شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 472-505

الشِيءَ أخفيتُه وضَرْبٌ يكون معناه مجتمعا مع معنى (أَفْعَلَ) في معنى المادة في الأصل نحو: كَلَّ الرجلُ، أَعْيَا، وأَكَلَّ القومُ، ضَعُفَتْ دوابُّهم.
فهذه جملة أقسام، خَصَّ ابنُ عصفور منها ما همزتُه للتعَّدية بالمنع، ولا يظهر للاختصاص مُوجِب يَقْضي بالامتناع هنا والجوازِ في البواقي.
بل الذي يظهر لأول النَّظر في البواقي أن لا يُتَعجُّب منها، لأنه يؤدِّي إلى الالتباس، وهو التباس التعجُّب من (أَفْعَلَ) بالتعجُّب من (فَعَلَ) فكان ينبغي على هذا ألاَّ يجوز التعجُّب إلا من القسْم الأول خاصَّةً، وهو الذي لم يُستعمل منه (فَعَلَ) أصلا، وهم مِمَّا يُحافظون في هذا الباب على رفَع اللَّبس، ولذلك لم يتعجبَّوا من المنفىِّ ولا فعلِ المفعول، وفَرَّقوا في قولهم: (ما أَبْغْضَهُ لِي، وإليَّ، وما أَحَبَّهُ لِي، وإليَّ) بين المعاني.
فالذي ذَهب إليه من التَّفرقة غيرُ صحيح.
وفي الشَّرط الرابع وقع لابن عُصفور خلافُ ما عليه الناس، وذلك أنه قد تقدم في معنى قابليَّة الفَضْل أنها تصوُّر المفاضلةِ أو إمكانُها بحسب شخْصَيْن أو حالَيْن أو وقتَيْن، فما لا يُتصور فيه مفاضلةٌ بحسبِ هذه الأشياء فلا يتعجَّب منه.
فـ (العَمَى والموت) مثلاً ممَّا لا يُمكن فيه المفاضلة، لأنه لا يختلف شخصان مشترِكان في العمى أو الموت أن يقال: إن أحدهما أَفْعَلُ من الآخر فيما دَلَّ عليه مدلولُ العمى والموت، بخلاف (الكرَم والشَّجاعة) مثلا، فيمكن أن يقال فيهما: إن هذا الرجل أفعلُ من الآخر، من لفظ الشجاعة والكرم.
وحاصل ذلك أن كل ما يقال فيه: (فعلٌ جداً) أو (فاعلٌ كثيراً) وما أشبه ذلك، يُتَصَّور ان يقال فيه: (ما أَفْعَلَهُ، وأَفْعِلْ به، وهو أَفْعَلُ من كذا) وأن يقال منه: (لَفَعُل) ومَا لاً فَلاَ.

ويَقتضي كلامُ ابن عصفور أن الأمر ليس كذلك، لأنه جَعل من الخِلَق الثابتة التي لا يُتَعجَّب منها قياسا الحُسْنَ والقُبْحَ، والطُّولَ والقِصَر، والهَوَجَ والنُّوك، والْحُمْقَ والشَّنَاعة، وما أشبه ذلك 1، كأنه إنَّما اعتبر/ أن كلَّ متَّصِف بالحُسْن لا يتغيَّر عن ذلك، فالحُسْن صفة لا تزيد ولا... 527 تنقص بحسب الشخص، وكذلك القبح وغيره، وجَعل التعجبَ من هذه الأشياء شاذاً.
وما يوهمه غير صحيح؛ فإن المقصود ما تقدَّم من تصوُّر المفاضلة على الجملة، وجميعُ ما ذُكر تُتصَّور فيه المفاضلة في أنفسها، وبحسب الأشخاص أيضا، فالحُسْن والقُبْح يختلف في الشخص الواحد بحسب انتقالات الحيوان، من الطفولة إلى الشباب، ثم إلى الكُهُولة، ثم إلى الشيَّخوخة.
وكذلك الهَوَجُ والنُّوكُ والحمقُ والشَّناعة، فإنها أوصاف تَختلف بحسب الأشخاص، وبحسب حالَيْن ايضا في الشخص الواحد، إذ ليست تُطلق في كل موضع على فَقْد العقل الفاصل بين الإنسان والفَرَس، بل قد تُطلق على الوصف الذي هو في نظر الواصف بها قريبٌ من ذلك، فتُطلق على خِفَّة الحركة، وقِلَّة التثبُّت، وعدم الإحكام والتُّؤَدة، فقد يكون هذا الوصف أشدُّ في حَقِّ الشخص الواحد وأضعفَ في حالَيْن.
فأما عدمُ العقل جملةً فلا يمكن فيه اختلاف، فلا يصح التعجُّب منه، وليس كلامنا فيه.
هذا ما يقال فيه من جهة النَّظر.
وأما النَّقل فلا يَحتاج إلى شاهد لكثرته، وقد اعتَرف هو بوجوده.
وقد نَصَّ سيبويه على وجه جواز:

ما أَرْعَنَهُ، وما أَهْوَجَهُ، وما أَشْنَعَهُ، وما أَنْوَكَهُ، وما أَحْمَقَه.
ودَلَّ كلامه فيها على أنها ليست عنده شاذَّة 1. ونَصَّ أيضاً على جواز: ما أَحْسَنَهُ، وعلى جواز: مِحْسَان 2، وهو للمبالغة في (حَسُنَ) وقال في (ما أَشْنَعَهُ): لأنه عندهم من القبح، وليس بلون ولا خِلْقة 3. وهذا تصريح بأن (ما أَقْبَحَهُ) وضِدَّه ليس فيه علةٌ مانعة، فالحقُّ ما ذهب إليه غيره 4، وهو الذي يُشْعِر به كلامُ الناظم.
وفي الشَّرط الخامس خلاف بين البصريين والكوفيين، فالبصريون هم الذين يشترطون تمامَ الفعل، وأما الكوفيون فقد حُكى أنهم يُجيزون: ما أَكْوَنَ زيداٍ لأَخِيك.
ولا يُجيزون: ما أَكونَ زيداً لقَائمٍ.
وحَكى ابن السَّراج والزجَّاج عنهم إجازة: ما أَكْوَنَ زيداً قائماً، واشار إلى أن نصب هذا عندهم، أعني (قائماً) على الحال.
وهذا على أصلهم في أن المنصوب بعد (كان) على الحال 5، فسَهُل الأمرُ عليهم.
وأما على رأي أهل البصرة فذلك صَعْب، ولم يَأْتِ بذلك سمَاع، والقياس

لا يقبله، فلا يصح القول به.
وقد تقدَّم تعليل ذلك.
وفي الشرط السابع خلافٌ على الجملة، فإن الكوفيين يُجيزون التعجُّب من البَياض والسّّواد خاصَّةً من بين سائر الألوان، كقولك: ما أَبْيَضَ هذا الثوبَ، وما أَسْوَدَ هذا الشَّعْر.
ومال إليه من الحُذَّاق البصريين ابنُ الحاجّ تلميذ الشَّلَوْبين 1. / وأما سائر البصريين فلا فرق عندهم في المنع بين السَّواد والبياض وغيرهما 2.... 528 وقد مَرَّ توجيُه المنع.
وأيضاً فلا سَماع يُعتمد عليه في القياس، فلا قياس.
فإن قيل: إن استعمال التعجُّب في هذين اللَّوْنين يَسُوغ لكثرة استعمالهما في (أفعل التفضيل) كما قال 3: إِذَا الرِّجَالُ شَتَوْا واشْتَدَّ أَكْلُهمُ فأَنْتَ أَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ

وقال الراجز 1: جارِيَةٌ في دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ تُقَطِّعُ الحَدِيتَ بالإيمَاضِ أَبْيَضُ من أُخْتِ بَنِي أَبَاضِ وباب (أَفْعَل التَّفضيل، والتعجُّب) من نوع واحد.
وقد استُعمل في ((السَّوَاد)) ذلك أيضا، ففي الحديث عنه عليه السلام قولُه: ((لَهِي أَسْوَدُ مِنَ الْقَارِ 2)) والاستعمال فيها كثير، فلابد من القول بالجواز.
وأيضاً فهما أصلُ الألوان، فَلْيُتصَّرْف فيهما، على ما عُهد في الأصول، مالا يُتَصَرَّف في غيرهما مما هو فَرْع.
فالجواب أن الاستعمال فيهما لا نسلِّم أنه كَثُر كثرةً يُقاس مثلُها، وإنما هو قليل مما يوُقَف على محله، وهو (باب التفضيل) وإلا لزم أن يُقاس (التعجُّب) على كل ما شَذَّ في التفضيل، والتفضيل على كل ما شَذَّ في التعجُّب، وذلك غير صحيح.
وأيضاً فلا يلزم إذا كثر استعمالُ الشاذِّ في باب أن يُقاس عليه في بابٍ آخر.
والدليل على ذلك أن ((خَيْرَا، وشَراً)) كثر استعمالهُما في التفضيل دون همزة، فتقول: زيدٌ خَيْرٌ من عَمْرو، وشَرٌّ من بَكْر، ولا يقال: أَخْيَرُ، ولا أَشَرُّ إلا

