يحذف في كل موضع لتوهم أن له وجهين في الكلام: وجها يلزم فيه الحذف، وذلك إذا أتى المصدر بدلا من فعله، ووجها لا يلزم فيه ذلك، وهو إذ لم يأت بدلا من فعله حسب ما فهم من قوله: "والحذف حتم" إلى آخره.
وهذا الفهم غير صحيح في نحو: "فإمامنا" فخلص الحكم فيه بقوله: "عامله يحذف حيث عنا" فليس بحشو، ثم لما قدم هذا وأردفه بقوله: "كذا مكرر وذو حصر" خاف أن يفهم في المحصور أن الحذف يلزم عامله أيضا كما لزم في المكرر في جميع الاستعمالات فقيَّده بالنيابة بقوله:
كذا مكرر وذو حصر ورد نائب فعل...
أي إنما يلزم حذف عامله إذا ناب عنه لا إذا لم ينب عنه كما تقدم فلا حشو في كلامه.
وقوله: "نائب فعل" حال من فاعل ورد المستتر، وهو عائد على ذي الحصر وحده، لا على المكرر والمحصور معا؛ لأن المكرر ليس له استعمالان من النيابة وعدمها، بل هو نائب مطلقا، فالحذف لازم معه مطلقا كالمصدر الذي في قوله: "فإما منا" بعد قوله: "كذا مكرر" يريد أن عامله أيضا يحذف حيث عنَّ، بخلاف الحصر فإنه ذو وجهين، فتقول على قصد النيابة: إنما أنت سيرا خاصة، ويجوز على القصد الآخر أن تقول: زيد يسير سيرا سيرا، وكذل في الحصر إذا كررت فقلت: إنما أنت سير البريد سير البريد، لاتقول: إنما أنت تسير سير البريد سير البريد، وبهذا يتضح صحة التفسير الثاني في كلام الناظم/ المتقدم الذكر.
وقوله: "لاسم عين" متعلق باستند واستند مطاوع لأسندته على غير قياس، والإسناد هنا بمعنى الإخبار، كأنه قال: نائب فعل صار خبرا الاسم عين، واسم العين عند النحاة: الاسم الواقع على معاين البصر، وهي الجثة؛ ولذلك يقسمون الأسماء لاسم عين، واسم معنى، وأسماء المعاني: هي الأفعال والأعراض والصفات القائمة بالذوات والجثث.
والنوع الخامس: المصدر المؤكد لنفسه، والمصدر المؤكد لغيره، وهو الذي قال فيه الناظم:
ومنه ما يدعونه مؤكدا... لنفسه أو غيره فالمبتدأ
نحو: له على ألف عرفا... والثان كابني أنت حقا صرفا
الضمير في (منه) عائد إلى المصدر اللازم حذف عامله، يريد: ومن المصدر المذكور المصدر المسمى مؤكدا، فيدعونه بمعنى يسمونه، تقول: دعوت ولدي زيدا، أي سميته زيدا، وهذا المصدر المؤكد ليس المؤكد لعامله؛ لأن ذلك لا يجوز معه حذف العامل كما مر، وإنما هو مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة عليه، لكنه على ضربين: أحدهما يسمى مؤكدا لنفسه، والآخر يسمى مؤكدا لغيره، والضمير المرفوع [في] يسمونه عائد على النحويين، وأصل ذلك لسيبويه قال: في الأول: "هذا باب ما يكون المصدر فيه توكيدا لنفسه نصبا"، وقال في الثاني حين بوب عليه: "هذا باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله"، وهو معنى مؤكد لغيره، وجرى على هذا الاصطلاح كثير، قال المؤلف في الشرح حين بين الفرق بينهما: "إن مضمون الجملة قبله
إن كان لا يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر سمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وكأن الجملة نفسه، نحو قولك: له على ألف درهم عرفا أو اعترافا -فإن قولك: "له عليَّ ألف درهم" اعتراف ثابت لا يتطرق إليه احتمال يرتفع بقولك عرفا أو اعترافا- وإن كان مضمون الجملة يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصا سمي مؤكدا لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة، فهو غيرها لفظا ومعنى" وهو قولك: هو ابني حقا.
