هذا الباب يَذكر فيع إعمالَ المصدر الموصول، وذلك أن المصدر على قسمين، عاملٍ وغير عامل.
فغير العامل هو ما جاء للتوكيد وما جرى مَجراه، نحو: ضربتُ ضَرْباً، وضربتُ ضَرْبةً، وضَرْبتْين، وقعَد القُرْفُصَاء، وما أشبه ذلك.
فهذا لا يعمل، لأن مدلوله الجنسُ، أو نوعٌ من أنواعه، أو فردٌ من أفراده، ولا دلالَة فيه على العلاج، فلا رائحةَ فعلٍ فيه.
وقد تقدم حكم هذا القسم في ((باب المفعول المطلق)).
والعاملُ على ضربين: ضربُ يعمل عملَ فعله بالنيابة عنه، وذلك كالنائب عن فعل الأمر، نحو: ضَرْباً، أو غير فعل الأمر، نحو: أضَرْباً زيداً؟
عَلاَقةً أُمَّ الولُيِد 1
وقد تقدم هذا الضرب أيضا.
وضربٌ يعمل لتقديره بالفعل مع حرف مَصْدَرِيٍّ، وهو الذي يسمى ((المصدر الموصول)) لأنه مقدَّر بحرف، وهو (أنْ) أو ما جرى مجراها.
فأخذ الآن يذكر أحكام هذا المصدر، فقال:
بِفِعْلِهِ المْصْدرَ في العَمَل
مُضَافاً أوْ مُجَرَّداً أوْ مَعَ أَلْ
إنْ كانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أو مَا يَحُلْ
مَحَلَّهُ ولاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
يعني أن المصدر يُلْحَقُ بفعله الذي اشَتُقَّ منه في عمله مطلقا، من رفع أو نصب، وعمل في جميع المفعولات وما أشبهها، كما كان الفعل كذلك، لا يضعف 1 عن مرتبة فعله، وذلك قياس مُطَّرِد.
فيرفعُ الفاعلَ نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ، وعَظُم نَفْعُ زيدٍ وحلمُه، وضَرَرُ عمروٍ وجَهْلُه.
واسمَ ((كان)) نحو: أعجبني كونُ عَدُوِّنا المقهورَ.
وينصب المفعولَ نحو؛ أعجبني ضربُ زيدٍ عَمْراً، وإكرامُ أخيك عمراً.
وخبرَ ((كان)) نحو: أعجبني كونُ زيدٍ قائماً.
والظرفَ نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ أمامكَ، وإكرامُ عمروٍ يومَ الجُمُعةِ.
والمفعولَ معه، ومن أجله نحو: أعجبني إتيانُ الَبرْدِ والطَّيَالِسَةَ، وأعجبني ضربُك زيداً تأديبا له.
والحالَ نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ ضاحكاً.
وما أشبه ذلك,
وأيضاً فيتعدَّى فعله، فتقول: مرُورُك بزيدٍ حَسَنٌ، وإعراضُك عن عمرو قبيحُ، ورغبتُك في الخير خيرٌ، وإكرامُك زيداً حَسَنٌ، وإعطأوُك زيداً درهماً جزاءٌ له، وعلمُك زيداً قائماً معروفٌ، وإعلامُك زيداً عماً أخاه غريبٌ، وأَمْرُك زيداً الخيرَ خيرٌ، ونحو ذلك.
وأيضاً لًمَّا قال: ((بفِعْلهِ المَصْدَرَ الحِقْ في العَمَلْ)) ولم يُقيَّد فعلاً من فعل - دَلَّ على أنه... / يعمل عمل كل فِعْل، ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً، فتقول: أعجبني ضَرْبُ زيدٍ 425 عمراً أمسِ، ويعجبني ضربُ زيدٍ عمراً الآنَ أو غداً.
بخلاف اسم الفاعل، فإنه لا يعمل إلا بمعنى الحال أو الاستقبال.
قال المؤلَّف: لأن المصدر أصل، والفعل فرعه، فلم يَتَقَيَّد عمله بزمان دون زمان، بل يعمل عملَ الماضي والحاضر والمستقبل، لكونه أصلَ كلِّ واحدٍ منها، بخلاف اسم الفاعل، لأنه عمل لشَبَهِه 1، فتَقَيَّد عملهُ بما هو مشبهُه، وهو المضارع 2.
هذا ما قال، ولذلك يقدَّره بالماضي والمضارع، وإنما تعذَّر تقديرهُ بفعل الأَمْر، لأن الحروف المصدريَّة لا توصل بفعل الأمر، حسبما يذكر بحول الله.
فعلى هذا كلِّه احتوى قولهُ: ((بِفِعْلِه المَصْدَرَ أَلْحِقْ)).
و((المصدرَ)) منصوب بـ ((أَلْحِقْ)) وبه تعلَّق المجرورات معاً، وهما ((بِفِعْلِه، وفي الَعَمَلِ)) وضمير ((بِفِعْلِه)) عائد على ((المصدر)).
وإنَّما قيدَّ هذا الإلحاق بالعمل، لأن ذلك هو المقصود، إذْ ات يُلْحق به في غير العمل من الأحكام الجارية على الفعل، لأن الفعل والمصدر نوعان متباينان، هذا فعلٌ تَجْري عليه أحكامُ الأفعال، وهذا اسمُ تَجْري عليه أحكام الأسماء.
وأَوَّلُ ذلك أن الفعل يدل على زمان الفعل الواقع من الفاعل، ماضياً وحالاً ومستقلاً، والمصدر ليس كذلك.
والفعلُ مبنيٌّ لفاعله فلا يُستغنى عنه، والمصدر ليس كذلك.
والفعلُ لا يقع مبتدأً، ولا فاعلاً، ولا مفعولاً لم يُسَمَّ فاعلهُ، ولا مفعولاً يُسَمَّى فاعلهُ، ولا نحو ذلك، والمصدر بخلاف ذلك.
وبالجملة فهذا اسمٌ، وهذا فعلٌ، فلذلك قال: ((في العَمَلِ)).
ثم قال: ((مُضافاً أو مُجَرَّداً أو مَعَ أَلْ))
يريد أن هذا الحكم جارٍ على المصدر في جميع أحواله، من كَوْنه مضافاً، أو بالألف واللام، أو مجَّرداً منهما، أي إن إضافته أو دخولَ الألف واللام عليه، وإن كانا مما يَخْتَصُّ بالأسماء، لا يُؤَثِّران في عمله عملَ فعله، بل يبقى عملُه كالمجَّرد منهما، فكما لا يُؤَثَّر التنوينُ، وإن كان من خصائص الأسماء، كذلك لا تُؤَثَّر الإضافةُ ولا الألفُ والام.
إلا أنه في هذه الوجوه ليس على رُتْبةٍ واحدةٍ في العمل، بل على مراتبَ في الحُسْن والكثْرة، فعمله مضافاً أكثرُ من عمله غير مضاف.
قال المؤلف: لأن الإضافة تَجْعل المضاف إليه كالجزء من المضاف، كما يَجْعل الإسنادُ الفاعلَ كالجزء من الفعل، وتَجْعل المضافَ كالفعل في عدم قبول التَّنْوين والألف واللام 1.
وعملُه منوَّناً أكثرُ من عمله بالألف واللام، فالترتيب في الحُسْن والكثرة على حَسَبَ ما رَتَّبه الناظم، فكأنه قصد بذلك التَّنْبيه.
وهذا ليس مُتَّفَقاً عليه فقد قيل: إن المنوَّن أقوى، ثم المضاف، ثم ذو الألف واللام.
وإنما يعنون: أقوى في القياس.
صَرَّح بذلك صاحب ((الإيضاح)) 2 لموافقته الفعلَ في التنكير.
والناظم اعتبر الكثرة، ولا شك أن المضاف أكثرُ في الإعمال من غيره فصار الخلاف/ 426 وفاقاً.
فمثال إعماله مضافاً قولُك: أعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمراً، وإكرامُ بِشْرٍ خالداً.
ومنه في القرآن {ولَولاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيَا
والآخِرَةِ 1} وقوله: ﴿فَاذْكُروا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو أشَدَّ ذِكْرا 2﴾ وقالوا: سَمْعُ أُذُنِي زيداً يقولُ ذاك 3، وأنشد سيبويه للَبِيد 4:
عَهْدِي بهِ الحَيَّ الجَمِيعَ وفيهِمُ
قبلَ التَّفَرُّقِ مَيْسِرٌ ونِدَامُ
وأنشد أيضا لرُؤْبَة بن العَجَّاج 5:
ورَأْيُ عَيْنَيَّ الْفَتَى أخَاكَا
يُعْطِي الجَزِيلَ فعليكَ ذَاكا
وهو كثير.
