وعرنْتَن وهو دليل على أنه محذوف منه فهو من قبيل الرباعي المزيد فيه.
والبناء الرابع نحو فُعَلِل نحو قولهم عُكَمِس وعُجَلِط ودُوَدِم ودلمز وعكمص وعكلد وعلكد وخزخز قال أنشده ابن جني
أعددت للورد إذا الورد حفزْ... غربا جرورا وجلالا خزخزْ
وكذلك عُلَبِط أنشده ابن جني
وزعموا - وكذبوا - بأنهمْ... لقيهم علبطٌ فشربوا
وهو كثير جدا لكنه محذوف والمحذوف منه الألف فالأصل عُلابط بالألف.
قال
لو أنها لاقت غلاما طائطا... ألقى عليه كُلكلا عُلابِطا [298]
وأنشد الفراء
ما راعني إلا جناح هابطا... على البيوت قوطَه العلابطا
وكذلك عُكَمِسٌ أصله عكامس وعجلط عجالط وكذلك سائرها قال سيبويه «والدليل على ذلك أنه ليس شيء من هذا المثال إلا ومثال فُعالِلٍ جائزٌ فيه تقول عُجالِط وعُجَلِط وعكالط وعكلط ودوادم ودُوَدِم» وقد تقدم إنشاد الجوهري
دلامز يُربي على الدلمز
فهذا وأشباهه الذي أراد الناظم أن ينفيه بقوله «وَمَا... غَايَرَ لِلزَّيْدِ أَوِ النَّقْصِ انْتَمَى» وإذا تقرر هذا بقي الدليل على الحذف وإلا فلقائل أن يقول إن تلك لغاتٌ أصلية ولا حذف فالدليل على أنها محذوفة أنها قد اجتمع فيها أربع متحركات في الكلمة الواحدة وأربع متحركات في كلمة واحدة لا يوجد إلا أن يعرض عارض كزيادة في تقدير الانفصال نحو شجرة وجَمَزَيان في تثنية جَمَزَى أو تكون الكلمة من كلمتين نحو شَغَرَ بَغَرَ وخمسةَ عَشَر أو نحو ذلك فأما أن يوجد أربع متحركات في أصل بناء فلا ولأجل ذلك رد ابن الطراوة على الفارسي في تثنية جمزى جمزيان قال لأن فيه توالي أربع حركات ولذلك التزموا الحذف في النسب إلى جمزى قال وهذا غلط [299]
لأن العلة في الحذف في جمزيٌّ ليس امتناع توالي أربع حركات لأن ذلك يجوز كشجرة ونحوه؛ إذ كان في تقدير ما لا يجتمع فيه تلك الحركات وكذلك التثنية لأن الأصل رعيُ الواحد بل العلة في امتناع جمَزوي استثقاله مع أن الباب والأكثر في حبلى حذف الحرف فحيث لا يجوز الحذف أصلا وإن زاد العدد لا يراعى توالي الحركات وإنما سقت هذا بيانا لمحافظتهم على قاعدة امتناع أن يجتمع أربع حركات في كلمة فلما كان الأمر في الكلم العربية على هذا ثم أتى في كلامهم مثل فعلل وفعلل وفعلل وفعلل علموا بلا بذ أنها محذوف منها وإلا لألزم مخالفة القاعدة والخروج عن كلام العرب وعين لهم المحذوف نطقهم بالأصل ورأوا أن فعلل من فعالل وأن فعلل من فعالل وأن فعلل وفعلل من فعنلل وفعنلل لا شك فيه فهذا هو الدليل على صحة ما دعاه الناظم وغيره فإن قيل هذا لا دليل فيه فإن توالي أربع متحركات قد يأتي من غير عارض يعرض وذلك في نحو جمزى وبشكى ومرطى وغير ذلك مما اجتمع فيه قبل ألف التأنيث ثلاث حركات فإن ألف التأنيث في تقدير التحرك ألا ترى أنها محل الإعراب والإعراب مقدر في الألف وإذا كان مقدرا فيها والمقدر كالمنطوق به فقد صار مما يجتمع فيه أربع حركات وليست الألف في تقدير الانفصال كالتاء لأن الكلمة مبنية عليها فمرطى ونحوه مثل [300]
أن لو قلت في مرمى مرمىُ وفي مغزى مغزىُ بل كقولك في جعفر جعَفِر وهو عين ما نفيت
فالجواب أن تقدير الإعراب في ألف التأنيث لا يكون بمنزلة الحرف المتحرك وإنما الألف باقية على سكونها ومعنى تقدير الإعراب فيها أنه لو كان في موضعها حرف صحيح لكان متحركا هذا هو المراد ولا يلزم من ذلك أن تكون متحركة وهذا خصوص في ألف التأنيث وحها لأنها غير منقلبة عن شيء وأما غير ألف التأنيث كألف عصا ورحا فإنها ما كانت ألفا إلا وقد انت واوا أو ياء متحركة مفتوحا ما قبلها وحينئذ انقلبت وإذ ذاك تقول إذا كانت الألف منقلبة فلا يوجد قبلها ثلاث حركات أصلا ألا ترى أنه لم يأت نحو مدعى ومغزى ولا ما أشبه ذلك لأنه في تقدير مدعى ومغزي فيلقى فيه اجتماع أربع حركات وكذلك الأمر في ألف الإلحاق إن قلنا إن أصلها الياء على ما ذهب إليه المازني إذ هي منقلبة عن حرف متحرك وإن قلنا إنها غير منقلبة وإنما سيقت على صورتها كألف التأنيث فإن حكمها حكم المنقلبة لأنها إنما أتي بها في مقابلة المتحرك فكأنها متحركة حقيقية فمثل هذه الألف لا يوجد قبلها ثلاث حركات أصلا كما لا يوجد أربع حركات فيما آخره صحيح كسهلب وجعفر وهذا بين فيما ارتكبه الناظم [301]
وغيره في هذه المسألة في قوله «وَمَا... غَايَرَ لِلزَّيْدِ أَوِ النَّقْصِ انْتَمَى» وبالله التوفيق إلا أنه يرد عليه فيه اعتراض وهو أن ما اعتذر به عن استدراك من استدرك غير ما ذكر أو عن توهم الاستدراك قاصر إذ لا يمشي له إلا في بعض ما تقدم الاستدراك فيه فأما ادعاء الزيادة فإن تأتى له في هركلة وهندلع وما تقدم ذكره لم يتأت له في طحربة وحرفع ولا في عفرطل وغيره مما استدركه الناس إذ ليس فيها ما يدعى زيادته وأما ادعاء النقص فكذلك أيضا يقال فيه حرفا بحرف وأين هذان الأمران فينفي الاستدراك من ستة الأشياء التي ذكر في التسهيل منها هذان وذلك حيث قال «وما خرج عن هذه المثل فشاذ أو مزيد فيه أو محذوف منه أو شبه الحرف أو مركب أو أعجمي» فأما الشذوذ فقد يقال إنه كان يخرج به نحو خرفع وطحربة وطحربة وعفرطل ونحو ذلك مما استدركه أبو حيان وغيره وأما المزيد فيه والمحذوف منه فقد تقد ذكرهما وأما التركيب فكان يخرج به نحو أحد عشر وحضرموت وكذلك عبقر وحبقر على ما تقدم ذكره عن أبي عمرو بن العلاء وأما العجمة فكان يخرج بها ما كان نحو السقرقع لشراب لأهل الحجاز لغة حبشية ويقول الفرس للسكر طبرزد وطبرزل وطبرزن وكالفرند وما أشبه ذلك وما أحوج الناظم إلى إخراج [302]
