شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 345-384

اختلاف المذهبين، وأىّ ذلك كان فلا يستقيم دخولها في خبر لكن، وذلك لأنها إن كانت لامَ الابتداءِ فإنما حَسُن دخولُها مع إنّ لموافقتها لها في المعنى؛ إذ كلٌّ منهما للتأكيد، وأما لكنّ فمخالفةٌ لها في المعنى.
وإن كانت لام القَسَمِ فإنما حَسُن دخولها مع إنّ لأن كلّ واحدةٍ منهما تقع جوابًا للقسم، ولكن مخالفةٌ للّام في ذلك لأنها لا تقع في جواب القسم، فكان الواجب أن لا تدخل في خبر لكن البتّةَ.
وأما السماعُ فمعدُومٌ، فلا مستَنَدَ لجواز لحاقها مع لكنّ.
واحتج الكوفيون على صحة مذهبهم أيضا بالقياس والسماع، أما القياسُ فمن وجهين، أحدهما: بقاء معنى الابتداء مع لكنّ كما كان باقيًا مع إِنّ، وبقاءُ معنى الابتداء في إِنّ هو المسوِّغُ لدخولها مع إِنّ، فَلْتَدخُلْ مع لكنّ لوجود ذلك المعنى الجامع بين إِنّ ولكنّ.
وأيضًا فإنّ أصل لكنّ إن، زيدت عليها اللام والكافُ، كما زيدت عليها اللام والهاء في نحو: لَهِنّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَىّ كَرِيم والحرفُ قد يُزاد عليه في أوّله نحو لَعَلّ، وفي آخره نحو: ﴿فإمّا تَرَينّ﴾.
إلا أن الهمزة حذفت تخفيفًا، كما حذفت عندكم في لن؛ إذ أصلها -على قول الخليل-: لا أنْ.
وإذا كان كذلك فلكنّ هى إِنّ في الحقيقة، فكما جاز دخول

اللام مع إِنّ جازَ مع لكنّ.
وأما السماعُ فقد قال الشاعر: وَلَكِنّني مِنْ حُبِّها لَعَمِيدُ ولا يقال: لو كان قياسًا لوجد في السماع كثيرًا، لكنه لم يُوجَدْ منه إِلّا هذا الشطر، فدلّ على أنه عند العرب مهجورٌ -لأنّا نقول: لا تعتبر القلّة والكثرة في السماع إِلّا إذا كان القياس يدفعه ويعارضه، فأما إذا كان جاريًا على القياس ولم يكن له معارض، فلا يندفع بالقلّة.
واعتبر ذلك بمسألة أبى الحسن في شنوءة، في باب النسب، حيث قال فيه شَنَئِىّ -ولم يسمع غيرُه-: هو البابُ كلُّه- فكذلك مسألتنا قد تقدم وجهُ القياس فيها، ولا معارض لذلك، فصحّ القياسُ على ما سُمِع فيها وإن قَلّ.
والجواب عن الأول: أنّ معنى الابتداء فحسبُ، بل لأنها مثلها في التوكيد، ولكنّ بخلاف ذلك.
وأيضًا فإنّ معنى الابتداءِ مع لكنّ لم يبق كبقائه مع إِنّ؛ لأنّ الكلام الذى فيه إنّ غير مفتقرٍ إلى شئٍ قله، بخلاف الذى فيه لكنّ فإنه مفتقرٌ إلى ما قبله، فاشبهت أَنّ المفتوحةَ التى أُجمع على امتناع دخول اللام بعدها.
وعن الثاني: أَنّ ما قُلتم من أنّ أصلها «إِنّ» زيدت عليه اللام والكاف فدعوى لا تسمع من غير/ دليلٍ.
وأما النَظْرِ بقوله: «لَهِنّكَ مِنْ بَرْقٍ» فيحتمل أن يكون الأصلُ لإنّك، فَأبدَلت الهمزة هاء.
وهذا الذي يدّعيه

البصريون.
ويحتملُ أن يكون الأصلُ: لِلهِ إِنّك.
فاختُصر كما اختُصِرَ في نحو: لاهِ أبوك، ولَهْىَ أبوك، ولهِ أَبُوكَ.
وهذا أولى من قول الكوفيين لثبوت تصرّف العرب في لفظ الله في القسم.
وهذا تأويل السُّهيلى فيما أحسبُ؛ فإذًا لم يتعيّن وجهُ التنظير، ولو سُلِّم أن أصلها إِنّ فلا يلزم أن يبقى بعد التركيب حكمُ ما قيل التركيب، بل يختلفَ كثيرًا.
كما اختلف عند الخليل في لن، حيث جاز: زيدًا لن اضرب، ولك يجز: زيدًا لا أَنْ أضرب؛ وكما اختلف في إمّا، فلزمت فعل الشرطِ النون، ولم تلزم دون ما.
وكما قلتم أنتم في «اللهم» ونظائر ذلك كثيرة؛ فإذا كان كذلك لم يستتبّ القياس مع جواز المخالفة بعد التركيب، بل مع ثبوتها كما تقدّم في جواب الوجه الأول.
وأما السماعُ فقال ابن مالكٍ: لا حُجّة فيه لشذوذِه؛ إذ لا يُعْلَم له تتمّةٌ ولا قائلٌ ولا راوٍ عدلٌ يقول: سمعته مِمّن يوثَق بعربيته، والاستدلالُ بما هو هكذا في غاية الضعفِ.
قال: ولو صحّ إسناده إلى من يوثق بعربيته لوجِّه بجعل أصله: «ولكِنْ إِنّنى» ثم حُذِفت همزة إِنّ ونونُ لكنّ، وجئ باللام في الخبر لأنه خبر إِنّ، أو حُمِل على أن اللام زائدةٌ كما زيدت في الخبر قبل انتساخ

الابتداء، كقوله، أنشده عامة النحويين: أُمُّ الحُلَيسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ولا يصحُّ عَضْدُه بموافقته للقياسِ؛ فقد مرّ القدحُ في ذلك القياسِ، فلم يبق إلا الوقف على السماع.
وقولُ الناظم: «لامُ ابتداءٍ» تعينٌ للّام الداخلة ما هى؟ وأنها لَام الابتداءِ الداخلةُ على المبتدأ والخبر، نحو: لزيدٌ قائمٌ، ليست غيرَها.
وهذا الذى أشار إليه هو مذهبُ أهل البصرة.
وقد تقدّمت الإشارة إلى الخلافِ في ذلك.
والدليلُ على صحة مذهب الناظم أَنّ هذه اللام مستغنيةٌ عن نون التوكيد إذا دخلت على المضارع نحو: إِنّ زيدًا ليقومُ، و ﴿إن ربّكم لَيحكُمُ بَيْنَهُم﴾؛ ولو كانت لام القسم لم تستغن عن النون، فكنت تقول: إن زيدًا ليقومنّ، كما تقول: والله ليقومنّ.
فإن لم يقولوا ذلك مع كثرةِ دخول النون مع لام القسم وندورِ خلافه [فهو] اليلٌ واضحٌ على أنها ليست لام القسم، وإنما هى لام الابتداء التى لا تلزمُها نون.
ومثالُ دخولها على الخبر قولُ الله تعالى: ﴿إِنّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾، ﴿وإِنّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرةٍ للناسِ عَلَى ظُلْمِهم﴾.
وهو كثير.
[والوَزَرُ: الملجأ].

ثم أخذ يشترطُ في جوازِ دخولِ هذه اللام على الخبر شروطًا ضرورية، وهى ثلاثةٌ: أحدها: أشار إليه مثاله، وهو قولُه: «إِنِّى لَوَزر».
وهو الفصلُ بين إنّ والخبر، فإنه لو لم يكن مفصولًا من إِنّ لم تدخل اللامُ عليه، نحو: إِنّ في الدار زيدًا، فلا يقال: إِنّ لفي الدار زيدًا.
ووجهُ ذلك ما تقدم.
والثاني: أن لا يكون الخبر منفيًا، وهو المصرّحُ به في قوله: «وَلَا يَلِى ذِى اللامَ ما قد نُفِيا».
ذى: مفعول بيلى، وما هو الفاعلُ، كأنّه قال: ولا يلى الخبرُ المنفىُّ اللّام المذكورة.
وقوله: «ما قد نُفِى» -وإن كان الخبرُ غير مصرّحٍ به فيه- فهو/ المرادُ، لأن كلامه فيه، فمعنى الكلام: ولا يلى هذه اللامَ ما قد نُفِى من الأخبار.
والخبر المنفىُّ: هو الذى دخلت عليه أداة نفي، فيريد أَنّ نحو: إِنّ زيدًا ما أبوه قائمٌ، لا تدخلُ اللامُ عليه، فلا تقول: إِنّ زيدًا لما أَبُوه قائم.
وكذلك غير ما من أدوات النفي، فلا تقول: إِنّ زيدًا للايقول، ولا: إن زيدًا لإِنْ تقُول إلا خيرًا.
وما أشبه ذلك.
ومثل ذلك في الامتناع: إِنّ زيدًا لَلَمْ يَقُمْ، وإِنّه لَلَنْ يقوم.
ووجه امتناع اللام هنا عند المؤلف أَنّ أكثر أدوات النفي أولُها لامٌ مثلُ: لا، ولم، ولن، فكرهوا اجتماعَ حرفين مثلين لما فيه من الثّقلِ على اللسان، ثم أجرّوا سائِرَ أدواتِ النفِي على ذلك لِيُنْسَقَ البابُ، كما حملوا يُكرمُ وتُكرمُ على أُكرمُ في حذف همزة أَكرَمَ.
ولذلك نظائر في القياس العربي.
وقد شذ دخولُها على «لا» في الشعر؛ أنشد

