شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 161-183

ويكون الدليل شبهة غير صحيحة.
فلم يأت بهذا الكلام إلا لينبهك على هذا المعنى، والله أعلم.
وقوله: "ووجب (إبدال واو)... " إلى آخره، تضمن في الشعر، وهو فيه قبيح، وأقبح قبيحه أن يتصل آخر كلمة من البيت الأول بأول كلمة من البيت الذي يعده، كهذا الذي فعل الناظم، وهو في النظم كثير جدا.
وقد مر التنبيه عليه.
ثم أخذ في ذكر ما استثنى من الجمع فقال: ويكسر المضموم في جمع كما... يقال: هيم، عند جمع أهيما يعني أن الياء إذا وقعت قبلها الضمة، وكانت الياء على الأوصاف المذكورة، من كونها ساكنة مفردة غير لام فإنها لا تقلب واوا لأجل الضمة قبلها كما فعل بالمفرد، بل ينعكس الحكم في الجمع فتقلب الضمة لأجل الياء كسرة، فتقول في جمع أهيم: هيم، وهو مثاله، أصله هيم، من الهيام وهو أشد العطش، ورجل أهيم وامرأة هيماء، وكذلك بعير أهيم، أي: أخذه الهيام، وهو داء يأخذ الإبل فتهيم، أي: تذهب في الأرض لا ترعى، وناقة هيماء، قال كثير عزة: وإني قد أبللت من دنف لها... كما دنفت هيماء ثم استسلت

فاستثقلوا الياء بعد الضمة لتباينهما فأدى ذلك إلى إعلال أحد المتباينين؛ إما الضمة للياء، وإما الياء للضمة، لكن الياء لما كانت تلي الطرف عوملت معاملة الطرف، فكما أن الياء إذا كانت طرفا وقبلها ضمة تقلب الضمة كسرة كأظب، أصله: أظبى كأفلس، فكذلك إذا كانت تلي الطرف؛ ولذلك قالوا: صيم وقيم قفلبوا الواو ياء: لما كانت تلي الطرف، ثم لما تباعدت عنه حين قالوا: صوام وقوام، لما يقلبوا.
وهذا ظاهر.
ومثل ذلك بيض في جمع أبيض، وعين في جمع عيناء أو أعين، وكذلك صيد في جمع أصيد، ورجل أميل ورجال ميل، قال الأعشي: غير ميل ولا عواوير في الهيجا ولا عزل ولا أكفال (وهو كثير).
فإن فقد وصف السكون لم تقلب الضمة وجوبا نحو: غير في جمع غيور، وبيض في جمع بيوض، وكذلك ما أشبهه.
فلا تقلب الضمة كسرة لأجل تحرك الياء، نعم لو فرضت تخفيفها بإسكان ضم الياء على حد قولهم في رسل: رسل، لقلت: بيض، فكسرت؛ لأنه قد صار- بالتسكين- إلى وزان فعل؛ فيصار به مصير فعل؛ فنقول: بيض وغير، وما أشبه ذلك.

وإن فقد وصف الإفراد فلا يكون ذلك الحكم أيضا، وذلك نحو بيه جمع بائع، وحيض جمع حائض لا يقال فيه: حيض ولا بيع.
وكذلك في عيل جمع عائل، وسيل جمع سائل، قال أبو النجم: كأن ريح المسك والقرنفل... نباته بين التلاع السيل وأنشد ابن جني" فتركن بهزا عيلا أبناؤها... وبني فزارة كاللصوت المرد فلا تقلب الضمة في شيء/ من هذا.
ووجه هذا (أن الياء المشددة قوية ليس لها ضعف المفردة كما تقدم قبل هذا، فكما) أن الياء إذا كانت مشددة لا تقلب للضمة قبلها (واوا) فلا تقول في مثل سلم من البيع: بويع، فكذلك لا تقلب الضمة لها، كانهم قصدوا بهذا نوعا من الموازنة.
وكذلك الواو المشددة لا تقلب ياء للكسرة قبلها، فكذلك الضمة لا تقلب كسرة للياء المشددة، وأما نحو لي جمع ألوى فإن فيه جائز والضم جائز وذلك لأجل أن العين باللام مضاعفة فاعتبر فيها، هذا النحو، لكن لما كان

هذا التضعيف باللام لا بالعين (وحدها) اعتبر فيها ذلك المقدار، فكان الكسر أولى عندهم.
فالحكم في مثل هذا مذبذب، إذ كانت اللام ليست بأجنبية من العين، لأنهما أصلان، بخلاف الحرف الزائد فإنه أجنبي، فلذلك لم يعتبر تضعيف العين (به) كما تقدم.
وإن فقد وصف كون الياء غير لام فكانت لاما فحكمها أيضا حكم هيم ونحوه، لكنه سيذكرها بعد هذا على تفصيل (غير تفصيل) الحكم في هيم، فلذلك أخر ذكر ذلك عن هذه المسألة، والله أعلم.
وواوا آثر الضم رد اليامتي... ألفى لام فعل أو من قبل يا كتاء بان من رمى كمقدره... كذا إذا كسبعان صيره وإن يكن عينا لفعلي وصفا... فذاك بالوجهين عنهم يلفى هذه مواضع أخر من قلب الياء واوا للضمة قبلها، فأولها أن تقع الياء لاما في فعل، وذلك قوله: "وواوا اثر الضم رد اليا متي.
ألفى لام فعل".
يعني أن الياء إذا وجدت في الكلام لاما لفعل لا لاسم فإن الياء ترد إلى الواو للضم

