بالحرف من أوله، فلما اختص هذا من آخره بَعُدَ عن شبه الاسم بذلك فعاد إلى أصله من البناء، والرجوع إلى الأصل يكون بأدنى سبب، وهذا الوجه لم يطلع عليه المؤلف، وهو فيما أحسب لابن جني في "الخصائص".
الرابع: ذكره ابن أبي ربيع وهو أن الفعل عند لحاق النون له أشبه صيغة الأمر فقولك: لتفعلن مثل قولك: افعلن، وكذلك ما أشبهه فبنى لمعارضة هذا الشبه شبهه بالاسم، كما بنى إذا لحقته نون جماعة المؤنث لشبهه بالماضي كما يأتي بحول الله وقوته.
النون الثانية نون جماعة المؤنث وهي المرادة بقوله: (ومن نون إناث) وهو معطوف على نون توكيد المتقدم، فكأنه يقول: أعربوا مضارعا إن عرى على من نون الإناث، فإذا سلم المضارع من هذه النون بإطلاق كان معربا نحو: يقوم زيد، وهند تخرج وما أشبه ذلك، وكذلك يعرب وإن لحقه ألف اثنين نحو: الزيدان يقومان ويقومان الزيدان، أو واو جمع نحو: الزيدون يقومون، ويقومون الزيدون أو ياء الواحدة المخاطبة نحو: يكرمني ويذكرني وما كان نحو ذلك، فإنما يشترط في إعرابه السلامة من هاتين النونين خاصة.
ونون الإناث هي النون الموضوعة للدلالة على جماعة الإناث كناية عنهن نحو انون في قُمن وضربن وما أشبه ذلك وقد أعطى مفهوم هذا الشرط في قوله: إن عرى من كذا، أن الفعل إذا لم يعر من نون الإناث فليس بمعرب، إذا لم يكن معربا فليس إلا البناء، وهذا صحيح فإن النون عند الجمهور كذلك.
فإن قلت: هن يضربن أو يخرجن، فالفعل هنا مبني خلافا لمن زعم أنه باق على إعرابه لوجود سبب الإعراب فيه، وهو شبهه
بالاسم كما تقدم, وإنما تغيَّر إعرابه لشغل كحله وهو آخر الفعل بالتسكين لأجل النون اللاحقة, كما تغير إعراب الاسم المضاف إلى ياء المتكلم لشغل محلِّه بالكسرة لأجل الياء وهذا مذهب السُّهيلي وبن طلحة ولم يرتضه الناظم, ووجه ما ذهب إليه أن الضمير المرفوع يتنزل مع ما يتصل به منزلة الشيء الواحد, ولذلك سكن آخر الماضي عند لحاق ضمائر الرفع عدا الألف والواو؛ لأنه لو لم يسكن لتوالي أربع متحركاتٍ فيما هو كالشيء الواحد, وذلك غير موجود, فلهذا لم يمكن أن يبقى المضارع معربًا؛ لأن الإعراب لا يكون وسطًا, ولا يمكن أن ينتقل إلى النون لأنها متحركة فصار المضارع بذلك شبيهًا بالماضي في أن لحق المضارع وهو الآخر الذي كان متحركًا قبل لحاقها, وقد كان أصل المضارع البناء فصار لهذا السبب إلحاقه بأصله من البناء أقرب, ولا يمنع ذلك الاسم خروجه عن الإعراب لما أشبه الحرف.
وقيل: إنما بُني لتركيبه مع النون؛ لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد
فإذا انضم إلى ذلك أن يكون مستحقًا للاتصال لكونه على حرف واحد تأكد امتِزاجُهُ, وجعله مع ما اتصل به شيئًا واحدًا, ولكن اقتضى هذا التعليل أن يبنى المتصل بألف الضمير أو واوِه أو يائه, غير أنه مَنَعَ من ذلك شَبَهُه بالاسم المثنى والمجموع على حدِّه, فيضربان ويضربون يشبه ضاربان وضاربون, فلم يُبْنَ كما مَنَعَ من بناء "أي", وإن وجد فيها شبه الحرف شبهها ببعض وكلًّ.
وقيل إنما بُنِيَ المضارع لنقصنا شَبَهِهِ بالاسم من حيث لحقه ملا يلحق الاسم؛ لأن هذه النون مختصة بالفعل.
فما لحقته من الأفعال إن كان مباينًا للاسم مثل الماضي زادت بهام باينته, وإن كان مشابهًا له نقصت مشابهته, وأتى لهذه النون بمثال وهو قوله: (يَرُعْنَ من فُتِن) ويَرُعْنَ: من راعه يروعه رُؤعًا -بالهمز- ورووعًا -بغير همز- عن ابن الأعرابي ورَوَّعه: إذا أفزعه بجماله وكثرته.
قال الجوهري: راعني الشيء أي أعجبني, ورجلٌ أروع وامرأة روعاء ورائعة أيضًا من نسوة روائع.
ويقال: فُتِن الرجل فهو مفتون, إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله وفَتَنَتْه المرأة: إذا أذهلته بحبها, وحقيقته عند الخليل جَعَلت فيه الفتنة.
وإذا قلت: أفْتَنَتْهُ فمعناه صيَّرته ذا فتنة, وقد يجيئان بمعنى واحد, ومنه ما أنشده أبو عبيدة لأعشى هَمْدان:
لئن فتنتني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ سعيدًا فأمسى قد قلا كل مسلم
ويعني أن هؤلاء النسوة لحُسنهن وجمالهن يَرُعن من فُتِنَ بهن.
وقد اقتضى كلام الناظم أن المضارع فيما سوى هذين الموضعين معرب, إذ لا موجب للبناء فيه, فلم يَرتَضِ إذًا مذهب من ادَّعى سبب بناء غير ذلك, وقد وجد لبعضهم دعوى البناء لغير ذلك في بعض الموضع, فمنها وُقوع المضارع موقع الأمر في نحو: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا التِّي هِيَ أحْسَنُ) فليس معناه الجزاء, أي إن قلت لهم فَعَلوا, لأنه لو قال: فلم يفعلوا.
قال الجَرْمِيُّ: فوقع موقع أفعلوا, وأفعلوا غير متمكن فبنى المضارع لوقوعه موقعه, كما بُني المنادي لوقوعه موقع أنت, ومنها ما كان
من نحو: (فاليَوم اشْرَبْ) ونحو (فلا تَعْرفْكُمُ العَرَبُ) مما سَكَن للضرورة قد جوَّز فيه أنه مردود إلى أصله من البناء اضطرارًا, كما ردَّ غير المُنصرف إلى أصله من الانصراف اضطرارًا, وانظر في الحادي عشر من "التذكرة", فالناظم لم يرَ في هذين إلا الإعراب, أما نحو: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا), (وَقُلْ لِعِبَادِيَ الذِّينَ آمَنُوا يُقِيمُوا)
وكل حَرْفٍ مُستحقٌ للبِنا والأصلُ في المَبنِي أن يُسَكَّنا ومنه ذُو فَتحٍ وذُو كَسْرٍ وضَم كأينَ أمْسِ حَيثُ والسَّاكِنُ كم لما أتمَّ الكلام على ما للفعل من الإعراب والبناء, أخذ في بيان ما
للحرف من ذلك, فأخبر أن الحروف كلها مبنية لا تستحق إعرابًا: لأن الإعراب إنما يُحتاج إليه ليُفرق به بين المعاني المعتورة على الكلمة اللاحقة لها بعد التركيب, والحروف خلِيَّة عن لحاق المعاني لها سوى ما كان لها بأصل الوضع, فلم تستحق أن يدخلها إعراب فبُنيت لذلك.
وفي إتيانه بلفظ (مُستحِقٌ) هنا نَظَرٌ, وهو أنه إنما قَصَدَ أن يبين أن الحروف كلها مبنية, وليس فيها ما يعرب, كما كان ذلك في الاسم والفعل فكان الواجب عليه أن يأتي بلفظ يُعطي هذا المعنى, لكنه لم يفعل ذلك من جهة أن لفظ (مُستحِقٌ) إنما يُعطي أن البناء من حق الحروف ولا يدل حصوله له.
