لأنهم لما استقروا كلام العرب ليقيموا منه قوانين يحذى حذوها وجدوه على قسمين:
قسم سهل عليهم فيه وجه القياس ولم يعارضه معارض لشياعه في الاستعمال، وكثرة النظائر فيه فأعملوه بإطلاق علمًا بأن العرب كذلك كانت تفعل/ في قياسه.
وقسم لم يظهر لهم فيه وجه أو عرضه معرض لقلته وكثرة ما خالفه.
فهنا قالوا: إنه شاذ، أو موقوف على السماع، أو نحو ذلك، بمعنى أننا نتبع العرب فيما تكلموا به من ذلك، ولا نقيس غيره عليه، لا لأنه غير فصيحٍ، بل لأنًا نعلم أنها لم تقصد في ذلك القليل أن يُقاس عليه، أو يُغلب على الظن ذلك، وترى المعارض له أقوى وأشهر وأكثر في الاستعمال، هذا الذي يعون لا أنهم يرمون الكلام العربي بالتضعيف والتهجين حاش لله، وهم الذين قاموا بفرض الذب عن ألفاظ الكتاب، وعبارات الشريعة، وكلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ فهم أشد توقيرًا لكلام العرب وأشد احتياطًا عليه ممن يغمز عليهم بما هم منه بُراء.
اللهم إلا أن يكون في العرب من بعد عن جمهرتهم، وباين بحبوحة أوطانهم، وقارب مساكن العجم، أو ما أشبه ذلك ممن يخالف العرب في بعض كلامها وأنحاء عباراتها، فيقولون: هذه لغة ضعيفة، أو أشبه بذلك من العبارات الدالة على مرتبة تلك اللغة في اللغات.
فهذا واجب أن يُعرف به، وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها، وإذا كان هذا قصدهم، وعليه مدارهم فهم أحق أن يُنسب أليهم المعرفة بكلام العرب ومراتبه في الفصاحة، وما من ذلك الفصيح قياس، وما ليس
بقياس، ولا تضر العبارات إذا عُرف الاصطلاح فيها، وعلى هذا المهيع جرى النحويون في منع هذه المسألة، فلم يغفلوا السماع أصلًا ثم مالوا إلى المنع بالقياس، وإنما قالوا بالقياس عضدًا لما حصل لهم بالاستقراء من امتناع العرب من التقديم، ولكن للكوفيين هنا قاعدة يبنون عليها القياس- مخالفة لما تقدم، وهي أنهم قد يعتبرون اللفظ الشاذ فيقسون عليه، ويبنون على الشعر الكلام من غير نظر إلى مقاصد العرب، ولا اعتبار لما كثر أو قل، فمن ههنا وقع الخلاف بينهم في مسائل كثيرة.
والناظم قد ينحو نحوهم في مسائل كثيرةٍ، وهذه المسألة منها، وكذلك مسألة تقديم التمييز على عامله، ومسألة العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ومسألة الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وغير ذلك مما سيأتي ذكره.
وقدمرت منه مسائل، ولعله ينبه على بعض ذلك إن شاء الله.
فقد ظهر قصد الناظم في إعمال القياس في هذه المسألة، وتبين علام بنى في أمثالها على الجملة، وتفصيل النظر في القاعدة المبني عليها مقرر في علم الأصول النحوية.
ثم على الناظم في هذا الموضع سؤالان:
أحدهما: أنه نسب إلى جملة النحويين المنع في المسألة بقوله: "قد أبوا".
فظاهر هذا أنه متفق على المنع فيه، وهذا غير صحيح؛ أما البصريون فإن الجمهور منهم على ما قال، وقد ذهب ابن كيسان إلى جواز المسألة، وقال ابن جني: "رأيت أبا علي يُسهل تقديم حال المجرور عليه، ويقول: هو قريب من حال المنصوب"، وفي التذكرة ما يدل على إجارته إياه، وقال ابن ملكون:
"هو الذي يقتضيه القياس عندي على ما يصفون به الحال من أنه زيادة في الخبر" قال: "ولا شك أن الخبر في مثل: / مررت بزيد إنما هو الفعل دون الحرف، فإذا كان الحال زيادة في الخبر الذي هو الفعل، وفضله من فضلته، وجب التصرف فيه حسب ما يُتصرف في غيره من فضلات الفعل".
هذا ما قال فيه وجه القياس، وأنت تراه قد مال إلى ما فر عنه الجمهور.
وذكر ابن أبي الربيع أنه منقول عن بعض الكوفيين.
فهؤلاء جماعة قد قالوا بمثل ما قال به الناظم، فإذا ليس جميع النحويين بقائلين بالمنع، فكان إطلاق ذلك اللفظ عنهم غير لائقٍ من جهتين: من جهة إيهام الاتفاق في المسألة، ومن جهة مخالفة لهم بعد ذلك الإطلاق حتى يتوهم أنه صرح بمخالفة بالإجماع.
وفي ذلك ما فيه.
والثاني: أنه أظهر حجة على ما ذهب أليه ليس فيها متعلق لقوله (فقد ورد) وهذا لا ينجيه؛ لأن المخالفين مقرون بأنه قد ورد، فهم الين أنشدوا أكثر الأبيات المتقدمة، وأتوا بالآية الكريمة، وتكلموا عليها، وأولوا ظاهرها، وحملوا الأبيات على الاضطرار الشعري، وأولوا منها ما أمكن، وإذا كان كذلك فأي حجة في قوله: "فقد ورد" فإن الوارد في كلام العرب على قسمين: قسم يُقاس عليه، وقسم لا يُقاس عليه لا اعتبار به في القياس، وإنما الاعتبار بالآخر فهو الذي كان الحق أن يعنيه فيقول: "فقد ورد كثيرًا في الكلام" أو نحو ذلك، مما يُعطي أنه حجة، أما إذا لم يفعل ذلك، فكلامه كالعبث الذي لا يليق بمثله.
والعذر له عن الأول أنه لم يجهل أن المسألة مختلف فيها، كيف وقد ذكر الخلاف في التسهيل وشرحه؟ ولكنه أطلق لفظ الجميع على الأكثر، وهذا
سائغ في كلام العرب، شهير الاستعمال، فيقال: جاءني أهل غرناطة إذ جاءك جمهورهم، بل تقول ذلك وإنما جاءك كبراؤهم، وهم قليل بالإضافة إلى جميعهم، فلا محذور فيه.
وعن الثاني: أن مقصوده إنما هو ورود يُعتد بمثله في القياس، لا مطلق الورود بدليل عدم اعتباره للشذوذات في هذا النظم كثيرًا، فعرفالاستعمال يعين له ما أراد، وهذا ظاهر.
والله أعلم.
ولما تكلم هنا على صاحب الحال المجرور بحرفٍ، وكان المجرور تارة يجر بحرف، وتارة باسم، وحصل حكم النوع الأول، وأن الحال أصبح أن تأتي منه لكنه لا يتقدم- شرع الآن في الكلام على المجرور باسمٍ، وهل تأتي الحال منه أم لا؟ وهو الحال من المضاف إليه فقال:
ولا تجر حالًا من المضاف له... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزءًا ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحفيا
يعني أن الحال من المضاف إليه لا يجوز، فلا يقال: هذا غلام هندٍ ضاحكة، ولا هذه دار اليزيدين ساكنين فيها، ولا جاءني كتابك قاعدًا، ولا أشبه بذلك؛ لأنه كما لا يكون صاحب خبر لا يكون صاحب حال؛ إذ الحال خبر من الأخبار، وإنما كان كذلك؛ لأن المضاف إليه مكمل للمضاف، وزائد عليه.
/لأنه واقع منه موقع تنوينه الزائد عليه، فالعمدة هو الأول المضاف لا الثاني المضاف إليه، وهذا هو الفرق بينه وبني المجرور بحرفٍ؛ إذ المجرور بحرف هو مطلوب العامل بالقصد إلا أنه لم يتصل إليه إلا بواسطة الحرف، فلذلك جاز الحال، والمضاف إليه ليس مطلوب العامل أصلًا فلم يكن الحال من جائزًا، ثم استثنى منه المنع الكلي ثلاث مسائل، فأجاز فيها الحال من المضاف إليه.