ابن جني: وَأَعْلَمُ إِنّ تَسْلِيمًا وَتَركًا لَلَا مُتَشابِهانِ وَلَا سَوَاءُ وهذا محفوظٌ عند الناظم، فلذلك لم يَبْينِ عليه.
والثالث من الشروط: أن لا يكون الخبرُ فعلا يشبه رَضِى، وذلك قوله: «وَلَا مِن الأفْعَالِ ما كَرَضِيا، وأَنْ يكون متصرِّفا؛ فإذا اجتمع في الفعل الوصفان معًا لم تلحقه اللامُ، فلا تقول: إِنّ زيدًا لَرضِى، وكذلك لا تقول: إِنّ زيدًا لقام، وإن لأعطاني كذا، ونحو ذلك.
فإن تخلّفَ شرطٌ من هذين جاز لحاقها أما تخلف كونه ماضيا، فنحو: إنّ زيدًا يقومُ، فَتَلْحقُ واللام؛ لأنّ الفعلَ مضارعٌ، فتقول: إن زيدًا ليقومُ، ومنه: ﴿إِنّ ربّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾.. الآية.
وأما تخلف كونه متصرفًا، فنحو: إن زيدًا نِعْمَ الرجلُ، فتلحق اللام هنا فتقول: إِنّ زيدًا لنِعْمَ الرجل، لفقد التصرُّفِ.
ووجهُ هذا كلِّه أَنّ أصل اللام أن تدخل على الاسم لا على الفعل، وإنّما دخلت على الفعل المضارع لشَبَهِه بالاسم الشبه المذكور قبلُ، وأمّا الماضى فليس شبيها بالاسم فلم تدخل عليه اللام، وإنما جاز دخولُها على غير المتصرّفِ لأنه يُفيد الإنشاء، والإنشاء يستلزم الحضور فيحصل بذلك شَبَهُه بالمضارع، فتدخل اللام.
ولهذه العلّة إذا دخلت على الفعل الماضى المتصرّف [المفترن

بقد] استُبيِحَ دخولُ اللام عليه؛ لأن قد تقَرّب الماضي من الحال ومن هنا استثنى الناظمُ ذلك من الحكم بالمنع فقال: وقد يليها مع قد، يعنى: أنها قد تدخل على الماضى المتصرّفِ إذا كان مصحوبًا بقد، نحو ما مثّل به من قوله: «إنّ ذَا.. لقد سَمَا على العِدَا مُسْتَحوِذَا، فأدخل اللام على «سما» لما اقترن بقد.
ثم يتعلّق النظر في كلامه بمسألتين: الأولى: أَنّ التصرّف المختصّ بالأفعال يطلق على وجهين: أحدهما: أن يُرَاد به ما استُعمِل على وجه واحدٍ من وجوه التصرف الثلاثة، إمّا ماضيًا أو أمرًا أو مضارعًا مع بقاء دلالته على الزَّمانِ وعدمِ انتقاله إلى الإنشاءِ كأفعال المقاربة ما عدا كاد وأوشك، وكذا تَعَلّم بمعنى اعلَمْ، وتبارَك، وسُقِط في يده، وينبغي، ونحوها مما لا يستعمُل إلا على وجه واحدٍ وإنْ كان دالًا على الزمان -فهذا ليس بِمُرادٍ للناظم، لأنه جارٍ هنا مجرى المتصرف؛ / فإنك لا تقولُ: إِنّ زيدًا لجعلَ يقومُ، ولا: إن زيدًا لسُقِط في يده، كما لا تقول: إنّ زيدًا لرضِىَ.
ويجوز ذلك إذا أدخلت قد فتقول: إِنّ زيدًا لقد جعَلَ يقوم، وإن زيدًا لقد سُقِط في يده، وإن زيدًا لقد سما على العدا.
وما أشبه ذلك.
ويُشِعِرُ بهذا من كلامه تمثيلُه برضى من حيث كان ماضيًا دالًا على الحدث والزمان، فما كان مثله امتنع أَنْ تدخُلَ عليه اللام.
والثاني: أن يُرِيدَ به ما كان من الأفعال شبيها بالحرف في عدمِ

دلالته على الحدث والزمان وعدمِ تَصرُّفه، كنِعْمَ وبئس، فهذا هو المراد للناظم فأخرجه بالقيد من حُكمِ المَنْع من دُخُولِ اللام عليه، فدخل في حكم الجواز، فتقول على هذا: إنّ زيدًا النِعْم الرجلُ، وإنّ عمرًا لِبِئْسَ الغلامُ.
وما أشبه ذلك وقد تَبَيَّنِ وجهُه.
واقتضى ذلك جوازَ دخولِ اللام على ليس، وأن تقول: إنّ زيدًا لليس بقائم.
وهذا ألا يسوغُ لكراهية اجتماع لامين في اللفظ.
ولعلّه لم يَعْيَنِ بالتحرُّزِ منه اتكالًا على عِلّة امتناع دخولِ اللام على أدوات النفي، أو لأنه -وإن لم يَدُلّ على الحدث والزمان- في حكم المتصرّف، كما يقول فيه ابن أبي الربيع وغيرُه، أو لغير ذلك.
والثانية: أنه لما أخرج عن الحكم بدخول اللام على الخبر الخَبَر الوالى لأَنّ، والمنفي، والواقع فعلًا ماضيا، كان ذلك ظاهرًا في أَنّ سائر ما يقع خبرا لأنّ يجوزُ دخول اللام عليه، فتقول: إن زيدًا لقائمٌ، وإن زيدًا لفي الدار، وإن زيدًا ليخرج اليوم.
ونحو ذلك.
ويقضَى ذلك أن تدخل على الخبر إذا كان شرطًا وجزاءً، وعلى واو المصاحبة المغنية عن الخبر، وعلى الخبر إذا تقدمته أداةُ التنفيسِ، وكذا إذا كان قسمًا وجوابًا، أو جُمْلَةً اسمية.
أما الشرط والجزاء فقد مَنَع في التسهيل دخولَ اللام عليه؛ قال في الشرح: «والمانع من دخولها على أداة الشرط خوفُ التباسها بالموطِّئِة للقسم، فإنها تصحبُ أداة الشرط كثيرًا، نحو: ﴿لَئِن لَمْ يَرْحَمْنَا ربُّنا ويَغْفِرْ لَنَا لنكونَنّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾.
فلو لحقت لام الابتداء أداة الشرط لذهب الوهم إلى أنها الموطئة، وحقُّ المؤكِّدِ أنْ لا يلتَبَسُ بغير مؤكد».
وذكر أيضا أن ذلك غير

مستعمل في كلام العرب فتأكّد المنعُ.
ومنع ذلك غَيْرُه أيضًا من النحويين واعتلُّوا للمنع بأنّ هذه اللام تطلب المبتدأ؛ ألا ترى انك لا تقدّم الخبر في قولك: لزيد قائم فتقولَ: لقائمٌ زيدٌ؛ لأن اللام لا تدخل على الخبر، وإنما دخلت في خبر إِنّ للضرورة من اجتماع حرفين مؤكّدين، وإنما دخلت على الخبر لشبهه المبتدأ، وذلك إذا كان مفردًا، أو ظرفًا، أو مجرورًا، أو فعلا مضارعًا.
فإن كان الخبر على غير ذلك لم تدخل إلا بنظر وشَغْبٍ؛ فإذًا إطلاق الناظم الجواز فيه ما ترى.
وقد يجابُ عن هذا بأَنْ يقال: المسألةُ نظريّةٌ -ولعلّ الناظم ذَهَب هنا في الشرط مذهبَ ابن الأنباري القائل بالجواز في الجواب، لا اعتبارًا بعدم التباسِها بالموطِّئَةِ لأنها لا تدخلُ في الجواب، بل قاسَ الجوابَ على الجملة الفعلية أو الاسمية إذا قلت: إِنّ زيدًا/ لأبوه قائمٌ، حسبما يذكر بحول الله.
وأمّا واو المصاحبة المُغْنِيةِ عن الخبر فقد منع في التسهيل دخول اللام عليها، فلا يقال،: إنّ كُلُّ رَجُلٍ لَوَضيعتهُ، ولا يدخل هذا عليه هنا، لأن واو المصاحبة وما صاحبت ليس بخير، وإنما هى نائبه منابه، فلم تدخل تحت قوله: «وبعد ذاتِ الكَسْرِ تصحبُ الخُبر.. لامُ ابتداءٍ».
فلا دَرْك عليه

