شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 41-80

وقوع الفعل أولا تقتضي وقوعه.
فإن كانت لا تقتضي وقوعه فلا بد من نصب ما بعد (حتى) نحو قولك: ما سرت حتى أدخلها، وهل سرت حتى تدخلها؟ لأن ما قبلها لا يقتضي وقوع الفعل، وما بعد (حتى) لا يكون في الرفع إلا مسببا عما قبلها، فلا يصح الرفع، لأن عدم السير غير سبب للدخول، فلا يصح إلا النصب، بمعنى ما سار إلى هذه الغاية.
وقد أجاز الأخفش هنا الرفع قياسا منه قولك: ما تأتينا فتحدثنا، فإن ما قبل (الفاء) مثل ما قبل (حتى) في أنهما سبب فيما بعدهما، وأنت تجيز الوجهين مع (الفاء) فكذلك مع (حتى).
قال النحويون: وهذا منه قياس في موضع السماع، لأن الرفع وضع فيه المضارع موضع الماضي، و (حتى) موضع (الفاء) فلا يقال منه إلا ما قالته العرب، لأنه خروج عن الأصل.
ألا ترى أنهم قدروا: سرت حتى أدخلها بقولك: سرت فدخلت؟ وإن كانت الجملة تقتضي الوقوع فلا يخلو أن يكون سببا فيما بعد (حتى) أو غير سبب، فإن كان غير سبب فلا بد من النصب، نحو: سرت يؤذن المؤذن، وسرت حتى تطلع الشمس، فالسير ليس بسبب في أذان المؤذن، ولا في طلوع الشمس.
وإذا لم يكن سببا فلا يرفع، لأن الرفع من شرطه أن يكون ما قبل (حتى) سببا فيما بعدها.
وهذا القسم ليس كذلك، فإنما المعنى هنا معنى: إلى أن يؤذن المؤذن، وإلى أن تطلع الشمس، وهو ماض في المعنى، لكنه مؤول بالمستقبل، لأنه

بالنسبة إلى السير مستقبل.
وإن كانت الجملة سببا فيما بعدها فلا يخلو أن يكون ما بعدها مستقبلا في المعنى أو ماضيا أو حالا.
فرن كان مستقبلا فلا بد من النصب، نحو قولك: أسلمت حتى أدخل الجنة، وكلمته حتى يأمر لي بشيء، ولأسيرن حتى تطلع الشمس، وحتى أدخل المدينة.
وهذا ظاهر الدخول تحت نص الناظم.
ومعناها ها هنا معنى (كي) في المثالين الأولين، وفي الآخرين معنى (إلى).
ولا يجوز هنا رفع ما بعد (حتى) لأن الرفع لا يحصل ما يراد من الاستقبال، بخلاف ما إذا نصبت بإضمار (أن) التي تخلص للاستقبال.
وإن كان ماضيا في المعنى جاز الرفع والنصب، فالرفع على حكاية الحال، كما تقدم، وقد نبه عليه.
والنصب على معنى الاستقبال، لأن قولك: سرت حتى أدخل المدينة، والدخول ماض في معنى المستقبل، وذلك بالنسبة إلى حال السير.
وإن كان حالا فالرفع خاصة لقوله: "حالا أو مؤولا به ارفعن".
فالحاصل من هذا التقسيم: أن الرفع إنما يكون إذا كان ما بعد (حتى) حالا أو مؤولا بالحال، وهو ما نص عليه.
وسائر الأقسام داخلة تحت قوله: "وانصب المستقبلا" إذ لا يصح فيها إلا أن تكون مستقبلة: وقد جعل في "التسهيل" علامة كون ما بعدها مستقبلا كونه غاية لما قبلها، أو متسببا عنه، فيصح تقدير (حتى) بمعنى (إلى أن) أو بمعنى

(كي) وعلامة كونه حالا صحة جعل (الفاء) مكان (حتى).
ولا بد من التسبيب في الرفع، ولذلك كان علامة ذلك (الفاء) المقتضية للتسبب، وذلك أن (حتى) أصلها أن تكون جارة، وكونها جارة يأتي بمعنيين: بمعنى (إلى) وبمعنى (لام السبب) وما عدا ذلك، من ابتداء الغاية والعطف، إنما هو اتساع فيهما، ولذلك يصحبها معنى الغاية في جميع الأقسام، فإذا اتسع فيها فلا يكون ذلك إلا في موضع لا تصلح أن تكون فيه جارة، ولا يمكن كونها جارة إذا دخلت على غير الاسم الصريح إلا مع تقدير (أن) وذلك لا يصح إلا مع الفعل المستقبل.
وأما الحال والجملة الاسمية فلا يصلح معها (أن) فلا تدخل عليها الجارة فهنا تكون حرف ابتداء، فيرتفع الفعل بعدها؛ إذ لا سبيل إلى تقدير (أن) وما فيه الوجهان فعلى اللحظين المذكورين.
وعلى الناظم بعد هذا سؤالان: أحدهما: أن كلامه يقتضي أن الفعل المضارع إذا كان حالا، كيفما وقع، لازم فيه، ولم يقيد ذلك بقيد.
الفعل الحالي لا يرتفع إلا بشرط أن يكون ما قبله سببا له، وأن يكون موجبا، وأن يكون بعد جملة.
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة صح الرفع، وإلا لم تجز المسألة.
أما إن لم يكن ما بعد (حتى) مسببا عما قبلها نحو: سرت حتى تطلع الشمس، على معنى: سرت حتى الشمس الآن طالعة، فلا يجوز الرفع، لأن العرب لا ترفع هنا الفعل إلا إذا كان مسببا، ولا يجوز النصب أيضا لأنه فعل حال.
وأما إن لم يكن ما قبلها موجبا فكذلك لا يجوز الرفع، لأن / عدم

السير لا يكون سببا للدخول إذا قلت: ما سرت حتى أدخل المدينة، ولا بد في الر فع من السببية كما ذكر، ولا يجوز النصب لأن الفرض أن الفعل حال.
وأما إذا وقع قبلها المفرد نحو: سيري حتى أدخل المدينة، فلا يجوز الرفع، لأن ما بعد (حتى) جملة مبتدأة، فيبقى المبتدأ بلا خبر كما تقدم، ولا النصب لأنه فعل حال، والناس قد شرطوا في الرفع في الحال هنا الشروط الثلاثة، فإن تخلف شرط لم تجز المسألة بحال.
فأنت ترى قول الناظم: "وتلو حتى حالا أو مؤولا به ارفعن" يقتضي بإطلاقه أن يقال ذلك كله، وأن يقع فعل الحال في كل موضع، فيقال: سيري حتى أدخلها، وما سرت حتى أدخلها، وسرت حتى تطلع الشمس، وذلك كله غير جائز.
ولا يقال: إن هذه المسائل تمتنع رأسا، ولم يتكلم هو إلا على ما يجوز، ] لأنا نقول: الجواز [والمنع من كلامه نستفيده لا من خارج، لأنه موضوع لبيان ما يجوز في الكلام وما يمتنع.
والسؤال الثاني: أن المستقبل على وجهين كما ذكر في الحال، مستقبل حقيقة كقولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء، ومؤول كقولك: سرت حتى أدخل المدينة، لأن معناه: فدخلت، لكنه يرجع إلى المستقبل بالتأويل كما ذكر، وحقيقته المضي، فيقتضي أن ما أدل بالمستقبل ليس بمنصوب، إذ لم يثبت النصب إلا للمستقبل حقيقة وإلا فإطلاقه القول فيه بعد تقييد الحال يشعر بأن التأويل فيه غير مقصود، وهذا غير صحيح، بل هو كالمستقبل في الحكم، إلا أنه يلحظ فيه لحظان، فينصب ويرفع باعتبارهما.
والجواب عن الأول أن يقال أولا: إن الناظم إنما تكلم على الحال