ومثال إعماله منوَّناً قولُك: أعجبني ضَرْبُ زيدٌ عمراً.
وفي القرآن الكريم ﴿أوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبةٍ.
يتيماً ذَا مَقْرَبَةٍ 6﴾ وفي قراءة أبي بكر بن عاصم- ﴿إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بزِينَةٍ الكَوَاكِب 7﴾ - أي بأَنْ زِنَّاهَا.
يقال: زانَه وزَيَّنه.
وقد يكون من ذلك قوله تعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً من السَّموات والأَرْض شَيْئاً 1﴾ - أي مالا يملك لهم أن يرزقهم شيئا.
وأنشد سيبويه 2:
فَلَوْلاَ رجاءُ النَّصْرِ مِنْكَ ورَهْبَةٌ
عِقَابَكَ قَدْ صَارُوا لنا كَالمْوَارِدِ
وأنشد أيضا قول الآخر 3:
أَخَذْتُ بسَجْلِهمْ فَنَفَحْتُ فيِهِ
مُحَافَظَةً لَهُنَّ إخَا الذِّمامِ
وأنشد أيضا 4:
بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رءوسَ قَوْمٍ
أَزَلْنَا هَامَهُنَّ عن الْمَقِيل
ومثال إعماله بالألف واللام قولك: أعجبني الضربُ زيداً، والإكرامُ عمراً،
وأنشد سيبويه للمرار 1:
لَقَدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرةِ أَنَّنيِ
لَحِقْتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَّرْب مِسْمَعَا
وأنشد أيضا 2:
ضَعِيفُ النَّكَايةِ أعْدَاءَهُ
يَخَالُ الفِرَار يُرَاخِي الأَجَلْ
وجعل الفارسيُّ من هذا القسم قوله تعالى: ﴿لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ من القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ 3﴾ فـ (مَنْ) في موضع رفع بـ (الجَهْر) وهو حَسَن.
ونَبَّه بقوله: ((مُضَافاً اوْ مجَّرداً أو مَعَ أَلْ)) على خلاف من خالف في بعض هذه الأقسام، وهم الكوفيون، فوافقوا البصريين في المصدر المضاف أنه يرفع وينصب وخالفوا فيما عدا لك، فزعموا أن المجرد ينصب ولا يرفع، فيجوز
عندهم: أعجبني ضربٌ زيداً، ولا يجوز: أعجبني ضربٌ زيدٌ، ولا ضربٌ زيدٌ عمراً، وأن ذا الألف واللام لا يرفع ولا ينصب، فلا يقال: أعجبني الضربُ زيدٌ، ولا أعجبني الضربُ زيداً، ولا الضربُ زيدٌ عمراً.
وما جاء مما يخالف ذلك فشاذّ ومؤوَّل، كما أن الذي جاء به السماع في المجرَّد إنما هو النصب وحده.
هكذا حَكى الخلافَ عن الكوفيين ابنُ ابي الرَّبِيع، وحكى الشَّلَوْبين عنهم أن المصدر لا يعمل إلا إذا كان منوَّناً، فإن كان مضافاً أو بالألف واللام لم يعمل شيئاً، وكان المنصوب بعدهما على إضمار فِعْل.
ومنهم من حكى الخلافَ في ذى الألف واللام وحده، وأنه عندهم غير عامل، ومِمَّن حكى هذا الأخير عن البغداديين ابنُ السرَّاج 1. قال الفارسي: ولم أرَهُ يَحكي عنهم في الإضافة شيئا، أعني في الإضافة إلى المعرفة.
وذكر ابن عُصْفور عن الفراء في المجرَّد ما ذكره ابنُ الرَّبيع وعن قومٍ لم يعيِّنهم في ذي الألف/ واللام، ما ذكره غيرُه.... 427
والذي تحقَّق من النقل وجودُ الخلاف في ذى الألف واللام.
وغالبُ الظن صحةُ ما نقله ابن أبي الرَّبيع وابن عُصْفور.
وما ذكره الشَّلَوْبين غريب.
وإن صَحَّ ثَبت الخلاف في الأقسام الثلاثة.
والأرجح ما رآه الناظم.
أما ((المضاف)) فهملهُ شهير جدا، وقد تقدم منه، وهو من الكثرة بحيث لا ينبغي أن يُنْكر قياسه.
وأما ((المنَّون)) فالسماع موافقٌ لما قال الكوفيون، إذ لا تكاد تجده رافعاً.
ولكن القياس سائغٌ، إذ لا فرق في ذلك بين المضاف والمنوَّن، فإن
كل واحدٍ منهما يَطْلب فاعلاً ومفعولاً من جهة المعنى، فَلْيَكُن كل واحدٍ منهما عاملاً فيما طلبه.
وقد عمل المضاف في الفاعل فَلْيَعمل المنوَّنً فيه كذلك.
وأيضا فقد جاء الرفع في المنوَّن، فُحِكى: إعجبني قراءةٌ في الحمام القرآنُ، فـ (القرآن) قائم مقام الفاعل، وهما في الحكم سواء.
وإذا كان كذلك ثَبتت صحةُ رفعه.
لا يقال: إن هذا نادر، والنادر لا يُعْتُّد به، لأنا نقول: إذا جاء السماع قليلا، وعَضَده القياس، ولم يعارضه معارض- وجب أن بكون أصلاً يُعَوَّل عليه.
ألا ترى أن النسب إلى (فَعُولَة): فَعَلِىُّ، وهو عند سيبويه والنحويين قياس 1، ولم يُسمع منه إلا (شَنَئَئٌّ) في شَنُوءة، لكنه جاء على القياس، لأن حمل (فَعُولة) على (فَعِيلَة) قياس، إذ ليس بينهما فرق إلا الواو والياء، وهما متقاربان، إذْ يقعان ردْفَيْن في القصيد الواحد 2، ويُدغم أحدهما في الآخر، إلى غير ذلك من الأحكام.
فكذلك هذا الموضع.
وقد تقدم ما يُستفاد منه هذا المعنى في باب ((الإضافة)) وأما ((ذو الألف واللام)) فعمله غير ممتنع وإن كان ضعيفا، لأن الألف واللام لا تمنعانه من العمل كما لا تمنعه الإضافة 3، إذ كلاهما من خصائص الأسماء، وكذلك التنوينُ من خصائصها، فيلزم تقديرُ الفعل في الجميع، وذلك باطل باتفاق.
وأيضاً إن كان ما تقدَّم من السماع محتملاً فيه 1 تقديرُ الفعل فلا يصلح في كل موضع.
فقوله: ((ضَعِيفُ النِّكَايةِ أَعْدَاءَهُ 2)) معناه، على أن ((أعداءه)) معمول ((النِّكَاية)) لأنه أبلغ في الهجاء من أن يريد ضَعْفَ النكايةِ مطلقا.
هكذا قالوا.
وكذلك قول الآخر 3:
لَحِقْتُ فًلْم أَنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسْمعَا
إن كان يؤوَّل على أن ((مِسْمَعاً)) معمول ((لَحِقْتُ)) فقد روى ((كَرَرْتُ)) ولا يصح أن يُحمل على حذف الجار؛ كانه قال: كررتُ على مِسْمع، إذ لا يصح الحمل على ذلك إلا لضرورة.
وتقدير الفعل في الموضعين خلافُ الظاهر.
ورَدَّه المؤلف أيضا بأن النصب قد جاي فيما لا يمكن فيه تقدير الفعل، وذلك نحو قول كُثَيِّر عَزَّة 4:
تَلُومُ امْرَاً في عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ وللتَّرْك أَشْيَاعَ الصبَّابَ حينُ ثم أتى بشاهد آخر نحو ذلك 1. ولابن الطَّراوة هنا قول ثالث فيما فيه الألف واللام' فإنه جعله على وجهين: أحدهما أن تكون الألف واللام معاقِبةً للإضافة، كقوله 2: فَلَمْ أَنْكُلْ عِنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا وقوله 3: ضَعِيفُ النَكايَةِ أعداءَهُ وما أشبه ذلك، فإن المعنى: عن ضَربْي مِسْمعاً، ونكايته أعداءَه، فحكم/... 428 هذا حكم المضاف، لأن العرب تَحْكُم للمعاقِب بحكم المعاقَب.
