فقل على الأول في ثمود يا... ثمو وياثمى على الثاني بيا
يعني أن الوجه الأول إذا اعتبرته فإنك تقول في ترخيم (ثمود): يا ثمو, فتترك آخر الاسم المحذوف على حاله, كما كان قبل الحذف.
ولو كانت الدال ثابته لقلت: يا ثمود- بإثبات الواو- فكذلك تقول: يا ثمود, بإثباتها على حالها غير منقلبة, لأنها في وسط الاسم لا في آخره, وعلى هذا يقول في (طلحة): يا طلح, فتبقى الحاء على فتحها, كما لو كانت التاء ثابتة, وفي (حمزة): يا حمز, وفي (قاسم): يا قاس- بكسر السين- إذ لو ثبتت الميم لكانت السين مكسورة, وكذلك في (حارث): يا حار.
وعلى هذا الترتيب يجري سائر الأسماء, فتقول في (مروان): يا مرو, وفي (أسماء): يا أسم, وفي (مسلمان): يا مسلم, وفي (مسلمون): يا مسلم.
ومن ذلك قراءة: (ونادوا يا مال).
ومنه قول امرئ القيس:
أحار ترى برقا أريك وميضه... كلمع اليدين في حبي مكلل
وقال:
أحار بن عمرو كأني خمر... ويعدو على المرء ما يأتمر
وأنشد سيبويه للقطامي:
قفى قبل التفرق يا ضباعا... ولا يك موقف منك الوداعا
وأنشد أيضا لابن الخرع:
كادت فزارة تشقى بنا... فأولى فزارة أولى فزارا
وهو من ترخيم غير النداء, وكذلك تقول في (كنهور): يا كنهو, وفي (فردوس): يا فردو, وفي (غرنيق): يا غرني, وفي (حولايا): يا حولاى, وفي (كروان): يا كرو, وفي (نفيان): يا نفي, وفي (هرقل): يا هرق- بالسكون- وكذلك ما أشبه, كل ذلك يعد فيه المحذوف كالموجود.
وعلى هذا الاطلاق في الوجه الأول يتعلق النظر بأمرين:
أحدهما: بيان أنه مخالف للكوفيين في امتناعهم من إبقاء آخر الكلمة بعد الحذف ساكنا ما لم يحذفوا الساكن مع الآخر, فيقولون في (قمطر, وهرقل): يا قم, ويا هر, ولا يقولون: يا قمط ويا هرق.
والدليل على صحة مذهب البصريين: أن الفريقين اجتمعوا على أن حركة ما قبل الاخر بعد الترخيم باقية في هذه اللغة على ما كنت عليه بعده,
من ضم أو فتح أو كسر ليكون فيها دليل على المحذوف, فكذلك ينبغي في الإسكان, لأن فيه أيضا ذلك المعنى, فالتفرقة بينهما تفرقة لغير معنى.
فإن قيل: إنما معنى حذف الآخر دون الساكن حذرا من أن يشبه الأدوات بسكون آخر ذلك الاسم, وذلك محظور.
قيل: لو كان هذا معتبرا لامتنع ذلك فيما إذا كان قبل الآخر مكسورا, فكان يجب حذفه أيضا مع الآخر, لئلا يشبه المضاف إلى ياء المتكلم, ولما لم يكن ذلك مغتفرًا دون الإشعار بالمحذوف وجب أن يكون في مسألتنا كذلك.
والثاني: أن هذا الاطلاق ظاهر في أن ما قبل المحذوف لا يزول عن حالته التى كان عليها لقوله: "فالباقي استعمل بما فيه ألف" يريد ما ألف قبل الحذف, فاقتضى لذلك أن تقول في (قاضون, ومصطفون)
على هذه اللغة: يا قاض- بالضم- ويا مصطف- بالفتح- من غير رد شيء مما حذف لأجل سكون الواو, إذ كان الأصل: قاضيون, ثم نقلت حركة الياء لالتقائهما, وكذلك (مصطفون) أصله: مصطفيون, ثم مصطفاون, ثم مصطفون.