ألا ترى أنك تقول: فلانٌ الشريف مُستحِقٌ للإكرام, وإن لم يحصل إكرامٌ أصلًا, وتقول الأجير مُستحِقٌ الأجرة وإن يُعطه.
ومن هذا مسألتنا الفعل المضارع هو مستحق للبناء من حيث أن فائدة الإعراب من التفرقة بين المعاني التركيبية غير موجودة فيه على مذهب البصريين, ومع ذلك فقد أُعرب.
فلم يستلزم استحقاقه للبناء حصوله, ومن ذلك "أي" فإنها مستحقةٌ للبناء لتضمنها معنى الحرف في الشرط والاستفهام, ولافتقارها إلى غيرها في باب الموصولات ثم لم يحصل لها البناء, وينظر إلى هذا المعنى ما قاله جماعة من العلماء في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنًا مُتَعمِّدًا فَجَزَؤُه جَهَنَّمُ) الآية.
قالوا المعنى ذلك جزاؤه, إن جازاه, إذ لا يلزم من تقدير الجزاء للمُجازي حصوله, أي هو مستحق لهذا النكال الشديد, ويبقى حصوله مسكوتًا عنه فالحاصل أن الاستحقاق للشيء لا
يلزم منه حصول ذلك الشيء
فقول الناظم: (وكل حرف مستحق للبنا) لا يعطي أن الحروف مبنية وهو المقصود بالذكر، فلفظ الاستحقاق هنا فيه ما ترى.
والجواب: أن لفظ الاستحقاق وإن لم يدل بمنطوقه على حصول المستحق فمقتض بمعناه حصوله؛ إذ لا يطلق على المستحق أنه مستحق حتى يكون مقتضيا للمستحق، ويدل على ذلك الاشتقاق.
ألا ترى أن الاستحقاق مشتق من قولك: لفلان عليك حق، أي شيء واجب له أخذه منك ويقال: استحق فلان حقه أي: استوجبه، فإذًا لفظ الاستحقاق يقتضي بمعناه الحصول، لكن قد يعارض معارض فلا يحصل المستحق لأجل ذلك المعارض، لا لعدم اقتضاء اللفظ له ويتبين ذلك في المثل المتقدمة، فالفعل المضارع كان حقه البناء إلا أن شبه الاسم عارض فيه فلم يحصل لأجله، وكذلك "أي" عارض فيها شبهها بالمعربات، فمنع ذلك اقتضاء شبه الحرف البناء فيها، وكذلك قوله تعالى: ((فجزاؤه جهنم)) يقتضي الحصول وإلا لم يسمَّ جزاء.
لكن جاء في الشريعة ما منع اقتضاء اللفظ معناه حصولا، وهو ما ثبت من أن الذنوب سوى الكفر لا تقتضي نفوذ الوعيد بدخول النار لقوله تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء)) وقد استفادت طائفة من علماء السلف من الآية نفوذ الوعيد على القاتل حتما نظرا إلى ما ذكر، وجعلوا هذا الذنب مخصوصا من عموم الآية الأخرى لنص هذه الآية على أن القاتل يدخل النار بلابد، فمسألتنا مثل هذه المسائل في اقتضاء حصول المستحق، والمعارض في الحروف مفقود، فلم يكن مانع من حصول البناء فيها، فهي إذا مبنية بمقتضى الاستحقاق والله أعلم.
وقد حصل من كلام الناظم في هذا الفصل أن المعرب من الكلم صنفان: ما سلم من الأسماء من شبه الحرف، وما سلم من لحاق إحدى النونين من الأفعال المضارعة، وأن المبني منها خمسة أصناف، الحروف كلها، وما أشبهها من الأسماء، والفعل الماضي، وفعل الأمر، وما لحقه إحدى النونين من الأفعال المضارعة.
ولما فرغ من ذكر المبني من الكلم شرع في ذكر أنواع البناء وهي الضم الفتح والكسر والسكون، وابتدأ بذكر ما هو الأصل من ذلك فقال: (والأصل في المبنى أن يسكنا) المبنى هنا لفظ عام يشمل جميع ما تقدم من المبنيات اسما كان أو فعلا أو حرفا.
ويعني أن التسكين في المبنى هو الأصل، يريد تسكين آخره؛ لأن البناء ضد الإعراب، والإعراب أصله أن يكون بالحركات كما سيأتي، فضده الذي هو البناء ينبغي أن يكون على ضد الحركة وهو السكون، فلذلك قال: إن الأصل في المبني التسكين.
ثم قال: (ومنه ذو فتح وذو كسر وضم) أي: ومنه ما خرج عن أصله من السكون فبني على حركة، والحركات إما فتحة نحو: أين، أو كسرة كـ "أمس" أو ضم كـ "حيث"، وأما ما بنى على السكون الذي هو الأصل فنحو "كم" وقد حصل في ضمن هذا الكلام أن أنواع البناء أربعة: وهي الضم والفتح والكسر والسكون، وهي تناظر أنواع الإعراب التي يذكرها بعد هذا.
ثم يبقى في كلام الناظم النظر في مسائل:
إحداها: أن قوله: (والأصل في المبنى) يحتمل أن يكون أراد بالمبنى جميع ما يدخله البناء، عارضا كان أو ازما، فتكون الألف واللام فيه للتعريف الجنسي، وهي التي يراد بها الشمول والعموم كقوله: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر)) فيكون معنى كلامه أن الأصل في كل ما دخله البناء ولو في الة ما أن يسكن آخره، ومنه ما يخرج عن هذا الأصل، لأحد الحركات الثلاث، ويحتمل أن يريد بالمبنى ما تقدم ذكره، وهو ما البناء لازم له، فتكون الألف واللام فيه للعهد الذكرى كقول الله تعالى: ((فعصى فرعون الرسول)) فيكون المعنى أن الأصل فيها جرى مجرى الحرف، في لزوم البناء أن يسكن ويخرج عنه ما البناء له عارض، وقد يترجح هذا الاحتمال الثاني بتميله بما هو مبنى بناء لازما كـ "أين" و "حيث"، لكن الأولى أولى؛ لن النحويين إذا ذكروا خروج المبنى من أصل السكون إلى الحركة لعلة مثلوا بالعارض البناء واللازمة، فيبعد أن يكون الناظم ذكر أحد القسمين دون الآخر مع استوائهما في الحكم الذي يذكره.
المسألة الثانية: أنه رتب السكون مع الحركة رتبتين، فجعل السكون في رتبة الأصالة، وجعل أنواع الحركة في رتبة ثانية تليها قال: (والأصل في المبنى أن يسكّنا) فهذه رتبة، ثم قال: (ومنه ذو فتح) غلى آخره، فهي رتبة ثانية جعلها تلي الرتبة الأوى وهي في الحقيقة ثلاث رتب: رتبة السكون، ورتبة جنس الحركة، ورتبة نوعها، فترك الرتبة الوسطى، وهي رتبة جنس الحركة، ولا بد منها؛ لأن الحركة المخصوصة وهي الضمة أو الفتحة أو الكسرة نائبة بالطبع عن الحركة المطلقة، التي هي أعم من كل واحدة منها، وإنما تركها لبيان معناها بين الرتبتين، وأيضا لما بين أصالة الرتبة الأولى وهي رتبة السكون، اقتضى ذلك فرعية ما عداها وأنها ليست على الأصل، وما خرج عن الأصل فلعله، فإذا التحريك آت لعلة، والضم أو الفتح أو الكسر آت لعلة، وهذا يدعو إلى بيان علل مطلق التحريك وعلل نوعه، فأما علل مطلق التحريك فثماني علل في الغالب.
إحداها: التقاء الساكنين نحو: "أين" و "حيث" و "كيف" و "أمس" إذ لو بنى مثل هذه على السكون لالتقى ساكنان على غير شرطهما، وذلك محذور.
