مجازًا كالذي هو حقيقة في الحكم؛ ولذلك أُقِيم ابتدات$, وإذا كان كذلك فإقامة المجرور مع وجود الظرف المتّسَع فيه كإقامته مع وجود المفعول به.
وهو رأي السيرافي.
وأجاز ذلك بعضهم, وهو رأي ابن الباذش, إمّا لأنّ الظرف المتّسع فيه لا يبلغ أن يقوى قوةَ المفعول به حقيقة؛ إذ هو ظرف حقيقة فلا يجري عليه حكم المفعول به من كل وجه, وإمّا لأنّ المجرورَ لم يُقَم إلا بعد أن عُومل معاملة المفعول به حقيقة في عدم اعتبار الجار, ألَا تراهم أجروه مُجرى: كفى بالله, وما جاءني من رجلٍ, فكأن الباءَ في: مُرَّ بزيدٍ زائدة, وإذا كان كذلك فقد قَرُبَ المجرور بالإقامة من المفعول به حقيقة كما قَرُبَ منه الظرف.
والمسألة نظرية.
والمصدر جارٍ في هذا الخلاف مجرى الظرف, وكلام/ الناظم أظهر في أنّه أراد المفعول به حقيقةً, فيجيء من ذلك ماقاله ابن الباذش من الجواز, وقد تقدّم وجهه.
والثاني من النظرين: أنّه لما قدّم أنّ المفعول به إذا وجد لم يقم سواه إلّا بشرط ألّا يحضر دلّ على أنّ ما عدا المفعول به ممّا ذَكَرَ إذا حضر فلا مانع من إقامة غيره, فالمصدر, والظرف, والمجرور إذا اجتمعت هي أو بعضها لم تمنع إقامة واحد منها مع وجود البواقي, بل يجوز ذلك كما يجوز إذا اجتمعت المفعولات أن يُقام بعضُها وإن حضر البعض, فتقول في قولك: سرت بزيد يومين فرسخين: سِيرَ بزيد يومان فرسخين على إقامة اليومين, وسِيرَ بزيد يومين فرسخان, على إقامة
الفرسخين, وسير بزيد يومين فرسخين, على إقامة المجرور, وكذلك تقول: سِيرَ بزيد سيرًا شديدًا, على إقامة المجرور, و: سير بزيد سيرٌ شديدٌ على إقامة المصدر.
وتعرِضُ مع اجتماع بعض هذه مع المفعول به مسائلُ يضعها النحويون في كتبهم تدريبًا للطالب, ويلقيها المقرئون في مجالسهم كذلك, وقد وضع منها سيبويه مسائل كثيرة في بابين, وتبعه الناس, وربّما يصعب تصورها على الناشئ قبل تمكنه فهذا الموضع جديرٌ بأن نذكر منها مسألة اشتهرت بين الناس, وهي مسألة أبي القاسم في الجمل: أُعطيَ بالمعطى به ديناران ثلاثون دينارًا, فقد صوَّر الناس فيها نيفًا وستين مسألة, وبعضهم نيفًا وتسعين, وصوّرفيها شيخنا الأستاذ أبو عبدالله بن الفخّار-رحم الله عليه- ما يَقرُبُ من مائة وثمانين مسألة من غير استقصاء لما يتصوّر فيها, بل إنّما ذكر ما يشتهر في اللسان وعند النحويين, وأفرد ذلك في مسألة خارجة عن شرحه للجمل وحدثنا فيها حكاية قال: كنت أسمعُ بسبتَة زمان قراءتي بها أن الشيخ أبا الحسن بن الحصار كان إذا وصل الطلبة بقراءة الجمل عليه إلى مسألة: أُعطِي المُعطِي حضّهم على القراءة على غيره من النحاة, فقيل له في ذلك فقال لما وصلت إلى هذه المسألة على شيخنا فلان, وصوّر لي ما قرُب من وجوهها لم يُفتح لي في تصورها, ولم أطمع في ذلك فذهبت هاربًا, ثم ندمت, قال: ولم يكن ابن الحصّار ممن بقيت عليه هذه المسألة غير مفهومة؛ لأنه كان إمامَ نحْوييّ زمانه, ولكنه استعمل أدب المتقدمين في
الاقتصار على إقراء ما قرأوه على الشيوخ.
فلنذكر أصل مسألة أبي القاسم وهي متفرعة إلى أربع مسائل: الأولى: أعْطِي بالمعطى دينارين ثلاثون دينارًا, فأَعْطِي هنا له مفعول واحد, وهو الثلاثون, ومجرور وهو بالمعطى, فيجب على ما ارتضى الناظم أن يقامَ الثلاثون فيرفع.