وهذا الرأى رآه المؤلف, وخالف فيه النحويين: الخليل وسيبويه ومن دونهما, ونص في " التسهيل" على المخالفة.
ورأيهم في ذلك أن تقول: يا قاضي, ويا مصطفى, برد المحذوف للساكنين, لأن الساكن الثاني لما حذف للترخيم لم يكن لبقاء
الأصلي, غير مرجوعٍ, وجه؛ إذ كان موجب الحذف قد زال, كما أنك تقول في الدرج (غير محلى الصيد) فتحذف ياء (محلى) فإذا وقفت عليها أثبتها, فقلت: (محلى) لزوال ما أوجب حذفها, هذا تعليل سيبويه.
وألزم المؤلف عليه أن يعاد إلى كل متغير بسبب الترخيم ما كان يستحقه لو لم يكن ذلك السبب موجود أصلا, فكان يقال في ترخيم (كروان, نزوان): يا كرا, ويا نزا, قولا واحدا, قال: لأن سبب تصحيح واوهما هو تلافي الساكنين وقد زال, ومع ذلك يبقون الحكم المرتب عليه لكون المحذوف منوى الثبوت.
قال: ولا فرق بين نية ثبوته ونية سبب حذف ياء (قاضون) وألف (مصطفون) حين يرخمان.
ونقل أيضا: احتجاجهم بالتشبيه برد ما حذف لأجل نون التوكيد الخفيفة عند زوالها وقفا كقول الواقف على (تفعلن): هل تفعلون, برد واو الضمير ونون الرفع لزوال سبب حذفها, وهو ثبوت نون توكيد وصلا.
قال: وهذا التشبيه ضعيف, لأن الحذف لأجل الترخيم غير لازم, فيصح معه أن ينوي ثبوت المحذوف.
هذا ما احتج به الجمهور, وما رده به المؤلف, ومن هنا لم يرتض مذهبهم.
وظاهر هذا النظم اعتقاد هذا النظر, فإن كان مقصوده ما ظهر دخل عليه أن يقال في ترخيم (راد) مسمى به: يا راد- بإسكان الدال- وفي ترخيم (تضار, ومضار, وأسحار).
ومسمى بها: يا تضار, ويا مضار, ويا أسحار, كما تقول في (مكر, ومفر) يا مكر, ويا مفر, لكنه إنما يقال فيه: يا راد, ويا تضار, أو تضار إن كان مبنيا للمفعول ويا مضار, أو مضار, فتحركها بحركة الأصل, ويا أسحار, فتفتحها, لمناسبتها للألف, وإذا كان كذلك فلم يستعمل الباقي بما ألف فيه, من حيث كان المألوف فيه السكون, فترك إلى التحريك.
وبموافقة الجماعة يقول في هذا, فيلزمه في "التسهيل" و "شرحه" التناقض.
فإن قيل: إن هذا لا يلزم, لأن التحريك فيه ضروري؛ إذ لا يجتمع ساكنان في مثله ما لم يكن الثاني مدغما, بخلاف نحو (قاضون, ومصطفون) فإنه لا ضرورة تدعو إلى رد المحذوف, فوجب التنبيه عليه دون الأول.
فالجواب: أن الأمر في الجميع واحد, إذ هو حكم لفظي, فإن اعتبرت اللفظ بعد الحذف, لزم أن يقال: يا قاضي, لزوال الساكن, وكذلك يا مصطفى, كما تعتبره في التقاء الساكنين هنا, فتقول: يا مضار, وإن اعتبرت المحذوف لزم أن تقول: يا مضار- بالسكون- كما تقول: يا قاض, ويا مصطف, لا فرق بين الموضعين, فإن التزم هذا هنا حسبما يقتضيه ظاهر لفظه خالف الناس.
والحق في أصل المسألة مع غيره.