وإن كان الألف واللام غيرَ معاقِبة للإضافة، وإنما هي لمجرد التعريف، لم تعمل شيئاً كما قاله الكوفيون.
والجواب أن المعاقبة للإضافة لم تَثْبت من أقسام الألف واللام.
وما رُدَّ على الكوفيين به جارٍ هنا، فالأَوْلَى ما ذهب إليه الناظم، من صحة إعمال الأقسام الثلاثة.
ثم بَيَّن شرط هذا الإعمال المذكور فقال: ((أنْ كانَ فِعْلً مع أَنْ أوْ مَا يَحُلُّ مَحلَّهُ)).
اسم ((كان)) قوله: ((فِعْلٌ)) وخبرها ((يَحُلُّ محلَّه)) يعني أن ذلك الحكم لا يَثْبُت للمصدر إلا إذا صح أن يَقدَّر في موضعه فعلٌ مُصَاحِبُ لـ (أنْ) المخفَّفة المفتوحة، وهي الناصبة للمضارع، أو (ما) التي تجتمع معها في مُرَادَفة المصدر، وهما الحرفان المصدريَّان.
فإذا صح التقدير، ووقوعُ الفعل مع أحد الحرفين موقعَ ذلك المصدر- صحَّ عملُ المصدر عملَ ذلك الفعل.
فمثال (أن) مقدرَّةً مع الفعل قولُك: أعجبني ضربُ زيدٍ عمراً، فإن تقديره: أعجبني أن ضَربَ زيداً عمراً.
وكذلك: يعجبني ضربُ زيدٍ عمراً، على تقدير: أن يضربَ زيدٌ عمراً.
وهذا المقدَّر يصحُّ التكلُّمُ به عوَضَ التكلم بالمصدر.
وفي القرآن ﴿ولَوْلاَ دَفْعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ ببَعْض لَفَسَدتِ الأَرْضُ 1﴾ - فَبِمَا نَقْضهِم ميثَاقَهُمْ وكُفْرِهْم بآياتِ اللهِ وقَتْلِهُم الأَنْبِياءَ 2} إلى آخرها.
ومثال (ما) مقدَّرةً مع الفعل قولُك: أَكْرِمْ زيداً كإكرامِكَ عمراً، فالتقدير: كما أكرمتَ عمراً.
وفي القرآن الكريم: ﴿فاذْكُرواُ الله كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أو أَشَدَّ ذِكْراً 1﴾ فلو كان المصدر لا يتقدَّر بالفعل مع أحد هذين الحرفين، ولا يصلح أن يَحُل معهما محلَّه- لم يَجُز أن يعمل عملَه مطلقا.
وذلك المصدرُ المؤكِّد، والمبيَّن.
إذ لا يصح إذا قلت: ضربتُه ضَرْباً بـ (أن ضربتُ) ولا (ما ضربتُ).
وكذلك إذا قلت: ضربتُه ضربَتَيْنِ- لا يصلح في موضعه (أن) والفعل، ولا (ما) والفعل.
وكذلك قولك: مررتُ به فإذا له صَوْتٌ صَوْتَ حمارٍ- لا يصح أن ينتَصب ((صوتَ حمار)) بـ ((صوتً)) الأول، إذ ليس معناه: فإذا له يُصَوَّتَ.
وإنما المعنى: فإذا له تَصْويت، أي هذا الفعل المذكور، فانتصب ((صوتَ حمارٍ)) على فِعْل من معنى ((له صَوْتٌ)) لا من لفظ ((صًوْت))، وبينهما فرق.
فأما إذا كان المصدر يصلح أن يحل محلَّه الفعل، لكنه لا يصلح أن يقدَّر معه (أن) ولا (ما) فقد مَرَّ من كلامه أنه يَعمل مطلقا عملَ فعله، لكن بالنِّيابة لا بنفسه، بخلافه هنا، كقولك: ضرباً زيداً، وأضرباً أخاك؟ وما كان نحو ذلك 2.
وفي هذا الكلام إشارة إلى أن هذا المصدر هو العمل في المعمولات بعده، وليس الفعل هو العامل.
وهذا كأنه مُتفَق عليه، بخلاف نحو: ضَرْباً زيداً، وسَقْياً لزيدٍ، وما أشبهها، فإنه مُخْتَلف فيه.
وقد تقدم بيان ذلك في ((باب
المفعول المطلق))
ويرد على الناظم هنا سؤال من أوجه أربعة:
أحدها أن قوله: ((بِفِعْلِه المَصْدرَ ألْحقْ في الْعَمَل)) يُبِيِّن أن المصدر لابد له من مرفوع، كما أن الفعل لابد له منه، إذ لا يَسْتَغنى الفعل/ عنه ظاهراً أو مضمراً، فكذلك يكون... 429 المصدر هنا بحكم هذا الإطلاق، لكن ذلك غيرُ مستقيم، فإنك تقول: أعجبني ضربً زيداً، ولا تذكر فاعلاً ولا تَنْويه، وليس تَم مَنْوِيٌّ، لأنه لا يؤكَّد، ولا يُبْدَل منه، ولا يُعطف عليه، كما يكون ذلك في الفعل واسم الفاعل وغيرها.
وأيضاً فإن الفعل يَطلب الفاعلَ من جهة بنائه له، وكذلك اسم الفاعل ونحوه.
بخلاف المصدر، فإنه لم يُبْن للفاعل، نعم هو يَطْلبه من جهة اللزوم المعنوي، وأن كل حَدَثٍ، كالفعل الذي لم يُسَمَّ فاعله.
وأيضاً فإن الفعل لو ذُكر دون مرفوع لكان حديثاً عن غير محدَّث عنه.
وكذا ما يعمل عملَه من صفة أو غيرها، فإنه لا يعمل إلا هو بنفسه واقعٌ موقع الفعل، ومُؤَدٍّ معناه، فاستَحق ما يستحقُّه الفعل، من مرفوع محدَّث عنه ظاهراً أو مضمراً، فلو خَلاَ منه لكان في تقدير فعل خلا من مرفوع، وليس كذلك المصدر، لأنه إذا عمل العملَ المنسوب إليه لم يكن إلا في موضعٍ غيرِ صالحٍ للفعل، فجرى مَجرى الأسماء الجامدة في عدم تحمُّل الضمير.
وجاز أن يَرفع ظاهراً لكونه أصلاً لما لا يَسْتَغنى عن مرفوع.
ولم يَرْتَضِ في ((التسهيل 1)) إلا أنه لا يلزم ذكر المرفوع، وهو الصواب، خلافَ ما اقتضاه ظاهرُ هذا الإطلاق.
والجواب عن هذا بأمرين:
أحدهما أن يقال: لعله ذهب إلى القول بلزوم ذلك، ولا نُكْر في اختلاف قوله هنا وفي ((التسهيل)) إذ قد يَرى في وقتِ ما لا يراه في وقت آخر، بحسب اختلاف اجتهاده، لأنه من أهل الاجتهاد، ويكون وجهُ قوله أنَّ المصدر نائبٌ 2 عما لا له من فاعل، فلابد فيه من تقدير فاعل إن لم يكن ظاهرا.
والثاني أن كلامه قد لا يلزم منه ذلك، لأنه إنما نَصَّ على أن المصدر عند عمله عملَ فعله، وذلك قوله: ((بِفِعْلِه المصدرَ ألْحِقْ في العَمَل)) أي إذا عمل فعلى منْهاج فِعْلِه، ولا يلزم من ذلك أن يَنْحتم عليه جميعُ أنواع عمله، بحيث أن إذا أُعْمِل أُعمْل في كل ما يَعمل فيه الفعل، وطَلَب كلَّ ما يطلبه لزوماً أو جوازا.
وأيضا ففي قوله: ((وبَعْدَ جَرِّهِ الَّذيِ أُضيِفَ لَهُ كِمِّلْ عَملَه بكذا)) ما يدلُّ على هذا، إذ مرادُه: كَمِّل عملَه بذلك إن أردتَ ذلك، والإلزم ألاَّ يصح حذفُ منصوبه.
وذلك غير صحيح.
وعلى الجملة فالسؤال قوي.
