موضوعا لتعيين مسماه مطلقا، والمبهم موضوعا لتعيينه بقيد الإشارة إليه، وكذا سائرها، وهذا المعنى هو المعبر عنه في "التسهيل" بقوله في رسمه: هو الموضوع لتعيين مسماه مشعرا بتكلمه أو خطابه أو غيبته، والحضور هنا يتضمن التكلم نحو أنا وضربت والخطاب نحو أنت وضربت وأما الغيبة فنحو "هما" وضربا، وهذا التعريف بعد فيه نظر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه فاته فيه عمدة ما يحتاج إليه في تعريف المضمر، وهو أصل التعريف، وهو الذي بين في "التسهيل" بقوله: ما وضع لتعيين مسماه يعني أن أصل وضعه أن يعين مدلوله، بقيد حضوره أو غيبته، ولم يبين ذلك هنا، وإنما عرف أنه موضوع لمدلول مقيد بالغيبة أو الحضور، فأعطى أن وضع الضمير لا على أن يعين مسماه، فهو إذا موضوع لكل حاضر ولكل غائب وتنكيره ذا الغيبة وذا الحضور يدل على هذا القصد، إذ قال: (لذي غيبة أو حضور) فظاهره أي غائب كان أو أي حاضر كان، وإلى هذا ذهب فيها ابن هانئ شيخ شيوخنا في "شرح التسهيل" حيث التزم أن المضمر وضع اسما للحقيقة الذهنية وهي مفهوم المتكلم أو المخاطب أو الغائب وهي متحدة كعلم الجنس الموضوع للصورة الهنية وهي مفهوم المتكلم أو المخاطب أو الغائب وهي متحدة كعلم الجنس الموضوع للصورة الذهنية من غير نظر إلى الأفراد الخارجية، وابن هانئ في ذلك تابع للقرافي، وكل من قال بهذا -رحمة الله عليه- أحد أمرين لأنهما إما أن يقولا: إن المضمر كلى، فيكون على قولهما هذا نكرة كسائر الكليات نحو: رجل وإنسان وحيوان، وهذا فاسد باتفاق، أو يقولا، إنه ليس على حقيقة الكلى فيكون "أنا" و "أنت" و "هو" وبابها أعلاما علمية الجنس، والمضمرات ليس تعريفها بالعلمية باتفاق، فثبت أن ما أشعر به كلام الناظم مخالف لجميع النحويين، وذلك يدل قطعا على بطلانه بل المضمرات وأسماء الإشارة وغيرها معارف؛ لأن العرب
وضعت المضمر دالا على متعين في الخارج متكلم أو مخاطب أو غائب، وكذلك اسم الإشارة وضع لتعيين مسماه من حيث هو مشار إليه، فكلاهما موضوع يفيد الحوالة على معهود، لكن قد يعرض فيهما أن يكون مدلولهما غير خارجي إقامة للمعين في العلم مقام المعين في الخارج، كما قال امرؤ القيس:
وأنت إذا استدبرته سد فرجه
وذا ليس بالأصل، فهذا كله فيه ما ترى.
النظر الثاني: أنه يدخل عليه في هذا التعريف العلم كزيد وعمرو، وذلك أن لفظه لفظ الغيبة، بدليل قولهم: يا زيد نفسه، تغليبا لحكم اللفظ، ولأن العلم إنما وضع لأجل غيبة المسمى، إذ هو محتاج إلى التعبير عنه بلفظ يعينه، إذ لم يتعين بنفسه بخلاف ما إذا كان حاضرا، فإن أداة الإشارة تغني في تعيينه، إذا قلت: "هذا" أو "ذاك" فلا يفتقر إلى وضع اسم علم، فإذا زيد ونحوه مشعرا بالغيبة، فيلزم أن يسمى ضميرا، إذ قال: مالذي غيبة يسمى ضميرا، وهذا الوجه أورده شيخنا الأستاذ -رحمه الله- على المؤلف في حده للمضمر في "التسهيل" والاعتراض به ها النظم متكن حيث قال: (لذي غيبة)، والعلم بلا شك موضوع في أصله لذي الغيبة.
النظر الثالث: أن الحاضر على ثلاثة أقسام: متكلم ومخاطب، وهو الذي قصد بذي الحضور، ولا متكلم ولا مخاطب وهو المشار إليه باسم الإشارة مشعرا بالحضور إذا قلت: هذا وهذي، فاطلاقه لفظ الحضور يوهم إدخال اسم الإشارة، وذلك إيهام مفسد، وهذا الوجه غمزه به ابنه في الشرح.
والجواب عن الأول أن يقال أولا: إن المعتمد في المسألة ما قاله النحويون، وأما من عداهم فلا يرجع إلى قوله وإن نزع إليه من المتأخرين نظار وعلماء أخيار، وإليه ذهب شيخنا الإمام أبو عبدالله الشريف التلمساني -رحمه الله- وذلك أن أهل اللسان أهدى إلى فهم الوضع العربي غيرهم، فهم الحجة في هذا وأمثاله، وقد اتفقوا على أن المضمر ليس بموضوع في الأصل ليدل على حاضر أي حاضر كان، أو غائب أي غائب اتفق، وإنما وضع لمعين محال عليه، متشخص في حال الخطاب، غير أنه لما كان المضمر إذا تعقل خارجا عن الخطاب على الجملة فهم منه حاضر مبهم وغائب مبهم، توهموا أن ذلك وضعه الأول، وأن التعيين في حال الخطاب عارض، كما يعرض التعيين في النكرات بقرائن تدل عليه، مع أن الأصل عدم التعيين، وحقيقة الأمر في المضمر عكس ما توهموه، ولو توهموه، ولو كان ذلك كذلك لم يكن فرق بين هو، ورجل، ولكان المضمر معربا، لأن افتقاره إلى التفسير عارض كافتقار رجل إليه، وكافتقار عشرين وبابه، والافتقار العارض
لا يوجب البناء كما تقدم، بل المضمر لا يستقل أصلا بالمفهومية في حالة تعقله مفردا كالحرف، وذلك دليل على أن معناه إنما يتم فهمه بغيره، فذلك الغير مفتقر في أصل الوضع إليه، وهو الذي يعين مدلوله ويشخصه، وبه تمت دلالته على معناه الذي وضع له، ومن هذا الوجه أشبه الحرف، فوجب بناؤه؛ لأنه مفتقر إلى غيره افتقارا أصيلا، وإذا كان كذلك فمعناه الذي وضع له واحد معين لا مبهم، فهو إذا معرفة لا نكرة وتعريفه تعريف الشخص، لا تعريف الجنس، ونظيره في أصل وضعه النكرة إذا عرض لعا تعريف بالألف واللام أو الإضافة، نحو: غلامك والغلام فالغلام معرفة في هذا الحال باتفاق، وإن كان يدل مع التجريد على كل غلام، فذلك لا يقدح في كونه معرفة الآن، إذ ليس الآن بدال على كل غلام، بل وضع وضعا ثانيا لا يدل فيه إلا على معين، فهذا الوضع الثاني في النكرة نظير الوضع الأول في ط "أنا" و "أنت" و "هو" وما أشبه ذلك من المضمرات.
وأما فهم الحاضر او الغائب المبهم منها إذا أفردت فهو ثان عن الوضع الأول، عارض فيها، فإن اعتبر فيها فعلى خلاف الأصل، كما في بيت امرئ القيس:
وأنت إذا استدبرته سد فرجه
هذا إذا لم يتأول ويرد إلى الأصل، وإذا ثبت هذا فيحتمل أن
يكون الناظم قد ذهب إلى قول القرافي: وهؤلاء المتأخرين بناء على أن تعريف المضمر كتعريف العلم الجنسي فيكون مخالفا لجميع النحويين، ويحتمل أن يكون ذهب إلى ما ذهب إليه في "التسهيل" لكنه لم يقيد المضمر في رسمه بتعيين مسماه اتكالا على أنه نوع من أنواع المعارف التي أشار إليها فكأنه يقول: فما وضع من هذه الأنواع لذي غيبة أو حضور فهو الضمير، وهذا هو مراده بلابد، ولا يبقى إذ ذاك إشكال، والله أعلم.