وأما المُعطى فله مفعولان: أحدهما الضمير المستتر فيه, وهو العائد على ال, والآخر الديناران, فلك إقامة أيها شئت, فإن أقمت الأول قلتَ: أعْطِيَ بالمُعْطَى دينارين ثلاثون دينارًا, وإن أقمت الثاني قلت: أعْطِيَ بالمُعطاهُ ديناران وثلاثون دينارًا, فتظهر الضميرَ؛ لأنّه ضمير نصب, وإن شئت حذفته فقلت: أعْطِي بالمُعطَى ديناران ثلاثون دينارًا.
والثانية: أُعْطِي المُعطى به ديناران ثلاثين دينارًا, فأُعْطِيَ له مفعولان: المُعطى, والثلاثون, فلك أن تُقيمَ أيّهما شئت, والمعطى له مفعول واحد, وهو الديناران, ومجرور وهو (به), فليس لك فيه إلّا إقامة المفعول, فتقول: أَعْطي المُعطى به ديناران ثلاثون دينارًا, على إقامة المُعطَى لأُعْطِيَ, وتقول: أَعطِيَ المُعطَى به ديناران ثلاثون دينارًا, على إقامة الثلاثين, إذ قد حكى الناظم جواز إقامة الثاني في باب كسا بعد هذا/.
والثالثة: أُعْطِيَ بالمُعطى به ديناران ثلاثون دينارًا, فأُعْطِيَ له مفعول, وهو الثلاثون, ومجرور وهو بالمعطَى.
والمُعطى أيضًا له مفعول, وهو الديناران, ومجرور وهو (به), فلا يجوز هنا على ما ارتضاه إلا وجهٌ واحد, فتقول: أَعْطَى بالمُعْطى به ديناران ثلاثون دينارًا.
والرابعة: أَعْطِيَ المُعْطى دينارين ثلاثين دينارًا, ههنا أربعة أوجه:
أحدهما: إقامة الأول لكلّ واحد منهما, وهو المُعطى لأعطى, والضمير
للمُعطى, فتقول: أُعطِي المُعطى دينارين ثلاثين دينارًا.
والثاني: إقامة الثاني لكل واحد منهما فتقول: أَعطِي المعطاه ديناران ثلاثون دينارًا, إن شئت حذفت الضمير, فقلت: أعْطِي المُعطى ديناران ثلاثون دينارًا.
والثالث: إقامة الأول للأول, والثاني للثاني, فتقول: أَعْطِي المعطى أو المعطاهُ ديناران ثلاثين دينارًا.
والرابع: إقامة الأول بالثاني, والثاني بالأول, فتقول: أَعْطِي المُعطى دينارين ثلاثون دينارًا, ويكفي هذا القدر.
وإذا أردت فتح باب التفريع فرّعت على ذلك التثنية والجمع والتأنيث على اللغة المشهورة, وعلى لغة ((يتعاقبون فيكم ملائِكة)), وذلك على مذهب من منعَ إقامة غير المفعول به مع وجوده, وعلى مذهب من أجاز إمّا مطلقًا, وإمّا على قلة, وعلى ما تحمله الباء من المعاني, فعلى هذه المعاني فرّع شيخنا- رحمة الله عليه- وترَكَ التفريع على إضمار المصدر في الفعل مُقامًا مُقامَ الفاعل, أو الزمان, أو المكان, فلم يُفرّع على ذلك لتشعب المسائل وانتشارها.
فإن قيل: هذان المزدوجان المفروغ من شرحهما فيهما سؤالان الآن: أحدهما: أنّهما حَشوق بغير فائدة؛ لأنّه قد شرط في إقامة ما سوى المفعول به أن
يكون قابلًا للإقامة, ومن جملة ما يُعتبرُ في القابليّة ألّا يحضرَ المفعول به, فإنّه إن حضر لم تقبْل تلك الأشياء الإقامة فقوله: ((وقابلٍ من ظرف)) إلى آخره كافٍ في التنبيه على ما يحتاج إليه هذا الكلام إنّما أفاد أنّها غير قابلة للنيابة مع حضور المفعول به, فكان تكرارًا.
والثاني: أنّا سلّمنا أنّه أفاد فقوله: ((في اللفظ)) زيادة لا فائدة فيها, إذ لو قال: ((ولاينوب بعض هذي إن وجد مفعول به)) لكان مفهمًا للمقصود غيرَ مُخلٍّ بشيء من الأحكام فكان ذكره فضلًا.