إحداها: أن يكون المضاف في الأصل عاملًا في المضاف إليه الرفع أو النصب، فتكون الإضافة ثانية عن ذلك، وهو معنى قوله: "إلا إذا اقتضى
المضاف عمله" سعني أن يكون المضاف مقتضيًا أي طالبًا عمل المضاف إليه، يريد عمله فيه، فالعمل في الحقيقة للمضاف، ونسبة إلى المضاف إليه من حيث كان واقعًا فيه، ويعني بالعمل هاهنا العمل المقدر لا الظاهر الآن؛ لأن المضاف هو العامل في المضاف إليه الجر على كل حال، وإنما يريد العمل الخاص الذي لا يكون له مضاف، وهو الرفع أو النصب، ومثاله قولك: عرفت قيام زيد مسرعًا، فمسرعًا حال من زيد، وإن كان مضافًا إليه؛ لأن القيام قد اقتضى الرفع في زيد، فإن التقدير: عرفت أن قام زيد مسرعًا، أو أن يقوم زيد مسرعًا، وكذلك: هذا الشارب السويق متلوتا فمتلوتًا حال من السويق، إذ كان (شارب) قد اقتضى النصب فيه، فالتقدير: هذا شارب السويق ملتوتًا، وإنما جاز هذا اعتبارًا بالأصل من الرفع أو النصب، والمرفوع والمنصوب مقصود في الكلام فهو في الحقيقة خارج عن كونه من المضاف إليه، ومما جاء في ذلك قوله تعالى: ﴿إليه مرجعكم جميعًا﴾، وأنشد المؤلف: تقول ابنتي: إن انطلاقك واحدًا... إلى الروع يومًا تاركي لا أباليا وأنشد سيبويه:
وإن بني حرب كما قد علمتم... مناط الثريا قد تعلت نجومها
والثانية: أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، وذلك قوله: "أو كان جزء ما له أضيفا".
فالضمير في (كان) عائد إلى المضاف إليه في قوله: "إلا إذا اقتضى المضاف عمله".
والضمير في (له) عائد على (ما) وهي المضاف إليه، وفي (أضيف) عائد على المضاف، والتقدير: أو كان المضاف جزء الاسم الذي أضيف له ذلك المضاف، وذلك إذا كان المضاف جزء المضاف إليه صار كأنه هو، فصار الحال في التقدير من المضاف الذي هو المقصود في الكلام، لا من المضاف إليه، وذلك نحو قولك: أعجبني وجهك راكبًا، ومنه قوله تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين﴾.
وقال الفند الزماني:
وطعن كفم الزق... غدا والزق ملآن
فغدا حال من الزق عند أبي جني، وكثيرًا ما يعتبرون المضاف إليه إذا كان جزءه، كما قالوا: ذهبت بعض أصابعه، فأنث البعض؛ لأن بعض الأصابع كأنه الأصابع، وأنشد سيبويه للأعشى:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدم
قال سيبويه: لأن صدر القناة من مؤنث، وأنشد أيضًا لجرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت... سور المدين والجبال الخشع
وذلك كثير.
فهذا كله إما على أن بعض الشيء كأنه الشيء، فكأن الحال من المضاف لا من المضاف إليه، وإما على توهم إسقاط المضاف اعتبارًا بصحة الكلام دونه؛ ومن هنا أجاز الفارسي في قول الشاعر:
أرى رجلًا منهم أسيفًا كأنما... يضم إلى كشحيه كفًا مخضبًا
أن يكون (مخضبًا) حال من الهاء في (كشحيه) وهو مضاف، ولكن هفي تقدير: يضم إليه؛ لأنه إذا ضمه إلى كشحيه فقد ضمه إليه، فهو في التقدير حال من المجرور بحرف وهو جائز كما تقدم، وكذلك جعل (مضاعفا) من قوله:
عوذ وبهثة حاشدون عليهم... حلق الحديد مضاعفًا يتلهب
حالًا من الحديد.
والثالثة: أن يكون المضاف كجزء من المضاف إليه، وذلك قوله: "أو مثل جزئه" يعني أنه إذا كان المضاف جزءًا من المضاف ولكنه يشبه الجزء منه، فحكمه حكم الجزء الحقيقي في جواز انتصاب الحال من المضاف إليه، وذلك نحو قولك: أعجبني حسن زيد راكبًا وفصاحته متكلمًا، ومنه قول الله تعالى ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾.
فهذه صفات أضيفت إلى موصوفاتها قامت مقام الجزء منها، والعرب تعامل غير جزء الشيء معاملة الجزء إذا كان ملتبسًا به، كما قال العجاج، أنشد سيبويه:
طول الليالي أسرعت في نقضي
وأنشد لذي الرمة أيضًا:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت... أعاليها مر الرياح النواسم
فأنث طول الليالي، لأنه من صفتها، ولذلك أنث مر الرياح، فعامل ذلك معاملة الجزء كما تقدم، وكأن المضاف هنا في حكم السقوط، والمراد المضاف إليه بدليل صحة الكلام مع إسقاطه، وبذلك علل في الشرح جواز الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزأه أو كجزئه، وهي طريقة الفارسي في البيت المتقدم، وهو ظاهر.
وقد علل امتناع الحال من المضاف إليه بأن العامل في الحال هو العامل في
صاحبه، والمضاف هو العامل في المضاف إليه، ولا يصح أن يعمل في الحال؛ لأنه ليس بفعل، ولا مؤد معنى فعل، والحال إنما يعمل فيه فعل، أو معنى فعل، ولو عمل فيه الفعل، وعمل فيه صاحبه المضاف لكان خلاف ما استقر من كلامهم.
فعلى هذا إذا كان في المضاف معنى الفعل جاز كما في المسألة الأولى لاتحاد العامل، وإن كان عمله من جهتين؛ لأنه راجع إلى العمل من جهة معنى الفعل؛ وكذلك إذا كان المضاف جزء المضاف إليه أو كجزئه فهو كالزائد لصحة الكلام مع إسقاطه كما تقدم، فهو من الكلام المحمول على المرادف فكأنه لا مضاف ثم، وإنما هو مرفوع أو منصوب أو مجرور بحرف، وقد تقرر من هذا أن المضاف إن لم يكن أحد هذه الثلاثة لم يجز وقوع الحال من المضاف إليه، فلا تقول: ضربت غلام هندٍ ضاحكة؛ إذ ليس الغلام جزء من هند، ولا كالجزء؛ ولذلك لا يصح إسقاطه، فلا تقول: ضربت هندًا ضاحكة في معنى: ضربت غلام هندٍ ضاحكة.
وهذه المسألة حكي في شرح التسهيل الإجماع على منعها، وفي نقل الإجماع نظر؛ فقد حكى غيره الخلاف فيها، وأن من الناس من يجيز الحال من المضاف إليه مطلقًا.
وليس بصحيح ما تقدم.
وقوله: "فلا تحيفا" الألف فيه بدل من نون التوكيد، كقوله:
ولا تعبد الأوثان، والله فاعبدا
والحيف: الجور، والظلم، وقد حاف عليه يحيف حيفًا، وأشار بقوله: "فال تحيفا" إلى اعتبار ما هو من الشيء كجزئه، فإنه رب كل شيء يظن كالجزء فيعامل معاملته، فيجاء بالحال من المضاف إليه، وليس في الحقيقة المضاف كالجزء كما تقول: أعجبني مال زيد تاجرًا، فإن المال ليس كالجزء، فلا يجوز انتصاب الحال من زيد؛ إذ لا تقول: أعجبني زيدٍ تاجرًا، وأنت تريد ماله، كما تقول: أعجبني زيد ماشيًا، وأنت تريد: أعجبني حسن زيد ماشيًا، وكذلك لا تعامل ما هو كالجزء معاملة ما ليس كذلك، فتمنع ما كان نحو: أعجبني حسن زيد ماشيًا كما تمنع: أعجبني/ مال زيد تاجرًا، فهذا هو القانون في ذلك فلا تخف فتعامل ما هو كالجزء معاملة ما ليس كذلك، وبالعكس، وقد يكون قوله: "فلا تحفيا" أيضًا إشارة إلى التنكيت على من أجاز الحال من المضاف إليه بإطلاق؛ وذلك أن المجيز لذلك إنما أجازه لما وجد جائزًا في المسائل الثلاث المستثناه من المنع، فكأنه اعتبر المضافات كلها اعتبارًا واحدًا، وهذا حيف في النظر، وتقصير في الاعتبار، فالحق في ذلك التفصيل، وان يجاز حيث وجد المجيز، ويمنع حيث وجد المانع.
ثم قال:
والحال أن ينصب بفعل صرفا... أو صفةٍ اشبهت المصرفا
فجائز تقديمه كمسرعًا... ذا ذهب، ومخلصًا زيد دعا
هذا الفصل يذكر فيه ما يصح من الحال أن يتقدم على عامله، وما لا يصح، والحال لابد له من عامل يعمل فيه؛ لأنه منصوب، والنصب لابد له من ناصبٍ، ودل على أنه لابد له من عامل مساق كلامه، وتقسيمه له إلى لفظي وإلى معنوي.
وقسم العامل في الحال قسمين:
أحدهما: ما كان من العوامل فعلًا متصرفًا أو ما أشبهه من الصفات الجارية مجراه، فهذا يجوز فيه تقديم الحال على عامله إن لم يمنع مانع من خارج.
والثاني: ما كان من العوامل مضمنًا معنى الفعل، وليس بجارٍ مجراه، أو كان فعلًا غير متصرف فلا يتقدم الحال على عامله، بل يلزم التأخير، وذلك على تفصيل يذكره.
وابتدأ بالقسم الأول، فيعني أن الحال إن كان عامله فعلًا متصرفًا أو صفة من الصفات التي تشبه ذلك الفعل المتصرف فإنه يجوز تقديم الحال على ذلك العامل، فمثال الفعل المتصرف فإنه يجوز تقديم الحال على ذلك العامل، فمثال الفعل المتصرف: زيد دعا مخلصًا، فدعا فعل متصرف، فيجوز تقديم (مخلصًا) عليه، فتقول: مخلصًا زيد دعا، وهو مثاله الذي مثل به، وكذلك تقول: ضاحكًا جاء عمرو، وراكبًا ضربت زيدًا، وما أشبه ذلك.