والجاب عن الثاني: أن الناظم قد أشعر كلامه بأن العلم ليس لذي غيبة، ولا هو مشعر بها، وذلك قوله في التعريف بالعلم: اسم يعين المسمى مطلقا، فجعل تعيينه لمسماه عاريا من قبل، فلو كان عنده مقيدا بالغيبة لم يقل: مطلقا، ولا يدل كونه وضع على غيبة المسمى أن يكون مشعرا بالغيبة، لأنك تقول يا زيد، فتسميه باسمه العلم وهو حاضر مواجه بالنداء، ولو كان مشعرا بالغيبة لكان نداؤه تناقضا، لأن "يا" تقتضي الحضور، والعلم يقتضي الغيبة، فلا يجتمعان، كما لا تقول: يا هو لكنك تقول: يا زيد يا فصيح الكلام، فدل على أن زيدا غير مشعر بغيبة، وأما قولهم: يا زيد نفسه، فإنما قالوا: نفسه إحالة على العهد فيه، إذ كان قد ذكر أولا فأعيد الضمير عليه على اعتبار العهد فيه، لا لأن العلم يدل على غيبة وفائدة وضع العلم إنما هي تعيين المسمى من بين سائر أبناء جنسه مطلقا، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
والجواب عن الثالث: أنا نمنع إشعار اسم الإشارة بالحضور
وضعاً وإن دل على ذلك عقلا إذ المعتبر الدلالة الوضعية وهو إنما قال: (فمالذي غيبة أو حضور) أي: ما وضع لهذه الدلالة المخصوصة في أصل وضعه، وأنت إذا نظرت إلى أصل الوضع في اسم الاشارة وجدته موضوعا لمشار إليه قريب أو بعيد، ويلزم في القريب الحضور أو لا يلزم، إذ مفهوم الحضور غير مفهوم القرب، فقد يكون الإنسان قريبا منك ولا يكون حاضرا معك، فالحضور على هذا أخص من القرب، وقد أعتذر ابن الناظم عنه في الشرح بأنه قد أفرد لاسم الإشارة بابا على حده، فزال بذلك إيهام دخوله هنا، وهذا الاعتذار لا يرفع ذلك الايهام، إذ يقال: دخل هنا بحكم الشمول، ثم أفرده بحكم يخصه، وإنما جوابه ما تقدم، والله أعلم، ومثل الناظم: ذا الغيبة وذا الحضور بقوله: كأنت وهو، فأتى بأنت الدال على الحضور، وبهو الدال على الغيبة وينتظم مثال الحاضر أنا وشبهه، بمعنى الحضور، إذ قد اشترك مع أنت فيه.
......
ثم قال:
وذو اتصال منه ما لا يبتدا... ولا يلي إلا اختيار أبدا
كالياء والكاف من ابني أكرمك... والياء والها من سليه ما ملك
قسم الناظم -رحمه الله- الضمير إلى قسمين: متصل ومنفصل، وبدأ بالكلام على المتصل، فإذا فرغ من بيان البارز منه وغير البارز أخذ في تعداد المنفصل، ثم ذكر أحكام الضمائر على الجملة، وابتدأ
بضابط يعرف به المتصل من غيره، فذكر أن المتصل يتعرف بأمرين:
أحدهما: أنه (ما لا يبتدا) يعني أنه لا يقع في أول الكلام كالياء في ابني، والكاف في أكرمك وسائر ما مثل به، فإن هذه الضمائر وما كان مثلها لا يبتدأ بها في الكلام البتة بخلاف المنفصل منها، فإنه يقع في أول الكلام نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ ونحو: أنت القائم، وهو الضارب، والضمير في (منه) عائد على الضمير المتقدم الذكر في تعريفه به وهو اسم جنس شامل.
والثاني: أنه ما لا يلي أداة الاستثناء وهي "إلا" في الاختيار أبدًا، أي: لا يقع بعدها مفصولًا بها بينه وبين عامله كالأمثلة التي ذكرها، فلا تقول: إلاي ولا إلاك ولا إلاه اختيارا من غير ضرورة، وهذا بخلاف الضمير المنفصل، فإنه يقع اختيارًا بعد "إلا" فتقول: ما أتاني إلا أنت، وما ضربت إلا إياك.
قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وهو في هذه المواضع عوض من المتصل، إذ لم يتأت الإتيان بإلا مع الاتصال، إذ هي الفاصلة بينه وبين ما اتصل به، ولا يصح بقاؤه على لفظ المتصل مع الانفصال؛ لأنه نقض للغرض فيه لافتقاره إلى ما يتصل به، فعوضوا منه المنفصل الموضوع على الاستقلال، ولذلك كان عندهم بمنزلة الظاهر، بخلاف المنفصل فإنك تقول: ما ضربت إلا إياك، كما تقول: ما ضربت إلا زيدًا، وتقدمه فتقول: إياك ضربت، كما تقول: زيدًا ضربت، وقد أشعر قوله: (اختيارًا) أن الضمير المتصل قد يلي"إلا" لكن في الاضطرار
الشعري، وهذا يعطي شيئين:
أحدهما: وجود ذلك سماعا وذلك صحيح، فإن السيرافي أنشده عن ثعلب:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألا يجاورنا إلاك ديارُ
أراد إلا أنت، إلا أنه أتى بالكاف ضرورة.
والثاني: أن مثل هذا قد يأتي في الضرورة قياسًا، فإذا اضطر شاعر متأخر جاز له القياس على ما سمع، كما يجوز ذلك في الشعر مع "لولا" نحو ما أنشده سيبويه من قول يزيد بن الحكم: /
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي والقياس في الكلام: لولا أنا، ومن الضرورات ما يكون قياسا.
فإن قيل: كل واحد من هذين التعريفين يعطى في المقصود ما أراده، فلم أتى بهما معًا وأحدهما كافٍ؟
فالجواب: أن له في ذلك مقصدا آخر لا يحصل له مع الاقتصار
على الأول وذلك أنه أراد أن يبين أن الضمير المتصل لا يستغني عن مباشرة الفعل من آخره لفظًا وتحصيلًا حتى يصير كالجزء منه فلا يقع مبدوءا به الكلام ولا بعد الفعل مفصولا منه، فلأجل هذا لم يكتف بالتعريف الأول.
ثم أتى بأمثلة أربعة وهي: الياء في (ابني) والكاف في (أكرمك) والياء والهاء في (سليه) فالياء في (ابني) دالة على المتكلم المنفرد والكاف في "أكرمك" دالة على الواحد المخاطب، وكلاهما داخل تحت قسم ذي الحضور أيضًا، والهاء منه دالة على الواحد الغائب، وإنما أتى بأمثلة متعددة، وكان يكفيه الإتيان ببعضها لينبه على فوائد محتاجٍ إلى ذكرها:
إحداها: بيان أن الضمائر على ثلاثة أقسام:
قسم للمتكلم: هو المنبه عليه بابني.
وقسم للخاطب: وهو المشار إليه "بأكرمك" وياء سليه.
وقسم للغائب: وهو الذي دل عليه بهاء "سليه"، فمثل هذا لابد منه؛ لأنه قال أولا: (فمالذي غيبة أو حضور) فأشعر بقسمين فلو سكت بعد ذلك لأوهم أن ليس ثم قسم ثالث، فبين بالمثال هنا ما أراده.
والثانية: الإشارة إلى أن الضمائر تنقسم أيضا باعتبار آخر ثلاثة أقسام فمنها ضمير رفع كالياء من (سليه) وضمير نصب كالكاف من (أكرمك) والهاء من (سليه) وضمير جر كالياء من (ابني).
والثالثة: خاصة بياء (سليه) وهي الإشعار بأنها عنده من قبيل الضمائر حقيقة كالياء في (ابني) باتفاق، لا من قبيل العلامات الدالة
على تأنيث الضمير المستتر كالتاء في قامت وقائمة، والأول: الذي ارتضاه (هو مذهب) سيبويه والجمهور.
والثاني: ذهب إليه الأخفش الأوسط والمازني والذي ارتضاه الناظم هو الراجح عندهم لوجوه:
أحدها: أنها لو كانت كالتاء في قامت لساوتها في الاجتماع مع ألف الاثنين فكنت تقول: فعليا، كما تقول: فعلتا، لكن العرب لا تفعل ذلك فعلم أن المانع لهم في ذلك كونه مستلزما لاجتماع ضميري رفع لفعل واحد، وذلك غير جائز.
والثاني: أن المراد مفهوم بالياء، كما هو مفهوم من تاء فعلت وفعلت وفعلت، والنون والألف في فعلنا، والأصل عدم الزيادة، فمن ادعاها فعليه الدليل.