فالجواب عن الأول من وجهين أحدهما: أنّ القابليّة لا تتناول الشرطَ المذكور لأنّ حقيقتها أن يكون النائب يقبل أحكامَ الفاعليّة من كونه يُرفع ويحدّث عنه كما تقدّم, وأمّا كونه لا يُحدّث عنه أو لا يرفع مع وجوده غيره, فذلك أمر طارئ, خارجٌ عن ذلك, فكون الظرف مثلًا متصرفًا قابليّة فيه للنيابة, وكذلك كونه مفيدًا الإخبار عنه قابليّة يصلح بها للنيابة على الجملة, وكونه غيرَ متصرف, أو غير مفيد عدمُ قابليّة لها, واشتراط غيبة المفعول به خارج عن تلك القابلية, ألا ترى أنه يصح الإخبار عن الظرف أو/ المصدر مع حضور المفعول به في نحو: ﴿ليُجزى قومًا﴾ و ﴿نُجِّي المؤمنين﴾ وما أشبه ذلك, وإذا كان كذلك فالقابليّة راجعةٌ إلى اعتبار النائب في نفسه, واشتراط عدم حضور المفعول به راجعٌ إلى حكم عارض بعد ثبوت القابليّة.
والثاني: أنّا إذا سلّمنا أنّ القابليّة تتناول شرطَ فقْد المفعول, ففي البيت فائدتان, إحداهما: أنّه قصد إلى التصريح بهذا الشرط والإعلام به تنكيتًا على خلاف من خالف في المسألة, وأنّه لم يرتض مذهب الكوفيين؛ إذ لو لم
يذكر ذلك لم يظهر ولم يُفهم قصد التنكيت.
وقد مر له مثل هذا في باب كان في قوله: ((كذاك سبق خبر ما النافية.. )) إلى آخره, وقد تقدم ثمّة بيانُ قصده فكذلك ههنا, فلا يعدُّ حشوًا.
والثانية: أنّ ذكر ما ذكر لابد منه؛ لأنّه وإنْ قصد في القابليّة دخول هذا الشرط فليس بمفهوم منه فهمًا صريحًا, فلو ترك النصّ عليه لأمكن الاعتراض عليه بسقوطه, فأزاح هذا الشغب بذكره, وأيضًا فإنّ الإشارة إلى السماع المخالف لما أصَّل, وهو الذي اعتمده المخالف وهو آتٍ في التنزيل.
نُقِلت القراءة به في السبع على أظهر الوجوه فيه, وفي غير السبع مما ثبت سندُه, ومن عادته الاعتماد على مثل هذا, وإن لم يعتمده هنا فلا أقلّ من التنبيه عليه, وإذا كان كذلك فذكره الشرط توطئة لذكر السماع.
والجواب عن السؤال الثاني: أنّ في قوله: ((في اللفظ)) مُحرز لمعنى, وذلك أنّ وجود المفعول به مع الفعل قد يكون في اللفظ والمعنى, وقد يكون في المعنى خاصة من حيث كانت مادة الفعل تطلب مفعولًا على الجملة, فضربَ فعل له مفعول يطلبه من جهة معناه, وكذلك أكلَ, وشربَ, وكسا, وأعطَى, وعلِمَ وجهلَ, وسائر ما يطلب مفعولًا به, فهو موجود مع فعله على الجملة, فإن ذُكر تعيّن, وإن لم يذكر فقد عيّنه معنى الفعل من حيث الجملة, وكونه موجودًا في محصول الحكم المعنوي لا في اللفظ لا يمنع إقامة شيء مما ذكر, بل لابد من إقامة ما تعلق بالفعل من ظرف أو مجرور أو غيره, فإذا قلت: ضربْتُ مكانك فقد وُجدَ المفعول به في محصول الحكم لأن ضَرَبَ يطلبه, ولم يوجد في اللفظ, فإذا بُنيَ الفعل للمفعول اُقيمَ الظرفُ مُقام الفاعل؛ إذ ليس في اللفظ ما يُقام سواه, فقلت: ضُربَ مكانُك, ولا يصح أن يقام المفعول به؛ لأنّه غير مذكور.
فإلى هذا القصد نحا الناظم, فتحرّز, وهو موضع تحرُّز.
ولا يقال: مثلُ هذا لا يتحرّز منه النحوي,
لأنّ كون المفعول موجودًا في محصول الحكم أو غير موجود لا يتعرّض إليه النحويّ؛ وإنمّا كلامُه في الألفاظ فإذا قال: إذا لم يوجد المفعول به, فمعناه في اللفظ.