الذي قبلها؛ وذلك أن الضمة توجد كذلك على وجه واحد، وهو أن يكون الفعل ماضيا، فإنه إن كان مضارعا كان على يفعل لا على يفعل، فلا تقع فيه (الياء بعد الضمة)، ولا يوجد في الماضي غير محول إلا في فعل واحد، وذلك نهو، أصله: نهي، من نهيت.
وإنما امتنع ذلك في كلامهم لما يؤدي إليه من الخروج من الأخف إلى الأثقل؛ إذ يلزم فيه قلب الياء واوا كما فعلوا في نهو، لأن حركة العين تقوى على اللام وإن تحركت، من حيث كانت (اللام) ضعيفة، بخلاف ما إذا كانت عينا وهي متحركة فإن الضمة لا تقوى عليها كما تقدم، وإذا كان كذلك لم يكن بد من قلب الياء واوا، والياء أخف من الواو، مع أنهم إذا أتوا بالمضارع كان ولابد على يفعل، لأن باب فعل أن يكون على يفعل، فكنت تقول مثلا: رمو يرمو، فيجتمع في الماضي والمضارع واو، والضمة كالواو، فكان كاجتماع واوين، وذلك ثقيل، فهربوا مما كان مؤديا إلى ذلك.
بخلاف الواو إذا وقعت لاما نحو: سرو، فإنه لا يلزم فيه خروج من خفة إلى ثقل، فاستعملوه وأهملوا الآخر.
فإذا ثبت هذا لم يبق مما يقع عليه هذا القانون من الماضي إلا المحول إلى فعل من غيره، وذلك فعل اللازم له معنى التعجب، (وذلك) نحو: كرم الرجل زيد، وما/ أشبه ذلك.
فإذا بني مثله من فعل لامه ياء

لزم فيه لأجل قصد التعجب فعل، ولا ينقل إلى فعل لئلا يلتبس به، فاعتزموا عليه وقالوا: لقضو الرجل، من قضي يقضي، ورمو من الرمي، ونهو من النهي، وهدو من هدى يهدي، وكذلك ما أشبهه، فقلبوا فيه الياء واوا؛ إذ لم يمكنهم غير ذلك، فالفعل الذي أراد هو الفعل الماضي المبني على فعل، وهو عنده من المطرد في القياس، ولو فرضنا أن ليس بمقيس لكانت عبارته فيه صحيحة، لأنه إنما قال: "متى ألفى لام فعل"، أي: إذا وجد هذا في كلام العرب فحكمه هذا، بل لم يلتزم هو أن يوجد، فلا يعترض عليه بأن ذلك سماع فكيف تثبت له هنا قاعدة مطردة، لأن هذا من القواعد التصريفية الجارية في القياس وجد مقتضاها في السماع أو لم يوجد؛ ألا ترى أنهم يفرضون أشياء فيه أن لو كانت كيف تكون.
الثاني من المواضع: أن تكون الياء الواقعة بعد الضمة في آخر اسم لاما له أو غير لام، لكنها قبل تاء التأنيث، وكأن هذا الكلام من الناظم في (قوة) تقسيم، وهو أنه لما ذكر أولا حكم العين وما في حيزها في القلب وعدمه أخذ يذكر الآن اللام وما في حيزها أيضا، فكأنه يقول: إذا وقعت الياء بعد الضمة في آخر كلمة فإنها تبدل واوا في موضعين: أحدهما: أن تقع لاما لفعل.
ولم يستثن من ذلك شيئا، لأنها لا تكون آخر الفعل إلا لاما له.

والثاني: أن تقع آخر اسم، لكن بشرط أن يكون في آخره هاء التأنيث أو الألف والنون.
وماعدا هذين الموضعين فلا تقلب فيه الياء واوا على ما سيذكر إن شاء الله تعالى.
فأما ما آخره الهاء فهو الذي نبه عليه بقوله: "أو من قبل تا".
وهو معطوف على معنى "لام فعل"، لأن معناه: في موضع اللام، إذ ليست لام التمثيل بعينها، فجاء قوله: "من قبل تا" معطوفا على هذا المعنى، كأنه قال: ألفى في موضع اللام، أو من قبل تاء.
لكن لما كان قوله "من قبل تا" لا وجود له في كلام العرب على هذا المثال الذي يذكره؛ إذ لم يسمع مثال مقدرة من الرمي في الكلام، وإنما هو فرض فرضوه على قولهم عرقوة وقمحدوة ونحوهما- لم يترك كلامه مبهما (فقال): "لتاء بان من رمى كمقدرة"، أي: كالتاء الموجودة في بناء من بنى من رمى مثل مقدرة.
فقوله: "كتاء بان" على حذف مضاف، أي: بناء بان، إذ الباني بنفسه ليس له تاء إلا في بنائه الذي بني، وبناؤه المبني على هذا المثال هو قولك: مرموة، لأن شرط البناء مقابلة الأصلي بالأصلي والزائد بالزائد، كما هو مذكور في الكتب المبسوطة، فالأصل أن يقال هنا في البناء من رمى: مرمية.
وهذا الذي أشار إليه بأن تقلب ياؤه واوا للضمة، وكذلك ما كان نحوه من بنائك على مثال مقدرة من سرى يسري فتقول: مسروة، أو من بني فتقول: مبنوة أو من عنى يعني فتقول: معنوة.
وكذلك ما أشبهه، فتقلب الياء واوا، ولا تقلب الضمة كسرة فتصح الياء، قالوا:

لأن الكلمة لما بنيت على هاء التأنيث فصارت غير مفارقة لها صارت الواو فيها بمنزلة واو قمحدوة/ وقلنسوة وعرقوة وترقوة، فقد جرت الهاء هنا مجرى الألف والنون على ما يأتي في كون الكلمة مبنية كلها لم تكن الكلمة موجودة قبل الألف والنون في نحو: عثمان وعمران، فكنت أولا تستعمل عثم وعمر ثم دخلتا عليهما، فكذلك المسألة الأخرى، لم يكون قمحدو، وعرقو، ونحوهما، هكذا مستعملا ثم دخلت عليه التاء.
ويتعلق بكلامه هنا مسألتان: إحداهما: أن من شرط هذا الحكم الذي قرر في مثال مقدرة من الرمي أن يكون مبنيا على تاء التأنيث كما تقدم في التعليل أنفا، فإنها أن لم تكن الكلمة مبينية عليها لم يصح هذا الحكم، بل ينعكس الأمر، فتحكم اللام على الضمة فتنقلب كسرة، فتقول في مرموة: مرمية، كما لو قدرت سقوطها من قمحدوة لقلت: قمحدية.
إلا أن العرب عاملته على لزوم التاء، ولأجل هذا الشرط يقول المازني وغيره حين يذكرون هذا: تقول في مفعله من رميت: مرموة، إذا بنيتها على التأنيث، ومرمية، إذا بنيتها على التذكير.
ومعنى ذلك أن تقدر الكلمة من أول أحوالها غير منفكة من التاء أو تقدرها منفكة وإن لم ينطق بها إلا بالتاء، فهو عندهم أمر تقديري، ؤإذا كان كذلك فالناظم لم يشترط هذا الشرط، ولا ظهر من كلامه إشارة إليه، فاقتضي أنك تقول: مرموة، وإن قدرت

أنه أتى (به) على التذكير.
وذلك غير صحيح، بل الحكم عندهم- كما ذكرت- لك، فكلامه إذا مشكل.
والجواب عن هذا: (أن) في كلامه ما يرفع عنه الاعتراض، وذلك أنه قد تقرر من مذهبه في هذا النحو على ما بينه لنا شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف- رحمه الله- أن اللزوم وعدمه عنده ليس إلا من جهة السماع فما سمع في مثاله النطق بالمذكر فهو الذي يصح فيه عنده وعند غيره البناء على التذكير، (و) مالم يسمع فيه المذكر فهو المبني على التأنيث، وهو مذهب سيبويه والحذاق، ولذلك قيد هنا التاء بكونها في مثال لم يسمع له بمذكر (وهو مقدرة)، فقال: "كتاء بان من رمى كمقدرة"، والكاف هنا في موضع الصفة لتاء، كأنه قال: أو من قبل تاء هذه صفتها.
فالمثال فيه تقيد ضروري هو هذا، فإذا بنيت من الرمي مثلا مثل فعله قلت: رمية، إن لم تقدر بناءه على التاء، لأنك بنيت على مثال مالا يلزمه التاء، بخلاف ما إذا بنيت منه مثال مقدرة فإنك (لا) تقول إلا مرموة، ولا تقول في هذا: مرمية، كما (لا) تقول في الأول: رموة، لأنه ليس لك الخيرة في ذلك دون العرب.
هذا قياس ما قال: ولذلك بنت العرب في عرقوة (و) قمحدوة على التأنيث البته؛ إذ ليس في الكلام وزان