والثالث: أنها لو كانت علامة دالة على تأنيث الفاعل المستكن كتاء فعلت لجاز حذفها في نحو: يا هند افعلي على قول من قال:
فإن الحوادث أودي بها
فكنت تقول: يا هند افعل، وهذا لا يجوز، وهذا الوجه وما قبله للمؤلف في "شرح التسهيل".
والرابع: أن الياء قد ثبتت ضميرًا على الجملة ولم تثبت علامة/ للتأنيث إلا في محل النزاع، والمصير إلى ما ثبت أولى من المصير إلى ما لم يثبت.
ومن حجة الأخفش أن فعل المفرد مذكرًا كان أو مؤنثًا لا يبرز ضميره نحو: زيد يقوم وهند تقوم، فقد ثبت الاستتار على الجملة في فعل المفرد ولم يثبت إبرازه إلا في محل النزاع، والمصير إلى ما ثبت أولى.
فإن أجيب بأنه إنما برز لإزالة اللبس، لأنك تقول في خطاب المذكر تقوم، وفي خطاب المؤنث: تقومين.
فلو قلت: تقوم، لالتبست المخاطبة بالغائبة، فبرز الضمير لذلك، فللأخفش أن يقول: تلحق العلامة آخر الفعل لإزالة اللبس، وهي الياء، والضمير يستتر على ما يجب، وأشب هذه الأوجه الأول.
و"ما" من قوله: "سليه ما ملك" استفهامية، علقت الفعل الذي هو "سل" عن التعدي إلى مفعوله الثاني، كقول الله تعالى ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ وهو يجري في التعليق مجرى علم، ووقعت الكاف هنا كاف الضمير رويا مع الكاف الأصلية ملك، وذلك جار على قياس أهل القوافي: إذ ليست عندهم كهاء الضمير، لا تقع إلا وصلا، بل لا تقع الكاف عندهم وصلا البتة، إلا على رأي بعض من شذ، فرأى الكاف مثل الهاء تقع وصلًا وهو عند الجمهور مردود، فالناظم جرى على رأي الجمهور.
وأيضاً قوله: (ما لا يبتدا) وقعت الهمزة المسهلة فيه وصلا، إذ أصله ما لا يبتدأ، والهمزة المسهلة بزنة المخففة وبتقديرها، فلا يجوز أن تقع وصلا، إلا أن يعتقد إبدالها محضا، على لغة من قال في قرأت "قريت" فحينئذ يوصل بها الروي، وهذا يجب أن يعتقد في كلام الناظم هنا، وفي كل ما كان مثله، وإبدال الهمزة يقع في هذا النظم كثيرًا لضرورة الوزن وهذا سهل، ونظير ذلك في الشعر ما أنشد سيبويه من قول عبد الرحمن بن حسان:
وكنت أذل من وتد بقاع... يشجج رأسه بالفهر واجي
أراد به: واجئ إلا أنه أبدل الهمزة ياء محضة، فكذلك هنا والله أعلم.
ثم قال:
وكل مضمر له البنا يجب... ولفظ ما جر كلفظ ما نصب
للرفع والنصب وجر "نا" صلح... كاعرف بنا فإننا نلنا المنح
يعني أن الضمائر كلها مبينة واجب لها البناء، ليس بجائز، كما كان جائزًا في نحو يومئذ، وقبل وبعد، ولا أيضا يوجد في بعضها دون بعض، كما وجد ذلك في أسماء الإشارة، الموصولات نحو: هذا واللذان على رأيه فيهما حسب ما يذكره بعد، وكأسماء الشرط وأسماء الاستفهام حيث وجدت في بابيهما، وفي باب الموصولات "أي" معربة وجود علة
البناء فكسرت اطرادًا لبناء فيها، فلم يصح فيها كلية، وكذلك باب أسماء الأفعال حيث وجد فيها، دونك ونحوه معربًا على رأي الأكثرين، فقد تبينت حكمة (كل) و (يجب) في كلامه، إذ لم يوجد مضمر معرب البتة لا جوازًا ولا وجوبًا بخلاف أكثر أنواع المبينات، وهذا منه حسن من التنبيه، فتنبه له.
وقد تقدم أن البناء في الأسماء ل سبب فلننظر في سبب بناء المضمرات/ وتعيين السبب المختص بها مما ذكر، أو مما لم يذكر فنقول: يحتمل أن يكون سبب البناء فيها شبه الحرف الوضعي؛ لأن منها ما وضع وضع الحرف في الأصل على حرف واحد كالتاء في ضربت وضربت وضربت، والنون في ضربن، والياء في غلامي واضربي، والألف في ضربا ويضربان، والواو في ضربوا ويضربون.
أو على حرفين ثانيهما حرف لين، نحو: هو وهي وها في ضربها، و "نا" في ضربنا، ثم حمل عليا سائر الضمائر لتجرى كلها مجرى واحدًا، كما حملوا أعد وتعد ونعد على يعد في الإعلال، وكما حملوا يكرم وتكرم ونكرم على أكرم في حذف الهمزة، وكما حملوا فعال في المصادر كيسار وفجار على فعال في الأمر، ليجرى كل في باب مجرى واحدًا، فإذا يكفى أن ترد في بنائها إلى شبه الحرف الوضعي الذي ذكره الناظم قبل، ويحتمل أن يكون سبب بنائها وضعها في الأصل على الافتقار إلى ما يفسرها كما أن الحرف كذلك، لأن ذا الحضور منها مفتقر إلى معنى الحضور كأنا ونحن في التكلم، وأنت وأنتم في الخطاب، وذا الغيبة مفتقر إلى محال علي في لذكر أو في العلم، وهذه العلة أتم من الأولى، لا طرادها ووجودها في الضمائر كلها، من غير حمل لبعضها على بعض، فهي بهذا الاعتبار ترجع إلى شبه الحرف الافتقارى الذي ذكره أيضا.
ويحتمل أن يكون سبب البناء فيا الاستغناء، باختلاف صيغها لاختلاف المعاني؛ لأن المتكلم إذا عبر عن نفس خاصة فله تاء مضمومة في الرفع، وفي غير الرفع ياء، وإذا عبر عن المخاطب فل تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف تفتح وتكسر بحسب المذكر أو المؤنث، ولا يضر في هذا اتفاق اللفظ في النصب والجر نحو: ضربني غلامي، وضربك غلامك، وضربه غلامه، وضربنا غلامنا، وما أشبه ذلك، كما لا يضر ذلك في المعربات حيث اتفق النصب والجر معا، وذلك نحو: ضربت الزيدين، ومررت بالزيدين، وضربت الهندات، ومررت بالهندات، ورأيت الزيدين، مررت بالزيدين، ورأيت أحمد، ومررت بأحمد، فهذه أربعة أنواع، يتفق فيها لفظ النصب والجر، ولم يكن ذلك قادحًا في التفرقة لأجل وجود التمييز بالعامل، فكذلك ما نحن فيه وهو حسن في نفسه، لا بحسب قصد الناظم، وإن كان ابنه قد رجحه في شرح كلامه فقال: ولعل هذا هو المعتبر عند الشيخ، ولذلك عقبه بتقسيمها بحسب الإعراب كأنه قصد بذلك إظهار علة البناء فقال: (ولفظ ما جر كلفظ ما نصب)، أي: الصالح للجر من الضمائر المتصلة (هو الصالح للنصب لا غير.
وأما الرفع فلا يصلح ل منها إلا "نا" خاصة، ولذلك أفردها) بهذا الحكم كما يجئ بحول الله.
قال: ولما بين أن الواقع من الضمائر المتصلة في الإعراب كله هو "نا" علم أن ما عداها من المتصل المنصوب لا يتعدى النصب إلا إلى الجر كياء المتكلم، وكاف المخاطب، وهاء النائب، هذا ما قال على نقل بعضه بالمعنى، وهو بعيد الاعتبار في كلام الشيخ من وجهين: -
أحدهما: أنه شرح/ في باب المعرب والمبنى علة البناء في الأسماء ولم يتعد فيا شبه الحرف، لأنه قال أولا:
والاسم منه معرب ومبنى... لشب من الحروف مدني
قلم يجعل له علة إلا الشبه، ثم قال في آخر الفصل.
