شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 378-417

للقاعدة في زيادة الميم أولا وما استجل به من وجود فعيل بضهيد فغايته أنه محتمل إذ الناس فيه على فرقتين منهم من يثبته من كلام العرب ومنهم من يدعي فيه الوضع ولا دلالة في محتمل وهذا الترجيح الذي رجح الناس به في هذه المسألة وسواها لا يرفع أصل الاحتمال لقيام التعارض بعدُ وبقاء المسألة في معرض الاجتهاد ألا ترى أنه يجوز لمجتهد آخر أن يخالف الأول لترجيح ظهر له في دليل الجهة الأخرى أو ضعف في دليل هذه الجهة لا يوازي ضعف دليل الأخرى أو غيره من الأمور التي يرجح بها وقد وقع الخلاف في مسائل من هذا القبيل وأصل الخلاف الترجيح لأحد الدليلين على الآخر ولولا الخروج عن المقصود لأوردت في هذا الموضع مسائل من هذا القبيل توضح لك ما ذكرته وسيأتي منها أشياء في موضعها إن شاء الله فأما إذا كانت إحدى الجهتين عارية عن الدليل والأخرى ذات دليل صحيح أو كان دليلها مقطوعا به أو فيحكم المقطوع به والأخرى ذات دليل لا معتبر به لضعفه فههنا لا يقول أحد بأن المسألة في حيز الاحتمال كما تقد في مسألة سيال وبيان واعد وازن وما أشبه ذلك فإنه لا يشك أحد في أصالة الواو والياء هناك وإن لم يقم عليه دليلا فضلا عن أن يستدل بالاشتقاق وهذا واضح وبالله التوفيق [378]

والمسألة الخامسة أنه أطلق القول في الواو والياء إطلاقا ولم يخص للزيادة منها ياء من ياء ولا واوا من واو فدل على أنهما يزادان في جميع أقسامهما إذا بنيت الكلمة عليهما فأما الياء فعلى خمسة أقسام

أحدها أن تزاد للدلالة على معنى كياء التأنيث في تفعلين على القول بأنها حرف وكياء التصغير وياء الجمع السالم نحو الزيدين والضاربين

والثاني أن تزاد للإلحاق نحو بيطر وجيئل وصيرف وجذيم فهذا من إلحاق الثلاثي بالرباعي ومثال إلحاق الرباعي بالخماسي قولهم عيطموس وعيضموز وخيسفوج فهذا ملحق بعضرفوط وفي الفعل بيطر وبيقر فهو ملحق بدحرج وكذلك طشيأ ورهيأ

والثالث أن يأتي لتكثير الكلمة نحو عريقصان وعبيثران إذ ليس في الكلام نحو فعلُّلان ونحو فرنيق إذ ليس في الكلام مثل جردحل وكذلك ما أشبهه

والرابع أن تكون للمد نحو قنديل ومنديل وسرير وبعير ومنه في الندبة واغلامكيه ووامن ضربتيه وما أشبه ذلك [379]

والخامس أن تلحق عوضا من محذوف زائد أو أصلي في التصغير أو التكسير نحو سفاريج وسفيريج ومغتلم ومغيليم ومحمر ومحيمير وكذلك مغاليم ومحامير لو كسر للجمع وفي خفيدد وعفنجج خفاديد وعفاجيج وكذلك في نحو جحاجحة وجحاجيح وما أشبه ذلك

وأما الواو فزيادتها تنقسم هذه الأقسام إلا الخامس:

فزيادتها لمعنى كواو الجمع المذكر نحو ضاربون وزيدون وعمرون ونحو ذلك

وزيادتها للإلحاق نحو جدول وجوهر وحوقل وسردل

وزيادتها للتكثير نحو عبوثران وقمحدوة إذ ليس في الأبنية فعلّلان ولا فعلّلة فتلحق هذان بهما وكذلك ما أشبههما

وزيادتها للمد نحو بهلول وقبول وكلّوب وقربوس وزرجون ومنجنون ونحو ذلك

هذه جملة ما أحال عليه في هذين الحرفين ولما كانت الألف لا تكون أصلا بنفسها في متصرفات الكلم لم يحتج إلى زيادة على ما ذكر فيها بخلاف هذين الحرفين فإنهما يكونان أصلين وزائدين ولهما في الكلمة الرباعية حكم لا يكون لهما مع غيرها فأخذ يستثنى ذلك فقال

وَالْيَا كَذَا، وَالْوَاوُ إِنْ لَمْ يَقَعَا... كَمَا هُمَا فِي يُؤْيُؤٍ وَوَعْوَعَا [380]

يعني أن الحكم التقدم في الواو والياء إنما هو إذا لم يقعا مضاعفين في بنات الأربعة فإنهما إذا وقعا كذلك لا يكونان زائدين أصلا وإن توفرت الأصول بخلاف الثلاثي فإن الحكم فيه كذلك وكذلك الرباعي إذا لم يكن مضاعفا فالثلاثي نحو بيطر وبيقر عثير وطريم وحوقل وسرول وجدول ونحو ذلك والرباعي غير المضاعف نحو غرنيق وعريقصان والخماسي نحو قذعميل وعلطميس ودردبيس وعضرفوط وقرطبوس وأما الرباعي المضاعف فلا تزاد فيه واو ولا ياء وإنما تكون أبدا أصلا أو مثل ذلك بمثال من الاسم ومثال من الفعل دلالة على أن ذلك يكون في الجنسين لا يختص بواحد منهما فالذي للاسم يؤيؤ وهو طائر من الجوارح يشبه الباشَق وجمعه يآيئ وقد جاء فيه اليآئي مقلوبا قال الشاعر أنشده الجوهري

حفظ المهيمن يؤيؤي ورعاه... ما في اليآئي يؤيؤ شرواه

والذي للفعل وعوع وهو من قولهم وعوع الذئب وعوعة أي صوت والوعوعة صوته وأيضا فإنه أتى بالمثالين الياء والواو فحصل من المجموع أن الواو والياء تكونان في الاسم بالتضعيف وتكونان في الفعل كذلك فمن مثل الاسم في الياء يؤيؤ واليهيهة ومن الأعلام [381]

يليل وهو نادر مع تقدم الياء وأما مع تأخرها فنحو الحيحاء والعيعاء والحيحاء والعيعاء والهيهاء وهو قليل أيضا وفي الواو قولهم الوطواط والوسواس والوعواع والوقواق والوكواك والوصوصة والوسوسة وهو كثير ومع تأخرها ضوضاء وغوغاء والزوزاة والقوقاة والضوضاة وما أشبه ذلك ومن مثل الفعل في الياء يهيهت بالإبل إذا قلت لها ياهٍ ياه وهو نادر مع تقدم الياء ومع تأخرها نحو حاحيت وعاعيت وهاهيت وزعم الأخفش أنه لم يأت من هذا النحو إلا هذه الأفعال الثلاثة وفي الواو قولهم ضوضيت وقوقيت وزوزيت ووسوست ووعوع وولول ووحوح ونحو ذلك

وقد ذكروا في علة الحكم بأصالة الواو والياء في مثل هذا وجهين:

أحدهما أن التضعيف في بنات الأربعة في الحرفين كالتضعيف في بنات الثلاثة في أحدهما لأن الحرفين المتباينين وهما الياء والهمزة في يؤيؤ مثلا إذا ضوعف أحدهما صار مع الآخر بمنزلة رد وشد فصار المجموع مع المجموع بهذه المثابة فكما لا يقال في رد وشد إن أحد المضاعفين فيه زائد فكذلك هذا الرباعي لا يقال فيه إلا بأصالة الجميع إذ لا فرق بينهما فإذا الياءان في يؤيؤ أصلان وكذلك الواو في وعوع ويجري الحكم في [382]