فعلو ولا فعلو، ولم تنطق العرب قط بعرق ولا قمحد على معناه وهو بالتاء.
وأما القلنسي والعرقي فجمع لا مفرد.
فإذا ثبت هذا مقدرة الذي مثل به مما بنى على التاء في مذهبه البتة، لأنه لم ينطق له بمذكر، ولا في الكلام مثال مفعل، وأما مكرم ومعون فهو إما/ غير ثابت وإما شاذ، فلا يكون ما بني على مثاله إلا كذلك، وهذا واضح فلا اعتراض عليه حيث اختار اصح المذهبين.
وقد أثمر اشتراطه لكون التاء مثلها في نحو مرموة أن يجري ذلك الحكم في كل تاء شانها أن تبني عليها الكلمة إما سماعا كما تقدم، وإما اعتقادا لذلك فيها، فإنك إذا بنيت مثال ما فيه التاء فلك أن تعتقد بناء الكلمة عليها مع كونها قد سمع سقوطها في مثاله، وأن تعتقد سقوطها، وتبني الحكم على الاعتقادين؛ فإذا بنيت من الرمي مثل مفعلة قلت على اعتقاد البناء على التاء: مرموة، بمقتضى كلام الناظم، لأنه شرط في قلب الياء واوا للضمة بناء الكلمة على التاء، وتقول على اعتقاد السقوط: مرمية، فلا تترك الضمة بل تقبلها كسرة والواو ياء؛ إذ تخلف شرطه، فيدخل في باب أدل وأجر.
وكذلك إذا بنيت من الرمي مثل حذرة قلت: رموة على البناء، ورمية على عدمه.
ومنه ما تقدم من بناء فعلة، ومن ذلك كثير، فكل ما اعتقد فيه البناء على التاء فلا حق بمرموة، وكل ما لحظ فيه لحظ السقوط فخارج عن حكمه، وهذا ظاهر.

والمسألة الثانية: أنه فرض ههنا بناء مثال آخر وأجازه، أما فرض البناء فكأنه (غير) متفق على صحته عند الحذاق في الجملة، وقد بوب عليه سيبويه، وهو أن تبنى من المعتل ما له نظير من الصحيح وتبين وجه اعتلاله.
وتعدى به الناس إلى البناء (من) الصحيح ما له نظير من الصحيح، وهو من الاختراع الحسن في معناه، وهو في المفردات نظير باب الإخبار في المركبات وكثيرا ما يغلط (الناس) فيه كغلطهم في الأخبار أو أشد، لصعوبة مرامه، وبعد أغراضه، ولطف الصنعة، فيه، وخفاء مبانيه.
لكن من تنبه له وتمرن فيه عد نبيل القوم، ورافع راية الإمامة في التصريف.
والناظم قد ظهر منه إجازة ذلك كمذهب الجمهور، وذهب الجرمي إلى المنع من ذلك رأسا محتجا بأن النحوي إنما كلامه فيما تكلمت به العرب، وفيه تقع الفائدة المطلوبة من النحو، لأن اختراع اللغة باطل، وإذا كان كذلك فلا معنى لها الفن، وإذ هو تشاغل بما لم تتكلم به العرب، فهو تعطيل للزمان من غير ثمرة.
والذين أجازوا اختلفوا على القولين: أحدهما: جواز البناء مطلا كان له نظير في كلام العرب أو لم يكن.
وهو مذهب الأخفش، وحجته أنك بنيت مثلا مثل جالينوس أو

مرزنجوش أو آجر، فلا يعني أن ذلك من كلام العرب، وإنما ذلك على جهة التدريب والتعليم، أي: لو بنت العرب مثل هذا من الغزو مثلا أو من الرد لكان على ماثبت من أقيسة كلامهم، فكما يتشاغل بالتعليل والتوجيه فيما أعتل من كلامهم وما لم يعتل على أن القصد من ذلك تثبيت القوانين وتأكيد تعليمها، كذلك في هذا أيضا تثبيت القوانين الثابتة من كلامهم وتأكيد.
وكان أبو الحسن لأجل هذا يبني جميع ما يسأل عنه، فيقول: مسألتك/ ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب.
قال: فإن أبي صاحبك فقل له: فلو جاء فكيف كان ينبغي أن يكون، فإنه لا يجد بدا من الرجوع إليك.
وأيضا فإن ضرنببا إذا بني على مثال جحنفل لا معنى له في كلام العرب، فلم لا نبني على ما لا مثال له أيضا، وكلاهما ليس من كلامهم.
قال السيرافي: ويقومه أن القائل: ابن لي مثل جالينوس لم يكلف أن يجعل هذا (البناء) من كلامهم.
والقول الثاني: مذهب سيبويه، وهو المتوسط، وهو أن في البناء من المعتل المضاعف مثل ما ورد في الصحيح كفاية في التدريب، من أنا لا نخرج بالجملة، عن نظائر كلامهم، وأما البناء من الصحيح فليس فيه تدريب، فلا ينبني منه (شيء)، لأن لنا شغلا فيما نقل من كلامهم.
قال ابن الضائع: وجميع هذه المذاهب صحيح.
قال: وعندي أنه لا خلاف بينهم، وإنما هي مذاهب في زيادة التعليم.
يريد: لا أنها مذاهب في