قليلا.
ثم إنهم لم يقيسوا ذلك في (باب التعجُّب) بل جَعلوا ما جاء من ذلك شاذاً محفوظاً غيرَ مقيسٍ حين قالوا: ما خَيْرُ اللَّبَنِ، وما شَرُّه؟ وإنما القياس: ما أَخْيَرهُ وما أَشَرَّهُ؟ فلو كان البابان متوازِنَيْن من كل وجه لم يقولوا هذا، وإنما يتوازنان فيما كان على القياس.
وفي الشرط الثامن خلافٌ وتفصيل، فالمبنىُّ للمفعول من الأفعال أمَّا أن يقع فيه لَبْس إذا بُنِي منه للتعجُّب، فَيلْتبس بفعل الفاعل أولا.
فإن الْتَبس بفعل الفاعل لم يُبْن منه، فلا تقول في (ضُربِ زيدٌ): ما أَضْرَبَ زيداً، ولا في (رُحِمَ): ما أَرْحَمَهُ، ولا في (عُرِفَ): ما أَعْرَفَهُ، ولا ما أشبه ذلك.
وإن يَلْتَبس فالجمهور أيضاً على المنع، ومنهم الناظم.
ومنهم مَن ذَهب إلى الجواز.
واشار في ((التَّسْهيل)) إلى أن ذلك جائز على قَلَّة 1؛ لأنه جاء من ذلك شِيءٌ صالح نحو: ما أَعْنَاهُ بحاجَتِكَ.
وفي كلام سيبويه: وهُمْ بِبَيَانِه أَعْنَى، وما أَسَرَّني به 2. وحكى الفارسيُّ في ((التَّذْكرة)) عن المازني: ما أَزْهَاهُ، من: زُهِيَ.
وحَكى غيرهُ: ما أَشْهَرَهُ، وقالوا: ((وهو أَزْهَى مِنْ دِيكٍ 3)) و ((أَشْغَلُ من ذَاتِ النّحْيْينْ 4)) و ((أَشْهَرُ من غَيْره 5)) وأَعْذَرُ، وأَعْنَى، وأَعْرَفُ، وأَنْكَرُ، وأَخْوَفُ، وأَرْجَى.

وجميعُ ذلك من فِعْل المفعول، ولا لَبْس فيه، لكنه لمَ يكْثُر، فأجازه في ((التسهيل)) على قلة، ومَنعه هنا.
والمنع أرجح، لأن ما ذُكر لم يَبلغ عنده مبلغَ أن يُقاس عليه، فهو داخل تحت قوله: ((وبِالنُّدوُرِ احْكُمْ لَغْيرِ/ ما ذُكِر)).... 529 وهذا أما بناءً على التعليل بالعلة الثانية المتقدِّمة، أو على التعليل بالعلة الأولى، وأجْرَى مالا لَبْس فيه على ما فيه اللَّبْس، ليجَري البابُ كلُّه مَجْرىً واحداً، وهو نظيرُ ما تقدَّم في إبراز الضمير إذا جَرى اسمُ الفاعل على غير مَن حوله، وهو باب واسع تَعتبره العرب كثيرا.
وقد تقدم هنالك له نظائر.
والمسألة الثانية أن هذه الشروط إذا اجتمعت فكلامُ الناظم يَقتضي جوازَ التعجُّب بإطلاق، وهو صحيح في الجملة، غير أنه قال في ((التَّسهيل)): وقد يُغْني في التعجب فِعْلٌ عن فِعْل مستوفٍ للشروط، كما يُغني في غيره 1. فهذا نَصُّ في أن ما اسَتْوفى الشروط لا يَقتضي الجوازَ بإطلاق، وعَدَّ من ذلك في ((الشَّرح)) 2: شَكَرَ، و (قَعَد، وجَلَس) ضِدَّي (قَامَ) وقَالَ، من القائِلَةِ، وكذلك (قَامَ) من النَّوم، عَدَّها ابن عصفور مع ما تقدم 3، فعندهما أنه لا يقال: ما أَنْوَمَ زيداً، ولا ما أَقْعَدَهُ، وكذلك سائرها، مع أنها مستوفية للشروط.

ووجه ذلك أن العرب استَغنت عن البناء من غيرها، كما قال سيبويه في (قَالَ) من القائلة، قال: ((ولا يقولون في (قَالَ، يَقيِلُ): ما أَقْيَلَهُ، استَغْنَوا بـ (ما أَكْثَر قَائِلتَه) وما أَنْوَمَه في ساعة كذا، كما قالوا تَركْتُ، ولم يقولوا وَدَعْتُ)) انتهى 1. والقاعدة أن العرب إذا فُهم منها الاستغناءُ لم يَجُز أن يُنْطق بما استَغنت عنه، بل يُرْجع إلى ما استَغنت به.
فهذه الألفاظ قد كَسَرت عليه قاعدتَه وأصلَه.
ولكن يُجاب عن هذا بأن هذه الألفاظ قليلة جداً، لا يَقْدح مثلُها في مِثل هذا الأصل المطَّرِد، وإلاَّ فلو اعتُبر هذا في: كَسْر القواعد لاعتُبرت الشذوذاتُ المتقدمة والآتيةُ كلها، فلم يَنْتَظم قياس، ولا تَمَهَّد أصل.
وأيضاً فإذا تُتُبِّعتْ هذه الألفاظ وُجِدت لا تَنهض في الدلالة على الاستغناء، بل منها ما التعجُّبُ منه جائزٌ لوجود تلك الشروط، ومنها ما هو ممنوعٌ لفَقْد شرط، لا للاستغناء.
فأمَّا (القيام، والقعود، والجلوس) فمن قَبِيل ما لا يَقْبل الفَضْلة، إذ ليس ثَمَّ قيامٌ راجح على قيام، ولا قعودٌ أبلغُ من قعود، وكذلك الآخر ماعَدا (النوم).
وإنما يرجَّحها كثرةُ التَرداد والتَّكرار، وإذ اك يُتَعجَّب منها بـ (أقلَّ وأكثر).
وإن جاء على غير ذلك فعلى معنى الكثرة، كما قالوا في المبالغة: ضُجَعَةٌ وقُعَدَةٌ وعلى هذا الترتيب يَجري القولُ في (السُّكْر، والغَضَب) فقد حُكي الخلاف في التعجُّب منهما، فالأظهرُ جواز ذلك فيهما لقَبُولهما الزيادةَ والنقصان، من جهة تصُّور معناهما، وهو ظاهر.

وأما الاستغناء فلم يَثْبت عن مَوْثوق به.
وسيبويه لم يذكرهما في الاستغناء وإنَما ذكر: (قَالَ) من القائلة 1. وقد جَعل ابن الطَّراوة 2 المانعَ فيه معنوياً؛ إذ لا يُتَصَّور فيه المفاضلة، لأن معناه: دَخَل في القائِلَة، وإنما أطلق/ سيبويه عليه لفظَ الاستغناء لما تقدم ذكره 3.... 530 وأما (النوم) فقد استعملوا منه: ((هو أَنْوَمُ من فَهْدٍ 4)) و ((أَنْوَمَ من غَزالٍ 5)) وقالوا في المبالغة: نَؤُومٌ، ونُؤَمَةٌ، وجاء في لفظ سيبويه استعمال: ما أَنْوَمَ 6، على أنه كالمُغْنِي عن: ما أَقْيَلهَ.
فقد ظهر أن هذه الألفاظ المستَثناة ليست بمستثناة كما تَوَهَّم من استثناها.
والله أعلم.
وقول الناظم: ((مِنْ ذِي ثَلاَثٍ)) بتأنيث ((الثَّلاَثِ)) والمراد الحروف، اعتباراً بأن الحروف تُذَكَّر وتُؤَنَّث.
وقد تقدم التنبيه على ذلك.
وفي كلامه من كثير.
ولَمَّا كان ما عَدِم من الأفعال شرطا، أو كان ليس بفْعِل، غيرَ مذكورِ الحكم في التعجُّب إذا تعلَّق به ذلك، أَخذ في ذِكْرِ حُكْمه فقال:

وأَشْدِدَاوْ أَشَدَّ أو شِبْهُهُمَا يَخْلُفُ ما بَعْضَ الشُّرُوطِ عَدِمَا ومَصْدَرُ العَادِمَ بْعْدُ يَنْتَصِبْ وبَعْدَ أَفْعِلْ جَرُّه بالبَا يَجِبْ يرد أن ما عَدِم من المتعجَّب منه شرطاً من تلك الشروط، أو أكثر من شرطٍ واحد، ولم يَستوفِ جميعَها فلا يجوز أن يُتَعجب منه بالصّوغ من لفظه فإذا أُريد التعجُّب منه فيُتَوَصَّل إلى ذلك بَصْوغ (أَفْعَلَ، وأَفْعِلْ) من (الشدَّة) أعني من فِعله الثلاثي المقدَّر الاستعمال، وما ضَارَع ذلك وأشبهه، فتقول: ما أَشَدَ كذا، وأَشْدِدْ بكذا.
والذي يُشبههما في المعنى (أَكْثَرَ وأكْثِرْ، وأَقَلَّ وأَقْلِلْ، وأَضْعَفَ وأَضْعِفْ، وأَعْظَمَ وأَعْظِمْ، وأصْغَرَ وأَصْغِرْ، وأَحْسَنَ وأَحْسِنْ، وأَقْبَحَ وأَقْبِحْ) وما أشبه ذلك.
وإذا بَنَيْتَ الفعلَ من ذلك أتيتَ بمصدر الفعل الذي أردتَ التعجُّبَ منه، إن كان له مصدرٌ، أو ما يقوم مَقامه، وذلك ((ما)) المصدريَّةُ مع فِعْلها، أو الاسم إن لم يكن له مصدر، فَينْتَصِب بعد (أَفْعَلَ) ويَنْجَرُّ بالباء بعد (أَفْعِلْ) على حَدِّ ما كان المتعجَّب منه، وذلك قوله: ((ومَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ)) إلخ.
ولم يَنُصَّ على أن انتصاب المصدر بعد (أَفْعَلَ) لأنه معلوم.
وقد نَبَّه عليه أيضا بتعيين الجر بعد (أَفْعِلْ) فبم يبق للنصب إلا (أَفْعَلَ).
فإذا عُدِم الشرطُ الأول، وهو وجود الفِعْل، أتيتَ بالاسم بعد (أَفْعَلَ، وأَفْعِلْ) عِوَضَ المصدر، فقلت: ما أَكْثَر إبِلَ زيدٍ، وما أَحْسَنَ إبِلَ زيدٍ، وما أَجْوَدَ إبلَه، وما أشبه ذلك.
وإذا عُدم الشرط الثاني، وهو كون الفعل ثلاثياً، قلتَ: ما أشدَّ استكبارَهُ،

وأشْدِدْ باستكبارِه، وما أَكْثَر إكرامَه، وما أَحْسَن انطلاقَه، وما أشبه ذلك.
وإذا عُدم الشرط الثالث، وهو كونُه متصِّرفا، قلتَ في نحو (يَذَرُ، ويَدَعُ): ما أَشَدَّ تَرْكَهُ، وما أَحْسَن تَرْكَهُ، فأتيتَ بمصدر المستَغْنَى به، لأن مصدر المستغنَى عنه قد أُهمل.
وأما نحو (عَسَى) فليس له مصدر ولا اسم، فلا يُتَعجَّب منه رأساً، لأنه قد قال: ((ومَصْدَرُ العَادِم بَعْدُ يَنْتصِبْ)) فجعلَ المصدرَ هو الذي يقوم مقام المتعجَّب منه، فإذا لك يكن له مصدر لم يصحّ هذا العملُ فيه.
وإلى هذا المعنى يَرْجع نحو (يَذَرُ، ويَدَعُ) إذ ليس له مصدر يُؤْتي به، لكن لَمَّا/ أنابت العرب عنه مصدر غيره صار كأنه مصدرُه مجازاً، فأَتى به على حكم باب... 531 الاستغناء، من أن المستغنَى به يقوم مقام المستغنَى عنه.
وإذا عُدم الشرط الرابع، وهو كونُه قابلاً للفَضْل قلتَ: ما أَشَدَّ سَوادَهُ، وما أَقْبَح عَرَجَهُ، وأَشْدِدْ ببَياضه، ونحو ذلك.
وإذا عُدم الشرط الخامس، وهو كونُه تاماً، قلتَ: ما أَطْوَلَ كَوْنَ زيدٍ قائماً، وما أَكْثَر كونَه نائماً، وأَكْثِرْ بكَوْنِه ضاحكاً، وشبه ذلك.
وإذا عُدم الشرط السادس، وهو كونُه غيرَ منفيٍّ، فلا يُؤتى بالمصدر فقط، لأنه مُخِلٌّ بالكلام لسقوط حرف انفي، إذ لا يصحّ أن تقول: ما أَشَدَّ قيامَ زيدٍ في قولك: ما قَام زيدٌ، فهذا من المُشكل في الموضع.
وإذا عُدم الشرط السابع، وهو كونُه ليس له وصف على (أَفْعَلَ، فَعْلاَءَ) قلتَ: ما أَكْثَر حُمْقَهُ، وما أَشّدَّ عَوَرَهُ، وما أّشَدَّ حُمْرتَهُ أو احمرارَه، ونحو ذلك.
وإذا عُدم الشرط الثامن، وهو كونُه غيرَ مبنيٍّ للمفعول، فهذا لا يَتَأَتَّى

فيه الإتيان بالمصدر أيضاً، لأن اللَّبْس حاصل به، لأنك إذا قلتَ: ما أَشَدَّ ضَرْبَ عمروٍ، وما أَضْرَبَ عَمْراً- كانا سواء في عدم بيان أن المتعجَّب منه المفعولُ، وأن المراد: ضُرِبَ عمروٌ جِداً، فلابد أن يُلْقَى فيه المحظورُ المذكور في تقرير الشروط، لكن له مَخْرج ههنا بأن يُؤْتَى بـ ((ما)) المصدرية بعدها الفعلُ مبنياً للمفعول، فتقولك مَا أكْثَر ما ضُرِبَ عمروٌ.
وكذلك تقول في فَقْد الشرط السادس: قد يُمكن أن يُؤْتَى بـ ((ما)) المصدرية 1 داخلةً على الفعل منفياً، فتقول: ما أَكْثَر مالَمْ يَقُمْ زيداً، ونحو ذلك.
ووجهُ الانصراف إلى البِناء من (الشدَّة) ونحوها في هذه الأشياء أن (ما أَشَدَّهُ، وأَشْدِدْ به) مما يصح التعجُّب منه في كل نوع، وفي كل وصِف، إذ كانت، في لفظها، ومن فِعْل قابلٍ أن يُبْنى منه فعلُ التعجُّب، وفي معناها، قابلةً للفَضْل، لأن (الشدَّة والخِفَّة، والقِلَّة، والكَثْرة) مختلِفةٌ بالنِّسَب والإضافات، بخلاف غيرها.
وأيضاً فهي تؤدِي من المعاني بالنسبة إلى جميع المعاني، مثلَ ما كانت الأفعال تؤدِّيه.
ولذلك كان ما يجوز التعجُّب منه من الأفعال المستوفية للشروط يجوز أيضاً أن يُتَعَجَّب منها بـ (أَشَدَّ) ونحوه، لأن التعجب إنما هو بلوغ النهاية في معنىً لم يَبلغ إليه غيرُ المتعجَّب منه، وهو الذي يُعطيه (أَشَدُّ) ونحوه.
ومن ثَمَّ يجوز لك أن تفسِّر به معنى التعجب فتقول: معنى (ما أَحْسَنَهُ): ما أَشَدَّ حُسْنَه، أو كَثُر، و (ما أَكْرَمَه) أي كَثُر كَرَمُه، وهذا ظاهر.
و(ما أَشَدَّه، وأَشَدِدْ به) لم يُستعمل منه الفعلُ الثلاثي إلا نادراً.
حَكى

أبو زيد في كتاب ((المصادر)) 1: شَدُدْتُ، وهو قليل الاستعمال، لكنه قد يكون التعجُّب معتداً به وإن قَلَّ.
ويعضِّده قولُهم: شَدِيدٌ.
وفي هذا الفصل على الناظم دَرَكٌ 2 من خمسة أوجه: أحدهما أنه ألزم في انعدام بعض تلك الشروط أن يُؤْتَى بالمصدر عِوَضَا من المتعجَّب منه، وهذا إنما يَتَأَتَّى له فيما له/ مصدر، ويكون ذلك المصدر مستعملا، ويكون الإتيان به... 532 غيرَ مُوقعٍ فيما فُرَّ منه من اللَّبْس.
فأما ما ليس له مصدر كـ (نِعْم، وبِئْس، وعسى، وليس) أو كان له مصدر أُتِي به في القياس إلا أنه غير مستعمل كـ (يَذَر، ويَدَع) أو كان له مصدر مستعمل لكنه إذا أُتِي به أوقع اللَّبْسَ بمصدر المنفيَّ ومصدر فِعْل المفعول- فلا يَتَأَتَّى به عوضاً من المتعجَّب منه بوجه، بل يُترك التعجبُ منه رأساً، كما في (نِعْم، وبِئْس) أو يُؤْتَى بمصدر ما استُغني به، كالتَّرْك في (يَذَر، ويَدَعَ) أو يُؤْتَى بـ (ما) المصدرية حتى يَتَأَدَّى معنى الفعل على ما هو عليه.
وهذا كله بَمَعْزِل عن كلامه.
والثاني أنه قد يُعْدَم بعضُ الشروط فيُؤْتَى بـ (أَشَدَّ) ونحوه، ولا يُؤْتَي بعده بمصدرٍ بحال، ويُتَعجَّب منه قياسا، وذلك نحو: ما أَكْثَر إبلَه، وما أَكْثَر مالَه، وما أَشَدَّ عَبْدَه، وأَحْسِنْ بوجهِه، وهو باب واسع، إذ كان كل ذلك قد عَدِم شرطاً من شروط البناء للتعجب، وهو وجود الفعل المبنيِّ منه في الكلام مستعَملا.
وهذه المُثُل كلها أجناس وأعيان لا مصادر لها.
[ولا أفعال.