والمستقبل حيث يصلح وقوعه، وإليك النظر في ذلك، ولا نكر في هذا، فقد يترك المختصر مثل هذا اتكالا على ما يقع في تفسيره.
وأيضا، أصل (حتى) أن تكون جارة كما تقدم، فلا يصلح مع تقدم المفرد غيرها، كما ذكر قبل، فلم يحتج إلى التنبيه عليه، ولا إلى اشتراط وقوع الجملة قبلها، لأنه مع (حتى) الابتدائية ليس بكلام، ومعلوم أن ما ليس بكلام غير معتبر عند النحويين، ولا جائز.
وأما اشتراط كون الكلام موجبا في وقوع الفعل الحالي بعد (حتى) فلم يذكره، لأن الكلام غير الموجب لا يكون سببا فيما بعد (حتى) وإذا لم يكن سببا فالفعل غير واقع لعدم وقوع ما قبلها، ولا معنى لكون الفعل مستقبلا إلا كونه غير واقع، فلم يصلح الموضع لفعل الحال أصلا.
وأيضا، فما المانع من أن يكون ذهب في ذلك مذهب أبي الحسن في جواز الرفع، فيكون الحال والمستقبل واردين على الموضع، والقياس على (ما تأتينا فتحدثنا) صحيح في نفسه.
وأما اشتراط أن يكون ما قبلها/ سببا لما بعدها فقد يقال: إن ذلك غير لازم عنده، كمذهب الكوفيين القائلين بجواز قولك: سرت حتى تطلع الشمس، بالرفع حكى الفراء عن الكسائي: أن من العرب من يرفع بعدها وإن لم يكن الأول سببا للثاني وحكى: إنا لجلوس فما نشعر حتى يقع حجر بيننا، وأنشد:

وقد خضن الهجير وعمن حتى... ويفرج ذاك عنه المساء.
وعلى هذا انبنى مذهب أبي الحسن في المسألة المتقدمة وإذا كان كذلك لم يكن ما أطلقه الناظم فاسدا.
وهذا لجواب في غاية التكلف، والحق أنه لم يبن على بيان مواقع الفعل بعد (حتى) وهو إخلال.
والجواب عن الثاني: يقال: أتى بالمستقبل على أعم من أن يكون حقيقة أو مؤولا، وكأنه قال: وانصب المستقبل حقيقة أو تأويلا، لأنه لما بين ذلك في الحال علم أن المستقبل يكون فيه ذلك.
وأيضا: المستقبل المؤول راجع إلى الحقيقي، لأن استقبال الفعل إنما هو بالنسبة إلى المتكلم، يتصور وقوعه حالا في الإخبار لا بالنسبة إلى ما قبل (حتى) من الفعل؛ إذ هو بالنسبة إليه مستقبل ليس إلا، فلذلك أطلق لفظ الاستقبال، ولم يقيده كالحال.
وبعد فاجواب نفي أو طلب... محضين أن وستره حتم نصب.
هذا موضع رابع من المواضع التي يلزم فيها إضمار (أن) وذلك بعد (الفاء) الموصوفة بما ذكره، وهو أن تشتمل على ثلاثة أوصاف: أحدها: أن تقع جوابا، ومعنى كونها جوابا أن يكون ما قبل (الفاء) من كلام منفي، أو فعل طلب، سببا فيما بعدها من الفعل، وشرطا فيه وذلك لأن الفاء في جميع أماكنها عاطفة.
وقد يتناول العامل بالعطف الشيئين بإعراب واحد، وبلفظ واحد، على وجه

واحد، وعلى وجهين مختلفين.
فالوجه الواحد كقولك: زيد يقوم فيتكلم، وأنت تأتيني فتحدثني.
والوجهان المختلفان كقولك: لو يترك زيد وعمرو لظلم أحدهما الآخر، ولو ترك زيد والأسد لأكله، فالترك وقع عليهما معا في اللفظ، وأحدهما ممنوع، والآخر ممنوع منه.
يجري الحكم في (الفاء) فالعطف بها على وجهين: أحدهما ظاهر، وهو أن يكون الثاني جاريا على الأول في إعرابه وظاهر معناه وهذا قد تقدم في "باب العطف".
والآخر متأول، وهو أن يكون ما قبل (الفاء) معلقا بما بعدها، شرطا فيه، وهو المتكلم فيه الآن، وذلك على أوجه مختلفة، أحوجت إلى التغيير وإضمار (أن) لتدل على تلك الوجوه.
وذلك أنك إذا قلت في النفي: ما تأتيني فتحدثني، فالعرب تنصب (فتحدثني) لتدل به على معنيين لا يدل الكلام عليهما مع الرفع: أحدهما: أن يكون الإتيان منفيا نفيا مطلقا، والحديث ممتنع من أجل عدم/ الإتيان، ولو وجد الإتيان لوجد الحديث.
والوجه الآخر: أنت يكون المعنى: ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك، فالمنفي هو الإتيان الذي يكون معه الحديث، لا الإتيان مطلقا.
فهذان الوجهان منعا عطف (تحدثني) على (الإتيان) المنفي، لأنه إذا رفع فليس أحدهما شرطا في الآخر.
ومن هنا يظهر معنى كلام الناظم، في كونه حكم على ما بعد

(الفاء) بالنصب حتما إذا كان جوابا لما ذكر، أي مسببا عما قبلها، فذكر أن (أن) تنصب بعد (الفاء) في جواب النفي أو الطلب، ولم يذكر جواز الرفع، وإن كان النحويون قد أجازوه في المسألة، لأن الرفع لا يكون مع بقاء كونه جوابا فإذا قلت: ما تأتيني فتحدثني، ارتفع من وجهين: أحدهما: أن تترك الثاني مع الأول في النفي، كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
ولا سببية في هذا.
والآخر: أن يكون موجبا، والعطف عطف الجمل، كأنك قلت: ما تأتيني، ثم أنت تحدثني الآن، ولا سببية في هذا أيضا) فلم يحتج إلى ذكر ذلك بحسب قصد ذكر النصب.
ولما كان الرفع لا يستقيم فيه المعنى الذي أرادوا صرفوا الكلام عن ظاهر لفظه، لئلا يبطل ما قصدوه من المعنى، وتأولوه على معناه، فجعلوا الكلام الأول في تقدير مصدر، وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر، وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر غير ظاهر، فلذلك قدرت (أن) فعملت عملها.
فالكلام في تقدير: ما يكون منك إتيان فحديث، ولا ينطق به لأنه لا يعطي من المعنى ما يعطيه الكلام الأول.
ولم تظهر "أن" لأن ظهورها لفظا كالمصدر الذي ظهر، ولم يظهر المعطوف عليه، إذا الظاهر إنما هو الفعل، فكان من المشاكلة لزوم الإضمار، وعليه نبه بقوله: "وستره حتم" والضمير عائد على "أن" وهي جملة اعتراض بين المبتدأ الذي هو "أن" وخبره الذي هو "نصب" وقوله: "وبعد نفي" متعلق ب "نصب.
وقد حصل أن مذهبه كون النصب بإضمار "أن" وهو مذهب سيبويه وجمهور البصريين.