وهذه التفرقة للسيرافي مع زيادة بسط، وقد يسمى أيضا الأول التوكيد الخاص، والثاني التوكيد العام، ومعنى الخصوصية في الأول أن قوله "اعترافا" مقصور على قوله: له عليَّ كذا، وخاص به.
وأما حقا فليس بخاص بتلك الجملة بعينها، بل يكون توكيدا لها، فتقول: هو ابني حقا، ولغيرها نحو: أبوك منطلق حقا، وزيد قائم، ومات زيد، وأبوك سائر، وغير ذلك من الأخبار، فيحق أن يسمى التوكيد العام، والأول خاصا، ثم أتى بتمثيل لكل واحد منهما، فقال: "فالمبتدأ نحو له عليَّ ألف عرفا" يعني بالمبتدأ المبدوءَ به أولا، وهو المصدر المؤكد لنفسه، ومثَّل بمثال من أمثلة الكتاب، فعرفا بمعنى اعترافا، ولكونه مسموعا أتى به، وإلا فقد قال الجوهري إنه اسم مصدر للاعتراف، فصار كالسلام من سلَّم، والكلام من كلَّم، والجاري على اعترف الاعتراف، وقد يقال: إنه جار على عرف بمعنى اعترف، فالعرب تقول: ما أعرف لأحد يصرعني، أي ما أعترف له، فكأنه لما قال: له عليّ ألفٌ قال
أعرف له عرفا، ومن أمثلة هذا النوع قول الله تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله﴾ فصنع الله توكيد لنفسه لأنه لما قال: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة﴾ علم منه أن ذلك صنع الله، فأكد قوله: "صنع الله" وكذلك عند سيبويه: ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾ فخلقه توكيد لمعنى "أحسن كل شيء"، إذ كان يعطي معنى الخلق، قال سيبويه: "ولكنه سبحانه وكَّد وثبت للعباد".
وكذلك قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى آخرها ثم قال: ﴿كتاب الله عليكم﴾ لأن المخاطبين يعلمون منها أن ذلك مكتوب مثبت عليهم، وقوله: ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ إلى قوله: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾؛ لأن قوله: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون... ويومئذ يفرح المؤمنون﴾ وعد من الله كريم، وكذلك قوله: ﴿صبغة الله﴾ بعد قوله: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ وقالت العرب: الله أكبر دعوة الحق، وأنشد في الكتاب للأحوص:
إني لأمنحك الصدود وإنني... قسما إليك مع الصدود لأميل
وأنشد أيضا لرؤبة بن العجاج:
إن نزارًا أصبحت نزارًا... دعوة أبرارٍ دعوا أبرارًا
وهو كثير.
ثم قال: "والثان كابني أنت حقا صرفا" حذف الياء من الثاني للشعر.
وهذا مثال المصدر المؤكد لغيره، وهو الذي قال فيه: "لنفسه وغيره" وحقا صرفا صالحان لتوكيد ما قبلهما على الإفراد فكأنهما مثالان في مثال واحد، فتقول: أنت ابني حقا، وأنت ابني صرفا، والصرف: الخالص من كل شيء، الذي لم يمتزج ولا اختلط بغيره.
ومن أمثلة ذلك: هذا زيد علما، وأنت عبد الله حقا، وهذا زيد غير ما تقول، وهذا القول لا قولك، وما أشبه ذلك.
وجميع هذا يلزم إضمار عامله؛ لأن الجملة قبله تعطي معناه، فامتنع إظهاره، ولكنه مع ذلك منصوب بالفعل المقدر كما تقدم قبل.
والنوع السابع: المصدر المشبه به الواقع على إثر جملة، وذلك قوله:
كذاك ذو التشبيه بعد جملة... كلي بكا بكاء ذات عضله
يعني أن مثل ما تقدم من المصادر في لزوم حذف العامل المصدر ذو التشبيه،
وذلك المصدر المشبه به إذا كان على الصفة التي ذكر، وذلك أن المصدر المشبه على وجهين: أحدهما: أن يكون قبله فعله الذي من لفظه نحو: ضربته ضرب الأمير اللص، ودققته دقك بالمنحاز حب الفلفل، وصوَّت زيد صوت الحمار وبكى بكاء الحزين، وما أشبه ذلك.