الإلحاق بكلام العرب ما لم يوجد فيه.
وذكر أن وضع مثل هذا وضع لغة لم تكلم بها العرب.
وقد نقل هذا الخلاف على معنى أنه ينطق به في الكلام، ويلحق بكلام العرب، ويجوز استعمال تلك الأبنية في ضرائر الشعر أو غيرها، وهو مذهب ابن جنى نصا.
وليس الكلام في ذلك هنا، وإنما الكلام هنا على جواز البناء على الجملة أو عدمه، ولا شك أن الناظم حين فرض البناء قائل بقول الجمهور في الجواز لكن لا يتعين هنا مذهب الأخفش من غيره، لأنه بني على ما وجد مثله في كلام العرب، وأيضا فهو بناء من المعتل إذ هو من رميت على مثال الصحيح، وهو مقدرة، وسبعان، وهو الراجح في النظر عندهم لما فيه من التدريب والاعتياد لقوانين التصريف وغيره حتى يصير هذا العلم ملكة في قريب من الزمان.
وإن أردت بسط الخلاف على أتم من هذا فابن جنى في المنصف قد أتى فيه ببسط على وجه آخر وطريقة أخرى، وذكر ذلك السيرافي وغيره.
وأما ما آخره ألف ونون فهو الذي أشار إليه بقوله: "كذا إذا كسبعان صيرة" الهاء في "صيره" عائد على البناء المتقدم وهو البناء من رمى، يعني أن هذا الحكم المذكور من قلب الياء واوا للضمة قبلها ثابت فيما إذا بنيت من رمى مثل سبعان، فالأصل أن تقول: رميان، بإظهار الياء، لكن لما كانت الياء ضعيفة لأنها لام، واللام أضعف من العين قويت الضمة عليها ولم تقو على العين، ألا ترى أنك تقول: رجل عيبة، فلم تقلب الياء واوا لكونها عينا، بخلاف اللام لضعفها، ولم تقلب الضمة كسرة للياء لكون الكلمة قد بنيت عليها فصارت

حشوًا بالألف والنون، وهما أشد في بناء الكلمة عليهما من التاء، لأن الهاء قد تعد كالكلمة المنفصلة، بخلاف الألف والنون فإنها حروف الكلمة البتة، وعلى هذا تقول في فعلان من حييت: حيوان فتقلب الياء الثانية واوا للضمة كما فعلت ذلك في رموان وما أشبه ذلك.
فإذا تقرر هذا فاعلم أنه يتعلق/ بكلام الناظم أشياء: أحدهما: أن قوله: "واوا آثر الضم رد اليا"، ظاهره أنه يريد الضم على اطلاقه والضم تارة يكون ظاهرا كما تقدم من الأمثلة وتارة يكون خفيا وذلك حيث يسكن تخفيفا، فنص سيبويه وغيره على أن الحكم في ذلك واحد، فإن ذهاب الضمة للتخفيف لا يرفع حكمها، لأن زوالها عارض، فأما في فعل من الفعل فإنك تقول: لقضو الرجل، وهو من قضى يقضي، وهذا مسموع فتركوا الواو على حالها بعد التكسير لأنه في حكم الظهور، وعلى هذا تقول في رمو: رمو، وفي نهو، نهو، ولا ترد الواو إلى أصلها.
وأما في فعلان فتقول في: رموان: رموان، وفي حيوان: حيوان، ونترك الواو على حالها لو ظهرت الضمة، لأنها مقدرة الظهور.
وكذلك إذا بنيت فعلان من الرمي ثم سكنت العين لقلت: رموان، كما أنك إذا قلت في بناء فعلة أو فعلة منه: رموه ورموة ثم سكنت لقلت: رموة ورموة.
والمسائل كثيرة، والتفريع متأت.
والثاني: أنه قد ظهر من استقراء كلام الناظم أن تمثيله في هذه المسألة إنما هو بالمعتل اللام وحدها، فظهر بذلك قصده إلى ذكر ذلك وحده دون المعتل

العين واللام معا، فإن ذلك إنما يتأتى فيما مثل به لا في غيره، فإنك لو أردت أن تبني من طويت أو حييت مثل فعل لم يجز، لأنك تقول في المبني من حيى: حيو، وليس ذلك بموجود في الكلام، أعني أن يكون ما عينه ولامه ياءان على فعل، وكذلك لو قلت: طوو، لم يكن لذلك نظير في الكلام لما فيه من ثقل التضعيف.
ولذلك أمتنع أن تبني من القوة والحوة على فعل، وأيضا لو فرضناه لوجب الإدغام كما تقول في فعلان من طويت: طيان.
وكذلك لو بنيت منهما نحو مقدرة لم يجز، لأنك كنت تقول في طويت: مطووة، وهذا غير جائز لأجتماع الواواين ولذلك قال سيبويه والخليل في ترقوة من الغزو: غزوية، لا غير، ولم يجز غزووة لاجتماع الواواين، وإنما يجوز من ذلك البناء من حيى فتقول: محيوة، وكذلك إذا بنيت منه فعلان قلت: حيوان ذكره المازني على أنه منازع فيه (وفيما قبله) غير متفق عليهما.
وكذلك يجوز- على خلاف- أن تقول من طويت: طووان، على إجازة سيبويه قووان من القوة، وغيره يمنع ذلك.
وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا كثيرا.
والثالث: أنه ذكر حكم الآخر مع التاء، ومع الألف والنون، ولم يذكر حكمه مع ألفي التأنيث مع أنهما كالألف والنون في ذلك، فإنك تقول إذا بنيت مثال الأربعاء من الرمي: أرمواء، أصله أرمياء، وكذلك مثال الأربعاء: أرمواء،