ويد الله مع الجماعة.
وقد تكلم معه شيخنا الأستاذ- رحمه الله- في "شرح الجمل" بما لا حاجة إلى ذكره هنا لخروجه عن قصد الشرح والله الموفق.
وأما إن اعتبرت الوجه الثاني, وذلك "لغة من لم ينو" فتقول في (طلحة): يا طلح, وفي (حمزة): يا حمز, وفي (مالك): يا مال, وفي (قاسم): يا قاس فتبنى ذلك على الضم, لأنك لو فرضته غير محذوف منه ما تعديته, وكذلك تقول في (مروان) يا مرو, وفي (أسماء): يا أسم.
ومن ذلك قول عنترة أنشده سيبويه:
يدعون عنتر والرماح كأنها... أشطان بئر في لبان الأدهم
يروى بضم الراء, وأنشد أيضا للأسود بن يعفر تصديقًا لهذه اللغة:
الأهل لهذا الدهر من متعلل... عن الناس, مهما شاء بالناس يفعل
وهذا ردائي عنده يستعيره... ليسلبني حقي أمال بن حنظل
يريد: حنظلة.
وإنما قال: "تصديقا" لأنه ترخيم في غير النداء, وكذلك أنشد قول رؤبة:
إما تريني اليوم أم حمز... قاربي بين عنقي وجمزي
أراد: حمزة.
وعلى هذه اللغة تقول في (ثمود): يا ثمي- بالياء- كما نبه عليه الناظم, لأن الواو في هذه اللغة وقعت كأنها في آخر اسم متمكن, والحكم أن الواو لا تقع كذلك في أواخر الأسماء المتمكنة, فإن اقتضى ذلك قياس رفض حسبما يأتي في التصريف إن شاء الله.
فقلبت الواو ياء, والضمة كسرة.
وكذلك إذا رخمت (بنون) قلت: يا بني, فقلبت الواو ياء, والضمة كسرة كذلك, وإذا رخمت (قمحدوة) تقلب الواو ياء, والضمة كسرة فقلت: يا قمحدي, وفي عرقوة: يا عرقي, وفي (قتول): يا قتى, وفي (قطوان): يا قطا, لأنك لما حذفت الألف والنون بقى الاسم (قطو) فوجب انقلاب الواو ألفا
لتحركها وانفتاح ما قبلها, كما تقول في (فتى): فتا, وكذلك في (نفيان): يا نفا وقولهم: (أطرق كرا, أطرق كرا.
إن النعام في القرى).
وكذلك من اسمه (علاوة) تقول فيه: يا علاء, لأنك لما حذفت التاء وقعت الواو طرفا بعد ألف زائده, فوجب قلبها همزة, كما قلت في (كساء) وكان أصله (كساو) وكذلك في عناية): يا عناء, كما قلت: رداء, والأصل رداى.
وتقول في (هرقل): يا هرق, وفي (مضار, وتضار, وأسحار) ونحو ذلك مسمى به يا مضار, ويا تضار, ويا أسحار.
وتقول في (قاضون): يا قاضي, وفي (مصطفون): يا مصطفى, فترد المحذوف.
وتسوى اللغتان لفظا فى نحو: يا منص- ترخيم (منصور) إلا أن الحركتين مختلفتان حكما.
وكلامه يقتضي أنه لم يعتبر عدم النظير في وزن أو غيره إن أدى إليه الحكم في هذا الوجه, فتقول في (سفرجل) على مذهبه: يا سفرج, وإن أدى إلى وزن (جعفر) وهو مثال غير موجود, وكذلك في (طيلسان) على لغة كسر اللام: يا طيلس, وإن أدى إلى وزن (فعيل) وهو بناء غير موجود إلا في المعتل العين نحو: سيد وميت.
