبدا هذا شأنهم وخصوصا بهذه العبارة نفسها كقول القَلَلَوْسِيِّ
فإنّ ههنا اتفاق المذهبين... على امتناع ذاك فيه غير مين
وقوله في موضع آخر
وههنا تم الجميع دون مين
وكذلك غيره ممن نظم الأراجيز لأنا نقول غير ابن مالك أعذر في [366]
هذا النوع من ابن مالك لأن ابن مالك نصب نفسه في هذه الصناعة لتحرير العبارات واختصارها ووضعها على الأساليب الحسنة والمنازع المستقربة فيشاح في مثل هذا بخلاف غيره ممن لم يلزم إلا الإتيان بالمعنى كيف كان وعلى أي وجه أمكنت العبارة فيه وعلى غير تحرز من حشو ولا غيره فمثل هؤلاء لا كلام معهم في هذه الأشياء للمعرفة بمقاصدهم كما أنا إذا نظرنا في كتب المتقدمين لا نشاقهم في عباراتهم ولا نتّبّع ألفاظهم هذا التتبع فإنا إن فعلنا ذلك كنا مخطئين في أخذ كلامهم متعسفين في تقصيدهم ما قصدوا ما لم يقصدوا وابن مالك ومن تبع مثل ما تبع معلوم منهم القصد إلى إغماض المعاني في العبارات وإدراج الكثير منها في اللفظ اليسير وترك اللفظ لإيهام يكون فيه واختيار ما يعطي أصل المعنى من غير تطويل وما أشبه هذا فنحن معامل ابن مالك بما نصب له نفسه
فالجواب أنه لم يرد بقوله «بِغَيْرِ مَيْنِ» ما تقدم وإنما أراد كذب القضية التي أتى بها وذلك أنه أتى بكلية وهي أن الألف إذا كانت مع ثلاثة أصول فأكثر فهي زائدة بلا بد ولم يستثن من ذلك شيئا والكلية من حيث هي كلية في هذه الصناعة قد تكذب في بعض جزئياتها فلا تطرد إذ قد تكون الكلية ذات حكمين لا حكم واحد فتتقيد بقيود يخرج بسببها بعض جزئياتها كما يذكر في سائر الحروف الزوائد فليس قوله «بِغَيْرِ مَيْنِ» براجع إلى الراوي أو إلى القائل بل إلى نفس كلية الحكم كما يقال هذه كلية كاذبة [367]
إذا لم يجر الحكم في جميع جزئياتها ولا شك أن الألف كذلك لا تجدها أبدا مع توفر الأصول إلا زائدة بخلاف سائر الزوائد ومعنى هذا أن النون مثلا إذا وقعت في الكلمة مع توفر الأصول فلا يحكم عليها بالزيادة أصلا بل تكون في موضع زائدة كوقوعها ساكنة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين بعدها وقد تكون أصلية فيما إذا لم تقع متوسطة أو كانت متحركة أو نحو ذلك على ما سيأتي إن شاء الله فهذا الحكم مقيد فيها وكذلك سائر الحروف التي تزاد على حسب ما ذكره بعد هذا فلما كان هذا الإطلاق الذي ذكره ي الألف يوهم كذب الكلية إذ لم يقيدها بقيد أزال ذلك الإيهام بقوله «بِغَيْرِ مَيْنِ» أي بغير أن تكذب هذه القضية ولا أن يتخلف عنها قسم من أقسامها
فإن قيل فهذه الكلية قد يختلف عنها أشياء وذلك بقيام الدليل على التخلف من اشتقاق أو غيره كما يكون ذلك من غير الألف وإن كانت الأصول متوفرة
فالجواب أن مثال هذا لا يكون مع توفر الأصول تحقيقا وإنما يكون ذلك عند تنازع حرفين الأصالةَ فيكون أقل الأصول غير محقق كما تقدم في قطوطى وهامان وأبان وأبوابها وأما أن تجد ثلاثة أصول محققة لا إشكال فيها ثم يدعى بعد ذلك في الألف رابعة لتلك الثلاثة الأصالة فهذا لا يوجد فيما أظن وأما باب حاحيت فليس من هذا الباب وإنما هو من باب المضاعف [368]
الذي يذكره إثر هذا وهو الذي قال فيه قبل «وَاحْكُمْ بِتَأَصِيلِ حُرُوفِ سِمْسِمِ... وَنَحْوِهِ» فالكلية صحيحة والحمد لله
