شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 363-402

وقوله: "ونحو" يدل على أن ثم غير نيام، وذلك صحيح، إذا (قد) حكوا: فلان من صيابة قومه، أي: من صميمهم، قال الفراء: هو في صيابة قومه وصوابة قومه، وقال ذو الرمة: ومستشحجات بالفراق كأنها... مثاكيل من صيابة النوب نوح وأنشد الجوهري: من معشر كحلت باللؤم أعينهم... قفد الأكف لئام غير صياب وعلى الناظم في فعل درك، وذلك أن ما ذكر إنما يجرى فيه على فرض كون اللام صحيحة، مثل ما مر من المثل، فأما إن اعتلت اللام فلا، كما إذا جمعت شاو على فعل فإنك تقول: شوى.
و (كذلك تقول في) حاو: حوى، و (في) طاو: طوى فتصحح ولا تعل، فتقول: شيا، ولا حيا، ولا طيا، وإن كان ذلك في قول.
من قال: صيم ونيم.
قال ابن جنى: "لأنك قد أعللت اللام بأن

قلبتها ألفا، فلم يجز إعلال العين واللام جميعا، وهذا مرفوض في كلامهم، لم يجئ منه إلا حرف شاذ نحو شاء وماء".
نبه على هذا الاستثناء ابن جنى، وهو صحيح على مقتضى القواعد التصريفية.
فو مما فات الناظم هنا، وكذلك فاته في التسهيل أيضا.
ولا يقال: إنه يؤخذ له استثناء هذا من قوله قبل هذا: وإن لحرفين ذا الإعلال استحق... صحح أول.......... لأنا نقول: إنه خص ذلك بما ذكره من قلب الياء أو الواو ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ألا ترى إلى قوله هنالك: "وإن لحرفين ذا الأعلال استحق" فأشار بذا إلى ما تقدم له قريبا، فكأنه مشعر باختصاصه بذلك الموضع، وليس كذلك، فهذا أيضا مما يعترض عليه، إذ كان قادرا (على) أن يأتى بها قاعدة تجمع له أحكام مسائل جمة، هذه منها.
وهنا انتهى كلامه في إبدال حروف العلة الأربعة بعضها من بعض، وهي.
حروف اللين والهمزة، وذكر في أثنائها الميم، وقد تقدم ذكر الهاء.
ثم أخذ في ذكر ما بقي منها وهي ثلاثة: التاء والطاء، والدال، فابتدأ بالتاء فقال:

فصل ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا... وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا يعني أن حرف اللين أبدل تاء في بنية الافتعال إذا كان حرف اللين فاء الكلمة ويعني في القياس المطرد.
وذو اللين: مبتدأ، خبره أبدل.
و "تا" مفعول أبدل الثاني، والأول هو المقام المقام الفعل.
وفا: اصله فاء، وهو حال من ذي اللين العامل فيها أبدل، والتقدير: ذو اللين أبدل تاء إذا كان فاء كائنة في افتعال.
وقد حصل أن التاء تبدل من حرف اللين قياسا بشرطين: أحدهما: أن يكون حرف اللين فاء الكلمة، تحرزا من أن يكون عينا أو لاما.
أما كونه عينا فإنه لم يجئ إبداله أصلا.
وأما/ كونه لاما فقد أبدلت التاء منه قليلا، وذلك أخت وبنت، أصله: أخوه وبنوة، فنقلوهما إلى فعل وفعل، ثم أبدلوا من واوهما التاء، وليست التاء فيهما بعلامة تأنيث كما هو مقرر في غير هذا من الكتبت المبسوطة.
ومن ذلك هنت، أصله: هذوة، بدليل قولهم: على هنوات شأنها متتابع ففعلوا به ما فعلوا بأخت وبنت.
وكذلك كلتا، التاء فيها مبدلة من

الواو، أصلها كلوى على مذهب البصريين غير الجرمى، فأبدلت منها التاء، وهذا إبدالها من الواو، وأما إبدالها من الياء ففي قولهم: ذيت وذيت، وكيت وكيت، أصلها: ذية وكية، فحذفوا الهاء وأبدلوا من الياء التي هي لام التاء.
وكذلك التاء في ثنتان، لأنه من ثنيت، لأن الاثنين قد ثنى أحدهما إلى صاحبه.
والثاني: أن يكون في بناء الافتعال.
ويعني: وما تصرفه منه، لأن ما يلزم في المصدر يلزم في سائر متصرفاته، كالماضي والمضارع والأمر، واسم الفاعل والمفعول، واسم المصدر والزمان والمكان.
إلا أنه ترك التنبيه على ذلك اتكالا على فهم المراد.
وعلى هذا تكون الفاء التي هي حرف لين تلى تاء الافتعال وتحرز بذلك من الفاء التي ليست في الافتعال فإنها لا تبدل تاء إلا أن يسمع سماعا لا يقبل القياس، فمن ذلك تجاه، وهو فعال من الوجه، وتراث فعال من ورث، وتقية فعيلة من وقيت، ومنه التقوى، أصلها: وقوى، وكذلك التقاة- وليس من هذا المسموع: اتقوا الله، فإنه إبدال في افتعل، فهو من القياس- وتوراة فوعلة من ورى الزند، اصله: وورية، أبدلت الأولى تاء هربا من إبدالها همزة لاجتماعها مع الواو الأخرى.
ومثلها تولج عند الخليل، أصله: وولج من الولوج، وأنشد النحويون: متخذا من عضوات تولجا

ومنه تخمة فعلة من الوخامة، وتكأة فعلة من توكأت، وتكلان فعلان من توكلت، وتيقور فيعقول من الوقار، أنشد سيبويه للعجاج.
فإن يكن أمسى البلى تيقوري... وقالوا: رجل تكلة من وكل يكل، واتلجه، أي: اولجه، وضربه حتى أتكأه.
وقالوا: التليد والتلاد، من ولد.
وتترى فعلى من المواترة، أصلها وترى.
وقد كثر السماع في هذا لكنه على غير قياس، لقلتها بالنسبة إلى ما لم تقلب واوه تاء، فلا تقول في وجيه: تجيه، ولا في وزير: تزير، ولا في وافد: تافد، ولا ما كان نحو ذلك.
هذا إبدالها من الواو، وأما إبدالها من الياء فلا أعلم له مثالا.
فأما إذا اجتمع الشرطان معا فإبدالها واجب ما قال، والفاء عند ذلك قد تكون واو وقد تكون ياء، ولذلك أطلق الناظم القول في حرف اللين، ولم يتعين واوا من ياء.
فأما الواو فمثالها: اتزن واتعد واتصف، من الوزن والوعد والوصف، وأنشد ابن جنى: فإن تتعدني أتعدك بمثلها... وسوف أزيد القافيات القوارصا

/وقال طرفه: وإن القوافي يتلجن موالجا... تضايق عنها أن تولجها الإبر وقال سحيم: وما دمية من دمى ميسنا... ن معجبة نظرا واتصافا أراد: ميسان.
وهذا كثير جدا.
وأما الياء فمثالها: اتبس، من اليبس.
واتسر، من اليسر، وأشباه ذلك.
والعلة في القلب في هذا الموضع أنهم لو لم يقلبوها تاء لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها ياء فيقولون: ايتزن، ايتعد، ايتلج، وإذا انضم ما قبلها ردت إلى الواو فقالوا: موتزن، وموتعد، وموتلج، وموتسر، وإذا انفتح ما قبلها قلبت ألفا نحو: ياتعد، وياتزن، وياتسر.
فلما كانت مع بقائها على أصلها يتلاعب بها إلى غير مستقر، وكذلك الياء، أرادوا أن يقلبوهما إلى حرف جلد لا يتغير وإن تغيرت الأحوال، فأبدلوهما تاء، وكانت أولى لأنها قريبة المخرج من الواو، لأنها من أصول الثنايا والواو من الشفتين، وأدغموا التاء في تاء الافتعال.