فهذا لا إشكال في أن ناصبه فعله.
وقد مضى ذلك.
والثاني: ألا يذكر الفعل قبله ولا مرادفه، وإنما يذكر قبله جملة تؤدي معنى الفعل، وهو الذي أخذ في ذكره، وأن عامله ملتزم الإضمار، فلا يجوز إظهاره، واشترط هذا الحكم شرطين:
أحدهما: أن يكون المصدر واقعا بعد جملة تامة، تحرزا من أن يقع بعد مفرد؛ فإنه إن وقع بعد المفرد لم ينتصب فضلا عن أن يظهر فعله أو يضمر، فتقول: صوت زيد صوت حمار، وقيامه قيام السارية، ونومه نوم الفهد، وما أشبه ذلك؛ لأن المفرد قبله مبتدأ لابد له من خبر، فلابد أن يكون المصدر المشار إليه هو الخبر، فيرتفع، قال سيبويه بعد ما مثَّل: "لأن هذا ابتداء فالذي بنى على الابتداء بمنزلة الابتداء ألا ترى أنك تقول: زيد أخوك، فارتفاعه
كارتفاع زيد أبدا" قال: "فلما ابتدأه وكان محتاجا إلى ما بعده لم يجعل بدلا من اللفظ بيصوِّت -يعني صوت الحمار- وصار كالأسماء" ثم أنشد لمزاحم العقيلي:
وجدي به وجد المضل بعيره... بنخلة لم تعطف عليه العواطف
ومثل ذلك: مررت به فصوَّت صوت حمار، فإن قلت: مررت به فإذا صوته صوت حمار، فلك فيه وجهان: فإن شئت جعلت ما بعد إذا مفردا على ظاهره، فلا بد من رفع (صوت الحمار) كما تقدَّم، وإن شئت عاملته معاملة الجملة فقدرت له خبرا كأنه قال: فإذا صوته حاضر أو موجود فيكون (صوت حمار) واقعا بعد حملة، فينتصب على إضمار الفعل اللازم الإضمار، فتقول: مررت به فإذا صوته صوت حمار أو صوت الحمار.
والثاني من الشرطين: أن تكون الجملة مثل هذه الجملة الممثل بها في كون الفعل الموافق للمصدر غير مذكور فيها فإن قوله: "لي بُكًا بكاء ذات عُضْلة" لا فعل فيه جاريا عليه المصدر ولا غير جار، فلو كان ثم فعل لكان هو العامل، فلم يكن من هذا النوع، وقد تقدَّم، وكذلك لو لم يوجد فيها فعله الذي من لفظه لكن وجد مرادفه نحو: ذهبت انطلاق زيد، ومنه قول رؤبة أنشده سيبويه:
لوحها من بعد بدن وسنق... تضميرك لسابق يطوي للسبق
وما أشبه ذلك، وعند هذا يظهر أن قولك: هو يصوت صوت الحمار، ولوَّحها
تضميرك السابق ليس على إضمار الفعل، وقد تقدم ذكر ذلك في قوله: "وقد ينوب عنه ما عليه دل"
وإذا تبين أن الأرجح في قولك: ذهبت انطلاق زيد أن يكون العامل هو الفعل الظاهر، فأن يكون هو العامل في يصوت صوت حمار أحق وأولى، وقد أجاز سيبويه أن يكون صوت حمار على إضمار فعل آخر، وهو كما ترى خلاف قاعدته في كتابة: أن الواجب الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، ألا ترى أنه حمل سيدا على أن عينه ياء وإن أمكن أن يكون من ساد يسود، فقال في تحقيره: سُيَيْد، كديك ودُييك، وبهذا استدل ابن جني على قوة أمر الظاهر عندهم فعقده أصلا يرجع إليه، فكذلك ينبغي في هذا.