الأعجمي لكثرة ما فيه من الأوزان الخارجة عهما قال وهو لم يشعر بإخراجه في مقدمة التصريف وأما شبه الحرف فهو الذي لا يحتاج إليه هنا لأنه قد قدم إخراجه أولا بقوله «حَرْفٌ وَشِبْهُهُ مِنِ الصَّرْفِ بَرِي» فلا اعتراض بع وإنما يعترض عليه بترك الثلاثة الباقية وهي الشذوذ والتركيب والعجمة فإن اقتصاره على ما ذكر يقتضي يقتضي أن نحو طحربة وعفرطل وخزفع وحضرموت وسقرقع وطبرزد داخل في الزيادة والنقصان وليس كذلك
وقد يجاب عن بعض هذا بأن الناظم إنما بنى في الاعتذار بالزيادة والنقص عما اشتهر الاعتذار عنه من المستدركات وما يوهم الاستدراك ولم يقصد لبيان الشذوذات الشاردة والأمور النادرة جدا ولا شك أن خرفعا وطحربة ونحوهما مما تقد ليس له تلك الشهرة في المنقولات النادرة ولا يليق الاحتراز من مثلها في مثل هذا المختصر بخلاف نحو الهندلع فإنه في الاستدراك مشهور قد أثبت به البناء جماعة كابن السراج والزبيدي وغيرهما فمن مثل هذا ينبغي أن يحترز المؤلف وعلى هذا نقول ما كان من نحو تلك الأمثلة التي ذكرها أبو حيان فلا ينبغي أن يلتفت إليها وأكثرها غير محقق في النقل وأكثر الكتب المشهورة في اللغة لا تجدها فيها ويكفي من وهنها وضعف الثقة بها هذا المقدار فكيف يعتذر في هذا الجزء المختصر اللطيف الحجم عن مثل ذلك ليس هذا من شأنه هنا بل لم يلتفت إلى تلك [303]
الأشياء إلا في التسهيل على الإجمال لا على التفصيل فإذا لا يحتاج في هذا النظم إلى الاعتذار بالشذوذ وهذا هو عمدة الاعتراض وأما التركيب فلم يحتج إلى ذكره لأن الثاني من المركبين زائد على الكلمة الأولى قائم مقام الزائد وهو تاء التأنيث فظاهر إخراجه من كلامه ولو لم يكن في كلامه ما يخرجه لم يحتج إليه أيضا لأن المركب كلمتان فكل كلمة لها وزنها الذي تختص به وهذا ظاهر وأما العجمة فلعمري إن الاعتراض بها وارد إلا أن يقال إن الأعجمي داخل فيما أشبه الحرف على الطريقة التي تقدمت لابن جني فيه قبل هذا لكن يلزم على عطا أن يكون الأعجمي لا يدخله التصريف على مذهبه وهذا قريب إذ قد استثناه جماعة عن دخول التصريف فيجري على رأي من رأى ذلك وإن كان الأرجح في النظر خلافه والله أعلم
وَالْحَرْفُ إِنْ يَلْزَمْ فَأَصْلٌ، وَالَّذِي... لَا يَلْزَمُ الزَّائِدُ مِثْلُ «تَا» احْتُذِي
لما تكلم الناظم رحمه الله على الأبنية المجردة من الزوائد وظهر بحصرها أن ما عداها مزيد فيه أو منقوص منه والمنقوص منه راجع إلى أنه مزيد ما عدا ما تقدم في قوله
وَلَيْسَ أَدْنَى مِنْ ثُلَاثِيٍّ يُرَى... قَابِلَ تَصْرِيفٍ سِوَى مَا غُيِّرَا [304]
فإن ذلك خارج عما ذكر هنا عرض له هنا الاضطرار إلى بيان الحرف الزائد من الحرف الأصلي فذكر أن الحرف الذي تضمنته الكلمة على قسمين
أحدهما أن يلزم الكلمة بحيث لا ينفك عنها في جميع تصاريفها بل يكون في الكلمة كيف وجدت وعلى أي وجه تصرفت لا يفارقها فهذا الحرف هو الأصل أي الذي انبنت الكلمة في الأصل منه وهو ظاهر من حيث لم يكن عارضا في الكلمة
والثاني ألا يلزم الكلمة بل يكون في بعض تصاريفها تارة ويفارقها تارة في بعض التصاريف فليست الكلمة مبنية عليه في الأصل فهذا هو الزائد أي الذي أتي به زيادة على الكلمة بعد أن استقلت بدلالتها على معناها وذلك أن النحويين استقرءوا كلام العرب فوجدوا ألفاظا كثيرة يجمعها معنى واحد ولفظ واحد لكن يختص كل لفظ من تلك الألفاظ بأمور لا تكون في غيره ويفرقون بين تلك الألفاظ لأجل تلك الاختصاصات تارة بالحركات فقط نحو فرح وفرح وفرح فالأول يدل على معنى الفرح منسوبا إلى فاعل في الزمان الماضي والثاني يدل على ذلك المعنى منسوبا إلى محله الذي طهر فيه ومثل هذه النسب كثيرة جدا في اللغة والثالث يدل على معنى الفرح مجردا من تلك النسب وتلك الاختصاصات وتارة يفرقون بين تلك الاختصاصات بزيادة حروف كقولك ضرب وضارب [305]
ومضروب مضرب فضرب يدل على معنى الضرب مجردا من النسب وضارب يدل على الضرب متصفا به فاعله ومضروب يدل عليه واقعا بالمفعول به ومضرب يدل على الضرب أيضا منسوبا إلى محله من زمان أو مكان ونحو هذا كثير فجعلوا الحروف الدالة على طلك المعنى المشترك أصولا من حيث كانت دائرة في تلك التصاريف لا تنفك عنها وجعلوا الحروف الدالة على تلك الاختصاصات وهي الزائدة على حروف ذلك المعنى المشترك زائدة لأنها وإنم كانت تدل على معنى ما لا يختل أصل المعنى بزوالها فلو أزلت ألف «ضارب» لم يختل معنى الضرب بخلاف ما إذا أزلت حرفا من الحروف الدالة على المعنى الأصيل المشترك كالضاد أو الراء أو الباء فإن الدلالة على معنى الضرب إذ ذلك تختل وعلى هذا يتنزل مثاله وهو احتذي فالتاء كما قال زائدة لأنها لا تلزم إذ المعنى المشترك هو الحذو وحروفه الدالة عليه هو مادة ح ذ وفإذا قلت حذا يحذو حذوا وهو بحذاء ذا وحاذاه يحاذيه حذاء فمعنى الحذو موجود والتاء غير موجودة فهي ولا بد زائدة كما قال وكذلك الألف في احتذي لأنك تقول هو يحتذي ويحتذى فتزول الألف وأصل المعنى باق
واعلم أن اللزوم وعدمه على وجهين أحهما موجود في الاستعمال كالأمثلة المذكورة آنفا
والثاني موجود قياسا وإن لم يقع في الاستعمال فقرنفل مثلا النون فيه في الاستعمال لازمة إذ لم نجدها ساقطة في موضع مع أنا ندعي [306]