ثم قال: "وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا"، يعني أن ما كانت فاؤه همزة وكان في بنية الافتعال فإنه خارج عن هذا الحكم فلا تبدل الهمزة فيه تاء كما تبدل الواو وغيرها من حروف اللين، فلا تقول في افتعل من الأخذ: اتخذ، ولا في افتعل من الأهل: اتعل يتهل، ولا فيه من الأمر: اتمر، ولا نحو ذلك، ولا من الأكل: اتكلم.
وانما تقول: (ايتكل)، كما مثل، وفي مضارعه: ياتكل.
وكذلك: مؤتكل ومؤتكل، قال الأعشى: أبلغ يزيد شيبان مألكة... أباثبيت، أما تنفك تأتكل وما جاء مما كان من هذا فشاذ كما (قال) لا يقال عليه نحو قولهم: اتهل من الأهل واتمن واتزر من الأمانة والإزار، وأنشد ابن الأعرابي: في داره تقسم الأرزاق بينهم... كأنما أهله منها الئى اتهلا ومن ذلك: اتخذ، عند الزجاج، هو افتعل من الأخذ، وجعله من تخذ يتخذ،

كما قال تعالى: ﴿قال: لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾، كما قرأها ابن كثير وأبو عمر.
وإنما نبه على هذا الشذوذ وكان في غنى عنه، لأن الكوفيين يقيسون هذا- فيما نقل عنهم- فيبدلون الهمزة تاء، ويدغمونها في تاء الافتعال، قياسا على ما سمع من ذلك.
ووجهه عندهم هو الوجه الذي لأجله أبدلت من الياء والواو، لأن الهمزة تصير بالتسهيل حرف لين، فتصير في التصرف على غير حالة واحدة، إذا لو قلت ايتخذ ياتخذ وموتخذ، لكان مثل: ايتعد يا تعد وموتعد، فأبدلوا الهمزة حرفا جلدا لا يتغير، وهو التاء.
فيقول في افتعل من الأكل: اتكل أو من الأمر: اتمر، أو من الأسر: اتسر، أو من الأمل: اتمل، وما أشبه ذلك.
والأصح ما ذهب إليه الناظم من كون ذلك بالسماع؛ إذ لم يجئ في كلام فصيح، ولا كثر كثرة يعتبر مثلها في القياس.
وأما اتخذ فلا يتعين فيه الإبدال من الهمزة لإمكان كونه مبنيا من تخذ يتخذ، وقال الممزق العبدي: وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق

/وفي كلام الناظم بعد نظر من أوجه ثلاثة: أحدها: أنه أطلق الحكم بالإبدال في الواو والياء إذا اجتمعت الشروط، فاقتضى بظاهره أن ذلك واجب، إذ لم يأت بلفظ يدل على الجواز، وإطلاق الوجوب غير صحيح؛ إذ للعرب في هذا الإبدال وجهان، أحدهما ما ذكر، والآخر البقاء على الأصل فتقول: ايتعد ياتعد وموتعد (وموتعد)، وايتسر يا تسر وموتسر وكذلك سائر الباب، وسمع الكسائي: الطريق ياتسق وياتسع، أي: يتسق ويتسع، فإذا الوجهان جائزان، وهو على خلاف ما ظهر من كلامه.
والثاني: أنه جعل التاء في نحو اتكل بدلا من الهمزة، ألا تراه كيف قال: "وشذ في ذي الهمز" أي: وشذ الإبدال في الهمزة في ذي الهمز.
وليس الإبدال كذلك ههنا، بل التاء بدل من حرف اللين المبدل عن الهمزة؛ إذ لا نسبة بين الهمزة والتاء لتباعدهما في المخرج ولذلك لم تبدل التاء من الهمزة في غير هذا الموضع البتة فكيف يقال ببدل التاء من الهمزة؟ وغنما بصحيح ما قاله في التسهيل من أنها قد تبدل من الياء والواو وهما مبدلتان من الهمزة.
هذا هو الذي يجرى على القياس، فاتهل أصله: {أتهل، فأبدلت الهمزة ياء لاجتماع ع الهمزتين فصار ايتهل، ثم فعل به ما فعل باتسر.
وكذلك متهل أصله: مؤتهل، ثم سهلوا فقالوا: موتهل فصار كموتعد، فجرى على قياسه.

والثالث: أنه أطلق الإبدال في ذي اللين، وذو اللين ثلاثة أحرف: الواو، والياء، والألف، فالواو والياء ظاهر فيهما الإبدال كما ذكر، وأما الألف فخارجة عن هذا؛ إذا لا تبدل التاء من الألف أصلا، وإنما وقع الإبدال من الباقيين.
فإن قيل: ما تنكر من أن تكون التاء في ياتعد وياتسر بدلا من الألف فيكون إطلاقه القول في ذي اللين مرادا، فتدخل الألف في هذا الحكم.
فالجواب: أن الألف إنما أبدلت من الياء والواو على حد ياجل في يوجل تخفيفا، حين عزموا على استعمال الأصل، وأما في حال الإبدال تاء فلم يبدلوا إلا من الواو والياء؛ إذا لا فائدة في توسيط هذه الرتبة في الإبدال ولا دليل عليها، فليست بمرادة لأنها رتبة تخفيف تلزم الاستعمال، والذين يبدلون لم ينطقوا بالأصل فيميلوا إلى التخفيف، وإذا كان كذلك ثبت أن كلام الناظم معترض.
ووجه رابع، وهو أنه مثل بائتكل، وتمثيله به ظاهر في أنه مسموع من العرب أن يقال فيه: اتكلم.
وقد أشار ابنه في شرح هذه الأرجوزة إلى أنه لم يسمع ذلك فيه فكان الأحق أن يمثل بما سمع، وقد حكوا من ذلك اتهل، كما تقدم، فكان موافقا لما أرداده في القافية من الإتيان باللام رويا.
والجواب عن الأول: أن الإبدال هو الأشهر والأكثر استعمالا، وهي لغة أهل الحجاز التي نزل بها القرآن، ولذلك قال في التسهيل: تبدل في اللغة الفصحى التاء من كذا وأما البقاء على الأصل دون إبدال فلغة ليست في

الشهرة هنالك/، ولذلك قال سيبويه: وأما ناس من العرب فإنهم جعلوا (هذا) بمنزلة واو"، قال: "فجعلوها تابعة حيث كانت ساكنة كسكونها وكانت معتلة، فقالوا: ايتعد، كما قالوا: قيل.
وقالوا: ياتعد كما قالوا: قال، وقالوا: موتعد كما قالوا: قول".
وإذا كانت قليلة فقد علمت من عادته في هذا النظم الاعتماد على نقل الشهير والأشهر، والبناء على الكثير والأكثر، وجعل ما عداه في حيز الإغفال، وفي جانب الإهمال فهذا من تلك المواضع المعلومة، فليس بملوم في هذا.
والجواب عن الثاني: أنه لم يجعل التاء بدلا من الهمزة ولا له في ذلك نص ولا ظاهر إطلاق وإنما قال: "وشذ في ذي الهمزة"، يعني أن الإبدال المذكور شاذ فيما فاؤه همزة، ولا شك أن الإبدال المذكور هو إبدال التاء من الواو والياء، فإذا لم يحصل عنده الإبدال من الهمز البتة وإنما كلامه يقتضى ما نص عليه في التسهيل كأنه يقول: ما أصله الهمز شذ فيه إبدال الواو والياء تاء.
وهذا بلا شك يعطى أن الواو والياء هي المبدلة تاء، ويشعر أن أصلهما الهمز، فصار معني الكلام معنى قوله: وقد تبدل التاء منهما وأصلهما الهمز.
فلم يكن في كلامه إشكال.
والجواب عن الثالث: أنه أطلق القول في ذي اللين علما بأن الألف لا تكون ههنا فتبدل تاء، لأن الألف لا تكون أصلا بنفسها ولاسيما في موضع الفاء، وإنما تكون منقلبة عن واو أو ياء، فاتكل على علم الناظر