الباب كله على هذا السبيل وإلى هذا النحو أشار سيبويه في التعليل إذ قال لما تكلم على ضوضيت وصيصية ونحوهما «فإذا ضوعف الحرفان في الأربعة فهو كالحرفين في الثلاثة»

فإن قلت إن هذا الكلام إنما هو في زيادة التضعيف ومسألتنا خارجة عنه لأن دعوى الزيادة هنا عند ادعاها إنما هي من «سألتمونيها» وبينهما فرق كبير في الأحكام فكيف يستدل بعدم زيادة التضعيف على عدم زيادة سألتمونيها؟ هذا مشكل

فالجواب أن الحكم هنا في نوعي الزيادة متفق لأن من شرط دعوى الزيادة توفر أقل الأصول وهذا لا يختص بزيادة «سألتمونيها» دون زيادة التضعيف ولا بالعكس بل الحكم فيهما واحد لتعلقه بأمر واحد وإذا كان كذلك صح أن يستدل بهذه القاعدة الكلية على أمر كلي يدخل تحته هذا الجزئي الذي في أيدينا لأنه إذا كانت دعوى زيادة أحد المضاعفين لا يمكن هنا فكذلك زيادة ما كان من «سألتمونيها» وعلى هذا الترتيب يلزم ألا يزاد أحد المضاعفين أيضا بالتضعيف إذ يؤيؤ ووعوع المضاعفان فيهما من حروف «سألتمونيها» وهذا بالقصد الثاني وإلا فقد تكلم الناظم على منع زيادة أحد المضاعفين في مثل هذا [383]

والوجه الثاني أن هنا ما كان نحو يهية ووحوح وهذا إما أن يكون وزنهما وَفْعَلا ويَفْعَل والأول معدوم في الأبنية والثاني قليل لا يحمل مثل هذا عليه وأيضا تكون الكلمة من باب سلس وهو قليل أو يكون وزنهما فَعْوَلا وفَعْيلا وكلاهما يلزم منه كون الكلمة من باب ببر وددن وهو نادر فلم يبق إلا أن يكون فَعْلَلا فتكون جميع الحروف أصولا وهو المطلوب

وما كان نحو ضوضيت وحاحيت إما أن يكون وزنهما فعليت كسلقيت وهذا يلزم منه كون الكلمة من باب سلس وهو قليل وهذا كثير أعني في الأسماء والأفعال على الجملة ولا يحمل الكثير على الباب القليل إلا بدليل وأيضا قد قالوا في بعض ذلك ضوضاء وغوغاء بمنزلة زَلزال وقلقال فينبغي حمل باقي الباب عليه لأن فيه حمل المتماثلات على باب واحد وأيضا فيه الدخول في أوسع البابين أو يكون وزنهما فوعلت كحوقلت وهذا أبعد في الجواز إذ يلزم جعل الفاء والعين من باب واحد كددن وببر وهو نادر وإذا امتنع باب سلس أن يحمل هذا عليه فباب ددن أولى بالامتناع [384]

وفي قوله «وَالْيَا كَذَا وَالْوَاوُ» إلى آخره إخبار بأن الياء والواو لا تكونان أصلا في الأربعة كما تقدم وهذا صحيح لكنه قد يأتي أصلا فيها قليلا وإن لم يكن الاسم مضاعفا وذلك قولهم ورنتل فالنون زائدة لوجود شرط الزيادة وهو وقوعها ساكنة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين بعدها والواو أصلية لأنها لو كانت زائدة لكانت زيادتها أول الكلمة وذلك غير موجود فلا يصح دعوى زيادتها أول الكلمة

فإن قيل وكذلك أيضا لا تكون أصلا في بنات الأربعة بغير تضعيف فقد تعارض فيها أصلان فلم حكمت بأصالة الواو دون زيادتها؟

فالجواب أن جعلها أصلا أقوى لأنا قد رأيناها أصلا في بنات الأربعة على الجملة وذلك مع التضعيف فنحن نجعلها أيضا كذلك مع فقد التضعيف للضرورة وهذا أسرع من أن تزيدها أولا ولم نرهم زادوها أولا بوجه من الوجوه وقد جعلوها أصلا في الأربعة في بعض المواضع وهو التضعيف فجعلها أصلا أولى فتأمله

وَهَكَذَا هَمْزٌ وَمِيمٌ سَبَقَا... ثَلَاثَةً تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا

يعني أن الهمزة والميم يحكم بزيادتهما كما حكم بزيادة الألف والياء والواو لكن لا مطلقا بل بثلاثة شروط [385]

أحدها كون الهمزة والميم سابقين للأحرف الثلاثة

والثاني أن يكون بعدهما ثلاثة أحرف أصول

والثالث أن يكون أصالتها محققة لا بالاحتمال

فالأول يدل عليه قوله «سَبَقَا... ثَلَاثَةً» والألف في «سَبَقَا» ضمير التثنية عائد على الهمزة والميم والثاني بين من قوله «سَبَقَا... ثَلَاثَةً تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا» والثلاثة هي ثلاثة حروف أصول والثالث مأخوذ من قوله «تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا» أي لا بد من كون الأصالة في تلك الحروف الثلاثة قد تحققت وصحت وثبتت ولا بد من تفصيل أحكام هذه الشروط بالنسبة إلى كل واحد من الحرفين نبدأ بما بدأ به فنقول:

أما الهمزة فلا بد فيها من تلك الشروط وحينئذ يحكم بزيادتها فالشرط الأول سبقيّتها فإن لم تكن سابقة فلا يحكم لها بزيادة على مفهوم كلامه فنحو بلأنٍ وبرائل والشأسم واطمأن وازبأر وتكرفأ وما أشبه هذا مما الهمزة فيه غير سابقة لا يحكم عليها بالزيادة أصلا إذ لم تكثر زيادتها هنالك كثرة توجب القضاء بزيادتها مع الجهل بدليل ذلك فيها أو دليل خلافه وذلك أن الهمزة إذا وقعت أولا قد كثرت زيادتها جدا فيما عرف اشتقاقه وتصريفه في الأسماء والأفعال فأفعل في الأفعال والصفات كثير [386]

فذكر سيبويه وغيره أن الهمزة متى ما وقعت أولا وأمكن جعلها زائدة قضي بذلك حتى يدل دليل على الأصالة كأفكل مثلا يقضى على همزته بالزيادة وإن لم نعرف له اشتقاقا ولا تصريفا يدل على زيادتها قال لأن ما عرف اشتقاقه فقضي فيه بزيادة الهمزة لا يحصى كثرة فتحمل همزة أفكل على الأكثر فإذا لم تكن سابقة فالأكثر أصالتها فيما عرف اشتقاقه أو تصريفه فليُقضَ بالحمل على الأكثر فيما لم يعرف له اشتقاق ولا تصريف