والثانية: كون المبني على حرف واحد، وهو معرض لأن يبتدأ به ولا يبتدأ بالساكن، فحرك لذلك نحو واو العطف وفائه وهمزة الاستفهام.
والثالثة: حصول المزية للمبنى على ما هو من نوعه نحو: ضرب وسائر الأفعال الماضية فإنها بنيت على حركة للمزية التي لها على فعل الأمر، وذلك وقوع الماضي موقع المضارع في الشرط، وموقع الاسم في الصفة والحال وخبر "إن" و "كان" وأخواتها، وموقع المفعول الثاني من ظننت، والثالث من أعملت وأخواتها، بخلاف فعل الأمر؛ فإنه لا يقع في واحد من هذه المواضع.
والرابعة: طروء البناء نحو: قبل، ويا زيد، ولا ريب، فإن هذه الأشياء لما كان البناء طارئا عليها أرادوا ألا يجعلوها في درجة ما أصله البناء، وأصل هذا أن يقال: إنما بنيت على الحركة للمزية التي لها على ما لم يعرب قط.
فإن قيل: إنما بني "قبل" وما ذكر معه على حركة لالتقاء الساكنين، قيل: لا؛ لأنك تقول: أول ويا حكم، ولا رجل، فيكون البناء على حركة فلو كان لالتقاء الساكنين لبنى هذا على السكون لانتفاء العلة.
والخامسة: الشبه بالمعرب نحو: "عل" المعرفة، فإنها بنيت على حركة عند قوم لشبهها بـ "عل" النكرة، وقد يظهر أن محصول هذه العلة مع ما قبلها واحد، وإن كان سيبويه قد فرق بينهما فقال في قبل وبعد والمنادى: وإنها بنيت على حركة؛ لأن كلا منها متمكن صير في موضع بمنزلة غير المتمكن.
وقال في: "عَلُ" أنه ضارع المتمكن ولم يقل فيه: أنه متمكن صُيّر في موضع كغير المتمكن مع أنهم أعربوه حالة التنكير، والمعرفة أصلها النكرة فاستوى مع قبل ويا رجل في هذا المعنى؛ لأن كل واحد منهما معرب حالة التنكير.
والجواب: أن "عَلُ" المنقوص إنما استعمل معرفة في حال القطع عن الإضافة، وأما في حالة الإضافة الظاهرة فلم يستعمل إلا متمما فقالوا: من عليه ولم يقولوا: من عَلُهُ.
فالمنقوص المعرفة إذا لم يعرب قط، فلذلك شبهة عندهم بـ "عُلُ" النكرة المنقوص مثله، ولم يقل إنه أعرب في حالة ما؛ لأنه قد أعرب عل النكرة، كما يقال في: يا رجل المقصود، أنه قد أعرب في حال التنكير؛ لأن "عل" المعرفة هنا ليس فرعا عن النكرة معرفا منه، بل هو المتمم في المعنى، ومنه قطع عن الإضافة إلا أنه نقص عنه، فالمعرفة والنكرة متباينان فلذلك قال سيبوبه هنا ما قال.
والسادسة: التقوية للكلمة المبنية لكونها في أصل الوضع على حرف واحد كالضمائر المتصلة نحو: التاء، والكاف، فأرادوا تقويتها لضعفها ولذلك تقول في ياء المتكلم: إن الأصل فيها الحركة وإنما سكنت لثقل الحركة في حرف اللين.
والسابعة: قوة الطلب للحركة نحو: "ذية" و "كية" اللتين يكنى
بهما عن الحديث، فإنهما مبنيان على حركة لن آخرهما تاء التأنيث وهي يحرك ما قبلها لأجلها، فإذا كانت طالبة لتحريك ما قبلها فهي أقوى في طلب الحركة في الضمير لنفسها.
والثامنة: الفرق بين أداتين نحو "أنا" فإنها بنيت على حركة فرقا بينها وبين "أن" المصدرية وإنما جعلت الحركة في الضمير دون الحرف لمزية الاسمية، فهذه علل التحريك مطلقا.
وأما علل نوع التحريك فثنتا عشرة علة.
الأولى: الخفة نحو: "هو" و "هي" وخمسة عشرة، فإن الفتحة أخف الحركات عندهم وكذلك الفعل الماضي، إذ لو بنى على كسرة للزم فيه توالي كسرتين في مثل علم، والخروج من ضم إلى كسر في مثل ظرف، ولو بنى على الضم للزم فيه توالي ضمتين في مثل: ظرف، والخروج من كير إلى ضم في مثل: علم فكانت الفتحة أخف الحركات فيه، وكذلك هي في غيره.
والثانية: مناسبة اللفظ للعمل نحو باء الجر، بنيت عندهم على الكسر ليناسب لفظها عملها اللازم لها وللزومها الحرفية، وتحرز بقيد الزوم من واو القسم، وبلزوم الحرفية من كاف التشبيه هكذا قالوا.
وقد قيل نحو هذا في لام الجر، ومنه عند السهيلي لام الأمر قال: بنيت على مثل عملها، كما بنيت لام الجر وياؤه كذلك، ولذلك سكنت مع الواو والفاء كثيرا، قال: وكسرت في الابتداء ضرورة، ولم يؤت لها بهمزة الوصل لقلة ذلك في الحروف.
والثالثة: الفرق بين أداتين نحو: لام الجر، بنيت على الكسر فرقا بينها وبين لام الابتداء، ولم يقتصر على التفرقة بالإعراب لعدم ظهوره في
المنقوص والمقصور والمضاف إلى ياء المتكلم، وعدمه في المبنى والوقف، وفتحت مع المضمر؛ لأن الضمير يرد الشيء إلى أصله، ولم ترد مع الياء مخافة الإعلال والالتباس بـ "لا"، أو لأنها تسكن فيجب قلب الفتحة لأجل ذلك فصنع لك ولم يراع اللبس في لهم ولهما ولهنّ لقلته، واختص الكسر بلام الجر ليناسب لفظها وعملها.
والرابعة: الفرق بين معنى أداة نحو: يا لزيد لعمرو فتحت مع المستغاث به وكسرت مع المستغاث من أحله فرقا بين المعنيين، وكذلك الكسرة في ضربتِ، والضمة في ضربتُ، وجعلت الضمة للمتكلم؛ لأنه أول.
وأول أحوال الاسم الرفع، والضم نظيره، والكسرة للمؤنث؛ لأن الكسرة ن لياء، والياء مما تكون للمؤنث فلم يبق للمخاطب إلا الفتحة.
والخامسة: الاتباع كما قيل في "منذ" أنها بنيت على الضمة للإتباع لضمة الميم، ومثل ذلك قيل في "كيف" إنما بنيت على الفتحة للإتباع وأين أيضا.
السادسة: مناسبة النظير مثل "نحن"، فإنها بنيت على الضم؛ لأنها تدل على الجميع، والواو تدل على الجميع، فكانت الضمة في نحن كالواو في الزيدون ويضربون، وحملت الدالة على الاثنين محمل الدالة على الجميع؛ لأن الاثنين جمع كما قال سيبويه.
والسابعة: الفرق بين حركتي الإعراب والبناء في الكلمة الواحدة نحو: قبل وبعد، بنيا على الضم، هما وما كان من بابهما فرقا بين حركتي إعرابهما وبنائهما، وكذلك المنادى المبني على الضم فرق به بين إعرابه وبنائه في باب النداء، ولم يبن على الكسرة، لئلا يلتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم.
والثامنة: الشبه بما فيه ذلك، ومثاله: "حيث" فإنها بنيت على الضم لشبهها بـ "قبل" و "بعد" إذ هي مقطوعة عن الإضافة إلى المفرد، الذي كان حقها أن تضاف إليه كسائر أخواتها، كما أن "قبل" و "بعد" مقطوعان عن الإضافة إلى المفرد، وهو شأنهما، فبنيت على الضم كما بنى عليه قبل وبعد.