والثاني أنه أطلق القول في إعمال المصدر، ولم يَشترط إلا التقدير بـ (أن) أو (ما) والفعل، ونحن نجده لا يعمل ذلك العمل إلا بشروط أربعة سوى ما ذَكر:
أحدها ألاُّ يُضْمر المصدر، لأنه إنما يعمل إذا كان باقياً بصيغته الأصلية، وهو، إذا أُضمر، مُبَايِنٌ لها، فلا يعمل مضمرا، فلا يقال: مُرورُك بزيدٍ حَسَنٌ،
وهو بعمروٍ قبيحً، فيتعَلَّق المجرور بـ (هو).
ولا: ضَرْبُك زيداً حَسَنٌ، وهو عمراً قبيحٌ.
وقد شَذَّ من هذا قولُ زُهَيْر بن أبي سُلْمى 1:
ومَا الْحَرْبُ إلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ
ومَا هُوَ عَنْهَا بالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
أي: وما الحديثُ عنها.
أو: ما العلُم/ عنهما، كما تقدَّم عن الأعلم.
430
فـ ((عنها)) متعلِّق ب ((هو)) على ذلك المعنى، ولا مُعْتَبر بالشُّذُوذات.
والثاني ألا يكون المصدر مُصَغَّرا، فلذلك للمصدر بالصِّغَر، فهو في معنى وَصْفه قبل العمل.
ومن شرطه أيضا إلاَّ يُوصَف قبل العمل، وهو الثالث، لأن الوصف يُمَحِّضُه إلى جهة الاسمية، كما كان ذلك في ((اسم الفاعل)).
وأيضاً فإن معمول المصدر منه بمنزلة الصِّلة من الموصول، فلا يتقدَّم نعتُ المصدر على معموله، كما لا يتقدَّم نعتُ الموصول على صلته، فلا يجوز أن تقول: ضَرْبُكَ الشديُد زيداً حَسَنٌ، ولا: عرفتُ سَوْقَكَ الحثيثَ الإبلَ.
وكل ما جاء مما ظاهُره هذا فمؤوَّل.
والواجب أن يقال: ضَرْبُك زيداً الشديدُ حَسَنٌ، وعرفتُ سوقَكَ الإبلَ الحثيثَ.
ومنه ما أنشد في ((الشَّرح)) من قوله 1:
إنَّ وَجْدِي بِكِ الشَّدِيدَ أراني
عَاذِراً مَنْ عَهِدْتُ فِيكِ عَذُولاَ
والرابع ألا يكون محدوداً بالتاء قَصْداً للمَّرة الواحدة، فلا تقول: أعجبتني ضَرْبتُكَ زيداً، لأنه مُغَيَّر عن الصيغة التي اشْتُقَّ عليها الفعل، فلم يكن دالاً على معنى الفعل بتمامه، ولا الصيغةُ التي اشْتُق منها الفعل باقية.
فإن رُوى ما عَمِلَ محدوداً فشاذٌ يُحفظ، كقول كثير عزة 2:
وأَجْمَعُ هِجْراناً لأَسْمَاءَ إنْ دَنَتْ
بِهَا الدَّارُ لاَ مِنْ زَهْدَةٍ في وصَالِهَا
فو كانت التاء في أصل بناء المصدر لم يَضُر، نحو 3:
فَلَوْلاَ رَجَاءُ النَّضْرِ مِنْكَ ورَهْبةٌ عِقَابُك...
فإذا تقرَّر هذا، وأنَّ هذه الشروط مُعْتَبرةٌ في العمل- فإطلاقُ الناظم القولَ بالعمل غيرَ مقيَّدٍ بها يَقتضي أنه يعمل قياساً عمل فِعْله، مضمراً
ومصغَّرا، وموصوفاً قبل العمل، ومحدوداً بالتاء، وذلك إخلال كثير، إلا أن يقال: إنه اعتَبر الشُّذُوذاتِ في مخالفة تلك الشروط، فأجرى القياسَ فيها، وذلك غير مستقيم أيضا.
والجواب عن ذلك بأن الناظم غيرُ محتاجٍ إلى اشتراط شيءٍ مما ذُكِر، زائدٍ على ما شَرط، وهو أن يكون دالاً على معنى (أن) والفعل، فإنه الذي تَضَمَّن ما زاد، لأن شرطاً منها إذا فُقد لم يَبْقَ المصدر دالاً على معنى (أن) والفعل، أو (ما) والفعل.
أما ضمير المصدر فهو دالٌ على نفس المصدر الذي عاد عليه، فالذي يَحَلُّ محلَّه هو المصدر، لا أن، والفعل، ولذلك امتنع عمله.
إذ لو دَلَّ على عَيْن 1 ما دَلَّ عليه المصدرُ لعمل عمله قَطْعا، فلم يوجد فيه ما شَرط الناظم.
وأيضا فهنا زيادةُ تُخْرج الضمير، وهي أن ضمير المصدر لا يسمى مصدراً حقيقة، كما لا يسمى ضميرُ اسم الجنس [اسمَ جنس] 2 ولا ضميرُ العلم علماً، فإن أطُلق على ضمير المصدر مَصْدَرً فمَجاز، وعلى غير الاصطلاح، وإنما قال الناظم: ((بِفْعِلِه الْمَصْدرَ أَلْحقْ في العَمَلْ)) فلا يَدْخل له إلا ما هو مصدرٌ حقيقةً، وإلا فلو كان قَصْده ما يُطلق عليه مصدرُ حقيقةً أو مجازاً- لكان ((اسم المصدر)) أَوْلَى بالدخول، لأنه قد تَضَمَّن حروفَ الفعل، كما تضمن معناه في الجملة، فأشبه الحقيقيَّ، وكان لا يَحتاج إلى النصِّ عليه بقوله: ((ولاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلٌ)) فلما خرج ((اسم المصدر)) بقوله: ((بِفِعْلِه المَصْدَرَ أَلْحِقْ)) كان خروج ضمير المصدر أَوْلَى.
وأما المصغَّر فإنما التصغيرُ له وصفٌ في الحقيقة للمصدر، لأنك إذا قلت: ضُرَيبٌ- فمعناه: ضَرْبٌ / يَسيِر، أو ضَرْبٌ خَفيف.... 431
والوصف إنما يكون وصفاً للجنس، فإذا قلت: ضَرْبٌ يسير- فالقَصْد وصفُ جنس الضرب، فأخرجتَ المصدَر عن قَصْد الفعل، فصار كالمؤكِّد إذا قلت 1: ضربتُ ضرباً يسيراً، ولذلك قالوا: إن التَّصغير في اسم الفاعل والوصف يُزِيلان شَبَه الفعل، لأنهما من خصائص الأسماء، وهو إشارة إلى هذا المعنى.
وكذلك المحدودُ بالتاء القصدُ بتحديده راجعٌ إلى قَصْد الجنس فيه، لأنه عَدٌّ لأفراده، كأنك قلت: ضَرْبَةً واحدةً، فصار كضَرْبتَيْنِ وضَرَباتٍ، فرجع إلى المصدر المبيِّن للعدد.
وقد تقدم أن المصدر المؤكِّد والمبيِّن للنوع أو للعَدَد لا يَعمل، لأنه لا يصلح في موضعه (أَنْ) والفعل، ولا (ما) والفعل.
فخرج إذاً المضمرُ والمصغَّرُ والموصوفُ والمحدودُ بالتاء باشتراط الناظم أن يكون فِعلٌ مع (أن) أو (ما) يحلُّ محلُّه على أبلغ معنى في فِقْه العربية 2، فصار كلامه هنا- على اختصاره-مُحصِّلا لما قَصَد في ((التسهيل)) تحصيلَه على طولُ، إذ قال هنالك: يعمل المصدر مُظْهَرا مُكَبَّرا غيرَ محدودٍ ولا منعوتٍ قبل تمامه عملَ فِعْله (1))) إلى آخره.
وقليلاً
ما ترى النحويِّين يشترطون هذه الشروط لهذا المعنى.
والثالث أنه قال: ((إنْ كان فِعْلٌ مع أَنْ أوْ مَا)) ولم يزد على ذلك.