ومثال الصفة المتصرفة قولك: هذا ذاهب مسرعًا، فمسرعًا حال العامل فيه صفة تشبه الفعل المتصرف، لأن (ذهب) فعل متصرف، فذاهب مثله في التصرف، فجائز أن تقول مسرعًا هذا ذاهب، وهو مثال الناظم.
ومعنى كون الصفة تشبه الفعل: أن تكون متضمنة معناه وحروفه، وتجري مجراه في عمله، ولحاقه العلامات، وغير ذلك من الأحكام اللاحقة للفعل المتصرف، والذي يدل على قصد المشابهة في تضمن أنفس حروف الفعل قوله بعد: "وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه" فدل على أنه أراد هنا أن يدخل في ضمن المشابهة الحروف، وبذلك فسر في الشرح الصفة التي تشبهه.
ويدخل في ذلك اسم الفاعل كما مثل، واسم المفعول، كقولك: زيد مضروب قاعدًا، فيجوز أن تقول: قاعدًا زيد مضروب، والصفة المشبهة، كقولك: زيد سمح ذا يسار، لأنها جارية مجرى الفعل في العمل، والمعنى، ولحاق علامات التأنيث، والتثنية، والجمع،
فيجوز أن تقدم الحال فتقول: ذا يسار زيد سمح/ وأنشد في الشرح:
لهنك سمح ذا يسار ومعدما
ثم قال: "فلو قيل في الكلام: إنك ذا يسار ومعدما سمح لجاز، لأن سمحًا عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل؛ لتضمنه حروف الفعل ومعناه، مع قبوله لعلامات التأنيث، والتثنية، والجمع"
وقيل من يذكر في العوامل المشبهة، وذكرها مما ينبغي كما فعل ابن مالك، وقد دل المثالان على أن كلامه هنا في تقديم الحال على العامل خاصة، وسكت عن حكم تقديمه على صاحبه، فيرد عليه الاعتراض نصًا من وجهين:
أحدهما: أنه موهم جوازه هنا بإطلاق إذا كان العامل ما قال؛ إذ لم يستثن من ذلك إلا حال المجرور بحرف، فحكى المنع عن النحويين، وارتضى هو الجواز، فاقتضى أن الجواز منسحب على جميع المواضع سوى ذلك الموضع، وذلك غير صحيح؛ فإن التقديم على صاحبه فقط قد يمتنع في مواضع:
منها: أن يكون صاحبه مضافًا إليه، نحو: أعجبني قيام زيد مسرعًا، فلا يجوز هنا أن تقدم الحال فتقول: أعجبني قيام مسرعًا زيدٍ؛ للفصل بين المضاف والمضاف إليه في غير موضعه.
منها: أن يكون الحال مقرونًا بإلا أو في معنى المقرون بإلا، نحو: ما جاء زيد إلا مسرعًا، وإنما جاء زيد مسرعًا، وما أشبه بذلك، وقد تقدم مثل ذلك في
الفاعل والمفعول.
ومنها: أن يكون صاحب الحال ضميرًا متصلًا، نحو: زيد لقيني طالبًا له، فلا يجوز هنا تقديم الحال على (ني)، لما يلزم من فصله بغير موجب، إلى أشياء من هذا القبيل يُوهم هذا الموضع جوازها، وليست بجائزة.
والثاني: أنه أطلق هنا جواز تقديم الحال على العامل ولم يستثن شيئًا، وذلك غير صحيح أيضًا، فإن التقديم على العامل قد يمتنع في مواضع:
منها: أن يكون العامل مصدرًا موصولًا، نحو: أعجبني قيام زيد مسرعًا، فلا يجوز أن تقول: أعجبني مسرعًا قيام زيد.
ومسرعًا حال من زيدٍ؛ لأن الحال من صلة المصدر، وصلته لا تتقدم عليه، ولا شيء منها.
ومنها: أن يكون العامل صلة الألف واللام، نحو: أعجبني الآتي مسرعًا؛ إذ لا يتقدم ما في حيز الموصول إليه.
ومنها: أن يكون الحال مقرونًا بإلا أو في معناه، نحو: لم يأت زيد إلا مسرعًا، إلى أشياء من هذا النوع.
وأيضًا فإنه قال: "فجائز تقديمه كذا" فاقتضى أنه لا يكون إلا كذلك، وهو غير صحيح أيضًا بل قد يكون واجبًا كإضافة صاحب الحال إلى ضمير ما لابس الحال، نحو: جاءني زائر هندٍ أخوها، فلا يجوز هنا: أن تقول: جاءني أخوها زائر هندٍ؛ لما يلزم من عود الضمير على ما بعده لفظًا ومرتبة، وذلك ممنوع كما تقدم.
والجواب عن الأول: أن كلامه في تقديم الحال على صاحب المجرور بحرف قد دل على إجازته إذا لم يكن صاحبه مجرورًا، بل مرفوعًا أو منصوبًا؛ لأنه إذا لم يذكر المنع إلا في قسم واحد دل على أن ما عداه غير ممنوع، وعند ذلك نقول إنه أجاز التقديم، وإن كان صاحب الحال منصوبًا، /نحو: لقيت هندًا راكبة،
فيجوز أن تقول: لقيت راكبة هندًا، وكذلك إن كان مرفوعًا، نحو: جاءت راكبة هند، وما أشبه ذلك.
وهو في الجواز على رأي البصريين، وذهب الكوفيون على أنه لا يجوز أن يقال: لقيت راكبة هندًا؛ لئلا يتوهم أن الحال هو المفعول وأن صاحب بدل منه قال في الشرح: "والصحيح جواز التقديم مطلقًا؛ لأن راكبة من قولنا: لقيت راكبة هندًا يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية".
وأنشد على التقديم:
وصلت ولم أصرم مسيئين أسرتي... وأعتبتهم حتى تلافوا ولائيا
وانشد أبياتًا أخر أيضًا.
وعلى الجملة فالاعتلال باللبس في مثل هذا ضعيف جدًا، ويلزم إن روعي هذا اللبس ألا يجوز عطف البيان في نحو: رأيت زيدًا أخاك؛ لئلا يتوهم أن ذا العطف بدل، ولا أن يخب رعن المبتدأ بخبرين فصاعدًا؛ لئلا يتوهم أن الثاني بدل أو نعت، وطول لهم القصة، بل ينعكس ألا يتأخر الحال في المسألة السابقة، لئلا يتوهم أن الحال بدل، وكل هذا فاسد، فما أدى أليه مثله.
وإذا ثبت الجواز من إشارة كلامه فلا يقدح فيه ما اعترض به؛ لأن هذه الأمور قد تقدم أمثالها في أبوابها فما عرض هنا من العوارض القادحة في الجواز تعرف مما تقدم، وأخص الأبواب بهذا الباب باب المفعول به، فيه يتبين.
ونحو هذا يتمشى في الجواب الثاني أيضًا؛ لأن امتناع تقدم ما في حيز الصلة على الموصول مبين في بابه، وحكم المقرون بإلا معروف من باب الابتداء والمفعول، وكذلك القول في
الاعتراض على نفي الجواز، فإن ما اعترض به يُعرف من باب المفعول به، وإنما يتمكن الاعتراض بما يخالف ما كر مما يختص بالحال، وقد ذكروا أن الحال إذا كان جملة قد تقدمه الواو فلا يجوز تقديمه، فلا تقول: وهو نائم جئته؛ لأن الواو هنا أصلها العاطفة، فلا تقع إلا حيث تقع العاطفة، والعاطفة لا تقع صدر الكلام.
ويعتذر عنه بأن الواو لها نظير تقدم، وهو واو المفعول معه، والمفعول معه قد تقدم أنه لا يتقدم فكذلك لا يتقدم هنا الحال المصدر بالواو.
والله أعلم.
وأعلم أن هنا مسألتين: إحداهما: أن ما ذكره من جواز التقديم على العامل هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على العامل فيه مع الاسم الظاهر، فلا يقال عندهم: راكبًا جاء زيد، ويجوز مع الاسم المضمر، نحو: راكبًا جئت، بناء منهم على أنه لا يجوز تقديم المضمر على المظهر، وأنت لو قلت: راكبًا جاء زيد كان في (راكبًا) ضمير زيد، وقد تقدم عليه.
والصحيح الجواز، ولا يمتنع تقديم المضمر على المظهر إ ذا كان المضمر مؤخرًا في الرتبة على المظهر، كمل قال زهير:
إن تلق يومًا على علاته هرما... تلق السماحة منه والندى خلقا
ومن أمثالهم: في بيته يؤتى الحكم، وفي أكفانه يلف الميت، وقد تقدم بيان هذا، وأيضًا فإذا كان العامل متصرفًا في نفسه وجب أن يكون متصرفًا في معموله مل لم يمنع مانع، ولا مانع هنا، فوجب الحكم بالجواز.