في نظمه بهذه القاعدة، فلم يحتج إلى تقريرها، وكان قوله: "ذو اللين" أخصر من أن يقول الواو والياء حكمهما كذا.
وهذا ظاهر.
والجواب عن الرابع أن يقال: لعله لم يحفظ اتهل، فأتى بمثال على أصله من الهمزبين به النوع الذي شذ فيه الإبدال كأنه قال: وشذ الإبدال فيما كان فاؤه همزة نحو كذا.
فإنما مثل في الحقيقة نوع ما شذ فيه الإبدال، فالمثال على هذا التقدير مطابق.
وقد تقرر له هنا أن التاء تبدل من حرفين في الحقيقة، من الواو والياء، وترك إبدالها من غير ذلك لشذوذه، فقد أبدلت من خمسة أحرف سوى ما أشار إليه من إبدالها من الهمزة، فهي في الحقيقة مبدلة من ستة أحرف: أحدها: السين، فقالوا: ست، وأصله: سدس، بدليل أسداس، وسديس، والتسديس.
ولكنهم قلبوا السين الثانية تاء لتقرب من الدال التي قبلها وهي مع ذلك حرف مهموس، كما أن السين مهموسة، فصار التقدير "سدت"، فلما اجتمعت الدال والتاء وتقاربا في المخرج أبدلوا الدال تاء لاجتماعهما في الهمس، ثم أدغمت التاء في التاء، فصار: "ست".
ومن ذلك ما أنشده أحمد بن يحيى: يا قاتل الله بني السعلاة... عمرو بن يربوع شرار النات غير أعفاء ولا أكيات...

أراد: الناس، وأكياس، فأبدلوا السين تاء لاتفاقهما في الهمس والزيادة وتقارب المخرج.
والثاني: الصاد، قال بعضهم في لص: لصت، وفي جمعه: لصوت أنشد ابن جنى: /فتركن نهدا عيلا أبناؤها... وبنى كنانة كاللصوت المرد والثالث بالطاء، قالوا في فسطاط، فستاط، قال ابن جنى: "التاء فيه بدل من الطاء لقولهم في جمعه فساطيط، ولم يقولوا: فساتيط".
فالتاء إذا بدل من الطاء لا محالة.
والرابع: الدال، قالوا: ناقة تربوت، وأصلها: دربوت، وهي فعلوت من الدربة، أي: هي مذللة، فالتاء بدل من الدال.
والخامس: الياء، قال رجل من بني عوف بن سعد: صفقة ذي ذعالت شمل...

وهو يريد الذعالب.
وهذه كلها شواذ.
ثم أخذ يذكر حكم الحرف وهو الطاء، والثالث وهو الدال فقال: طاتا افتعال رد إثر مطبق... في ادان وازدد وادكرد الأبقى طا: منصوب على المفعول الثاني لرد، والأول قوله: تا افتعال.
وتعدى رد لاثنين لأن معناه معنى صير في هذا الموضع.
وإثر مطبق: ظرف ويعني أن التاء تبدل طاء إذا اجتمع لها شرطان: أحدهما: أن تكون التاء هي التاء الزائدة في بناء الافتعال، يريد: وما تصرف منه.
وهذا الشرط يشتمل على شرطين، الأول: أن تكون التاء مع الحرف المطبق في كلمة واحدة، وذلك بان يكون المطبق فاء الافتعال لتقع بعده التاء، فلو كانا في كلمتين لبقي كل واحد منهما على أصله، قال المازني: "وإن كانت التاء منفصلة لم يفعل ذلك نحو: قبض تلك، وغلظ تلك" يريد لا تقول قبض طلك، ولا غلظ طلك، كما تقول: اضطرب واظطهر، لأن للمنفصل نحوا ليس للمتصل، إذا المنفصل غير لازم فلم يعتبر؛ إذا لا يلزم أن يجئ بعد الضاد أو الظاء فيه تاء، لأنك تقول: قبض خالدا، وغلظ هذا، وما أشبه ذلك.
والثاني: أن تكون التاء تاء الافتعال لا غيرها، فإنها إن كانت غيرها لم تقلب التاء طاء وإن وقعت إثر مطبق، فتقول: فحصت برجلي، وخبطت ونهضت، ولفظت.
فلا

تقلب التاء طاء.
هذا هو الأعرف، لأن التاء في الحقيقة من كلمة أخرى وإن كانت متصلة بالكلمة وفي عداد الجزء منها، لكنها ليست كالمتصل الأصلي.
وإلى معنى الاتصال يرجع هذا أيضا، ولأجل ذلك أتى الناظم بمثال الافتعال؛ إذ لا يتأتى أن تأتى التاء في الغالب إثر مطبق إلا فيه، فلذلك خص به هذا الحكم، وقد قالوا: فحصط، وخبط ونهضط، وهي لغة قليلة لبعض العرب، قال سيبويه: "وقد شبه بعض العرب ممن ترتضى عربيته هذه الحروف الأربعة: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء في فعلت، بهن في افتعل، لأنه يبنى الفعل على التاء ويغير الفعل فتسكن اللام كما تسكن الفاء في افتعل، ولم يترك الفعل على حاله في الإظهار، فضارعت عندهم افتعل، وذلك قولهم: فحصط برجلي، وحصط عنه، وخبطه، وحفظه.. " قال: "وسمعناهم ينشدون هذا البيت، (وهو) لعلقمة بن عبدة: وفي كل حى خبط بنعمة... فحق لشأس من نداك ذنوب /ووجه ذلك ما ذكره سيبويه من اتصال الفاعل بالفعل وجعله معه كالجزء حتى غير له آخره بالتسكين لئلا تتوالى أربع متحركات نحو: ضربت وخرجت، ولم يفعلوا ذلك في ضمير المنصوب نحو: ضربنا، إذ ليس الضمير هنالك مع الفعل كالجزء فلم يعتبر معه توالى الحركات فلما كان كذلك شبهوا التاء بما هي فيه من نفس البنية، وذلك افتعل، فأبدلوا

التاء كما أبدلوها في افتعل، لكن هذه لغة قليلة وقياسها ضعيف، من حيث عوما المنفصل معاملة المتصل، فلذلك لم يبن عليها الناظم واشترط الاتصال المحض، قال سيبويه: "وأعرف اللغتين وأجود ألا تقلبها طاء، لأن هذه التاء علامة الإضمار، وإنما تجئ لمعنى، وليست تلزم هذه التاء الفعل، ألا ترى أنك إذا أضمرت غائبا قلت: فعل، فلم تكن فيه تاء، وليست في الإظهار.
فإنما تصرف فعل على هذه المعاني، وليست تثبت على حال واحد، وهي في افتعل لم تدخل على أنها تخرج منه لمعنى ثم تعود لآخر، ولكنه بناء دخلته زيادة لا تفارقه، وتاء الإضمار بمنزلة المنفصل".
والشرط الثاني: أن تكون التاء إثر مطبق، وهو على حذف الموصوف، أي: إثر حرف مطبق، والمطبق: ذو الإطباق، وهو من الحروف أربعة: الصاد والضاد، والطاء والظاء ومعنى الإطباق: أنك إذا وضعت لسانك في مواضع هذه الحروف انطبق لسانك من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك، فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف.
وما عدا هذه الحروف فإنما يحضر الصوت إذا وضعت لسانك في مواضعهن.
قال سيبويه: "فهذه الأربعة لها موضعان من اللسان".
(و) يعني أن الطاء لها موضع الدال وموضع آخر

هو المفسر بالإطباق، وهو فضل صوت الطاء على الدال، ولذلك قال سيبويه: "ولولا الإطباق لصارت الطائف دالا: والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد من الكلام، لأنه ليس من موضعها غيرها وما عدا هذه الأربعة هي المنفتحة.
فإذا تقرر هذا فنقول: إذا كانت التاء قد وقعت إثر حرف مطبق لزم ذلك الحكم من الإبدال، فإن لم يكن قبلها حرف مطبق لم تبدل طاء نحو: اقترب، واغترب، واعتزل، واختصهم، ونحوه.
ومثال ما اجتمع فيه الشرطان قولك في الصاد: اصطبر واصطرف.
وفي الضاد: اضطرب، واضطجر.
وفي الطاء: اطلع واطبع.
وفي الظاء: اظعن، واظطلم.
وينشد بيت زهير، أنشد بعضه سيبويه: هو الجواد الذي يعطيك نائله... عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم هكذا بالإبدال دون إدغام.
والمضارع من هذا والأمر، واسم الفاعل و (اسم) المفعول وغيرها، على حكم واحد، فقد أطلق لفظ الافتعال الذي هو الأصل للجميع، وهو المصدر.