وهو ناقص، إذ ليس كل مصدر يقدَّر بالفعل مع أحد الحرفين فقط، بل ثَمَّ ما يقدَّر به دونهما، وذلك (أنْ) المخفَّفة من الثقيلة، فإن المصدر يقدَّر بها بعد ((العِلْم)) وبالجملة حيث تقع (أنْ) هذه المخفَّفة، كقول الشاعر، أنشده في ((الشَّرْح 2)):
عَلِمْتُ بَسْطَكَ للمَعْروفِ خيَر يَدٍ
فلا أَرىَ فِيكَ إلاَّ باسطاً أَمَلاَ
فالتقدير: علمت أنْ قد بَسَطْتَ للمعروف خيَر يدٍ.
ولا يصلح هنا تقدير (أن) الناصبة للمضارع.
وأنشد أيضا 3:
لَوْ عَلِمَتْ إيثَارِيَ الذي هَوَتْ
ما كنتُ مِنْهَا مُشْفِياً على الْفَلَتْ
التقدير: لو علمت أن أوُثَر الذين هَوَتْ.
فهذا لا يصح فيه تقدير الناصبة للمضارع أيضا.
فكان من حقه أن يأتي بـ (أَنْ) هذه، لكنه لم يفعل، فكان معترضاً عليه.1
والجواب بأمرين:
أحدهما أن تقدير المصدر بـ (أنْ) هذه قليل، لا يكثر كثرةَ (أنْ، وما) والغالب أن تؤتى بعد أفعال ((العِلْم)) بـ (أنْ) المخفَّفة والفعل، أو بـ (أنْ) الداخلة على الجملة الابتدائية، فقولهم: علمتُ أنَّك تقومُ، وعلمتُ أنْ سوف تقومُ، أو ألاَّ تقومُ-أشهرُ في الاستعمال من قولهم: علمتُ قيامَك، ونحوه- وإذا كان كذلك لم يَنْهض بالقليل اعتراضٌ.
والثاني أن التقدير بـ (ما) سائغ هنالك، فتقدَّر: علمتُ ما قمتَ، كما تقول: علمتُ ما صنعتَ، وعلمتُ صُنْعَك، فقد يمكن أن يكون استَغْنى عن تقدير (أنْ) المخفَّفة بتقدير (ما) وإذا صح التقدير بـ (ما) كام ما عداه زيادة.
فإن قلت: فكان من حَقِّه إذ قَصد الإتيان بما يُحتاج إليه من الحروف المصدرية من غير زيادة أن يأتي بأحد الحرفين دون الآخر.
فالجواب أن إتيانه بهما معاً ضروري/ لأن زمان الفعل الذي يُقَدِّر المصدرية قد يكون... 432 ماضياً وحالاً ومستقبلاً.
أما الماضي فيصحُّ تقديرهُ بـ (أنْ) وبـ (ما) مع الفعل.
وأما الحال فلا يقدَّر بـ (أنْ) بل بـ (ما)؛ لأن (أنْ) لا تُخَلِّص المضارع للاستقبال.
وأما المستقبل فلا يقدَّر بـ (ما) بل بـ (أنْ)؛ لأن (ما) مختصة بالحال، إذا دخلت على المضارع خَلَّصته له، فإذاً لابد من تقدير الفعل بما يَليق بزمانه، ولا يكون ذلك في الأزمنة الثلاثة إلا مع عَدِّ (أنْ) و (ما) معاً.
بخلاف المخفَّفة من الثقيلة، فإن التقدير بها غير مضطرا إليه.
وهذا أيضا من مقاصد هذا النظم الحِسَانِ التي قَلَّمَا يُتفَطَّن لها.
والله أعلم.
والرابع أنه قيَّد عمل المصدر بصحة حلول الحرف مع الفعل محلَّه،
فاقتضى مفهومُ هذا الشرط أن التقدير المذكور إن تعذَّر لم يَعمل المصدرُ هذا العمل.
وليس كذلك، بل قد يتعذَّر هذا التقدير مع صِحَّة العمل.
قال في ((الشرح)) بعد ما بَيَّن التقدير بالأحرف الثلاثة: وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاثة شرطاً في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك 1.
قال 2: ومن وقوعه غيرَ مقدَر بأحدها قولُ العرب: سَمْعُ أُذُنِي زيدا يقول ذلك 3. وقول إعرابي: اللهم إنَّ استِغْفَارِي إيَّاك مع كَثْرة ذنوبي لَلُؤْمٌ، وإن تَرْكيَ الاستغفارَ مع علمي بسَعة عفوكَ لَعَجْزً 4، وقولُ الشاعر 5:
عَهْدِي بِهِ الحيَّ الجِمَيعَ وفيِهِمُ
قَبْلَ التَّفَرُّقِ مَيْسِرٌ ونِدَامُ
وقول الراجز 6:
ورَأْيُ عَيْنَيَّ الْفَتَى أبَاكَا
يُعْطِي الجَزيل فَعَلَيْكَ ذَاكَا
وقول الآخر 7:
لا رَغْبَةً عَمَّا رَغِبْتِ فيهِ
مِنِّيَ فَانُقُصِيهِ أوْ زِدِيهِ
ومن أمثلة سيبويه: مَتَى ظنُّكَ زيداً أميراً.
وذكر سيبويه في ((باب من المصادر جرى مجرى الفعل المضارع 1)) عجبت من ضَرْبٍ زيدٌ عمراً، إذا كان هو الفاعل.
ثم قال: كأنه قال: عجبت من أنه يضربُ زيدٌ عمراً.
ولم يقدَّره في الباب بغير (إنَّ) الثقيلة.
قال المؤلف: وإذا ثبت أن إعمال المصدر غيرُ مشروط بتقدير حرف مصدريٍّ أمكن الاستغناءُ عن إضمارٍ في نحو قوله: له صوتٌ صوتَ حمارٍ 2. وما قاله ظاهر، وليس ما حَكَى بقليل، بل هو أبوابٌ مستقلَّة متعدِّدة، كلُّها لا يصح فيه تقدير (أنْ) أو (ما) مع الفعل في موضع المصدر.
أحدها: باب ((ضَرْبِي زيداً قائماً)) فإن ((ضَرْبِي)) عامل عملَ فعله مطلقا، مع أنه لا يصح في موضعه تقدير الحرف مع الفعل.
والثاني: باب ((إنَّ)) إذا دخلت على المصدر العامل)) نحو: إنَّ إكرامَك زيدا لَحَسَنٌ، و [إن] 3 إعراضَك عنه لَقَبِيحٌ.
والثالث: باب ((لا)) إذا قلت: لا إعراضاً عن أحدٍ عندي، ولا ضَرْباً أحدا من شأني.
والرابع: باب ((متى ظَنُّكَ زيداً قائماً)).
فجميع هذه الأبواب لا يصح فيها تقديرُ الناظم مع صحة عمل المصدر
عمل فعله، كالمقدَّر بالحرف والفعل.
ومن ذلك أيضا باب ((كان)) كقولك: كان إكرامي زيدً حسناً.
وباب ((ما)) نحو: ما إكرامي زيداً/ مفقودً.... 433
وإلى ذلك فإن سيبويه لم يلتزم التقدير بواحدٍ من الحرفين، بل قَدَّر بـ (أنَّ) الثقيلة، فصار دليلاً على اطِّراح الحرفين عن حكم الضرورة التي ادُّعَيِتْ أولا، فإذاً اشتراطُ الناظم إخلال.
والجواب أن ما قال الناظم صحيح، ولا يَلزم ما اعتُرِض به.
أما باب ((كان)) و ((إنَّ)) و ((لا)) فتقدير (أَنْ) والفعل سائغ في الأصل.
والدليل على ذلك أنك إذا أزلتها صح التقدير، لكن العرب التَزمت ألاَّ تُولي الحرفَ المصدري هذه العوامل، كما لا تُوليها (أنَّ) الثقيلة، فكما لا تقول: كان أنَّكَ قائمٌ حسناً، كذلك لا تقول: كان أنْ قمتَ، أو أنْ تقومَ حسنٌ، ولا أنَّ أَنْ تقومَ حسنٌ، ولا ما أشبه ذلك.
فإن أردت ذلك أخَّرْتَ الحرف المصدري فقلت: كان حسناً أن تقومَ، أو إنَّ عندي أن تقومَ، كما تقول: كان عندي أنَّكَ قائمٌ، أو كان حسناً أنَّكَ قائمٌ.