أما المرادف فالعذر فيه لمن قدَّر عاملا آخر أوضح، ولكن قد مر وجه ما رآه الناظم.
وإذا تقرر هذا بقى النظر في تمثيله هل أشار به إلى شرط آخر سوى ما ذُكر آنفا أم لا؟ وذلك أن قوله: "لي بكا بكاء ذات عضلة" يؤخذ على وجهين: أحدهما: كونها جملة اسمية، واشتملت على فعل وفاعل مذكورين، أو على فعل مذكور وفاعل مدلول عليه بالجملة.
والثاني: كونها جملة تدل عليهما من جهة المعنى خاصة، وسواء أكان فيهما لفظ لهما أو لأحدهما أم لا، ولك فيها مأخذ ثالث، وهو كونها جملة اسمية قد ذُكر فيها الفعل والفاعل باللفظ، فالفاعل في المثال ضمير المتكلم، والفعل البكاء، فيكون قد اقتصر على صورة المثال خاصة؛ فإن أراد الأول شمل مثاله مع الشرط المتقدم شرطين أحدهما: أن تكون الجملة اسمية، فإن كانت فعليةً لم
تدخل هنا كقولهم: تبسمت وميض البرق؛ إما لأن العامل هو الفعل الظاهر؛ إذ قوله تبسمت يؤدي معنى ومضت، فيجري مجرى قوله:
... وآلت حفلة لم تحلل
وإما لأن مثل هذا ليس في جريان القياس كمسألتنا، بل هو قليل الاستعمال؛ لأنه من بابا الحمل على المعنى، والحمل على المعنى دون اللفظ موقوف في الأصل لعلى السماع، فإن كثر كثرة توجب القياس قيل به في محله، وإنما كثر حيث تكون الجملة اسمية لا فعلية.
وهذا الوجه أولى من الأول ليتفق كلامه هنا مع ما تقدم في قوله: "وقد ينوب عنه ما عليه دل".
ومن مثل الجملة الفعلية ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
إذا رأتني سقطت أبصارها... دأب بكار شايحت بكارها
فقوله: "سقطت أبصارها" يؤدي معنى تدأب في السير، وكذلك ما أنشده قول أبي كبير الهذلي:
ما إن يمس الأرض إلا منكب... منه وحرف الساق طَيَّ المحمل
فمعنى ما إن يمس الأرض إلا كذا أنه قد طوى فكان هذا كله على إضمار فعل لا يظهر ولكنه سماع.
والشرط الثاني: أن يكون الفعل مذكور في اللفظ، فإن لم يكن مذكورًا
لم يدخل، والفعل المراد هنا هو العلاج والعمل لا اسم الفعل الذي معناه الجنس، فإن قوله: "لي بكا" المراد فيه بالبكاء ما يراد قوله: أنا أبكي لا اسم جنس البكاء، فإذا أريد به اسم جنس البكاء الذي لا يعطي العلاج لم يدخل هنا، كقولهم: له علمٌ علمُ الفقهاء، وله رأيٌ رأيُ الأصلاء، وله حسنٌ حسنُ الشمس، وله ذكاءٌ ذكاءٌ الفطناء، وما أشبه ذلك، فإن مثل هذا لا يعطي معنى الفعل؛ إذ كان قولك: "له علم" يعطي أنه اتصف بمعنى العلم لا أنه يعالج التعلم كما كان "لي بكا" يعطي علاج البكاء واستعماله، فإذا اجتمع الشرطان انتصب المصدر بفعل لا يظهر، فدخل له نوعان من المصدر المشبه به.
أحدهما: الموازن للمثال، ومنه: ممرت به فإذا له صوتٌ صوتُ الحمار، ومررت به فإذا به له صراخٌ صراخُ ثكلى، ومررت به وله دفعٌ دفعك الضعيف، ومررت به فإذ له دقٌ دقك بالمنخار حب الفلفل، وأنشد سيبويه للنابغة الذيباني:
مقذوفة بدخيس النحض بازلها... له صريفٌ صريفُ القعو بالمسد
وأنشد أيضا للنابغة الجعدي يصف طعنة:
لها بعد إسناد الكليم وهدئه... ورنة من يبكي إذا كان باكياً
هديرٌ هديرُ الثور ينفض رأسه... يذب بروقيه الكلاب الضواريا
قال سيبويه: "فإنما انتصب هذا لأنك مررت في حال تصويب، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول، ولا بدلا منه، ولكنك لما قلت: له صوت علم أنه كان قد تم عمل، فصار قولك له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت، فحملت الثاني يعني -صوت حمار- على المعنى".