ووجه ما فعلوا من/ هذا أن قصدهم بذلك التقريب بين الحروف التي فيها تقارب وتباعد من جهتين، وذلك أن التاء تقارب حروف الإطباق في المخرج، ولذلك أدغمت التاء في جميعها نحو: (هدمت صوامع)، وضربت ضربة، وجاءت طالبة، وضربت ظالمة.
وهي تباعدها في أنها الا إطباق فيهان مع أن الصاد والضاد لا يدغمان فيها، فكرهوا ذلك التباعد مع امتناع الإدغام في البعض بإطلاق، وامتناعه هنا في الثاني.
وذلك أنهم كرهوا أن يذهبوا بالإطباق هنا لأنهما في كلمة واحدة مع أن التاء زائدة لو قالوا: متلع في مطلع، الذي أصله: مطتلع، فكرهوا أن يغلب الزائد في ذلك الأصلي، ولذلك أجازوا (في) مثترد قلب الثاني للأول، وكرهوا أيضا إبقاء الإطباق فيلزموا الإطباق حرفا ليس أصله ذلك.
وليس حكم ما هو من كلمتين كذلك، لأنه عارض قليل، فأرادوا أن يقلبوا التاء حرفا من مخرجها موافقا لها في الشدة موافقا لتلك في الإطباق، وهو الطاء، فقالوا: مصطبر من الصبر، ومضطرب من الضرب، ومظطلم من الظلم ومطلب من الطلب، فلزم الإدغام في هذا الأخير لاجتماع المثلين والأول منهما ساكن.
فإن قيل: ولعل القلب هنا للإدغام لا لمقاربة الحرفين.
فالجواب: أنه لو كان كذلك لجاز متلب كما جاز مترد في مثترد، هذا مع أنه لذا لزم قلب التاء طاء من أجل هذه الحروف التي ليست من

مخرجها لتقارب ما بينها للمباعدة التي بينهما في الإطباق، فأن تقلب مع الطاء طاء أحرى بذلك وأقرب.
فإن قيل: ظاهر كلام الناظم أن الإبدال طاء هنا لازم، على عادته في إطلاق مثل هذه العبارة، يريد بها الوجوب، لأنه قال: "طاتا افتعال رد" فيظهر أنه حكم واحد يمتنع خلافه.
وليس كذلك؛ إذ يجوز في التاء مع هذه الحروف الإبدال الذي عين وإبدال آخر: فأما مع الصاد فتبدلها صادا فتقول ي مصطبر: مصبر، قال سيبويه: "وحدثنا هارون أن بعضهم قرأ: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا﴾.
أراد أن يصطلحا.
وهي قراءة عاصم الجحدري، ولا يجوز هنا أن يبدل الصاد طاء فتقول: مطبر، لان الصاد لا تدعم فيما ليس من مخرجها لما فيها من امتداد الصوت الصفيري.
وأما مع الضاد فيجوز أن تبدلها ضادا فتقول في مضطجع: مضجع، كما يجوز هنا أن تبدل الضاد طاء فتقول مطجع.
وجاز هنا مطجع وإن لم يجز في مصطبر مطبر، لأن الضاد ليست في السمع كالصاد من جهة أن الصغير الذي في الصاد أكثر في السمع من استطالة الضاد.
وأما مع الظاء فيجوز إبدالها ظاء فتقول في مضطلم: مظلم، كما قالوا: مصبر، وكما جاز أيضا أن تبدل الظاء طاء فتقول: مطلم وينشد بن بيت زهير: ويظلم أحياناً فيطلم...

بقلب الظاء طاء، وعليه أنشده سيبويه.
ويروى فيظلم، بقلب التاء ظاء.
وأما مع الطاء فليس إلا وجه واحد.
فترك الناظم هذا كله مع جوازه وشهرته، وقد ذكر ذلك في التسهيل فحصل المسألة تحصيلا حسنا.
هذا وجه من النظر/ في كلامه.
فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذه الوجوه المذكورة لا تعد في رتبة ما ذكر، وإنما هي قليلة فلم يذكرها لذلك.
والثاني- وهو المعتمد في الجواب-: أن هذه الإبدال إنما هو ثان عما ذكره، فالتاء تبدل طاء على ما تقدم ثم تبدل بعد ذلك.
وأيضا أذا أبدلت بعد ذلك فللإدغام لا لمجرد البدل خاصة.
ولذلك إذا قرر النحويون مثل ما قرر الناظم قالوا: فمن أراد الإدغام للقرب في المخرج والاتفاق في الإطباق لا قبل ذلك؛ إذ التاء- إذا كانت على أصلها- بعيدة من حروف الإطباق فلم تكن لتدغم فيها إدغام المقارب مع التباعد، ولذلك لا تدغم فيهما الصاد والضاد كما تقدم.
وإذا كان كذلك لم يكن بد من تقديم إبدال الطاء، ثم بعد ذلك يتقارب الحرفان، فمن شاء الإدغام أدغم، فيقلب الأول للثاني، أو بالعكس، ولأجل هذا قال في التسهيل بعدما قرر الإبدال المذكور: "وتدغم في

بدلها"- يعني في بدل التاء- الظاء والذال والضاد".
ويريد أنك تقول: اطلم، واطجع وادكر.
على أنه قد قال: "وقد تجعل- يعني التاء- مثل ما قبلها من ظاء أو ذال أو ضاد أو حرف صغير".
وليس الكلام هنا في التسهيل، وإنما أتيت بكلامه تأنيسا بما قاله غيره.
ثم قال: "في ادان وازدد وادكر دالا بقى".
الضمير في "بقى" عائد إلى التاء المتقدم الذكر، وهو التاء في الافتعال، فيعنى أن التاء المذكورة تبدل دالا في نحو هذه الأمثلة التي هي: ادان، وازدد، وادكر.
وهذه الأمثلة أشارت إلى أن موجب الإبدال فيها تقدم الدال والزاي أو الذال على تاء الافتعال، لأن ادان افتعل من الدين: أصله: ادتان، وازدد: افتعل من الزيادة، أصله: ازتد.
وادكر: افتعل من الذكر، أصله: اذتكر.
وقد حصل من هذا الكلام اشتراط شرطين: أحدهما: أن تقع التاء بعد أحد ثلاثة أحرف، وهي: الدال، والزاي، والذال.
فإن وقعت بعد غيرها لم تنقلب دالا، فلا تقول في استلم: اسدلم، ولا في اثترد: اتدرد ولا اظطلم: اظدلم، ولا ما أشبه ذلك، وإن كانت السين