والشرط الثاني أن يكون بعد الهمزة ثلاثة أحرف أصول فلا بد منه فإنه إن كان بعدها ما هو أكثر من ثلاثة أصول فلا بد من القضاء بأصالة الهمزة وذلك كإصطبل فهو كجردحل لأن القاعدة أن بنات الأربعة لا يزاد فيها من أولها إلا في الأفعال والأسماء الجارية عليها نحو مدحرج وكإردخل واصطفلينة وإصفعندا وأُصطكمة وأَطربون الروم وكذلك إبريسم إبراهيم وإسماعيل همزاتها كلها أصول لو كانت عربيات ولذلك رد المبرد على سيبويه في تصغيرهما بإسقاط الهمزة بريهيم وسميعيل وقال القياس أُبيرية وأُسيميع وما قاله من القياس صحيح غير أن قول سيبويه أصح في التصغير وقد تقدم بيان ذلك في بابه [387]

والشرط الثالث أن تكون أصالة الأحرف الثلاثة محققة فلو كانت غير محققة لم يقض بزيادة الهمزة لأنها لو قضي بزيادتها لأمكن بقاء الكلمة على أقل من ثلاثة أحرف وبيان ذلك أن ثلاثة الأحرف التي بعدها إما أن تكون مقطوعا بأصالتها وسواء أكان معها زوائد أم لا كأحمر وأصفر وأبيض وأحمد وإجفيل وإخريط وأترجة وأزمولة وإدرون وإصليت وإهجيرَى وإجريا وأكرم وأعلم وأطاع وأسطاع وما أشبه ذلك فلا شك في دعوى زيادة الهمزة وإما أن تكون مقطوعا بزيادة بعضها كأمان من الأمن وإسار من الأسر وإناء واحدِ الآنية فلا إشكال في أصالتها وذلك مأخوذ من مفهوم كلامه لأن تأصيل ثلاثة الأحرف هنا ليس بمتحقق وإما أن تكون محتملة فلا يقطع بأصالة جميعها ولا بخلاف ذلك فمفهوم كلام الناظم في هذا أيضا أنه لا يحكم بزيادة الهمزة ما لم تبيّن فيها أمر فيحكم على الهمزة بمقتضاه ولهذا القسم أمثلة منها أيدَع يقال هل هو أفعل كأفكل فتكون الهمزة زائدة لأصالة الياء أو فيعل كجيئل فتكون الهمزة أصلية والياء زائدة كلا الوجهين محتمل لأن كلا واحد منهما يجذبه إليه باب متسع وكالأوتكى ألفه للتأنيث بلا بد فيبقى النظر [388]

بين الهمزة المصدرة والواو بعدها هل يحكم بزيادة الهمزة فتكون أفعلى من باب الأجفلى وعلى هذا حمله القالي أو يحكم بزيادة الواو فيكون فوعلى من باب الخوزلى وعلى هذا حمله غيره وكذلك أفعى هل يكون وزنها أفعل فتكون الهمزة زائدة والألف أصلية أو بالعكس فيكون وزنه فضعلى وكذلك إبّانُ يحتمل أن يكون إفعال فتكون الهمزة زائدة أو فِعّال فتكون أصلية وإحدى الباءين زائدة ومن هذا كثير جدا فمثل هذا عند الناظم لا يحكم على الهمزة فيه بزيادة ما لم تتحقق بعدها أصول ثلاثة

فإن قلت كيف تتحقق في هذه الأشياء الزيادة من الأصالة؟

فالجواب أن تحققها يكن فيما لم تتعارض فيه الأدلة بالدليل الاشتقاقي أو التصريفي وقد تقدم في القسم المتحقق كأمان وإسار وإزار وفيما تعارضت فيه الأدلة بالترجيح لأحد الوجهين على الآخر وكذلك في جميع ما تقدم من المحتملات في باب الألف والواو والياء وهذا بالنسبة إلى المجتهد لا بالنسبة إلى المسألة في نفسها فإنها أبدا مع التعارض محتملة وسيأتي ذلك بعدُ بحول الله تعالى

وأما الميم فكالهمزة في الحكم والشروط:

فأما الشرط الأول وهو السبقية فلازم فلو كانت الميم غير سابقة لم يحكم بزيادتها هكذا مطلقا على ما أفهم كلامه كالبسملة والثرملة [389]

والبرهمة والحرمل والبرطام والخرمل والشمردل والهمرجل والسرمق والحملاق وما أشبه ذلك فالميم في هذه الأشياء أصلية لا زائدة لكونها غير أول وإنما كان ذلك لما تقدم في الهمزة لأن الميم كثرت زيادتها أولا فيما عرف اشتقاقه كأسماء المصادر والأزمنة والأمكنة وأسماء الآلات وأسماء المفعولين وما أشبه ذلك فكذلك يحكم عليها بالزيادة فيما لم يعرف له اشتقاق ولا تصريف حملا على الأكثر وأما إذا كانت غير أول فتقلّ زيادتها جدا فيما عرف له اشتقاق أو تصريف فإذًا لا يحكم بزيادتها إلا بثبت إذا لم يدل عليها دليل

وأما الشرط الثاني وهو أن يقع بعد الميم ثلاثة حروف أصول فملتزم أيضا فإن لم يكن بعدها إلا أكثر من ثلاثة فلا بد من الحكم بأصالتها نحو مرزجوش ومردقوش والعلة في هذا هي العلة في الهمزة من كون الزيادة لا تلحق أول الرباعي إلا في الأفعال والأسماء الجارية عليها نحو يدحرج ومدحرج وما أشبه ذلك

وأما الشرط الثالث وهو أن تكون تلك الأحرف الثلاثة قد تحققت أصالتها وصحت فإنها إن لم تتحقق بل تحققت زيادة بعضها فلا بد من الحكم بأصالة الميم للضرورة لئلا تبقى الكلمة على حرفين وذلك نحو المنون [390]

ومائس وماحل ومشقاء ومحاق ومذيق وما أشبه هذا وكذلك إن لم تتحقق زيادة ولا أصالة في ثلاثة الأحرف فإنه لا يحكم على الميم بزيادة ما لم يتبين الأمر فيها ولذلك أمثلة منها مجن يحتمل أن تكون النونان معا أصلين فتكون الميم زائدة ووزن الكلمة مفعل ويدل على ذلك الاشتقاق من الجُنة وجنه الشيء وأجنه أي ستره لأن المجن ساتر عن الأذاة في الحرب وإلى هذا مال الزبيدي ويحتمل أن تكون إحدى النونين زائدة فتؤصل الميم على هذا ويكون وزن الكلمة فعلا كخدب ويدل على هذا الاشتقاق من مجن أي صلب وإلى أصالة الميم ذهب سيبويه ومنها مأجج ومهدد يحتمل أن يكون أحد المضاعفين زائدا فتكون الميم أصلية ووزن الكلمة فعلل وظهر التضعيف لأجل الإلحاق بجعفر وهذا قول سيبويه ويحتمل أن يكون المضاعفان معا أصلين فتكون الميم [391]

زائدة ويكون وزن الكلمة مفعلا ويترجح هذا بأن زيادة الميم أولا أولى من زيادة ما بعدها من حرف لين أو تضعيف وظهور التضعيف من باب محبب أجاز هذا السيرافي وإن كان قد قوى قول سيبويه

هذا تفسير كلامه إلا أن عليه اعتراضا من خمسة أوجه

أحدها أنه ذكر شرط السبقية للهمزة والميم لا مطلقا بل بقيد أن تسبق ثلاثة أصول والتقييد بهذا لا يقتضي السبقية بإطلاق أعني أ، تكون الميم أو الهمزة سابقة لجميع الحروف وإنما يقتضي سبقيتها للثلاثة خاصة فأعطى هذا التقييد أن نحو شمردل وهمرجل الميم فيه زائدة لوجود شرطه من سبقيتها لثلاثة أصول محققة وكذلك في الهمزة إن وجدت ثانية في اسم خماسي وهذا غير صحيح بل المراد عند النحويين أن تكون الميم سابقة لجميع الحروف على الإطلاق بحيث لا يتقدمها حرف البتة فكان كلامه على الظاهر معترضا