بذلك هنا.
وعلى أنّ المؤلف حكى عن الكسائي جواز المسألة محتجًا بما حكى من قولهم: إن كل ثوبٍ لَوَ ثمنه.
وأما الخبر المصدّرُ بأداة التنفسِ ففي جواز اللام عليها خلافٌ بين الكوفيين والبصريين، نقله المؤلف في الشرح، فذهب البصريون إلى ما اقتضاه كلامه هنا من الجواز، وذهب الكوفيون إلى المنع، فلا يجوز عندهم أن يقال: إن زيدا لسوفَ يقوم.
وأجازه البصريون، قال المؤلف: «ولا مانع من ذلك، فجوازه أولى».
وأما القسم والجواب فقد مَنَعَوا دخول هذه اللام عليه، فلا تقول: إنّ زيدًا لو الله قد قام، ولا ما أشبه ذلك.
وظاهر إطلاق الناظم جواز ذلك.
قوله: «وَقَدْ يَلِيهَا معَ قَدْ»، قاعل يلى الفعل الماضى المتصرّف.
وها: عائدة على اللام المذكورة؛ يعنى أنّ اللام قد تدخل قليلا على الفعل الماضى المشبه لرضى، إذا كان بعد، نحوُ ما مثّل به من قوله: «إنّ ذا.. لقد سَمَا على العِدَا مُسْتَحْوِذا».
فدخلت اللام على سما لمّا اقترن بعدَ.
والعدا: الأعداءُ.
والمستحوذ على الشئ: هو الغالب عليه؛ ﴿اسْتَحوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، أى: غَلَبَت على قلوبهم فأنساهم ذكر الله.
وأما دخولُ اللام على معمول الخبر، فذلك قوله: «وتصحبُ الواسِطَ مَعْمُولَ الخَبَر».
يعنى أَنّ اللام تصحبُ أيضًا معمول الخبر إذا كان متوسطًا، يريد: بين الاسم والخبر، فتقول: إنّ زيدًا لَفِى الدار قائمٌ، وإنك لَعِندي خطِي،

وإن زيدًا لطعامَكَ آكلٌ.
ومنه قول أبى زُبيدٍ الطائى: إن امرأ خَصّنَِى عْمدًا مَوَدّتَهُ عَلَى التّنَائِى لَعِنْدِى غيرُ مَكْفُورِ وإنما جاز هذا لأن المعمول كالجزء من عامله، فإذا قدّم كان كالجزء المتقدم، وإذا أُخِّر كان كالجزء المتأخر.
وأيضًا تقدّم المعمول يُؤُزِنُ بتقدُّم العامل، فالمعمولُ إذا تقدّم في محلِّ عامله، فكأن اللام وإنما دخلت على العامل، وهو الخبر.
واقتضى كلامه في معمول الخبر شرطا، وهو أن يكون واسطًا، أى: متوسِّطًا بين المبتدأ والخبر، تحرزًا من أن يكون متأخرًا عن الخبر، أو متقدّمًا على المبتدأ، فإن اللام لا تلحقه هنالك؛ فإذا قلت: إِنّ عليك زيدًا نازلٌ، لم يجز لحاقُ اللام في عليك، لقُبْحِ اجتماع إِنّ واللام، كما تقدم، فلا تقول: إنّ لَعَليك زيدًا نازِلٌ.
وإذا قلت: إِنّ زيدًا نازلٌ عليك، لم يجز دخولُ اللام على معمول الخبر، فلا تقول: إِنّ زيدًا نازلٌ لَعَليك، لاستحقاق الخبر لها.
و«معمولَ الخبر»: يَحْتَملُ أن يكون بدلصا من «الواسطَ»، ويحتملُ أن يكون حالًا منه تقديره: وتصحبُ الواسط حال كَوْنِهِ معمولًا/ للخبر، أو صفةً على ذلك المعنى.
ويكون ذلك تحرزًا من أَنْ لا يكون معمولًا بل صِفَةً للاسم، نحو: إِنّ زيدًا الفاضِلَ لَقَائِمٌ، فلا تَلْحَقُ هنا المتوسِّطَ بين الاسم والخبر لأنه من تمام الاسم.
وكذلك إن توسط معطوفٌ أو بَدَلٌ أو توكيدٌ،

نحو: إنّ زيدًا وعَمْرًا قائمان، وإ زيدًا أباك قائمٌ، وإنّ زيدًا نَفْسَه قائم؛ لأن ذلك كلّه راجع إلى تمام الأوّلِ، كما أنّ معمول الخبر من تمام الخبر، فلذلك لحقت معمول الخبر متوسطًا وإن تقدّم قبله نعتُ الأول، فيما أَنْشَد سيبويه من قول أبي زبيد: إِنّ امْرَأ خَضّنِى عَمْدًا مَودّتُه عَلَى التّنَائِى لَعِنْدِى غَيْرُ مَكْفُورِ وكذلك إذا كان الواسطُ معمولاتٌ لغير الخبر، نحو: إِنّ عدى لفي الدار زيدًا، وإن هذا لقائمًا صاحبك، فنحو هذا غير جائز؛ قال ابن خروف: لتعلّق الظرفِ والحال بما قبل الاسم والخبر.
وهذا تحرُّز حسن؛ إلا أنه يلقاه فيه منعُ نحو: إنّ غدًا لعليك زيدًا نازِلٌ، وإنّ اليوم لفيك زيدًا راغبٌ؛ إذ ليس معمول الخبر هنا متوسطا بين الاسم والخبر، بل بين معمول الخبر والاسم.
ويُمكن أن يريد الواسط بين شيئين أَعمّ من أن يكونا اسما وخبرًا، أو غير ذلك، كمسألتنا، فتدخل له في حيِّز الجواز، ويصح كلامه على هذا التنزيل.
والله أعلم.
واعلم أنّ كلامه لا يمنع أن تدخُلَ اللامُ على الخبر مع توسُّطِ معمولٍ، بل يصلحُ أن يدخل تحته نحوُ: رِنّ زيدًا في الدار لقائمٌ؛ لأن إنما ذكر أنّ دخولها على الخبر أو على معموله بشروطها جائز، فإذا اجتمعت هذه الشروط في كلِّ واحد فيهما كنت مخيرا فقتول: إِنّ زيدًا في الدّار قائم، كما تقول: إن زيدًا لفى الدار قائم، ومن ذلك قولُ الله تعالى: ﴿إِنّ الله بِالنّاسِ لرَءُوفٌ رحيمٌ﴾، وقوله:

﴿قَالُوا: رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.
وما أشبه ذلك.
ومن أجل التخيير أجاز الزجاجُ أن تَلْحَقَ الخبر ومعموله معًا توكيد فتقول: إن زيدًا لفي الدار القائم، وشَبَّهه بقولهم: مررت بالقومِ كُلُّم أجمعين أكتعين.
فإن قلت: إن كان المرادُ التخيير اقتضى كلامُ الناظمِ أيًا أن تقول: إن فيها زيدًا لقائم، كما تقول: إن فيها لزيدًا قائم.
قيل: أَجَلْ، ذلك جائزٌ، وقد نصّ عليه سيبويه.
وأما دخولُ اللامِ على الفصل فهو قوله: «والفَصْلَ»، هو معوطفٌ على «الواسط».
أو على «الواسط» أو على «معمول الخبر»، تقديره: وتصحب الفَصْلَ.
والفصلُ: هو الضمير المسمى عند أهل البصرة فصلًا، وعند الكوفيِّين عمادًا.
ولم يذكره في هذا النظم ولا عَرّج على حكمه، وكان من حقه ذلك، وهو ضمير رفع منفصل يقع بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله ذلك، على شروطٍ مذكورةٍ في مواضعها، نحو: إن زيدًا هو القائم، فمثلُ هذا تدخلُ اللامُ فيه في الفصل، فتقول: إنّ زيدًا لهو القائم، ومنه في القرآن الكريم: ﴿إِنّ هَذا لَهُوَ القَصَص الحَقُّ، وإِنّ الله لهوَ العزيزُ الحكيمُ﴾.
وإِنما فَعَلُوا ذلك لأنّ الفصل مُقَوٍّ للخبر، من حيثُ كان رافعًا لتوهُّم كونه تابعًا، فتنزّل مَنْزِلَةَ الجُزْءِ الأوّل من الخبر، فدخَلَت اللامُ عليه لذلك.