ومعرب الأسماء ما قد سلما... من شبه الحرف كأرض وسما
فنفى البناء عن كل ما لم يشبه الحرف، فدل على أن شبه الحرف عنده هو الموجب للبناء لا غيره، وقد مر بيان ذلك بأتم من هذا، فإن كان هذا الوجه راجعًا إلى شبه الحرف بطريق صحيح فيحتمل أن يريده الناظم احتمالًا غير راجح، بل مرجوحا، لأنه ليس في كلامه هنا ما يقتضي، إذ لم يربط أحد الحكمين بالآخر، ولا نبه على ارتباطهما، فلو أتى بالفاء فقال: فلفظ ما جر كلفظ ما نصب، لكن فيه إشعار بما قال، فلما أتى بالفاء فقال: فلفظ ما جر كلفظ ما نصب، لكان فيه إشعار بما قال، فلما أتى بالواو دل على أنه لم يقصد ما قاله، وهذا هو الثاني من الوجهين.
وأما إذا لم يرجع هذا الوجه إلى شبه الحرف البتة أو رجع لكن بتكلفٍ فيه فيبعد جدًا قصد الناظم له، مع ما تقدم له من ذكر الشبه الوضعي والافتقاري، ويحتمل على بعد في قصده أيضا أن يكون سبب بناء المضمرات ما ذكر السيرافي من الإبهام في الأشياء كلها، والدخول عليها؛ لأن المضمر يقع على كل شيء من الحيوان وغيره، فأشبه الحرف من حيث أن الحروف أعراض تعترض في الأشياء
كلها، وقد تقدم بيان هذا الوجه، وإمكان رجوعه إلى ما ذكره الناظم، وإمكان كونه وجهًا مستقلًا من أوجه (شبه الحرف فهذه) أربعة أوجه يمكن تعليل بناء المضمر بها، وجميعها قد قيل به فيها، وأشهرها الوجهان الأولان، ثم قال: (ولفظ ما جر كلفظ ما نصب) يعني أن الضمائر المتصلة الموضوعة للجر مثل الضمائر الموضوعة للنصب في اللفظ، فإنك تقول: ضربني غلامي، فالياء ضمير جر في غلامي، وضمير نصب في ضربني، وكذلك الكاف في ضربك غلامك كانت مفتوحة أو مكسورة، ومثله ﴿ما ودعك ربك﴾ و ﴿عسى أن يبعثك ربك﴾ وكذلك هاء الغائب وهاء الغائبة نحو: ضربه غلامه، وضربها غلامها، ومثله ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن﴾، وقوله ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾، ووجه هذا الاشتراك طلب الاختصار، وتقليل الأوضاع مع أنها لا تلتبس، للتميز بالعوامل فيها.
وأما ضمائر الرفع فدل المفهوم على أنها ليست كضمائر النصب، إلا أن خرج عن ذلك ضمير واحد فجعل لفظه في الرفع كلفظه في النصب، وذلك "نا" فنبه عليه بقوله: (للرفع والنصب وجرنا صلح) يعني أنه خرج عن أصل المخالفة في اللفظ فاستعمل في الرفع كما استعمل في النصب وفي الجر.
أما استعماله في الجر فعلى القاعدة المستمرة، وأما استعماله في الرفع فعلى خلاف القاعدة، ومثل استعماله في الأحوال الثلاثة بقوله: (اعرف بنا فإننا نلنا المنح) فالأول: في موضع
جر بالباء، والثاني: في موضع نصب بـ "إن"، والثالث: في موضع/ رفع بـ "نلنا" و (اعرف بنا): اعرفنا من المعرفة والعرفان، وتعدى بالباء التي في معنى الظرفية، كأنه يريد اجعلنا موضع عرفانك، فإننا نلنا المنح، ويمكن أن يكون من قولهم: عرف به واعترف، أي أقر به، والمعنى أقر بفضلنا فإننا نلنا المنح، ونال يجوز أن يكون من المعتدى إلى أثنين، أو من المعتدى إلى واحد، فإنك تقول: نلت خيرًا، أي: ًاصبته، وتقول: أنلت الشيء زيدًا أي: أعطيته إياه، وأنلته له ونلته إياه، فالمعنى على الأول، فإننا أصبنا المنح واحتوينا عليها، وعلى الثاني تعرف بنا فإننا أنلنا الناس المنح والعطايا، وهذا أظهر من الأول.
والمنح: جمع منحة وهي العطية، يقال: منحة كذا يمنحه ويمنحه منحًا، والاسم: المنحة.
والمنحة أيضا: العارية.
قال أبو عبيد للعرب أربعة أسماء تضعها موضع العارية المنحة والعارية والإفقار والإخبال.
وقوله: "نا صلح" "نا" مبتدأ خبره "صلح" وللرفع وما بعده متعلق بـ "صلح"، وفي هذا الكلام نظر إعرابي سينبه عليه، وإن كان قد تقدم مثله في قوله (بالجر والتنوين والندا وأل.. ) إلى آخره ولما بين أن لفظ "نا" قد صلح لوجوه الإعراب دل على أن غير من ضمائر الرفع ليس كذلك، بل له لفظ آخر.
واعلم أن ضمائر الرفع المتصلة إنما تقدم له منها الياء في سليه، وضمائر النصب إنما ذكر منها (الكاف في أكرمك) و"الهاء" في سليه وضمائر الجر إنما ذكر منها الياء في ابني، وذلك كله في قوله: "كالياء والكاف من ابني أكرمك... إلى آخره"فاستدرك الياء للنصب والكاف والهاء للجر بقوله: (ولفظ ما جر كلفظ ما نصب) فصار كل واحد من الياء والكاف والهاء صالحًا للنصب والجر، فتقول: ضربني ابني، وضربك ابنك، وضربه ابنه وأما الرفع فاستدرك له "نا" في قوله: (للرفع والنصب وجر نا صلح).
وبقى له ألفاظ أخر بينا بقوله:
وألف والواو والنون لما... غاب وغيره كقاما واعلما
يعني أن الألف والواو والنون ضمائر رفع أيضا، تكون للغائب وغيره فكونها للغائب نحو: "قاما" الممثل به، إذا قلت: الزيدان قاما والزيدون قاموا، وكذل الهندات قمن، وغير الغائب هو الحاضر، وأراد به المخاطب، دل على ذلك مثاله وهو: (اعلما) ومثله: اعلموا واعلمن، وأما المتكلم فلا ضمير له هنا، والمضارع أيضا تلحقه هذه الضمائر للغائب والحاضر نحو: أنتما تقومان، وأنتم تقومون، وأنتن تقمن وهما يقومان، وهم يقومون، وهن يقمن.
ونصه هذا في هذه الأحرف الثلاثة قد دل على كونها ضمائر لا علاماتٍ على الجملة، وهو مذهب الجمهور،
وذهب المازني فيما نقل عنه إلى أنها لا تكون ضمائر البتة، وإنما هن علامات مطلقا، فإذا قلت: يقومان الزيدان، ويقومون الزيدون، وما أشبه ذلك، فهي علامات باتفاق، فكذلك يكون الحكم إذا قلت: الزيدان يقومان، والزيدون يقومون وما أشبه ذلك، وكذلك النون في يقمن والياء في تقومين يا هند، فالفاعل مستكن في الجميع، وهذه الأحرف علامات تدل على فرعيته في تثنية أو جميع أو تأنيث، كما كانت التاء في قامت، كذلك باتفاق، ورد المؤلف هذا في "شرح التسهيل" بما/ ذكر في ياء تقومين، وذلك كافٍ هنا فلا حاجة إلى الإعادة.
واعلم أن هذا الفصل فيه نقص بيانٍ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لم يستوف ضمائر الرفع على الكمال، بل نقصه منها التاء في نحو: قمت وقمت وقمت، أعنى من الضمائر البارزة، وأما المستترة فهو ذاكرها إثر هذا.
والثاني: أنه عرف بضمائر النصب والجر تعريفا مجملا، لأنه إنما ذكر منها ما دل على المفرد المذكر، ولم يذكر من ضمائر المؤنث إلا الياء في (سليه) فترك اختلافها بحسب التثنية والجمع والتأنيث، بل ترك في كاف الخطاب ذكر الفتح مع المذكر لكون كاف أتت في نظمه رويًا مقيدًا حيث قال: (من ابني أكرمك) فلم يتعين للمذكر فتح من كسر ولا العكس للمؤنث.
وأنت تعلم أن الكاف تفتح للواحد المذكر، وتكسر للواحدة المؤنثة، وتوصل مضمومة بميم وألف للاثنين والاثنتين، وبميمٍ
وواوٍ ممدودة لجمع المذكرين العقلاء.