والثاني أنه يدخل عليه في هذا العقد ما كان بعد الهمزة أو الميم فيه أربعة أحرف أصول كإصطبل أصطكمة ومرزجوش لأنه قال «سَبَقَا... ثَلَاثَةً» وهذا قد يسبق أربعة وكل ما سبق أربعة فقد سبق ثلاثة من باب أولى فاقتضى هذا الإطلاق زيادة الميم والهمزة في مثل هذه الأشياء وهو على خلاف ما تقدم من التفسير وعلى خلاف ما قاله النحويون [392]

والثالث أن قوله «وَهَكَذَا هَمْزٌ وَمِيمٌ سَبَقَا» يعني مثل ما تقدم في أنه زائد بلا بد إذ تقدم في الألف قوله

فَأَلِفٌ أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ... صَاحَبَ، زَائِدٌ بِغَيْرِ مَيْنِ

فقطع بالزيادة ثم عطف على ذلك الياء والواو وأن حكمهما كذلك ثم أتى بهذا أيضا محالا به على ما تقدم فاقتضى أن الزيادة في مثل هذا مقطوع بها وغيره لا يجعل الزيادة مقطوعا بها وإنما يجعلها من باب الحمل على الأكثر مع إمكان أن تكون أصلية وكلام سيبويه على هذا يدل لا على القطع بالزيادة قال في أبواب ما ينصرف «واعلم أن هذه الياء والألف

  • يعني في نحو أعْصُرَ ويَعْصُرَ - لا تقع واحدة منهما في أول اسم على أربعة أحرف إلا وهما زائدتان؛ ألا ترى أنه ليس من اسم مثل أفكل يصرف وإن لم يكن له فعل يتصرف» قال «ومما يدلك على أنها زائدة كثرة دخولها في بنات الثلاثة» فهذا استدلال منه بما عُرف أنه أفعل بالاشتقاق أو بمنع الصرف على ما لم يعرف ثم قال «فهذه الياء والألف تكثر زيادتهما في بنات الثلاثة فهما زائدتان حتى يجيء أمر بين نحو أولقٍ فإن أولقا إنما الزيادة فيه الواو ويدلك على ذلك قولهم قد أُلِقَ الرجل فهو مألوق» قال «ولو لم يتبين أمر أولق لكان عندنا أفعل لأن أفعل من هذا الضرب أكثر من فوعل» فتأمل قوله «فهما زائدتان حتى يجيء أمر بين» وقوله «ولو لم يتبين» إلى آخره فإنه في غاية الظهور في الحمل على الأكثر لا على [393]

القطع بل على الإسناد إلى أوسع البابين وإن كان الاحتمال باقيا كما يرجح أحد المحتملين بوجه من وجوه الترجيح قال ابن الضائع بعدما قرر شيئا من هذا المعنى «ومما يدل على أن هذه الهمزة كذا أنّ الميم مثلها في الزيادة أولا من غير فرق وقد قضى سيبويه بأصالة الميم في المرجل والمراجل بقولهم ممرجل فقضى بأصالتها وبعدها ثلاثة أحرف أصول» واعترض على ابن عصفور في جعله هذا النحو مما يقطع فيه بزيادة الهمزة لأنه قال في الممتع «وإن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها قطع بأنها زائدة» قال «لأن كل ما عرف اشتقاقه من ذلك فالهمزة فيه زائدة وما» وما اعترض به ظاهر؛ إذ القطع في أمثال هذه الأشياء متعذر لاحتمال أن تكون الهمزة أصلا بدليل من اشتقاق أو تصريف لم نطلع عليه فكيف يدعى القطع هنا؟ ! هذا خطأ ممن ادعاه والناظم ممن يدعي ذلك فهو مخطئ

والرابع أن قوله «تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا» يقتضي أن الحكم بالزيادة لا يكون إلا فيما تحقق فيه أصالة الحروف وأما ما لم تتحقق فيه فلا يحكم بزيادة الهمزة ولا الميم وهو ما يعطيه المفهوم وهذا المعنى غير صحيح أيضا لأنهم قد قالوا إن الهمزة والميم إذا كان بعدها ثلاثة أحرف وبعضها محتمل للزيادة فهما محكوم عليهما بالزيادة وعلى ما عداهما بالأصالة كأفعى وإشفى وموسى وغيرها قال ابن الضائع: لأنهم استقرءوا ما [394]

كان من هذا النوع فوجدوا الهمزة مما عرف اشتقاقه زائدة إلا في ألفاظ شذت وكذلك في الميم فلذلك قيل بزيادتهما قال سيبويه في أفعى وموسى «الألف فيهما بمنزلة مرمى» قال «فإذا لم يكن ثبت فهي زائدة وإن لم تشتق من الحرف شيئا تذهب فيه الزيادة» وكذلك قال في التسهيل «وتترجح زيادة ما صدر من ياء أو همزة أو ميم على زيادة ما بعده من حرف لين أو تضعيف» وكلامه هنا يفهِم خلاف هذا المنطوق فكان غير صحيح

والخامس أن الحكم إن كان يطرد له في الأسماء فلا يطرد له في الأفعال فإن الأفعال لا تزاد في أولها الميم قياسا ولم يكثر في الكلام كثرة توجب القول بالقياس بل لم يحكه الناس إلا نادرا قال ابن جني «والعم أن الميم من خواص زيادة الأسماء ولا تزاد في الأفعال إلا شاذا نحو تمسكن الرجل وتمدرع من المدرعة وتمندل من المنديل وتمنطق من المنطقة وتمسلم الرجل إذا كان يدعى زيدا أو غيره ثم صار يدعى مسلما وحكى ابن الأعرابي عن أبي زياد فلان يتمولى علينا فهذا كله تمفعل» وهذا يعد من زيادة الميم حشوا لا أولا ومن ذلك عده بعضهم وهو صحيح؛ إذ لم يسمع فيه مفعل مجردا من التاء قال ابن جني «وقالوا مرحبك الله ومسهلك وقالو مخزق الرجل وضعفها ابن كيسان وهذا كله مفعل» قال «ولا يقاس على هذا إلا أن يشذ الحرف فتضمه إليه» هذا ما حكى قالوا [395]

وكلام العرب تسكن وتدرع وتندل كذلك وتنطق لم يحك الجوهري غيره وذكر أن المخرقة مولدة وهي التي قيل منها مخرق ولذلك ضعفها ابن كيسان وإذا صحت لم يُبن عليها لشذوذها فكيف يطلق القول في زيادة هذا الميم أولا مع أنها لا تزاد في الأفعال إلا ببيان؟ أما الهمزة فإطلاقه فيها صحيح لكثرة أفعل في الكلام فقد ظهر أن كلامه في هذه المسألة على غير تحصيل

والجواب عن ذلك أن يقال:

أما الأول فإن قوة كلامه تعطي السبقية على جميع أصول الكلمة لا على ثلاثة منها فقط وإذا كان ذلك مفهوما من كلامه وجب الحمل عليه ولم يصح حمله على غيره

وأما الثاني فإنما أراد نفس الثلاثة التي تخالف الأربعة ولم يرد أن يقول ثلاثة فأكثر وإنما قصد تعيين الثلاثة بخصوصها حتى كأنه قال سبق ثلاثة لا أقل ولا أكثر فيخرج عن هذا ما سبق أربعة فأكثر وهذا مفهوم اللفظ من حيث هو