وأما دخول اللام على الاسم (فقال فيه: «اسمًا حلّ/ فبله خَبَر)»، واسمًا» معطوف على «الفصل» يعنى أن اللام تصحب أيضًا اسم إنّ بشرط أن يتقدم الخبر على الاسم)، وذلك نحو: إن في الدارِ لزيدًا، وفي القرآن: ﴿إن في ذلك لآيةٍ﴾، ﴿إِنَّ في ذلِكَ لعِبْرَةً لأولِى الأبصارِ﴾.
وقد تقدّمَ أَنّ الخبر لا يتقدم على الاسم في هذا الباب إلا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا، وقد تقدّم أنّ الخبر لا يتقدم على الاسم في هذا الباب إلا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا، وتقدم أيضا أنّ أصل اللام أَنْ لا تدخل إلا على الاسم، لكن لمّا كان دخولُها عليه مع عدم الفصل يؤدّى إلى محظور صناعي عربي، أُخِّرت إلى الخبر، فحين زال المحظور بوجود الفصل بين إن واسمها دَخَلت عليه.
واعلم أنّ اشتراط تقدم الخبر قد يظهر لبادئ الرأي أنّه اشتراطٌ قاصر، لأن دخول اللام على الاسم إنما شرط جوازه مردُ الفصل بينه وبين إنّ، كان الفصل خبرًا أو غير خبر، فكما يجوز أن تقول: إن عندك لزيدًا، وإنّ في الدار لعمرًا، كذلك يجوز أن تقول: إن فيك لزيدًا راغبٌ، وإِنّ بك لزيدًا مأخوذ.
وما أشبه ذلك مما يقع فيه الفصل بغير خبر، ولا ما يمكن أن يكون خبرًا.
ثم هو مُخِلٌّ -من حيث المفهومُ- لأنه لما وصف الاسم بحلول الخبر قبله، اقتضى مفهومُ الصِّفةِ أنه إذا لم يحلّ قبله الخبر لم تلحقه اللام وإن وقع الفصل بغير الخبر، وذلك غير صحيح.

ولا أجدُ الآن جوابًا عنه.
وهذان البيتان كرّر الناظمُ في رَوِيِّهما كلمة الخبر، إلا أنه جعلها في الأول معرفة وفي الثاني نكرةً.
وهذا القدر من الاختلاف يخرج القافية عن عيب الإيطاءِ عند الأخفش، وقد تقدم له مثل هذا، ومرّ الاستشهاد عليه.

(ثم قال) وَوَصْلُ «ما» بِذِى الحُرُوفِ مُبْطِلُ إِعْمَالَها، وَقَدْ يُبَقى الْعَمَلُ ما هذه تسمى الكافّة، لأنها تكفُّ ما دَخَلت عليه عن العمل، فتصيِّره من حروف الابتداء، أي: الحروف التي يبتدأ بعدها الكلامُ، ومن جملة ما تدخلُ عليه هذه الحروفُ، فنقول: إِنّما زيدٌ قائمٌ، ولكنّما زيدٌ قائم، فَتُصيِّرها حروف ابتداء إِنْ أبطلتِ العملَ، وإلا فهي من أدوات التوكيد.
ويعنى أَنّ هذه الحروف الخمسة إذا وصلت بما فلها في كلام العرب وجهان.
أحدهما: أن يبطلا عملها جُمْلَةً في المبتدأ والخبر، بل تصير مع ما كحروف الابتداء التي يُبْتَدأُ بها الجمل، وذلك قوله: «وَوَصْلُ ما بِذِى الحروفِ مبطلُ.. إعمالها».
وإبطالُ عملها يستلزمُ عدم اختصاصها بالمبتدأ والخبر، فعلى هذا تكون عند إبطال عملها على وجهين: أحدهما: أن يبقى دخولها على المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى:

﴿إِنّما وَليُّكمُ اللهُ وَرَسُولُه﴾، ﴿اعْلَمُوا أَنّما الحياةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.. الآية.
وقال النابغة الذبياني؛ أنشده سيبويه: قالت أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنا إِلَى حَمْا متنا وَنِصْفُهُ فَقَد برفع الحمام ونصفه.
وأنشد أيضا لابن كُرَاعٍ: تَحَلّلْ وَعالِجْ ذاتَ نَفْسِكَ وانظرَنْ أبا جُعَلٍ، لَعَلّما أنت حالمُ والثاني: أن تدخل على الجملة الفعلية فتقول: إنما يقدمُ زيد.
ومنه قول الله سبحانه/ ﴿إِنّما يُوفّى الصَابِرُونَ أَجْرَهُمْ﴾ وقال امرؤ القيس: وَلَكِنّما أَسْعَى لِجْدٍ مُؤَثّلٍ وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المؤثل أَمْثَالِي

وقال الرجز: أَعِدْ نَظَرًا -يا عبد قيس- لَعَلّما أَضَاءَتْ لَكَ النّارُ الحمِار المُقيّدا وفى كلا الوجهين عمل هذه الحروف قد بَطَلَ لِلحَاقِ ما، وهذا هو الغالب فى الأستعمال، والكثيرُ فى الكلام، ودلّ على ذلك من كلامه إطلاقهُ القول بالإبطال حيث قال: «ووصْل ما بذى الحروف مبطلُ.. إعمالها»، وقطعه بذلك، وأنه لما استدرك الوجه الثانى -وهو بقاء العَمَل- نَبَّه على قِلّتِهِ بِقَدْ، فى قوله: «وقد يُبَقّى العملُ».
يعنى أنّ عمل هذه الحروف قد يبقى مع دخول ما فلا يبطل، ولا يكون إذ ذاك إلّا داخله على المبتدأ والخبر كما كانت قبل دخول ما؛ فالمعنى أَنّ ما زائدة كما زيدت بين الجارّ والمجرور فى نحو: ﴿فَبِمَا نقْضِهِمْ﴾، فتقول: لعلّما زيدًا قائمٌ.
ويُروَى بيت النابغة هكذا: قَالَتْ: أَلَا لَيْتما هَذَا الحمامَ لَنَا إلى حَمَامِتنا ونِصْفَه فقدِ بنصب الحمام ونصفه.
وحكى المؤلف فى شرح التسهيل عن الأخفش أنه روى عن العرب: إنما زيدًا قائمٌ، ونَسَبَ مثل ذلك إلى الكسائىّ عن العرب.
فأعمل عمل إِنّ مع ما.
والسماعُ فى غير هذي معدومٌ، ولكن الناظم أطلق القول فى جواز إبقاء العمل على قلة، فدلّ على أنه عنده قياس، ولم يقيد ذلك

بموضع السماع، وهو: إنّما وليتما، فدلّ على إجازته الإعمال فى الجميع، فتقول: كأنّما زيدًا قائما، ولكنّما زيدًا قائم، ولعلّما زيدًا قائم.
وإلى ذلك ذهب فى التسهيل.
وهو مذهب ابن السراح؛ إذ قاس على ليتما سائرَ أخواتها، خلافُ ما ذهب إليه الجمهور من اختصاص الإعمال مع ما بليت وحدها متابعةٌ للسماع.
وأما ابن السراج فرأى القياس لا مانع منه، فأجاز مقتضاه من الإعمال.
قال المؤلف: وما ذكره ابن بَرهانٍ من النقل فى إنما يؤيّدُ ما ذهب إليه ابن السراج من إجراء عوامل هذا الباب على سَنَنِ واحدٍ قياسًا.
وإن لم يثبت سماع فى إعمال جميعها، فإنما قال هنا: «وقد يُبقى العملُ» تنبيها على القياس، إلا أنه جعله مرجوحًا مع فُشُوِّ إبطاله بما، ولذلك قال: «وقد يُبَقّى العملُ»، فأتى بالفعل المضارق ولم يقل: وقد بُقّي العمل، فيكون تنبيها على ما سمع من ذلك.
وحمل ابن الناظم كلامه على أنه يشير إلى ما سُمع من ذلك فقال: «وفى قوله: «وقد يُبَقّى العملُ» -بدون تقييدٍ- تبيةٌ على مجئ مثله»: يريد مثل ما حكى ابنُ برهانٍ.
والظاهر أن مراده إجراءُ القياس فى الجميع كما قال في التسهيل: «والقياس سائغ»، إلا أنه قلّله هنا تنبيهًا -والله أعلمُ- على ما فيه من الضعف؛ إذ عُدِمَ السماع فى كأنما ولكما ولعلّما جملةً، وندوه فى إنّما، مما يُبَيّن أن العرب إنما أرادت بما الداخلة عليها الكافة لا

التوكيدية......... فى الفوائد المجوية، لما ذكر في البيت الوجهين وفى........ فإن قيل: فهذا يدلّ على ما قاله ابنه لا سيّما وعادته.... التسهيل.
فالجواب: أن عبارته بعيدةٌ عن ذلك القصيد إن.... (و) عادته/ إذا أتى بقد أن يُشيِر إلى ما قد يلحقه القياس، وأيضًا لو لم يكن مقصودُه القياس لأوهم أن الأعمال فى ليت مقصور على السماع، وذلك غير صحيح باتفاق، فدلّ على أن مراده القياس بلا بدّ، والله أعلم.
ثم هنا سؤالان: أحدهما: أَنه قال: «ووصلُ ما».
ولم يبيِّن أهى ما الحرفية أم لا؟ ولا شكّ أنها الحرفية، فتكون مع إعمالها الزائدة التوكيدية، وفى الوجه الآخر الكافة.
وأما الاسمية فلا مدخل لها هنا إلا أن تكون هى الاسم، وذلك عد الإعمال خاصّةً، نحو: ﴿إنما تُوعَدُون لآتٍ﴾ ﴿إنَّما عِنْدَ الله هَوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾، وما أشبه ذلك فكان يبغى أن يُنَبّه على أنها الحرفية.
والجواب: أنّه ترك ذلك اتِّكالًا على الناظر فى المسألة، لأنّ دخولها إنما يكونُ تقديرًا بعد توفية الاسم والخبر أو ما يقومُ مقام ذلك؛ وإذا