والتاسعة: كون الحركة المبني عليها لها الأصالة في الموضع نحو: هؤلاء وأمس، فإنهما بنيا على الكسر؛ لأن أصل الساكنين إذا التقيا في مثل هذا أن يكسر ثانيهما، وإنما كان الأصل ذلك لأن الكسرة لا تلتبس بحركة الإعراب، إذ لا تكون حركة الإعراب إلا مع التنوين أو الألف واللام أو الإضافة، وأما الضمة في "مذ اليوم" فليست بحركة بناء فيمثل بها هذا الموضع، وإنما هي حركة التقاء الساكنين.
والعاشرة: الحمل على المقابل، كلام الأمر بنيت على الكسر حملا على لام الجر، لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، وهذا على مذهب غير السهيلي.
والحادية عشرة: كون الحركة مشعرة بالتأنيث نحو: حذام ورقاش وغلاب؛ فإن باب فعال إنما بني على الكسر، لأن الكسر مما يؤنث به، ألا ترى أن تاء خطاب المؤنث مكسورة نحو: أنتِ كرمتِ، وقد مر ذلك.
والثانية عشرة: شبه محل الحركة بما في كنف هاء التأنيث، نحو: خمسة عشر وحضرموت، فإن أخر الصدر بني على الفتح؛ لأن محله من العجز محل ما قبل هاء التأنيث منها نحو: طلحة، ووجه هذا سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
هذه علل البناء على الحركة المخصوصة وإليها يرجع غالب ما ذكره الناس من ذلك، وقد ذكروا غير هذه لكنها إما راجعة إليها وإما ضعيفة في أنفسها.
المسألة الثالثة: أن الناظم بيّن أن أصل الأسماء الإعراب، وأن البناء فيها لعلة، وهي شبه الحرف، فعلى هذا ما جاء منه معربا فلا سؤال فيه وما جاء منها مبنيا فيتوجه السؤال عليه لم بني، ولم يبق على أصله من الإعراب؟ وبين أيضا أن الحروف أصلها البناء، فعلى هذا لا سؤال فيها لمجيئها على الأصل.
وأما الأفعال فلم يتبين منها ما هو الأصل فيها من الإعراب أو البناء لكن بيّن في "التسهيل" وغيره أن أصلها البناء، فالفعل الماضي إذن لا سؤال فيه لم بني، لمجيئه على الأصل.
والأمر كذلك أيضا على مذهبه ومذهب البصريين، والمضارع
يحتمل أن يكون قوله فيه هنا ما قاله في "التسهيل".
فيسأل لم أعرب إذ ليس الإعراب فيه عنده بأصل، وهو مذهب جمهور البصريين، ويحتمل أن يكون قوله فيه ما قاله الكوفيون، فلا يتوجه عليه السؤال لم أعرب لمجيئه عندهم على الأصل، وإنما يتوجه السؤال عليه إذا بني وكذلك الأمر عندهم، لذهابه إلى إعرابه، وأن أصله المضارع كما تقدم، وأيضا قد تقرر أن أصل البناء السكون، فإذا ما جاء مبنيا عليه فلا سؤال فيه وإن من المبنيات ما خرج عن الأصل إلى التحريك، ففيه السؤال في المرتبتين فيقال: لم بني على حركة؟ ولم اختص بالحركة المعينة؟ فإذا لابد من النظر في أمثلة ذلك كله وقد ذكر أربعة أمثلة من الأسماء فلينظر فيها.
فأما "أين" فمن الظروف المكان فيرد عليه السؤال لم بني؟ لأن أصله الإعراب، ولم بني على حركة وأصل البناء السكون؟ ولم اختص بتلك الحركة؟
فأما بناؤه فإنه على وجهين: أداة الشرط، وأداة استفهام، وهو في كلا الوجهين مبني، لشبه الحرف المعنوي، وذلك تضمن معنى "إن" في الشرط وتضمن معنى الهمزة في الاستفهام، وأما بناؤه على حركة فلئلا يلتقي ساكنان لو بني على السكون.
وأما اختصاصه بالفتحة فلأنها أخف الحركات، أو للإتباع لحركة
الهمزة.
وأما "أمس" فظرف من ظروف الزمان ويرد عليه ثلاثة أسئلة كما وردت على ما قبله، فأما بناؤه فلتضمنه معنى الألف واللام، لأنك إذا أردت به اليوم الذي قبل يومك صار معرفة بالإشارة إليه، فخرج بذلك عن حكم النكرات؛ لأن بابها أن تتعرف بالألف واللام، فمن بناه جعله كأنه تضمن معنى حرف التعريف أو في حكم أسماء الإشارة، لأن تعريفه بالإشارة إلى اليوم الذي قبل يومك، فإن قيل: تمثيله بأمس من أي قبيل هو، لأن الظاهر من قصده هنا النظر في المبنى مطلقا كما مر، فإذا عددنا "أمس" من المبنى اللازم أو غير اللازم كان مطابقا، لكن مثله الباقية من اللازم البناء فالأظهر أن "أمس" عند كذلك وهو الصحيح، وذلك أن "أمس" إذا عري عن الألف واللام والإضافة وأريد به المعرفة ذو لغتين، فأما أهل الحجاز يبنونه البتة، فهو عندهم كالمبني بحق الأصل، لتضمن معنى الحرف، كـ "أين" و "كم" وما أشبههما، وعلى هذه اللغة أتي بالمثال، وأما بنو تميم فهو عندهم ذو حالين فيوافقون الحجازيين حالة النصب والجر بغير "مذ" و "منذ"، ويعربونه حالة الرفع والجر بـ "مذ" أو "منذ" لجواز الرفع بعدهما ووجه الإعراب التشبيه له بـ "سحر" إذا أريد
به يوم بعينه، فيمنع الصرف كما منع "سحر"، للعدل عن الألف واللام والتعريف، فالإعراب عندهم بتقدير العدل، والبناء بتقدير التضمن فإذا قد حصل في هذا التمثيل تمثيلان على اللغتين، وإذ ذاك نقول يحتمل أن يكون الناظم قصد هذا المعنى، وهو مقصد صحيح وحسن من التنبيه، والله أعلم.
وقد حصل أن بناء "أمس" للشبه المعنوي، وأما بناؤه على حركة فلالتقاء الساكنين.
وأما اختصاصه بالكسرة فعلى أصل التقاء الساكنين.
وأما "حيث" فمن ظروف المكان، فحقه في الأصل الإعراب؛ إلا أنه بنى على حركة فتردد الأسئلة الثلاثة، فأما بناؤه؛ فلأنه لا يفهم له معنى إلا مع غيره، فهو موضوع على الافتقار، فهو راجع إلى الشبه الافتقاري، هذا في غير الشرط، وأما في الشرط فيضمن معنى "إن" فيرجع إلى الشبه المعنوي.
وفي حيث لغات أشهرها ما ذكر، وأما بناؤه على حركة فلالتقاء الساكنين، وأما كونها ضمة فبالحمل على باب "قبل" و "بعد" كما تقدم.
وأما "كم" فاسم يعبر به عن العدد في سؤال أو ما هو جار مجراه فأصله الإعراب، إلا أنه خرج عن أصله إلى البناء، فيسأل عن بنائه، وإنما بنى لشبه الحرف المعنوي، لأن "كم" إما استفهامية وبناؤها لتضمن معنى الهمزة، وإما خبرية وبناؤها إما بالحمل على الاستفهامية، لموافقتها لها في كثير من أحكامها، وفي أصل معناها،
إذ لا تخلو الخبرية من معنى الاستفهام.
وإما لتضمنها معنى "رب" إن اعتقدتها للتكثير، كما ذهب إليه في التسهيل، او معنى التكثير الذي حقه أن يوضع له حرف، كما نبه عليه في موضعه، إن اعتقدت أن "رب" للتقليل، ولما كان بناؤها على السكون لم يتوجه عليها غير هذا السؤال.
وقول الناظم: (كأين أمس حيث) على حذف العاطف، أي: كأين وأمس وحيث، فحذف لضرورة الوزن كالذي أنشد ابن جني وغيره.