أصله أرمياء، فكان من حقه أن يذكر ذلك، وقد نبه عليه في التسهيل حيث قال: "وتبدل الألف واوا لوقوعها إثر الضمة"، ثم قال: "والواقعة آخر فعل، أو قبل علامة تأنيث بنيت الكلمة عليها.
وأطلق في علامة التأنيث ولم يقيدها بهاء دون غيرها، إلا أنه جرى على عادة الجمهور إذ لم يفرضوا ألفي التأنيث في هذه المسألة كسيبويه والمازني وابن جني وغيرهم.
والرابع: أن/ هذا الفصل تقرر فيه أن الضمة إذا وقعت بعدها الياء وكانت آخرا تقلب واوا للضمة، وذلك إذا كانت أحد تلك الأشياء، فاقتضى أنها إذا لم تكن على تلك الأوجه فإن الياء لا تقلب (واوا)، وذلك نحو: أظب جمع ظبي، أصله أظبى.
وكذلك إذا بنيت من رمى مثل ترتم قلت: رمي أصله: رميى، أو من بنى قلت: بني، (أصله): بنيى وإذا كان كذلك فلابد من الإعلام، لأن حرف العلة إذا كان آخرا فهو أضعف منه إذا كان وسطا، فلابد من أحد الأمرين، امتنع أحدهما بإشارة الناظم إلى ذلك، وهو إبدال واوا (لأنه) قد خصه بفعل

ومفعلة وفعلان ونحوهما، فلو دخل مثل أظب في هذا الحكم لم يكن لتخصيصه ما خصص ذكره وجه، فلم يبق إلا أن يكون خارجا عنه، وإذا خرج عنه لم يعط المفهوم فيه إلا أن الياء لا تقلب واوا، فيبقى إذا الحكم في المسألة مجهولا غير معلوم؛ إذ ليس عدم القلب ياء بمعين لشيء فكيف وهو دائر بين التصحيح وبين قلب الياء واوا للضمة، وإذا كان كذلك ثبت أن مسألة أظب مغفلة في هذا النظم على شهرتها وكثيرة دورها مضمومة إلى مسألة أدل وأجر ونحوهما مما آخره واو قبلها ضمة، ومثل هذا يعترض عليه في إغفاله إياه، وليس كل داء يعالجه الطبيب! ثم قال: "وإن تكن عينا لفعلى وصفا"... إلى اخره.
ضمير "تكن" عائد على الياء التي انضم ما قبلها، والإشارة بذلك إلى البناء على فعلى الذي عينه ياء، وهو وصف، ويريد أن فعلى- بضم الفاء- إذا كان عينها ياء، وكانت وصفا لا اسما فإن فيها وجهين من الإعلال، وهما المتقدمان، ولذلك أتى بالألف واللام التي للعهد في الذكر، وذلك أنه ذكر فيما إذا انضم ما قبل الياء على الجملة وجهين من الإعلال، وهما انقلاب الضمة كسرة لأجل الياء، وانقلاب الياء واوا لأجل الضمة، هذا الذي تقدم له، فلابد أن تكون الألف واللام محالا بها على ذلك، فكأنه يقول أنت بالخيار في أن تقلب الضمة كسرة لأجل الياء فتقول: المراة الكيسي، من الكيس، والمرأة الطيبى من الطيب، وكذلك قسمة ضيزى، وامرأة حيكي، أصله فعلى بالضم (لا فعلى)، والدليل على ذلك

أن فِعْلى- بكسر العين- في الصفات معدوم عند الأكثر ونادر عند المؤلف، إذ حكي منه: عزهى وضئزى، بالهمز.
وتأول غيره ضئزى على أنه مصدر وصف به، وإذا كان كذلك ثبت أنه فعلى، فكان الأصل كيسي وطيبي، لكنهم قلبوا الصمة كسرة لتصح الياء، كما فعلوا ذلك في فعل الذي هو جمع كبيض، أو تقلب الياء واوا لأجل الضمة قبلها فتقول: الطوبي والكوسي وحوكي وضوزي، وضوزي أشبه بذلك، كما فعلت (ذلك) في فعل من البيع.
حين قلت على مذهبه بوغ.
وإنما مثلت بالطوبي والكوسي وإن كانا من فعلي التفضيل بناء على مذهبه فيها في التسهيل.
وتقييده فعلي بالوصفية يخرج ما لم يكن منها وصفا.
فكل ما كان من الأسماء على فعلى وعينه ياء فليس يدخل تحت الحكم بالوجهين، وإنما فيه وجه واحد/، إلا أن هذا الوجه لم يتعين هنا، فيحتمل أحد هذين الوجهين، والذي يتعين هنا هو قلب الياء لتصح الضمة نحو قولك: طوبي لزيد، قال تعالى ك ﴿طوبي لهم وحسن مآب﴾.
وهذه ليست بصفة ولا هي تأنيث الأطيب وإلا لزمت الألف واللام أو الإضافة، فثبت (أنها) اسم.
وكذلك ما كان من الفعلى اسما غير صفة، ولذلك لو بنيت فعلي من البيع لقلت: بوعى، أو من الخير لقلت: خوري، أو من العين لقلت: عوني.
وكذلك ما أشبهه.