وأما الثالث فالقطع المذكور هنا إذا سلم إنما هو القطع بالحكم لا القطع بالزيادة فيهما فرق وبيانه أن القطع بالزيادة كما إذا قال في أفكل مثلا إنه أفعل على القطع مشكل لإمكان أن يكون له دليل على الأصالة وأن وزنه فعلل لكنا لم نطلع عليه فلا يتأتى ههنا القطع كما تقدم في [396]

السؤال وأما القطع بالحكم بالزيادة فلا إشكال فيه لأنا إذا قلنا همزة أفكل يمكن أن تكون في نفس الأمر زائدة أو أصلية لكن الأكثر في مثلها الزيادة فنحكم نحن عليها بالأكثر ونقطع بهذا الحكم على غير تردد حتى يتبين خلافه ولا شك أن الأمر عند النحويين كذلك إذ لم يحكموا في مثل هذا بالتردد وإنما حكموا بالزيادة ولا يلزم من القطع بالحكم بالزيادة القطع بالزيادة ونظير هذا قولهم في الفقه حين حدّوه هو العلم بالأحكام الشرعية إلى آخره مع أن الفقه من باب المظنون لا من باب المعلوم على ما قالوه ولكن أجابوا بهذا النحو وهو أن العلم راجع إلى نفس الحكم والظن راجع إلى نفس الاستنباط فكون هذه الصورة مثلا مساوية لأخرى منصوص عليها مظنون بلا شك وكونك حكمت على هذه بحكم هذه مقطوع به لأنه حكم الله تعالى في حق المكلف على الجملة وهكذا مسألتنا لمّا غلب على الظن أن همزة أفكل زائدة قطعنا بالحكم بزيادتها فالحكم هو المقطوع به ومناط الحكم مظنون فلا تدافع ولا إشكال على قول الناظم بخلاف كلام ابن عصفور إن لم يُتأول على أنه أراد القطع بالحكم وهو الظاهر من قصده والله أعلم وأما الرابع فقد يلتزمه الناظم ويقول بموجبه وذلك أن ما كان نحو أفعى وموسى ونحوهما يتجاذبه أصلان وهما دعوى زيادة الهمزة ودعوى زيادة الألف لأن كل واحد منهما تكثر زيادته في موضعه فلما اجتمعا مع [397]

حرفين طلب كل واحد منهما الآخر بالأصالة لتثبت زيادته في نفسه فقد تعارض الأمران فيهما وإذا كان كذلك صارت المسألة كما لو تعارض فيها دليلان وقد تقدم أنه من قسم المحتمل بلا شك فهذا القسم أيضا من أقسام المحتمل ويدل على ذلك من كلامه في التسهيل قوله «وتترجح» لأن الترجيح لا يكون إلا عند التعارض

فإن قلت فإذا كان كذلك فالناظم مطالب بتخليص المسألة إلى طرف وذلك بترجيح أحد المحتملين على الآخر وإلا كان مهمل الحكم

فالجواب أنه قد التزم تخليصه في آخر هذا النمط بإشارة تعطي المقصود من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى

فإن قلت إن قسم المحتمل إذا خرج عن الحكم بالزيادة فإلى أي حكم ينتسب؟ وما المفهوم من كلامه فيه؟

فالجواب أن المفهوم فيه عدم الحكم بالزيادة لأنه نقيض الحكم بها

فإن قلت هل عدم الحكم بالزيادة حكم بعدمها أعني بعدم الزيادة وأن الحرف ليس بزائد أو لا؟

فالجواب أنه ليس بحكم بالزيادة وإلا كان قد حكم بالزيادة على المحتمل للأصالة فكما لا يحكم بالأصالة عليه كذلك لا يجوز الحكم بالزيادة لأن الحكم بأحدهما لا يكون إلا بعد تعين إحدى الجهتين ورفع الاحتمال أعني [398]

الاحتمال المساوي وإنما هو عدم حكم وعدم الحكم ليس بحكم بل هو سكوت عنه فلا يفهم من كلامه إلا أن المحتمِل لا يقضى عليه بزيادة وهكذا في جميع ما تقدم من المحتملات

وأما الخامس فظاهر وروده عليه وأنه يلزمه أن يدعي في نحو مَرْطَلَه بالطين أي لطخه زيادة الميم وكذلك في مَرْجَلَ الذي يجري عليه المُمَرْجَل في قول العجاج أنشده سيبويه

بشية كشية الممرجل

وسيبويه وغيره قد جعلوا الميم أصلية وكذلك في المراجل الذي اشتق منه الممرجل وهو ثياب الوشي وأن يقول إن ميم امْذَقَرَّ زائدة وكذلك ما أشبه هذا

والهمز أراد به الهمزة وكلاهما مستعمل على معنى واحد في العرف وإن كان الأصل أن يقال إن الهمز جنس الهمزة

والتأصيل مصدر أصّلتُه تأصيلا وكان الأولى أن يقول تأصُّلُها إذ هو بمعنى الأصالة أي تحققت أصالتها وليس المعنى على أن تأصيل الغير لها تحقق بل المعنى تحققت هي في نفسها فقط [399]

فإن قلت لعله يريد معنى ظاهر اللفظ ويكون التأصيل عبارة عن إقامة الدليل على أصالتها

فالجواب أن الناظم لا يريد هذا المعنى ههنا لأن التأصيل إنما يكون بالدليل وذلك إنما يكون في قسم المحتمل للأصالة والزيادة وما احتمل ذلك لم يتكلم فيه هنا والكلام فيه يأتي وإنما تكلم هنا على الحروف الغنية عن إقامة الدليل على الأصالة فالظاهر أن التأصيل هنا استعمله بمعنى التأصل مجازا

فإن قلت لا منجى لك مما فررت منه لأن التأصل مطاوع التأصيل فهو ملازم له تقول كلفته فتكلف وعلمته فتعلم وحملته الأمر فتحمله فكذلك يكون التأصل مطاوعا لقولك أصلته فتأصل

فالجواب أن تفعّل كما يكون لمطاوعة فعّل كذلك يكون لغير ذلك فقد يوافق المجرد كأصُل وتأصّل وعجِب وتعجّب ولبث وتلبّث ونحوها وأيضا فعّل بعينه قد يكون بمعنى تفعّل كولّى وتولّى وبين الشيء وتبين وفكر في الأمر وتفكر فيه ويمّمتُ الموضع وتيممته وإذا ثبت هذان الاستعمالان أمكن جعل التأصيل عليهما أما الأول فيكون التأصيل بمعنى التأصل الموافق لأصُل وهو موجود في الكلام وأما الثاني فيكونان معا بمعنى واحد [400]

كأنه قاس على ما جاء منه إن لم يكن سُمع أصّل وتأصّل بمعنى واحد والأمر في إطلاق هذا اللفظ قريب

كَذَاكَ هَمْزٌ آخِرٌ بَعْدَ أَلِفْ... أَكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ لَفْظُهَا رَدِفْ

وجدتُ في نسختي - وهي فيما أظن من أصح ما يوجد من هذا النظم -: «كذاك همزُ آخرٍ» بإضافة الهمز إلى آخر ولو قال كذاك همزٌ آخرٌ فحمل الآخر صفة عليه لصح المعنى أيضا وكذا وجدته في بعض النسخ فإن كان على إجرائه صفة فلا إشكال وإن كان على الإضافة فهمز الآخر الذي ذكر يحتمل وجهين:

أحدهما أن يريد المصدر نفسه كأنه أطلق على الهمزة على معنى مفعول كما يطلق الخلق ويراد به المخلوق نحو قول الله تعالى ﴿هذا خلق الله﴾ أي مخلوقه فكذلك يكون التقدير هنا: كذاك مهموز آخر ويريد الحرف المهموز

والثاني - وهو الأظهر - أن يريد نفس الهمزة كأنه قال كذاك همزة الآخر أي الهمزة المنسوبة إلى الآخر

إلا أن الوجهين معا فيهما نظر لأن الآخر هو الهمزة بعينها على مقصده فيكون التقدير كذاك حرف الآخر أو همزة الآخر وهو لا يصح لأن المعنى كذاك آخر الآخر أو همزة الهمزة [401]

ويجاب عنه بأن الآخر أعم من الهمزة فآخر الكلمة من حيث معقوليته يصح أن تقع فيه الهمزة وغيرها إذ لم يرد كلمة مخصوصة وإنما أراد الكلمة الكلية الواقعة على كثيرين فالآخر أيضا كلي كذلك وإذا ثبت هذا صح أن تضاف الهمزة إليه فيقال همزة الآخر ويكون على هذا من إضافة الموصوف إلى الصفة نحو قوله تعالى ﴿ولدار الآخرة﴾

وقوله «بعد ألف» في موضع الصفة لهمز أي همز كائن بعد ألف

وقله «أَكْثَرَ» مفعول برَدِف وهو بمعنى تبع و «لَفْظُهَا» مبتدأ خبره ردف ومعمول الخبر هنا متقدم على المبتدأ وهي مسألة مختلف في جوازها وقد تقدم التنبيه على ما جاء في هذا النظم من هذا النوع كقوله:

بالجر والتنوين والندا وأل... ومسند للاسم ميزه حصل

وغير هذا من المواضع والجملة من المبتدأ والخبر في موضع الصفة لألف والتقدير بعد ألف رادف لفظها أكثر من حرفين.
معنى الكلام أن الهمزة الواقعة آخر الكلمة بعد ألف وقبل تلك الألف أكثر من حرفين يعني ثلاثة أحرف فأكثر محكوم عليها بالزيادة مطلقا [402]

وقد ذكر للهمزة المحكوم عليها بهذا الحكم أوصافا لا بد من وجودها وحينئذ يعمل القياس وهي ثلاثة:

أحدها أن تقع آخر الكلمة بحيث لا يكون بعدها حرف آخر وذلك قوله «كَذَاكَ هَمْزٌ آخِرٌ» ومثاله قولك حمراء وصفراء وصحراء وبروكاء وسيراء وقاصعاء وعلباء وحرباء وقوباء وقصباءة وطرفاءة وما أشبه ذلك فلو لم تكن في آخر الكلمة لم يقض عليها بالزيادة على مفهوم كلامه وإنما أصل الدعوى فيها الأصالة كاطمأن وازبأر وما أشبه ذلك

والوصف الثاني أن تكون الهمزة بعد ألف كما تقدم من الأمثلة فلو لم يكن قبلها ألف فمفهوم الكلام الحكم بالأصالة ومثاله قولهم اطلنفأ واليرنَّأُ وما أشبه ذلك ومن هنا يحكم على همزة غِرْقئٍ وكِرْفِئَة وطهلئة بالأصالة وقد ادعى بعضهم فيها الزيادة حكاه الجوهري عن الفراء وقال ابن جني: «وذهب أبو إسحاق إلى أن غرقئ البيضة [403]

همزتُه زائدة ولم أره علل ذلك باشتقاق ولا غيره» قال «ولست أرى للقضاء بزيادة هذه الهمزة وجها من طريق القياس وذلك أنها ليست بأول فيقضى بزيادتها ولا تجد فيها معنى غرق اللهم إلا أن تقول إن الغرقئ يشتمل على جميع ما تحته من البيضة ويغترقه وهذا فيه عندي بعد ولو جاز اعتقاد مثله على ضعف لجاز لك أن تعتقد في همز كِرفئة أنها زائدة وتذهب إلى أنها في معنى كَرَفَ الحمارُ إذا رفع رأسه لشم البول لأن السحاب أبدا كما تراه مرتفع وهذا مذهب ضعيف على أن أبا زيد قد حكى غرقأتِ البيضةُ قال وهذا قاطع» يعني أن غرقأ فَعْلَلَ بلا بد إذ ليس في الكلام فَعْلَأَ فأنت تراه قطع بأصالة الهمزة وضعف مذهب من ذهب إلى الزيادة ولا مرية في أن ذلك الاشتقاق في غاية من الضعف وهو جدير بعدم القبول وقد حكى الجوهري عن الفراء في اشتقاق الغرقئ من غَرِق غير ما قرره ابن جني والصحيح ما ذهب إليه من الأصالة

والوصف الثالث أن تكون الألف ردفت أكثر من حرفين ويريد أكثر من أصلين لا بد من ذلك لأن الكلمة تبقى إذ ذاك على حرفين أو حرف واحد نحو قولك قضاء وبقاء وسقاء ولقاء وعواء وماء وشاء وباء وتاء وثاء وما أشبه ذلك وذلك أن الألف لا بد أن تكون زائدة كما سيُذكر [404]

بحول الله وقد حكم على الهمزة بالزيادة فلو لم يشترط ثلاثة أحرف فأكثر لكان قد ادعى في بعض الأسماء البقاء على حرفين فقط أو حرف واحد فقط وذلك لا يكون

فإن قلت لم قال هنا «... أَكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ لَفْظُهَا رَدِفْ» ولم يقل: ثلاثة أحرف لفظها ردف كما قال قبل هذا «... ثَلَاثَةً تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا»؟

فالجواب أنه حد هنا بأكثر من حرفين ليدخل له ما كان قبل الألف فيه ثلاثة أحرف أو أربعة فالثلاثة نحو ما مثّل به قبل والأربعة نحو وبِرَنْساء وعَقْرباءَ وقُرْفُصاء وهِنْدَبَاءَ وطِرْمِساءَ وما أشبه ذلك فلو عيّن من الحروف ثلاثة لخرج له هذا وأما تعيينه الثلاثة في الهمزة والميم فلأنه قصد إخراج الأربعة عن حككم الزيادة كما نبه عليه ولذلك لما قصد إدخال ذوات الأربعة والخمسة في فصل الألف أتى بمثل ما أتى به هنا فقال «فَأَلِفٌ أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ... » ولم يقل: ثلاثة أصول وهذا ظاهر ويدخل له هنا ما قبل الألف فيه ثلاثة أصول فأكثر كان معها زوائد أو لا كمَعْيوراء وقاصعاء وقرِيثاء وبرُوكاء وبَراكاء وأربُعاء وفِعْلِياء وما كان نحو ذلك إلا أنّ عليه درْكا في هذا الفصل من أوجه: [405]

أحدها أنه أطلق القول في الألف ولم يقيدها بالزيادة وكان من حقه ذلك لأن الهمزة لا تزاد في الآخر قياسا إلا إذا كانت الألف التي قبلها زائدة فتركُه التقييد بهذا قصور