كيف أصبحت كيف أمسيت معا... يزرع الود في فؤاد كريم
وقد جاء نظيره في النثر قليلا، حكى ابن جني: أكلت لحكا سمكا تمرا، أي: وسمكا وتمرا، كما أنه أراد في البيت: كيف أصبحت وكيف أمسيت.
ولما قدم أن أصل المبنى أن يسكن، ومثل الضم والفتح والكسر فيما جاء على غير الأصل، أتى للسكون الذي هو الأصل في المبنيات بمثال فقال: (والساكن كم) أي: ومثال المبني على السكون الذي هو الأصل قولك: "كم" ويريد وما كان مثلها، كما قال: (كأين أمس حيث) فقرنها بأداة التشبيه، ليدل على غيرها من المبنيات التي على شاكلتها، فمن الأمثلة المبنية على الفتح كأين قولك: "طيف" و "كيت" و "ذيت" و "حيث" فيمن بناها على الفتح، و "لاريب فيه"، ومن المبنى على الكسر: "نزال" و "حذام"
و "أولاء"، والتاء في قمت وضربت، ومن المبني على الضم: "عل" و "قبل" و "بعد" و "منذ" الاسمية و "يا حكم"، ومن المبني على السكون: "من" و "ما" و "صه" و "مه"، وألف با تا ثا جيم دال ذال... وما أشبه ذلك.
المسألة الرابعة: أن ما جاء في هذا الباب على أصله فلا سؤال فيه، لأنه أتى على ما ينبغي فيه فلا يقال: لم جاء كذلك؟ وأما ما خرج عن أصله إلى غيره فيتوجه عليه السؤال: لم جاء كذلك ولم يبق على أصله؟ إذ لا يكون الخروج عن الأصل إلا لسبب، وقد تقدمت أمثلة ذلك، لكن قد يصير الأصل استعماليا، بعد أن كان قياسيا، فيسأل عما جاء على الأصل: لم جاء ذلك؟ وذلك إذا كان في الآتي على الأصل علة تقتضي خروجه عن أصله فلم يخرج، ومثال ذلك "أي" أصلها الأول الإعراب كسائر الأسماء، ثم إنها أشبهت الحرف فكان حقها البناء، إلا أنهم أخرجوها عن حكم البناء إلى الإعراب، لشبهها بالمعرب، فلابد من إيراد السؤال فيها لم أعربت مع قيام سبب البناء وهو شبه الحرف؟ ولذلك نبه الناظم على إعرابها في باب الموصول، إشارة إلى أنها خرجت عن أصلها الثاني وهو البناء، وكذلك تقول في الفعل الماضي أصله البناء على السكون كسائر المبنيات، ثم إنهم بنوه على حركة للمزية التي له على فعل الأمر، حسب ما تقدم، لكن أخرجوه عن ذلك إلى البناء على السكون عند اتصال أحد الضمائر الثمانية به، خوفا من توالي المتحركات، فيرد السؤال هنا:
لم بني على السكون وأخرج عن البناء على الحركة مع قيام موجبها وهو المزية؟ وكذلك تقول على مذهب البصريين: الأصل في الفعل الضارع البناء كسائر الأفعال، إلا أنه أعرب لشبهه بالاسم، فإذا اتصل به أحد النونين بني، فسبيله أن يسأل عنه لم بني؟ ولم يبق على أصله الثاني من الإعراب مع قياس سببه وهو الشبه بالاسم، ووجه هذا أن ما استحقه من الخروج عن أصله الثاني، أعني الذي استحقه بسبب العلة الموجودة فوجب السؤال عن ذلك، والحاصل: أن الأصل صار فرعًا والفرع عاد أصلا لكن باعتبارين وهذه المسألة مبسوطة في "الأصول العربية".
ومن هنا يظهر أن قول الناظم: (ومعرب الأسماء ما قد سلما من شبه الحرف) معترض بـ "أي"، وقوله: (والأصل في المبني أن يسكنا) معترض بالماضي اللاحق له الضمائر الثمانية، والاعتذار عنه في "أي" أنه قد ذكرها في بابها، وفي الماضي أن تسكينه للضمائر عارض، وإنما يتكلم في الأصول الثابتة، لا في الطوارئ الزائلة، ومن هنا قال الزجاجي في الماضي: "وهو مبني على الفتح أبدا"، إذا لم يعتبر عروض اتصال الضمائر، وحسن ما فعل.
المسألة الخامسة: أن تمثيل الناظم بما مثل به بين أن الأسماء تبنى على الضم، وعلى الفتح، وعلى الكسر، وعلى السكون، وذلك صحيح، ولم يذكر للأفعال ولا للحروف مثالا فيتبين به أمرها، والذي بين الاستقراء أن الحروف تبنى على الأوجه الأربعة أيضا، فمثال الضم فيها
"منذ" الحرفية، ومثال الفتح: "ثم" و "سوف" و "ليت" و "لعل"، ومثال الكسر: الباء واللام في بزيد ولزيد، ومثال السكون "من" و "عن" و "لو" و "أو" وما أشبه ذلك، وأن الأفعال تبنى على الفتح نحو: ضرب وعلم ومكث، وعلى السكون نحو: اضرب واعلم وامكث ولا يدخلها الضم ولا الكسر وقد تقدمت علة ذلك قبل.
المسألة السادسة: أن قول الناظم: (والأصل في المبنى أن يسكنا.. ) إلى آخره، لا يقتضي حصر علامات البناء في الأربع التي ذكر، وإنما فيه أن الأصل في المبنى أن يبنى على السكون، ومنه ما بنى على الضم ومنه ما بني على الفتح، ومنه ما بني على الكسر وتقدير كلامه، ومنه ذو فتح ومنه ذو كسر ومنه ذو ضم كما تقدم في قوله أول الباب (الاسم منه معرب ومبني) فالحاصل: أنه لم يستوقف علامات البناء، إذ من المبنيات ما يبنى على غير ما ذكر، ففعل الأمر يبنى على ما يجزم به المضارع، وقد بين هو أن للجزم علامتين: إحداهما الحذف، وأن الحذف نوعان: حذف النون، وهو علامة للجزم فيما اتصل به ألف اثنين، أو واو جمع، أو ياء واحدة مخاطبة.
وحذف آخر المعتل الآخر بالألف أو الواو أو الياء، فعلى هذا النحو يبنى فعل الأمر الذي هو نظير المضارع فتقول: افعلا وافعلوا وافعلي، كما تقول: لم تفعلا ولم تفعلوا ولم تفعلي،.
وتقول: اخش واغز وارم، كما تقول: لم يخش ولم يغز ولم يرم، وعلى هذا النحو يجري القول في الماضي المتصل به ألف الاثنين أو واو الجمع، فقاما نظير قوما، وقاموا نظير قوموا.
والدليل على ذلك رجوع النون في التسمية إذا كانت الألف أو الواو علامة لا
ضميًرا.
والاسم أيضا يبنى على ما يرفع به من واو أو ألف كالمثنى والمجموع على حده في النداء، هذا في البناء العارض، وكذلك في اللازم كأسماء العدد المطلقة كقولك: اثنان، ثلاثون، أربعون، مائتان، ألفان، ويبنى أيضا على ما ينصب به كياء المثنى والمجموع على حده في باب "لا" التي لنفي الجنس، فقد ظهر أنه يبنى على الألف والواو والياء، ويبنى على حذف الألف والواو والياء والنون، لأنا نجيب عن ذلك بوجهين:
أحدهما: ما تقدم م أنه لم يعترض للحصر، بل قد يقال: إنه لما ذكر العلامات الأربع استوفى ما عادة الناس أن يذكروه، ونبه بـ "من" المقتضي للتبعيض، على أن ثمّ علامات أخر يبنى عليها، وإذا كان كذلك فلم يفته ذكر شيء يحتاج إلى ذكره.
الثاني: أنا لو سلمنا أنه لم ينبه على ما ذكر في السؤال من علامات البناء لما كان ذلك قدحا، لأنه جرى على ما جرى عليه غيره في باب البناء من الاقتصار على هذه العلامات الأربع، ووجه الاقتصار أن غيرها متفرع عنها ونائب منابها، كما كان ذلك في علامات الإعراب، إذ كانت الواو أو الألف أو غيرها إنما تلحق الفرع كالمثنى والمجموع الذي على حده، فإذا لا اعتراض على كلام الناظم والله أعلم.