والثالث أن أسماء المصادر قد تقوم هنا مقام المصادر 1] فلا تتعين المصادر أنفسها في هذا العمل، بل مَثل: ما أَشَدَّ كلامَ زيدٍ، وما أكثر عطاءَهُ، وما اَبْلَغَ سَلاَمَهُ، وما أشبه ذلك.
فإذا لم تَتعَيَّن المصادر فقوله: ((ومَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ)) إلى آخره ليس بلازم.
وقد أَتَى بما يَقتضي اللزومَ، ففيه ما تَرى.
والرابع أن قوله: ((وأَشْدِدِاوْ أَشَدَّ أو شِبْهُهُمَا: يخْلفُ كذا)) يَقتضي أن هذه الألفاظ تخلُف في البناء للتعجُّب ما لم يَتَأَتَّ منه البناء له في أداء معناه، حتى يكون قولك مثل: (ما أَشَدَّ حُمْرةَ زيدٍ) على معنى: ما أَحْمَر زيداً، لو قِيل.
هذا معنى كَوْنِه يَخْلُفه، إذ لا يخلفُ الشِيءُ غيرهَ إلا فيما كان لذلك الغَيْر من أمرٍ لفظيٍّ أو معنوي، ولا يقال في الأمَريْن المختلفَيْن بإطلاق: إن هذا يَخْلفُ هذا، وإذ كان كذلك كان قوله: ((يَخْلُفُ كذا)) غيرَ صحيح.
ألا ترى أنهم يقولون: إن المانع من التعجُّب من الألوان كونُها لاحقةً بالخِلَق الثَّابتة، كاليَدِ والرِّجْل.
وقد مَرَّ تعليل ذلك بأن الألوان لا تَقبل الفَضْل، فإذاً معنى (ما أَحْمَرهُ) غيرُ معنى (ما أَشَدَّ حُمْرتَه) إذ لو كان هو معناه لاقتَضى في القياس أن يُتَعجَّب منه.
وكذلك الخِلَق والأَدْوَاء، وهو أَبْيَنُ فيها إذْ وُجِد لها الفعلُ الثلاثي، ومع ذلك فإنهم لم يَبْنوا منها للتعجُّب اعتباراً بأنها لا تَقْبل الفَضْل.
وهكذا كلُّ فِعْل لا يَقْبل الفَضْلَ لا يَخْلُفه (أَشَدُّ) ونحوه في معناه، إذ لو خَلَفه في معناه لم يُتَعجَّب منه، فهذا ايضاً من كلامه لا يصح.

والخامس أن الفعل الثلاثي في هذه الأشياء المتعجَّب منها إذا كان كثير الاستعمال في كلام العرب فظاهرٌ أن بِنَاء (أَفْعَلَ وأَفْعِلْ) منه هو القياس المستقيم، وإذا كان معدوماً البَتَّةَ فلابد من الانتقال إلى (أَشَدَّ) ونحوه.
وأمَّا إذا كان نادراً في الاستعمال فمقتَضَى إطلاقه فيما تقدَّم أنه لا يُفتقر فيه إلى (أَشَدَّ) ونحوه إذا/ وُجدت الشروط الأُخَر، لأنه قال قبلُ: ((وصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلاُثٍ)) فأَطْلق،... 533 فَدخل له ما كان كثيرا في الاستعمال، وما نَدَر فيه.
وإذا كان كذلك لم يُفْتَقر فيه إلى (أَشَدَّ) ونحوه مما يَخْلُفه، إذ لم يَعْدِم على هذا التنزيل شرطا.
وفي هذا نظر، وذلك أن نُدُور الاستعمال حاكمٌ بأن هذا الفعل لا يقع على الألسنة إلا نادرا، بحيث لا يعتبره العربيُّ في بناء فِعْل التعجُّب منه، وإن اتَّفق كثرةُ استعماله عند بعض العرب لم يَتَّفِق عند الباقين، وبذلك يُعد نادرا؛ إذ لو تداولت العرب استعماله لَسُمِع كثيرا، ولو سُمع كثيرا لم يكن نادراً عندهم، أعني عند النَاقِلين عن العرب، فَعَدُّهم إياه نادرا دليلٌ على أنهم فهموا ذلك من العرب، وعند ذلك لا يصح الحُكْم بعدم الافتقار في هذا الموضع إلى (أَشَدَّ) ونحوه، بل نقول: لابد منه كما لابد منه في غيره، لأن العرب لم تَعْهَد هذا النادر أن تَلتفت إليه فتَبْني منه، فإذا وُجد فعلُ تعجُّب لم يكن فعلُه المبنيُّ هو منه كثيرَ الاستعمال فهو شاذ لا يُقاس عليه، إلا إن ثَبت استعمالُه لبعض العرب، فحينئذٍ يُقاس بالنسبة إليهم، لا بالنسبة إلى من لا يَستعمله.
ولذلك عَدَّ المتقدمِّون من شاذ التعجُّب قولهَم: (ما أَفْقَرَهُ) لأنه عندهم

من (افْتَقَر) وإن كان قد سُمع (فَقُر، وفَقِر) بمعنى: افْتَقَر، و (ما أَرْفَعَهُ) وإن كان قد جاء (رَفُع) و (ما أَغْنَاهُ) وإن سُمع (غَنِىَ) بمعنى اسْتَغْنَى، و (ما أَتْقَاهُ) وقد سُمع (تَقِىَ) بمعنى خَافَ، حكاها ابنُ القُوطِيَّة 1 لغةً في (اتَّقَى)، و (ما أَقْوَمَهُ) من (استَقَام) وقد قالوا: قامَ، بمعنى: استقام، و (ما أَمْكَنَهُ) وقد سُمع (مَكُنَ عند المَلِك)، و (ما أَمْلأَهُ) وقد سُمع (مَلُؤ) بمعنى: امْتَلأَ.
وقالوا: أَبِلَ الرجلُ، كَثُرَتْ إِبلُه كما تقدَّم 2، وجعلوا (ما آبَلَ زيداً) شاذا.
وكذلك في البناء من فِعْل المفعول جَعلوا منه قولَهم: (ما أَمْقَتَهُ) وقد قالوا: مَقَتَ، إلى أشياء من هذا القَبِيل يُعد التعجبُ فيها شاذاً مع وجود الثلاثي، ما ذاك إلاَّ لأنهم لم يَعتبروا ذلك المسموع، لشُذوذه ونُدوره، فإطلاقُ الناظم في هذا الموضع لا يستقيم في مَدارج القياس.
والجواب عن الأول أن خِلاَفة (أَشَدَّ) أو (أَشْدِدْ) ونصبَ المصدر أو جَرَّه بالباء إنما يُريد به حيث يُتَصَّور وضع هذا للمجموع، وذلك لا يُتصَوَّر إلا في فِعْل متصِّرف، فاشتراط التصُّرف في الفعل أولاً قَضَى بأن غير المتصِّرف لا يمون له مصدر، لأن معنى التصُّرف أن يكون له ماض ومضارع وأمر وصِفَةٌ وغير ذلك، ومن جُمْلتها المصدر، وهو الأصل، فما لا مصدر له لا يَتَأَتَّى فيه ذلك الوضع ولا ذلك العمل فيُرْفضَ.
وأمَّا ما استُغْنِيَ عنه بغيره من الأفعال فذلك الغَيْر يقوم مصدرهُ مقامَ