والثاني أنه لم يقيد ما يقع قبل الألف من الحروف بالأصالة بل قال «... أَكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ لَفْظُهَا رَدِفْ» وهكذا وجدت في النسخ فهذا الإطلاق كما يشمل الأصول كذلك يشمل الزوائد وعلى هذا يقتضي أن الهمزة في نحو حذّاء وشوّاء وقرّاء ووُضّاء وأبناء وأحياء ومِيناء ومعطاء وما أشبه ذلك زائدة لأنه قد تقدم الألف ثلاثة أحرف وهو لم يذكر فيها أصالة من زيادة فدل على إطلاقه القول في ذلك وهو غير مستقيم بل لا بد من كونها أصولا وحينئذ يصح قانونه فلو قال أكثر من أصلين لفظها ردف لم يكن فيه إشكال كما قال «فَأَلِفٌ أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ... صَاحَبَ زَائِدٌ» إلى آخره ولم يقل أكثر من حرفين

والثالث أنه يخرج عنه كل همزة وقعت بعد ألف التكسير وكانت منقلبة عن حرف زائد كرسائل في جمع رسالة وقبائل في جمع قبيلة فمثل هذه الهمزة لا يصح أن يقال إن زيادتها بالسماع بل ذك قياس فيها كما كان الجمع على فعائل قياسا في فِعالة فعِيلَة ونحوهما وكلامه يعطي بمفهومه أن مثل هذا موقوف على السماع إذ لم يذكره في المقيس وإنما قال إثر هذه المسائل كلها «وَامْنَعْ زِيَادَةً بِلَا قَيْدٍ ثَبَتْ... » فظهر أن هذه الزيادة ممنوعة إلا [406]

بدليل وهذا لا يصح ولا يقال إنه ترك ذكر الهمزة هنا لأنه قد ذكر الزيادة في أصلها وهو الألف أو الياء أو الواو إذ هي مبدلة عن حرف زائد وقد تقدم قانون ذلك في الإفراد ولا شك أن الجمع جار على المفرد فإذا كان ما انقلبت عنه الهمزة في المفرد زائدا فمحال أن تكون هي أصلية فلما كان كذلك استغنى عن ذكر حكمها بذكر حكم أصلها لأنا نقول فكان إذًا يلزمه ألا يذكر هذه المسألة من زيادة الهمزة رأسا إذ معلوم أنها غير زائدة بنفسها وإنما هي منقلبة عن غيرها وذلك ألف التأنيث أو ألف الإلحاق أو ألف التكثير كما تقدم ذكره فلم يبق على هذا الذكر زيادتها وجه إذا كان الأمر على ما ذكر في الجواب ولما كان لم يفعل هذا ولا هذا لزمه أحد الأمرين إما أن يذكر الموضعين معا وإما أن يتركهما معا

والرابع إذا سلمنا أنه أراد بأكثر من حرفين الأصول فقط فإنه لم يقيد ما يتقدم الألف من الحروف الأصول بكونها محققة الأصالة وكان من حقه ذلك كما فعل في سائر ما تقدم ليخرج له ما كان أصلا مع الاحتمال إلا أنه لم يقيد ذلك فدخل له بمقتضى لفظه ادعاء زيادة الهمزة فيما كان قبل الألف فيه حرف محتمل الأصالة والزيادة إما من «سألتمونيها» وإما [407]

بالتضعيف فأما ما يقبل زيادة التضعيف فنحو المُزّاء والدُّبَّاء والكلّاء والسُّلّاء والخُشّاء والحوّاء والعوّاء [408]

والقضّاء من الإبل ما بين الثلاثين إلى الأربعين والقثّاء والطُّلّاء والثُّدّاء ومن هذا كثير وجميعها محتمل أن يكون أحد المضاعفين زائدا فتكون الهمزة أصلية أو منقلبة عن أصل ووزنها على فَعّال أو فُعّال وأن تكون الهمزة زائدة والمضاعفان أصلين ووزنهما فعلاء أو فَعْلاء أو فِعْلاء وأما ما يقبل زيادة «سألتمونيها» فنحو: تيماء وهِيتاء وطور سيناء وطور تيناء وشيصاء [409]

والخوصاء والعَوصاء والزَّوراء والرَّوحاء وقوباء والشَّيساء القيقاء والصِّيصاء والزِّيزاء وما أشبه ذلك هذا مما يمكن فيه زيادة الهمزة وأصالتها فتختلف أوزانها بحسب ذلك وكلها في مقتضى كلامه زوائد وذلك خطأ بل الحكم فيها راجع إلى ما اقتضاء الدليل لا لمجرد قانونه

والخامس أن كلامه يقتضي زيادة الهمزة في الغَوْغاء والضَّوضاء وبابه على من صرف وعلى من لم يصرف أما على لغة من لم يصرف فلا شك في هذا لأن الهمزة للتأنيث وأما لغة من صرف فليس الأمر كذلك بل قد تقدم ما يقتضي أصالة هذه الهمزة أعني كونها منقلبة عن حرف أصلي إذ قال

وَاحْكُمْ بِتَأَصِيلِ حُرُوفِ سِمْسِمِ... وَنَحْوِهِ.........................

وهذا الاعتراض متوجه عليه في زيادة الميم أولا بمَهْمهٍ ومَرْمَرٍ ونحوهما إذ الحروف التي بعد الميم السابقة مقطوع بأصالتها وكذلك لو جاء [410]

في الهمزة مثل أَجْأَجٍ لاعتُرض به أيضا للقطع بأصالة ما بعد الهمزة بقوله المذكور فظهر التناقض في كلاميه

والجواب عن الأول أنه لا يُحتاج إلى ذكر الزيادة في الألف هنا إذ لا فائدة له لأن الألف قبل الهمزة إما أن تكون أصلية أو زائدة أما الأصلية فلا يشملها قانونه إذ لا يكون قبلها أكثر من أصلين وإنما يكون قبلها حرف واحد نحو ماء وشاء وباء وتاء أو حرفان نحو قضاء وعطاء وسِقاء ودعاء وما عدا هذين النوعين فالألف فيه زائدة فإذا كان تركُه لشرط الزيادة غير مخل فذكرُه زيادة عارية عن الفائدة

والجواب عن الثاني أنه قد تقدم له اشتراط الأصالة فيما هو أكثر من الحرفين فينسحب له هذا الحكم على ما لم ينسخه بغيره فإذا نبّه على تقديم أكثر من حرفين فُهم له بلا بد أنه يريد الأصول التي لا بد من توفرها وهي المشترطة في المسائل المتقدمة

والجواب عن الثالث أن يقال إنما لم يذكر زيادة الهمزة في نحو رسائل لكونه من الألف في الأصل وقد تقدم له ذكر زيادة الألف وهذه الهمزة ليست بالأصل إنما هي همزة بالإعلال فترك التنبيه عليها اتكالا على ذكر ما هو أصل لها وما أُورد من الإشكال لا يرِدُ لأن همزة رسائل قد ظهر أصلها في المفرد والحكم على المفرد حكم على الجمع كما يكون الحكم على الأصل حكما على الفرع والجمع فرع عن الواحد بخلاف همزة حمراء فإن أصلها لم يظهر بعدُ إلا في موضع آخر بائن عن هذا فلم تكن الهمزة في حمراء ألفا في حمرى مثلا ثم مدّت في زمان آخر فصارا فرعا وأصلا يُحكم [411]

على أحدهما بالآخر كما كان ذلك في رسائل ورسالة وإنما حُكم على الهمزة هنا بأن أصلها الألف بالقياس خاصة ويمكن أن يخالف فيه مخالف وقد وُجد ذلك فإن من النحويين من يقول إن همزة التأنيث علامة أخرى غير ألف التأنيث وقد نُبّه على ذلك في باب التأنيث ولو كانت مستعملة ألفا ثم انقلبت همزة لم يُدّع فيها ذلك كما لم يُدّع التباين بين همزة رسائل وألف رسالة وأيضا فلو لك يذكر زيادتها لم يفهم له من إطلاق الألف أصلا بخلاف همزة رسائل فإنها تفهم زيادتها بزيادة أصلها ولهذا لم يذكرها النحويون حين ذكروا مواضع زيادة الهمزة