كان كذلك فلا حاجة إليالزيادة الاسميّة، وإنما تعقل الزيادة إذا قُصِد بها قَصْدَ الأدواتِ، وهي الحروف للزيادة، فلم يكن في تَرْكِه البيان كبيرُ إشكالٍ.
والثاني: أن القول: «قَدْ يُبَقى العَمَلُ» مُشْعِرٌ بالتقليل، كا مر، ومن جملة هذه الحروف ليت فاُقتضى أَنّ إعمالها مع ما قليل أو مقيس على قلّة.
وذلك غير صحيح بل إعمالها كثير، مشهور، بل هو المتحقق فيها.
وأما إبطال العمل فغير متعيّن؛ قال سيبوية: «وأما ليثما زيد منطلقٌ، فإن الإلغاء فيه حسن».
قال: «وقد كان رؤبة بن العجاج يُنشِدُ هذا البيت رفعًا: قَالَت: أَلَا لَيْتَما هَذا الحمامُ لنا إلى حَمَامَتِنا ونصْفُه فَقَد فرفعه على وجهين: على أن يكون بمنزلة قول من قال: ﴿مَثَلًا ما بَعُوضة﴾ أو يكون بمنزلة قوله: «إنما زيدٌ منطلق».
هذا ما قال، والوجهان جاريان فيما يغرض من هذه المسائل.
وإذا كان كذلك لم يصحّ أن يُقال: إن الإعمال في ليت قليل، ولا سيّما على مذهبه في الشرح؛ فإنه لما قَرّر ما أجازه سيبويه من الوجهين قال: «وليت -بهذا التوجيه- عاملةٌ فى الروايتين، وهى حقيقةٌ بذلك، لأن اتصال ما بها، لم يُزِلْ اختصاصها بالأسماء، (بخلاف أخواتها فإن اتصال ما بها أزال أختصاصها بالأسماء)، فاستحقت ليثما بقاء العمل دون إنّما، وكأنّما، ولكنّما، ولعلّما، وهذا هو مذهب سيبويه».
انتهى ما قال.

فإطلاقُ الناظم مشكلٌ، ولا أجدُ الآن جوابًا عنه، وليس كلُّ داءٍ يعالجه الطبيب.
ثم أخذ في فصلٍ آخر فقال: وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنصُوبِ «إنّ» بَعْدَ أَن يَسْتَكْمِلَا وَأُلْحِقَتْ بِإنّ لكنّ وَأَنْ مِنْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلّ وكَأَنْ هذه مسالة العطف على موضع إنّ، وتفصيل القول فيها على ما ارتضَى كم مذهب البصريين، وذلك أن العطف على اسم إنّ قد يكون باعتبار اللفظ، وقد يكون باعتبار الموضع؛ فاعتبار اللفظ جاز على الإطلاق سواءً أجاء المعطوف بعد الخبر أم قبله، فمثال مجيئه قبل الخبر قولك: إنّ زيدًا وعَمرا فى الدار، وفى القرآن الكريم: ﴿إِنّ المُسْلِمينَ وَالمُسْلِمَاتِ، والمُؤْمِنِيِنَ والمُؤْمِنَاتِ والقَانِتِينَ والقَانتاتِ﴾ / إلى آخر الآية.
ومثالُ مجيئِهِ بعد الخبر قولُك: إِنّ زيدًا فى الدار وعمرًا، وقرأ ابن أبى إسحاق وعيسى بن عُمَر: ﴿أَنّ الله بَرِئٌ مِنَ المُشْرِكينَ وَرَسُوله﴾، بالنصب.
وأنشد سيبويه لرؤبة:

إِنّ الربيعَ الجَوْدَ والخَرِيفا يَدَا أبى العبّاس والصّيوفا ولا خلاف فى هذا القسم، ولم يُنَبّه الناظمُ عليه لأنه حكمٌ تقرّر فى بابه، وإنما ينبّه فى الأبواب من أحكام التوابع على ما لم يدخل تحت ضوابط بابه.
وأما العطف باعتبار الموضع -وأعنى موضع أسم إنّ، أو موضعَ إنّ واسمها- فلا يخلو أن يكون المعطوف واقعًا قبل الخبر أو بعده، فإن كان بعده فجائز أيضا بغير خلاف عند النحويين على الجملة، نحو قولك: إن زيدًا قائمٌ وعمرو.
ومنه قولُ الله تعالى: ﴿إنّ الله بَرِئٌ مِنَ المشركينَ ورسولُه﴾، فى قراءة ابن محيصن بكسر إنّ.
ومنه ما أنشده سيبويه لجرير: إنّ الخلافة والنبوّة فيهمُ والمكرُماتُ، وسادَةٌ أطهارُ لكنهم اختلفوا فى وجه هذا العطف اختلافًا كثيرا، فمنهم من جعل ذلك عطفًا حقيقةً، من باب عطف المفردات، وأن قولك: إن زيدًا قائم وعَمرٌو، عطف فيه عمرو على موضع زيد، وهو الرفع، كما عطف على موضع خبر ليس في نحو:

فَلَسْنَا بالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا وإليه ذهب الشلوبين فى أول قولَيْهِ، وابن أبى الربيع.
وهو ظاهر إيضاح الفارسىّ وجُمَل الزجاجىّ.
ومال إليه بعض من شرح كلامهما أخذًا بالظاهر من كلامهما.
وتأوّلُ بعضُهم عليه كلام سيبويه.
والذى عليه الأكثر أنّ الرفع فى المعطوف على الأبتداء واستئناف جملةٍ معطوفة على أخرى، وهو الأظهر من كلام سيبويه، ونقل عن الأخفش، والفراء، والمبرد، وابن السراج، والفارسىّ -فى غير الإيضاح- وابن أبى العافية، والشلوبين -في آخر قوليه- وجماعةٍ من أصحابه- ومنهم من يتأوّلُ على المبرّد أنه يقول بالعطف على الموضع، لكن على وجهة التوهم، لا على حقيقة مقتضى الموضع؛ إِذِ الحمل على التوهّم عنده مقيس، وهو أصل الكوفيين فى جواز الرفع قبل مجئ الخبر.
وكلامُ الناظم هنا محتملٌ للمذهبين؛ إذ معنى كلامهم أنّ المنصوب بالعطف على اسم إِنّ يجوزُ رفعه، ولم يذكر: علام يُرْفع؟ فيتحمل أن يكون قائلا بالأَول أو بالثانى؛ فإن كان رأيه هذا الثانى فهو أَوْلَى لوجهين: أحدهما: أنه الذى ذهب إليه في شرح التسهيل ونصره وزيف غيره.
والثانى: أنه الصحيحُ من المذهبين، والمعتمدُ المعضودُ بالدليل.
وقد تصدّى ابن أبى العافية لنصره في مسألةٍ أفردها، وابنُ الزبير من شيوخ شيوخنا فَتلقّيناه عنهم، فمن أراد الترجيح بين المذهبين فَعَلَيه بكلام ابن الزبير، ففيه غايةُ الشفاء في المسألة.

وقد أحتج له المؤلف بأنهم اقتصروا فى هذا العطف على الإيتان به بعد تمام الجملة، ولو كان من عطف المفردات لكان وقوعُه قبل التمام أولى، لأنّ وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجودُ من فصله وأيضًا لو كان كذلك لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يَحْتَجْ سيبويه في/ قوله تعالى: ﴿قُلْ: إِنّ ربّي يقْذِفُ بِالحقِّ عَلَّامُ الغُيوبِ﴾ إلى أن يجعله خبر مبتدأٍ أو بدلًا من فاعل يقذف.
واستدلّ بغير ذلك مما يطول فيه الكلام.
وإن كان مراده الأول، وكان هو مذهبه فيترجح بأمرين: أحدهما: أنّ جَعْلَه من باب عطف الجُمَل يؤدّى إلى مخالفة الظاهر من ادّعاء حذف الخبر مع إمكان الاستغناء عنه كما فى المنصوب، لأنّ المسألتين وإن كانتا تحتاجان إلى تقدير فالتقدير مع المنصوب كالمُطّرَح، ولذلك جاز العطف فيه، فلا تقول: إن زيدًا قائمٌ لا عمرًا، فكذلك (تقول) في الرفع: (إن زيدا قائم) لا عمرو.
فهذا من عطف المفردات، لأنّ «لا» لا يعطَفُ بها الجملُ إلا مع التكرار، نحو: لا عمرو خارج ولا بكر مُقيمٌ.
وأما جعل هذه المسألةِ من عطف الجمل، والمقدر كالمنطوق به، فهو ادّعاء ما لا دليل عليه، وذلك ممنوع.

والثاني: أنه قد (جاء في كلام العب) ما يعضده، (إذ هو على تقدير التوهم) وهو كثير في كلام العرب (ويعبر عنه بعض شيوخنا بالرفع على المرادف) ومنه ما أنشده سيبويه): بَدَا لِىَ أَنّى لَسْتُ مُدّرِكَ ما مَضَى وَلَا سَابقٍ شَيئًا إِذَا كانَ جائيا لأن الباء من شأنها أن تدخل هنا.
ومثله ما أنشده من قول الأخوص الرياحي: مَشَأيمُ لَيْسُوا مُصلِحينَ عَشِيرة وَلَا ناعِبٍ إِلّا بَبيْبنِ غُرَابُها على توهّم: لَيْسُوا بِمُصْلِحينَ عَشِيرةٌ.
ومنه في القرآن: ﴿فَأَصّدّق وَأَكُنْ من الصّالِحينَ﴾، على قراءة غير أبى عَمْرو.
فهذا متعيّن فينبغى أن يُحملَهذا الموضعُ على ذلك.