وَالْيَا كَذَا وَالْوَاوُ إِنْ لَمْ يَقَعَا... كَمَا هُمَا فِي يُؤْيُؤٍ وَوَعْوَعَا
يعني أن الياء والواو حكمهما في الزيادة حكم الألف وقد تقدم أن الألف غذا صاحبت أكثر من أصلين فهي زائدة بلا بد فكذلك أختاها إذا صاحبتا أكثر من أصلين فهما زائدتان أيضا لكن بشرط زائد كما ذكر وقد تقدمت الإشارة إلى علة هذه الدعوى في ثلاثة الأحرف وأن ذلك لكثرة الزيادة فيها دون غيرها من حروف الزيادة وهو معنى ما أشار إليه سيبويه وقال الرماني في شرح «الأصول» حين ذكر حروف الزيادة وإنما كانت هذه الحروف أحق بالزيادة لأنها حروف مد ولين وما يشبهها من وجه يقتضي اللحاق بها على مراتبه في القوة والضعف فحروف المد واللين أحق بالزيادة من جميع الحروف لتمكنها وحسنها في المسموع والتأليف وإمكان الترنم بها فمن أجل اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كانت أحق بالزيادة ثم الهمزة لأنها مواخية لها بالإعلال فحروف العلة الأربعة أحدها الهمزة لأنها كثيرا ما تنقلب إلى حرف المد واللين نحو راس وبير وبوس وكذلك كل همزة ساكنة فهي في التخفيف على حركة ما قبلها وأما النون فللترنم الذي [369]
فيها بالغنة كما هو في حروف المد واللين ولحسن النون في المسموع وأما الميم فتشبه النون بغنة ضعيفة وهي من مخرج الواو أيضا ولقربها في المخرج واتساعه كاتساع مخرج الواو قال فهذه هي السبعة التي تكثر في الزيادة وتدخل في الأبنية على مراتبها في القوة وأما الثلاثة الباقية فضعيفة في الزيادة لأنها مشبهة بالشبيه فالسين لا تزاد إلا في استفعل فقط لأنها تشبه التاء في قرب المخرج والهمس وأما اللام فتشبه النون لأنها وإن كانت من حافة اللسان فهي تستطيل إلى طبقة النون فلم تزد إلى في عبدل وذلك ولام المعرفة وأما الهاء فمشبهة بالهمزة لأنها من مخرجها وهي ضعيفة لخفائها في فلم تزد إلى في آخر الكلمة من نحو يا زيداه في الندبة والسكت في ﴿ماليه﴾ و ﴿اقتده﴾ فحروف المد واللين جارية على نسق واحد في الزيادة فإذًا يتصور في الواو والياء من المسائل ما يتصور في الألف من المسائل وهي خمس إحداها أنه إنما أراد الياء والواو الباقيتين على لفظهما كما كان ذلك في الألف فإذا انقلبتا إلى غيرهما قضي على ذلك الغير بما كان يقضي به عليهما لو كانتا باقيتين على أصلهما ولا محذور في هذا [370]
والثانية أنهما إذا لم تصاحبا أكثر من أصلين فليستا بزائدتين فالياء نحو ظبي ويسر ودين والواو نحو موت ودلو وشبه ذلك وذلك لئلا تبقى الكلمة على حرفين وذلك لا يكون
والثالثة أنه لما لم يعين لزيادتهما موضعا كما عين لغيرهما دل على أنهما زائدتان حيث وقعتا من الكلمة فأما الياء فتزاد أولا وثانية وثالثة ورابعة وخامسة فأما زيادتها أولا فنحو يرمع ويعملة ويسروع ويعضيد وفي الفعل يقوم ويقعد وينطلق وأما زيادتها ثانية فنحو خيفق وصيرف وغيداق وخيتام وقيصوم وعيثوم وعيطموس وعيضموز وقيتال وضيراب وحيفس والفعل نحو بيطر وبيقر [371]
وأما زيادتها ثالثة فنحو عثير وحذيم طريم وسرياح وجريال وكديون وهليون وسعيد وقضيب وللتحقير نحو كليب ورجيل ودريهم وكذلك وهبيخ وعليب قال ابن جني «ولا نظير له» وفي الفعل نحو طشيأ وهيأ وهما مما استدركه الزبيدي على سيبويه في الأبنية