وإلى هذا
فالسماع يدل على الجواز.
ففي المثل السائر: شتى تؤوب الحلبة.
وأنشد في الشرح:
سريعًا يهون الصعب عند أولي النهى
ولم أقيد بقيته كما أحب
والثانية: أن تقييده العامل بالتصرف الدال على أن ما ليس بمتصرف من العوامل لا يتقدم عليه الحال، فالفعل غير المتصرف، نحو: ما أحسن زيدًا راكبًا، وما أنصره مستنصرًا، فلا يجوز هنا تقديم الحال أصلًا بمقتضى مفهوم الشرط، وكذلك: أحسن به راكبًا.
لا تقول: راكبًا أحسن بزيدٍ، والصفة غير المتصرفة أفعل التفضيل، نحو: زيد أكفى القوم ناصرًا، وهو أسمحهم ذا يسار، فلا يجوز هنا أيضًا التقديم.
أما فعل التعجب فلإلزام العرب له طريقة واحدة حتى صار كالمثل الذي لا يُغير عما وُضع عليه، وأما أفعل التفضيل فلضعفه عن مشابهة الفعل بكونه لا يرفع ظاهرًا في الغالب، ولا يؤنث، ولا يُثني، ولا يُجمع فلما لم يتصرف تصرف الفعل الذي تضمن حروفه ومعناه لم يتقدم الحال عليه؛ ولأن أفعل التفضيل جارٍ مجرى فعل التعجب في أشياء كثيرة فلزمه حكمه، لكنه قد جاء تقديم الحال على أفعل التفضيل في موضع خاص يذكره الناظم على إثر هذا.
ثم أخذ في ذكر القسم الثاني من عوامل الحال فقال:
وعامل ضمن معنى الفعل لا... حروفه مؤخرًا لن يعملا
كتلك ليت وكأن وندر... نحو: سعيد مستقرًا في هجر
يعني أن العامل الذي ليس بفعل ولا ما أشبه الفعل من العوامل التي ضمنت
حروفه بل ضمن معنى الفعل خاصة من غيرتضمن حروفه لا يعمل في الحال مؤخرًا عنه، فتقدم الحال عليه، بل يتمنع تقدم الحال عليه، فلا يعمل فيه إلا مؤخرًا.
ثم فسر هذا العامل المذكور فأتى له بأربعة أمثلة هي: اسم إشارة، وليت، وكأن المجرور- وفي معناه الظرف- فأما ليت فتعمل في الحال بما فيها من معنى التمني، فتقول: ليتك زائرًا زيد، وليت زيد ضاحكًا عمرو.
وأما كأن فكذلك تعمل بما فيها من معنى التشبيه، فتقول: كأنه مقاتلًا أسد، وكأنه مسرعًا ريح، وقال النابغة:
كأنه خارجًا من جنب صفحته... سفود شرب نسوه عند مفتاد
وقال زهير:
كأني وقد خلفت تسعين حجة... خلعت بها عن منكبي ردائيا
لأن (وقد خلفت) جملة حالية، فالعامل فيها معنى كأن، وأنشد الفارسي وغيره:
بتيهاء قفر والمطي كأنها... قطا الحزن قدك كانت فراخًا بيوضها
فقوله: (قد كانت) حال من (قطا الحزن) والعامل معنى كأن.
وأما تلك
فكذلك أيضًا لأن الإشارة ضمن معنى الإشارة، فتقول: تلك هي منطلقة، فمنطلقة حال منتصب بما في (تي) أو (تا) من معنى الإشارة، ومنه في القرآن الكريم ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ وقوله ﴿وهذا بعلي شيخًا﴾ وهذا كثير، وسائر أسماء الإشارة تجري على هذا الحكم.
ولما قال كتلك وكذا وكذا دل على أن العامل المعنوي المراد ليس مقتصرًا به على ما ذكره دون غيره، وقد جاء مثل ذلك أشياء كثيرة في كلامهم ضمونها معنى الفعل وليس ذلك لها في القياس، فمن ذلك لعل فإنها كأن وليت، ألا تراهم قالوا:
لعلك يومًا أن تلم ملمة
فعلق / الظرف بلعل، إذ لا يصح تعقله بتلم فكذلك يجوز أن تقول: لعلك قائمًا فشل.
ومنه الاستفهام في نحو قول الأعشى:
يا جارتا ما أنت جارة
فجارة حال من أنت، العامل فيه [ما] بما فيها من معنى الاستفهام المراد به
التعظيم أو التعجب، أي أنت المعظمة في هذا الحال.
ومنها اسم الجنس المراد به التعظيم، نحو: أنت الرجل علمًا ودينًا وفضلًا، أي أنت الكامل في هذه الحال.
ومنها المشبه من الأعلام أو غيرها، نحو: زيد شهير شعرًا، وحاتم جودًا، والأسد شدة، أي البالغ درجته في هذه الحال، أو نحو ذلك.
ومنه أما وذلك بما تعطيه من معنى الفعل، نحو: أما عالمًا فلا علم له، وما أشبه ذلك، والتقدير: مهما ذكرته عالمًا فلا علم له.
ومنه عند بعضهم- وإن لم يره ابن مالك- الأعلام التي تُعطي معنى المعروف أو المذكور نحو قولك: أنا زيد شجاعًا، وأنت زيد حليمًا تقديره: أنا المعروف في هذه الحال أو المذكور أو نحو ذلك؛ ولذلك ينصب الظرف، ألا ترى الشاعر قال:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
فهذه العوامل كلها ليس بأفعال، ولا تضمنت حروفها، ولكنها عملت بما ضمنت من رائحة الفعل، فلا يتقدم عليها ما عملت فيه من الحال لضعفها عن تصرفها تصرف الأفعال.
فإن قيل: فإن كان يدخل له في كلامه كل ما ضمن معنى الفعل من الكلم فالحروف كلها من هذا القبيل، فإن العرب وضعتها مواضع الأفعال، فحروف النفي عوض من أنفي، وحروف الاستفهام عوض من أستفهم، وحروف العطف عوض من أعطف، وحروف الإضافة عوض من أضيف، وكذلك سائرها.
نص على هذه الأئمة كابن السراج، والفارسي وابن جني، وغيرهم، وإذا كان كذلك فيقتضي أن يقال: أزيد أبوك قائمًا؟ بمعنى: أستفهم عنه في هذا الحال، وكذلك، ما زيد أخوك راكبًا بمعنى أنفيه راكبًا،
وأن يجوز أيضًا: زيد أخوك وعمرو محترمًا، بمعنى أعطفه محترمًا، أو ما كان مثل ذلك، وهو غير جائز اتفاقًا فكيف يطلق القول في أن ما ضمن معنى الفعل يعمل في الحال؟
فالجواب: أن الحروف لم تضمن معاني الأفعال على حد ما ضمنته ليت ولعل ونحوهما، وإنما عبروا عن ذلك بأن الحروف في أصل الوضع جُعلت عوضًا من الأفعال، ونائبة عنها لا أنها تضمنت معانيها، وفرق بين تضمين معنى الفعل والتعويض عنه.
أم التضمين فهو طارئ على الوضع الأول، حادث بعد التركيب.
وأما التعويض- هنا- فهو في أصل الوضع، لا مثل تعويض (ما) عن الفعل في نحو:
أم أنت ذا نفر
فإن هذا عرض أيضًا بعد التركيب، وتعويض ما مثلًا عن أنفي أصلي قبل التركيب.
وأيضًا فإن معنى الفعل في الحروف قد استهلك جملة كما استهلك معنى الفعل من يزيد، ويشكر وأحمد التي/ هي أعلام، ومعنى الفعل في كأن، وليت لم يستهلك بل لُحظ واعتبر.
وأيضًا فإن المعنى المضمن ليس ذلك المعنى الأصيل بل هو زائد عليه، ولذلك عبر عنه بضمن الذي هو في الاصطلاح لجعل معنى لم يكن، ولم يقل عوض عن الفعل؛ لأن التعويض أتم من التضمين عندهم.
فالحاصل أن لفظ (ضمن) أحرز أن المعنى المراد هنا ليس المعنى الأصلي الذي في الحروف، وإنما هو معنى طارئ، فتأمله.
وقد بين هذا المعنى ابن جني في كتاب التعاقب.
ثم أتى بالمثال الرابع وهو المجرور، فقال: "ونذر نحو سعيد مستقرًا في هجر" فقدم فيه أولًا أن ما ضمن من العوامل معنى الفعل لا حروفه فلا يتقدم عليه معمولة- وهو الحال- وكان ذلك لازمًا في الأمثلة الثلاثة لا في الرابع، فبين الآن في الرابع أن ذلك الحكم غالب فيه لا لازم؛ فقد نُقل في كلام العرب تقديم الحال عليه لكن نادرًا؛ فلذلك قال: "ونذر نوح كذا" وتمثيله مشعر بشرطٍ في هذا التقديم معتبر، وهو كون الحال متوسطًا بين العامل وصاحب الحال كما في قوله: زيد مستقرًا في هجر، فمستقرًا عامله مجرور، وصاحبه زيد هذا الظاهر إما حقيقةً وإما مجازًا، فلو قدمت الحال عليهما معًا فقلت: مستقرًا زيد في هجر لكان ممنوعًا، ولم يأت من كلام العرب.