ويجوز حذف الواو وإسكان الميم وبنون مشددة لجمع المؤنث فتقول في الأول: ضربك، وفي الثاني: ضربك، وفي الثالث: ضربكما، وفي الرابع: ضربكمو وضربكم إن شئتن وفي الخامس: ضربكن، والهاء أيضا وهي المنبه عليها في "سليه" تضم للمذكر الواحد إن انضم ما قبلها أو كان مفتوحًا أو ساكنًا غير الياء، وتكون مكسورة إن انكسر ما قبلها، أو كان ياء قبلها كسرة، أو فتحة، لكنها توصل بمجانس حركتها من واوٍ أو ياء إن تحرك ما قبلها أصليًا نحو: ضربهو ويضربهو ولهو، ومن إبلهى وبهى.
فإن سكن ما قبلها أو تحرك تحركا عارضا ففي الوصول وجهان:
فالأول نحو: لم يضربه، وعليه، تقول فيه إن شئت: لم يضربهو وعليهى، والأول أشهر.
وفي الثاني تقول: أعطه ولم يعطه، وأعطهي ولم يعطهي إن شئت وتفتح الهاء للمؤنثة الواحدة، وتوصل بألف مطلقا نحو: ضربها ولم يضربها، وهو يضربها، وبها وعليها، وتوصل مضمومة أو مكسورة، كما تقدم في التفصيل بميم وألف للاثنين والاثنتين، وبميم مضمومة ممدودة أو ساكنة كما تقدم مع الكاف لجمع المذكرين العقلاء، فتقول في المثنى: ضربهما ولم يضربهما، ولهما وبهما ولم يضربهما، وفي المجموع ضربهم، وضربهمو إن شئت، وبهم وبهمو إن شئت، وبنون مشددة للمؤنثات نحو: ضربهن ولم يضربهن، ولم يعطهن وبهن ولهن، هذا في ضمائر النصب والجر.
وأما في ضمائر الرفع فالتاء تضم للواحد المذكر المتكلم، وتفتح للمخاطب وتكسر للمخاطبة بغير مد، كالكاف، وتوصل مضمومة بميم وألف للاثنين والاثنتين، وبميم ساكنة أو مضمومة ممدودة لجمع العقلاء من الذكور، وبنون
مشددة للإناث، فهذا كله مما نقصه التنبيه عليه، مع أنه ضروري لا يتحصل فهم الضمائر إلا به، وهو كما ترى وقد أغفل ذكره، فما أولاه بالاعتراض والنقد عليه والثالث: أنه لما ذكر أن الألف والواو والنون من ضمائر الاتصال لم يبين أنها ضمائر رفع، فأوهم أنها من جملة ضمائر النصب والجر، وهو إيهام مخل.
فأما الاعتراض الأول فلازم له، فلو قال- بعد ذكر الألف والوا والنون-
وللحضور التا كقمتُ قمتا... قمت وللفروع قد نبهتا
أو غير ذلك مما يعطي فيها بيانًا، لتم قصده، وكذلك الثاني لو حرره بأن يقول مثلا- بعد بيان أن لفظ ما جر كلفظ ما نصب- /:
فالنصب نحو عمنى وعمه... عمك والباقي رزقت فهمه
لم يخل من بيان الفروع، كما فعل في الضمائر المنفصلة، ويحصل بذلك بيان ضمائر الجر لقوله: (ولفظ ما جر كلفظ ما نصب)، وأما الثالث: فيمكن أن يكون سكت عن بيان أنها من الضمائر اتكالًا على فهم ذلك من قوله: إثر هذا، (ومن ضمير الرفع ما يستتر) إذ فيه إشارة إلى أن ما تقدم من ضمائر الرفع، وهذا اعتذار ضعيف، فلو قال مثلا:
وألف الواو والنون لما... غاب وغيره وللرفع أنتما
لكان أولى من التمثيل لبيان الخطاب أو قال:
وألف والواو والنون لما... خوطب أو غاب وللرفع انتمى
لتم له المقصد، والله أعلم.
ثم أخذ في بيان ما يستتر من ضمائر الرفع فقال:
ومن ضمير الرفع ما يستتر... كافعل أوافق نغتبط إذ تشكر
يعني أن ضمائر الرفع المتصلة على قسمين: قسم بارز ينطق به، وقد تقدم ذكره.
وقسم يستتر، فلا يظهر له أثر في اللفظ، وإنما هو مقدر في النية، فعبر عن هذا المعنى بالاستتار، كأنه احتجب عن الإدراك اللفظي.
فإن قيل: إن الاستتار في الذهن إنما يستعمل فيما كان منكشفًا ثم اختفى، والضمير المستتر هنا لم يكن ظاهرًا ثم اختفى؛ لأن حقيقة الضمير البارز ألا يخفى أبدًا، والضمير المستتر هنا لا يظهر أبدًا، وإذا كان كذلك لم يلق بالموضع لفظ الاستتار، وإنما كان الأولى الإتيان بلفظ يعطى معنى عدم) الظهور جملة، ما قال في "التسهيل" فمنه واجب الخفاء ومنه جائز الخفاء، إذ لفظة الخفاء لا يفهم منها أنه كان ظاهرًا، ثم خفي بخلاف لفظة الاستتار والاختفاء؛ لأن كل واحد من هذين مطاوع لقولك: سترته وأخفيته، أي: فعلت به هذا بعد أن لم يكن، وليست الضمائر المستترة مما كان ظاهرًا ثم استتر، لأنك إذا قلت: افعل يا زيد فليس المقدر لفظ أنت ولا غيره، وكذلك إذا قلت: نحن نفعل، فليس المقدر لفظ نحن ولا غيره، وكذلك سائر ما يستتر منها وجوبًا، وإنما هي أمور ذهنية تقديرية لم تظهر قط، فلم ينبغ أن يأتي بما يقتضى أنها ظهرت.
فالجواب: أن الناظم لم يعتن بهذا التحقيق، اتكالًا على فهم المراد ثم إن سلمنا قصده إليه فعلى لحظٍ آخر، وذلك أن الضمائر المتصلة أصلها في القياس أن تبرز وتظهر في النطق، لما تقرر في الغالب من حالها، إذ هي من قبيل الألفاظ، فما استتر منها فأصله ألا يستتر، وإذا كان كذلك فقوله: (ومن ضمير الرفع ما يستتر) أي: ما كان في الأصل القياسي حقيقًا بالظهور، ثم صار بالاستعمال مما يستتر يظهر، فظهوره الذي أشعر به اللفظ هو القياس.
ولذلك نقول في الضمير في: (اسكن) ونحوه أنه من قبيل الألفاظ، وقد اعترض شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني- رحمه الله- حد الكلمة في "التسهيل"، بأنه أتى به ليكون حدًا منطقيًا، وهو لم يأت فيه بالجنس، لا الأقرب ولا الأبعد فإنه قال فيه: الكلمة لفظ، ثم قال: أو منوى معه كذلك، وتقديره عنده: أو غير لفظ (منوي مع اللفظ فكأن الجنس عنده لفظ أو غير لفظ، وهذا ليس بجنس).
قال شيخنا القاضي- رحمه الله- ومن العجب أنه لا يجد هذا الجنس لو بحث عنه.
قال: والذي أوقعه في هذا جعله الضمائر من قبيل غير/ اللفظ، وليس كذلك، إنما هي من قبيل الألفاظ، وإنما
عرض لها أن أضمرت فلم تظهر في النطق، وهي قد تظهر في أحيان أخر، يعني حيث يجب الظهور.
فالحاصل أن كلام الناظم على كلا المحملين صحيح، ثم ذكر لاستتار الضمير ثلاثة مواضع:
أحدها: فعل الأمر إذا كان للواحد، لا للاثنين ولا الجماعة وللمذكر لا للمؤنث، فهذان وصفان لا بد منهما، وهما اللذان أعطاهما التمثيل بأفعل، فإن الأمر إذا كان للاثنين أو الجمع برز ولم يستتر نحو: افعلا وافعلوا وافعلن، وكذلك إذا كان للمؤنث برز نحو: افعلي والياء عنده ضمير لا علامة حسب ما تقدم، فإذا اجتمع الوصفان استتر الضمير فتقول: اضرب واعلم وقم، وما أشبه ذلك.
والثاني: الفعل المضارع ذو الهمزة الدالة على المتكلم وحده، أو النون الدالة على المتكلم ومعه غيره، أو وحده مع قصد التعظيم، وهما اللذان نبه عليهما بقوله: (أوافق نغتبط) وكأنه قصد أن المضارع إذا كان فاعله المتكلم استتر مطلقًا، بخلاف غير ذلك، فإن الضمير يظهر معه إذا قلت: يفعلان ويفعلون ولتفعلي وما أشبه ذلك.