......
ولما فرغ من بيان أسباب البناء وأنواعه، أخذ في الكلام على أنواع الإعراب وعلاماته ووجوهه فقال:
والرفع والنصب اجعلن إعرابا... لاسم وفعل نحو لن أهابا
والاسم قد خصص بالجر كما... قد خصص الفعل بأن ينجزما
أراد أن الرفع والنصب من أنواع الإعراب يشترك فيهما الأسماء والأفعال فالرفع نحو: زيد يقوم، وعبد الله يذهب، والنصب نحو: إن زيدا لن يركب، وإن عبدالله لن يذهب وما أشبه ذلك، ومثل النصب في الفعل بقوله: (لن أهابا)، وهو من قولك: هاب الرجل الشيء يهابه، وهاب منه أيضا أي خاف منه، هيبة ومهابة، وقال الجوهري: الهيبة والمهابة: الإجلال والمخافة.
وأما الجر فمختص بالأسماء، فلا يدخل الأفعال كقولك: مررت بعبد الله صاحب زيد، وجئت إلى أخيك صاحب الدار.
وأما الجزم فمختص بالأفعال فلا يدخل الأسماء كقولك: لم يقم، ولم يخرج، وإن تضرب أضرب، وهذا المعنى أراد بقوله: (والاسم قد خصص بالجر.. ) إلى آخره، وقد حصل بهذا التقرير أن أنواع الإعراب أربعة: رفع ونصب وجر وجزم، فالجر مختص بالاسم، والجزم مختص بالفعل، وما عدا ذلك مشترك بين الاسم
والفعل، وعلة ذلك على طريقة المؤلف في "التسهيل" و "شرحه" أن الاسم لما كان في الإعراب أصلا للفعل كانت عوامله أصلا لعوامله، وعوامل الرفع والنصب في الاسم قوية لاستقلالها بالعمل، وعدم تعلقها بعامل آخر، فشارك المضارع الاسم في الرفع والنصب لقوة عواملهما بالاستقلال، وإمكان التفريع عليها، بخلاف عامل الجر، فإنه ضعيف لعدم استقلاله، ألا ترى أنه مفتقر إلى متعلق من فعل أو جار مجراه فلم يقو أن يفرع عليه غيره، فلذلك لم يكن إلا في الاسم، فجعل الجزم في الفعل عوضا مما فاته من المشاركة في الجر، وانفرد به ليكون لكل واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب، ثم عودل بينهما بأن جعل الجزم راجحا بأنه غير محتاج إلى تعلقه، وجعل الجر راجحا بكونه ثبوتا بخلاف الجزم، فإنه حذف فتعادلا، هذا ما علل به المؤلف، وللناس في تعليل هذه المسألة طرق كثيرة لا يحتاج إلى إيرادها لضعف أكثرها، وقلة الفائدة فيها، وأقربها طريقة من قال: لم يدخل الفعل جر لضعفه عن مرتبة الاسم؛ لأن إعراب بالشبه لا لأجل المعاني كما كان دخول الأنواع الثلاثة من الإعراب في الاسم للتفرقة بين المعاني الثلاثة فنقص عنه درجة وعوض من ذلك الجزم فكمل له ثلاثة أنواع من الإعراب كالاسم، وهذه الطريقة نحو مما قاله المؤلف، إلا أن المؤلف كملها.
والكاف في قوله: (كما قد خصص الفعل) كاف شبيه التنظير الكاف التي في قول سيبويه، وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم، فإن التشبيه هنا تشبيه تنظير، لا تشبيه
تعليل، وكان الأصل أن يقول: الاسم قد خص بالجر كما قد خص الفعل، لأنك تقول: خصه بالشيء خصوصا وخَصوصية وخُصوصية والفتح أفتح وخِصيصي، إلا أنه ضعف العين فجعله من خصص بذلك المعنى، وكذلك كان الأولى أن يقول: كما قد خصص الفعل بأن يجزم أو بالجزم، فإن قوله: (بأن ينجزم) مقدر بمصدره الذي هو الانجزام، والانجزام غير مستعمل في معنى الجزم، ولا مصطلح على استعماله بذلك المعنى؛ لأن الرفع والنصب والجر والجزم في استعمالهم على وجهين:
أحدهما: أن يكون عبارة عن الحركات التي أحدثتها العوامل وما ناب عنها، فالضمة رفع والواو رفع وكذلك سائرها.
والثاني: أن المراد بالرفع والنصب والجر والجزم الحكم الذي أحدثه العامل، والعلامات دالة عليه، وهو معنى المصدر، وكلا المعنيين في في الجزم مغاير لمعنى الانجزام، إذ كان عبارة عن حصول الجزم في المجزوم على أي معنى أطلق الجزم، وإذا كان كذلك فتعبيره بالانجزام معترض من وجهين:
الخروج عما اصطلحوا عليه، والإيهام بمعنى لم يتعرضوا له.
والجواب: أن ضرورة النظم دعته إلى أن يغير لفظ الجزم إلى لفظ الانجزام ووجه ما فعل من ذلك أن الانجزام لما كان لازما عن الجزم إذ هو مطاوعة فصار كالمسبب مع سببه، اكتفي عنه اتكالا على فهم
المراد والله أعلم.
......
ثم أخذ في ذكر العلامات فقال:
فارفع بضم وانصبن فتحا وجر... كسرا كذكر الله عبده يسر
واجزم بتسكين وغير ما ذكر... ينوب نحو جا أخو بني نمر
يعني أن الرفع في الكلمة المعربة يكون بالضم نحو: زيد قائم، ويقوم زيد، والرجال في الدار، وخرجت الهندات، والنصب يكون بالفتحة نحو: إن زيدا لن يذهب، وأعجبني أن تكرم الزيود، والجر يكون بالكسر نحو: مررت بغلام زيد، وجئت إلى الرجال والهندات، والجزم يكون بالسكون نحو: لم يذهب زيد، وإن تذهب أكرمك.
وأتى الناظم بأثلة للرفع والنصب والجزم والجر في الاسم، ومثال الرفع في الفعل وهو (ذكر الله عبده يسر "فـ" ذكر مرفوع بالضمة على الابتداء، ولفظ "الله" مجرور بالكسرة بإضافة ذكر إليه و "عبده" منصوب بالفتحة بذكر؛ لنه مصدر موصول و "يسر" مرفوع بالضمة أيضا، إذ لم يدخل عليه ناصب ولا جازم، وهو في موضع خبر المبتدأ.
وقوله: (وانصبن فتحا وجر كسرا) على حذف الجار، أراد: وانصبن بفتح، وجر بكسر، دل على ذلك قوله: (فارفع بضم) وقوله: (واجزم بتسكين) فحذف الباء ضرورة، وذلك في كلام العرب قليل.
وأنشد المبرد وغيره قول الشاعر:
ترون الديار ولن تعوجوا... كلامكم علىّ إذا حرام
وقوله: (وغير ما ذكر ينوب) يعني أن ماعدا ما ذكر من الرفع بالضمة والنصب بالفتحة والجر بالكسرة والجزم بالسكون ينوب عنها، ثلاثة أصناف:
أحدها: الحركات لكن على نحو آخر وذلك الكسرة تنوب عن الفتحة في الجمع بالألف والتاء، والفتحة تنوب عن الكسرة في جر ما لا ينصرف من الأسماء.
والثاني: الحروف وذلك الألف في المثنى والواو في الجمع الذي على حده والأسماء الستة والنون فيما لحقه من الفعل ألف اثنين أو واو جمع أو ياء واحدة مخاطبة، كلها تنوب عن الضمة، والألف في الأسماء الستة، والياء في المثنى والمجموع على حده كلاهما ينوب عن الفتحة، والياء في الأسماء الستة والمثنى والمجموع على حده تنوب عن
الكسرة.