مصدر هذا المرفوض، فكأنَّه موجود، فـ (التَرْك) قائم مقام (الوَدْع) كما / كان... 534 (تَرَكَ) قائماً مقام (وَدَعَ).
وأما ما له مصدرٌ يُوقِع الإتيانُ به في اللَّبْس فالإتيان في موضعه بـ (ما) المصدرية بمنزلة الإتيان بالمصدر نفسِه، إذ هما في المعنى كالمترادِفَيْن 1، ولذلك يصرِّح سيبويه في الحرف المصدري أنه اسمٌ اعتباراً بتأويله مع ما بعده بالاسم 2. وإذا أُتِي بـ (ما) والفعلُ بعدهما مبنيٌّ للمفعول لم يَبْق لَبْس، كما أنه إذا أُتِيَ بعدها بالفعل المنفيِّ لم يَبْق لَبْس، ولكن لفظ الناظم لا يُعطي هذا الحكمَ بخصوصه، ولا يُفْهَم منه، فالاعتراض متمكِّن هنا، لا سيما بالفعل المنفيِّ، فإن في جواز نحو (ما أَكْثَر ما لَمْ يَقُمْ زَيْداً) نظراً.
ولا أعلم الآن في المسألة نَقْلاً اَقْتَفِى اثرهَ، ولكن لا يُعد في القياس أن تَدخل (ما) على الفعل المنفي كما تَدخل المصدريَّةُ الظرفيَّةُ عليه، نحو ما جاء في الحديث: ((لا يَزالُ الرجلُ في فُسْحَة مِنْ دِيتهِ مالَمْ يَسْفِكْ دَماً حَراماً)) 3 أو كما قال عليه السلام.
والجواب عن الثاني أن التعجُّب بـ (أَشَدَّ) ونحوه يأتي في مَعْهود الاصطلاح على وجهين، أحدهما أن يُقْصَد إليه أولاً في التعجُّب، فهذا يَجرى مجرى سائر أفعال التعجب، كأَحْسَنَ وأَفْضَلَ وأَكْرَمَ.
فقولك: (ما أَكْثَر مَالَهُ، وما أَشَدَّ وَلَدَه) كقولك: ما أَحْسَنَهُ، وما أَفْضَلَ أبَاهُ،

وما أَكْرَمَ وَلَدَهُ.
وهذا لا اعتراضَ به لأنه غيرُ واقع خَلَفاً من غيره، ليُتوَصَّل به إلى التعجب مما لا يَتَأَتَّى البناء منه.
والثاني أن يكون التعجُّبُ بـ (أَشَدَّ) ونحوه توصُّلا واستِخْلافاً، حيث لا يتأَتَّى بناءُ التعجُّب من الفعل المذكر، وهذا لا يُؤْتى فيه إلا بالمصدر كما قال.
والكلام هنا في هذا الثاني لا في الأول، وجميع ما اعتُرِض به من الأمثلة من القَبِيل الأول لا من الثاني، فلا إشكال.
وعن الثالث أن المصدر المراد هنا هو الموصول، وقد تقدَّم في بابه أن اسم المصدر يَجري مَجراه، لما فيه من معناه، فليكنْ هنا كذلك بمقتضى ذلك الحكم المتقدَّم.
ويقال أيضا: إن أسماء المصادر في الاستعمال، بالنسبة إلى المصادر، قليلة، فاعَتبر الأصلَ الكثير، وتَرك ما عداه مسكوتاً عنه حتى يُلحقه به مَن أراد إلحاقَه بالقياس.
وعن الرابع أن (ما أَشَدَّ) و (أَشْدِدْ) إنما يَخْلُفان ما كان بمعناهما، مما تعذَّر بناء (أَفْعَل) منه، فإن التعجُّب لا يمكن إذا كان الفعل غيرَ قابل للفَضْل، فلا يقال: ما أَمْوَتَ زيداً، إذ الموتُ لا يزيد ولا ينقص، لكن يَبْقَى أن يقال: هل يقال: ما أمْوَت زَيْداً 1، على معنى: ما أَشَدَّ مَوْتَه، أو ما أَسْهَلَ مَوْتَه، أو ما أَسْهَلَ، أو نحو ذلك.
أو ما أَمْوَتَ أَهْل بلدةِ كذا، بمعنى: ما أَكْثَرَ مَوْتَهم، إذا نَزَل بهم الموتُ الكثير.
فيقال: مِثْلُ هذا لا يقال حتى يُسمع، ولم نَسمع العربَ قالت: ما أَمْوَتَ كذا، بمعنى: ما أَشَدَّ أو ما أَكْثَر، أو نحوهما، كما قالوا في النوم: ((هو أَنْوَمُ من

فَهْدٍ 1 و ((أَنْوَمُ من عَبُّودٍ 2)) و ((نَؤُومٌ)) على اعتبار الكثرة أو الطُّول، أو كما قالوا: ما أَضْرَبَهُ، وما أَمْشَاهُ، على معنى الكثرة/، ولذلك جاء: ضَرَّابٌ وَشَّاءٌ.... 535 فإذا ثَبت استعمالُهم لذلك جاز لنا التعجب على ذلك المعنى المستعمَل، وإلاَّ لم يَجُزْ، فصار إذاً (ما أَمْوَتَ كذا) - بمعنى: ما أَشَدَّ، أو أَكْثَر، أو نحوهما- مهملاً، لإهمال الفعل الذي يُبنى منه، فإذا قُصِد قَصْدُه 3 أُتَىِ بما يدل على معناه، وهو (أَشَدُّ) أو نحوه، فـ (أَشَدُّ) ونحوه إذاً إنَّما ناب عن فِعْل بمعناه، فلذلك عَبَّر الناظم بعبارة ((يَخْلُفُ)).
ولم يَقصد النحويون قَطُّ بالإتيان بـ (أَشَدَّ) ونحوه أن يَدُلَّ على معنى مالا يُتعجَّب منه، وهذا المعنى جارٍ في غير هذا الموضع من الشروط المذكورة، وهو مما نَبَّه على أصله بعضُ المتأخِّرين قال: المعتبَر فيما يجوز التعجُّب منه ومالا يجوز إنَّما هو مدلولُ اللَّفْظة، فأما أن يقال: ما أَفْعَلَ كذا، بمعنى: ما أَكْثَرَ فِعْلَهُ- فتحريفٌ لا يَسُوغ، فليس ما جاز فيه (ما أَكْثَرَ كذا) يجوز فيه (ما أَفْعَلَهُ).
والدليل على ذلك أنهم لا يقولون: ما أَعْمَى زيداً؛ لأجل فساد معناه، فإنْ فَرضْتَ أن يكون (العَمَى) في بلدٍ ما كثيراً شائعاً، أو غيرُه من

الخِلقَ، كما يَحِكيِ الناسُ كثيراً من ذلك عن كثير من البُلدانَ- لم يصح التعجُّب أيضاً، وإن كان معنى الكثْرة شائعاً متصورا.
أو يكون الموتُ شائعاً في بلدٍ ما 1، كما يكون في المواضع الوَبِئية- فلا يجوز أن يقال في ذلك: ما أَمْوَتَ أهل مَوضِع كذا، وإن كان معنى الكثرة شائعا.
فليس ما يُعطيه معنى (ما أَفَعْلَهُ) منحصراً فيما تُعطيه الكثرةُ خاصَّة، بدليل ما قَدَّمْتُه.
قال: وهذا موضع خَفِيٌّ ينبغي لأن يُنَتَبَّه له.
والجواب عن الخامس أن الَّماع إذا أثبته ثقةٌ لم يُطْرَح بسبب أن ثقةً آخر لم يُثْبِته لعدم اطِّلاعه عليه، بل القاعدة المستمِرَّة أن المُثْبِت في أمثال هذه الأمور مُقَدَّم على النافي، لأنه النَّافي لم يَقُل: إنه غير موجود بإطلاق، وإنما قال: لم أَحْفَظْه، أو لا أَعْلَمُه، وعدمُ علمِه لا يدلُّ على عَدَمِه، فمن هنا كان قول المثبِت أولى.
ثم إن ما أثبته بعضُهم إنَّما أثبته غير مقيد بندُور، فيحُمل على إطلاقه حتى يَدُل دليل على الندُّور، أو أنه لغةٌ لبعضٍ لا يَستعمله الباقون، فحينئذٍ يكون ما قال في السؤال.
ومثل ذلك لا يُوجد في الاستقراء إلا نادرا، فلا يُعْبَأ به، فلهذا أطلق الناظم القولَ في مجيء الفعل الثلاثي، بناءً على أن النُّدور فيما استُعمل منها لا يثبت إلا نادرا.
وعلى هذا الأصل اعتَمد في ((الشَّرح)) 2 حيث زعم أن أكثر النحوييِّنِ يَجعلون من شواذِّ التعجُّب: ما أَفْقَرَهُ، وما أَشْهَاهُ، وما أَحْيَاهُ، وما أَمْقَتَه، بناءً على أن الثلاثي منها لم يُستعمل.
قال: وليس الأمر كما زعموا، بل استَعملت