والثالث: الفعل المضارع ذو التاء، لكن بشرط أن يكون للواحد المخاطب نحو: أنت تفعل وهو الذي دل عليه قوله: (إذ تشكر) وهو فعل
مبني للمفعول ومثله المبنى للفاعل، كقولك: أنت تشكر، إذا لا فرق بينما، ومن هنا يحتمل المثال الضبط بالبناء للفاعل، وأظن أن ابن الناظم هكذا ضبطه إلا أنه جعل مثال التاء "تغتبط" ومثال النون "نشكر" والأمر في ذلك قريب، فإن لم تكن التاء للواحد المخاطب، بل للواحدة الغائبة، فالضمير يبرز هنالك في نحو ما تقوم إلا هي، وكذلك إن كانت التاء للواحدة المخاطبة، نحو: لتفعلي يا هند، وإن عددت هذه المواضع أربعة فلا بأس، وهذا فعل ابن الناظم.
واعلم أن قوله: (ومن ضمير الرفع ما يستتر) يدل على أن الاستتار إنما يكون في ضمائر الرفع، وأما ضمائر النصب والجر فلا تستتر البتة، ووجه ذلك أن الضمير الرفع عمدة في الكلام لا يستغنى عنه، فساغ تقديره من غير تلفظ به، استغناء عن لفظه بتقدير معناه، بخلاف الضمائر الأخر، فإنها فضلات يستغنى عنها، فلم يسغ تقديرها والاستغناء عن اللفظ بها، لعدم الدليل على القصد إليها، وبناء الكلام عليها.
فإن قيل: فأنت قد تقول: أعجبني الذي أكرمت، تريد: أكرمته و ﴿اقض ما أنت قاض﴾ تريد قاضيه، فجعلت ضمير النصب وضمير الجر مستترًا، كما جعلته مستترًا في (افعل) وأخواته، فكيف يخص الناظم الاستتار بضمير الرفع؟
فالجواب: أن ذلك في ضمير استتار حقيقة، وفي غيره حذف وقد فرق الناس بين الأمرين، بأن المضمر في حكم الحاضر الملفوظ به المراد، بخلاف المحذوف، فإنه كان ملفوظًا به، ثم ترك وأهمل فليس في حكم الحاضر.
والدليل على صحة هذا الفرق أنك إذا سميت بضرب المستتر فيه الضمير حكيت كما تحكى الجمل، وإن سميت بقولك: ضربه حكيت أيضا، فإن حذفت الضمير المنصوب أعربت، وإن كان أصل الحذف اختصارًا.
وذلك دليل على: عدم/ اعتباره، وعلى اعتبار ضمير الرفع، وقد فرق ابن خروف وغيره بين المضمر والمحذوف بما لم يحضرني الآن، فما أشار إليه الناظم صحيح لا شك فيه إلا أن حصره مواضع الاستتار نظرًا وهو أنه إما أن يريد حصر مواضع الاستتار الواجب، وإما أن يريد حصر مواضع الاستتار مطلقا، فإن من ضمائر الرفع ما يجب استتاره، ومنها ما يجوز استتاره وظهوره، ومنها ما يمتنع استتاره، أما هذا الأخير فهو ما تكلم فيه أولا، وأما غيره فهذا فصله، فإن أراد الواجب الاستتار- وهو الذي أراد بلا شكٍ- فقد نقصه موضع خامس لا بد من ذكره، وهو: اسم فعل الأمر، كنز الٍ وصه وإيه إذا كان مسندًا إلى مفرد أو مثنى أو مجموع مذكر أو مؤنث، فإنك تقول: مه يا زيد ويا زيدان ويا زيدون ويا هند ويا هندان وياهندات، وكذلك سائرها.
وقد نبه على ذلك في "التسهيل" فعد من المواضع اسم
فعل الأمر مطلقًا وعلى هذا النظر يكون حصره ناقصا، وإن أراد ما هو أعم من الواجب الاستتار، والجائزة فكلامه أيضا معترض، إذ ليس في كلامه ولا تمثيله ما يشعر بذلك، وإذا كان خارجًا عنه فهو جزء من المسألة نقصه ذكره.
فإن قلت: إن قوله: (ما يستتر) يحتمل أن يريد به القسمين معا.
قيل: التمثيل بما يجب استتاره يرفع ذلك الاحتمال فيلزم الإشكال.
والجائز الخفاء هو الضمير المرفوع فعل المفرد، مذكرًا كان أو مؤنثا، مضارعا كان الفعل أو ماضيًا، نحو: زيد قام، وهند قامت، وزيد يقوم، وهند تقوم، والمرفوع باسم فعل بمعناه كهيهات لو قلت: العقيق وأهله هيهات، وسواء في هذا الضمير الواحد والاثنين والجميع ومثله سرعان ووشكان، والمرفوع بصفة بمعناه أيضا نحو: مررت برجل حسن، وبرجل قائم، وبامرأة جميلة، وإنما كان جائز الخفاء لصحة ظهوره في الحصر بإلا، وصلاحية الظاهر في موضعه، بخلاف القسم الأول كقولك: زيد حسن وجهه، وما حسن إلا هو، وهيهات العقيق وأهله.
والجواب أن يقال: يحتمل أن أراد الواجب الاستتار (والجائزة معا، ولا يلزمه اعتراض، ويحتمل أن يكون الواجب الاستتار فقط، فأما إن أراد) الأول فإنه إنما مثل بالواجب، لأنه أقعد في ذلك من الجائز، وأتى بالكاف تنبيها على ما بقى مما لم ينبه عليه بمثال، ويدل على ذلك أنه إنما قال أولا: (ومن ضمير الرفع ما يستتر) ولم يقيد ذلك بوجوبٍ
ولا جواز، وأيضا فإذا أمكن صرف الأمثلة إلى نوع من أنواع المستتر لم يكن التمثيل نصا في تعيين أحد النوعين، إذ معناه أن من ضمير الرفع ما يستتر هذا الاستتار، فاقتضى أن منه ما يستتر على نوع آخر وهو الجواز، إلا أنه لم يعتن بقسم الجائز الاستتار، وأما إن أراد الثاني فاللفظ صالح له.
ولا سيما حين قيد ما ذكرنا بالتمثيل.
فإن قيل: إن قول: (ما يستتر) كيف يعطى اللزوم مع صلاحيته لغيره؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن مراده بقوله: (ما يستتر) أي: ما شأنه الاستتار لا بمعنى أنه قد يكون وقد لا يكون، والعرب تعبر بالمضارع وتريد به الدوام من غير انقطاع كقولهم: فلان يعطى ويمنع، أي: شأنه هذا ودأبه أبدًا، فيكون/ هذا من ذلك.
والثاني: أن العبارة وإن كانت مطلقة فقد قيدها، لما مثل بما يلزمه الاستتار، فدل على أن ما مثل به مراد له.
والله أعلم.
ولما بين الضمائر المتصلة وعددها وذكر مرفوعها ومنصوبها ومجرورها، أخذ في بيان الضمائر المنفصلة، وهو القسم الثاني (من قسمي الضمائر فقال):
وذو ارتفاع وانفاصل أنا هو... وأنت والفروع لا تشبه
وذو انتصاب في انفصال جعلا... إياي والتفريع ليس مشكلا
فقسم الضمائر المنفصلة إلى قسمين:
قسم مرفوع، أي: هو من ضمائر الرفع، وهو الذي عبر عنه بذي الارتفاع.
وقسم منصوب، أي: هو من ضمائر النصب، وهو المعبر عنه بذي الانتصاب.