وتقول أيضا في (حذرية): يا حذري, و (فعلى) ليس في الكلام, وفي (حبلوى): يا حبلى, فتقلب الواو, فيؤدي إلى وزن
(فعلى) وفعلى, إذا كانت ألفه لغير التأنيث, غير موجود, وكذلك (حمراوى) تقول: يا حمراء, فتقلب الواو همزة, فيؤدي إلى كون همزة التأنيث منقلبة عن الواو, وذلك غير موجود فيها, فليست للتأنيث, و (فعلاء) إذا كانت همزته لغير التأنيث معدوم أو كالمعدوم.
هذا كله جائز على ظاهر كلامه؛ إذ لم يستثن من ذلك إلا ما يوقع اللبس خاصة كما يأتي, وهذا مذهب الإمام والجمهور.
وذهب المبرد إلى امتناع ترخيم ما أدى ترخيمه إلى عدم النظير في هذه اللغة, وارتضاه المؤلف في "التسهيل", وإنما يرخم عندهما على "من نوى" ليبقى محرزا بنيته الأصليه, فلا يبقى محذور, وكأن المبرد شبه اعتبار البنية باعتبار الإعلال, والوجه ما قاله غيرهما.
قال السيرافي: لم يذكر سيبويه هنا شيئا اعتبر فيه بناء ما يبقى؛ بل اعتبر ما إذا عرض في الكلام غيرته العرب من حرف إلى حرف كما تقدم, لأنه حكم متلئب مستمر, التغيير في جميع ما تقدم ونحوه.
قال: فأما البنيه العارضة في كلامهم, الخارجية عن أبنيتهم, فلا يلتزمون تغييرها إلى أبنيتهم, ولا إخراجها من كلامهم كإبراهيم, وإسماعيل, وقابيل, وإبريسم, ونحو ذلك, فكذلك (طيلس, وحبلى) إنما هو شيء عرض, هذا اعتذاره عن سيبويه باختصار.
ثم أخذ في الرد على المبرد بأنه يقال له: مازون (حار)؟ فإن قال: (فاعل) فيلزم أن يكون (طيلس) فيعلان,
وإن قال: (فاع) فليس في الكلام.
وإن قيل: (فعل) قيل له: قد علمت أن الألف زائدة لا أصلية, ويلزم أن يكون (منص) فعل, و (منذ) ترخيم (منذر) فعل, ويلزمه ألا يجيز ترخيم شيء من هذه الأسماء, وألا يرخم (خضم) لأن وزنه: فع ولا (قمحدوة) لأن: فعلى ليس في أصول الأبنية, فالقول ألا يعتبر الوزن.
وهذا للسيرافي حسن من الإلزام, وهو لازم للمؤلف أيضا في "التسهيل" ولله دره في هذه الأرجوزة, فإنه يلتزم فيها مخالفة رأيه في "التسهيل" في مواضع كثيرة, فتكون مخالفته أحق من موافقته, وقد مضى من ذلك مواضع.
ثم استثنى في هذا الوجه الثاني ما يؤدي إلى اللبس فقال:
والتزم الأول في كمسلمة... وجوز الوجهين في كمسلمة
يعني أن الوجه الأول وهو "لغة من نوى" المحذوف ملتزم فيما كان نحو: مسلمة, تأنيث مسلم, فتقول: يا مسلم- بفتح الميم- في اللغتين جميعا.
ولا تقول: يا مسلم, لأن "لغة من نوى" لا لبس يقع بسببها لبقاء الفتحة دليلًا على المحذوف, ولو قلت: يا مسلم- بضم الميم- لأوقع ذلك اللبس بنداء (مسلم) المذكر, فامتنع ذلك, لكنه قال: (التزام الأول في كذا) أى فى هذا المثال وما أشبهه مما يقع به اللبس بين صفة المذكرة
المؤنث, كمسلم ومسلمة, وصالح وصالحة, ومستكبر ومستكبرة, وما أشيه ذلك من الصفات غير الأعلام.