فإن قيل: ما الذي يدل من كلامه على تعيين هذا الوجه دون الوجه الأول؟ فالجواب: أنه قد قدم أن الياء تقلب واوا إذا سكنت لأجل الضمة قبلها، ففعلي الاسم والصفة في الحقيقة كانا داخلين في ضمن عقده هناك، إلا أنه أخرج الصفة لما جاز (فيها) من الوجهين عنده، فبقى الاسم على ذلك الأصل، وهذا ظاهر جدا، فليس (حكم) فعلي الاسم بمأخوذ من المفهوم هنا، بل من النص هنالك.
ثم ههنا على الناظم سؤالات: أحدهما: أنه قال: "فذاك بالوجهين"، يعني المتقدمين، ولم يتقدم له في الياء التي قبلها ضمة وجهان فقط، بل ثلاثة (أوجه)، أحدها: التصحيح فتبقى الضمة على أصلها غير منقلبة والياء كذلك على أصلها، والثاني والثالث هما هذان، وعلى هذا فيحتمل كلامه (من حيث) لم يقتصر على وجهي الإعلال أن يكون الوجهان هنا يريد بهما التصحيح والإعلال على وجهيه كليهما، أو على أحدهما، لكن هذا غير صحيح؛ إذ ليس الوجهان هنا إلا وجها الإعلال خاصة، وأما التصحيح فلا يصح ولا تكلمت به العرب قط، فكان كلامه على هذا مشكلا.
والثاني: على "تسليم أنه أراد وجهي الإعلال لم يذكر أن أحدهما أكثر من الأخر، (بل) قال: "فذاك بالوجهين عنهم يلفى"، فأطلق، فاقتضى أنهما

على حد سواء، كيف وسيبويه وغيره يقولون: ليس لهم في هذا إلا وجه واحد، وهو قلب الضمة كسرة كما قلبت في بيض، ولم يجيزوا غيره، وما جاء من ذلك فشاذ محفوظ لا يقاس عليه، ووجه مخالفة الصفة الاسم هنا التفرقة بينهما كما فرقوا بين الأسم والصفة في فعلي و (في) فعلي، كما يأتي بحول الله تعالى، وقد جعل قلب الياء واوا في التسهيل قليلا، فعلى كل تقدير لم يرتكب ما قال النحويون، ولا ما قاله في التسهيل.
والثالث: أنه حين ذكر الوجهين في الصفة كان من حقه أن يذكر الوجهين في الاسم؛ لأنه قد حكاهما في التسهيل، فقال: "وتبدل الضمة في الجمع كسرة فيتعين الصحيح"، ثم قال: "ويفعل ذلك بالفعلي صفة كثيرا، وبمفرد غيرها قليلا".
فدخل في هذا القليل فعلي الاسم، فإذ ذكر في الصفة الوجهين على اختلافهما فكان من حقه أن يذكر مثل (ذلك).
في الاسم وإن كان ذلك ليس مذهب سيبويه فإنه قد جاء أيضا في السماع، فكي ابن جني عن أبي حاتم قال: "قرأ على أعرابي بالحرم (طيبى لهم وحسن مآب) قفلت له: طوبي فقال: طيبى.
قلت: طوبى! قال: طيبى.
فلما طال على قلت له: طوطو/ فقال: طي طي".
فظهر أن طيبي لغة هذا

القارئ، ولا يكون ذلك إلا لأنها لغة لبعض العرب وإن كان الأكثر إبدال الياء واوا.
فإذا قوله: "وصفا"، زيادة على طريقته لا يحتاج إليها.
والرابع: أن كلامه حصر قسمين، قسم الاسم المحض كطوبي، وقسم الصفة المحضة كحيكى.
وبقى له قسم ثالث مذبذب، وهو الفعلى تأنيث الأفعل، وهذا القسم متردد، بين الأسماء والصفات، ولذلك يشكل حكمه في كلام المؤلف، فمن حيث هو صفة في الأصل يتوهم دخوله في قسم الصفات، فيكون إذ ذاك حكمه فيه حكم الصفة في جواز الوجهين، وهذا غير ما ذكره النحويون سيبويه وغيره، لأنهم ألزموا في فعلي تأنيث الأفعل نحو الطيبي والكيسي الإجراء مجرى الأسماء فتقول فيه: الطوبي والكوسي لا غير، وما جاء على خلاف ذلك فنادر لامبالاة به، وأيضا فيوهم على هذا أن يكون من الصفات المحضة، وهو خلاف ما قاله الناس أجمعون؛ إذ ليس الفعلي أنثى الأفعل عندهم إلا في حيز الأسماء [و] من حيث هو جاز مجرى الأسماء يوهم أنه يحكم عليه بحكم الأسماء، وهو خلاف لما نص عليه في التهسيل، إذا جعل الفعلي تأنيث الأفعل من الصفات المحضة فقال: "والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى، والجارية مجرى الأسماء الدنيا إذا أريد بها هذه الدار".
فإذا كان هذا عنده كذلك كان هذا القسم في كلامه مشكلا جدا، ولو لم يكن مترددا بين القسمين لم يقع في كلامه إشكال.
والجواب عن السؤال الأول: أن الوجهين المحال عليهما ليسا إلا وجهي الإعلال، والتصحيح لا يمكن إجراؤه، لأن الياء ساكنة، ولم يتقدم له في الياء