ولم يذكر للجر ضميرًا منفصلا؛ لأنه معدوم إذ الجار لا يقوى أن يكون في درجة الفعل، والفعل قوي فجاز تصرفه في معمولة بالتقديم والتأخير والفصل، بخلاف الجار، كان اسما أو حرفا، فلما ضعفت عن مرتبة الفعل لم يفصل منه ضميره، فكما لا ينفصل المجرور عن جاره إذا كان ظاهرًا، فكذلك لا ينفصل عنه إذا كان ضميرًا، بل الاتصال هنا أولى، وابتدأ الناظم بضمائر الرفع فقال: (وذو ارتفاع وانفصال أنا هو وأنت) أراد أنا وهو، إلا أنه حذف العاطف ضرورة، يعني أن الضمائر المنفصلة المرفوعة هذه الثلاثة وفروعها، وجعله غيرها فروعا دل على أن هذه الأصول، وذلك صحيح، فإن الأصل الإفراد، وغيره فرع عنه، والأصل أيضا التذكير، وغيره فرع عنه، والدليل على ذلك: جعلهم لما ليس مفردًا مذكرًا علامة تدل عليه في حال إسناد الفعل إليه ولذلك قال الجزولي: إذا ذكر الفعل أدرك أنه لا بد من فاعل، وأنه أقل ما يكون واحدا، وأن أصله التذكير قال: فيحتاج ما لا يدرك إلى علامة فكذلك
ها هنا، فـ "أنا" ضمير التكلم وحده و "هو" ضمير الغائب المذكر وحده و "أنت" ضمير المخاطب المذكر وحده، فهذه ثلاثة أقسام كلها للمفرد والمذكر، فإذا ما خرج عنها ففرع عنها، وذلك ضمير المثنى والمجموع والمؤنث، ولما كانت هذه الفروع قريبة المأخذ سهلة الانقياد إلى الفهم، اتكل الناظم على ذلك فيها، فأحال عليها إحالة مجملة لأنها لقربها في حكم المعلوم.
فقال: (والفروع لا تشتبه) أي: أن فروع هذه الثلاثة غير مشتبهة ولا ملتبسة، فعليك فهمها، ويقال: اشتبه على الأمر: إذا التبس وأشكل، ومنه في الحديث: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" أي: مشكلات وملتبسات.
فأما "أنا" فاستغنى به عن ضمير المفرد المؤنث "أنا" يقوله المؤنث على حد ما يقول المذكر، لأن تكلمه يعينه، فلم يحتج إلى دلالة على التأنيث، وأما المثنى والمجموع مذكرًا أو مؤنثًا فليس لهما إلا ضمير واحد، وهو "نحن" وأصله أن يكون للجماعة، لكنهم شركوا معه المثنى فيه؛ لأن الاثنين فما فوقهما جماعة؛ لأن كل واحد منهما قد جاء مع صاحبه فحقيقة الجمعية موجودة في المثنى، فشرك مع الجمع في الكناية/ واستغنى عن التفرقة بين المذكر والمؤنث؛ لأن تكلمة يعينه، ولقصد الاختصار بتقليل الأوضاع، وإذا استعمل "نحن" في المفرد فعلى خلاف الأصل إذ لا يطلق على المفرد إلا مع توهم الجمع، لأن الواحد لا يستحق ضمير "نحن" إلا مع التعظيم، (إما بقيامة مقام الجماعة أو اختصاصه بالجماعة في الأمر الغالب).
وأما "هو" ففروعه بالنسبة إلى المثنى والمجموع المذكر هما وهم وبالنسبة إلى المفرد والمجموع المؤنث هي وهن، ويشترك مثناه مع مثنى المذكر في اللفظ، وذلك هما، وأما "أنت" ففروعه بالنسبة إلى المثنى والمجموع المذكر أنتما وأنتم، وبالنسبة إلى المفرد والمجموع المؤنث أنت وأنتن، ويشترك أيضا مثناه مع مثنى المذكر، وذلك أنتما فهذه الفروع كما ترى قريبة المأخذ في الفهم من تلك الأصول، فلذلك قال: (والفروع لا تشتبه) وسكن واو "هو" لما احتاج إليه في الوصل لأن الواو والياء لا تقعان وصلا إلا ساكنين ثم قال: (وذو انتصاب في انفصال جعلا إياي) يعني أن الضمير المنفصل المنصوب جعل إياي، أي: جعلت له هذه الصيغة وهذا اللفظ، ثم قال: (والتفريع) يعني على "إياي" هذا المذكور، (ليس مشكلا) بل هو بين ظاهر في نفسه، ومما تقدم في ضمير الرفع وذلك أنه ذكر في المرفوع المنفصل ثلاث مراتب:
مرتبة المتكلم: وهي المنبه عليها بـ (أنا).
ومرتبة المخاطب: التي أشار إليها بـ (أنت) ومرتبة الغائب: الممثلة بـ (هو) وفرع على كل واحدة، فكذلك يكون الأمر ها هنا، فأتى بضمير المتكلم واقتصر عليه؛ لأنه يدل على مرتبة المخاطب، ومرتبة الغائب، بالإحالة على الحال في المرفوع، ولأن جميع المراتب الثلاث اللفظ فيها واحد، وهو "إيا" ولا تختلف إلا بحروف التكلم والخطاب والغيبة، في آخره، فلذلك قال: (والتفريغ ليس مشكلا) حيث أتى بـ "إيا" الداخلة في المراتب كلها أصولها وفروعها، وبحرف التكلم الدال على مرتبتي الخطاب والغيبة، وهو الياء في مثاله، فلنجر في التفريغ على ما حد، فنقول: أما المتكلم فله ضميران:
أحدهما: "إياي" وهو للمفرد مذكرًا كان أو مؤنثًا، كما ذكره في "أنا"
في المرفوع.
والثاني: "إيانا" للاثنين والجماعة في التذكير والتأنيث، كما مر في "نحن"
وأما المخاطب فله خمسة ضمائر: "إياك" وهو نظير "أنت" في المرفوع، يختص بالواحد المذكر، ويتفرع عنه الاثنين "إياكما" وللجمع المذكر "إياكم" وللواحدة "إياك" ولجمعها "إياكن"، ويشترك مثناها مع المذكر في إياكما.
وأما الغائب: فله خمسة ضمائر "إياه" وهو نظير "هو" في المرفوع يختص بالواحد المذكر، ويتفرع عنه الاثنين "إياهما" وللجميع "إياهم"، وللواحدة "إياها"، ولجمعها "إياهن"، ويشترك مثناها مع المذكر في "إياهما"، كما اشترك معه في المرفوع، ويتعلق بكلامه مسألتان:
إحداهما: أن "إيا" في نص كالمه من قبيل الأسماء المضمرة، وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمازني والجمهور، وهو أحد الأقوال الثلاثة فيه.
والثاني: أنه من قبيل الأسماء الظاهرة، لا من الضمائر، وهو رأي الزجاج.
قال ابن جني: وحكى لي حاكٍ، عن أبي إسحاق، أراه قال: سمعته
يقول: وقد سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ ما تأويله فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية وهي العلامة.
والثالث: أن "إيا" عماد/ للضمائر بعده، وليس باسم ظاهر ولا مضمر، بل هو كحرف زائد لا يحول بين العامل والمعمول، حكاه السيرافي وابن كسيان عن بعضهم، والأصح ما ذهب إليه الناظم رحمه الله- والدليل على ذلك أمور ثلاثة:
أحدها: أنه يخلف ضمير النصب المتصل عند تعذره، بتقديمه على العامل نحو: إياك أكرمت، أو لإضماره نحو: إياك والأسد، أو لانفصاله بأداة حصر نحو: ما أكرم إلا إياك، أو نحو ذلك من الموجبات للانفصال كما يخلف ضمير الرفع المتصل عند تعذره ضميره المنفصل، فنسبة المنفصل في النصب من المتصل، كنسبة المنفصل في
الرفع من المتصل، وإذا كانت النسبة واحدة والمنفصل في الرفع ضمير باتفاق، فكذلك يجب على المنفصل في النصب أن يكون ضميرًا.
والثاني: أن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره المنفصل، فثبوت ذلك لضمير النصب أولى، إذ لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه.
والثالث: أن "إياك" اقتصر به على ضرب واحد من أضرب الإعراب، وهو النصب، فهو إما مضمر، وإما مصدر، وإما ظرف، وإما حال، وإما منادى، ولا زائد على هذه في الاحتمال، ولم نعلم اسما مظهرًا اقتصر به على النصب، إلا ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية، نحو: ذات مرة أو على المصدرية نحو: سبحان الله، أو على الحالية نحو: "أرسلها العراك"، أو على النداء نحو: يا عبد الله، وأما التمييز فلا يحتمله لتنكيره، فلم يبق إلا أن يكون ضميرًا، فثبت أنه اسم مضمر، لا اسم ظاهر، ولا عماد، وذلك ما أردنا.
والثانية: أن الياء في "إياي"، والكاف في "إياك"، والهاء في "إياه" وسائر ما يلحق "إيا" لم يبين الناظم ما هي أهي أسماء أم حروف، إذ يحتمل كلا الوجهين على مذهبه في أن "إيا" ضمير؟ وإلى الأول ذهب الخليل، واختاره المؤلف في "التسهيل"، وإلى الثاني ذهب الأخفش
فيما حكاه ابن جني عن الفارسي.