وذهب الجرمي إلى أن الناصب (الفاء)، كذلك (الواو) الشبيهة وكذلك (أو) بمعنى (إلا أن) وذهب الفراء إلى أن النصب بالخلاف، كما قالوا مثل ذلك في خبر المبتدأ إذا كان ظرفا، وفي المفعول معه، وخطب الخلاف هنا يسير، لا ينبني عليه إلا حفظ حكمة هذه لصناعة خاصة، فلا ينبغي أن يتشاغل فيها بالترجيح، إلا أن ما تقدم تقديره أمكن في الحكمة الصناعية.
الوصف الثاني: أن تكون جوابا لأحد أمرين: إما النفي، وإما الطلب.
وذلك قوله: "جواب نفي أو طلب" ويشملهما أن تكون جوابا لغير الواجب، فإنه إن كان في الوجب لم يجز النصب إلا في الشعر، ويكون وجهه في الضرورة كما في غير الواجب.
ومن ذلك قوله، انشده سيبويه: سأترك منزلي لبنى تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا.
وأنشد للأعشى، وقال: أنشدنا يونس: ثمت لا تجزونني عند ذاكم... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا

/ وأنشد أيضا لطرفة: لنا هضبة لا يدخل الذل وسطها... ويأوي إليها المستجير فيعصما.
وقال: وهو ضعيف في الكلام، وإنما بابه غير الواجب كما ذكر.
فأما (النفي) فنحو قولك: ما تأتينا فتحدثنا، وما تكرمنا فنكرمك.
ومنه قوله تعالى: } ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم}.
وقوله تعالى: } لا يقضى عليهم فيموتوا}.
وأنشد سيبويه للفرزدق: فما أنت من قيس فتنبح دونها... ولا من تميم في اللها والغلاصم.
وأنشد أيضا لرجل من بني دارم:

كأنك لم تذبح لأهلك نعجة... فيصبح ملقى بالفناء إهابها.
وأنشد للفرزدق أيضا، وما قام منا قائم في ندينا... فينطبق إلا بالتي هي أعرف.
وأنشد أيضا للعين: وما حل سعدي غريب ببلدة... فينسب إلا الزبرقان له أب.
وقال الآخر: لم ألق بعدهم حيا فأخبرهم... إلا يزيدهم حبا إلى هم.
وأما (الطلب) فعلى أنواع ستة:

أحدها (الأمر) نحو: أكرم زيدا فيكرمك، وأحسن إليه فيشكرك.
ومنه قول أبي النجم، أنشد سيبويه: يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا.
والثاني (النهي) نحو: لا تكذب فتهان، ولا تعجل فتندم، ومنه قوله تعالى: } لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب} وقوله: } ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي}.
والثالث (الدعاء) نحو: اللهم اغفر لنا فتدخلنا الجنة.
وأنشد ابن المولف في "التكملة": رب وفقني فلا أعدل عن... سنن الساعيين في خير سنن.
والرابع (الاستفهام) نحو قولك: هل تأتينا فتحدثنا، وأين بيتك فأزورك.
ومنه قوله تعالى: } فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل}.

والخامس (العرض) نحو: ألا تنزل فتصيب خيرا.
وأنشد ابن الناظم عليه: يا ابن الكرام أما تدنو فتبصرما... قد حدثوك فما راء كمن سمعا.
والسادس (التحضيض) وهو قريب من (العرض) في المعنى.
ومن أمثلته قوله تعالى: } لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين}: وتقول: هلا أكرمت زيدا فيكرمك.
فهذه الأنواع الستة داخلة تحت (الطلب) لأن فيها كلها معناه.
وأما (التمني) و (الترجي) فليسا بداخلين تحته، إذ معناهما مخالف لمعنى (الطلب) ولكن الحكم فيهما واحد، وقد ذكره بعد هذا.
والوصف الثالث: أن يكون النفي والطلب اللذان وقعت (الفاء) جوابا لهما محضين، ومعنى المحض: الخالص، أي لا بد أن يكونا خالصين من غيرهما، يريد: إلا يكون النفي بالتأويل، ولا الطلب بالتأويل أيضا، بل يكونان صريحين.
والصريح منهما ما تقدم التمثيل به وأما غير الصريح، وهو/ المحرز منه، فالنفي كقولك: أنت غير آت إلينا فتحدثنا، وغير قائم الزيدان فيكرمهما، فها هنا لا ينصب عنده ما بعد (الفاء) لأن النفي هنا بالتأويل، إذ كانت (غير) أصلها مخالف، واستعمالها في النفي بالتأويل، كما

قال تعالى: } غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.
وعدم الجواز في هذا مذهب ابن السراج.
وقد ذهب إلى النصب بعده قوم من النحويين، واختاره المؤلف في "التسهيل" لأجل دخول (لا) النافية في العطف، كما ذكر في الآية التي في "الفاتحة".
ورد ذلك ابن السراج بأن (غيرا) ليس بحرف نفي، وإنما هو اسم مضاف.
وتحرز أيضا بكون النفي محضا من أن يكون قد صحب ما يخرجه عن معناه إلى الإيجاب مع بقاء أداته كقولك: ما زلت تأتينا فتحدثنا، ولا تزال تأتينا فتحدثنا، (فلا بد هنا من الرفع في "تحدثنا").
وكذلك أخوات (زال) التي يشترط فيها النفي نحو: ما انفك، وما فتئ، وما برح، فالنفي هنا قائم، والمعنى معنى (أنت تأتينا فتحدثنا) فلا بد من الرفع في "تحدثنا" إلا على قول من يقول: وألحق بالحجاز فأستريحا فلم يكن النفي هنا محضا.
وهذه المسألة أدخل في رأس المسألة منها في هذا الموضع، وهو قوله: "وبعد فاجواب نفي" لأن هذا ليس بنفي في الحقيقة، وكذلك قولك: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، لصيرورته إيجابا.

ومن النفي المؤول التشبيه في قولهم: كأنك وال علينا فتشتمنا، وكأنك أمير فتضربنا.
النصب هنا مذكور، لأن المعنى معنى النفي، كأنك قلت: ما أنت وال علينا فتشتمنا، وما أنت أمير فتضربنا.
ولكن الناظم أخرجه عن مراده لكون مثل ذلك غير مطرد في باب النفي، ومن ذلك ما جاء في (حسبت) من قولهم: حسبته شتمني فآثب عليه، نصب "فأثب" من حيث الشك الذي في (حسبت) وهو يشبه النفي، لأن المعطوف فيه غير واجب الوقوع، والوثوب لم يقع، لأن الشتم لم يتحقق وجوده، فكأنه في تقدير: ما شتمني فآثب عليه، وهذا ليس بقياس في مثله، فلذلك تحرز منه.
ويدخل له في التحرز أيضا نفي (قلما) لأن النفي فيها ليس بحق الأصل، وإنما هو بالتأويل، فلا تقول: قلما يأتيني فأكرمه، وإن جاء فإنما يكون متلقي من السماع.
وانظر في ذلك.
وأما (الطلب) غير المحض، وهو المتحرز منه، فيقع في الأمر، والدعاء، والاستفهام.
فأما (الأمر) فقد يكون بلفظ الخبر، كقولهم: حسبك ينم الناس، واتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه.
ومنه قوله تعالى: } تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله}.