وأما زيادتها رابعة فنحو دهليز وقنديل ومنديل وشمليل وزميل وسريط وفي الفعل نحو سلقيت وجعبيت
وأما زيادتها خامسة فنحو عنتريس وشفليق وعرطليل وفي الفعل نحو احنبطيت واحرنبيت واسرنديت
وأما الواو فتزاد ثانية وثالثة ورابعة وخامسة
فأما زيادتها ثانية فنحو كوثر وجوهر وتوراب وطومار ودواسر وحوقل وصومع
وأما زيادتها ثالثة فنحو جدول وقسور وحروع وقرواش ودرواس وعجوز وعمود وجهور ورهوك [372]
وأما زيادتها رابعة فنحو كنهور وبلهور وجرموق وزرنوق وعطود واخروط واعلوط
وأما زيادتها خامسة فنحو قندأو وسندأو وعنزهو وعضرفوط ومنجنون وحيزبون وما أشبه ذلك
ولم تزد أولا كما لم تزد الألف أولا بخلاف الياء وذلك أنها لو زيدت أولا لم تخل من أن تكون مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة فلو زيدت مضمومة لاطرد فيها الهمز نحو أقتت وأعد في وقتت ووعد أو مكسورة لكان القلب أيضا جائزا وإن كان قليلا كإشاح وإسادة في وشاح ووسادة أو مفتوحة فإما في اسم لكانت تنضم في التصغير فيطرد الهمز كأجيه في وجيه وإما في فعل لكانت تنضم في بناء المفعول فيطرد الهمز أيضا نحو أعد في وعد فلما كانت زيادتهم إياها أولا تدعو إلى همزها أو زوال لفظها والإشكال هل في همزة أصلية أو همزة مبدلة من واو رفض ذلك فيها فلم تزد أولا فإن قيل فكان يجري مجرى وعد ووزن [373]
قيل واو وعد ووزن أصل فاحتمل ذلك فيها وليس الزائد كالأصل هذا تعليل ابن جني وأصله للفارسي ولا شك أن هذه العلة لا تجري في الياء فلذلك زيدت أولا وإطلاق الناظم الزيادة في الحرفين مما يقتضي ما اقتضاه في الألف من عدم الاختصاص بموضع من الكلمة دون موضع وذلك في الواو غير صحيح كما تقدم فكان من الأمر المتأكد عليه أن يستثني الأول للواو إذ كان إطلاقه موهما صحة الزيادة أ, لا إذا توفرت الأصول وليس كذلك بخلاف الياء فإن زيادتها أولا جائزة
فإن قيل فكذلك في الألف أيضا وهو قد أطلق القول فيها فكان معترضا
فالجواب أن زيادة الألف أولا ممتنع في نفسه فلم يحتج إلى التنبيه عليه بخلاف الواو فالسؤال وارد
والمسألة الرابعة أن الياء والواو لا بد في دعوى زيادتهما من تحقق أكثر من أصلين كالأمثلة المتقدمة فإن الكلمة على ثلاثة أقسام
أحدهما أن يتحقق فيها توفر الأصول دون الياء والواو فلا شك في دعوى الزيادة كما قال والثاني أن يتحقق عدم توفرها دون الياء والواو فلا شك أيضا [374]
في الأصالة فمثال هذا في الياء قولهم سيال وبيان ويسار وما أشبه ذلك من بيوض وبيوت ونحوه لا بد من أصالة الياء في هذه الأشياء لتحقق زيادة الألف والواو في هذا ومثاله في الواو قولهم واعد ووازن وواعد ووازن فالألف مقطوع بزيادتها فالواو لا بد من القطع بأصالتها وكذلك استوصل واستوعد واستوقد ومن ذلك كثير