ونظير ذلك في قولهم في (رَأَيْتُ) أنشد سيبويه لابن حَسَّان 1:
إنِي رأَيْتُ من المَكَارِمِ حَسْبُكُمْ
أنْ تَلْبَسُوا خَزَّ الثِّيَابِ وتَشْبَعُوا
ولو قال: إني رأيتُ أن تَلْبَسوا حَسْبُكم لم يجز، بخلاف ما إذا أتى بالمصدر.
فالحاصل أن مانع الموضع عَرَضَ في هذه المسائل، فلم يصح
النطقُ بـ (أنْ) و (الفعل) والتقديرُ الصِّناعي لا مانع له، فصدَق عليه أن هذا المصدر في هذه المواضع يصح أن يحل محلَّه الفعلُ مع الحرف.
وأما المصدر في نحو (ضَرْبِي زيداً قائماً) فالقول فيه على نحو ما قيل فيما تقدم، وذلك أن العرب التزمت في هذا النحو رَفْضَ (أنْ) والفعل، فلا يُتكلَم بذلك مع التزام حذف الخبر.
فلو أظهرت الخبر رجع إلى أصله، وجاز أن تقول: أنْ أضربَ زيداً قائماً حسنٌ، وأن تقول: ضَرْبِي زيداً قائماً حسنٌ، وفي القرآن: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 1﴾.
وإذا كان امتناع النطق به لعارض فلا مانع من التقدير الصناعي، وأن نَدَّعي أن المصدر في محل (أنْ) والفعل تقديراً لا يُنطق به، ويَصْدُق عليه أنَّ (أنْ) والفعل يَحُلان محلِّه لفظاً أو تقديراً.
ونظير هذا الموضع من كلامِه قوله في باب ((إنَ)):
وكسْرَ إنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدِّهَا.....
مع أن (لوْ) تُفْتح بعدها لزوما، ولا يصح أن يسد المصدرُ مسدَّها فتقول: لو أنَّكَ قمتَ لَقَامَ زيدٌ، ولا تقول: لو قيامُك ثابتٌ لكان كذا.
ومَضَى الاعتذار عنه بما هو مذكور هنالك، وهو هذا المعنى بعينه، فشَرْطُ الناظم صحيح.
وأما (متى ظَنُّكَ زيداً قائماً) فمن المصادر النائبة عن الأفعال، لأن
التقدير: متى ظَنَنْتَ زيداً قائماً.
فهو باب آخر، لا من هذا الباب، فيخرج عنه بقوله: ((إنْ كانَ فِعْلٌ معَ أَنْ)) إلى آخره.
كما خرج عنه بابُ ((ضَرْباً زيداً)) وأما تقدير سيبويه في (عجبتُ من ضَرْبٍ زيدٌ عمراً 1) فيمكن أن يكون تفسيرَ معنى، لا تقديرَ إعراب، كما قَدَّر/ في قوله: 434
من لَدُ شَوْلاً 2
من لدُ أنْ كانتْ شَوْلاً.
وهو تقدير لا يصح عند جماعة.
وكما قال في ((أهْلَكَ واللَّيْلَ)) إن معناه: الْحَقْ أهلَك قبلَ اللَّيْلِ 3. وليس هذا تقديرَه اللفظي.
وكما يقال: إن قولك: ((انتَ وشَأْنُكَ)) 4 في تقدير: أنتَ مع شَأْنِك.
فهذا وما كان من بابه تقديرُ معنى لا تقديرُ صناعةٍ لفظية، وبينهما فرق.
وسيبويه كثيراً ما يَجْتَزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب، فلعل هذا الموضع من ذلك، فلا يلزمُ به اعتراضٌ على ما تقدم فقد ظهر إذاً أن اشتراطه ضابطٌ للمسالة مُخْتَصرٌ حَسَن.
والله أعلم.
ووجهُ خامس، وهو أن إطلاقه يَنتظم إعمالَ المصدر عمل فعل المفعول، كما اقتضى إعمالَه عملَ الفعل المبنيَّ للفاعل، إذْ لم يَشترط في هذا العمل إلا تقديرَ 1 المصدر بـ (أنْ) أو (ما) والفعل، ولم يقيَّد الفعل.
لكن النحويين أبَوْا ذلك، لأن قَصْد البناء للمفعول في الفعل إنما هو بِنْية الفعل طالبة له، فإذا قُصد إلى تَرْك ذكره غُيِّرت البِنْية، والمصدرُ لا ضرورةَ تدعو إلى ذكر الفاعل معه، لجواز حذفه من اللفظ، وعدم اعتباره جملة، فكان من حَقِّه أن يُخرج عن إطلاقه التقديرَ بالحرف وفعْلِ المفعول.
وقد يجاب عن ذلك بأن المسألة مختلَف فيها، فطائفةٌ تمنع ذلك، منهم الخِدَبُّ 2، وطائفة تُجيز، ومنهم السِّيرافي وابن خروف.
والدليلُ على الجواز السماعُ في قولهم: أعجبني قراءةٌ في الحَمَّامِ القرآنُ.
وعلى ذلك تقول: أعجبني أكلُ الخبزِ وشربُ الماءِ، وتُضيف المصدرَ إليه، على اعتقاد معنى الرفع.
وبذلك قَدَّر سيبويه قولَهم: عجبتُ منِ إيقاع أنْيابِه بعضِها فوقَ بعضٍ، أي: من أن أوُقِعَتْ 3. وحمله جماعة على ذلك.
فإذا ثبت هذا فلا بُعْدَ في أن يذهب الناظم إلى هذا، وهو رأيه في غيره أيضا.
ثم قال: ((ولاِسْمِ مَصْدرٍ عَمَلٌ))
يعني أن اسم المصدر له عملٌ كعمل المصدر نفسه، يريد العملَ الذي للمصدر، لا أن له عملاً مَا هكذا مطلقا، فيَرفع كما يَرفع المصدر، وينَصب كما يَنصب، ويَتعلق به الظرفُ والمجرور كما يتعلَّق بالمصدر نفسه.
واسم المصدر يُطلق عند النحويين بإطلاقَيْن:
أحدهما أن يكون معناه الاسمَ المشتقَّ من المصدر بزيادة ميمٍ في أوله، كقولك: ضَرَبَ مَضْرِباً، وقَتَل مَقْتَلاً، وأكرمَ مُكْرَماً، وقاتَلَ مُقَاتَلاً.
ومنه ﴿مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 1﴾ وقال العَجَاج 2:
جَاباً تَرى بَلِيِتِهِ مُسَحَّجا
وأنشد ابن جنِّي 3:
أُقَتِلُ حَتَّى لاَ أَرى لِي مُقَاتَلاً
وهو كثير جدا.
فمثل هذا يَعمل عمل المصدر بإطلاق، لأنه هو في المعنى، فتقول: أعجبني مَضْرِبُ زيدٍ عمراً، ومُقَاتَلُ بَكْرٍ بِشْراً، ومُقلمُ زيدٍ في الدار، وما أشبه ذلك.
ومنه أنشد ثعلب وغيره 1:
أَظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رجلاً
أَهْدىَ السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
أراد: إن إصابتكم رجلا.
وأنشد سيبويه لكَعْب بن زُهَيْر 2:
/ فَلْم يَجِدَا إلاَّ مُنَاخَ مَطِيَّةٍ 435
تَجافَى بَها زَوْرٌ نَبِيلٌ وكَلْكَلُ
ومًفْحَصَها عنها الحَصَى بجِرانِها
ومَثْنَى نَواجٍ لم يُخنْهُنَّ مَفْصِلُ
وقال جرير، أنشده في الكتاب 1.
ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ الْقَوافِي
فَلاَعِيّا بِهِنَّ ولا اجْتِلاَبَا
والثاني أن يكون معناه: الاسمُ الدالُّ على معنى المصدر، المخالفُ له بعدم جَرَيانه على فِعْله.
وحقيقتُه أن اسم المصدر هو مَفْعولك، والمصدر فِعْلك، كذا قال بعضهم.
ومثاله: الكَلاَم، والسَّلام، والعَوْن، والكِبْر، والطَّاقَة، والطَّاعَة، والعَطاء، والعِشْرة، والتَّوَاب.
فإن هذه ونحوها غيرُ جارية على أفعاله، وهي واقعة على المعنى الواقع من الفاعل، مجرَّدا عن مباشرة الفاعل بها.
والجاري على (سَلَّم): التَّسْليم، وعلى (كَلَّم): التَّكْلِم، وعلى (أعَان): الإعَانة، وكذلك سائرها.
فالجاري هو المصدر، وغير الجاري هو الاسم.