زيادتها وكذلك كنهبل النون فيه عندنا زائدة غير لازمة حكما مع أنها لازمة في الاستعمال ولم نسو بينها وبين همزة إصطبل بل حكمنا على الهمزة هنا بالأصالة على مقتضى الاستعمال وخالفنا في النون لكن لم يكن ذلك إلا لدليل دل على الفرق سوى الاستعمال فهمزة إصطبل محكوم لها بمقتضى قوله «وَالْحَرْفُ إِنْ يَلْزَمْ فَأَصْلٌ» ونون قرنفل ونحوه محكوم لها بمقتضى قوله «وَالَّذِي... لَا يَلْزَمُ الزَّائِدُ» فيريد أن الحرف إن لزم قياسا أو استعمالا أو لم يلزم قياسا أو استعمالا وبهذا التحرير يتبين كلامه حق البيان على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى
ثم إن هذا القانون كما يجري له في الزوائد التي من «سألتمونيها» كذلك يجري له في الزوائد التي بالتضعيف فإنك إذا قلت سلم وكلم وضرب فهذه أفعال على أربعة أحرف والعين فيها مضاعفة وأحد المضاعفين يسقط في السلام والكلام والضرب مع بقاء المعنى المشترك فإحدى العينين ولا بد زائدة وكذلك قولك مرمريس وقد عرف أنه من معنى المراسة ومن لفظها وقد سقط في المراسة إحدى الميمين وإحدى الراءين فلا بد على قاعدته من دعوى زيادتهما كما ندعي زيادة الياء أيضا لسقوطها وكذلك قولك اعشوشب المكان قد علمت الملاقاة بينه وبين قولك أعشب [307]
وأن إحدى الشينين ساقطة فلا بد أن تكون زائدة كما ادعي في الواو الزيادة لسقوطها أيضا وعدم لزومها وكذلك ما أشبه هذا وقد تبين هذا المعنى الذي أراده الناظم إلا أنه بقي فيه شرح موضع موضع اللزوم أو عدمه فإنه لم يبينه فإن قوله «وَالْحَرْفُ إِنْ يَلْزَمْ فَأَصْلٌ» لا إشارة فيه إلى موضع لزوم ولا شك أن اللزوم وعدمه إنما يبحث عنه في تصاريف المادة التي ثبتت للمعنى المشترك لكن البحث فيها على وجهين أحدهما طريق الاشتقاق وهو الاستدلال على الفرع بأصله والثاني طريق التصريف وهو الاستدلال على الأصل بفرعه وكلاهما دليل لا غبار عليه وهما الأصل في الدلالة على الأصالة والزيادة وما عداهما راجع إليهما وقد بينت هذا المعنى في كتاب «الاشتقاق» فدلالة الاشتقاق مثل ما تقدم في تاء «احتذي» إ هو مشتق من الحذو هذا إن لم تراع المراتب الصناعية وإن راعيتها قلت: من الاحتذاء الذي اشتق من الحذو ودلالة التصريف مثل قولك إن الواو في «قعود» زائدة لقولهم في فعلة قعد ولقولهم في المرة منه قعدة وللهيئة قعدة وللفاعل قاعد وما أشبه ذلك مما يقوم الدليل عليه بفرعه فقوله «إِنْ يَلْزَمْ» «وَالَّذِي... لَا يَلْزَمُ» معناه في تصاريف المادة بطريق الاشتقاق أو بطريق التصريف ثم إنه يرد عليه في هذه القاعدة أمران أحدهما أن هذه القاعدة غير مطردة في كل شيء فإن الحرف قد يكون غير لازم في جميع التصاريف مع أنه أصل وقد يكون لازما أيضا في [308]
التصاريف كلها وهو مع ذلك زائد يقوم الدليل على زيادته بوجه آخر ولا أقول إن هذين القسمين من القليل الذي لا يعتبر مثله بل هو كثير جدا
أما كونه غير لازم مع أنه أصل ففي مواضع منها آخر المنقوص نحو شج وعم وقاض وغاز وجوار وغواش وأجر وأظب وما أشبه ذلك مما هو راجع إلى أصل ذلك الحرف المحذوف فيه أصل فإن الشجو والعمى والقضاء الغزو ونحو ذلك حروف العلة فيها أصلية بلا بد مع أنها غير لازمة في التصاريف فيقتضي كلامه أنها زوائد ومنها الأسماء الخماسية الأصول المجردة أو المزيد فيها إذا صغرت أو كسرت حذف منها الحرف الآخر أو ما قبل الآخر على ما تقدم في أبوابه والتصغير والتكسير من جملة التصاريف للكلمة باتفاق وبهما يستدل على الأصالة والزيادة في جملة ما يستدل به ألا ترى أنك تدل على زيادة همزة «أحمر» بالاشتقاق من الحمرة وبجمعه على حمر فإطلاق القاعدة يدخل مثل هذا في حكمها فيكون الحرف الأخير من الخماسي زائدا وقد فرض أنه أصل هذا خلف وهو أيضا يؤدي إلى أن لا يكون في الوجود خماسي أصلا وهو نحو ما ذهب إليه الكوفيون على ما يأتي إن شاء الله في فصل التفعيل وقد تقدم أيضا وهذا كله فاسد ومنها فيعل إذا كانت عينه حرف علة فإنه [309]
يحذف قياسا نحو ميت وهين ولين وكذلك فيعلولة نحو كينونة وقيدودة وبالجملة لكل ما حذف منه حرف أصلي لعلة تصريفية فإنه على مقتضى هذه القاعدة زائد لأنه غير لازم وهذا كله لا يصح فالإطلاق في كلامه لا يصح
وأما كونه لازما مع أنه زائد ففي مواضع أيا منها الزيادة للإلحاق نحو بيطر وحوقل فإن الياء والواو فيهما ملحقتان لهما ببناء جعفر فهما زائدان بلا بد ثم إنهما ثابتان في تصاريف البيطرة والحوقلة كلها فإنك تقول بيطر يبطر يبيطر وهو مبيطر ومبيطر لاسم المفعول واسم المصدر والزمان والمكان التي اشتقت كلها من المصدر الذي هو البيطرة فصارت الياء في البناء في مقابلة الحاء من دحرج وصار التصريف فيه على مثل التصريف في دحرج من غير زوال للحرف الزائد وكذلك الحوقلة وما كان في معناهما من الحروف الملحقة في الأسماء والأفعال فإذًا قد صار الحرف الملحق لازما في التصاريف فيقتضي أنه أصل لكنه زائد اتفاقا هذا خلف ومنها السين والتاء في الاستفعال مثلا لازمة في جميع تصرفاته فكل ما يشتق منه من فعل أو اسم فالسين والتاء لازمتان له تقول استكبر يستكبر استكبارا وهو مستكبر ومستكبر عليه ومستكبر اسم مصدر أو زمان أو مكان كذلك فيدعي الناظر في هذه القاعدة أهما أصليتان لثبوتها في [310]
التصرفات وكذلك نون الانفعال وتاء الافتعال وما أشبه ذلك فإنها كلها راجعة إلى المصدر والمصدر مزيد فيه فكذلك فروعه مع أن الزيادة لازمة ومن ذلك مثاله لأن «احتذي» تثبت تاؤه في تصرفات الاحتذاء فأشكلت القاعدة إذًا.