مع الزاي من مخرج واحد والثاء والظاء مع الذال كذلك.
وقد أبدلت بعد الجيم لكن قليلا فلذلك لم يذكرها مع الثلاثة كقولهم: اجدمعوا في اجتمعوا.
واجدز في اجتز، من جززت، أنشد الكسائي، ونسبه الجوهري ليزيد بن الطثرية، ويقال: بل هو لمضرس: فقلت لصاحبي: لا تحبسانا... بنزع أصوله، واجدز شيحا والثاني: أن تكون التاء تاء الافتعال.
ويلزم من ذلك أن تكون التاء متصلة بالزاي أو الدال من كلمة واحدة، فإن كانتا من كلمتين لم يجز ذلك، فلا تقول في أحرز تالدا: أحرز دالدا.
ولا في انبذ تالدا: انبذ دالدا.
ولا ما أشبه ذلك وعلى ذلك أيضا لا تقول في حززت: حززد، ولا في حددت: حدد، ولا في نبذت: نبد.
وإن لم تكن تاء افتعل لم تبدل أيضا إلا أن يشذ من ذلك شيء نحو: دولج في تولج فإذا توفر الشرطان/ قلت: ادان، من الدين، افتعل منه وازداد، كذا، وادكر، كذا: ادعى من الدعوى، وادرى، من الدراية، قال: وماذا يدرى الشعراء مني... وقد جاوزت حد الأربعين؟ !

وفي القرآن الكريم: ﴿وادكر بعد أمة﴾، وفيه: ﴿فهل من مدكر﴾.
وفيه: ﴿وازدادوا تسعا﴾.
وهو كثير.
ثم في ادكر في هذه المثل فائدة زائدة على ما تقدم من الاشتراط، وهي أنه أتى بالذال مدغمة في الذال، وذلك أن الأصل كان أن يؤتى بها غير مدغمة فيها فيقول واذدكر، لأن الإدغام ليس من شأنه في هذه المسألة كما لم يذكره في اطلم، واصبر، واطجع.
وهم قد أجازوا اذدكر، فكيف يأتى به مدغما؟ قال ابن جنى: قال لي أبو علي: وأجاز بعضهم: اذدكر، لأن تاء افتعل لا يلزم أن يجيء قبلها ذال أبدل، فأشبهت اقتتلوا في البيان.
يقول: كما أظهروا اقتتلوا مع تحرك التاءين، لأنه لا يلزم أن يكونن بعد تاء افتعل تاء أخرى نحو: احتلم واغتلم كذلك حال اذدكر، فقلبوا التاء دالا للتقريب، ولم يدغموا، لأنه لا يلزم أن يكون قبل التاء ذال نحو: استلم وابتسم".
وحكى المازني:

"اذدكر فهو مذدكر"، قال أبو حكاك: والهرم تذريه اذدراء عجبا... فإذا كان هكذا فكان من حقه أن يقول: واذدكر.
لكن قصد الناظم أن يذكر ما هو الأشهر في الكلام والمعتد في اللغات، ولا شك أن (ما) مثل به من الإدغام هو الوجه الأفصح، وهي لغة القرآن، وقد نص النحويون على أنها الأولى، وإذا كان أشهر من غيره مع حصول المقصود من الإبدال دالا كما تقدم كان اقتصاره على ما اقتصر عليه على ما ينبغي، ووجه ما عملوا من هذا أن الزاي لما كانت حرفا مجهورا (و) كانت التاء مهموسة، والدال أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر، قربوا بعض الصوت من بعض، فأبدلوا من التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي، وهي الدال، فقالوا: ازدجر وكذلك الذال في اذتكر مجهروة، والتاء مهموسة، فأبدلوا التاء دالا لأنها أختها وأخت الذال في الجهر، فقالوا: اذدكر، ثم أبدلوا للإدغام فقالوا: ادكر.
وأما ادان فقد يقال: إن الإبدال فيه للإدغام فكيف يدخله في هذا الباب ويجاب عنه بما تقدم في مطلب من أنه لو كان الإبدال للإدغام لقالوا: اتان في ادان، وقد حصل أن الدال إنما تبدل من التاء خاصة.
وههنا انتهى ما قصد ذكره من الإبدال القياسي، وماتبعه من غير القياسي.

ثم شرع في الكلام على الإعلال بالحذف فقال: فصل فا أمر او مضارع من كوعد... احذف، وفي كعدة ذاك اطرد فا أمر أصله: فاء أمر، لكنه حذف إحدى الهمزتين كراهية اجتماعهما وإن كانتا من كلمتين، والمحذوفة هي الثانية في القياس عند طائفة، لأنها التي وقع بها الثقل، والأولى عند طائفة، وهو مثل قراءة أبي عمرو: (جا أمرنا)، و (جا أشراطها).
وفا: منصوب باحذف.
وقوله: "من كوعد"، الكاف فيه اسم لدخول حرف/ الجر عليها وهو من، فصار مثل قوله، أنشد: سيبويه: وصاليات ككما يؤثفين... واعلم أن الإعلال بالحذف قليل، ولذلك لا تجده مطردا.
إلا في مواضع قليلة، وإنما الغالب وقفه على السماع، إذ لم يكثر كثرة يسوغ

فيها القياس، وأكثر ما تجده في اللام نحو: أخ، وأب، ويد، ودم، وشاة، وشفة، وأمة ويقل في الفاء نحو: رقة، وعدة، وزنة، وجهة.
وأقل من ذلك الحذف في العين نحو سه، وشاك، ولاث، وهار، أصله: سته، وشائك، ولائث، وهائر، وكذلك: مذ، أصله: منذ.
وأكثر الحروف حذفا حروف اللين الثلاثة، والهمزة، والهاء، والحرف المتصل بمثله.
فالألف نحو: علام تفعل؟ والياء نحو: أصاب الناس جهد، ولو تر ما الصبيان؟ والواو نحو عدة وزنة، والهمزة نحو: ترى، ويرى، وأكرم، وبراء في براء، والهاء نحو: شفة، وشاة واست، والحرف المتصل بمثله نحو: ظلت في ظللت، وأحست في أحسست.
ولما كان (هذا) الحذف على قسمين، حذف قياسي، (وحذف غير قياسي)، وكان غير القياسي موقوفا على النقل، إنما يتلقى من أهل اللغة، وإنما يتكلم عليه النحوى من حيث التوجيه أو بالعرض، والقياسي هو الذي يعنيه الكلام، تعرض الناظم للكلام على القياسي منه وترك غيره، إلا ما كان له كثرة ما وشهرة، وربنا قيل في مثله بالقياس.
وجملة المواضع القياسية في الحذف على ما ذكره هو في التسهيل وغيره حذف فاء المضارع والأمر من نحو ود، وحذفها من المصدر الذي على فعله منه أيضا.
وحذف همزة أفعل من المضارع والجاري عليه.
وهذه ثلاثة مواضع نص هنا عليها، ورابع تكلم عليه في هذا النظم في باب الوقف، وهو حذف ألف ما الاستفهامية.
وهذا في الحقيقة سماع، لكنه مضبوط بقانون مختص به.
وزاد في التسهيل حذف عين فيعلولة،