أما من كان كالمثال فقد وجد في كلامهم حسبما يذكر، فأما تقديم الحال عليهما معًا فلم يذكروا خلافًا في منعه وأما تقديمه على العامل وحده ففيه خلاف، فمذهب سيبويه والجمهور المنع إلا في الشعر، وحجتهم أن المجرور- في معناه الظرف- ليس من العوامل القوية فلم يقو أن يتصرف في معموله تصرفها، وعمله في الحال إنما كان لشبه الحال بالظرف الذي يعمل فيه رائحة الفعل.
والعامل المعنوي لا يقوى على التصرف بتقديمه عليه كما قد يقوى على تقديم الظرف؛ لأن المشتبه لا يقوى قوة ما شبه به.
وأيضًا فالسماع في ذلك نادر، ومحتمل التأويل.
وذهب الأخفش إلى جواز ذلك بإطلاق، وحجته ما جاء في السماع من ذلك كقراءة عيسى بن عمر ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ بنصب مطويات على الحال، والعامل ليس إلا المجرور.
وقول من قال إنه منصوب على إضمار فعل، والعامل السموات بما
فيها من معنى السمو تكلف.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متواريًا بمكة، بنصب متواريًا، والعامل قوله (بمكة).
وأنشدوا للنابغة الذبياني:
رهط ابن كوز محقبي أدراعهم... فيهم ورهط ربيعة ابن حذار
فمحقبي حال الفاعل فيه قوله (فيهم)، ولما كان هذا المسموع لا يبلغ أن يطلق القياس عليه إطلاقًا أخبر أن مثل هذا نادر، وكأنه توسط بين المذهبين فلم يطرح السماع جملة، ولم يطلق القياس البتة.
والشائع في المسألة/ أن تقول: زيد في هجر مستقرًا، وزيد عندك مستقرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ وهي قراءه غير نافع من السبعة، وحكى سيبويه: أتكلم بهذا وأنت هنا قاعدًا؟ وأنشد أيضًا:
إن لكم أصل البلاد وفرعها... فالخير فيكم ثابتًا مبذولا
وهجر: اسم موضع وهو المذكور في قولهم: كمبضع تمرٍ إلى هجر.
ثم قال:
ونحو زيد مفردًا أنفع من... عمرو معانًا مستجاز لم يهن
هذه المسألة مستثناه أيضًا من الحكم المتقدم في العامل غير المتصرف، وهو منع تقديم الحال عليه، فأتى هنا بحكم في أفعل التفضيل مخالف لما تقرر فيه، فيعني أن أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين كهذا المثال الذي أتى به، وهو: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا، فهو جائز مغتفر فيه تقديم الحال، لم يضعف الكلام لأجل التقديم ولم يمنع، كما ضعف ومنع فيما إذا لم يكن أفعل التفضيل إلا ناصبًا حالًا واحدًا.
وقد تقدم شرحه، وأتى بالمثال مشعرًا بالوجه الذي يتوسط معه أفعل التفضيل بين الحالين، وهو أن يأتي لتفضيل شيء في حال على شيء في تلك الحال أو في حال آخر.
وقد يكون التفضيل لشيء على نفسه لكن في حالين، فمثاله من تفضيل شيء في حال على شيء آخر في حال آخر هو مثال الناظم، ففضل زيدًا في حال الإفراد على عمرو في حال الإعانة، ومثاله من تفضيل شيء في حال على شيء آخر في ذلك الحال: مررت برجل خير ما يكون خير منك ما تكون، ومررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون.
ومثاله من تفضيل شيء في حال على نفسه في حال آخر: هذا بسرا أطيب منه رطبًا، وهذا زبيبًا أفضل منه عنبًا، وما شبه ذلك.
ومعنى مثال الناظم أن زيدًا يفضل نفعه إذا كان مفردًا على نفع عمرو إذا كان معانًا غير منفرد.
وهذا يفضل طيبة بسرًا على طيبة رطبًا، وكذلك سائر المثل.
قال ابن خروف: انتصب بسرًا ع سيبويه على الحال من الضمير في أطيب، وأنتصب رطبًا على الحال- أيضًا- من الضمير المجرور في منه، والعامل فيهما أطيب بما تضمنه من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال كونه بسرًا أطيب منه في حال كونه رطبًا، يريد أن يفضل
البسر على الرطب.
قال: فأطيب ناب مناب عاملين؛ لأن التقدير: يزيد طيبه في حال كونه بسرًا على طيبه في حال كونه رطبًا.
وأشار بهذا إلى التمر.
والمعنى بسره أطيب من رطبه، فعلى ما قال ابن خروف جرى الناظم، ولم يجعل العامل في الحال كان مضمره كما زعم السيرافي، ومن ذهب مذهبه، لأن التقدير عند سيبويه: هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا.
قال سيبويه: "وإنما قال الناس منصوبًا على / إضمار (إذ كان) فيما يُستقبل، (وإذا كان) فيما مضى؛ لأن هذا لما كان [ذا] معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذا كان أو إذ كان".
وبهذا الكلام تعلق السيرافي فجعل بسرًا وتمرًا حالين من المشار إليه في زمانين والعامل في الحال كان، وكان ما قال يظهر من كلام سيبويه، ولكن الناظم عدل عنه إل ما قال ابن خروف، وهو مذهب طائفة كابن كيسان، والفارسي، وابن جني، وغيرهم.
وضعف مذهب السيرافي ومن قال بقوله لما فيه إذا أضمرت (كان) من تكلف إضمار ستة أشياء لا حاجة إليها، وهي: إذا أو إذ في الموضعين، وكان وضميرهما المرفوع في الموضعين أيضًا، ولأن أفعل في هذا الباب هي أفعل في قول الله تعالى ﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان﴾ في أن القصد بهما تفضيل شيء على نفسه باعتبار متعلقين، فكما اتحد هنا المتعلق به كذلك يتحد في الأمثلة المذكورة، وأيضًا على تسليم الإضمار يلزم إضمار أفعل في إذ وإذا؛ لأنه لابد منه لهما فيكون ما وقع فيه شبيهًا بما فر منه.
هذه الأدلة مما استدل بها المؤلف
في الشرح، وأصلها لأبن خروف وتأول كلام سيبويه المتقدم ذكره بأن ما قاله تفسير معنى الكلام لا تقدير للعامل، وإنما العامل أفعل.
وقوله: (لم يهن) معناه لم يضعف، وهو من: وهن الشيء يهن وهنا إذ ضعف ووهنته أنا ووهنته أصله يوهن فاعل بحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة.
وفي هذا الموضع سؤال، وهو أن شرح كلام الناظم جرى على أن مراده في قوله: (ونحو زيد مفردًا) إلى قوله: (مستجاز لم يهن) أراد به أن أفعل التفضيل هو العامل في الحال مع التقديم، وليس في كلامه نص على ذلك؛ إذ غاية ما قال: إن هذا المثال وما كان مثله مستجاز عند العرب غير ضعيف، وليس فيه أن العامل هو أفعل أو غيره، لا تعيين في كلامه لشيء من ذلك.
والجواب عنه: أن الناظم وإن لم يذكر ذلك نصًا قد أشار إليه بما هو مبين لمقصوده، وذلك أن كلامه في هذا الفصل في تقديم الحال على عامله، وما يجوز من ذلك، وما يمتنع، فقدم أن الذي يتقدم عليه الحال من العوامل هو المتصرف من الأفعال، وما أشبهها، فخرج أفعل التفضيل عن جواز تقدين الحال عليه حسب ما وقع في تفسيره، ثم استثنى من ذلك صورة هي هذه منبهًا عليها بقوله: (مستجاز لم يهن)، أي: لم يضعف كما ضعف تقديم الحال على أفعل التفضيل إذا لم يتكرر الحال، وكما ضعف تقديم الحال على عاملها المجرور في قولهم: زيد مستقرًا في هجر، فحصل بهذا المساق، وهذا الاقتران أن المستجاز هنا هو التقديم على العامل غير المتصرف الذي هو أفعل التفضيل المذكور في مثاله، لا (كان) مضمرة، ولا غير ذلك، إذ لا يستقيم فهمه على اعتبار غير أفعل في العمل وهو الظاهر.