والثالث: الحذف ينوب عن الفتحة في نصب الفعل المرفوع بالنون وعن السكون فيه وفي الفعل المعتل الآخر، وجميع ذلك مفصل في الباب، وقد ظهر من الناظم أن أصل الإعراب للحركات والسكون؛ لأنه أحل غيرها محل النيابة عنها، وذلك لا يسوغ غلا بتقدير كون المحل للمنوب عنه بحق الأصل وبذلك صرّح في "التسهيل" فقال: والإعراب بالحركة والسكون أصل ينوب عنهما الحرف والحذف، وكذلك قال الجزولي: أصل الإعراب للحركات، والحروف عند من يرى الإعراب بها تبع.
والدليل على ذلك أن الإعراب بها أكثر، والكثرة دليل الأصالة، وأيضا فإنه لا يصار إلى الإعراب بغيرها إلا عند تعذرها أو اعتقاد تعذرها.
قال المؤلف في "شرح التسهيل": ولذلك اشترك الفعل والاسم في الرفع بضمة، والنصب بفتحة ولم يشتركا في الإعراب، وإنما كانت الأصالة للإعراب بالحركة في غير الجزم؛ لأن الحركة أخف من الحرف وأبين في إعطاء المعنى المقصود.
وأما كونها أخف فظاهر، فإن زيادة بعض حرف أخف وأهون من زيادة حرف كامل.
وأما كونها أبين فلأنها لا تخفى زيادتها على بنية الكلمة لسقوطها وإدراك مفهوم الكلمة بدونها، بخلاف الحرف، فإنه قد يخل سقوطه بمفهومها، ولذلك اختلفوا في المعرب بحرف هل هو قائم مقام الحركة
أو الحركة مقدرة فيه؟ وإنما كان السكون في الجزم أصلا؛ لأن نقصان حركة زائدة على الكلمة أسهل من سقوط حرف من نفس الكلمة، وأتى الناظم بمثالين مما ينوب فيه الحرف عن الحركة.
أحدهما: مما يعرب بالواو رفعا، وبالألف نصبا، وبالياء جرا وذلك الأسماء الستة التي يذكرها على أثر هذا وهو الأخ في قوله: (جا أخو بني نمر).
والثاني: مما يعرب بالواو رفعا، وبالياء نصبا وجرا، وذلك الجمع على حد التثنية وهو "بني" في المثال، أصله: بنون وبنين وحذف النون للإضافة، وبنو نمر من العرب قبيلة منهم ينسبون إلى أبيهم نمر، وهو نمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
ويقال: يا أخا بني فلان لمن كان ينسب إليهم وكان منهم، وحذف الناظم همزة "جاء" للهمزة التي بعدها وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء في نحو ((جا أجلهم)):
......
ثم قال:
وارفع بواو وانصبن بالألف... واجرر بياء من الأسماء أصف
من ذاك ذو إن صحبة أبانا... والفم حيث الميم منه بانا
أب أخ حم كذاك ومن... والنقص في هذا الأخير أحسن
وفي أب وتالييه يندر... وقصرها من نقصهن أشهر
لما قدم آنفا أن ماعدا الحركات الثلاث المذكورة المخصوصة بالمواضع المذكورة ينوب عنها، أخذ يذكر الأصناف النائبة ومحالها، فإذا حصر مواضعها علم أن ما عداها حكمة ما تقدم من الرفع بالضمة، والنصب بالفتحة والجر بالكسرة، والجزم بالسكون، فابتدأ بذكر ما يرفع بالواو وينصب بالألف ويجر بالياء فقال: (وارفع بواو..... ) إلى آخره، وهذا التقرير في الأسماء الستة نص منع على اعتماد القول بأن الحروف فيها هي نفس الإعراب بحكم الاستقلال، وهو أحد المذاهب في هذه الأسماء الستة المفسرة، وهو مذهب أبي القاسم الزجاجي، وظاهر كلام الفارسي في أول كتابه "الإيضاح" وعليه طائفة من المختصرين.
ومن النحويين من ذهب إلى أن إعرابها بالحركات مقدرة في حروف العلة، وأتبع فيها ما قبل الآخرِ الآخرَ، دلالة على الإعراب المقدر في حروف العلة، وهو مختار شيخنا الأستاذ رحمة الله عليه، وعليه جماعة أيضا.
ومنهم من ذهب إلى أنها معربة بالحركات، كإعرابها عارية عن الإضافة من غير فرق وحروف العلة إشباع تلك
الحركات قبلها، ومنهم من جعل إعرابها بالحركات والحروف معا، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك، والكلام في ذلك يطول، وإنما اختار الناظم ما تقدّم؛ لأنه أبين المذاهب، وأبعدها عن التكلف، لأن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقد متنازع فيه دليلا، وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة.
قال المؤلف: ولا يمن من ذلك أصالة الحروف لأن الحرف المختلف الهيئات صالح للدلالة أصلا كان أو زائدا، مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حده، لأنهما فراعان عن الواحد، وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سيق مثله في الآحاد أمن من الاستبعاد ولم يخرج عن المعتاد، هذا ما وجه به مذهبه ويكفي هذ القدر إذ لا فائدة في جلب الحجج مع أن المسألة لا يبنى عليها حكم.
وقوله: (ما من الأسماء أصف) "ما" موصولة صلتها "أصف": وهي مفعولة بارفع وانصب واجرر من باب الإعمال أعمل فيها الآخر.
"ومن الأسماء" متعلق بـ "أصف" وضمير ما محذوف، أي ما أصفه من الأسماء وقصر الأسماء ضرورة.
ثم قال: (من ذاك ذو إن صحبة أبانا) يعني أن من الأسماء التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء هذا الاسم الذي هو "ذو" وذلك بشرطين:
أحدهما: منصوص عليه وهو قوله: (إن صحبة أبانا) والآخر قيده بالمثال وهو أن يكون "ذو" بلفظ المذكر، فأما الأول فيريد به أن يكون ذو
بمعنى صاحب، وذلك إبانته للصحبة كقولك: مررت برجل ذي مال، وجاء زيد ذو العلم، ورأيت رجلا ذا ثوب، معناه: صاحب مال وصاحب العلم وصاحب ثوب، وتحرز بذلك إن كان قصد التحرز من ذا وذو وذي التي ليست بذلك المعنى فإنها لا تعرب كلك إن أعربت، فأما "ذو" فتأتي بمعنى الذي وهي "ذو" الطاّئية نحو ما أنشد الجوهري من قول الشاعر: ذاك خليلي وذو يعاتبني... يرمي ورائي بامْسَهْمِ وامْسَلِمَهْ وقول الآخر: وإن المال مال أبي وجدي... وبئري ذو حفرت وذو طويت وأما "ذا" و "ذي" فتأتيان للإشارة نحو قول الله تعالى ((هذا من شيعته وهذا من عدوه)).
وقال أبو الطيب المتنبي:
هذي برزت لنا فهجتِ رسييا
فهذه الثلاثة لا تبين صحبة، وإنما تبين شيئا آخر، فلا تعرب ذلك الإعراب.
فإن قلت: فهذا الشرط غير محتاج إليه أبدا.
لأن ما تحرز منه خارج عن باب الإعراب فضلا عن كونه يعرب بالحروف أو بالحركات، فلو قال: "من ذاك ذو" كذا وكذا ولم يقيده - بمعنى الصحبة لم يفهم له سواه، إذ لا يتوهم ذلك في "ذو" الطائية، ولا في "ذا" و "ذي" اللتين للإشارة، لفقد الإعراب فيهما، وإنما يسبق إلى الذهن ما هو معرب، وليس ثم معرب، إلا الذي بمعنى صاحب، فقد تعين بنفسه، فيكون هذا الشرط ضائعا، فالاعتذار عنه أن يقال: لعله لم يقصد بذلك إلا مجرد البيان عن معنى "ذو" وإن ساق ذلك مساق الاشتراط والتحرز مما يدخل عليه، على أنه قد أتى به في التسهيل كذلك، فقال: وفي "ذي" بمعنى صاحب، وذكر في "الشرح" أنه تحرز بالقيد من "ذي" المشار إليها، فالله أعلم.