ثم قال: } يغفر لكم ذنوبكم}.
فجزم الجواب فيها دال على أن المعنى: اكتف نيم الناس، وليتق الله امرؤ.
والمعنى في الآية: آمنوا بالله ورسوله/ وجاهدوا في سبيل الله.
فمثل هذا لا ينصب فيه الفعل بعد (الفاء) على ما يقتضيه (النظم) فلا تقول: حسبك الكلام فينام الناس، ولا اتقى الله امرؤ فيثاب، ولا نحو ذلك، وهو نص المؤلف في "التسهيل" ونسب الجواز إلى الكسائي.
قال: ابنه في "التكملة": والقياس يأبى ذلك، لأن المصحح للنصب بعد (الفاء) بإضمار (أن) إنما هو تأول ما قبلها بالمصدر، ليصح العطف عليه، فإذا كان قبل (الفاء) أمر بلفظ المبتدأ والخبر، أو اسم فعل، تعذر تأوله بالمصدر، لتعذر تقديره صلة ل (فامتنع نصب ما بعد (الفاء).
قال: ومن ثم لم يوافق الكسائي فيما ذهب إليه أحد، إلا أن بعض أصحاب كتاب سيبويه، وهو أبو الحسن بن عصفور، أجاز نصب جواب اسم الفعل غير المشتق، ثم رد عليه بتعذر تقدير المصدر من اسم الفعل، وفي الرد نظر، ليس هذا موضعه.
وسيأتي الكلام على اسم الفعل إثر هذا إن شاء الله، حيث تعرض له الناظم.
وأما (الدعاء) فكالأمر في هذا، والخلاف فيه واحد، إلا أن الفراء

وافق الكسائي في النصب، فيجوز عندهما أن تقول: غفر الله لك فيدخلك الجنة، كما لو كان بلفظ الأمر عند المؤلف.
وقد حكى ابن المؤلف في "التكلمة" عن البصريين منع النصب في جواب الدعاء إذا كان بغير لفظ الطلب، وأجازه ابن عصفور، وظاهر كلام النحويين الجواز، لأن عباراتهم في الجواز مطلقة، وابن السراج نص على عدم الجواز، وهو الذي يقتضيه السماع؛ إذ لم ينقل البصريون ذلك سماعا عن العرب، وإنما نقلوه حيث يكون الأمر محضا لا مؤولا، وإذا كان الأمر محضا كان النصب جوابا على القياس.
وأما إذا خرج عن ذلك فلا يقاس؛ إذ الأمر ليس على بابه، فلا يترتب عليه من النصب ما يترتب على ما جاء على أصل الباب، فالأظهر ما أشار إليه من عدم النصب.
وأما (الاستفهام) فإذا لم يتمحض معناه للكلام بعده ويتبين فلا يجوز النصب بعده عند الناظم، فإن النصب عند المؤلف فيما ولي (الفاء) أو (الواو) بعد الاستفهام لا يجوز إلا إذا لم يتضمن وقوع الفعل، إما لأنه استفهام عن الفعل نفسه نحو: هل تسير فتصيب خيرا؟ وإما لأنه استفهام عن متعلق الفعل، غير محقق الوقوع نحو: متى تسير فأرافقك؟.
وفي الحديث: "من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر به؟ "فينصب لأنه جواب فعل غير واجب.

فلو كان الاستفهام غير متعلق فعل محقق الوقوع كقولك: لم تأتينا فتحدثنا؟ وأين ذهب زيد فنتبعه؟ فالفعل هنا محقق الوقوع، فليس الاستفهام فيه بمتمحض، فلم يجز النصب لأنه في معنى الواجب.
وعلى أن ابن كيسان حكى النصب في جواب الاستفهام في نحو: أين ذهب زيد فنتبعه؟ وكم مالك/فنعرفه؟ ومن أبوك فنكرمه؟.
قال ابن المؤلف: ولا أراه يستقيم على مأخذ البصريين إلا بتأويل ما قبل (الفاء) باسم معمول لفعل أمر دل عليه الاستفهام، والتقدير: ليكن منك إعلام] بموضع ذهاب زيد فاتباع منا، وليكن منك إعلام بقدر مالك فمعرفة منا، وليكن منك إعلام [بأبيك فإكرام مناله.
ثم على الناظم هنا درك من وجهين: أحدهما: أن نصه على كون النفي محضا يقتضي أنه إذا دخل الاستفهام على النفي، فصيره تقديرا لا ينتصب الفعل معه بعد (الفاء) فلا تقول: ألم يقم زيد فيكرمك؟ لأن النفي هنا غير متمحض؛ بل صيرته الهمزة إي معنى آخر غير النفي، لكن ذلك جائز مطلقا، ولا أعلم أحدا خالف فيه.
قال سيبويه: وتقول: ألم تأتينا فتحدثنا؟ إذا لم يكن على الأول، بمعنى: إذا لم تعطفه على المجزوم، ثم أنشد في النصب:

ألم تسأل فتخبرك الرسوم... على فرتاج، والطلل القديم.
ثم قال بعد ذلك: وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا؟ إذا جعلته جوابا، ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان.
فهذا وما كان مثله النصب فيه بعد (الفاء) سائغ، وذلك عند الناظم، بمقتضى اشتراطه، غير سائغ، وهو إخلال.
ولو كانت المسألة مختلفا فيها لكان له بعض العذر في الاحتراز منها إن لم يحجج بالدليل.
والوجه الثاني أن الاستفهام أيضا قد يتغير معناه ولا يكون محضا، فينتصب جوابه بعد (الفاء) وذلك نحو قولك: هل أتيتنا فتحدثنا؟ إذا جعلت (هل) تعطي معنى النفي.
وكذلك: هل أحسنت إلي فأكرمك؟ لأن (هل) قد تأتي للإشعار بالنفي نحو قوله: } هل من خالق غير الله}.} ومن يغفر الذنوب إلا الله}، وهو جائز قياسا بلا إشكال.
والتقييد هنا يعطي خلاف ذلك.
ولا يقال: إنه دائر بين النفي والاستفهام، فلا بد أن يدخل تحت أحدهما إن لم يدخل تحت الآخر، وكلاهما يشمله كلام الناظم- لأنا نقول: كلا المحملين غير محض في معناه، لأن الاستفهام، الذي هو الأصل، متروك بالمعنى

الطارئ، والنفي غير أصيل في (هل) فلا يدخل له تحت واحد منهما.
والجواب عن الأول: أن نصب الفعل بعد التقرير] الأول [ليس جوابا للتقرير، وإنما هو جواب للنفي.
وذلك أنك إذا قلت: ألم تأتنا فتحدثنا؟ ] أصله: لم تأتنا فتحدثنا [على معنى: لم تأتينا محدثا، وهكذا كل ما دخل عليه الاستفهام من النفي.
والنصب قبل الاستفهام جائز، لأن ما قبل (الفاء) منفي حقيقة، فإذا دخلت الهمزة فإنما دخلت بعد استقرار النفي المحض، فأحدثت التقرير فبقي اللفظ كما كان، لوجود محرزة، وهو أداة النفي، ولا يضر حدوث ما حدث من المعنى، لأنه غير قادح في أصل معنى الكلام.
والذي يبين هذا أن التقرير لو كان النصب جوابا له لكان نصبا بعد الواجب، وذلك لا يكون إلا في الشعر، لأن المعنى قد أتيتنا محدثا.
ونظير هذا في اعتبار الأصل قولهم: كأنك لم تأتنا فتحدثنا، وقول الدارمي، أنشده سيبويه: كأنك لم تذبح لأهلك نعجة... فيصبح ملقي بالفناء إهابها.
قال الأعلم: شاهده/ النصب وإن كان معنى الكلام الإيجاب، مراعاة لما كان قبل دخول "كأن" يعني أن معنى الكلام أنك ذبحت،