وموانع الوجود ليس من شأنه النظر فيها؛ فما اعتذرت به لا عذر فيه؛ لأنّا نقول: لم يتكلّم هنا في المفعول من حيث الواقع, بل من حيث طلبه الفعلُ بمادته ولم يُذكر كما قيل في: ضُرِبَ ونحوه, فإنّه فعل متعدٍّ إلى مفعول بأصل وضعه يطلبه لينصبه, فإذا لم بم يُذكر في اللفظ فهو موجود من حيث طلبه له, وهو محصول الحكم.
فعلى عذا يصح التحرُز منه على التزام طريقة الألفاظ, وعدم التعرّض لموانع الوجود, ألا ترى أنّك تقول في: ضَرَبَ: أنه متعدّ إلى مفعول/, وإن لم يظهر المفعول في اللفظ فتدبّره فإنّ فيه غموضًا.
وأغراض ابن مالك في نظمه هذا لا تبعد على أمثاله.
والله أعلم.
وباتفاقٍ قد ينوبُ الثانِ من... باب كسا فيما التباسُه أمِن
في باب ظنّ وأرى المنعُ اشتهر... ولا أرى منعًا إذا القصدُ ظهر
تكلّم أولًا فيما إذا لم يكن للفعل إلا مفعولٌ واحد, ثم عطف بذكر المفعولين أو أكثر إذا اجتمعت أيّهما يُقام؟ فذكر ثلاثة أبواب:
أحدهما: بابُ كسا, وهو باب المفعولين اللذين ليس أصلهما المبتدأ والخبر, ولا أصل أحدهما حرف الجر.
والثاني: بابُ علِم.
وهو باب المفعولين اللذين أصلهما المبتدأ والخبر.
والثالث: بابُ أرى, وهو باب ما يتعدّى إلى ثلاثة.
وتركَ ذكرَ بابٍ رابعٍ وهو باب المفعولين اللذين ليس أصلهما المبتدأ والخبر, وأصل أحدهما حرفث الجر, وهو باب أمر, وكان من حقّه أنْ
يبيّن حكمه لاسيّما وفيه من الإشكال ما ليس في غيره؛ لأنّه إذا كان أصل أحد المفعولين حرف الجر فكانّه مجرور, وإذا كان كذلك فهل يُعامل معاملة باب كسا اعتبارًا بفقد الجار أم يُعامل معاملة الأصل فلا يُقام إلا الذي ليس أصله حرف الجر؟.
في ذلك نظرٌ يفتقر إلى بيانه, وهو لم يعرّج عليه, وقد نصّوا على التزام إقامة الذي ليس أصله حرف الجر, فتقول: أُمِر زيدٌ الخيرَ, ولا يقال: أُمِرَ الخيرُ زيدًا, قال بعضهم: إلّا على القلب, والقلب قليل التصرف في الكلام.
أمّا باب كسا, فنقَل اتفاق النحويين على إجازة إقامة المفعول الثاني فيه, لكنه قليل ومرجوح بالنسبة إلى إقامة الأول دلّ على ذلك من كلامه: ((قد ينوب الثان)), وكذا قال النحويون: إنّ إقامة الأول أولى, فتقول إن شئت: كُسيَ ثوبٌ زيدًا, وأعطي الدرهمُ زيدًا, ومُلِّك الثوبُ زيدًا, وما أشبه ذلك.
أمّا إقامة الأول فلا كلام في جوازها في كل باب وخصوصًا في باب كسا إذ هو فاعل في المعنى, فتقول: أُعطِي زيدٌ درهمًا, وكثسِي زيدٌ ثوبًا, ومُلِّكَ زيدٌ الثوبَ.
فإن قلت: من أين يُعلم إقامة الأول, وما الدليل من كلامه على جوازها.
فالجواب: أنّه لما قدّم أن المفعول على الجملة ينوب عن الفاعل كان هذا أصلًا يُرْجَعُ إليه حتى ينسخه بغيره, ولم ينسخه بالنسبة إلى المفعول الأول, فبقي على أصل الجواز وإنّما رجحت إقامة الأول في باب كسا؛ لأنه فاعل
في المعنى, فكان أقربَ إلى الإقامة من غيره.
ثمّ قيّد جواز إقامة الثاني بأَمْنِ اللّبس فقال: ((فيما التباسه أُمِن)) يعني أنّه ينوبُ في الكلام الذي أُمن فيه الالتباس, فالمجرور متعلّق بينوب, فإذا أمن اللبس أقيم أحدُهما, أيّ مفعول كام.