وزاد غيره حذف عين فيعلان وفيعل، وجعله في التسهيل محفوظا.
فإذا إنما ترك مما ذكره في التسهيل فيعلولة خاصة، وهو قليل الاستعمال ليس من جلائل المهمات في العربية ذكره، فتركه، وكان أولى منه فيعل لكثرته ودورانه على السنة لو كان عنده قياسا.
أما ما يجرى مجرى المقيس فظلت وقرن، وسيذكرهما الناظم ولنرجع إلى لفظه، فقوله: "فا أمر أو مضارع".. إلى آخره، يعني ان الفعل المضارع وفعل الأمر إذا كانا من الأفعال التي ماضيها من نحو: وعد، حذفت فيهما الفاء وجوبا، وذلك نحو: يعد وعد، ويزن وزن، ويرد ورد، لأنها من وعد ووزن وورد.
وكذلك: يسم وسم.
أصلها: يوعد واوعد، ويوزن واوزن، وكذلك سائرها، لكن حذفت الواو في الأصل مع الياء التي للمضارعة استثقالا لوقوعها في فعل بين ياء مفتوحة وكسرة إذا قلت: يوعد.
أما وقوعها في الفعل فهو ثقيل والاسم أخف منه، ووقوعها بين الياء والكسرة لتجانسهما ومنافرة الواو لهما/ والياء مفتوحة، والفتحة من الألف، والألف قريبة من الياء، ولذلك رجعت الواو إلى الياء إذا وقعت بعد الألف في مصدر الفعل المعل نحو: حالت حيالا، وقامت قياما، وصحت في مثل العوض والحول، كما تقدم قبل ذلك، فصارت هذه الأشياء مظنة للاستثقال عند بقاء الواو، فحذفت، وهذه هي العلة.
ثم حمل المضارع ذو الهمزة أو النون أو التاء على ذي الياء وإن لم يكن هناك ياء مفتوحة، لأنهم لو قالوا: أنت توعد، وهو يعد، لاختلف المضارع، فكان

يكون تارة بواو، وتارة دونها، فحافظوا على المجانسة في الفعل ليجرى على أسلوب واحد في أنواع مصرفاته.
ومثله حذف همزة يكرم وأكرم الآتى إثر هذا.
ثم حمل الأمر على المضارع في هذا الحكم لأنه يجرى عليه في غالب أحكامه لكن هذا الحكم لا يكون إلا بوجود الأوصاف التي نبه عليها بالمثال حيث قال: "من كوعد" فإذا كان المضارع والأمر من الماضي الذي على هذا الوصف ثبت الحكم وإلا فلا يثبت، وجملة الأوصاف التي اشتمل عليها هذا الفعل أربعة: أحدها: أن يكون ثلاثيا لا رباعيا ولا ما فوق ذلك، فإنه إن كان رباعيا أو فوق ذلك ثبتت الواو، فإذا كان الماضي على أفعل نحو: أوعد، قلت في المضارع: يوعد، وفي أورث: يورث.
وكذلك الأمر تقول: أوعد وأورث، ونحو ذلك، فلا تحذف البتة، ووجه ذلك وجهان: أحدهما: أن يوعد أصله: يؤوعد مثل يؤكرم، فلما حذفوا الهمزة للعلة التي تذكر بعد إن شاء الله- تعالى- أرادوا ألا يجمعوا على الكلمة حذف الفاء وحذف الهمزة الأولى، بخلاف يعد فإنه لم يحذف منه شيء، فجاز الحذف منه.
والثاني: أن مضارع ما زاد على الثلاثة على طريق (واحد) لا يتغير، وليس كذلك مضارع فعل، لأن بابه أن يجيء على يفعل وعلى يفعل وعلى يفعل مع حرف الحلق، فلما لم يلتزم فيه يفعل كان هذا تغييرا حاملا على تغيير آخر، وقد كثر في كلامهم (وجود) التغيير حيث تغيير آخر غيره، كحذفهم ياء فعيلة وفعيلة في النسب باطراد للزوم حذف الهاء، فإذا كانت الكلمة بغير هاء لم تحذف إلا شذوذا وليس بينهما في الثقل زيادة.
قال ابن الضائع: ولهذا صار

النحويون يقولون: التغيير يأنس بالتغيير قال: وهو صحيح بالنظر إلى هذا المعنى، ولهذا لم يغير عند سيبويه يوضؤ، لأنهم كرهوا حذفه، لأنه يجئ على طريقة واحدة لا تتغير، ولم يغيروه إلى يفعل لأنه لا يكون مضارعا له كما يكون لفعل.
وعلى اعتبار هذا الشرط لو بنيت من الوعد مثل دحرج فقلت وعدد، ثم بنيت المضارع منه لقلت: يوعدد، وفي وزنن: يوزنن.
ولا تقول: يعدد، ولا: يزنن- وإن وقعت الواو بين ياء وكسرة- لأمرين، أحدهما: ضم الياء وقد تقدم أن الفتحة لها تأثير ما في الحذف.
والثاني: أنك لو حذفت لزال الغرض/ المطلوب من الإلحاق؛ إذ صارت الواو في مقابلة الدال من يدحرج، فلم يكونوا ليخلوا بما قصدوا من الإلحاق.
وهذا كما قاله ابن جنى في بناء مثل دحرج من الأخذ إذ تقول في المضارع: يؤخذذ، ولا تحذف الهمزة كما تحذفها في يؤكرم فتقول: يكرم.
والثاني: أن تكون فاؤه واوا كما تقدم تمثيله، تحرزا من أن تكون همزة أو ياءا.
أما إن كانت همزة فلا تحذفها وإن وقعت بين ياء وكسرة أو لم تقع كذلك، فتقول في مضارع أخذ: يأخذ، وفي مضارع أبق: يأبق.
ولا تقول: يخذ، ولا: يبق وكذلك الأمر، فتقول في الأمر من أبق: ايبق، ومن الأمن: ايمن، ومن أفل يأفل: اوفل يا بدر.
وكذلك ما أشبهه.
إلا أنه شذ من هذا ثلاثة من أفعال الأمر، وهي: خذ، وكل،

ومر، (مع أن المضارع لم تحذف منه، وإنما تقول: يأخذ، ويأكل، ويأمر، فكان الأصل فيها: اؤخذ واؤكل واؤمر) فالتزموا حذف الهمزة التي هي فاء، وسقطت ألف الوصل حين وليها المتحرك.
إذا بدأت بها أو وصلتها بغير الواو والفاء، فإن وصلتها بهما فل في مر وجهان: الأثبات، فتقول: وأمر، فأمر- وهو أجود- ولك أن تقول: فمر ومر.
وأما خذ وكل فإنما تتركها على حالها من الحذف وهذا شاذ لا يقاس عليه غيره، قال في التسهيل: إلا في الشعر لمكان الضرورة.
كقوله: فإن نحن لم ننهض لكم فنبيركم... فتونا فقودونا إذا بالخزائم وأما إن كانت الفاء ياء فكذلك أيضا لا تحذفها وإن وقعت بين ياء وكسرة، نحو: يعر ييعر.
(يسر ييسر، وينع يينع.
وذلك لأن الياء أخف عليهم من الواو لقربها من الألف، والواو ليست كذلك، لأنها تحتاج في إخراجها إلى تحريك شفتيك قال سيبويه: فجرى ذلك مجرى تحريم بعض جسدك، والياء مخرجها من وسط الفم والعمل فيها أخفى، وقد جاء فيها الحذف شاذا، حكى سيبويه شذوذا: يئس يئس كيعد، وبها شبهها سيبويه.

والثالث: أن يكون (المضارع) على يفعل- بكسر العين- لأنه إذا كان كذلك تمكن العلة المذكورة، من وقوع الواو بين ياء وكسرة.
فلو كان المضارع على يفعل أصلا غير محول لم تحذف.
فتقول في مضارع وجل: يوجل.
وفي مضارع وحل: يوحل، ولا تحذف.
وكذلك إن كان (علي) يفعل- بضم العين- نحو: وضئ يوضؤ، ووقح يوقح؛ قال ابن جني: "سألت أبا علي وقت القراءة عليه فقلت: هلا حذفت الواو من يوطؤ ويوضؤ لوقوعها بين ياء وضمة، على أن الضمة أثقل من الكسرة؟ فقال: إنما جاء هذا تاما ولم تحذف واوه لان باب فعل لا يأتى مضارعه إلا على بناء واحد وهو يفعل، نحو: ظرف يظرف، وشرف يشرف.
وما كان على فعل فإن مضارعه يختلف نحو: ضرب يضرب، وقتل يقتل، وسأل يسأل، فلما كان مضارعا مضارع فعل يختلف جاز فيه حذف الواو: نحو: يعد، ولما كان مضارع فعل لا يجئ إلا على يفعل لم تحذف واوه لئلا يختلف".
قال: "وقد لوح أبو عثمان إلى هذا المعنى بقوله: فهذا يجرى مجرى ظرف/، أي: لا يختلف كما لا يختلف ظرف يظرف (ووطؤ، يوطؤ) وشرف يشرف، ولكنه لم يخلصه تخليص أبي علي"، قال: "ولمثل هذه المواضع يحتاج مع الكتب إلى الأستاذين".
انتهى كلام ابن جني.