والأمر الثاني أنها تقتضي أن ما كان من الأصول الثلاثية المداخلة للرباعية والرباعية المداخلة للخماسية فالحرف الرابع فيه زائد لفقده في الثلاثي وكذلك الخامس لفقده في الرباعي مثال ذلك قولهم رخو ورخود لأن الرخود هو اللين العظام الكثير اللحم فهو في معنى الرخو فيقتضي أن الدال زائدة وكذلك ضياط وضيطار يوهم كلامه أن الراء زائدة وكذلك طيس طيسضل والفيش والفيشل ولوقة وألوقة وكذلك سبط وسبضطر ودمث دمثر وحيج وحبجر وكذلك رزم وازرام وضفد واضفأد وزغب الطائر ازلغب وحلقوم ودلاص [311]
ودلامص وقارص وقمارص وقرق وقرقوس وقرقر وسلس وسلسل وكذلك ما كان من نحو صر وصرصر وكب وكبكب وزلز وزلزل ومن ذلك ما لا يحصى وقد حكم أحمد بن يحيى هذه القاعدة حتى قال في قوله
يرد فلخا وهديرا زغدبا
إن الباء في زغدب زائدة ردا له إلى زغد البعير يزغد زغدا في هديره وقد شنع هذا من قوله عليه حتى حمله ابن جني أنه أراد أنهما أصلان متقاربان كسبط وسبطر وكذلك قولهم ضبغطى مع ضبغطرى وكم خذا كثير جدا هو مما تقاربت فيه الأبنية الثلاثية والرباعية لا أنها محذوف بعضها من بعض وهو قد ضم بعبارته أمثال هذا فكانت القاعدة مختلة [312]
والجواب عن الأول أن نقول أما ما حذف من الحروف الأصول فليس حذفه إلا لعلة أوجبت ذلك فيه كما يبدل لعلة يقلب لعلة خاصة فباب الإعلال خارج عن مسألتنا لأنه إذا كان الحذف فيه لعلة فالأقرب أن تنسبه إلى علته من أن تنسبه إلى كونه زائدا على الكلمة وإنما نعد الحذف دليلا على الزيادة إذا كان لغير علة سوى مجرد تقلب المادة في التصرفات كما نقول في أحمر وحمر ونحوه وأما إذا كان الحذف لموجب فلا نحتسب به في الزوائد فضلا عن أن نحتسب به في الأصول ألا ترى أن الحذف في صحار لا نعتد به في كون الياء زائدة لأن مثل هذا الحذف لا يدل على زيادة بل الحرف الأصلي فيه والزائد في رتبة واحدة فحيث وجدت العلة وجد معلولها فإذا عدمت عدم وروجع الأصل من الإثبات ولم يبق من هذا النوع إلا حذف الخماسي وقد علمت فيما تقدم أن العرب لا يكسرون الخماسي إلا على استكره لمكان الحذف وهذا منهم دليل على أن الحرف المحذوف غير زائد لأنه لو كان زائدا لم يستكرهوا ما يؤدي إلى حذفه كما أنهم لا يستكرهون حذفها من غير الخماسي في كسير ولا غيره والتصغير في ذلك محمول على التكسير كسائر الأحكام التي جرى فيها التصغير على حكم التكسير وأما ما ثبت من الحروف الزوائد في التصاريف فإنما ذلك اعتبار بإجرائه مجرى الحرف الأصلي أما حرف الإلحاق فظاهر أنه في مقابلة الأصلي فلا بد أن يجري في التصرفات مجرى ما لحق به وإلا لم يكن ملحقا [313]
به ثم سقوطه بعد ذلك في موضع آخر دليل زيادته وأما السين والتاء في الاستفعال والتاء في الافتعال ونحو ذلك فإنهم لما جعلوها في المصدر وبنوا صيغته عليها للدلالة على معنى الطلب للفعل في الاستفعال واكتسابه في الافتعال وما أشبه ذلك جعلوا هذا المعنى هو المشترك في سائر التصرفات القياسية مضار خصوص الفعل في استفعل دالا على الاستفعال منسوبا إلى الزمان الماضي وخصوص اسم الفاعل في مستفعل دالا على الاستفعال أيضا منسوبا إلى المتصف به وكذلك سائر المثل فطابق في ذلك المادة الأصلية فاعتبرت بلا بد إذ معناها مقصود في تلك الخصوصيات والتصرفات فهذا هو الداعي لبقاء الزوائد في هذه التصرفات وقد ثبت في الاشتقاق أن الحروف الثواني وهي الزوائد قد تعتبر حتى تصير مادة مع الحروف الأول وهي الأصول لكن بالقصد الثاني وإذا ثبت أنها قد تعتبر كالحروف الأصلية فبعد ذلك دليل الزيادة فيها قائم والاشتقاق يخلص ذلك أو ما يقوم مقامه فكوثر مثلا وإن كان جاريا في أحكامه على جعفر قد دل الاشتقاق من الكثرة أن الواو زائدة وكذلك بيطر قد دل الاشتقاق من البطر وهو الشق على أن الباء زائدة وكذلك سائرها لأن المادة الأولى الدالة على المعنى المشترك أوسع من استعمال المزيد وكذلك الاستفعال ونحوه كالاستعلام إذا رجعت إليه متصرفاته بالاشتقاق فلا بد أن يرجع هو إلى الأصل أول وهو العلم فقد ذهب الزوائد إذًا برجوع هذه الأشياء إلى المادة الأولى وإنما كان يلزم الإشكال على فرض أن تلك [314]
التصرفات لا اشتراك لها مع مادة مجردة وليس الأمر كذلك فسقط الاعتراض وارتفع الإشكال والحمد لله
والجواب عن الثاني ينبني على قاعدة معلومة وهي أن الزوائد من الحروف إما أن تكون زوائد بالتضعيف وهذا يكون في الحروف كلها إلا الألف فإنها لا يصح تضعيفها وإما أن تكون زوائد زوائد لغير التضعيف وقد استقرأ العلماء الزيادة على هذا النحو فوجدوها لا تخرج عن حروف «سألتمونيها» فإذا كان الحرف الموهم للزيادة منها فيمكن أن يكون زائدا في نفسه ويمكن أن يكون أصليا وإن لم يكن منها فلا سبيل إلى زيادته إلا أن يكون بالتضعيف فإذا فقد التضعيف أو لم يفقد إلا أنه فقد شرط دعوى الزيادة فلا سبيل إلى القول بزيادته فهذه قاعدة تصريفية وعليها نعتمد في الجواب فالذي اعترض به هنا من الحروف الساقطة على ثلاثة أقسام
أحدها ألا يكون من حروف «سألتمونيها» ولا من المضاعف نحو سبط وسبطر ودمث ودمثر ورخو ورخود وما أشبه ذلك فهذا لا سبيل إلى دعوى الزيادة فيه وإنما يدعى فيه أنه لفظ مرادف من مادة أخرى إذ لا يمكن فيه غير ذلك
والثاني أن يكون من المضاعف نحو صل وصلصل وعج وععجج وزلز وزلزل فيمكن أن يقال فيه بمذهب من رأى أن الساقط من [315]
المضاعفين زائد ويدل عليه قانون الناظم في الزيادة وهو سقوط الحرف في بعض تصاريف الكلمة ولا شك أن هذا كذلك ولم ينف الناظم هذا المذهب وإن كان مذهبا للكوفيين لكن أشار إليه فقط ويمكن أن يقال فيه بمذهب من رأى أن لا زيادة أصلا وأن الكلمتين من مادتين مختلفتين كسبط وسبطر ويكون مذهبه مذهب البصريين وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان المذهبين
والثالث أن يكون من حروف «سألتمونيها» فنحن فيه على أحد أمرين
إما أن ندعي أنه زائد لا نكر في ذلك لأن مثل هذا دليل على الزيادة وقد جعل ابن جني هذه الحروف زائدة على قياس مذهب الخليل في دلامص أن الميم زائدة وإن كانت مواضع الحروف الساقطة ليست بمواضع تلك الزيادة لكن يقول إن الحرف مما يزاد ومرادف الكلمة قد سقط فيه ذلك الحرف فندعي زيادته بهذا الدليل التصريفي وهو من الأدلة وإن أدى ذلك إلى عدم النظير في أوزان الكلم فالقاعدة أن الدليل إذا قام فلا يلزم إيجاد النظير ويكون هذا جاريا على طريقة الناظم لكن على أن تعد الزيادة في هذا الأشياء خارجة عن القياس الذي يذكره في زيادة الحروف كأنه يقول هذه القاعدة دالة على الزيادة والأصالة مطلقا إلا أن المزيد منه قياسي وهو ما أذكره لك بعد ومنه غير قياسي وهو ما عداه مما تشمله هذه القاعدة