وكذلك المعنى في: كأنك لم تأتنا، أي قد أتيتنا.
وعلى ما تقرر نص ابن خروف في التقرير، وقال في هذا البيت: أبقي النصب كما أبقى الباء في قولك: ألست بزيد؟ يعني حين دخل التقرير، فنسخ معنى النفي اعتبارا بالأصل، فإذا قد دخل هذا المعنى تحت النفي المحض، فلا إشكال على الناظم فيه.
والجواب عن الثاني جار على الجواب الأول في المعنى، لأن أصل الكلام الاستفهام، فروعي ذلك الأصل، والذي يبين ذلك أن النفي فيه ليس بصريح الدلالة إلا من جهة ما يلزم عن الاستفهام المراد به التقرير.
وأصل المعنى أن المتكلم يستفهم المخاطب عن الإحسان الذي علق عليه الإكرام، وجعله سببا فيه، تقريرا له عليه إذا قال: هل أحسنت إلي فأكرمك؟ والمخاطب يعلم أنه لم يحسن إليه، فإذا لا إكرام؛ إذ لم يقع إحسان، فالنفي راجع إلى ما عند المتكلم والمخاطب، لا إلى نفس الاستفهام، لكن حصل من المجموع النفي معنى، والاستفهام حاصل، فلا درك على هذا الوجه.
والله أعلم.
ولما أتم الكلام على (الفاء) أخذ يذكر حكم (الواو) أختها في هذا الحكم، وهو الموضع الخامس من مواضع لزوم الإضمار، فقال: والواو كألفا إن تفد مفهوم مع... كلا تكن جلدا وتظهرا الجزع.
يعني أن (الواو) التي بمعنى (مع) حكمها حكم (الفاء) في جميع مالها، من كونها تقع جوابا للنفي المحض، والطلب المحض، أو جوابا للتمني أو الترجي، على حسب ما يذكره بعد هذا.
فينتصب ما بعدها ب (أن) لازمة الإضمار، وليس مع (الواو) جواباً، لأن

السببية معها لا تكون، وإنما هو على نحو من الجواب في النفي والطلب.
ووجه النصب بعدها نحو مما تقدم في (الفاء) من أن المعنى معها قد يكون على غير جهة مجرد الجمع الذي هو الأصل فيها.
فإذا قلت: ما تأتينا وتحدثنا، فأصل الجمع فيه يفيد التشريك في عدم الإتيان، ثم إنهم قد يريدون معنى زائدا على الجمع المطلق، وهو المعية، أي: ما تجمع بين الإتيان والحديث معا، فأرادوا أن يدلوا على هذا المعنى بتغيير الكلام عن حده، إذ كان أصل الكلام لا يؤذيه، ففعلوا في (الفاء) ليحصل لهم ما أرادوا، فقدروا (أن) وألزموها الإضمار، وقدروا العطف على مصدر يعطيه معنى الكلام الأول، على حسب ما تقدم في (الفاء) من كل وجه، ولذلك أحال الناظم في حكم (الواو) على (الفاء) ولا يكون هذا إلا بعد غير الواجب، وهو النفي والطلب اللذان ذكر.
فأما (النفي المحض) فنحو: ما تأتينا وتحدثنا، ويقال: لا يسعني شيء ويعجز عنك.
ومنه قوله تعالى: } ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}.
وإذا دخل الاستفهام/ على النفي فالحكم كذلك، لأن الأصل النفي كما تقدم، فلا اعتراض به على الناظم.
ومنه قول الخطيئة، أنشده سيبويه رحمه الله تعالى:

ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودة والإخاء.
ومن ذلك ما أنشده أيضا، من قول دريد بن الصمة: قتلت بعبد الله خير لداته... ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا.
وقال حسان بن ثابت- رضي الله عنه- أنشده ابن خروف: فإن لم أصدق ظنكم بتيقن... فلا سقت الأوصال مني الرواعد.
ويعلم أكفائي من الناس أنني... أنا الحافظ الحامي الذمار المراود نصب (يعلم) على (لم أصدق) أي: إن لم يجتمع هذان، وهذا في صريح النفي.
وأما النفي غير الصريح فلا ينتصب بعده الفعل، كما لو قلت: أنت غير قائم وتسير، لأن النفي غير متمحض، وكذلك: ما زال يأتينا ويحدثنا، وقلما يأتينا ويحدثنا، وما أنت إلا تأتينا وتحدثنا، وما كان مثل ذلك، من الأشياء التي لم يكن النفي فيها صريحا، فلا بد فيها من الرفع، كما تقدم في (الفاء).

وأما (الطلب) فعلى ستة أنواع: فالأمر نحو: زرني وأزورك، أي: ليكن منك لي زيارة، وزيارة مني لك.
وأنشد سيبويه للأعشى: فقلت ادعى وأدعو إن أندى... لصوت أن ينادي داعيان.
والنهي نحو قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وأنشد سيبويه للأخطل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم.
وقوله تعالى: } ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق}.
الآية، تحتمل النصب والجزم.
والدعاء نحو: رب وفقني وأطيعك.
وأما نحو: غفر الله لك ويدخلك الجنة، فعلى ما تقدم في (الفاء) وسيأتي إن شاء الله تعالى.

والاستفهام نحو: هل تأتينا وتحدثنا؟ وذلك إذا كان الاستفهام عن الفعل، أو عن متعلق الفعل، وهو غير محقق الوقوع نحو: هل تأتينا وتحدثنا؟ ومن يأتينا ويحدثنا؟ فأما إن كان الاستفهام يتضمن وقوع الفعل لا يكون النصب إلا ما مر في (الفاء).
وأصل هذه المسألة للفارسي في "الإغفال" إذ رد على الزجاج في تجويزه النصب في قوله تعالى: } يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق}.
وأنه لو قال: وتكتموا الحق على معنى: لم تجمعون بين ذا وذا- لجاز، ولكن الذي في القرآن أجود.
فرد عليه الفارسي في هذا بمعنى ما تقدم، من كون الفعل هنا واجبا محقق الوقوع، فلا يصح فيه النصب إلا على من ينصب في الواجب، وهو شاذ، وقد ذكر مثل ذلك في (الفاء).
والعرض نحو: ألا تنزل وتصيب خيرا؟ والتحضيض نحو: هلا تنزل وتصيب خيرا.
والتمني والترجي سيأتيان إن شاء الله.
فالحاصل: أن (الفاء) و (الواو) في هذا الباب على حكم واحد، وهو ما نص عليه الناظم.
وأتى بمثال من ذلك نصب فيه ما بعد (الواو) بعد النهي، وهو قوله، "لا تكن