والثالث أن يحتمل الأمران فلا يقطع بالزيادة حتى يقطع بأصالة ما هو أكثر من حرفين ومثال ذلك في الياء قولهم مريم ومدين فالياء ههنا تتنازعها الأصالة والزيادة فالذي يدل فيها على الأصالة تقدم الميم وكونها في موضع زيادتها إذ الميم كالهمزة كما سيأتي إن شاء الله وأيضا إذا ادعي زيادتها كانت الميم أصلية فيكون وزن الكلمة فعيل وذلك غير موجود إلا ضهيد وقد زعم السيرافي أنه موضوع والذي يدل فيها على الزيادة أنها لو كانت أصلية لكانت الميم زائدة لكنها ليست كذلك إذ لو كانت زائدة لوجب اعتلال الياء بالقلب ألفا كمنال ومقام لكنها صحت فدل أن مريم نظير طريم وعثير والياء فيه للإلحاق بجعفر وأيضا فإن له نظيرا في الكلام وهو ضهيد فإن نفاه السيرافي فقد أثبته غيره فله [375]
نظير ومثال ذلك في الواو قولهم غوغاء وضوضاء هذه الواو تحتمل أن تكون أصلية وتحتمل أن تكون زائدة فالذي يدل على الأصالة أنا إذا ادعينا زيادتها فيكون وزنها فوعالا وهو قليل كتوراب مع الخروج عن باب القمقام والصلصال إذا ادعينا أصالة الواو على أن تكون مضاعفة وأيضا تكون الكلمة من باب ددن وهو نادر والذي يدل على زيادتها أنها لو كانت أصلية لكان وزن الكلمة إم فعلاء وإما فعلال فأما فعلاء فلا يجوز لأن الهمزة كانت تكون للإلحاق وليس له ما يلحق به لأن المضاعف لا يلحق به لاعتزامهم كون هذه النبية مختصة بالمضاعف وفعلال - غير مضاعف - لا يوجد منه إلا الخزعال والقسطال وكلاهما فيه مقال وأما فعلال فلا ينبغي أن يحمل عليه لأنهم قالوا غوغاء وضوضاء فمنعوا الصرف ولا يمكن أن تكون الهمزة إلا للتأنيث فهو إذًا إذا لم يصرف ثلاثي والأصل اتحاد المواد ما أمكن كما ثبت في الأصول فالأصل أن يدعى أنهما على سواء وأن الهمزة ليست بأصلية بل زائدة كما كانت زائدة في نظيره فإذا ثبت هذا التعارض في أمثال هذه المسائل بقيت الواو والياء فيها على احتمال الأصالة والزيادة فلا يصح الحكم عليها بالزيادة البتة ما لم تتحقق أصالة ما سواهما وقد تقدم هذا المعنى في الألف ولا فرق بينها وبين الواو والياء في هذا ولا يقال إن ما أوردته من المسائل ليس من باب المحتمل لأن سيبويه وغيره [376]
قد حكموا عليها وردوها إلى أن الياء والواو فيها أصول وأجابوا عن احتمال غيرها بما هو منصوص في دواوين العربية المبسوطة وبنى على ذلك المختصرون قبولا لما أصلوه وتعويلا على ما ارتكبوه من ذلك فما كان عندهم مخلصا إلى إحدى الجهتين على غير احتمال لا ينبغي أن يورد مورد الاحتمال بل هذه المسائل من قبيل ما دل الدليل فيه على أن الأصول لم تتوفر تحقيقا وإذا ذاك نقول قد حكم مفهوم كلام الناظم هنا على أصالة الياء والواو فمن أين تورد مورد الاحتمال لأنا نقول إنما النظر في هذه المسائل من جهة أنفسها لا من جهة ترجيح مرجح وارتضاء مرتض والذي لها من النظر من جهة أنفسها وما يتعلق بها من أدلة الأصالة والزيادة أن لها أدلة دلت على أصالتهما وأدلة دلت على زيادتهما وإذا قام الدليل من الجهتين وكانا معا ظنيين كما في مسألتنا فلا شك أن التعارض حاصل فيبقى الترجيح بين الأدلة فربما ذهب ذاهب إلى ترجيح إحدى الجهتين لقوة الدليل عنده أو لغير ذلك من أوجه الترجيح كما ذهب الناس في مريم ومدين إلى أصالة الميم وأجابوا عن معارضة التصحيح فيهما بأنه قد يأتي في الأعلام كثيرا كغيره من مخالفة الأصول من تصحيح ما يعل وإعلال ما يصحح وفك المدغم وغير ذلك من الشذوذات فدعوى التصحيح في أمثال هذا ليس بمستنكر بخلاف دعوى زيادة الياء فإنه مخالف [377]