وإما أن ندعي أنه أصلي إذ ليس موضعه من مواضع الزيادة الجارية [316]
في القياس ودلالة المرادف ضعيفة لإمكان أن تكون مادته مادة أخرى مخالفة كما في سبط وسبطر ودمث ودمثر ونحوه فلا قاطع بزيادة فيه من حيث لا قاطع باتحاد المادة فيهما وهذا قياس قول المازني عن ابن جني إذ جعل دلامصا من قبيل الرباعي الذي وافق أكثره حروف الثلاثي ويمكن أيضا إجراء هذا المذهب على طريقة الناظم لأن للقائل أن يقول قد ذكر مواضع الزيادة القياسية وعينها فما عداها خارج عن القياس ولا يدعى إلا بدليل ودليل الترادف ضعيف لإمكان تباين المادتين فإذا كانتا متباينتين فلم يسقط قط من دلاس شيء ولا من قارص ولا من ضفد ولا من حلق ولا زغب الطائر ولا ما كان نحو ذلك بل حروفها كلها ثابتة لازمة وحروف دلامس وقمارص واضفأد وحلقوم أعني الهمزة والميم وشبه ذلك أصول كلها لم يحذف منها شيء بل هي لازمة لتصرفات الكلمة
فالقاعدة إذًا مستتبة على كلتا الطريقتين وجارية على كلام الناظم في كلا الوجهين وقد ظهرت صحة كلامه وتمام عقده وبالله التوفيق
وقوله احْتُذِي معناه اقتدي وأيضا انتعل يقال احتذيت مثاله أي اقتديت به وأصله من المحاذاة وهي بمعنى الموازاة ويقال أيضا احتذيت بمعنى انتعلت قال الراجز [317]
كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
والحذا هو النعل واصله من حذيت يده بالسكين أي قطعتها حذت الشفرة النعل قطعتها
بِضِمْنِ فِعْلٍ قَابِلِ الْأَصُولَ فِي... وَزْنٍ، وَزَائِدٌ بِلَفْظِهِ اكْتُفِيْ وَضَاعِفِ اللَّامَ إِذَا أَصْلٌ بَقِيْ... كَرَاءِ جَعْفَرٍ وَقَافِ فُسْتُقِ وَإِنْ يَكُ الزَّائِدُ ضِعْفَ أَصْلِ... فَاجْعَلْ لَهُ فِي الْوَزْنِ مَا لِلْأَصْلِ
لما ذكر القانون الذي يعرف به الزائد من الأصلي وكانت فائدة ذلك الوصول إلى معرفة الأوزان أتى بهذا الفصل يذكر فيه كيفية وزن ما يوزن من الأسماء والأفعال وكيف تقابل حروفها بحروف المثال وذلك أنهم أرادوا أن يفرقوا بين الحروف الأصول والزوائد في أبنية الكلام فوضعوا الأوزان على أقل الأصول وهي الثلاثة فعبروا عنها بلفظ الفعل فجعلوا الفاء لأول حرف والعين للثاني واللام للثالث وإذا زادت الأصول كرروا الحرف الثالث فإن حذف من الكلمة فاء أو عين أو لام وزنوها على حالها بإسقاط ما يقابله فيقولون في عدة علة وفي سه فل وفي يد فع إن وزنوها على الأصل قابلوها على حال ما كانت عليه قبل الحذف وكذلك إن وقع إدغام أو نحوه وزنوها على حالها بتسكين ما هو ساكن في الحال وتحريك ما هو متحرك فيقولون في مكر مفعل وفي رد فعل فإن وزنوها على الأصل قالوا مفعل وفعل وكذلك ما أشبه ذلك وها هو يذكر كيفية هذا في الأصول والزوائد مكمل المعنى على الاختصار [318]
فقوله «بِضِمْنِ فِعْلٍ» الباء متعلقة بقابل أي قابل الأصول بكذا والمراد بفعل نفس لفظه وضمنه مضمنه وهو ما تضمنه من الحروف يقال كان في ضمن كتابك كذا أي في طيه كذلك أنفذته ضمن كتابي فضمن أصله الظرف لكن الناظم استعمله على الاتساع وكان الأصل أن لو قال بما في ضمن فعل قابل الأصول لكنه جعل ما في الضمن هو نفس الضمن مجازا وهو نحو من قوله تعالى ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ جعلهما ماكرين وهما ممكور فيهما كما جعل المقابلة هنا بضمن الفعل والمراد ما في ضمنه والذي في ضمن لفظ فعل هو الفاء والعين واللام فيريد أن حروف البناء على قسمين أحدهما أن تكون أصولا والثاني أن تكون زوائد
فأما الأصول فقابلها بالفاء والعين واللام إذا أردت وزنها الأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث فإذا أردت وزن رجل قابلت الراء بالفاء والجيم بالعين واللام باللام فقلت فعل فهذا وزن رجل وكذلك إذا وزنت جعل قلت فعل وعلى هذا النحو وزن سائر الأسماء والأفعال فوزن قفل فعل ووزن صرد فعل ووزن إبل فعل وكذلك وزن حسن فعل ووزن علم فعل وكذلك ما أشبه ذلك والأصل في هذا العمل واختصاص هذه العبارة التي هي لفظ فعل بالوزن أن العرب تعبر به عن كل فعل إذا أرادت الكناية عنه فتستعمل مكان ضرب أو قتل أو قام أو قعد فعل [319]
وكذلك تعبر به أيضا عن الرباعي فما زاد فاستعمله النحويون كذلك لكن على الوجه الذي يحتاجون إليه ثم عدوا هذا الاستعمال للأسماء غير المصادر إذ كان ذلك موجودا في المصادر من كلامهم ألا ترى إلى قولهم فلان حسن الفعل وحسن الفعال وكانت في فلان فعلة قبيحة أو حسنة وأيضا قد قالوا فلان يهتز للفعال أي للكرم لأنه عطاء وسماح وسخاء فكنوا عن هذه الأشياء بوزنها وكذلك قالوا افتعل فلان علي كذبا فهو مفتعل أي اختلقه فهو مختلق وكلام مفتعل أي مختلق فعبروا بالوزن على كماله عند النحاة فعدوه هم إلى سائر ما احتاجوا إلى وزنه من الموزونات وهذا حكم وزن الثلاثي وهو المتفق على وزنه هكذا وأما الرباعي فما فوقه فسنذكره حيث ذكره الناظم بحول الله تعالى
والثاني الزوائد من الحروف فالزائد على قسمين أحدهما أن يكون بعض حروف سألتمونيها والثاني أن يكون زائدا بالتضعيف يذكر إثر هذا وأما الزائد من سألتمونيها فهو الذي ذكر حكمه هنا فقال «وَزَائِدٌ بِلَفْظِهِ اكْتُفِيْ» يعني أنهم اكتفوا ببقائه على لفظه حين أتوا بلفظ الفعل ليقابلوا به الكلمة وإنما قلنا إنه أراد هذا القسم وحده لقوله بعد هذا «وَإِنْ يَكُ الزَّائِدُ ضِعْفَ أَصْلِ» إلى آخره فأخرج الزيادة بالتضعيف فلم يبق إلا القسم الآخر ومثال ذلك «اقتدر» تقول في وزنه افتعل فتقابل التاء بلفظها لأنها زائدة بدليل الاشتقاق من القدرة وكذلك همزة الوصل تأتي [320]
بلفظها أيضا لزيادتها ومثل «مستكبر» تقول في وزنه مستفعل لأنه مشتق من الكبر أو من الكبر فالميم والسين والتاء زوائد فتزنها بلفظها وكذلك ما أشبهه وإنما وزن بلفظه فرقا بينه وبين الحرف الأصلي لأن الأصل في وضعهم التمثيل والوزن التفرقة بين القبيلين وذلك إنما يتبين في الوزن فلو وزنوا بالفاء والعين اللام مطلقا لم يخلص لهم هذا القصد فتركوا الزائد على لفظه لذلك وأيضا قد تقدم فعل العرب لذلك في الفعال والافتعال وما أشبه ذلك وهذا أيضا حكم متفق عليه