والله أعلم./ ثم قال:
والحال قد تجيء ذا تعدد... لمفرد فاعلم وغير مفرد
لما كان الحال خبرًا من الأخبار، وكان الخبر يتحد تارة، نحو: زيد قائم، ويتعدى أخرى، نحو: زيد ناظم ناثر، وعالم شاعر- كان الحال كذلك أيضًا، فيجوز أن يتعدد كما كان ذلك في الخبر، فتقول: لقيت زيدًا راكبًا مصاحبًا زيدًا مفارقًا عمرًا، كما تقول: زيد راكب مصاحب عمرًا مفارق بكرًا، وكما تقول في النعت: رأيت رجلًا راكبًا مصاحبًا زيدًا مفارقًا عمرًا، وذلك سائغ من جهة اللفظ والمعنى، فأخبر الناظم بهذا الحكم وأن الحال قد يأتي متعددًا كان صاحبه مفردًا أو غير مفرد بل متعددًا أيضًا فلا محذور فيه، وهو تنكيت على رأي من منع ذلك كابن عصفور؛ إذ زعم أن عاملًا واحدًا لا ينصب أكثر من حالٍ واحدٍ لصاحبٍ واحدٍ قياسًا على الظرف، قال: كما لا يجوز أن يقال: قمت يوم الخميس يوم الجمعة كذلك لا يقال: جاء زيد ضاحكًا مسرعًا، واستثنى منه ذلك الحال المنصوب بأفعل التفضيل الذي تقدم ذكره.
وما قاله ابن عصفور غير صحيح للفرق بين المسألتين، إذ وقع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة، محال، ومجيء زيد في حال ضحك وحال إسراع ممكن غير محال، فما أبعد ما بين الموضعين، وإنما نظير مسألته: جاء زيد راكبًا راجلًا، أو مسرعًا مبطئًا أو رأيته سائرًا قاعدًا، وما أشبه ذلك، هذا هو الذي لا يمكن وجوده إن لم يحمل على وجه يصح ولو بمجاز، وإذ ذاك لا يكون الامتناع من جهة العامل بل من جهة المعنى.
وأما الظرفان فلهما حكم آخر غير حكم الحال.
وقوله: "لمفرد وغير مفرد" أما مجيئه لمفرد فهو الذي فرغ منه، وأما مجيئه لغير مفرد بل لمتعدد فيتصور ذلك على نحوين:
أحدهما: أن يكون الحالان أو الأحوال مجتمعة في اللفظ بتثنية، أو جمع إن وجد لذلك موجب.
والثاني: أن تكون مفرقة إن لم يحصل موجب الاجتماع.
أما الأول فقد يتفق فيه أن يكون العامل واحدًا وعمله عملًا واحدًا، نحو: جاء زيد وعمرو مسرعين، ومنه قول الله تعالى ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ وقوله تعالى ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ ومنه قولهم: هذه ناقة وفصيلها راتعين، على جعل الفصيل معرفة.
وقد يكون العامل واحدًا وعمله مختلفًا، نحو: لقيت زيدًا مسرعين، وضار زيد عمرًا راكبين، ومنه قول أمريء القيس:
خرجت بها نمشي تجر وراءنا... على أرينا ذيل مرط مرحل
فقوله (نمشي) حال من التاء في خرجت، والهاء في (بها).
وقول عنترة:
متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا
ففردين حال من الضميرين المتصلين بتلق.
وقد يكون الفاعل متعددًا والعمل
متحدًا، نحو: جاءني زيد وأتاك أخوه مسرعين، وذهب بكر وانطلق رجل آخر مبادرين، وما أشبه ذلك، وقد يكون العامل متعددًا وعمله مختلفًا نحو: هذا زيد مع عمرو مارين، ورأيت زيدًا مع امرأة ماشيين، وما أشبه ذلك.
وأما الثاني وهو تفريق الحالين أو الأحوال/ فقد يتفق- أيضًا- إعراب صاحبي الحالين، نحو أقبل زيد وهند محبوبة محبًا، وجاء زيد والعمران باكيين ضاحكًا.
وقد يختلف الإعراب نحو: لقيت زيدً مصعدًا منحدرًا.
ومنه بيت امرئ القيس:
خرجت بها نمشي تجر وراءنا
فتجر حال من الهاء في (يها) ونمشي حال من الضميرين معًا.
وقال عمرو بن كلثوم:
وأنا سوفتدركنا المنايا... مقدرة لنا ومقدرينا
فمقدره حال من المنايا، ومقدرين حال من الضمير المنصوب في تدركنا.
وأنشد في الشرح:
عهدت سعاد ذات هوى معنى... فزدت وعاد سلوانًا هواها
ولاحظ في هذا القسم تعدد العوامل، وإنما جاء مع اتحاده.
والله أعلم.
وقوله (فاعلم) جملة اعتراضية تفيد توكيد النظر في هذه المسألة وتحصيلها، وأنه مما لا ينبغي أن يغفل؛ إذ تعدد الحال مع اتحاد صاحبه قد أنكره فإياك أن تنكره، فإن الإقرار به هو الصواب.
وعامل الحال بها قد أكدا... في نحو: لا تعث في الأرض مفسدا
وإت تؤكد جملة فمضمر... عاملها، ولفظها يؤخر
هذا فصل الحال المؤكد، فإن الحال عل ضربين: مبينة، ومؤكدة.
فالمبينة هي الأصل فتكلم عليها بحكم الإطلاق، ثم خص الكلام على المؤكدة، وإنما بين الناظم هنا ما يؤكده بها، وهو العامل فيها أو الجملة الواقعة قبلها، فدل ذلك من كلامه أنها تأتي للتوكيد، ثم إن توكيدها حسب ما قرر عليه وجهين: أحدهما: أن تكون مؤكدة للعمل فيها، وهو قوله: (وعامل الحال بها أكدا) يعني أن الحال تعطي من المعنى ما يعطيه العامل فيها لكن أتى بها توكيدًا على حد ما يؤكد المفرد بالمفرد، والجملة بالجملة، بل كما يؤكد الفعل بمصدره، ومثل ذلك قوله: (لاتعث في الأرض مفسدًا) فإن مفسدًا حال مؤكده لمعنى: لا تعث، لأن معناه: لا تفسد، تقول: عثا يعثو، وعثى يعثي عثوًا في الأول، وعثا في الثاني.
وعلى اللغة الثانية جاءت الآية الكريمة ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾.
ومثال الناظم يحتمل الضبطين على اللغتين.
وعلى الجملة فالحال المؤكدة لعاملها لما كانت مؤكدة لمعناه تارة تأتي موافقة في اللفظ والمعنى، وتارة تأتي موافقة له في المعنى خاصة.
فأما الموافقة في المعنى فقط فهو الممثل به، وكأنه أشار إلى الآية الكريمة ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ومنه أيضًا قوله ﴿ثم وليتم مدبرين﴾
وقوله ﴿ويوم أبعث حيا﴾ وقوله ﴿فتبسم ضاحكًا من قولها﴾ ومنه ما أنشده لأمية بن أبي الصلت:
سلامك ربنا في كل فجر... بريئًا ما تغنثك الذموم
فسره أبو الخطاب على معنى: براءتك ربنا في كل فجر.
وأما الموافقة فيهما كقوله:
قم قائمًا قم قائمًا... إني عسيت صائمًا
وينشد أيضًا:
قم قائمًا قم قائمًا... صادفت عبدًا نائمًا
وأنشد في الشرح:
أصخ مصيخًا لمن أبدى نصيحته... وألزم توقي/ خلط الجد باللعب
وهذا الضرب قليل بخلاف الموافقة في المعنى فقط، فإن ذلك كثير؛ لأن العرب تتحاشى في أكثر كلامها عن التكرار اللفظي، ولكن فد جاء في القرآن الكريم ﴿وأرسلنا للناس رسولًا﴾ ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾، ولأجل قلة هذا القسم لم يُمثل به الناظم، وإنما مثل بالأول؛ لأن الباب الغالب، وترك التمثيل بالآخر؛ لأنه ليس في درجته، ولكنه في المعنى لاحق بالأول.
ويمكن أن يكون أتى بالمثال تقييدًا لما تقدم من لإطلاق الحكم حتى يكون قاصدًا لإخراج نحو: قم قائمًا؛ لأنه عنده غير مقيس، فلا يجوز على هذا التنزيل أن تقول: خرجت خارجًا، ولا ضربت زيد ضاربًا، ولا ما أشبه لك.
وهو خلاف ما يظهر منه في التسهيل.
وقد نص في الشرح أنه قليل، فذلك احتمل هذا التمثيل البيان، واحتمل التخصيص والتقييد، وتوجيه كل واحد من الوجهين ظاهر، فإن الجميع مستند إلى السماع، فيمكن أن يقول بالقياس لمجيئه في الكلام، وإن كان قليلًا كعادته، في أمثال ذلك، ويمكن أن يقول بوقفه على السماع لقلة استعماله وضعف قياسه.
والثانيمن وجهي الحال المؤكدة: أن تقع مؤكدة لمعنى جملة ليس واحد من جزئيها بصالح للعمل في الحال، ولا يكون ذلك إلا وهما اسمان جامدان، وذلك قوله: (وأن تكون جملة) يريد: ليس فيها ما يصلح للعمل، ويعين هذا المقصد أنه لو كان واحد من جزئيها صالحًا للعمل لكانت الحال مؤكدة له،
ودخلت في قوله أولًا (وعامل الحال بها قد أكدا) ولذلك جعل هنا العامل مضمرًا، فلو كان ثم ما يصلح للعمل لم يحتج إلى تقديره، ومراده أن الحال قد تؤكد معنى الجملة، فإن أردت ذلك- ولابد من عامل في الحال- فأضمر لها عاملًا، إذ المنصوب مفتقر إلى ناصب، أما التوكيد بها، فنحو: قولك: هو الحق بينًا، وهو زيد معروفًا، وأنا زيد معلوم المرتبة، وما أشبه ذلك مما يكون فيه المبتدأ والخبر معرفتين؛ لأن مقصودك أن تخبر عن المكور باسمه المعروف به من كان يجهله، أو ظن أنه يجهله ثم أتيت بالحال تؤكد أن المذكور زيد وتحققه، وكأنك إنما أردت بقولك: هو زيد أنه هو المعروف المعلوم الخبر والقصة فأكدت ذلك المعنى بالحال.