وهذا مما تعطيه قوة المثال, وعلى ذلك لو كان الاسم علما جاز الترخيم على "لغة من لم ينو" من غير اعتبار بلبس أو عدمه, لأن الأعلام ليست بموضع لبس, لجواز تسميه المذكر بما فيه الهاء, وتسمية المؤنث بما لا هاء فيه, وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله: (وجوز الوجهين في كمسلمه) أى فيما كان عاما مطلقا نحو: (مسلمة) فتقول: يا مسلم على "لغة من لم ينو" كما تقول: يا مسلم, على لغة من نوى", وكذلك تقول في (حمزة): يا حمز, وفي (طلحة): يا طلح.
قال عنترة:
يدعون عنتر والرماح كأنها... البيت
فالحاصل أنه فرق في إجازة "لغة من لم ينو" بين العلم الذي لا لبس معه والصفة التي يقع معها اللبس, وهو المعتبر عند النحويين.
قال سيبويه بعد ما أطلق الجواز في ترخيم الأعلام على "من لم ينو": واعلم أنه لا يجوز أن تحذف الهاء, وتجعل البقية بمنزلة اسم ليست فيه الهاء إذا لم يكن اسما خاصا غالبا, من قبل أنهم لو فعلوا ذلك التبس المؤنث بالمذكر, وذلك أنه لا يجوز أن تقول للمرأة: يا خبيث أقبلى.
قال: وإنما جاز في الغالب- يعنى العلم- لأنك لا تذكر مؤنثا, ولا تؤنث مذكرا.
قال السيرافي: الاسم الذي هو مؤنث في الحقيقة إنما تدخله هاء التأنيث لتفصل بين المذكر والمؤنث, فكرهوا اللبس.
قال: وهى في الأعلام لم تدخل فاصلة, فإنه قد يسمى الرجل بخبيثة, والمرأة بخبيث فلا لبس.
وذهب المؤلف في "التسهيل", "وشرحه", إلى امتناع "لغة من لم يجز ترخيمه على "لغة من لم ينو" لأنه يلتبس إذا قلت يا ضخم, ويا عمرة, لم يجز ترخميه على "لغة من لم ينو" لأنه يلتبس إذا قلت يا ضخم, ويا عمر بنداء (ضخم, وعمرو) لأن الذهن يسبق إلى أنه ندا لرجل موصوف بالضخامة, أو لمسمى بعمرو, وكأنه عنده مخالف لمسلمة ونحوه, لأنك إذا قلت فيه: يا مسلم-بالضم- لم يقع فيه لبس؛ إذ ليس في المذكرين ما ينطلق عليه لفظ: مسلم بغير هاء.
وكذلك تقول فى (طلحة): يا طلح, وفي (حمزة): يا حمز, إذ ليس في مستعملاتهم رجل يسمى بطلح ولا حمز, ولا يعتبر دون هاء.
فهذا رأيه في هذا الموضع, كما ترى مخالفا للنحويين.
والصواب: ما ذهب إليه غيره, والله أعلم.
ولكن يمكن أن يكون رأى هنا ما رآه في "التسهيل" من مراعاة اللبس في الأعلام, ولذلك مثل بمسلمة, فيكون مثاله مشعرا بذلك, فإن كان مراده هذا فلما قاله وجه إن كانت المسألة غير مجمع عليها, وهو أنهم قد استقر منهم مراعاة اللبس ومجانبته؛ بل قد ثبتت مراعاته في هذا الباب, كما في (مسلمة).
والمعنى الذي في (مسلمة) موجود في (ضخمة, وعمرة) وما أشبه ذلك, فلابد من مراعاة ذلك.
والله أعلم.
ولاضطرارٍ رخموا دون ندا... ما للندا يصلح نحو أحمدا
يعني أن العرب قد وقع لها الترخيم في غير النداء, وذلك على وجه "الضرورة الشعرية" لا في "الاختيار" فلا يقاس عليه, إلا إن قيل به في شعر إن بلغ مبلغ القياس.