جلدًا وتظهر الجزع" أي لا يجتمع فيه الجلد وإظهار الجزع، والواو فيه تفيد المعية.
وإنما قيدها بذلك لأن (الواو) إذا لم تفد ذلك المعنى فهي على أصلها من الجمع المطلق، فلا حاجة إلى تغيير/ الكلام، وإخراجه عن أصله.
والجلد من الرجال: الصليب القوي على الشيء، يقال منه: جلد الرجل جلدا، وجلادة، وجلودة، فهو جلد وجليد.
والجزع: ضد الصبر، وقد جزع- بالكسر- من الشيء، وأجزعه غيره.
وجواب "إن تفد" في البيت محذوف، دل عليه قوله: "والواو كالفاء" وكان الوجه أن يأتي بالماضي، فإن الإتيان بالمضارع مختص بالشعر.
وكذلك قوله بعد "إن تسقط الفاء" وقد مر من هذا مواضع.
وبعد غير النفي جزما اعتمد... إن تسقط ألفا والجزاء قد قصد.
وشرط جزم بعد نهي أن تضع... إن قبل لا دون تخالف يقع.
يعني أن الفعل إذا وقع بعد غير الواجب في الأشياء المذكورة التي تقدم تفصيلها، وهي ينتصب بعدها مع (الفاء) فإنه ينجزم مع سقوط (الفاء) إلا ما وقع بعد النفي، فإنه لا ينجزم.
فقوله: "وبعد غير النفي" متعلق ب "اعتمد" و"جزما" مفعول "اعتمد" وغير النفي هو الطلب إن سقطت (الفاء) التي انتصب بعدها، فتقول في

الأمر: إيتنا تحدثنا، وأسلم تسلم.
ومنه قوله تعالى: } وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا}.
وفي الحديث: "وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما".
وتقول في النهي: لا تدن من الأسد تسلم.
وفي الدعاء: اللهم اغفر لنا تدخلنا الجنة، وارزقنا مالا نتصدق به.
وفي الاستفهام: هل جاءني أكرمه؟ وأين بيتك أزرك؟ وفي العرض: ألا تنزل تصب خبرا.
وفي التحضيض: هلا تقرأ تنتفع؟ وأنشد الفراء: لو كنت إذ جئنا حاولت رؤيتنا... أو جئتنا ما شيا لا يعرف الفرس.
ذهب الخدب إلى (لو) هنا تحضيض لاتمن.
وأما النفي: فلا ينجزم الفعل بعده إذا سقطت (الفاء) وإنما يكون مرفوعا فتقول: ما تأتينا تحدثنا، ولا يجوز "تحدثنا" ولذلك استثناه الناظم.
وعلة ذلك ستذكر إن شاء الله.
ثم ذكر أن الجزم، حيث ذكر، لا يكون إلا إذا قصد الجزاء، وذلك قوله: "والجزاء قد قصد" وهي جملة في موضع الحال، العامل فيها "تسقط" من

قوله: "إن تسقط الفاء" أي إن سقطت الفاء حال كون الجزاء مقصودا بذلك الفعل، أو يكون عاملة "اعتمد" أي اعتمد الجزم في هذا الحال، يعني أن الحكم بالجزم فيما ذكر إنما يكون إذا قصد به كونه جزاء لما تقدم من الكلام، أي مسببا عنه، فهناك يصح الجزم.
أما إن لم يقصد به الجزاء فلا ينجزم، نحو قولك: أكرم زيدا يكرمك، ف "يكرمك" جزاء "أكرم" أي أن إكرامه لك مسبب عن إكرامك له، فإن لم تقصد ذلك رفعت فقلت: أكرم زيدا يكرمك، ف "يكرمك" مستأنف، أي هو كذلك، أو في موضع الحال من "زيدا".
ومما جاء من ذلك مجزوما لأنه/ قصد به الجزاء جميع ما تقدم من الأمثلة.
ومما جاء غير مجزوم لأنه لم يقصد به الجزاء قول الله تعالى: } ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}.
وقال تعالى: } فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى}.
وأنشد سيبويه للأخطل: وقال قائلهم أرسوا نزاولها... فكل حتف امرئ يقضي لمقدار وأنشد أيضا، ونسبه ثعلب لعمرو لن الإطنابة ونسبه أبو عبيدة

لعمرو بن امرئ القيس: خالفت في الرأي كل ذي فخر... يا مال والحق عنده فقفوا.
تؤتون فيه الوفاء معترفا... بالحق فيه لكم فلا تكفوا.
استشهد سيبويه بعجز الأول وصدر الثاني، وأنشد أيضا: كونوا كمن آسى أخاه بنفسه... نعيش جميعا أو نموت كلانا.
وأنشد أيضا للأخطل: كروا إلى حريتكم تعمرونهما... كما تكر إلى أوطانها البقر فهذه الشواهد وأمثالها إنما يرفع فيها الفعل على أحد ثلاثة أشياء: إما على القطع وابتداء الكلام، أو على الحال من المعرفة، أو على الصفة من النكرة، وعلى هذه يحمل الفعل بعد النفي.

وعليه في هذا الاشتراط نظر، فإن ما ينجزم بعد هذه الأمور على ضربين: أحدهما: أن يكون الجزاء مقصودا فيه كالأمثلة المتقدمة.
والآخر: ألا يقصد ذلك فيه، ومع ذلك فالجزم فيه سائغ كقولك: قل له بفعل كذا، ومره بحفر البئر، ونحو هذا، فالجزم هنا صحيح وإن لم يكن على معنى: إن تقل له يفعل، وإن تأمره يحفر، وهو كثير.
وفي القرآن الكريم: } قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة}.
ف "يقيموا" مجزوم على جواب "قل" وليس المعنى على: إن تقل لهم يقيموا، ولو كان على ذلك المعنى لم يتخلف عن الإقامة أحد، وليس كذلك، فدل على أنه ليس على معنى قصد الجزاء.
وكذلك قوله تعالى: } فذرهم يخوضوا ويلعبوا}.} ذرهم يأكلوا ويتمتعوا}.} قل للذين ءامنوا يغفروا}.} فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث}.
على قراءة أبي عمرو، بجزم "يرث" وهو كثير.
وإذا ثبت هذا، فمفهوم اشتراط الناظم يقتضي أن مثل هذا لا ينجزم، وهو غير صحيح.
والجواب من وجهين:

أحدهما: أن يقال: لعله قائل بمذهب المازني والفرااء القائلين بن (يفعل) مبني لأنه فعل أمر، يعني (افعل) لكن زيد فيه حرف المضارعة حكاية، فإذا قلت: مرة يحفرها، أو فل له يفعل، بمعنى: قل له افعل، وأتى بالياء لأن صاحب الفعل غائب، كما تقول: حلف زيد ليخرجن، ولفظ يمينه "لأخرجن".
قال السيرافي: وقواه الزجاج، وإذا ساغ هذا فلا عتب عليه.
والثاني: أنه لو سلم نفي الخلاف في المسألة.
لكان له وجه من التأويل يرجع به إلى ما اشترط، وذلك بأن يقدر أن المعنى على: إن تقل له يفعل، على قصد الجزاء.
إما من جهة تغليب الظن بأن الأول إذا وقع وقع الثاني، وإما ثقة بأن الأمر كذلك يكون.
وهذا لا إشكال فيه في كلام العباد، وأما في كلام الله تعالى: فعلى أن يكون ذلك/ راجعا إلى اعتقاد العباد] وظنهم [، كما قال سيبويه في قول الله تعالى: } فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}.
وقد تقدم تقرير هذا المعنى، وبهذا التقرير يدخل كل ما اعترض به تحت اشتراط الناظم، فلا يبقى إشكال.
وفي قوله: "والجزاء قد قصد" إشعار بالجزم للفعل في الجواب، لأن الجزاء إنما يكون لشرط تقدمه، ولا شك أن المعنى في الكلام مع الجزم على الشرط والجزاء.
وقد أشعر بذلك أيضا في البيت بعد هذا، فقولك: أكرمني أكرمك،