وهذا الرأي أسعد بكلام الناظم، لأنه قد أجاز العطف على الموضع في باب اسم الفاعل، وليس إلّا من باب التوهّم، وسيأتى ذكره في بابه إِنْ شاء الله تعالى.
وهذا الموضع -أعنى الحمل على التوهّم- خالف فيه البصريون البغداديين في موضع، ووافقوهم في موضع.
فأما موضع المخالفة فحيث كان من باب اعتبار الفاء نحو: ما زيد قائما ولا قاعدٍ.
وليس هذا الموضع من ذلك، وأما موذع الموافقة فحيث كان من باب اعتبار الأصل نحو: هذا ضاربُ زيدٍ وعمرا.
فهذا الموضع من ذلك؛ لأن الأصل الابتداء، وإنما اختلفوا هنالك واتفقوا هنا، لكثرة هذا وقلة ذاك.
وهذا كلّه إما هو فيما إذا استكمل العامل معموليه، وهو قول الناظم: «بَعْدَ أن يستكْمِلَا» فالضمير في «يستكمل» عائد إما على إِنّ، كأنه قال: بعد أن يستكمل العامل ما يحتاج ايه من معمولاته التي يكمل بها الكلام، وذلك الخبر، أي: بعد أن يؤتى بالخبر، وإما على منصوب إنّ كأنها راد: بعد أن يستكمل الاسم ما يطلبه من جهة معناه من الخبر؛ إذ لا يستقلُّ به الكلام دون الخبر.
وأما إذا لم يستكمل العاملُ عمله، أو الاسم خبره، فليس إلا النصب على ما يُفْهَم من اشتراطه الاستكمال.
وما ارتضاه من ذلك هو رأي البصريين، فإذا قلت: إِنّ الزيدين وعمرًا قائمون -ومنه قولُه تعالى: {إنّ الذين آمنُوا والذين هادُوا والصّابئينَ والنّصَارَى والمجُوسَ والذينَ أَشْركُوا، إِنّ

الله يَفْصِلُ بينهُم يومَ القِيامة} - فلا يجوز الرفع عندهم البتّةَ، بل يلزم النصب.
وذهب الكوفيون إألى جواز الرفع كما جاز مع تأخير المعطوف، إلا أنهم اختلفوا، فذهب الكسائى إلى الجواز/ بإطلاق، ظهر في المعطوف عليه النصب أو لم يظهر، فتقول: إنّ زيدًا وعمرٌو قائمان، وإنك وبكرٌ ذاهبان.
وذهب الفراء إلى التفرقة بين ما لم يظهر فيه الإعراب فيجوز الرفع في المعطوف عليه، وبين ما ظهر فيه الإعراب فلا يجوز إلا النصب، فتقول على مذهبه: إنك وزيدٌ ذاهبان، وإنّهم وزيد قائمون، ولا تقولا إن زيدًا وعمرو قائمان والصحيح ما ذهب اليه الناظم للقياس والسماع؛ أما القياس فمن وجهين: أحدهما: أنك إذا قلت: إِنّ زيدًا وعمرُو قائمان، وإنك وزيدٌ ذاهبان، وجب أن يكون زيدٌ مرفوعا بالابتداء، ووجب أن يكون زيدٌ عاملًا في الخبر أيضًا فيؤدى ذلك إلى أن يعمل عاملان معًا في معمول واحدٍ عملًا واحدًا، وذلك فاسد.
وقد يجيب أهلُ الكوفة عن هذا بأنّ العامل في خبر أن عندهم الابتداء، لا إنّ، وهو العامل أيضا في زيد على رأيهم، فيجب -على رأيهم- أن يكون الابتداء أيضًا هو العامل في الخبر من تلك الجهة، فاتحذ العامل في الخبر إذًا، وهو الابتداء.
وهذا الجواب لا (ينهضُ) فإن زيدًا على مذهبهم إنما يرتفع بالخبر، والخبر يرتفع في باب الابتداء بالمبتدأ وهو زيد هنا، وبالابتداء

في باب إنّ، فقد اجتمع على الخبر ها عاملان، وذلك غير صحيح، كا مرّ.
والثاني: ما قاله المؤلف من أَنّ إنّ وأخواتها قد ثبت قُوَة شبهها بكان وأخواتها، فكما امتنع في كان العطفُ على موضعها منصوبها باتفاقٍ فكذلك يمتنع في إن، ولو جاز أن يكون اسمُ إِنّ مرفوعَا لمحلِّ باعتبار عروض العامِلِ لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحلِّ بذلك الاعتبار، لتساويهما في أصالة الرفع وعروض النصب.
وفيه نظر.
وأما السماع فموافق لما قاله البصريون، وما جاء مما ظاهره المذهب الآخر فغير مُتَعيِّن له، لاحتمال أمرٍ آخر فيه؛ فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنّصَارى﴾.. الآية، فعطف (الصابئُون) على موضع (الّذين) قبل الإتيان بالخبر، وهو قوله: ﴿مَنْ آمن بالله واليَوْمِ الآخِرِ﴾.. إلى آخرها.
وروى الثقاتُ عن العرب: إِنّك وزيدٌ ذاهبانِ، وأنشد سيبويه لبشر بن أبى خازم: وَإلّا فاعْلَمُوا أنا وَأَنتُمْ بُغَاةٌ ما بَقِينا في شِقَاقِ

فلو كان المعطوف منصوبًا لقال: إِنّا وَإِيّاكم بُغاةٌ.
وهذا كُلّه قليلٌ لا يعتمد عليه، مع مخالفته الوجه الشائع.
وقد تكُلِّم في ذلك أيضًا بناءً على كونه قليلا؛ فأما الآيةُ فجعلها سيبويه وغيره على التقديم والتأخير، قال فيها: «كأنّه ابتدأَ على قوله: (والصابئُون) (بعدما يمضى الخبرُ» يريدُ أنّ تقديها: إن الذين آمنوا والذين هادُوا من آمن بالله واليوم الآخر، ثم ابتدأ فقال: والصابئُون والنصارى كذلك.
وأجاز السيرافي أن يكون خبر (الذين) محذوفًا لدلالة خبر (والصابئُونَ والنصارى) عليه، وهو قوله: ﴿من آمَنَ بالله﴾.. الآية.
فيكون على حدّ قول الشاعر: نَحنُ بِمَا عِنْدنَا، وأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ، والرأْيُ مُخْتَلِفْ أراد: نحن بما عندا راضون، وأنت بما عندك راض.
والآية على رأي سيبويه مثلُ قول الشاعر: مَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإِنِّي وَقَيّارٌ بها لَغَرِيبُ

فيمن رواه برفع «قيّار»، فلا يكون «قَيّار» على غير الابتداء، والخبر محذوف إلا بتكلفٍ.
وأما قولهم: إنّك وزيدُ/ ذاهبان، فحمله سيبويه على الغلط فقال: «واعلم أنهم يغلَطُون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وَإِنّك وزيدٌ ذاهبان.
وذلك أن معناه معنى الابتداء، فيُرى أن قال: هُمْ، كما قال: وَلَا سابقٍ شيئًا إِذا كانَ جَاثيا على ما ذكرتُ لك».
يعنى أنهم توهّموا أَنْ ليس ثَمّ إِنّ، حتى كأنهم قالوا: هم أجمعون ذاهبون، وأنت وزيد ذاهبان، وَأَنّس بهذا عدمُ ظهور الإعرابِ في اسم إنّ في الموضعين.
والدليل على صحة هذا أن لم يَجئْ فيما ظهر فيه الإعراب حو: إن زيدًا وعمرٌ قائمان؛ إذ لو كان الرفع في المعطوف على غير التوهّم لكان خليقًا أن يَجِئْ مع ظهوره، فلما لم يكن كذلك دلّ على أنهم اعتقدوا أنّ المنصوب مرفوع فعطفوا على اللفظ، كما قالالشاعر: «ولا سابقٍ شيئًا»، بالخفض مُتَوهّما أه قال: «لستُ بمدركٍ ما مضى»، فلذلك جعله سيبويه من باب الغلط، والله أعلم.
وأنشد المؤلف في الشرح: خَلِيلَىّ، هَلْ طِبُّ؟ فَإِنِّى، وأَنتُمَا وَإِن لَمْ تَبُوحًا بِالْهَوَى - دَنِفَانِ وعلى كلام الناظم بعدُ سؤالان:

أحدهما: أنه ذكر مسألة العطف على موضع اسم إنّ قبل مجئِ الخبر ومنعها جملةً، فعنده أنه لا يقال: إن زيدًا وعمرو في الدار، ولا: إِنك وعمرو في الدار، بوجه من الوجوه، حسبما اقتضاه مفهوم شرطه؛ لأنه أجاز العطف على موضع اسم إنّ بشرط أن يستكمل، فاقتضى مَنْعَ العطف عند فِقْدانِ الشرط بإطلاق، وهذا لم يقله البصريون لا يقتضيه كلام سيبويه على الجملة.
بل الوجه في ذلك أن يقال: إذا كان العطف قبل الخبر فلا يخلو أن يكون الخبر مطابقًا لهما جميعا نحو: إنك وزيدٌ ذاهبان، أو لأحدهما نحو: إنك وزيدٌ ذاهب.
فإن كان مطابقًا لأحدهما جاز في المعطوف الرفع والنصف؛ فالنصب على وجهين: على أن يكون الخبر الثاني، وحُذِف خبرُ الأوّلِ، أو يكون خبرًا للأوّلِ، على التقديم والتأخير، وحذف خبر الثاني.
والرفع أيضًا على وجهين، وهما المذكوران في النصب، فالأول مثل: نَحنُ بِمَا عِنْدَنَا، وَأَنْتَ بِمَا... عِنْدَكِ رَاضٍ......... والثاني مثل: فَإِنِّى وَقَيّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ وإن كان الخبر مطابقًا لهما لم يَجُز إلا النصب عند سيبويه والبصريين.
وأما الرفع فعلى جهة الغلط كما قال سيبويه، وجاز عند الكوفيين كما تقدم.
فالحاصل: أن الرفع في المعطوف قبل الإتيان بالخبر لا يقال فيه: جائز، باطلاق، ولا ممتنعٌ بإطلاق، بل هو في حال يجوز بإطلاق من غير

حكاية خلافٍ، وفي حال ممتنع على الخلاف.
فمفهومُ شرطِ الناظم إذًا غير صحيح.
ولا يقال: إنه لم ير العمل بالمفهوم، لأنا نقول: هو عمدتُه في هذا النظم، وعليه اعتمد في نقل المسائل الكثيرة، ولولا هُوَ لافتقر إلى العبارة الطويلة في المسألة الواحدة، حسبما تراه في هذا الشرح، بحول الله.
فإذًا هذا الموضعُ مشكِلٌ.
والثانى: أه لما اقتصر هنا على ذكر عطف النّسق وهم أنّ غير/ من التوابع لا مخالفة فيه لما ذكره في التوابع، وليس كذلك؛ فالتوكيد وعطف البيان والنعتُ حكمهما عند الجرمىّ والزجاج والفراء حكم العطف النّسَقِىِّ، فتقول: إن زيدًا قائمٌ الظريفَ والظريفُ، وإن زيدًا قائم نفسَه ونفسُه.
ومنه: ﴿قُلْ: إِنّ الأَمْرَ كُلُّه لِلهِ﴾ في قراءة رَفْعِ كلّ، وهى لأي عَمْروٍ بن العلاء، وإن زيدًا قائمٌ أخُوك وأخاك.
وجعلوا من النوع قول الله سبحانه: ﴿قُلْ: إِنّ رَبِّى يقذفُ بالحقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ و ﴿عَلّامَ الغُيوبِ﴾.
والرفعُ قراءة السبعة، والنصبُ لابن أبى إسحاقَ وعيسى بن عُمر.
وإذا كا كذلك كان ينبغي له أن لا تخُصّ العطف بالحرف هنا.
والجواب عن الأوّلِ لا يحضرني الآن إلّا أن يعدّ ما جاء من مطابقة الخبر لأحدهما غير مقيس، فإّنه قليل، فكأنه لم يعتدّ به.

وعن الثاني أنّ النحويين -غير من ذكر- لم يجيزوا هذا ولا اعتمدوه، وحملوا الآية على غير ذلك؛ إذ تحتمل أن تكون جملة مستقلة وقعت موقع البيان لما قبلها، والمبتدأ منها محذوف، كأنه قال: هو علّامُ الغيوب، أو على أن يكون خبرًا ثانيًا لربِّى.
وكذلك قوله: ﴿كلُّه للهِ﴾ جملة هى خبرُ إنّ، كذلك نَدّعى فيها الاحتمال ذلك فيها، وإذا احتمل ذلك لم يكن فيه دليلٌ على ما قالوا؛ فكأن الناظم لم يرتضِ مذهب الجرمي ومن قال بَقْولِهِ، ووجْهُ المنع في النعت أنّ الغرض به بيان المنعوتِ ليصحّ الإخبارُ عنه، فوضعُه أَنْ يكون قبل الخبر، فإن جاء بعده فعلى نيّة التقديم، والحمل على الموضع لا يكون إلا بعد تمام الكلام، ولذلك لم يجز العطف على الموضع قبل الخبر، كما تقدم.
وهذه المسألة كانت سبب عَمَى «الأَعْلَمِ» /؛ حدثنا سابقا الأستاذ -رحمة الله عليه- أنه سأل الأعلمَ بعضُ نحاة عصره: لِمَ جاز اعتبار الموضع في العطف دن النعت؟ فَكلف إيرادًا -وكان رَمِدَ العينين- فنزل الماء فيهما فَعَمِى.
فإن قيل: قد جوزتم النعت على الموضع في باب لا، وفي باب: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيرُه﴾.
قيل: أمّا «لا رَجُلَ» فكالشئ الواحد، وأما «من» فزائدة، وذانك ليسا في إِنّ، فافترقا.

وأما التوكيد والعطف البياني فكالنعت، وكذلك البدل؛ إذ هو في التقدير حالٌّ محلّ اسم إِنّ، واسم إِنّ لا يكون إلا نصبًا.
ثم قال: «وَأَلْحقُوا بِإِنّ لَكِنّ وأَنْ»، يعنى أن العرب ألحقت بإنّ المكسورة في هذا الحكم المتقدّم لكنّ وأنّ المفتوحة، فعطفوا على موضع اسمها فقالوا: لكن زيدًا قائم وعَمْروٌ، وأنشد المؤلف في الشرح: وَمَا قَصّرَتْ بِى في التّسَامِى خُؤُولَةٌ ولكِنّ عَمِّى الطيِّبُ الأَصْلِ والخالُ والقوافي مرفوعةٌ.
وقالوا: علمت أنّ زيدًا قائم وعمروٌ، وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الحجِّ الأكْبَرِ أَنّ الله بَريِءٌ مِنَ المُشْرِكينَ﴾ وَرَسُولُه على قراءة الجمهور.
ويمكن أن يكون م ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَو أنّ ما في الأَرْضِ من شجرةٍ أقلامٌ والبحرٌ يَمُدُّه مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾.. الآية، فيكون، رفع (البَحْرُ) على مثل الرفع في إِنّ المكسورة، لا على أنها جملة حاليةً وإِنْ أجاز ذلك سيبويه، بدليل القراءة الأخرى بالنصب ليتّحد معنى/ القراءتين.
وما ارتضاه الناظم وَإن المقتوحة من إلحاقها بالمكسورة في هذا

الحكم هو رأيُ الجمهور، والظاهر من كلام سيبويه.
ومع من ذلك بعض الأئمة، وزعم أَنّ المفتوحة لا تُلحَقُ بالمكسورة؛ لأن المكسورة على شرط الابتداء وليست المفتوحة كذلك، إنما تجعل الكلام شأنًا وحديثًا بمنزلة المفرد، ولذلك لا يكون في الآية دليل لصحة جملة على وجهين جيِّدين: أحدهما: أن يكون (ورسولُه) عطفًا على أَنّ وما بعدها، لأنها اسمٌ مفردٌ، فالتقدير: براءةُ الله من المشركين ورسولُه، أى: وبراءَةُ رسولِهِ.
وهذا وجه جيد، كما تقول: أعجبي أنك منطلقٌ وإسراعُك.
والثاني: أن يكون (ورسولُه) معطوفًا على الضمير في (بَرِئٌ)، وحَسُن للفصل، كما قال تعالى: ﴿سَيقولُ الذينَ أشْركوا لو شَاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنَا وَلَا آباؤنا﴾؛ وإذا كان كذلك لم يكن في الآية دليل على ما قالوه، فالاستشهاد بها وَهْمٌ جَرَى على سيبويه والنحويين.
وردّ هذا ابن جنى قياسًا وسماعًا، أما السماع فما في الحماسة لجعفر بن عُلْبَةَ الحارثى، وذلك قوله: فَلَا تَحْسَبِي أَنِّى تخشّعتُ للعِدَى لِشَئٍ وَلَا أَنِّى مِنَ الموتِ أفْرقُ وَلَا أَنَا مِمّنْ يَزْدَهِيهِ وَعِيدُهُمْ وَلَا أَنّنىِ بالمَشْىِ في القَيدِ أَخْرَقُ فَعَطَفَ الجملة من المبتدأ والخبر على قوله: (أنِّى تخشّعْتُ)، وهو يريدُ