العرب: مَقُتَ، وفَقُرَ، وشَهِى، وحَيِىَ.
ثم قال: وممَّن خَفِىَ عليه استعمالُ (حَيَىَ) بمعنى (اسْتَحْيَا) أبو علي الفارسي، وممن خَفِىَ عليه استعمال (فَقُر، ومَقُت) سيبويه قال: ولا حُجَّة في قول من خَفِىَ عليه ما ظهر لغيره، بل/ 536 الزيادةُ من الثِّقة مقبولة.
وقد ذكَر استعمالَ ما ذُكر جماعةٌ من أئمة اللغة.
يَعني: كابْن سيَدَه، وابن القُوطيَّة وابن القَطَّاع وغيرهم 1، ونقلوها عن أئَّمة، فإذا ثبت هذا وجب المصير إليه وطَرْح ما عجاه.
وما ذَهب إليه هنا قد ذَهب غيرُه إلى ذلك 2. ولكن ههنا قاعدةٌ هي من المتقدِّمين على بَال، ويُغلفها أكثرُ المتأخِّرين إلا من فَهم مقاصد المتقدِّمين، وحَذَا حذوَهم، وذلك أن إثبات السَّماع من حيث إنه سُمع، أو نَفْىَ السَّماع من حيث لم يَبْلُغ النافي ذلك - سَهْلٌ يسير، لأنه نَقْل وإخبار عن أمرٍ محسوس لا يُنكره عاقل.
وأما إثباتُه أو نَفْيه، من جهة ما يُقاس عليه أو لا يقاس، فليس بالسَّهْل ولا باليسير، فالذين اعتنوا بالقياس والنَّظَر فيما بُعَدُّ من صُلْب

كلام العرب ومالا يُعد لم يُثبتوا شيئاً إلا بعد الاستقراء التام، ولا نَفَوْه إلا بعد الاستقراء التام، وذلك كلُّه مع مُزاولة العرب، ومُداخلة كلامها، وفَهْمِ مقاصدها، إلى ما يَنْضَمُّ إلى ذلك من القرائن ومقتضَيات الأحوال، التي لا يقوم غيُرها مقامَها، فبَعدَ هذا كلِّه ساغ لهم أن يقولوا: هذا يُقاس، وهذا لا يُقاس.
هذا يقوله مَن لا يقول كذا.
وهذا ممَّا استُغني عنه بغيره، إلى غير ذلك من الأحكام العامَّة التي لا يُفْضِي بها إلا من اطَلع على مآخذ العرب، وعَرف مآل مَقاصدها.
وهذا أمر مقطوع به عند أرباب هذا الشأن.
ومَن فَهم كلام الأئمة في تَوَالِيفهم لم يَخْفَ عليه ما ذُكر.
وإذا ثبت هذا فإنهم لم يَدَّعُوا في (ما أَفَقَرَهُ) وأخواته أنه شاذٌ إلاَّ بعد أن عرفوا بالاستقراء التامِّ أن قائله لا يتكلم ب (فَقُرَ) ونحوه، وإن تكلَّم به ففي شِعْرٍ أو نادِر كلام، ومالا يَنْبَنِي عليه القياس، وإلا لكان نفيهم لذلك نفياً لما لا عِلْمَ لهم بنَفْيه ولا إثباتِه، وهذا لا يصح أن يُنسب إلى عَدْلٍ منهم على حال، كما لا يُنسب مثلُ ذلك إلى فَقِيهٍ أو أُصُوِلىٍّ أو غيرهما.
ومن هنا قال بعض المحقِّقين في مسألةٍ من مسائل التعجُّب: إثباتُ أنهم تعجَّبوا من فِعْلٍ مَا بأن يُسْمَع التعجُّب منه هَيِّنً سَهْل، وأمَّا نَفْي أنهم لا يتعجبَّون منه بأن لم يُسْمَع صَعْبٌ عسِرٌ شاقٌ، إلا على إمامٍ موثوقٍ به، قد فَهم من قرائِن ومجموعِ أحوالٍ وظواهَر تعمُّدَهم لترك ذلك، وما أعزَّ ذلك وأقلَّه.
هذا ما قال، وهو واضح.
فمن كان مثلَهم فواجبٌ أن يُقبل قولُه نفياً وإثباتاً، وهم قد قالوا: إن (ما أَفْقَرَهُ) وأخواته شاذٌ، لعد جريَانه على الثلاثي، فلم يقولوا ذلك إلا بعد فَهْمه من العرب كذلك، فإذا سُمع بعد ذلك الثلاثيُّ فالواجبُ على المتأخِّر التوقُّفُ حتى يَدخل من حيثُ دَخل المتقدِّم، فإن وجَد الأمر مُسْتَتِباً مطَّرِداً على خلاف

ما قال الأول لم يَسَعْه إلا مخالفتُه، وإن لم/ يَجِده كذلك فَلْيَتوقَّف، فإن اجتمع على ما... 537 قال الأولُ أئمةً مثلهُ فينبغي تقليدُهم، لأنهم عن السَّماع يُخْبرون لا عن آرائهم، وإلاَّ لم يَقْطع في المسألة بنفيٍ ولا إثبات غن حصل له في الاستقراء شَكٌّ يَستند إلى سبب، وإن لم يكن له سببٌ في الشك يَسْتَند إليه فالأَوْلَى الوقوفُ مع ما قال الأولُ، لأنه إنما حَكَم عن بَصِيرة، وهذا ليست له في المسألة بَصِيرةٌ يَستند إليها، والكلام هنا واسع، ومحلُّ بَسْطه ((الأصول)).
والحاصل أن ما استَدْرك المتأخرون هنا غيرُ مُخَلَّص 1. وابن مالك منهم.
فإن قيل: فإذا نَقل أهلُ اللغة هنا الثلاثي وإن لم يقيدِّوه بقلَّةٍ ولا نُدور، ولا اختصاصٍ بقومٍ دون قوم- فذلك دليل على كثرة استعمالها، وهكذا فَعلوا في أكثر ما تقدم، وإذا كان كذلك فهو دليل على صحة الاستدراك.
فالجوابُ أن أكثر اللغويِّين إنما يَنَقلون في السَّماع مطلقاً من غير تَتَبُّعٍ لهذه الأمور، وإنما يتعرضَّ لها من كان نحوياً في الغالب، ولا عَتْبَ عليهم، فإنهم سالكون سبيل مَجرَّد النَّقْل، ولا سِيَّما أهل النَّوادر منهم، والتفقُّهُ في المنقول مِن صناعةٍ أخرى.
فَلْيُتَحفَّظ الواردُ على أمثال هذه المسائل، فالمتقدم أعرفُ بمآخذ هذا الكلام من هؤلاء المتأخرِّين، ولذلك نَرى الحُذاق يعتنون بقواعد المتقدِّمين، ويَتَحامَوْن الاعتراض عليهم، بل يقلِّدون نقلَهم وقياسَهم، ويحتجُّون لهم ما استطاعوا، مراعاةً لهذه القاعدة، فَيظُن الشَّادِي 2 في النحو أن ذلك

من باب التعصُّب للمذهب، وليس كذلك فاعلم.
وقوله: ((يَخْلُفُ)) خبر للمبتدأ الذي هو ((أَشْدِد أو أَشَدَّ)) باعتبار حكاية اللَّفظ والإخبارِ عنه، وأفرد الضميرَ لأنه عطف بـ (أَوْ) المقتضِية لأحد الشيئين أو الأشياء.
و((بَعْضَ الشُّرُطِ)) مفعول ((عَدِمَ)) و ((ما)) واقعةٌ على الفعل المَبْنِّي منه صيغةُ التعجُّب، وهي موصولة عائدُها فاعلُ ((عَدِمَ)) والتقدير: ومصدرُ الفعل العادمِ بعضَ الشروط يَنْتَصب بعده، ويَنْجرُّ بالياء بعد ((أَفْعِلْ)).
وبالنُّدوُرِ احْكُمْ لِغَيْرِ ما ذُكِرْ ولا تَقِسْ على الذَّي مِنْهُ أُثِرْ يعني أن ما تقدم ذكره من الأحكام المشروطة وغير المشروطة هو القياس يَطَّرِد فيما سُمع ومالم يُسمع، وأما غير ذلك فاحكم بندُوره وقِلَّته، وأَثْبِتْه في قسم المسموع المأثور الذي يُوقَف على محلِّه ولا يُقاس عليه.
فممَّا جاء من المبنيِّ من غير فِعْل قولُهم في التفصيل: هو أحْنَكُ الشَّاتْينْ 1، وآبل النَّاسِ كِّلهم 2، وما أَفْرَسَهُ، وهو أَفْرَسُ النَّاس 3. / ومن المبنيِّ من غير الثلاثي: ما أَفْقَرَهُ، وما أَغْنَاهُ، وما أَحْوَجَهُ،... 538

وهو أَبْيَضُ من كذا، قال 1: جَاريَةٌ بَيْضَاءُ في نَفَاضِ مَائِسَةٌ في دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ ولم يقولوا: بَيِضَ، وقالوا: (سَوِدَ 2) وقالوا: ((أسْوَدُ من القَارِ)) 3 وقال نُصَيْبٌ في (سَوِدَ) أنشده سيبويه 4: سَوِدْتُ فَلَمْ أَمْلِكْ سَوَادِي وتَحْتَهُ قَمِيصٌ من القُوِهيِّ بِيضٌ بَنَائقُهْ وممَّا بُني من العَديِم التصُّرفِ قولهم: ما أَعْسَاهُ، وأَعْسِ بِه، بمعنى: ما أحقَّه، وأَحْقِقْ به.
وممَّا بُني من الوصف المصَوُغ على (أَفْعَل، فَعْلاءَ) قولهم: ما أَحْمَقَهُ، وما أَنْوَكَهُ، وما أَرْعَنَهُ، وما أَهْوَجَهُ، وما أَلدَّهُ، في أشياء من هذا قليلة.