"ولمثل هذه المواضع يحتاج مع الكتب إلى الأستاذين".
انتهى كلام ابن جنى وزعم ابن عصفور أنه (إنما) لم يحذف يوضؤ ويوطؤ لأن الواو بين ياء وضمة أخف.
قال ابن الضائع: وليس كذلك، بل يوضؤ أثقل من يوعد، لو قيل.
قال وإنما سببه ما تقدم، وبه علل سيبويه.
يعني ما ذكرته عن ابن جنى والفارسي.
وقد شذ من هذا قولهم: يجد، في مضارع وجد، فحذفوا فاءه مع كونه على بفعل، (وهي) لغة عامرية، وعليها جاء قول لبيد العامري: لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة... تدع الصوادي لا يجدن غليلا وكأنهم حملوا هذه اللغة على اللغة الفصحى في الحذف.
قال الفارسي في التذكرة: لم يجز أن تصح الواو في يجد كما صحت في يوضؤ، لأن الضم لا يلزم لقولهم: يجد، فإذا كانوا لم يصححوا الواو في يطأ ويسع كما صححوها في يوجل، لأن الفتحة مجتلبة من أجل حرف الحلق، وإن كانوا لم يستعملوا الكسر كما استعملوا الكسر من يعد، فألا يصح من يجد مع استعمالهم نجد أجدر وأولى.

ثم أن هذا الكسر في المضارع تارة (يكون) ملفوظا به، وتارة يكون مقدرا، فا لملفوظ به نحو ما تقدم، والمقدر هو الذي يكون في الأصل كذلك، إلا أنه فتح لعارض اقتضى ذلك، كقولك: بطأ ويسع أصله يوطئ ويوسع، فوقع الإعلال بحذف الواو، ثم فتح لأجل حرف الحلق فقيل: بطأ ويسع، ودليل ذلك أنه لو كان على يفعل في الأصل لم تحذف منه الواو، بل كنت تقول: يوطأ ويوسع، كما قلت: يوجل ويوحل.
فإن قيل: إن الماضي منه على فعل، وليس قياسه إلا يفعل فكيف يكون الأصل هنا يفعل؟ فالجواب: أن الخليل جعل هذا مما جاء من المعل على فعل يفعل نحو: ومق يمق، ووثق يثق، وورم يرم، وورث يرث، ووله يله، ووفق يفق، ووحر يحر، ووغر يغر ويوغر- ويوحر أيضا- ووغم يغم ويوغم.
فهذا مما يؤنس بمجئ فعل على يفعل، لكنه حرف الحلق إذا جاء لاما تفتح له العين، هذا إذا كان الماضي منه فعل، فإن كان فعل فلا إشكال نحو: وضع يضع، ووقع يقع، وودع يدع وأما يذر فمن هذا أيضا لكن حمل على يدع الذي في معناه؛ إذ ليس لفتح عينه علة سوى ذلك، لان لامه ليست بحرف حلقى.
وكذلك عينه، كما كان لنحو قرأ يقرأ وذهب يذهب.

والذي يدخل هذا النوع تحت إشارة الناظم أنه أتى بوعد، ولا شك أن مضارعه على يفعل، فكذلك إذا قيل لك: ما وزن يضع/ مضارع وضع؟ فإنك تقول: يفعل لأنك إما أن تجيبه على الأصل أو على اللفظ، واللفظ ليس بمراد لأنه يعل، والأصل يفعل بالكسر، فلابد أن تجيبه على الأصل فقد دخل في معنى مضارع وعد.
والرابع: أن يكون مبنيا للفاعل كوعد، تحرزا من المبنى للمفعول فإنه لا تحذف واوه بل تقول: يوعد ويوزن ويوسم، وذلك لفقد العلة التي لأجلها حذفت في موضع الحذف، وهي وقوع الواو بين ياء وكسرة.
قال ابن جنى: "وفيه علة أخرى، وهى أن مضارع فعل لا يكون إلا علي يفعل، فجرى ذلك مجرى شرف في لزوم مضارعة وزنا واحدا، فصحت في يوعد كما صحت في يوطؤ لئلا يختلف الباب".
قل "هو منتزع من قول أبي على في يوطؤ ويوضؤ".
فإن قيل: قد زعم النحاة أن فعل المفعول ثان عن فعل الفاعل ومغير منه، ولذلك جرى على حكمه في مثل سوير وقوول دون إعلال ولا إدغام كما إذا قلت: ساير وبايع، وقد تقدم في نحو يطأ ويسع ويقع ويدع أن الحركة المنتقل إليها عن الأصل لا تراعي، وأن المراعى هو الحركة الأصيلة، فلهذا وجب الحذف، فكان الواجب على قياس هذا كله أن تحذف واو نحو يوعد، لأن الأصل يعد، وهذا التغيير طارئ عارض.

فالجواب: أن كل مضارع من ثلاثي هو فعل مفعول فإنما يكون على يفعل أبدا لا ينكسر، ولما كان منه ما لا يصح أن يجرى فيه هذا الإعلال لخلوه في الأصل عن موجبه، وذلك مضارع فعل وفعل كيوحل ويوجل، ويوضؤ ويوقح، تقول: هذا مكان يوحل فيه ويوقح فيه، وكان البناء واحدا في الجميع، كرهوا اختلافه بالصحة في بعض (و) الإعلال في بعض، فحملوه محملا واحدا، وطردوا فيه حكم الصحة حملا لما فيه موجب الإعلال علي ما فقد فيه، وآثروا مع ذلك التصحيح على الإعلال لأنه الأصل، قاله ابن عصفور، وهو متنزع من تعليل ابن جنى وراجع إلى معناه.
وقد شذ من هذا يذر ويدع في يوذر ويودع، قال الفرزدق: وعض زمان- يا ابن مروان- لم يدع... من المال إلا مسحت أو مجلف يروى بضم ياء يدع، وكان الأصل أن يقال: يودع، من ودع (بمعنى ترك) ووجهه الحمل على فعل الفاعل، كأنه اعتبر أنه أصله وأن بناء المفعول عارض، فأبقى، الإعلال بعد التغيير على حاله قبله.
وثم شرط خامس مأخوذ من تخصيصه هذا الحكم بالفعل؛ إذ مفهوم قوله: "فا أمر أو مضارع" أن فاء غيرهما غير محذوف وإن وقعت الواو فيه كوقوعها في يعد.
وهذا صحيح، فإنك لو بنيت مثل يقطين من وعد لقلت: يوعيد،