في معنى: إن تكرمني أكرمك، ولا تدن من الأسد تسلم، في معنى: إن لا تدن منه تسلم، واللهم اغفر لنا تدخلنا الجنة، في معنى: إن تفعل ذلك يكن هذا.
وكذلك الاستفهام وغيره، فقولك: أين بيتك أزرك؟ في معنى: إن أعرف موضع بيتك أزرك، وقولك: ألا تنزل عندنا تكرم، في معنى: إن تنزل تكرم.
ولا خلاف في هذا إلا أنهم اختلفوا في الجازم ما هو؟ فمنعهم من جعل الجزم ب (إن) مقدرة، كأنه قال: إن تكرمني أكرمك، ثم وضع الأمر موضع الشرط.
ومنهم من جعل الجزم بنفس الأمر، لما تضمن من معنى الشرط.
وكلام سيبويه يحتمل الأمرين، وهو أظهر في الثاني، وإليه ذهب المؤلف، واختار ابنه الأول، والخطب في المسألة يسير، وكلاهما محتمل مما يقال به، فلا حاجة إلى الإكثار، وإنما كان هذا في غير الواجب، لأن الشرط غير واجب، فلا يقوم مقامه إلا غير واجب مثله، لأن الواجب بخلاف غير الواجب، فلا يصلح للقيام مقامه.
ولما كان النفي في التحقيق واجبا لم يصلح أن يقوم مقام غير الواجب.
ألا ترى أنه يحتمل الصدق والكذب إذا قلت: ما تأتينا، والشرط لا يحتمل ذلك.
وأيضا إذا قدرت (إن) في موضع (ما تأتينا تحدثنا) فلا يخلو أن تبقى النفي أولا، فغن لم تبقه لزم أن يقوم ما ليس فيه حرف نفي مقام ما هو فيه، وذلك غير صحيح، كما يذكر في النهي إثر هذا إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: فقد تقدم أن النفي غير واجب، ولذلك نصبت معه بعد (الفاء) وها هنا زعمت أنه واجب.

فالجواب: أن المنفي هناك بغير الواجب أنه غير الخبر المثبت، وها هنا معناه أنه غير الخبر مطلقا.
فالحاصل أن الجزم بعد النفي ممتنع، وهو مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى جوازه، ونسب إلى أبي القاسم الزجاجي القول به من ظاهر كلامه في "الجمل" وهو مذهب مردود بما تقدم آنفا، فلذلك لم يعتبره الناظم، واعلم أن كلام الناظم يشمل ما تقدم، مما ينتصب بعد (الفاء) وما سيأتي، فإن الترجي لم يتقدم له ذكر، كما تقدم تفسيره، وإنما ذكره متأخر عن هذا الموضع، وهو مما ينتصب معه الفعل بعد (الفاء) فينجزم الفعل مع إسقاطها بمقتضى هذا/ الإطلاق: فتقول: لعلي أراك أنتفع بك، وكذلك التمني نحو: ليت لي ما لا أنفق منه.
ومما جاء من الجزم في التمني قول الشاعر: لعل التفاتا منك نحوي ميسر... يمل منك بعد العسر لليسر جانبا.
والكلام في جزمه على ما تقدم.
ثم لما كان النهي محتاجا إلى ضميمة في جزم جوابه أردف بالكلام عليها فقال: "وشرط جزم بعد نهي أن تضع إن قبل لا".
يعني أن الجزم إذا وقع بعد النهي فلا بد أن يكون ذلك الجزم بحيث يصح أن يقع (إن) في التقدير قبل (لا) التي للنهي، فإذا استقام الكلام صح الجزم.

فإذا قلت: لا تدن من الأسد- تسلم- صح الجزم هنا، لأنك إذا قدرته ب (إن)] قلت: إن لا تدن من الأسد تسلم، وهذا الكلام صحيح، بخلاف ما لو قلت: لا تدن من الأسد يأكلك، فها هنا لا يصح الجزم، لأنك إذا قدرته ب (إن) [قبل (لا) لم يستقم؛ إذ كنت تقول: إن لا تدن من الأسد يأكلك.
وهذا محال لا يصح، ممن جهة أن عدم الدنو لا يكون سببا في الأكل، وهذا معنى التخالف الذي نبه عليه بقوله: "دون تخالف يقع".
يعني من غير أن تقع مخالفة بين التقدير بالشرط والكلام الأول، فإذا حصل التخالف لم يصح الجزم، فينتقل إلى غيره، فيلزم الرفع هنا على الاستئناف.
وهذا الحكم في الجزم مخالف لحكم النصب إذا قلت: لا تدن من الأسد فيأكلك× إذ المعنى فيه: عن تدن منه يأكلك، فلا يصح فيه الإتيان ب (لا) بعد (إن) إذ يصير المعنى: إن لا تدن منه يأكلك، وهذا محال.
وكذلك إن قلت: لا تدن من الأسد تسلم، تقديره على الجزم: إن تدن منه تسلم، وهو غير صحيح، فلا بد من الرفع.
ومن هنا قال سيبويه: وليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزاء.
ألا ترى أنك تقول: ما تأتينا فتحدثنا، والجزاء هنا محال.
وذلك بعد ما قرر أن قولك: لا تدن من الأسد يأكلك- بالجزم- قبيح، يعني غير جائز، وأنك إن رفعت فالكلام حسن، وكذلك إن أدخلت الفاء فحسن.

والفرق بين الموضعين، حيث لزم في الجزم الإتيان ب (لا) دون النصب، أن الجزم إنما يجوز في فعل يصح كونه جوابا لشرط، دل عليه فعل النهي، وفعل النهي منفي في المعنى، فلا بد من تقدير فعل الشرط على موافقته فتقول: لا تدن من الأسد تسلم.
وأما النصب: فإنما يجوز في فعل مسبب عن فعل قبل (الفاء) لا عن نفيه، لكنه نهى عنه طلبا لنفي المسبب لانتفاء سببه، كما في قولك: لا تدن من الأسد فيأكلك، فإن "الأكل" هنا أتى به مسببا عن "الدنو" ونهى عنه، خوفا من وقوع مسببه الذي هو "الأكل" بوقوعه.
فالجزم بعد النهي لازم لنفي ما قبله، والنصب بعده لازم لثبوت ما قبله.
فهذه علة اشتراط صحة الإتيان ب (لا) بعد (إن) في الجزم.
وقد ظهر أن الناظم ذهب في المسألة مذهب الإمام والبصريين.
وذهب الكسائي إلى جواز/ التخالف بين التقدير والمقدر، فتقول على مذهبه: لا تدن من الأسد يأكلك، وتقديره بإسقاط (لا) كأنه قال: إن تدن منه يأكلك.
وقد احتج الكسائي بقول بعض العرب: لا تسألونا نجبكم بما تكرهون.
وفي الحديث "أن بعض الصحابة قال في بعض المغازي: يا رسول الله، لا تشرف يصبك سهم من سهامهم".
وروي أيضا: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذنا بريح الثوم" بجزم "يؤذنا".