معنى أنّ المفتوحة؛ يدلّ على ذلك روايةُ من روى: وَلَا أنّ نَفْسِى يَزْدَهِيها وَعِيدُهُمْ وقد جاء ذلك أيضًا في التنزيل، قال الله عز جلّ: ﴿وَأَنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً واحِدةً، وأَنَا ربُّكُمْ فاتقُونِ﴾؛ ألا ترى أنّ معناه: ولأنّ هذه أمتُكم أمّةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتقون: فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على (أَنّ) وفيها معنى اللام، كما تقدّم.
وهذا يزيد معنى الابتداء عبرَه، ويصرف الكلام إلى معنى المصدر، أى: ولكوني ربكم فاتقونِ.
ونحو ذلك قوله أيضا: ﴿ضرب لَكُمْ مَثَلًا من أَنْفُسِكم هَلْ لَكُمْ مما ملكت أيمانُكُمْ من شُرَكَاءَ فيما رَزَقناكُمْ، فأنتُمْ فيه سَوَاءُ﴾، أى: فتستوا.
قال أبو على: فأوقع الجملة المركّبة من المبتدأ والخبر موقع الفعلِ المنصوب بأن والفعل، إذا انتصب انصرف القولُ والرأىُ فيه إلى المصدر، ومعلوم أن المصدر أحد الآحاد، ولا شُبهةَ بينه وبين الجملة، وقد ترى الجملة، وقد ترى الجملة التى هى قوله: ﴿وأنا ربُّكم﴾ معطوفةً على أنّ المفتوحة، وعبرتها عبرةُ المفرد من حيث كانت مصدرًا، والمصدرًا، والمصدر أحد الأسماء المفردة.
ومنه أيضا -ولم يذكره أبو على- قوله تعالى: ﴿أعنده علم الغيب فهو يرى﴾.
أي فيرى، لأنّ الفاء جواب الاستفهام، وهي تصرف الفعل

بعدها إلى الانتصاب بأن مضمره، وأن المنصوب بها مصدر لا محالة حتى كأنه قال: أعِنْدَه عِلْمُ الغيب/ فرؤْيتُه، كما أنّ قوله ﴿فأنتم فيه سَوَاءٌ﴾، أى: هاك شركة بينكم فاستواء».
انتهى ما ذكر من السماع.
ومنه في القرآن مواضع، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِم سُلْطانًا فَهُو يَتَكلّمُ﴾، وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ.
أَمْ عِنْدَهُمُ الغَيبُ فَهْم يكتُبُونَ﴾.
وقد أنشد سيبويه: وَإِلّا فَاعْلَمُوا أَنّا وَأَنْتُمْ بُغَاةٌ......... ثم قال: «كأنه قال: نحن بغاةٌ وأنتم».
فقدّم وأخّر، في مرفوعًا بالابتداء والخبر محذوف، كقوله تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمنُوا والذينَ هادُوا والصّابئُونَ والنّصارى﴾.
فقد سوّى بين إنّ وأنّ، فليس سيبويه مِمّن يقصرُ ذلك الحكم على المكسورة، كما ظنه بعضهم.
قال ابن جني: «فأما وجه القياس فهو [أَنّ] المفتوحة -وإن لم تكن من مواضع الابتداء فإنها في التحقيق مثلُ المكسورة، فلما استويا في المعنى في العمل وتقاربنا في اللفظ، صارت كلّ واحدٍ كأنها أختها؛ يزيد ذلك وضوحًا أنك تقول: علمت أَنّ زيدًا قائمٌ، وعلمت أنّ زيدًا قائمٌ،

علمت إِنّ زيدًا لقائم، فنجد معنى المكسورة كمعنى المفتوحة، تؤكد في الموضعين كليهما قيام زيدٍ لا محالة، والقيام مصدرٌ كما ترى.
نعم وتأتى هنا بصريح الابتداء فتقول: قد علمتُ لزيدٌ أفضلُ منك، كما تقول: علمت إنّ زيدًا أفضلُ منك؛ أفلا ترى إلى مجارى هذه التراكيب إلى معنى [واحد] وتناظر بعضها إلى بعض.
وسببُ ذلك كلّه ما ذكرت من مشابهة إنّ لفظًا ومعنى وعملًا، فإذا كان كذلك سقط اعتراضُ هذا المتأخر على ما أورده سيبويه، وأسقط كلفته عنه.
قال: ويزيدُ فيما نحن عليه بعد قوله: وَلَا أَنّنِى بالمَشْىِ في القيدِ أَخْرُقُ فعاد إلى أَنّ البتّةَ.
وهذا ما قاله ابن جني.
وقال ابن خروف: لا يمتنعُ حملُ الجملة الابتدائية على أنّ، ثم قال: ويجوزُ في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه؛ ألا ترى إلى قولهم: رُبّ رَجُلٍ وأخيه، وأشباهه، والحملُ في هذا أحرى بذلك.
فإذًا ما رآه الاظمُ هو الصحيح من القولين.
وأما قولُه: «مِن دُوْنِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وكَأَنّ»، ففيه سُؤال وهو أن يقال: هذا الشطر حشوٌ لا معنى له، لأنه لو اقتصر على ذكر ثلاثة الأحرف -وهى المتقدمة- لا قتضى كلامُه اختصاصَ ذلك الحكم بها دون ما بقي، لأن المسكوت عنه لا يجرى على حكم المنطوق به، ولا يحمل كلامه على ذلك، فصار ذكر البواقي منفيّ الفائدة.

والجواب: أنّه إنما نبّه على البواقي لفائدة التنكيت على ما ذهب إليه بعض النحاة، فهو يقول: إنّ ثلاثة الأحرف المذكورة وهى: إِنّ ولكنّ، هى المختصة بهذا الحكم، وليس بشامل لها وللبيت ولعلّ وكأنّ، كما يقول بعضهم، فهذا الموضع مثلُ قوله في باب كان: «فَجِئْ بها مَتْلُوّةً لا تاليةٌ»، وقد مضى التنبيه عليه.
والمخالف في المسألة هو الفراءُ، فأجاز أن يقال: كأنّ زيدًا أسدٌ وعمروٌ، ولعل زيدًا قائم وعمروٌ، وليت زيدًا قائم وعمروٌ.
وشاهده على ذلك قولُ الراجز: يا ليتَنىِ وأنتِ يا لَمِيسُ بِبَلْدةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ قال المؤلف: «ولا حجة له في ذلك، لاحتمال أن يكون «وأنت» مبتدأً محذوف الخبر، تقديره: وأنت معي، والجملة/ في موضع لاحال واقعة بين اسم ليت وخبرها.
وإنّما امتنع العطفُ على الموضع فيها عند الجمهور لأنّ دخولها غَيّر معى الابتداء الذى هو محرزٌ للموضع، فصار مسوخًا بمعنى التمنى والترجي والتشبيه، وأنت إذا عطفت فرفعت المعطوف لم تحمله إلا على الابتداء، فلم يصحّ ذلك حيث لم يبق معى الابتداء، ولا له محرزٌ، بخلاف إنّ وأَنّ ولكنّ، فإنها لم تغير معنى الابتداء، لأنّها داخلةٌ لتوكيده أو للاستدراك به لا نسخ معناه، فجاز رفع المعطوف معها على لَحْظِهِ؛ قال سيبويه: «ولم تكن ليت واجبةٌ ولا لعلّ ولا كأنّ، فَقُبح عندهم أن

يُدْخِلُوا الكلام الواجب في موضع التمنّى، فيصيروا قد ضَمُّوا إلى الأول ما ليس على معناه، بمنزلة إن».
يعنى: أنه قبح أن يدلُّوا بالخبر الذى ليس بواجب، وهو خبر هذه الحروف، علي الخبر الواجب، وهو خبر المعطوف، إذ لا يدلّ على المحذوف إلا ما هو على معناه.
وقال السيرافي: «حَمْلُ المعطوف في هذه الحروف على الابتداءِ بغيّر المعنى الذي أحدثته هذه الحروف، لو قلت: ليت زيدًا منطلقٌ وعمرو مقيم، كان «وعمرو مقيم» خارجًا عن معنى التمنّى».
فإذا كان كذلك لم يستقم حملُ هذه الحروف على إنّ لمباينة ما بينهما.
فالناظم إذًا أراد أن ينبّه بهذه الزيادة على خلافِ من خالف، وأيضًا فو سكت لسبق إلى الوهم إجراء القياس، فنصّ على نفي ذلك لئلا يُتَوّم صحتُه.
وقلّما تجد في هذا النظم ما يسبق أه فضلٌ إلا وتحته فائدة أو فوائدُ، وقد مضى من ذلك أشياء، وستأتى أُخَر إن شاء الله تعالى.
وأطلق الناظمُ العطفَ ولم يُقَيِّده بحرفٍ دون حرفٍ، فدلّ على أَنّ لحروف العطف دون الواو في ذلك مدخلًا، وذلك صحيح، فتقول: إنّ زيدًا قائم فعمروٌ، و: فعمرًا.
وإنّ زيدًا قائم ثم عَمْروٌ، وإن الناس قادمون حتى المشاةُ، وإن زيدًا قائم بل عَمْروٌ، وإنّ زيدًا قائم لا عمروٌ.
وما أشبه ذلك، إلا أَمْ وإمّا فإنّ هذا الموضع ليس من مواضعهما فلذلك -والله أعلم- لم يستثنهما الناظم؛ إذ لا يصح دخولهما مع إنّ وأخواتها.

جارٍ التحميل