ثم قال «وَضَاعِفِ اللَّامَ إِذَا أَصْلٌ بَقِيْ» يعني أنك إذا قابلت الكلمة في وزنها بحروف لفظ فعل فلا يخلو إما أن يتم لفظ الموزون مع تمام لفظ الفعل أولا فإن تم حصل المقصود بلا إشكال وإن لم يتم لفظ الموزون ولا يكون ذلك إلا إذا كان الموزون رباعي الأصول أو خماسيها فإنك تكرر لام الفعل ما بقي من حروف الموزون شيء فتقول في جعفر فعلل وفي فستق فعلل وهما مثالاه فتجعل الفاء في مقابلة الأول والعين في مقابلة الثاني واللام في مقابلة الثالث وبقي الحرف الرابع لا مقابل له وهو الراء في جعفر والقاف في فستق فيجعل له تكرر اللام وكذلك تقول في برثن فعلل وفي زبرج فعلل وفي جرهم فعلل وما كان نحو ذلك [321]
وكذلك الخماسي نحو سفرجل وقذعمل إذا قابلت حروفه بحروف الفعل بقي الحرف الرابع والخامس دون مقابل فكررت له اللام فقلت في سفرجل فعلل وفي قذعمل فعلل وفي صهصلق فعللل وفي جردحل فعلل وما أشبه ذلك
فإن قيل إذا زعمتم أن وزن جعفر فعلل فهذا البناء الذي وزنتم به إحدى اللامين فيه زائد وكذلك قولكم في فرزدق فعلل يلزم أن تكون اللام الرابعة والخامسة فيه زائدتين بناء على أصلكم في المضاعف الزائد على ثلاثة أحرف وأنتم إنما بنيتم على مقابلة الأصلي بالأصلي والزائد بالزائد كان الزائد من حروف «سألتمونيها» أو بالتضعيف فقد نقضتم ههنا تلك القضية حيث جعلتم الزائد من بناء الفعل في مقابلة الأصلي من بناء الموزون وذلك فساد في الاصطلاح فالجواب أنهم لما أرادوا وضع التمثيل بالفعل لما تقدم كان هو الأولى وإن كان ثلاثيا من قبل أن أقل الأسماء والأفعال حروف بنات الثلاثة فلو وقع التمثيل بشيء على أربعة أحرف أو خمسة لبطل وزن الثلاثي ولم يمكن وزنه إلا أن يحذف من الممثل به وذلك فساد مع أنا وجدنا بنات الثلاثة قد تصل إلى بنات الأربعة والخمسة بالإلحاق ولم نعلم أنه بني شيء من بنات الأربعة والخمسة على بناء الثلاثي فاختاروا الثلاثي لذلك لكن لما ضمتهم الضرورة إلى وزن بنات الأربعة الخمسة لجأوا إلى تكرير ما هو أصل ليكون علامة على الأصل إذ لم يمكنهم أكثر من ذلك [322]
وقد تبين كلام الناظم إلا أن ما ذكره مختلف فيه فالبصريون أجمعون وجماعة من الكوفيين على ما ذكره الناظم في التمثيل اللفظي إلى أنهم اختلفوا في الموزون فالبصريون على ما تقدم من اعتقاد أصلية الحرف الرابع والخامس وغيرهم على زيادة ما زاد على الثلاثة وقد تقدم بيان ذلك وبعض الكوفيين يلتزمون ما ألزمهم سيبويه من زنة الزائد على لفظه فيقول في جعفر فعلر وفي سفرجل فعلجل ومنهم من لا يزن مثل هذا فإذا سئل عن وزن فرزدق أو جعفر قال لا أدري هكذا حكى هذا المذهب ابن عصفور وكل ذلك لا يعول عليه ولا يستند في التمثيل إليه
وقد أورد على مذهب الجمهور إشكال وهو أنه إذا جعل «فعلل» وزانا لنحو جعفر وهو أيضا عندهم وزان قردد ومهدد ونحوهما من المضاعف اللام حصل اللبس في فعلل إذ كانت وزانا لجعفر وكذلك فعلل إذا كانت وزانا لسفرجل ولضربب من الضرب ونحوه
والجواب أن الفرق يتبين بالموزون فإن كل حرف مضاعف زائد على الثلاثة إلا أن يقوم دليل على زيادة غيره فيصير التضعيف ثلاثيا كمرد ومكر حيث تبين أنه من الرد والكر وقد ضمتهم الضرورة إلى الوزن بالثلاثي كما تقدم واللبس إنما وقع في نوع واجد وذلك في تكرير اللام فاستخفوا ذلك وارتكبوه [323]
وجعفر في الأصل اسم للصغير من الأنهار وهو أيضا اسم لأبي قبيلة من عامر وهو جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر وهم الجعافرة وفستق
ثم قال «وَإِنْ يَكُ الزَّائِدُ ضِعْفَ أَصْلِ» إلى آخره هذا هو القسم الثاني من قسمي الزائد وهو الزائد بالتضعيف ويعني أن الزائد إن كان بتضعيف الأصل أي بتصيير الحرف الواحد ضعفين أي اثنين مثلين فإنك تزنه بما وزنت به ذلك الأصل فإن كان المضاعف الفاء وذلك لا يكون إلا مع مساعدة العين كررتها فقلت في وزن مرمريس فعفعيل ودل على زيادة الميم الثانية وهي تضعيف الأولى أنه مشتق من المراسة وإن كان المضاعف العين كسلم كررتها فقلت فيه فعل وإن كانت اللام فكذلك نحو قردد تقول فيه فعلل وفي اسحنكك افعنلل وكذلك إذا اجتمعت العين واللام في التضعيف نحو صمحمح ودمكمك قلت فيه فعلعل وكذلك ما أشبهه
وإنما فعلت ذلك ولم تزنه بلفظه لأن زيادة التضعيف لما كانت مخالفة لزيادة «سألتمونيها» أرادوا أن يفرقوا بينهما فجعلوا حكم المضاعف حكم [324]
ما ضوعف منه فضعفوه في الوزن مثله فلو جعلوا قرددا مثلا فعلدا لم يتبين من الوزن كيف زيادة الدال فلما كانت الدال لا تزاد أبدا منفردة لم يجعلوها في الوزن منفردة وهذا الذي فعلوه أولى من ذكرهم له بلفظه وأوفق لكلامهم ولما قصدوه من التفرقة وأيضا فقردد يحتمل أن تكون داله الأولى هي الزائدة أو الثانية فلم يتعين إذا للزيادة إحداهما دون الأخرى فإن الخليل إن زعم أن الأولى هي الزائدة في سلم ونحوه فقد حكم سيبويه أو يونس على اختلاف التفسيرين بأن الثانية هي الزائدة ثم قال سيبويه «وكلا الوجهين صواب ومذهب» فهذا يدل على احتمال الوجهين فلم يتعين ما الذي يذكر بلفظه منهما
وهذه المسألة لم أر فيها خلافا إلا ما أشار إليه في التسهيل بقوله «خلافا لمن يقابل بالمثل مطلقا» يعني أن من النحويين من يقابل في الوزن زائد الموزون بلفظه مطلقا في زيادة التضعيف أو غيرها فيقول في مثل قردد فعلد إن اعتقد زيادة المثل الثاني وفعدل إن اعتقد زيادة الأولى ويقول مثلا في عقنقل فعنقل أو فقنعل وهذا المذهب مرجوح والأول أولى بالصناعة وعلى كل تقدير فهو خلاف في أمر اصطلاحي [325]
ثم على الناظم في هذا الكلام شيء وهو أنه ذكر في كيفية الوزن مقابلة الأصول بضمن فعل والزائد بلفظه ولم يبين كيفية الحركة والسكون ولا أنه باق على ما كان عليه ولا ذكر ترتيب اللام على العين والعين على الفاء في الأصول ولا إبقاء الزوائد في موضعها سابقة كانت أو لاحقة بل أتى بالمقابلة على الإجمال فكان كلامه غير بين في هذا المعنى وكلامه في التسهيل أصرح وأبين من هذا إذ قال «وسمي أول الأصول فاء وثانيها عينا وثالثها ورابعها وخامسها لامات لمقابلتها في الوزن بهذه الأحرف مسوى بينها في الحال والمحل ومصاحبة زائد سابق أو لاحق» ويعني بقوله في الحال يريد به الحركة والسكون أي إن الحروف المقابل بها من لفظ الفعل لا بد أن يكون على حال الحروف المقابلة فإن كان الحرف ساكنا كان ساكنا أو متحركا كان متحركا وأيضا فلا بد من اعتبار عين الحركة من كونها ضمة أو فتحة أو كسرة فيكون في المقابل به كذلك هذا هو الذي أراد بالحال وقوله «والمحل» هو عبارة عن الموقع بحسب ما ذكر من الترتيب الفاء ثم العين ثم اللامات بعدد الأصول بعد العين وقوله «ومصاحبة زائد» يعني بلفظه و «سابق» يعني للأصول كلها كما في انطلق أو «لاحق» يعني مثل سكران فإن وزنها انفعل وفعلان أو لشيء منها نحو جحنفل وزنه فعنلل النون سابقو لبعض الحروف لاحقة لبعضها فهذا الكلام هو الذي بين كيفية الوزن على أتم وجوهها وأما الناظم فترك ذلك على أتم ما يكون من الإجمال وذلك غير لائق بمنصب التعليم [326]