والأكثر في الرواية على إثبات الياء، وجاء أيضا: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وهذا الذي استدل له به لا مقنع فيه إذا سلم صحة الاستشهاد بالحديث في أحكام العربية، وهي طريقة المؤلف، لندوره، ولجواز أن يكون المجزوم ثانيا بدلا من المجزوم أولا لا جوابا، فالصحيح ما عليه البصريون، وهو كلام العرب.
وقوله: "وشرط" مبتدأ خبره "أن تضع" و"إن" مفعول "تضع" و "دون تخالف" متعلق باسم فاعل حال من (إن) أي حالة كون (إن) بلا مخالفة في ذلك الكلام المقدر.
وفي لفظه شيء، وذلك أنه جعل الشرط وضع (إن) قبل (لا) ولم يتعرض ل (لا) والشرط إنما هو أن توجد (لا) في التقدير، وكونها توضع (إن) قبلها أو بعدها أمر آخر.
فلو قال مثلا: أن تضع (لا) مع (إن) لكان أصرح في مقصوده، ولكن لما كان وضع (إن) قبل (لا) لازما لوجودها اكتفى بذلك لوضوح المعنى.
والله أعلم.
نجز الجزء المبارك بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.
ويتلوه إن شاء الله تعالى: والأمر إن كان بغير فعل فلا.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ منه يوم الخميس المبارك تاسع عشر شهر رجب الفرد سنة اثنين وستين وثمانمائة من الهجرة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم.

والأمر إن كان بغير افعل فلا... تنصب جوابه وجزمه اقبلا لما قدم أن الأمر ينتصب بعده الجواب إذا كان محضا، وكان كل ما يدل على الأمر المحض داخلا فيه، فدخل عليه ثم أسماء الأفعال كلها، إذ هي تدل على الأمر دلالة محضة، لا بالتأويل ولا بغير الوضع الأصيل- أراد أن يخرج ذلك، ويخص مواضع النصب، ويبين أن أسماء الأفعال لا يجري فيها ذلك الحكم، الذي هو النصب بعد الفاء.
وأيضا لما كان ما يدل على الأمر، وكانت دلالته غير محضة، خارجا عن أن ينصب معربا بعد الفاء، ـ بما قيد به هناك- أراد أن ينص هنا على أن الجزم جائز فيه، وإن لم يجز النصب، فقال: "والأمر إن كان بغير افعل" إلى آخره.
يعني أن الأمر إذا أتى في الكلام بصيغة غير صيغة الفعل المخصوص بالأمر- فلا يجوز النصب معه بعد الفاء، سواء كانت تلك الصيغة- للأمر في الأصل أولا، ويجوز الجزم إذا سقطت الفاء، وقصد معنى الجواب كما تقدم.
وقد تقدم أن صيغة (افعل) ينتصب معها الفعل بعد الفاء، فلذلك لم يذكره.
وقد ضم هذا الكلام من أنواع الصيغ الدالة على الأمر ثلاثة: أحدهما: اسم الفعل، سواء كان على وزن (فعال) أو على غير ذلك.
فأما ما جاء على (فعال) فقولك: نزال أكرمك، ومناع زيدا من الشر تؤجر عليه، وتراك زيدا يخرج، ونحو ذلك، فتجزم بقصد الجواب، والجزم على ما تقدم.
ولا يسوغ النصب بعد الفاء، فلا تقول: نزال فأكرمك، ولا مناع زيدا فتؤجر عليه.
وأجاز ذلك الكسائي من أهل الكوفة، وابن جنى من أهل البصرة،

ذكر ذلك في "الخصائص" وتبعه على ذلك بعض المتأخرين كابن عصفور، اعتبارا بالاشتقاق فيه، فإنه يتأتى بسببه أن يبنى منه المصدر كالفعل، فكما تقول في تقدير (أنزل أكرمك): ليكن منك نزول فإكرام مني، كذلك تقول في (نزال) لا فرق بين التقديرين في الفعل واسم الفعل.
ورد عليه ابن المؤلف في "التكملة" بأنه ليس في كون (نزال) وشبهه مشتقا من المصدر ما يصحح تأويله بالمصدر، لأن المصحح للنصب في الفعل هو صحة تأويله بالمصدر، من جهة أنه يصح/ أن يقع صلة ل (أن) مؤولا بالمصدر، حتى يصح: أن يعطف عليه بالفاء، وذلك في الفعل سائغ إذا قلت: ليكن منك أن تقوم فتكرم، في تقدير: قم فتكرم، بخلاف اسم الفعل المشتق من المصدر، فإنه لا يقع في صلة (أن) ولا يقدر بالمصدر، وليس بمصدر في نفسه، فبان الفرق بينهما.

وأما ما جاء على غير (فعال) فنحو: صه أكلمك، ومه تكرم، ورويد أحسن إليك، وأنشد ثابت في "دلائله" قول الشاعر: رويد تصاهل بالعراق جيادتا... كأنك بالضحاك قد قام نادبه.
ومنه أيضا: عليك زيدا أكرمك، ودونك عمرا أحسن إليك، ومكانك تحمد رأيك، ومنه قول الشاعر: وقولي كلما جشأت وجاشت... مكانك تحمدي أو تستريحي.
وكذلك ما أشبه هذا من أسماء الأفعال.
ولا يجوز النصب كما قال، لا يسوغ التأويل بالمصدر، لأنها غير مشتقة، ولا صالحة لأن تقع في صلة (أن) ولا أن يقدر منها ما يصح فيه ذلك، حتى يصح العطف إذا كان النصب راجعا إلى عطف مصدر على مصدر، قال الفارسي: وليس العطف بالفاء في هذا كالجواب، فيجوز لقائل أن يقول: يجوز أن يجاب بالفاء كما جاز أن يجاب بجواب مجزوم، لأن الجواب المجزوم ليس

بمعطوف فيقتضى أن يكون المعطوف عليه مثله، فلهذا أجاز: صه يكن خيرا لك، وحسبك ينم الناس، ألا ترى أنك لو قلت: ايتني آتك، وجاز وإن كان الأول مبنيا والثاني معربا، لأنه ليس بمعطوف، ولو كان أراد العطف لم يجز، زرني أزرك.
وقد أجاز ذلك الكسائي، فيجوز عنده أن تقول: عليك زيدا فأكرمك، وصه فأكلمك، وهو مردود بالقياس المتقدم آنفا، وبعدم السماع فيه، فلا يلتفت إليه.
والنوع الثاني: من الأنواع الدالة على الأمر بلفظ الخبر، وهو على وجهين: أحدهما: أن يكون دعاء، والآخر: أن لا.
والدعاء عند النحويين يطلقون عليه لفظ الأمر، لان صيغته كذلك.
فأما الدعاء بلفظ الخبر فكقولك: غفر الله لك يدخلك الجنة، وأكرمك لا يحاسبك، ونحو ذلك.
قال ابن الضائع: ويجري هذا المجرى، يعني مجرى (حسبك ينم الناس) ونحوه في الدعاء قولك: غفر الله لي أنج من عذاب الله، أي.
إن غفر الله لي نجوت، فهذا معناه معنى (اللهم اغفر لي أنج) لكنه جاء مجئ لفظ الإخبار بالغفران على خلاف / الأصل، فصح الجزم، لأن معنى الشرط فيه صحيح، ولا يصح النصب، فلا تقول: غفر الله لك فيدخلك الجنة، وقد تقدم وجه ذلك.
وأجازه الفراء والكسائي، وليس لهما في ذلك سماع يستند إليه، ولا قياس يعول عليه.

جارٍ التحميل