والجواب عن الرابع كالجواب عن الثاني وهو أنّ تقدُّم ذِكرِ التحقيق في المسائل قبلها يبين قصده لاشتراط ذلك هنا فلم يحتج إلى الإعادة

وعن الخامس أن كلامه يُخَصّ بكلامه فإنما يريد هنا الحكم بالزيادة فيما سوى ما تقدّم

وَالنُّونُ فِي الْآخِرِ كَالْهَمْزِ، وَفِي... نَحْوِ غَضَنْفَرٍ أَصَالَةً كُفِي

ذكر الناظم رحمه الله تعالى لزيادة النون قياسا موضعين أحدهما الزيادة في الآخر والآخر الزيادة في الوسط فأما الزيادة في الآخر فذلك قوله «وَالنُّونُ فِي الْآخِرِ كَالْهَمْزِ» يعني أن النون إذا وقعت في آخر الكلمة فإن حكمها في الزيادة حكم الهمزة في الآخر أيضا فحيث يُحكم على الهمزة بالزيادة هنالك يُحكم على النون بها وقد تقدم أن الهمزة لا تزاد آخرا قياسا إلا بشروط ثلاثة: [412]

أحدهما أن تقع آخرا وقد عين ذلك ههنا

والثاني أن يقع قبلها ألف

والثالث أن يقع قبل الألف أكثر من حرفين أصلين

فكذلك النون لا بد في زيادتها منها

فأما الشرط الأول وهو وقوع النون آخرا فصحيح الاشتراط ومثاله ندمان وخُمصان وقُرآن ورحمان وعدنان ونُعمان وقَيقَبان وسيسبان وترجمان وسلامان وعريقُصان وزعفران وعُقرُبان وما أشبه ذلك فلو لم تقع آخرا لم يحكم بزيادتها إلا في الموضع الثاني فنحو جَنَعْدَل وكنهور النون فيه أصلية

وأما الشرط الثاني وهو وقوع الألف قبل النون فكما تقدم فلو لم تقع بعد ألف فلا يحكم بزيادتها إلا بدليل وإن وقعت آخر الكلمة وذلك كالجِعْنِن والحِرْذَوْن والحلزون والخُبَعثِن والعُرجون والعُجاهِن والعشوزن والكرزين وكذلك في الفعل نحو [413]

ارْجَحَتَّه وارْثَعَنَّ وحلْقن البُسْرُ وبرْهَن عليه وما أشبهه

وأما الشرط الثالث وهو وقوع أكثر من أصلين قبل الألف فنحو ما تقدم من الأمثلة فلو لم يقع قبلها أكثر من أصلين لم يحكم بزيادتها سواء أكان الحرف الثالث مقطوعا بزيادته أم محتملا للأصالة والزيادة أم لم يقع قبلها ثالث فمثال المقطوع بزيادته التِّبيانُ والأثمان والأعوان والاجتِنان والاختتان وما أشبه ذلك ومثال ما لم يقع قبلها ثالث: بيان وجَنان وجَبان وحرب عَوان وجُمان وهوان وما أشبهه وأما ما وقع قبل الهمزة فيه ثالث محتمل أن يكون أصلا أو زائدا بالتضعيف أو من «سألتمونيها» فله أمثلة أما احتمال زيادة التضعيف فنحو حسّان وغسّان ورمّان وتبّان ونيّان [414]

ومُرّان وزِمّان وغّيّان وأما احتمال زيادة «سألتمونيها» فنحو حوْران وفيْنان وشيطان وميْسان وكيسان ورُومان سَيْفان ومَيْدان فهذه كلها تحتمل أن تكون النون زائدة لأصالة الثالث فيما قبل الألف وتحتمل أن تكون أصلية لزيادته فعلى الأول يكون وزن المضاعف فَعْلان وفُعلان وفِعلان وعلى الثاني يكون وزنه فَعَّال وفعَّال وفِعَّال وكذلك الآخر يحتمل على الأول أن يكون وزنه فَعْلان وفَعَلان وفُعْلان [415]

وفِعْلان ويحتمل على الثاني أن يكون وزنه فَوْعال وفَيْعال وفاعال وفُوعال وأما ما كان مضاعفا نحو الجنجان وقنْقانِ وما أشبههما فقد خرجت النون هنا عن الزيادة وإن تقدمها ثلاثة أصول لكونها من باب سمسم المحكوم بتأصيل حروفه

وإنما حُكم بزيادة النون والهمزة هنا لكثرة زيادتهما في هذا الموضع فيما عُرف اشتقاقه فحُمل ما لم يُعرف فيه اشتقاق على الأكثر والباب الواسع وإنما قال «وَالنُّونُ فِي الْآخِرِ» ولم يقل: والنون كالهمز، لأن الهمزة لها موضعان أولُ الكلمة وآخرُها فلو لم يقيّد بالآخر لدخل عليه أنها تُزاد أولا وآخرا وليس كذلك فعيّن موضع التشبيه بالهمزة وهو الآخر وعلى هذا فلا شك أن معنى الكلام: والنون في الآخر كالهمز في الآخر، لكنه حذف قوله: وفي الآخر، لدلالة الأول ومعنى الكلام عليه

وأما زيادة النون في الوسط فذلك قوله «وَفِي... نَحْوِ غَضَنْفَرٍ أَصَالَةً كُفِيْ» ومعنى كُفِي: صُرف ودُفع - يقال: كفاك الله الشيء بمعنى صرفه عنك - فمعنى أَصَالَةً كُفِيْ أي مُنع الأصالة وصُرفت عنه وأَصَالَةً: مفعول ثان لكُفي ويعني أن النون إذا وقعت في الكلمة وقوعها في غضنفر [416]

ونحوه محكوم لها بالزيادة قياسا ولا يحكم عليها بالأصالة ولا شك أن غضنفرا قد اشتمل على أوصاف معتبرة في الحكم بالزيادة لقوله: فِي... نَحْوِ كذا فلم يُرد الكلمة بخصوصها فلننظر فيما اشتملت عليه من الأوصاف فنجعلها شروطا للحكم بالزيادة وذلك أن غضنفرا لحقته نون ساكنة مفكوكةٌ مُخفاةٌ لم تضاعف مع عين الكلمة في كلمة خماسية بين حرفين قبلها وحرفين بعدها فهذه ستة أوصاف للنون اشتمل عليها مثال الناظم:

أحدها أن تكون ساكنة لا متحركة فإنها إن كانت متحركة لم يُحكم بزيادتها نحو جنَعْدَل وغُرْنَيق وما أشبههما وذلك أن كثرة زيادة النون هي الداعية للحكم بالزيادة وهي لم تثبت زيادتها كثيرا إلا ساكنة فلما تحركت خرجت عن باب الكثرة فلم يحكم بزيادتها إلا بدليل

والثاني أن تكون مفكوكة لا مدغمة فإن كانت مدغمة كعَجنَّس وجهنّم وزَوَنَّك غلب الحكمُ بزيادة التضعيف على زيادة «سألتمونيها» لكثرة زيادة التضعيف بالنسبة إلى زيادة «سألتمونيها» فصار عجنّس وجهنّم [417]

جارٍ التحميل