وعلى هذا لا يجوز أن تذكر بعد هذه الجملة من الأحوال إلا ما يعطيه قصد الجملة أولًا من اليقين، نحو ما مثل به، وأنشد سيبويه لسالم بن دارة:
أنا ابن دارة معروفًا له نسبي... وهل بدارة يا للناس من عار
أو الفخر بصفةٍ يفخر بها، نحو: أنا زيد شجاعًا، وأنا عبد الله كريمًا.
ومنه ما أنشده ابن خروف من فول الشاعر:
فإني الليث مرهوبًا حماه... وعيدي زاجر دون افتراسي
وقول الآخر:
وقد علمت عرسي مليكة أنني... أن الليث معديًا عليه وعاديا
أو التعظيم، نحو: هو زيد عظيمًا في قومه، وأنا زيد جليلًا مهيبًا.
أو التحقير، نحو أن عبدك فقير إلى رحمتك/ وأنا عبد الله آكلًا كما يأكل العبد.
أو التهديد والوعيد وقد يكون منه قول الشاعر:
فإني لليث مرهوبًا حماه... وعيدي زاجر دون افتراسي
وهو أظهر من كونه فخرًا، ومنه قولك: أن زيد متمكنًا منك، وما أشبه ذلك.
ولا يكون الحال هنا بغير ذلك مما لا ينبئ عنه معنى الجملة، كما تقول: أنا زيد قاعدًا، وهو زيد منطلقًا، فإن معنى الجملة لا يُشعر بالحال فليست الحال مؤكدة كما كانت مؤكدة في قولك: أنا زيد معروفًا، فلو فرض أن يكون في الجملة مع منطلق معنى التنبيه والتعريف كما كان مع معروف لجاز، كما إذا قيل ذلك الكلام خلف حائط أو موضع يجهل فيه المسمى؛ لأنه جواب لمن قال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله فإنه لو يعرفه باسم قد علمه، فكأنه قال: أنا من تعرف منطلقًا في حاجتك فهذا جائز؛ فإنه في عداد قولك: أنا عبد الله معروفًا، فهذا كله يجري هذا المجرى.
وقد جرى مجرى التصدير بالضمير التصدير باسم الإشارة، فتقول: هذا زيد معروفًا أو فاخرًا، أو نحو ذلك، وكذلك: أخوك زيد معروفًا، والذي في الدار زيد مشهورًا، وما كان نحو ذلك؛ فلهذا لم تحتج الناظم إلى تقييد المبتدأ بأن يكون ضميرًا وإن كان ذلك فيه كثيرًا.
فإن قيل: فكان حقه استيفاء ما تحتاج إليه الجمل المذكورة من القيود المعتبرة في الإتيان بالحال المذكورة، وهي أن يكون جزآها معرفتين جامدين جمودًا
محضًا، أما كونهما جامدين فقد تقدم التنبيه على، وأما كونهما معرفتين فلا دليل في كلامه على ذلك، وهو قيد ضروري، إذ لا يقال: أنا أخ لك معروفًا، ولا: هو رجل معروفًا إلا والحال غير مؤكدة، لأن الجملة لا تنبئ عن ذلك.
فالجواب: أن قوله (وإن تؤكد جملة) يستلزم أن الجملة تعطي من المعنى ما تعطيه الحال حتى يصدق عليها أنا مؤكدة لمعنى الجملة، وإذا كان كذلك لم يتصور أن تكون الجملة إلا مركبة من معرفتين كما تقدم بيانه، فإن كان أحد جزأيها نكرة لم يتصور، فلا يصدق أن الحال مؤكدة، فترك التقييد بذلك اعتمادًا على هذا المعنى.
والله أعلم.
وأما العمل في هذه الحال فليس في اللفظ ما يمكن أن يجعل عاملًا فلابد من تقديره، وقد اختلف فيه النحويون، فمذهب الناظم أنه مضمر، وهو فعل تفسره الجملة، وذلك: أحق ونحوه، أو أعرفه، أو أتحققه، أو شبه ذلك، فإذا قلت: هو زيد معروفًا، فالتقدير: أحقه أو أعلمه معروفًا، وإذا قلت: أنا زيد معروفًا، فالتقدير: اعرفني، أو أعرف، أو نحو ذلك.
وهذا مذهب السيرافي.
وذهب الزجاج إل أن العامل هو الخبر لتأوله بمسمى ونحوه.
وذهب ابن خروف إلى أن العامل هو المبتدأ بما فيه من معنى تنبه.
والظاهر من كلام سيبويه أن العامل معنى الجملة لا معنى المبتدأ بانفراد، ولا الخبر بانفراد، إذ معناها إذا قلت: هو زيد معروفًا، أي انتبه له، أو ألزمه معروفًا، فإنما/ قدر معنى قدر الجملة، وأما تقدير ذلك في المفرد فمتكلف، ولأنه أمر معنوي فلا يكون إلا من الجملة، وعلى هذا يقرب رأي الناظم، ويؤنس به بأنه قد يريد
ههنا تقدير فعل عليه الجملة ما تقدم في المصدر المؤكد لنفسه إذا قلت: له علي ألف درهم عُرفًا؛ إذ هو عنده وعند غيره على إضمار الفعل المتروك إظهاره، فكذلك ينبغي أن يكون هذا.
وهو ظاهر.
واعلم أن قوله: (فمضمر عاملها) تنبيهًا على مسألتين: إحداهما: التنكيت على مذهبي الزجاج وابن خروف، أي ليس العامل بظاهر في اللفظ كما يقوله المخالف، بل هو مضمر يدل عليه الكلام.
والثانية: التنبيه على لزوم الإضمار، ودل على ذلك تقديمه الخبر في قوله (فمضمر عاملها) إشعارًا بتأكيد الحكم بذلك، وكذلك الأمر فيه؛ إذ لا يجوز إظهاره، فلا تقول: أنا زيد اعرفني معروفًا، وذلك لأنهم جعلوا الجملة كالبدل من اللفظ بالعامل كما جعلوا الجملة في قولهم له علي [ألف عرفًا] عوضًا عن العامل في المصدر.
ولا أعلم في هذا الحكم خلافًا.
ثم قال: (ولفظها يؤخر) الهاء عائد على الحال، ويعني أن الحال في هذه المسألة يؤخر، ولا يجوز تقديمه فلا تقول: معروفًا هو زيد، ولا شجاعًا أنا زيد، وكذلك لا تقول: أنا معروفًا زيد، ولا أنا شجاعًا زيد، وإنما لزم تأخيرها لأنها إنما أعطت من المعنى ما أعطت الجملة من قبل، إذ كان قولك: هو زيد، أو أنا زيد معناه: أنا المعروف أو هو المعروف أو أعرفني أو أعرفه، فصار قولك: معروفًا يعطي عين ما يعطيه: أنا زيد، وهو زيد، فصار كالجملة المؤكدة لجملة أخرى، أو المفرد المؤكد لما قبله.
ومن شأن المؤكد التأخير عن المؤكد.
وأيضًا الجملة إذا قامت مقام العامل لم يبق للعامل ذلك التصرف الذي كان قبل أن يُحذف، ويُعوض عنه، يُبينه أنك لا تقول: صوت حمارٍ له صوت، ولا: عرفًا له على ألف، ولا حقًا أنت ابني، ولا ما أشبه ذلك، بل يلزم المعمول التأخير لعدم تصرف ما ناب عن العامل.
فإن قيل: هذا الحكم الذي قرر من لزوم تأخير الحال هل هو مقتصر به على الحال المؤكد بها الجملة أم هو شامل للحال المؤكدة كانت مؤكدة لعاملها أو للجملة؟.
فالجواب: أن الظاهر من كلامه الاقتصار على المؤكد بها الجملة.
وأيضًا فإن العامل النائب عنه غيره لا يقوى قوة العامل الظاهر كما تقدم بخلاف نحو: (لا تعث في الأرض مفسدًا).
فإن العامل لفظي وهو قوي كما في المصدر المؤكد، فكما يجوز تقديم المصدر المؤكد على عامله كذلك يجوز هنا، فإذا قوله (ولفظها يؤخر) راجع إلى الوجه الثاني، وهو الحال المؤكد للجملة.
والله أعلم.