أما على مذهب الزجاج والمذهب الآخر فلا مرية في أنها عندهما أسماء ولا يصح غير ذلك فيها، وإنما ترك التنبيه على ذلك- والله أعلم- لأمرين:
أحدهما: أنها مسألة لا ثمرة لها في الصناعة، ولا فائدة في الكلام بل الاعتقاد أن بالنسبة إلى الكلام به واحد.
والثاني: تقارب الأنظار في الوجهين، وورد الإشكال على المذهبين، أما على القول بأنها أسماء مضاف إليها، فإن "إيا" مضمر كما تقدم، والأسماء المضمرة والمبهمة معارف، لا يجوز عليها التنكير، وإنما يضاف الشيء إذا قدر نكرة ليكتسب تعريف الإضافة، فإذا استحال تنكير المضمر استحالت إضافته، وإذا استحالت إضافته استحال أن تكون الكاف في "إياك"، والهاء في "إياه"، والياء في "إياي" أسماء مضافًا إليه، وأيضا فإن سيبويه قد قال: من زعم أن الكاف- يعني في "ذلك"- مجرورة الموضع انبغى له أن يقول: ذاك نفسك، فإن قال: إنها منصوبة انبغى له أن يقول: "ذاك نفسك" قال ابن الباذش: وهذا لا يقوله أحد وإن توهم الاسمية، وما قال جار في "إيا"، إذ يلزم أن يقول
عند اعتقاد الاسمية في الكاف والإضافة: إياك نفسك، وهذا غير منقول.
قال ابن الباذش: وإنما أتى سيبويه بهذا، لأنه قد روى عن بعضهم على جهة الشذوذ تنكير المضمر، وروى الكسائي تنكير المبهم، على جهة الشذوذ/، قال: فقام من مجموع هذا أن الكاف غير اسم، مع تقدير استحالة تنكير المضمر والمبهم، ومع تقدير تنكيره على الشذوذ، وأيضا فإن إضافة "إيا" تمتنع من وجهين:
أحدهما: لزوم إضافة الشيء إلى نفسه، لأن مدلوله ومدلول الكاف واحد، وذلك ممتنع.
والثاني: أن الإضافة إما أن تكون إضافة تخفيف أو تخصيص، فأما قصد التخصيص فممتنع؛ لأن إيا من المضمرات، والمضمرات أعرف المعارف فلا حاجة بها إلى التخصيص، وأما قصد التخفيف فمختص بالأسماء العاملة عمل الأفعال، وهذا ليس منها، فهذان وجهان من الحجة ينضمان إلى الوجهين الآخرين، فالجميع أربعة أوجه، وأما على القول بأنها حروف، فإن غير الكاف من لوحق "إيا" مجمع على أسميته مع غير "إيا" مختلف في أسميته معها، فلا يترك ما اجتمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها، ليجرى الجميع على سنن واحد، وأيضا فالأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ واحد، وفي القول باسمية هذه اللواحق السلامة من ذلك، فوجب المصير إليه حتى يدل على خلافة دليل، وأيضا لو لم تكن أسماء مجرورة المحل لم
يخلفها اسم ظاهر مجرور بالإضافة، لكن ذلك قد وجد فيما رواه الخليل من قول العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، ويروى: فإياه وإيا السوآت.
وقال الخليل: لو قال قائل: إياك نفسك لم أعنفه، وهذا ظاهر في القياس عنده فدل على أن الكاف ونحوها أسماء في موضع جر بالإضافة، وأيضا لو كانت اللواحق حروفًا لم يحتج إلى الياء (في إياي كما لم يحتج إلى التاء) المضمومة في أنا، وقد احتج المؤلف بغير هذا، فلما كانت الأدلة متعارضة، على كلا المذهبين، وما من الدليل إلا ويمكن لخصمه الاعتراض عليه، ترك التنبيه على مذهبه فيها إحالة على النظر والترجيح، واله أعلم.
ثم قال:
وفي اختيار لا يجئ المنفصل... إذا تأتى أن يجئ المتصل
لما فرغ من الكلام في تعداد الضمائر، أخذ يتكلم على بعض أحكامها الضرورية، ومن ذلك أيضا اتصالها بعواملها وانفصالها منها، وابتدأ أولا بقاعدة عامة جملية في ذلك، وهي أن الضمير لما كان موضوعا على
الافتقار وعدم الاستقلال، ن كما وضع الحرف، لزمه أن يكون متصلا بغيره ليستند لفظه إليه، كما أن معناه كذلك مستند إلى غيره فأما اتصال الفاعل بفعله فلا مرية فيه، بل هو كالجزء منه، بأدلة كثيرة ذكروها، وأما المفعول الأول فيلزمه اتصاله أيضا، لأنه يليه، اتصل به مع ذلك ضمير الفاعل أولا، فإن كان لم يتصل به فلا إشكال نحو: أكرمك زيد، وإن كان قد اتصل به لم يتغير أيضا اتصال المفعول به، لأن الفعل مع الفاعل كالفعل المجرد، ألا ترى أن ضمير الفاعل قد يكون بغير علامة نحو: زيد قام، وقد يعرض لتثنية الفعل ضمير الفاعل فيصير كحرف من حروفه نحو: يضربان، فإذا جئت بعد اتصال ضمير المفعول الأول بضمير مفعول ثان، فالاتصال هو الأصل لقوة الفعل، وأنه الأصل في اتصال ضمائر المنصوبات به على الجملة، وأيضا لما كان الفعل يعمل في المفعولين ظاهرين، وفي موضعهما مضمرين وعمله فيهما لا يغير لهما لفظًا ولا معنى، وكان الاتصال أخص كان هو/ الأصل فلأجل هذا وشبه أتى بهذه القاعدة في ابتداء الفصل، وأصلها لسيبويه لكن ذكرها خاصة بالنص بضمائر النصب وذكرها بالمعنى في غيرها، فأتى بها الناظم عامة كما ترى.
والمعنى فيها صحيح على الجملة، فكأنه يقول: إذا تأتى له الاتصال في الضمير فلا تنتقل إلى غيره، لأنه الأصل والقياس، إلا أنها قاعدة مجملة لا بيان فيها، لما يتصل من الضمائر بعامله، وما لا يتصلن وتفصيل ذلك على حسب مراده أن تقول: تقرر في الأصول أن أصل
العمل الطلب الاختصاصي، وإنما يوجد ذلك مطلقًا في الأفعال، إذ لا فعل إلا وهو عامل، ثم يليها الحروف، لأنها تطلب بأنفسها الجر في الأسماء، والجزم في الأفعال، ولم تستحق ذلك بشبه، ثم يليها الأسماء، لأن أصلها ألا تعمل، إذ هي مطلوبة في الأصل لا طالبة وإنما تعمل في الغالب بالشبه بالفعل كاسم الفاعل والمفعول، أو بالنيابة عنه كاسم الفعل والمصدر أو بالنيابة عن الحرف كالمضاف، وهذه قاعدة بيانها في غير هذا الموضع، فإذا تقرر هذا فالأصل في كل مضمر طلبه عامل أن يتصل به، لما تقدم أول المسألة، فأما الأفعال فيتصل بهام عمولاتها على الجملة كما مر.
وأما الحروف فما كان منها طلبه بحق الأصل فكذلك، ويجري مجراهما ما أشبههما، فالحروف تجرى في هذا مجراها الأسماء المضافة، من حيث هي مضافة، لأن معنى حرف الإضافة معها قائم، فكما تقول لي ولك وله، كذلك تقول: غلامي وغلامك وغلامه، والأفعال أيضا يجرى مجراها من الأسماء: ما أدى معناها، عمل عملها على التمام، من غير اعتبار بلفظ الاسم، كأسماء الأفعال، ولا سيما ما كان منها على فعال، فكما تقول: اتركها، كذلك تقول: تراكها، وكذلك ما أدى معناها وعمل عملها لكن مع اعتبار لفظ الاسم، كاسم الفاعل والمصدر والموصول، فالحكم الأصلي فيه الاتصال أيضا، فتقول: أنا مكرمه كإكراميك، كما تقول: أنا مكرمه كما أكرمك، ويجرى مجراها من الحروف أيضا ما أشبهها كإن وأخواتها فتقول: إنه القائم، كما تقول: ضربه القائم فهذه الجملة يتأتى (لك فيها) الإتيان بالمتصل، فلا يصح أن يؤتى فيها بالمنفصل، إذا لا موجب لذلك، وفي ضمن هذا الكلام أنه إذا لم يتأت