فإعماله عملَ المصدر جائز عند الناظم، لأن معناه معنى المصدر نفسه، فتقول: أعجبني عَطاؤُك زيداً، وكلامُك أبا عبدِ الله، كما تقول: أعجبني إعطاؤُك
زيداً، وتكليمك أبا عبدِالله.
وفي الحديث ((مِنْ قُبْلَةِ الرجلِ امرأتَه الوضوءُ 1)) وقال حسان رضى الله عنه 2:
كَأنَّ ثَوابَ اللهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ
جِنَانٌ من الفِرْدَوْسِ فيَها يُخَلّدُ
وقال القُطامي 3:
أَكُفْراً بعد رَدِّ المَوْتِ عَنِّي
وبعدَ عَطائِكَ المائَة الرِّتَاعَا
وقال ذو الرمة 4:
أطَاعَتْ بكَ الْوَاشينَ حَتَّى كأنَّمَا
كلامُكَ إيَّاهَا عَلَيْكَ حَرَامُ
وهنا مسائل:
أحداها أن إعمال المصدر بالمعنى الأول كأنه مُتَّفق عليه، لأنه المصدر بعينه، غير أنه بُنِي بناء خاصاً، وجرى على فعله جَرَيانا خاصاً.
وأما بالمعنى الثاني فغير مُتَّفق عليه فيما أحسب.
والذي ارْتَضى الناظم مذهبُ مَنْ أعمله، وحجته مجيئُه سماعاً، وظهور وجهه القياسي، وهو أن محصول المصدر واسمِه واحد، ولا كبيرَ فرقٍ بينهما، فكما يُعتبر في المصدر معنى الفعل والحرف المصدري، كذلك يُعتبر في اسمه.
فإذا قلت: عَطاؤُك زيداً حَسَنٌ، فتقديره بـ (أنْ) والفعل لا مانع منه، كما كان في المصدر نفسه، فمن فَرَّق بينهما فقد فَرَّق بين الشيء ومِثْله.
وأيضا فلو صَحَّ الفرق لَصَحَّ في اسم المصدر بالمعنى الأول.
فإن قيل: الفرق بينهما ظاهر، وهو أن المصدر هو نفس مُباشرة الفاعل، واسم المصدر هو المعنى الحادث في تلك المباشرة كما تقدم، فما كان فيه معنى المباشرة والعلاج هو الصالح للعمل، فهو مِثْل الفعل، ومالم يكن كذلك لم يصلح للعمل، كما لم يصلح اسم الجنس المعنوي للعمل، وقد ظهر تأثير هذا الفرق في كلام العرب، حيث أعملوا المصدر من غير تحاشٍ، ولم يُعملوا اسم المصدر إلا نادراً، فلو كان مثلَه في المعنى لكان مثلَه في كثرة الإعمال، فلما لم يكن كذلك دَلَّ على صحَّة الفرق.
فالجواب أن هذا الفرق غير بَيِّن / لأن المصدر اسم للمعنى الصادر من الفاعل، 436 وكذلك اسم المصدر، لا فرق بينهما في هذا، فكلاهما اسمُ جِنْس، ولذلك لا يَعمل إذا كان مؤكِّدا أو مبيِّنا، وإنما يعمل إذا اعتُبر فيه معنى العلاج، وهو اسم المصدر في ذلك سواء، إلا أن المصدر لَمَّا أحرز الفعلَ بجرَيانه عليه كان أقربَ من اسم المصدر الذي تَعطَّل فيه ذلك الجريان، فلهذا المعنى قلَّ إعمال اسم المصدر، لا لما قالوا.
ومع ذلك فعِلَّتُه لا تُؤْذن بعدم القياس، إذ قد جاء نظماً ونثراً كما
تقدَّم.
وقد اجتمع مع المصدر في المعنى والمادَّة فساع القياس عليه.
والثانية أن الناظم ذكر هنا إعمالَ المصدر، وألحق به اسمَه على كلا المعنيين، واقتصر على ذلك، فدل على أن ما لحق باسم المصدر وشابَهه لا يَلحق به في العمل عنده، فاسمُ الزمان والمكان لا يَعملان عمل الفعل، وإن تَضَمَّنا معناه، لبُعْدهما عن المصدر وفعله، بتضمُّن الدلالة على الزمان والمكان المُبْهَمين، فلا يقال: أتَت على الناقةُ مَضْرِب الفَحْل إيَّاها، ولا ما أشبه ذلك.
فإن جاء من ذلك شيء فسماعٌ ومؤوَّل، كقول النابغة 1:
كأنَّ مجرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولَها
عليْهِ حَصِيرٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوَانِعُ
((مجر)) هنا اسم مكان، لأنه إنما شَبَّه بالحصير موضعَ الجَرِّ، وكذلك قولُ ذي الرُّمة 2:
وظَلَّتْ بَملْقَى وَاحِفٍ جَرَعَ المِعَا
قياماً تُفالِي مُصْلَخِماً أميرُهَا
فـ (المَلْقَى) هنا موضع التقاء واحِفٍ وجَرَعَ المِعَا، وهما موضعان.
والمعنى: حيث واجه واحفٌ جرعَ المِعَا، لأنه من الالتقاء.
وكذلك قوله 1:
تَقُولُ عَجُوزٌ مَدْرَجِي مُتَرَوِّحا
على بابِها مِنْ عنْد رَحْلِي وغَاديَا
أي وقت دُروُجِي.
وأنشد سيبويه لحُمَيْد الأرْقَط 2:
وما هيَ إلا في إزَار وعلْقَةٍ
مُغَارَ ابن هَمَّامٍ على حَيَّ خَثْعَمَا
أي في وقت إغارة ابن هَمَّام.
فمثلُ هذا لا يُعْتَد به في عمل اسم المكان ولا اسمِ الزمان، فأما البيتان الأوَّلان وما أشبههما فقليلٌ، ومحمول على حذف المضاف، والتقدير: كأنَّ موضع جَرِّ الرامساتِ، وظَلَّت بموضع مَلْقَى وَاحِفٍ.
وبهذا يصير العامل اسمَ المصدر لا اسمَ المكان.
وأما الآخَران فمن باب ((ما نابَ فيه المصدر عن الظرف)) وهو الذي نَبَّه عليه الناظم في قوله:
وقَدْ يَنُوبُ عن مكانٍ مَصْدَرُ
وذاكَ في طَرْفِ الزَّمانِ يكْثُرُ
وكذلك لا يعمل الاسمُ المتضمِن لحروف الفعل إذا كان اسماً لما يُفْعَل به أو فيه، وإن أشعْرَ بمعنى ذلك الفعل، فلا تقول: أعجبني دَهْنُ زيدٍ رأسه، ورِزْقُ اللهِ العبدَ، وخَبْزُ زيدٍ دَقيِقَه، وما أشبه ذلك.
فإن جاء من ذلك شيء فموقوفٌ على السماع، ومؤوَّل أيضا.
ويظهر من ((الصَّيْمري)) إجازةُ ذلك 1، وهو مذهب مرجوحٌ لندُوره عن العرب، وإمكان نصبِه على إضمار فعل يدل ذلك الاسم، كأنه يقول: أعجبني دَهْنُ زيدٍ يَدهن رأسَه، أو ما معناه ذلك.
ومن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿أَلَمْ نجْعَلِ الأَرْضَ كِفاناً/ أحْيَاءً وأمْواتاً 2﴾ 437
فالكفَات: اسمُ ما يُكْفتَ به، أي يُلَفُّ ويُحْفظ، وأوِّلت على إضمار الفعل.
وقيل: جَعل الفارسيُّ من ذلك قوله تعالى: ﴿ويَعْبُدوُنَ مِنْ دوُنِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمواَتِ والأَرْضِ شَيْئاً ولاَ يَسْتَطِيعُونَ 3﴾ فـ ((شيئاً)) عنده منصوب بـ ((رِزْقاً 4)) والرِّزق: اسم لما يُرْزَقه العبدُ عندهم.
فلذلك رَدَّ عليه الناسُ ذلك، وعَدُّوه ذاهباً إلى نحو ما رأى ((الصَّيْمري)).