والثاني: ما شارك المثال في احتواء الجملة على ذكر الفعل، وإن لم يذكر الفاعل، فكأن ذكر الفاعل في المثال غير مقصود في الاشتراط، فيدخل نحو: فيها صوتٌ صوتَ الحمار، وفيها نوحٌ نوحَ حمام، وفيها صراخٌ صراخَ الثكلى، وأنشد سيبويه عن يونس لروبة بن العجاج:
فيها ازدهافٌ أيما ازدهاف
ينصب أيما، وهذا وإن لم يكن مصدر تشبيه فهو مثله في الحكم، ولا يضرنا كون النصب في هذا الموضع قليلا بخلاف الأول؛ إذ المقصود ذكر النصب على المصدر كيف يكون، وكونه قليلا أو كثيرا شيء آخر لم يتعرض إليه الناظم، لأن هذا المصدر المشبه به في هذه المسائل له في النصب والرفع حكم مختلف، فتارة يقوي النصب، وتارة يضعف بحسب ما يقتضيه الكلام، وليس النظر في ذلك من مسائل هذا النظم، وإنما النظر فيما ينتصب على أي وجه ينتصب، وما حكم عامله من الحذف أو الإظهار.
والله أعلم.
وإن أراد الوجه الثاني دخل له بمقتضى المثال النوعان المذكوران المختصان بالجملة الاسمية، ودخل له أيضا ما كان من نحو: تبسمت وميض البرق، ونحو:
إذا رأتني سقطت أبصراها دأب...
وما أشبه ذلك.
وعلى هذه الطريقة يكون هذا النوع عنده من قبيل ما يقاس وإن قلَّ؛ لأنه راجعٌ إلى ما يفهم من الجملة من معنى فعل آخر، فينتصب المصدر من ذلك المعنى كما قيل في وصف النفوس الآبية عن الانقياد إلى أحكام الله سبحانه: "هذا وإن شمس آبقها، أو لبس بغير تلك اللبسة منافقها، فلم تزل عاكفة على باب منته حقائقها، بملازمة التسبيح والخضوع والسجود، رجوعا يقتضيه فقر العبيد إلى غنى المعبود، ويجليه نقض العزائم وحل العقود" فقوله: رجوعا مصدر يلزم إضمار عامله؛ لأن قوله: فلم تزل عاكفة إلى آخره يؤدي معنى أنها راجعة إليه، يعني إلى الله تعالى مصرفة تحت حكمه؛ ولذلك يجوز لك أن تقول: بوأت زيدا أرفع المجالس إكرام من يعرف قدره، ومررت به فلم يلتفت إلى إعراض العدو عن العدو، وما أشبه ذلك، فقد يقال بالقياس في مثل هذا، وإن قل في الكلام استعماله كما دخل له: فيها صوتٌ صوتَ حمار، وإن كان قليل الاستعمال.
وإن أراد الوجه الثالث كان قد اقتصر من ذلك كله على ما يماثل المثال، وهو النوع الأول نحو: له صوتٌ صوتَ حمار، ويبقى ما عداه مقصود الخروج؛ إذ كان المثال يتضمن شرطين: أحدهما: كون الجملة اسمية.
والثاني: كونها اشتملت على الفعل والفاعل معا في الذكر، ويكون إخراجه لما سوى ذلك إما لكونه لم يبلغ عنده مبلغ القياس، وإما لأنه مقصوده بيان أنواع يكثر استعمالها لزم فيها حذف الفاعل؛ إذ لم يقصد حصر جميع
الأنواع المدَّعى فيها القياس كما سيذكر، وإنما أتى بأمثلة وأنواع من ذلك ليلحق بها ما سواها.