الساكنة التي قبلها ضمة تصحيح أصلا، وإنما جاء في المتحركة، وهذه ليست بمتحركة، فلم يبق إلا ما تقدم من وجهي الإعلال.
والجواب عن الثاني: أنه قد مضى له مثل هذا مما أحد الوجهين فيه أرجح من الآخر، ولم ينبه على ذلك اتكالا على إطلاق الجواز فيهما (معا، إلا أن إطلاق الجواز) فيه مخالفة لمذاهب الناس؛ إذ لا أعلم في الصفة خلافا في أنها على وجه واحد، وهو قلب الضمة كسرة وتصحيح الياء إلا ما يجري على مذهب الأخفش في نحو فعل من البيع وما أشبهه، ولم أره منصوصا عنه هكذا.
ولعل الناظم إذ كان مذهبه هنالك مذهب لأخفش، وكان قد سمع هنا شيء مما يقتضيه وإن كان نادرا أخذ به، مع ما جاء في السماع الفاشي من موافقة مذهب سيبويه، فجعلهما وجهين متساويين عنده، لأن أحدهما عضده جريانه عنده على القياس وإن كان في السماع قليلا، (والآخر) عضده السماع الفاشي وإن كان ليس بموافق للقياس عنده، فاستويا عنده من هذه الجهة، فأطلق الوجهين إطلاقا إعمالا للدليلين وجمعا بين المذهبين.
وعلى هذا يجري الجواب عن السؤال الثالث، لأن طيبي، ونحوه مما جاء قليلا في الأسماء لا قياس (له) يعضده حتى يقاوم عنده/ الوجه الآخر أو يدانيه، فلم يجعله وجها جائزا مع لآخر الذي عليه

الجماعة، بل جعله لقتله معتد به.
وهذا حسن من الاستنباط لا يبعد عن أغراض الناظم في هذا النظم، وأيضا فقد يكون الجواب عن هذين مبنيا على الجواب عن الرابع، وهو أن مذهبه في التسهيل أن الفعلي تأنيث الأفعل من قبيل الصفات المحضة لا مما جرى مجرى الأسماء، ولذلك عني بتمثيل ذلك والتعريف به حيث قال: "والصفة المحضة كالعليا والدنيا تأنيث الأدنى".. إلى آخره، وقد مر ذكره فوق هذا، قال شيخنا القاضي- رحمه الله-: هذا تبيين لما اصطلح عليه لنفسه؛ إذ هو مخالف لسائر النحويين، فلذلك أتى به، وإلا فكان يكون من قبيل الفضول، إذ ليس من شأنه التمثيل، فإذا إنما بني هنا على ما بينه هنالك، فيجوز عنده فيه الوجهان.
وقد أجاز غير الناظم في فعلي التفضيل الوجهين بناء على الاعتبارين لابناء على مذهب الناظم؛ إذ هو في هذه المسألة مخالف للنحويين، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
فنقول على هذا: الكيسي والكوسي، والطيبي والطوبي، وكذلك الميلي والمولى، والبيني والبوني، في تأنيث الأميل والأبين، وكذلك ما أشبهه، (وإذا كان كذلك) فسيبويه حين كان مذهبه في فعلي الأفعل القلب واوا للضمة، لأنه عنده اسم، وكان مذهبه في الصفة قلبه الضمة لأجل الياء فهذا وجهان قياسان عنده، فأخذ الناظم المذهبين في الصفة على الجملة، لأن فعلي الأفعل عنده صفة، فقد ثبت فيه قلب الياء واوا، وحيكي وضيزي ثبت فيهما وفيما أشبهها قلب الضمة كسرة، مع أن كلا القسمين قد سمعت فيه المخالفة، فقالوا في فعلي الأفصل: الكيسي.
وقالوا في تصريف ضيزي: صزته، قال ابن جني في الضم الذي هو دليل على الواو: يحتمل أن

يكون الضيزى منه ضوزى، فعدلت إلى كسر الياء لتنقلب الواو ياء فتخف الكلمة مع أمن اللبس؛ لأنه ليس في الكلام فعلي صفة.
قال: ولا نقول على هذا في فعل من القول ونحوه: قيل، لئلا يلتبس فعل بفعل.
فإذا كان كذلك اعتدل الأمران، فادعى الناظم لذلك اعتدال الوجهين، والله اعلم.
وقوله: "كذلك بالوجهين عنهم يلفي"، أي: يوجد بالوجهين، ويعني في السماع.

جارٍ التحميل