ومن ذلك جميعُ ما ذُكر في الأسئلة على النَّاظم فيما بُنِي من (أَفْعَلَ) ومن (فِعُل) 1 ونحو ذلك، فقد سبق منه أمثلةٌ كثيرة، وجميعها نادر في موضعه، يُحفظ حفظا، ولا يُقاس عليه حَسْبَما ارتضاه في هذا النَّظْم.
فإن قيل: ظاهر قوله: ((ولا تَقِسْ على الَّذِي مِنْهُ أُثِرْ)) أَنَّه حَشْوٌ لا فائدة فيه، إذ كان صَدْر هذين المُزْدَوَجَيْن يَقضي بذلك، وهو قوله: ((وبالنُّدوُر احْكُمْ لَغْيرِ ما ذُكِرْ)) فإنه إذا كان نادرا كان غير مَقيس فلم يُفد شيئا زائدا على ما تقدم، بل نقول: إن مجموع الشَّطْرَيْن حَشْو، لأن جميع ما تقدم ذكرهُ قياس، فلو تَرك التنبيهَ على ما عده لَفُهِمَ أنه غير مَقِيس بحكم مفهوم الشروط المذكورة، وذلك عَيْنُ ما ذكُر هنا، فهذان سؤلان، أحدهما: ما فائدة ذكر الشَّطرين؟ والثاني على تسليم أنه أَفَادَ بالشَطر الأول ما فائدة الثاني؟ فالجواب عن الأول أنك إذا تأملَّتَ ما تقدم في الشروط وجدتَ ما خرج منها على قسمين، منه ما قيل بأنه قياس، وذلك كما في البناء من (أَفْعَلَ) ومن فِعْل المفعول، فإن النحويِّين قد اعتَبروا السَّماع في ذلك، وكَثُر عندهم كثرةً يُقاس عليها، وقد اعتَبرها هو في ((التَّسْهيل)) 2. ومنه ما ليس بقياس اتفاقا، وذلك: ما أَعْسَاهُ، وأَعْسِ به، ونحو ذلك.
فلو سكت عن التَّنبيه على النُّدور لَتَوهَّم الناظر فيه أنه إخلال، فأَشْعَر هنا أنَّ تَرْك ما تُرِك ليس بمَغْفُولٍ عنه، بل هو مُغْفَلٌ عَمْداً، غيرُ معتَبر في القياس قَصْداً.
وعن الثاني أن الشطر الأول أخبر عن حقيقة الأمر في ذلك المسموع المنبَّه عليه، وأنه نادر قليل، لا كثيرٌ كما يزعمه مَن ادَّعى القياسَ في تلك المسائل،

وعادته أن يعبِّر بالقليل عما جاء في الكلام، ولم يَختص بالشِّعر.
وقد تقدم التَّنْبيه على ذلك في مواضع.
ويعبِّر أيضا بالنُّدور عما جاء في الكلام وهو مُحْتَمِلٍ للقياس عليه وعدمِه.
فلما كان الأمر كذلك حَرَّرَ ما عسى أن يُفهم له منه إجراءُ القيَاس بقوله: ((ولاَ تَقِسْ عَلَى الَّذِي مِنْه أُثِرْ)) اي لا تظن أنه مِمَّا يُقاس وإن كان قليلا، بل اعتَقِدْ أنه عندي في هذا الكتاب غيرُ مقيس بإطلاق/ وإن كان قد جَعل في ((التَّسهيل)) بعضَه قياسا 1، وهذا المعنى يُحْتاج إلى... 539 ذِكْره، فليس في الكلام حَشْو.
وابن مالك ممَّا يَقْصد قَصْدَ هذه التَّنْبيهات، فلا تُهمل النظرَ في كلامه، والتأمُّلَ لمَنَاحِيه، فإن تحت كلامه دقائقَ محتاجاً إليها.
و((أُثِرَ)) معناه: ذُكِر ونُقِل عن العرب، يقال: أَثَرْتُ الحديثَ آثِرُه، إذا ذكرتَه عن غيرك، ومنه يقال: حَدِيثٌ مَأْثُور، أي يَنقله الآخِرُ عن الأول.
ومنه في حديث عمر رضي الله تعالى عنه ((فما حَلَفْتُ به ذَاكِرا ولا آثِراً 2)) أي: ولا مُخْبِرا عن غيري، يعني الحِلَفَ بأبيه.
ثم قال: وَفِعْلُ هَذَا الْبَابِ لَنْ يُقَدَّمَا مَعْمُولُهُ ووَصْلَهُ بِه الْزَمَا يعني أن الفعل في التعجُّب، وهو (أفْعَلَ، وأَفْعِلْ) يلزم طريقةً واحدةً مع معموله، فَيتقدم الفعلُ على معموله، ويَتأخَّر المعمولُ لزوما، ولا يتقدم المعمول.

ويلزم أيضاً وَصْلُ المعمول بفعله، فلا يُفصل بينهما بفاصل سوى ما يَسْتَثنى.
هذا عَقْد ما قاله.
فأما التقديم والتأخير فتقول: ما أَحْسَنَ زيداً قائماً، وأَحْسَنَ بزيد راكباً، فلا تقول: ما أَحْسَنَ راكباً زيداً، ولا أحْسِنْ راكباً بزيدٍ، ولا زيداً ما أَحْسَنَ، ولا بزيدٍ أَحْسِنَ، ولا ما زيداً أَحْسَنَ.
وكذلك لا تقول في قولك: (ما أَنْفَع مُعْطِيكَ عند الحاجة): ما أَنْفَع عندَ الحاجةِ مُعْطِيَكَ، ولا في قولك: (ما أَكْرَمَ مُعْطِيكَ ثَوْباً): ما أَكْرَمَ ثوباً مُعْطِيكَ.
فالحاصل أن الصورة التي ذكر أول الباب ملتَزمة، لا تتخلَّف إلا في موضع واحد، وهو الفَصْل بين الفعل ومعموله بالظرف والمجرور على خلافٍ فيه كما سيَذكره، وذلك أن العرب التَزمت في فِعْلَيِ التعجُّب وعدمَ التصُّرف، ولذلك لا يدُلاَّن على زمان/ كعَسَة ولَيْس، ونِعْم وبِئْس، ولا يأتي منهما مضارعٌ ولا أمر.
وإذا لم يتصرَّفا في أنفسيهما لم يتصرَّفا في معمولاتهما بتقديم ولا تأخير.
وأيضاً لَمَّا جَرَيا مَجرى الأمثال كما تقدم صار التقديم والتأخير والفَصْلُ مُخْرِجا لهما عما قَصَدت بهما العرب، فلذلك قال سيبويه: ولا يجوز أن تقدم (عبَط الله) وتؤخِّر (ما) يعني في قولك: ما أَحْسَنَ عبدَ اللهِ، ولا تُزيل شيئاً عن موضعه، ولا تقول فيه: ما يُحْسِنُ، ولا شيئاً مما يكون في الأفعال سوى هذا 1. فإذا كان هكذا فاللازم فيهما صيغةٌ واحدة.
وقد حَكى المؤلف الإجماعَ على منع الفصل بغير الظرف والمجرور، قال في ((الشرح)) 2: وكذا لا خلاف في منع إيلائهما ما يتعلَّق بهما من غير