ثم قال:
وموضع الحال تجيء جملة... كجاء زيد وهو ناوٍ رحله
لما كانت الحال خبرًا من الأخبار، وكان الخبر يأتي مفردًا، وهو الأصل، ويأتي جملة في موضع المفرد/ جاءت الحال كذلك، وكذلك النعت، فالثلاثة جارية من وادٍ واحد، فالأصل في الحال أن تأتي مفردة ثم أنها قد تأتي جملة، وتكون تلك الجملة مقدرة بالمفرد الذي يقع عليه النصب على الحال، وقد ذكر حكم المفرد فيما فمضى فأخذ يذكر حكم الجملة، فيريد أن الحال قد تأتي في موضعها جملة، وهذا مشعر بأن الجملة ليست الحال بنفسها بل هي في موضعها فحيث جاءت كذلك فلابد من تقديرها بالمفرد، لأنه الأصل فيها، وأيضًا لم يقيد الجملة بكونها اسمية أو فعلية فدل على أن كل واحدةٍ منهما في موضع الحال، فتقول: جاءني زيد وهو ضاحك، وجاءني يضحك...
فإن قيل: تقييده بالمثال يُشعر بأنها إنما تكون اسمية، لأن التقدير: وموضع الحال تجيء جملة تسبه هذه الجملة، وقوله (وهو ناوٍ رحله) جملة اسمية، فكأن التقدير: وموضع الحال تجيء جملة اسمية، فخرجت الفعلية عن ذلك، وهو غير صحيح.
فالجواب: أن مراده الجملة على [نوعيها، والدليل] على ذلك قوله بعد (وذات بدء بموضع ثبت) وهذا تفصيل لمجمل قد [سبق، والجملة المبدوءة] بالمضارع فعلية بلا بد، فالجملة في كلامه إنما المقصود بها كيف كانت، وإنما أتى بالمثال إشعارًا بقيد آخر ضروري للجملة الواقعة حالًا، وهو كونها خبرية، فإن الطلبية لا تقع في موضع الحال، لو قلت: جاء زيد كيف حاله؟ أو جاء زيد هل رأيته؟ على أن تكون الجملة الطلبية في موضع الحاللم يصح، كما لا يكون ذلك في النعت لأنهما من باب واحد، ألا ترى أن النكرة يجري الحال عليها نعتًا في الأكثر، ولا تقع حالًا إلا قليلًا، بخلاف المعرفة فإنه لابد من انتصابها معه، إذ لا يصح جريانها نعتًا عليها، فالحال جارية بين شبه خبر المبتدأ أو شبه النعت، فتأخذ من الخبر أحكامً كثيرة، ومن النعت أحكامًا أخر.
وهذا الموضع مما غلب فيه شبه النعت، فلذلك لا تقع جملة الحال طلبية، كما لم تقع جملة النعت حسب ما يذكره.
ثم أتى بمثال للجملة الحالية، وهو قوله: جاء زيد وهو ناوٍ رحله، أي: جاء: في هذه الحال، والتقدير جاء زيد ناويًا رحلة، فقد وقع (وهو ناوٍ) موقع قولك: ناويًا، والشأن أبدًا أن تقدر المفرد من الخبر، لا من المخبر عنه، ففي الجملة الفعلية تقدرها من الفعل، وفي الجملة الاسمية تقدرها من خبر المبتدأ، لأن ذلك هو محل الفائدة، فتقول في قولك: جاء زيد يضحك: جاء ضاحكًا، كما قلت: جاء زيد ناويًا رحلة، وهكذا الأمر في خبر المبتدأ إذ وقع جملة، وفي النعت كذلك لا فرق بينهما.
وهذا ضابط لابد منه، لكنه قد يعرض في ذلك عوارض لفظية ربما يُشكل على
من لم يثبت قدمه في هذه الصناعة، ولعله يأتي من ذلك في أثناء الكلام على بعض المسائل التقديرية في الحال أو في النعت إن شاء الله.
فإن قيل: هذا الحكم الذي أتى به مجملًا للجملة الحالية ناقصة الشرائط، فإن جملة الحال لها شرط آخر لابد منه، وهو ألا تكون مفتتحة بدليل استقبال، وقد اشترطه في التسهيل، وهو ضروري أيضًا، إذ لا تقول: جاء زيد سيضحك ولا جاء زيد لمن يضحك، ولا ما أشبه ذلك للتناقض بين الحال /240/ والاستقبال، وليس في/ الإتيان بذلك المثال ما يشعر بهذا الشرط؛ لأنه من الجملة الاسمية بمعزل؛ إذ دلائل الاستقبال يختص الاستفتاح بها الجملة الفعلية فيوهم إطلاقه دخولها، وهو غير صحيح.
فالجواب: أن دلائل الاستقبال عارضة الدخول على الأفعال ليست بأصلية لها، فالسابق للفهم من الجملة الفعلية ما كان للفعل أول سابقٍ فيهما من غير شعور بما يتقدمه أداة من الأدوات، وإذا ثبت هذه فالعوارض لها أحكام إذ عرضت، ولا يلزم من ثبوت حكم أصلي في موضع أن يكون ثابتًا له مع العوارض الطارئة، فلا يلزم إذًا التحرز منه ابتداء في تقرير الحكم الأصلي؛ فلذلك لم يتحرز من الجملة المفتتحة بدليل استقبال.
فإن قيل: لم لم يذكر هنا وقوع الظرف والمجرور حالًا ألكونهما بمعزل عن ذلك أم لكونهما يدخلان تحت حكم المفرد إن قدروا بالمفرد، أو حكم الجملة؟ [وقد ترك] ذكرهما في التسهيل وهنا فما وجه ذلك؟ فالجواب: أن
الظرف والمجـ[ـرور لا مانع يمنع من وق] سوعهما حالين كما يقعان صفة وخبرًا، فأنت إذا قلت: ضرب زيد عمرًا في الدار، أو: ضرب زيد عمرًا أمامك أو يوم الجمعة فجائز أن يكونا متعلقين بضرب، وعلى هذا لا يكونان حالين.
وجائز أن يكونان متعلقين باسم فاعل حالٍ من المفعول وحده، أو من الفاعل وحده.
وأن يكون حالًا منهما معًا.
وقد حمل الزمخشري قولهم: لقيته عليه جبة وشي على أنه في تقديره: مستقرة عليه جبة وشي.
وتأول ابن العصفور قولهم: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، على أن يكون (من خلل السحاب) متعلقًا باسم الفاعل على تقدير: باديًا من خلل السحاب، وحمل ابن مالك قول الله تعالى ﴿فلما رآه مستقر عنده﴾ على أن مستقرًا هو ذلك المحذوف في قولك: رآه عنده- ظهر في الآية، ولا شك أنه حال من الهاء في رآه، فكذلك الحكم لو لم يظهر على مذهبه.
وحدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبيد الله بن الفخار- رحمه الله- عن شيخه أبي إسحاق الغافقي أنه كان يقول: الظرف والمجرور الذي في معناه لا يتعلق واحد منهما بالفعل المذكور إلا بشرط أن يكون الفاعل والمفعول في ذلك المحل، فإن كان فيه أحدهما دون الآخر كان الظرف أو المجرور متعلقًا بحال من الكائن في ذلك المحل، قال: وعلى ذلك يُحمل قول امرئ القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا... حدائق دوم أو سفينًا مقيرًا
فقوله (في الآل) متعلق بحالٍ من ضمير المفعول دون الفاعل، لأنه لم يكن معهم
في الآل؛ لأن الآل لا يُرى إلا عن بعد، قال: وكان يقول على ذلك: رأيت أمامك زيدًا خلفك، فيكون أمامك معلقًا بحالٍ من الفاعل، وخلفك معلقًا بحال من المفعول.
فإذا تقرر هذا فلا يمتنع وقوع الظرف والمجرور في موضع الحال، ويكون الناظم اكتفى بذكر المفرد عن ذكر بناءً/ على أنه في تقدير المفرد، ويمكن أن يكون في تقدير الجملة، كما يمكن ذلك في النعت، وقد أجاز الوجهين في باب الابتداء في قوله:
ناوين معنى كائن أو استقر
ثم قال:
وذات بدء بمضارع ثبت... حوت ضميرًا، ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدأ... له المضارع اجعلن مسندًا
فقسم الجملة الواقعة في موضع الحال إلى قسمين: أحدهما المصدرة بالفعل المضارع المثبت غير المنفي.
والثاني ما سوى ذلك.
فأما القسم الأول فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون بلا واو، والآخر أن يكون بالواو، فقوله: (وذات بدء بمضارع ثبت) يريد أن الجملة المبدوءة بالمضارع إما أن تكون قد دخلها نفي أو لا، فإن دخلها النفي فيأتي حكمها، وإن لم يدخلها نفي بل كان المضارع فيه مثبتًا فلابد فيها من ضمير يعود على ذي الحال، كما يلزم في الصفة والخبر إذا وقعا بالجملة؛ ليربط بين الحال وصاحبها كانت الجملة بالواو أو دونها، فتقول: جاء زيد يضحك، وجاء أخوك يضحك، ففاعل الفعلين هو الضمير العائد على ذي الحال، ودل على ذلك بقوله: (ومن الواو خلت... وذات واو) يريد أن الضمير لابد منه مطلقًا فقوله: (ومن الواو خلت) جملة في