والجواب أن هذا المعنى لما كان قريبا للفهم معلوما لمن عنده أدنى فهم لم يحتج إلى بيانه لبيانه وأيضا فإنه كان يحتاج إلى بعض تطويل مع أن قصده الاختصار فلما اجتمع له الأمران سهولة فهم مقصوده وقصد الاختصار ترك بيان ذلك اتكالا على فهم الطالب والله أعلم وأيضا فالمقابلة تعطي أولا الترتيب لأنك إذا أردت مقابلة الكلمة بالكلمة فلست تفعل ذلك على أي وجه اتفق بل تقابل الحروف بالحروف أولا فأولا حتى تنتهي إلى آخر الكلمة وهذا هو الترتيب المطلوب ثم إذا وازنت بين الكلمتين فالموازنة تقتضي المساواة في تلك الأشياء كلها إذ لا تكون الموازنة بين متحرك وساكن ولا بين متحركين مختلفي الحركة فإذا قد دل لفظ المقابلة ولفظ الموازنة في لامه على ما أريد من ذلك فاكتفى به في شرح ما ذكره في التسهيل إلا أنه يرد عليه من جهة أخرى أنه إذا كان الوزن يقتضي مقابلة المتحرك بالمتحرك والساكن بالساكن فيخرج عن هذا الحكم ما كان من المتحركات في الموزون قد سكن إما بإدغام لتخفيف أو لإعلال فالذي لإدغام نحو رد ومرد ومدق وأصله ردد ومردد ومدقق فتزنه على أصله فتقول وزنه فعل ومفعل ومفعل ولا تقول فعل ولا مفعل ولا مفعل إذ ليس ذلك وزنه الصحيح والدليل على ذلك أنه لا يوجد في غير المضاعف مثل هذه الأوزان فلا بد من رجوعه إلى الأصل والذي للتخفيف كعضد وكتف وعلم وسهل في عضد وكتف وعلم وسهل فإنه إذا قيل ما وزن عضد قلت فعل فتأتي به على الأصل وكذلك في كتف فعل وفي علم [327]
فعل وفي سهل فعل وكذلك وزن منتفخ من قوله
فبات منتفخا وما تكردسا
مفتعل فتأتي على الأصل ويدل على أن ذلك وزنه أنه لا يوجد في أبنية الأفعال الثلاثية ما هو على فعل ولا في الأسماء المزيدة ما هو على بنية مفتعل فالضرورة تدعوك إلى أن تزنه على الأصل وكلامه على ما تقرر يعطي المقابلة اللفظية والذي سكن للإعلال نحو قام وقفا ومال ومقام واستقام وما أشبهه فإن قام وزنه فعل ولفظه على غير ذلك وقفا على وزن فعل ومال كذلك ومقام وزنه مفعل واستقام وزنه استفعل وألفاظها على خلاف ذلك وأيضا قد صار الساكن في مقام واستقام متحركا والمتحرك ساكنا فأين مقابلة المتحرك بالمتحرك والساكن بالساكن وأيضا فتعيين نوع الحركة في الموازنة قد يتخلف لإعلال أو غيره فإنك إذا قلت للمرأة اغزي يا هند فوزنه افعلي واللفظ على خلاف ذلك وكذلك قيل وبيع واختير وزنها فعل وافتعل ونوع الحركة غير موجود بل تقول في المنقوص كيد ودم وزنه فعل فلا تزنه إلا غير ظاهر لفظه ومن ذلك ما لا يحصى فقد خالفنا مقتضى الموازنة المذكورة وإشارة الناظم تقتضي أن لا بد منها وهذا فيه ما ترى [328]
والجواب أن وزن المعل عندهم يكون على وجهين
أحدهما أن يكون على أصله وهذا هو المقصود الأول في الأوزان ألا تراهم يقولون وزن قام فعل وأصله قوم إلا أن الواو انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فيبينون في الوزن الأصل وما اتفق للموزون حتى خرج في الظاهر عن ذلك الوزن وكذلك ما كان من نحو علم وكتف وعضد وعضد بناء على اعتبار الأصل إذ الأمثلة لا بد أن ترد إلى اصلها ليتبين أن ظاهر لفظ الموزون ليس هو المعتبر في وزنه ولا هو الثابت في مثله فهذا من جملة فوائد الأوزان إذ هي عندهم محصورة يعد الخارج عنها خارجا عن كلام العرب وقد ثبت في نحو كتف وعضد أن أصله التحريك فلا بد من رجوعه في الوزن إلى أصله وكذلك ثبت في قام أنه فعل وفي استقام استفعل إذ لا يوجد في الأفعال ما هو على وزن فعل مسكن العين ولا على وزن استعل بفتح الفاء وإسكان العين إلا مغيرا فردوا ذلك وما كان نحوه في الوزن إلى أصله وإذا رجع إلى أصله وتبين أن تلك الأشياء في الحقيقة على غير ظاهر لفظها صح فيها مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك وصح ما أطلقه الناظم في ذلك وكذلك حكم المساواة في نوع الحركة لأن اغزي أصله اغزوي وقيل اختير أصله قول واختير فقد استويا مع الموزون به في نوع الحركة وهكذا شأن المحذوف منه كيد ودم وقاض ونحوها لا بد ردها إلى أصلها في الوزن [329]
فالحاصل أنه إذا كان المعتبر في هذه الأشياء الأصل صحت المقابلة على كل وجه وصح التساوي في الحال والمحل
والثاني أن يكون وزن المعل على لفظه وهذا أيضا يورده أهل العربية قصدا للتمرين ولبيان حالة اللفظ الآن وما الذي حذف منه وما التغيير الحاصل فيه الآن فيقولون وزن عضد الآن بعد التسكين فعل ووزن علم فعل وكذلك قام فعل واستقام استفعل وقد قال هو قبل هذا في باب التعدي
كَذَا افْعَلَلَّ وَالْمُضَاهِي اقْعَنْسَسَا
ويريد نحو اطمأن فوزنه على لفظه لا على أصله إذ أصله افعلل اطمأنن لكن الإدغام رده إلى افعلل وكذلك ما حذف منه إذا وزن على لفظه قيل وزن يد فع وسه فل وقاض فاع وكذلك ما أشبهه وإذا كان الوزن على اللفظ صحيحا ومستعملا فهو أيضا على مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك مع مساواة نوع الحركة فلم يخرج عن لفظ الناظم شيء مما هو معتبر في الوزن على كلا التقديرين وصح ما اقتضاه نظمه
وقوله «وَإِنْ يَكُ الزَّائِدُ» أراد وإن يكن الزائد لكن حذف النون على حد ما حذفه حسيل أو حسين بن عرفطة في قوله [330]
لم يك الحق سوى أن هاجه... رسم دار قد تعفى بالسرر
وهو عند الناظم جائز في الكلام كقول يونس خلافا لما ذهب إليه سيبويه وقد تقدم ذلك في بابه
وَاحْكُمْ بِتَأَصِيلِ حُرُوفِ سِمْسِمِ... وَنَحْوِهِ، وَالْخُلْفِ فِي كَلَمْلِمِ
اعلم أن باب التصريف يشتمل على حكم الزيادة والحذف والقلب والإبدال والنقل والناظم يتكلم على كل واحد من هذه الأنواع الخمسة وابتدأ بالزيادة وهي على وجهين زيادة بالتضعيف وزيادة بغير التضعيف وهي زيادة أحد الحروف العشرة التي يجمعها قولك سألتمونيها وابتدأ الآن في ذكر حكم زيادة التضعيف
فاعلم أن الكلمة المضاعفة لا تخلو من أن تحوي ثلاثة أحرف أصول ما عدا المضاعف أو لا تكون ثلاثية إلا بالمضاعف فإن لم تكن ثلاثية إلا بالمضاعف فإما أن يكون المضاعف حرفا واحدا أو حرفين فإن كان المضاعف حرفا واحدا فالحروف كلها أصول لأن القابل للتصريف لا يكون على أقل من ثلاثة فلا يكون أحد المضاعفين زائدا البتة فنحو حظ ودعد ويين وببر وددن وطلل ومر وخزز وقدد وما أشبه ذلك أصول كله ليس أحد [331]