أو من وزن لقلت: يوزين، أو من ورد لقلت: يوريد.
وكذلك ما أشبه ذلك، فالواو فيها واقعة بين ياء وكسرة كما كانت في يعد كذلك، لكنها لما وقعت في الاسم الذي هو أخف من الفعل ثبتت ولم تحذف، وقد تقدم قبل هذا الأشعار بان كونها في الفعل جزء علة، وأيضا فإن التصريف بالحذف وغيره أمكن في الفعل منه في الاسم، فساغ فيه مالا يسوغ في غيره.
وإذا ثبتت مع الياء والكسرة كان ثبوتها مع غيرها من الحروف/ الأخر أجدر، وهي الهمزة والنون والتاء، فالهمزة كما إذا بنيت مثل أصبح من الوعد بإنك تقول: أوعد، ومن الوزن: أوزن، أو مثل نرجس فإنك تقول: نوعد ونوزن.
وكذلك التوصية والتودية والتوسعة.
وهذا ظاهر.
ثم يبقى على الناظم توهم شرط سادس ظاهر من تمثيله، مع أنه غير مراده، وذلك كون الماضي على فعل، بفتح العين، فإنه يوهم أنه يتحرز به من مضارع فعل إن كان على يفعل، فيكون نحو: وثق يثق، شاذا وعلى غير قياس.
وليس بصحيح، بل كان ما كان على يفعل- كان ماضيه فعل أو فعل- فالحذف له لارم قياسا، ولا خلاف في هذا أعلمه.
وأخذ هذا الشرط أظهر من أخذ كون المضارع على يفعل، لأن هذا بالنص لقوله: "كوعد" وذلك باللزوم، إذا كان مضارع وعد يعد، فهذا من التمثيل الموقع في الإشكال.
ويجاب عنه بأن قصده إلى الأمر والمضارع يدخل له نحو: وثق يثق، وذلك أن المضارع من وعد على يفعل، فقد دخل له ما كان مضارعه من الأفعال على هذا الوزن.
وأما كونه على فعل فيدل على إهماله من

كلامه كون المضارع على يفعل؛ فإن فعل المفتوح العين غير مخصوص بيفعل، بل مضارعه يأتي على يفعل وعلى يفعل، فلو كان كون الماضي (على) فعل مشترطا لكان مناقضا لاشتراط كون مضارعه على يفعل.
وأيضا لا معنى لاستراط كون الماضي على فعل إذا كان المقصود المضارع والأمر المحمول عليه، فإذا قد ظهر من كلامه سقوط اعتبار هذا المعنى.
ثم قال: "وفي كعدة ذاك اطرد".
ذاك: إشارة إلى حذف الفاء، والحذف لم يذكره نصا، وإنما ذكر الفعل المفهوم منه الحذف وهو قوله: احذف".
فأشار إلى مدلول عليه كما يعاد الضمير عل مدلول عليه بغيره، كقوله تعالى: ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾.
ومنه قوله: إذا نهى السفيه جرى إليه... وخالف والسفيه إلى خلاف وكان "كعدة" اسم أيضا كقوله: "من كوعد"، ويريد أن عدة الذي هو مصدر وعد المذكور وما كان مثله وعلى وزانه يجرى فيه من الحذف المذكور ما جري في فعله.
وقد اشتمل هذا العقد على التنبيه على أوصاف عدة الذي يلزمه ذلك الحكم، وذلك وصفان: أحدهما: كونه مصدرا، لأن عدة مصدر وعد يعد عدة، فكل ما كان مصدرا مثله فهو مثله في الحذف كقوله: وعد عدة، ووزن زنة، ووسم سمه،

وومق مقة، ووثق ثقة، ووصل صلة، وما أشبه ذلك، كأنهم استثقلوا وعدة ووزنة، فألزموها الحذف.
وأيضا إذا كانوا يستثقلون الواو بين ياء وكسرة في الفعل والواو ساكنة، كانوا للواو عند كسرها نفسها أشد استثقالا، فحولوا كسرتها على ما بعدها وألزموها الحذف، لأنهم إن أثبتوها بعد أن سلبوها حركتها احتاجوا إلى ألف الوصل، من حيث كانت ساكنة معرضة للابتداء بها، ولا يبتدأ بساكن.
ولو جاءوا بألف الوصل- وهي مكسورة- لزمهم قلب الواء ياء لأحل الكسرة قبلها، فكانوا يقولون ايعدا أو ايعدة، فتجتمع كسرتان بينهما ياء ساكنة، فكان يجتمع ما يستثقلون، فحذفوا لذلك.
وأيضا لما كان المصدر قد يعتل لاعتلال/ فعله، كما تقدم في الإقامة والاستقامة، وقيام وصيام، أعل هذا أيضا لاعتلال فعله.
فالجواب عندهم: أن مصادر الثلاثي لما (لم) تلزم طريقة واحدة كمصادر ما زاد على ثلاثة لم يلتزم فيه الإعلال (لاعتلال) فعله، لكنه (إذا) اقترن به ثقل ما وأمكن فيه إعلال لا يلبس أعلوه، كما فعلو في

القيام ونحوه.
وكذلك فعلوا في عدة لما كسروا الواو، وهي مستثقلة كما تقدم، أعلوا بإلقاء حركتها على الساكن بعدها وحذفوها، كما حذفوها في الفعل، فقالوا: عدة وزنه، وصار بقاء الكسرة دليلا عليها.
فإن لم يكن مصدرا لم يحذف هذا الحذف، وذلك نحو: وجهة من نحو قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾، وهي بمعنى الجهة.
وحمله المازني على أنه اسم المكان المتوجه إليه، وعلى ذلك حمله الفارسي في التذكرة والإيضاح، قال في الإيضاح: "ومن جعلها التوجه كان شاذا كشذوذ القصوى والقود ونحو ذلك".
قال: "وهذا في المصدر أبعد لإجرائهم إياه مجرى الفعل، والفعل لم يصح في هذا النحو" يعني فكذلك ينبغي ألا يصح المصدر.
ومذهب سيبويه- فيما يظهر منه- أنه من المصادر، وأنه جاء شاذا.
وعلى هذا أيضا إن جاء الحذف في غير المصدر فشاذ أو مؤول بأنه مصدر في الأصل، وذلك نحو: "الرقة للورق، واللدة على مذهب المؤلف في التسهيل، وذكر غيره أنه مصدر وصف به" والظاهر عدم ذلك بدليل جمعه على لدون، والمصدر الموصوف به بابه ألا يجمع.
والوصف الثاني: كون ذلك المصدر على فعلة- بكسر الفاء ولزوم التاء- كما تقدم من الأمثلة.
وقد اشتمل هذا الوزن على ثلاثة أمور: أحدها: كسر الفاء، تحرزا من أن تكون مفتوحة أو مضمومة، فإن كانت مفتوحة لم يحذف شيء كقولك: وعد وعدا، ووزن وزنا، ووجد وجدا، ووفد وفدا،

ونحو ذلك.
وكذلك إن كانت مضمومة نحو: وجد وجدا، من قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾.
وقد تقدمت الإشارة إلى اختصاص هذا الحكم بالكسر دون غيره، من استثقالهم الكسر في الواو مع الإعلال في الفعل، وأيضا لما كان للكسر تأثير في الإعلال في الفعل دون الضم أرادوا أن يكون ذلك في المصدر- أيضا- (و) علل سيبويه بأنه إنما فعلوا ذلك بها مكسورة كما يفعل بها في الفعل وبعدها الكسرة، قال: "فبذلك شبهت".
فعلى هذا ما جاء من صلة في صلة أصله وصلة، لكنهم أعلوا كما أعلوا في المكسور الفاء، فحمل على اللغة الفاشية.
وكذلك ما جاء من نحو: قحة في قحة، وضعة، في ضعة، فإعلالهم الفاء بالحذف ونقل الحركة مع أنه غير مكسور العين شاذ لا يقاس عليه، وهذا على ما ذهب إليه غير المبرد في هذين المصدرين من (أن) الأصل فيهما فعل- بفتح العين- فأعلا، من باب حمل بعض اللغات على بعض، كما قالوا: يجد في يجد، وصلة في/ صلة.
وكذلك قولهم: سعة وجعة ونحو ذلك إنما أعل بالحمل على المكسور.
والثاني: لحاق التاء عوضا من ذلك الحذف كما في عدة الممثل به على رأي الجمهور، خلافا لما رآه الفارسي من كونها غير عوض، بدليل

جارٍ التحميل