ولا حاجة إلى الاعتذار عن الفارسي هنا إلا من جهة تعلُقه بهذا
النَّظْم، فالشَّلَوْبيِن وغيرهُ قالوا: يُحتمل أن يكون ((رِزْقا)) مصدرا كـ (رَزْق) بالفتح، ولا يمون في الآية بمنزلة (الَطّحْن) مع الطَّحْن، و (الرَّعي) مع الرَّعي، فلا حجة فيها على عملِ مثلِ هذا، فبحقٍّ ما أهمله الناظم هنا.
والله أعلم.
والثالثة: أنه قال: ((ولاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلُ)).
فأثبت له عملاً ما، ولم يَقُل المصدر في العمل، وأنه يساويه، تنبيهاً على أنه غيرُ ملتزِم للقول بإعماله مطلقا، كان مضافاً أو مجرداً أو مع أل، بل الأمر في ذلك بعدُ في محلِّ النظر، وذلك أن السَّماع فيه إنما ورد بالمضاف كما تقدَّم تمثيلهُ، ولم يَأتِ- فيما أحفظ- مثل: أعجبني عَطاءٌ زيداً، (أو أعجبني طاعةٌ العبدُ ربَّهِ، أو ثوابٌ المؤمنَ، ولا مثل: أعجبني العطاءُ زيداً 1) ولا الثوابُ المؤمنَ، ولا ما كان نحو ذلك.
وكذلك لا أحفظ مثل: أعجبني مُعْطيً زيدٌ عمراً، ولا مُعْطيً عمراً، ولا المُعْطي زيدٌ عمراً، ولا المُعْطَي زيداً، ولا نحو ذلك.
ولم يَأْتِ المؤلف في ((الشرح)) من ذلك بمثال، ولكنه قال في ((التسهيل)): إن اسم المصدر يعمل عملهَ 2، فظاهرُ هذا إعمالهُ في جميع أحواله قياساً كالمصدر، فتقول: أعجبني العطاءُ زيداً، وعَطاءٌ زيداً، كما تقدم.
فالموضع- بلا شك- محتمِل للقياس في جميع الأحوال، أو قصْره على ما وَرد فيه.
فلذلك- والله أعلم- لم يَحْتِم بإطلاق القول في إعماله في الأحوال الثلاثة كالمصدر، وهو أولَى.
فتبقى المسألة نظريَّةً إلى أن يَرِد مُرَجَّح لأحد الاحتمالين.
والرابعة أن اسم المصدر ضربان، ضربٌ هو اسم جِنْس غير علم،
كالمُثُل المتقدَّمة.
وكلامُه فيه صحيح على التفسير المذكور.
وضربٌ هو عَلَم، كيَسَارِ للمَيْسَرة، في نحو قوله، أنشده سيبويه 1:
فَقُلْتُ امْكُثِي حَتَّى يَسَار لَعَلَّنَا
نَجُحُّ معاً قَالتْ أعاماً وقَابِلَهْ
و(بَرَّةُ) للمَبَرَّة، و (فَجاَرِ) للفَجْرة في قول النابغة، أنشده سيبويه أيضا 2:
أنَّا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَيْنَا بَينَنَا
فَحَملْتُ بَرَّةَ واحْتَملْتَ فَجَارِ
فلا تَعْمل، لأن مِثْل هذه الأسماء دال على معنى المصدر دلالة تُغْني عن الألف واللام، لكونها لا تتصرَّف تصرفَها في الإضافة، والشَّيَاع، والألِف واللام، وقَبُول الوصف، والوقوعِ موقع الفعل، فامتنع لذلك أن تعمل كالمصدر.
وكلام الناظم يَنتظم مثل هذا، فيقتضي انه قد يَعمل، وذلك لا يصح.
والجواب أن كلامه، وإن كان ظاهرهُ الإطلاق، مُقَيَدٌ بما قُيدَّ به المصدر.
من كونه يصلح في موضعه الفعل مع (أنْ) أو (ما) إذ لا يصح أن يعمل
المصدر بشرطٍ وهو الأَصْل، ويعمل اسم المصدر بغير شرطٍ وهو الفَرع، لأنه لم يَعمل إلا بمعنى المصدر، فلابد من تقييده بما تَقَيَّد به المصدر، / وإذ ذاك يَخْرج اسم المصدر العَلَمَ،... 438 إذْ لا يصلح في موضعه (أنْ) والفعل، ولا (ما) والفعل، فقد أغناه الشرط المتقدم عن إخراج العَلَم من إطلاقه هنا، فلا إشكال في كلامه.
ثم قال:
وبَعْدَ جَرِّةِ الَّذي أُضِيفَ لَهْ
كَمِّلْ بنَصْبٍ أو بِرَفْعٍ عَمَلَهْ
يعني أن المصدر واسم المصدر إذا اضيف إلى معمولٍ من معمولاته، لابُدَّ من جَرَّه لأنه مضاف ومضاف غليه، أتيتَ بعد ذلك بمعموله الذي يَطلبه بعد المجرور، وذلك إمّا منصوباً إن أضيف إلى مرفوعٍ أو منصوب، وإمَّا مرفوعاً إن أضيف إلى منصوب، وذلك بحسب طَلبه له.
فقد يضاف إلى ما هو مرفوع في التقدير، فيبقى ما عداه منصوباً، وقد يضاف إلى ما هو منصوب تقديراً، فيبقى ما عداه مطلوباً بنَصْبٍ آخر أو برفع، فتقول: أعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمراً، وأعجبني إعطاءُ زيدٍ الدراهمَ، وضربُ زيدٍ عمروُ، وما اشبه ذلك.
ثم هنا ثلاث مسائل:
إحداها أن كلامه يقتضي جوازَ إضافة المصدر إلى المنصوب بحَضْرة المرفوع، لأنه إذا قال: ((كَمِّل بْرَفْعٍ)) دَلَّ على أن المضاف إليه المصدرُ غيرُ مرفوع، إذ لا يَرفع فعلٌ أو ما جرى مجراه مرفوعين على غير جهة التَّبَعية.
وهذا صريح في جواز إضافة المصدر إلى المفعول بِحَضْرة الفاعل، وإلى الفاعل بِحضْرة المفعول.
أما هذا الثاني فسائغ، نحو: أعجبني إكرامُ زيدٍ عمرا وفي القرآن المجيد ﴿ولَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ 1﴾ - ﴿فاذْكُروُا اللهِ كَذِكْرِكُمْ أَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً 2﴾ وهو كثير.
وأما الأول فقليلٌ ضعيف، قال الفارسي: لا يكاد يُوجد إلا في شعر، لكن قد جاء منه في الكلام شيءٌ، فروُى عن ابن عامر أنه قرأ ﴿ذِكْرُ رَحْمِة رَبِّكَ عَبْدُه زَكَرِيَّا 3﴾ برفع ((العَبْد)) وتابعه، وما ذاك إلا على نصب ((الرحمة)) والتقدير: أنْ ذَكر رحمةَ رَبِّكَ عَبْدُه زكريِّا 4.
وفي الحديث ((وحِجُّ البْيْتِ مَنِ استْطاعَ إليه سَبِيلاً 5)) وهو تأويل بعضهم في قول الله: ﴿وللهِ على النَّاسِ حِجُّ البْيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إليْه سَبيلاً 6﴾ وأجازه ابن خروفٍ ايضا، وأنشد سيبويه 7:
تَنْقي يَدَاهَا الحَصَى في كُلِّ هَاجِرَةٍ
نَفْيَ الَّدراهمِ تَنْقَادُ الصَّياَرِيفِ
وأنشد الزجاجي 1:
أَفْنَى تَلاَدِي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ
فضرْعُ القَواقيز أفْواهُ الأَباَرِيقِ
وجعل الفارسيُّ من ذلك قولَ الحُطَيئة 2:
أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ مَرْبَعٌ ومَصِيفُ
لِعيْنيكَ من ماءِ الشُّئْون وَكيِفُ
وإنما أطلق الناظم القولَ بالجواز اتَّباعاً لسيبويه حيث قال: وإن شئتَ حذفتَ التنوينَ كما حذفتَ في الفاعل- يعني: في ((اسم الفاعل- وكان المعنى على حاله، إلا أنك تجرُّ الي يلي المصدرَ، فاعلاً كان أو مفعولاً، لأنه اسمُ قد كَفَفْتَ عنه التنوينَ، كما فعلتَ ذلك بفاعلٍ، ويصير المجرورُ بدلا من التنوين مُعَاقِباً له.
قال: وذلك قولك: عَجْبتُ من / ضَرْبِه زيداً، إن كان فاعلاً، أو 439