والله أعلم.
والبكا والبكاء [لغتان] ليست إحداهما من الأخرى، لأنه بينهما اختلافا ما؛ إذ زعم الخليل أن البكاء بالمد ما كان معه صوت، والبكا بالقصر ما لم يكن معه صوت، وإنما هو بمنزلة الحزن حكلا ذلك عنه النحاس في كافيه، فكان من حق الناظم أن يأتي بأحدهما مكررا كأن يقول: لي بكاءٌ بكاءُ ذات عضلة؛ لاختلاف معنى اللفظين فإن ما أتى به يماثل قولك: لي بكا صراخ ذات عضلة، وليس هذا مما يوضع في هذه الأمثلة.
وقال الجوهري: البكا يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون من البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها، قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
بكت عيني وحق لها بكاها... ولا يغني البكاء ولا العويل
فهذا كله عضد الاعتراض على مثال الناظم.
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يقال: لعله أتى بهما بناء على أنهما بمعنى واحد لنقل وجده عن
أحد من أهل اللغة، أو لأن المعنيين متقاربان كالمعنى الواحد.
والثاني: أن يكون البكا قصر البكاء ضرورة، لأنه أتى بالمقصور في الأصل، فإن الناظم يضطر إلى مثل هذا كثيرا.
والثالث: أن يكون قصد الإتيان باللغتين على اعتقاد اختلاف المعنيين بناء على أنه أراد بالمثال إدخال الأنواع الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة فأتى بالمثال من النوع الذي لم يذكر فيه الفعل في الجملة إلا من جهة معنى الجملة كقوله: "سقطت أبصارها دأب بكار" فدخل النوعان الآخران من باب الأولى.
وإذا أمكن هذا كله لم يكن في كلامه اعتراض.
وهنا مسألة، وهي أنه قال: "والحذف حتم مع آت بدلا من فعله" ككذا أتى بسبعة الأنواع كالتمثيل لكل ما أتى من المصادر بدلا من فعله، وعلى هذا المساق فلم يقتصر على ما ذكر حصرا للمقيس منها فاحتمل أن يكون منبها على أنواع أخر يمكن فيها ادعاء القياس، واحتمل أن يكون ما ذكر منها؛ لأنها التي اشتهرت عنده، واتضح فيها جريان القياس، فإن أراد الأولى فقد ترك أنواعا: منها المصدر الوارد في خبر غير إنشائي نحو: حمدًا وشكرًا، أو عجبا وقسما لأفعلن كذا، ومنها الوارد في خبر غير إنشائي نحو: نَعْم ونِعمة عين ونَعَام ونُعام عين، ونُعم عين، ونَعَامة عين، ونُعمى عين، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة، ولا أفعله ولا كيدا ولا هما، ولأفعلن ما يسؤك ورغما وهوانا، ومنها المقترن بالاستفهام توبيخا نحو: أقياما وقد قعد الناس؟ وأقعودا وقد سار الركب؛ وأنشد سيبويه للعجاج:
أطربا وأنت قنسرى
وأنشد أيضا لجرير بن الخطفي:
أعبدا حل في شعبي غريبا... ألؤما لا أبالك واغترابا
وقال عامر بن الطفيل: "أغدة كغدة البعير، وموتا في بيت سلولية".
فهذه أشياء يمكن أن يقصدها الناظم فتدخل له تحت كاف التشبيه، ويمكن أن يدخل له ما كان مستفهما عنه تحت إشارة الطلب لظاهر الطلب أو تحت معنى التكرير؛ لأنه المراد الاستمرار الحالي؛ لأن سيبويه جعل هذا النوع مع قولك: إنما أنت سيرا سيرا بابا واحدا، وما عدا ذلك يوقف على السماع كسبحان الله، وقعدك الله وويل زيد وويحه، ولبيك وسعديك، وحنانيك، ودواليك، وما أشبه ذلك فلا يكون منبها بأداة التشبيه على غير ما ذكر، وقد مرَّ وجه ذلك في باب المعرب والمبني في قوله: "كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا" إلى آخره.
والله أعلم.