فإن أراد هنا ما صرح به هنالك توجه الاعتراض عليه.
وأما الشرط الثاني المقيد بالمثال وهو أن يكون "ذو" بلفظ المذكر فذكره ضروري، فإن المؤنث لا يعرب هذا الإعراب، وإنما يرجع إلى الإعراب بالحركات، كما ذكر أولا كقولك: جاءتني امرأة ذات مال، ورأيت امرأة ذات مال، ومررت بامرأة ذات مال، وكذلك يعتبر في المثال أيضا الإفراد، فإن المثنى والمجموع سيأتي ذكره.
فأما إذا كان مفردا مذكرا فهو المعرب بالحروف كما قال.
ثم قال: (والفم حيث الميم منه بانا) فاعل "بان" ضمير مذكر عائد على الميم، وذكره لأن الميم كسائر حروف المعجم تذكر وتؤنث، أنشد سيبويه في التذكير:
كانا وميمين وسينا طاسما
وأنشد في التأنيث:
كما بنيت كاف تلوح وميمها
ومعنى بان: بعد.
ويقال: بان الشيء عنى يبين بينا وبينونة: إذا بعد عنك وتفرّق منك، والمباينة: المفارقة، وتباين القوم: تهاجروا فيعني حيث زالت الميم عن الفم، وأراد أن الفم إذا كان بغير ميم معدود من تلك
الأسماء التي تعرب هذا الإعراب المذكور، وذلك في قولك: هذا فو زيد، ورأيت فاه، ونظرت إلى فيه، وإنما اشترط فقد الميم؛ لأنه إذا وجدت فيه لم يعرب بالحروف، بل بالحركات على حد ما نص عليه في قوله: (فارفع بضم وانصبن فتحا وجر كسرا) فتقول: هذا فم، ورأيت فما، ونظرت إلى فم، هذا إن كان منقوصا، وكذلك في لغة القصر تقول: هذا فما، ورأيت فما، ونظرت إلى فما، إذا ثبت أنها لغة كقول الشاعر يا حبذا عينا سُليمى والفَمَا.
فإعراب هذا كإعراب فتى ورحا.
وقوله: (أب أخ حم / كذلك وهن) يعني أن هذه الأسماء أيضا حكمها في الإعراب ما تقدم من الرفع بالواو والنصب بالألف والجر بالياء، فتقول: هذا أبوك وأخوك وحموك، ورأيت أباك وأخاك وحماك، ومررت بأبيك وأخيك وحميك.
وحمو المرأة أبو زوجها، وكذلك من كان من قبله، وحمو الرجل أبو امرأته أو أخوها أو عمها.
وقيل: الأحماء من قبل المرأة خاصة، والأختان من قبل الرجل، والصهر يجمع ذلك كله، هكذا حكى صاحب "المحكم" وعكس الجوهري فقال: وكل شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ فهم الأحماء وأحدهم حما وفيه أربع لغات: حما مثل
قفا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحم ساكنة الميم مهموزة عن الفراء.
ثم قال: وكل شيء من قبل المرأة فهم الأختان، والصهر يجمع ذلك كله، فهذا خلاف ما حكى ابن سيده، والناس على ما ذكره الجوهري.
قال الأصمعي: الأحماء من قبل الزوج والأختان من قبل المرأة، وقال يعقوب: كل شيء من قبل الزوج -أخوه أو أبوه أو عمه_ فهم الأحماء.
وقال أبو عبيد: الحم أخو الزوج.
ويقال للمرأة حماه لا لغة فيها غير ذلك.
"وهن المرأة" فرجها وكذلك هن الرجل.
وأصل الهن في اللغة الكناية عن اسم الشيء.
قال الجوهري: تقول هذا هنك أي شيئك.
هذا أصله، ثم كنوا به عما يقبح التصريح باسمه، واستعملوه حتى غلب عليه.
ويقال: ذهبت فهنيت أي: فعلت من قولك هن، وقد حصل من المثال في الحم والهن أن المؤنث خارج عن هذا الحكم لأنك تقول: هذه حماة فلان، فيعرب بالحركات، وكذلك هنه كما خرجت الأخت عن حكم الأخ.
وقد ظهر أن المعرب بهذا الإعراب ستة أسماء؛ وهي ذو بمعنى صاحب، وفو زيد، وأخو زيد، وأبوه، وحموك، وهنوها، لكن ليس ذلك على الإطلاق، وفي كل لغة، بل العرب فيها مختلفون، فمنهم من يعربها بالحروف كما قال، ومنهم من يعربها بالحركات، وأيضا فالذين يعربونها بالحروف ليسوا فيها على سنن واحد بل هي عندهم على درجات متباينة، فقد يكون الإعراب
بالحروف في بعضها نادراً، وبالحركات هو الأشهر كما في "هن" وقد يكون الأمر بالعكس كما في أخ وأب، وقد يشتهر الوجهان على تساو أو مقاربة التساوي كما في "حم" هذا كله فيما عدا الفم بلا ميم، و"ذا" بمعنى صاحب فإن العرب متفقون فيها على الإعراب بالحروف، فلما كان الأمر على هذا لم يكتف الناظم بما قدم من الإطلاق، بل ذكر اختلاف العرب في أب وأخ وحم وهن، وسكت عن ذكر ذو وفو، فدل ذلك على أنها معربة بالحروف على الإطلاق، وذلك صحيح.
فقوله: (والنقص في هذا الأخير أحسن) أراد به أن جعل "هن" وهو الأخير في الذكر من باب المنقوص كيد ودم أحسن وأفصح من جعله من هذا الصنف، فالذي يقول: هذا هنوها، ورأيت هناها، ونظرت إلى هنيها/ أقل ممن يقول: هذا هنها، ورأيت هنها، ونظرت إلى هنها، وعلى اللغة الشهيرة جاء في الحديث: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"، وقول علي رضي الله عنه: من يطل هن أبيه ينتطق به، ومعناه من كثر ولد أبيه يتقوى بهم.
وأنشد سيبويه:
رحت وفي رجليك ما فيهما... وقد بدا هَنْكِ من المئزر
أراد هَنُكِ، فكسن النون.
والنقص في الاسم هو أن ينقص من آخره حرف، ويجري الإعراب على الحرف الذي قبله.
ثم قال: (وفي أب وتالييه يندر) ضمير "يندر" عائد على النقص في قوله: (والنقص في هذا الأخير أحسن) وضمير تالييه عائد على الأب، والتالي هو التابع يقال: تلوت الرجل أتلوه تلوا: إذا تبعته.
ويقال: ما زلت أتلوه حت أتليته، أي: حتى تقدمته وصار خلفى يتلوني، ويندر: معناه: يقل وأصله من الندور وهو السقوط والخروج عن الغير، وندر الرجل من القوم خرج منهم، فلما كانت لغة النقص خارجة عن جمهور كلامهم أطلق عليها لفظ الندور لذلك، وفي أصل اللغة يرادف لفظ الندور لفظ الشذوذ إذ هما بمعنى الخروج عن الجمهور، يقال: شذ عنه يشذ ويشذ شذوذا إذا انفرد عن الجمهور وندر، بهذا فسره الجوهري، كما أنه قال في الندور: ندر الشيء يندر، سقط وشذ، ففسره كما ترى أحدهما بالآخر.
إلا أن الناظم اصطلح في كلامه على إطلاق الندور على ما ندر في الكلام المنثور، وإطلاق الشذوذ على ما ندر في الشعر، هذا في الغالب فليعرف ذلك من اصطلاحه، فيريد هنا أن النقص في أب وتالييه جاء في الكلام قليلا، فتقول على القلة في أب: هذا أبك، ورأيت أبكن ومررت بأبك، وهي لغة محكية عن أحمد بن يحيى أنه قال: يقال: هذا أبوك وهذا أباك، وهذا أبك فمن قال: هذا أبوك أو أباك، فتثنيته أبوان