والترخيم القياسي إنما يختص بالنداء, وعلى أنه لا يكون في الاضطرار إلا فيما صلح لأن يكون منادي, ومباشرًا لحرف النداء, فإذا لا يجوز أن يرخم ما فيه الألف واللام, فلا يجوز أن يقال في نحو ما أنشده سيبويه من قوله العجاج:
أو الفًا مكة من ورق الحمى
يريد "الحمام" أنه رخم ضرورة, لأنه لا يصلح أن يدخل عليه حرف النداء, لما فيه من الألف واللام, وكذلك كل ما هما فيه إن اتفق في الضرورة حذف آخره فليس بترخيم, وإنما هو حذف على غير جهة الترخيم الاصطلاحي.
ومن ذلك أيضا قول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان... فتقادمت بالحبس فالسوبان
أراد " المنازل".
فأما إذا صلح للنداء فيجوز فيه الترخيم للضرورة, ومثل ذلك (أحمد) وهو علم يصلح لمباشرة أداة النداء.
ويتعلق بهذا الموضع التنبيه على ثلاث مسائل:
إحداها: أنه لما أطلق القول في هذا الترخيم, ولم يقيده بلغة دون لغة دل على جوازه على كلتا اللغتين.
أما على "لغة من لم ينو" فمتفق عليه, كقول الأسود بن يعفر:
وهذا ردائي عنده يستعيره... ليسلبني حقى أمل بن حنظل
يريد "ابن حنظلة" وأنشد أيضا لامرئ القيس:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء نادرة... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
أراد "ابن مالك" وأنشد أيضا لرجل من بني مازن: على دماء البدن إن لم تفارقي... أبا حردب ليلًا وأصحاب حردب أراد "حرد به" وأنشد أيضا: أسعد بن مالٍ ألم تعلموا... وذو الرأي مهما يقل يصدق وأما على "لغة من نوى" فرأى الجمهور كذلك, ومنه قول ابن أحمر, أنشده سيبويه: أبو حنشٍ يؤرقنا وطلق... وعمار وآونة أسالا يريد "أثالة", انشد أيضا لجرير:
ألا أضحت حبالكم زماما... وأضحت منك شاسعة أماما
أراد "أمامه" وأنشد لا بن حبناء التميمي:
إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
وخالف المبرد في هذا الوجه, فمنعه في غير النداء, وهو محجوج على ذلك كما تقدم, وقد قدح فيها بما لا يثبت له ما قال, أما قوله:
وآونةً أثالا
فمعطوف على مفعول "يؤرقنا".
وأما بيت جرير فرد فيه رواية سيبويه وقال: وإنما الرواية هكذا:
وما عهد كعهدك يا أماما
فهو من ترخيم النداء.
وزعم أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنشده إياه هكذا, ورد الناس هذا الرد بأن سيبويه أوثق من أن يتهم.
وهكذا أخذ في تأويل جميع ما أنشده سيبويه, وذلك إن أمكن في البعض فلا يتأتى في الجميع.
فالصحيح ما ذهب إليه عامة النحويين.
وأيضا, فما ذكر من أن الرواية على كيت إذا فرض أنه صحيح, فلا يلزم منه مقصوده, فإن القاعدة الأصولية أن رواية لا تقدح في رواية أخرى في الأحكام العربية إذا جاء الاختلاف من جهة العرب.
وأيضا فإن القياس يقتضي عكس ما قال, فإن حذف بعض الاسم مع إبقاء دليل على المحذوف أحق, بالجواز من حذفه من غير إبقاء دليل.
ألا ترى اطراد نحو: قاضٍ, وغازٍ, وقلة نحو: يدٍ, ودمٍ.
والثانية: أن تمثيلية ب (أحمد) مع اشتراط ما يصلح للنداء من غير زيادة يدل على أن هذا الترخيم لا يختص بالهاء؛ بل يجوز وإن كان آخر الاسم غير الهاء (أحمد) الممثل به, فتقول في الشعر: جاءني أحم يا هذا, ومنه في الشعر:
أمال بن حنظل
وقول الآخر:
أسعد بن مال ألم تعلموا
وما أشبه ذلك.