ظرف وجار ومجرور، نحو: ما أَحْسَنَ زيداً مُقْبِلاً، وأَكْرِمْ به رجلاً، قال: فلو قلت: ما أَحْسَنَ مُقْبِلاً زيداً، وأكْرِمْ رجلاً به- لم يَجُز بإجماع.
انتهى.
وفي هذا الإجماع نظر، فقد نُقل عن الجَرْمي في كتابه ((الفَرْخ)) 1 أن الفصل بين ((أَحْسَنَ)) ومعموله بالظرف والحال والمصدر قبيحٌ، وهو على قبحه جائز/ والمصدر أقبحُها عنده،... 540 فالخلاف واقع كما تَرى، ولكن الجمهور على ما قاله.
وقد مَنع الناس (الإعمالَ) 2 في فِعْل التعجُّب فِراراً من الفَصْل بينه وبين معموله، فلا يقال عندهم: ما أَحْسَنَ وأَجْمَلَ زيداً، ولا ما أَحْسَنَ وأَجْمَلَهُ زيداً، لأن فيه مع إعمال الثاني الحَذْفَ، ومع إعمال الأول الفصلَ.
وأمَّا إذا كان معمولُ فِعْل التعجُّب ظرفاً أو مجرورا فقد قال فيه الناظم: وفَصْلُهُ بَظْرفٍ أو بِحْرفِ جَرْ مُسْتَعْملٌ والخُلْفُ في ذَاكَ اسْتَقَرْ الضمير في ((فَصْلُه)) عائد على ((المعمول)) أي: وفَصْلُ المعمول، يريد: مِنْ عامِله الذي هو فعُل التعجُّب، قد استعملته العرب، ففَصلت بينهما بالظرف، وحرف الجر، أي مع مجروره، وجَرى ذلك في كلامها

جَرَياناً معتبَراً.
وقوله: ((مُسْتَعْمَلٌ)) يُشعر بأنه في كلامهم غيرُ قليل، بل هو موجود نظماً ونثراً.
فأمّا النثر فمنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين مَرَّ بَعَّمار 1 فَمسح الترابَ عن وجهه وقال: أعْزِزْ عَليَّ أبا اليَقْظان أَنِّي أراكَ صَرِيعاً مُجَدَّلاً 2. ففَصَل بـ (عَلَيَّ) والمنادي.
وقال عمرو بن مَعْدِ يكَرِب: لله دَرُّ بني سُلَيْم، ما أَحْسِنَ في الهَيْجاء لقاءَها، وأَكْرَمَ في الأَزَمات عطاءَها، وأَثْبَت في المَكْرُمات بقاءَها.
وحكى المبرّد وابن السَّرَّاج 3: ما أَحْسَنَ بالرجل أن يفعلَ كذا.
وأما النظم فأنشد ابن الدهَّان 4: وقالَ إمامُ المُسْلِمين تَقَدَّمُوا وأَحْبِبْ إلَيْنَا أن يكونَ المُقَدَّمَا وقال عمرو بن العاص السَّهْمي يَرثى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:

غَداةَ نَعَى النَّاعِي النّبِيَّ محمَّداً فأعْزِزْ عَلَيْنَا بالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ وأنشد المؤلف 1: خلِيلَيَّ ما أَحْرَى بذِي اللُّبُ أن يُرَى صَبُوَرا ولَكِنْ لا سَبِيلَ إلى الصَّبْرِ وأنشد أيضا أبياتاً أُخَر لم أقِّيدها.
والذي يَعْضُد ذلك من جهة القياس أن الفَصْل بالظرف والمجرور في أبوب العربية مُغْتَفَر محتَمل فيما هو أشدُّ من هذا، وهو الفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وهما كالشِيِء الواحد، فهذا أشدُّ من الفصل بهما بين معمولٍ وعاملٍ ليسا كالشيِء الواحد.
وأيضاً فالقياسُ على (بِئْسَ) مع معمولها مع أنها أضعف من فعل التعجُّب، وقد ورد الفصلُ فيها في قول الله تعالى ﴿بِئْسَ للظَّالِمينَ بَدَلاً 2﴾ فإذا جاز الفصل في (بِئْس) فهو في فعل التعجُّب أولى.
وهذا التقرير محتِمل لأن يكون معتبراً في القياس، فيُقاس الفصلُ بالظرف والمجرور، ولأَن يكون غيرَ معتَبر لقلَّة ما جاء في السَّماع من ذلك.
ولذلك- والله أعلم- لم يَقطع هنا الناظمُ بأحد الوجهين، وإنما بَيَّن أن الفصل بالأمرين قد استُعمل.
ثم حكى [الفصل قياساً 3] وذكر الخلافَ في

القياس على ما سُمِع بقوله: ((والخُلْفُ في ذَاك اشْهَرْ)) أي في جواز الفصل قياساً.
وذكر في ((التسهيل)) وشرحه 1 / أن الجواز مذهب الفَرَّاء والجَرْمِيِّ والفارسيِّ 541 وابن خَرُوف والشَّلَوْبِين 2. ومن المُجيزِين ايضا الزجَّاجُ والسِّيرَافي 3. وممَّن نُقل عنه المنعُ الأخفشُ، ونَقل السِّيرافي عن المبّرد المنعَ، وانظر في ((المقتضب)) 4 ونَسَبه الصَّيْمري 5 لسيبويه، وإنَّما تعلَّق بقوله: ((ولا تُزيل شيئاً عن موضعه 6)).
وذهب إليه طائفة دون مَنْ ذَكر.
والأمر في المسألة محتِمل كما تقدم.
وهنا مسألتان، إحداهما أنه لما نَصَّ على منع الفصل بغير الظرف والمجرور كان ظاهراً في مخالفة ابن كَيْسان 7 حين أجاز الفصل بـ (لولا) بين الفعل ومعموله، نحو: ما أَحْسَنَ، لولا بُخْلُهُ، خُلُقَ زيدٍ.
قال في

((الشرح)) 1: ولا حجة على ذلك.
ولم يُنَبِّه على الفصل بـ (كان) بين (ما) والفعل، لأنه قد تقدم ذلك في ((باب كان)) في قوله: وقَدْ تُزَادُ كَانَ في حَشْوٍ كَمَا كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا وأمَّا: ما أَصْبَح اَبْرَدَهَا، وما أَمْسىَ أَدْفَأَهَا- فيُشَكُّ في كَونْه محكياً من كلام العرب، فإن ابن السَّراج 2 والسِّيرافي لم يُورِداه على أنه مسموع، ولكن على أن قوماً من النحويِّين أجازوا ذلك، ورَدَّاه.
وثبت في مَتْن الكتاب من كلام الأخفش: ((وقالوا: ما أَصْبَح أَبرَدَهَا، وما أَمْسَى أَدْفَأَهَا 3)) وإنما يَعْنِي النحويِّين لا العرب، ولو عَنَى العرب لم يَجُز لأبي بكر 4 ولا لغيره رَدُّه.
وكلام الأخفش في كتابه ((الأَوْسَط)) يدل على أنه لم يَحْكِه.
وقد حمله ابن خروف على أنه سَماع، وضَعَّفه بعضُ المتأخرين، فإذاً لا اعتراض على الناظم بَترْك التَّنْبيه عليه.
والثانية انه أطلق القول بجواز الفَصْل بالظرف والمجرور، ولم يبيِّن ان الجواز مخصوص بما إذا كان متعلِّقاً بفعل التعجب، إذ قال: ((وفَصْلُه بظَرْفٍ

أوْ بَحْرفِ جَرُّ.. مُسْتَعْمَلٌ)) ولم يقيِّد، فاقتَضى ذلك جوازَ: ما أنَفْعَ عِنْدَ الحاجةِ مُعْطِيَكَ، وما أَحْسَنَ في الخير مُوافِقَكَ، على أن يكون الفاصل متعلقاً بالمعمول.
وهذا غير جائز على ما نَقله المؤلف.
ومعلومٌ أنه لم يُرِد من الفصل إلا ما كان من قبيل ما تقدَّم من الشواهد، مَمَّا الفاصلُ فيه متعلِّق بفعل التعجب لا بغيره، فكان إطلاقُه غيرَ مطابق لمراده، فكان غير مَستقيم، ولأجل هذا قال في ((التسهيل)): ولا يَليهما غيرُ المتعجَب منه إن لم يتعلَّق بهما، 1 ولم أجد الآن له في هذا عذْراً، فلو قال عِوضَ ذلك: وفَصْلَ مَعْمُولٍ لَهُ ظرفاً ومَا ضَاهَى أَجِزْ والخُلْفُ فيه عُلِمَا أو ما أَعْطى هذا المعنى لَصَحَّ، ويكون ضمير ((له)) عائداً إلى الفعل في قوله: ((وفِعْلُ هَذا البابِ لَنْ يُقَدَّمَا)) و ((ظَرْفاً)) حال، أي أَجِزْ أن يَفْصِل معمولُ فعل التعجب حالة كونه ظرفاً أو ما ضَاهَاه، وهو المجرور.

جارٍ التحميل