المضاعفين فيه زائدا لأنه يبقى على حرفين بحكم الأصل وذلك لا يكون وقد نبه على هذا القسم بقوله
وَلَيْسَ أَدْنَى مِنْ ثُلَاثِيٍّ يُرَى... قَابِلَ تَصْرِيفٍ سِوَى مَا غُيِّرَا
فلم يحتج إلى ذكر هذا الحكم هنا وإن كان المضاعف حرفين فكانت الكلمة بذلك رباعية كسلسل وسمسم وسبسب وفلفل وسأسأ وجأجأ وهلهل ونحو ذلك فهو الذي تعرض له الناظم بالنص عليه فقال «واحكم بتأصيل حروف سمسم ونحوه» إلى آخره يعني أن ما كان من نحو سمسم مما أصله حرفان مضاعفان فإنه على قسمين
أحدهما أن يكون مثل سمسم وهو ما لا يفهم معناه مع سقوط حرف منه فلو قلت في سمسم سمس لم يفهم معناه
والثاني أن يكون مثل لملم وهو فعل أمر من لملم الكتيبة إذا جمع بعضها إلى بعض وكتيبة ململمة وحجر ململم وصخرة ململمة أي مستديرة صلبة وهو من الضم والجمع وهذا مما يفهم فيه المعنى مع سقوط حرف منه فإنما تقول كتيبة ملمومة بمعنى ململمة وصخرة ملمومة كذلك
فأما القسم الأول وهو ما لا يفهم معناه مع سقوط حوف منه فذكر الناظم فيه الحكم بتأصيل جميع حروفه أي بجعلها أصولا ليس فيها [332]
زائد واحد ولم يحك في ذلك خلافا وإنما حكموا بذلك لأنهم إذا قالوا بالزيادة فإما أن يحكموا بها على المضاعفين معا أو على أحدهما فإن حكموا بذلك عليهما معا فجعلوا في سمسم مثلا السين الثانية والميم الثانية زائدتين أبقوا الكلمة على حرفين بأصل الوضع وذلك لا يكون وقد تقدم نفي الناظم لمثل هذا وإن حكوا بزيادة أحدهما كان فاسدا من وجهين
أحدهما أن دعوى ذلك مجرد تحكم لأنهم متى قالوا في السين إنها الزائد قيل لهم ولعل الميم هي الزائدة أو قالوا ذلك في الميم قيل ولعل السين هي الزائدة فلم يثبت لهم بذلك أمر يدعى مثله
والثاني أنه إن جعل إحدى السينين هي الزائدة لم يخل أن تكون الأولى أو الثانية فإن كانت الأولى لم يجز لأن الكلمة إذ ذاك من باب سلس وقلق وهو ما فاؤه ولامه من جنس واحد وهو قليل وأيضا يلزم أن يكون وزن الكلمة عفعلا وهو بناء معدوم وأيضا يلزم الفصل بين المضاعفين بأصل وذلك لا يكون على حال لأن زيادة التضعيف مشروطة بشرطين أحدهما توفر أقل الأصول والثاني عدم الفصل بين المضاعفين بأصل فحيث فقد الشرطان أو أحدهما لزم ادعاء الأصالة في المضاعف مطلقا من أجل ذلك ادعوا الأصالة في نحو حدرد وقسطاس وشعلع لما يلقى فيه من [333]
الفصل بين المضاعفين بأصل وإن كانت الثانية فكذلك لأن الكلمة إذ ذاك على وزن فعفل وذلك بناء غير موجود وإن جعل إحدى الميمين هي الزائدة لم يخل أن تكون الأولى أو الثانية فإن كانت الأولى كان وزن الكلمة فلعلا وهو معدوم وأيضا فإن الكلمة إذ ذاك من باب ددن وهو ما فاؤه وعينه من جنس واحد وذلك نادر وأيضا فيه الفصل بين المضاعفين بأصل وهو ممنوع وإن كانت الثانية هي الزائدة كان وزن الكلمة فعلعا وذلك بناء معدوم وأيضا تكون الكلمة من باب قلق وهو قليل وأيضا فصل بينهما بأصل وهو ممنوع فلما كانت دعوى الزيادة في نحو سمسم يؤدي إلى نحو هذه لمحظورات كلها اطرحوها وثبتوا على الحكم بالأصالة
وإن حوت ثلاثة أصول ما عدا المضاعف كقردد وقعدد وسردد وجلبب وشملل وما أشبهها فإن الأصل أن يدعى فيه الزيادة كما إذا [334]
كان مع الحروف الثلاثة حرف من «سألتمونيها» كأفكل ونحوه فالذي يدل من كلامه على زيادة مثل هذا حكمه بتأصيل حروف سمسم ونحوه لأنه إذا ذكر التأصيل في هذا النوع وما أشبهه فقط دل على أن ما عداه زائد والقاعدة صحيحة كما أشار إليه لأن سيبويه ذكر أن كل اسم ضوعف منه حرف عينه أو لامه وكان فيه سوى ذلك ثلاثة حروف أصول فالحكم فيه القضاء بالزيادة إلا أن يتبين لك أنه أصلي لأن الأكثر فيما عرف اشتقاقه من ذلك الزيادة كسردد ورمدد وجبن من السرد والرماد والجبن فيحمل عليه ما لا اشتقاق له كسلم وحمر ونظير هذا قلب وحول لأنه من القلب والحول وكذلك أيضا نص على أن ما تكرر فيه حرفان إما فاؤه وعينه أو عينه ولامه فهما زائدان واستدل على ذلك بدليلين
أحدهما الاشتقاق فيما له اشتقاق كذرحرح لأنهم قالوا ذراح ومرمريس لأن معناه الداهية فهو قد مارس الأمور وباشرها ثم حمل عليه ما ليس فيه اشتقاق
والثاني أنه رأى صمحمحا وبرهرهة جمعا وليس من شأن العرب جمع الخماسي الأصول بغير الألف والتاء ولا يكادون يقولون سفارج فإن اضطروا حذفوا الحرف الأخير فقط ولم يفعلوا هنا كذلك فدل على [335]
أن المحذوف زائد ومن مثل هذا القسم خدب وسلم وكلم وكذلك ما كان من نحو ردد وشدد وعدد مما فيه زائد على الثلاثة هذا فيما كان فيه تضعيف حرف مفرد وكذلك ما كان فيه تضعيفان كتضعيف العين واللام معا نحو صمحمح ودمكمك وذرحرح وبرهرهة أو تضعيف الفاء والعين نحو مرمريس ومرمريت فما زاد على الثلاثة منها زائد وكما يشمل الحكم ما لم يكن فيه زائد من سألتمونيها كذلك أيضا يشمل ما فيه زائد منها ثبتت زيادته بأحد الوجوه التي يذكرها بعد وذلك كمرمريس ومرمريت وكذلك نحو قيراط ودينار لأن أصله قراط ودنّار وكذلك ديوان أصله دوّان وكعقنقل وعثوثل وعفنجج وخفيدد وجبونن وخفيفد وكالحناء والقثاء وباب سقّاء وبناء وقراء ووضاء ومثل سرطراط وجلباب وفرنداد وجلوز وسنور وشملال وزحليل وبهلول وما أشبه ذلك وهذا الحكم المذكور من كون الزائد على الثلاثة من المضاعف زائدا هو الذي قاد النحاة إلى أن حملوا البقّم وشلم وخضم وبذر وعثر على [336]
أنها موازنة فعّل وإن كان هذا البناء من خواص أبنية الفعل إذ لم يوجد في أبنية الأسماء على ما قال الفارسي إلا في هذه الخمسة فقد كانوا خلقاء أن يحملوا هذه الأسماء على أن وزنها فعلل كجعفر لولا هذا الحكم المذكور فهو الذي دعاهم إلى أن جعلوها من هذا النوع على أن ما سوى البقم منها أعلام يمكن أن تكون منقولة من الأفعال وقد قيل في البقم إنه أعجمي فليس إذًا «فعّل» من أوزان الأسماء
ومن الفعل المزيد قولك اقعنسس واسحنكك وتجلبب وتكلم ونحو اطمأن واقشعر واحمر واحمار اغدودن واقطوطى وما كان نحو ذلك
وكما ثبت هذا الحكم فيما كان ثلاثي الأصول كذلك يثبت فيما كان رباعينا أو خماسيا وكانت فيه زيادة التضعيف نحو علّكد وهمقع وشمخر وهمرش فهو عند سيبويه من المضاعف وكالعدبّس والزمرد وسبهلل وقرشب وطرطب وما أشبه ذلك وهذا كله مبني على القاعدة [337]