والثالثة: أن ذلك يدل على أن هذا الترخيم لا يختص بالأعلام دون غيرها, وإن كان أكثر الترخيم في الأعلام, فالهاء لا تختص ترخيم ما هي فيه بالأعلام, فتقول: على هذا في الشعر: مررت بحنظل, على"لغة من
نوى" وأنت تريد واحدة الحنظل, ومررت بامرأ, تريد (امرأة) وما أشبه ذلك.
ومسألة رابعة: وهي أن يقال: لم أخرج ما كان نحو:
درس المنا بمطالع فأبان
ولم يدخله فيما تقدم له؟ ولم فرق بينهما, فجعل نحو:
أمال بن حنظل
ترخيمًا, ونحو:
درس المنا
ليس بترخيم وكلاهما حذف, وغاية ما بينهما أن يقال: أحدهما قليل فلم يعتبره, والآخر: كثير فاعتبره, وذلك لا يقدح في تسمية الجميع ترخيمًا.
فالجواب: أن ما فعل من التفرقة ظاهر المعنى, وذلك أن الترخيم المصطلح عليه ما جرى على قانون معلوم, من حذف حرف واحد أو حرفين زائدين, أو أولهما أصلي, على صفات مخصوصة, ويشترط أن يبقي بعد الحذف ثلاثة أحرف أو أكثر, ما لم يكن المحذوف هاء التأنيث أو عجز المركب, وهذا المعنى موجود فيما سماه ترخيما في غير النداء.
أما ما كان من باب "درس ألمنا" فليس بجار على ذلك.
ألا ترى أن المحذوف من "المنا" حرفان أصليان, وذلك لا يكون في الترخيم, وكذلك قوله:
مفدم بسبا الكتان
إذا فسر بسبنى الكتان, أو أراد بسبائب؛ إذ لا يحذف مع الآخر ما قبله من زائد إلا إذا كان حرف مد ولين كما مر, ومنه قوله الآخر: "ألاتا" فأجيب "بلى فا".
وقول الآخر:
ولا أريد الشر إلا أن تا
وما أشبه ذلك.
فليس هنا من شروط الترخيم شيء, فلما كان كذلك علم أن ما تخلف فيه شرط الترخيم في النداء فليس بترخيم في غير النداء.
ومن هنا, والله أعلم, ضبط الناظم ذلك بما يصلح للنداء, إلا أن هذا التوجيه يقتضي أنه يسمى ترخيما إذا صاح للنداء, وإن لم يكن على شرط
الترخيم, كما لو قلت: مررت بسفر, تريد: (سفرجل) مسمى به, لأنه لم يشترط إلا أن يصلح لمباشرة حرف النداء حسبما فسر في "شرح التسهيل", وسكت عن اشتراط ما تقدم في الترخيم.
وعلى هذا التوجيه المذكور يجوز أن يقال مثلا:
أو الفًا مكة من ورق الحما
ودرس المناز أو المناز
والجواب: أن قوله: "ما للندا يصلح" يريد: مع ترخيمه بحيث لو باشره حرف النداء كان مرخما ترخيما صحيحا, فجمع بين الموضعين ولم يرد أحدهما, وقد نبه على اعتبار ذلك في "الشرح" فعلى هذا يستقيم كلامه على مقتضى التوجيه, فيجئ منه اشتراط الأمرين, وهما ألا يكون بالألف واللام, وأن يكون الحذف لائقا بطريقة الترخيم, ويلزم على اعتبار هذا ألا يحذف من غير العلم إلا هاء التأنيث خاصة, وأن يكون الحرف الأصلي أو الحرفان في علم خاصة, وهو ظاهر.
وبالله التوفيق.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
﴿الاختصاص﴾