وإذا عُلشم الأول من الثاني نحو: كُسِيَ ثوبٌ زيدًا, وأُعْطِيَ الدرهمُ زيدًا.
وإذا خيفَ اللبسُ لم يُقَم إلا الأولُ, فتقول: في أعطيتُ زيدًا عمرًا, -وعمرو عبدٌ مأخوذ-: أعطِي زيدٌ عمرًا, ولا يجوز أن تقول: أُعطِي عمروٌ زيدُا؛ لأنه لا يتبين أنّ زيدًا هو الآخذ وأنّ عمرًا هو المأخوذ, بخلاف قولك: أُعطِيَ درهمٌ زيدًا, فإنّ الدرهم معلوم/ أنّه المأخوذ وأنّ زيدًا هو الآخذ.
وظاهر هذا أنّك لا تُقيم الثاني مع اللّبس وإن التزمت الرُتبَة بأن تقول: أُعطِي زيدًا عمروٌ, إذ منع مطلقًا, كما أطلق الجمهور المنع أيضًا, وهو مما ينبغي أن يُبحث عنه في باب علم وأرى على رأي الناظم فقد قال بعض المتأخرين: ينبغي أن ينظر هل يستظهر على اللّبس بحفظ الرُتبة كما قد عُمل ذلك في التباس الفاعل بالمفعول, فيوضع المرفوع في رتبته من المفعولات حتى يتبيّن بموضعه أنه الأول أو الثاني أو الثال.
وما قاله هذا المتأخر مفتقر إلى السماع؛ فإن القول بحفظ الرُتبة إذا التبس الفاعل والمفعول نحو: ضرب موسى عيسى لا يصح أن يبنى إلا على السماع, وإلّا كان وضعًا مستأنفًا فكذلك هنا.
وحين أطلق الناس هنا المنع مع اللّبس, ولم يلتفتوا إلى اعتبار الرُتبة كما التفتوا إليها في الفاعل والمفعول, والمبتدأ والخبر دلّ على أنّه غير
ملتفت إليه عند العرب هنا.
والله أعلم.
وأما باب علم وباب أرى فنقل الناظم عن الجمهور المنع من إقامة الثاني فيه بقوله: ((في باب ظنّ وأرى المنع اشتهر)) يعني أنّه اشتهر عند النحويين منعُ إقامة المفعول الثاني مطلقًا سواء أكان ثمّ لبْسٌ أم لا؟ وإنّما اشتهر عندهم المنع لما في إقامة الثاني من اللّبس في الأكثر, لأنك إذا قلت عُلِم صديقُك عدوَّ زيدٍ كان معناه أنّ المعروف بصداقتك عدوٌّ لزيد, فصداقتك مستغنية عن الإخبار بها, وعداوة زيد مفتقرة إلى الإخبار بها.
فلو عكست فأقمت الثاني لا نعكس المفهوم, فإذا قلتَ: عُلِمَ عدوُّ زيدٍ صديقك صار المفهوم منه أنّ المعروف بعداوة زيدٍ صديق لك, وأنت لم ترد إلا المعنى الأول, فالتبس المعنيان.
وهكذا كثير من مسائل الباب.
وكذلك باب أرى إذا قلتَ: أرأيتُ زيدًا عمرًا صديقك, لو قلت: أُرِيَ زيدٌ عمرًا صديقك, فزيد هو الرائي, وعمرو هو المرئي, فلو عكست النيابة لألتبس بعكس المعنى هذا وجه ما ذهب الجمهور إليه.
قال المؤلف في الشرح: ((وإذا كان أمنُ اللّبس مسوغًا لجعل الفاعل مفعولًا والمفعول فاعلًا في كلام واحد نحو: خرق الثوبُ المسمارَ.
بلغت سوآتهم هَجَرُ
فجواز هذه المسائل أحَقُّ وأولى)), يعني مسائل أمن اللّبس كقولك: ظُنِنْتِ الشمسُ بازغةٌ, وظُنِنَتْ بازغةٌ الشمسَ, وعُلِم قمرُ الليلة بدرًا, وعُلِمَ بدرٌ قمرَ الليلة, واتُخِذَ مقامث إبراهيم موضعَ صلاة, واتثخِذ موضعُ صلاة مقامَ إبراهيم, وأُعْلِمَ زيدٌ كبشَك سمينًا, وأُعْلِمَ كبشُك سمينًا زيدًا.
وما أشبه
ذلك.
فهذه المسائل لا لبْس فيها, فلا ينبغي ان تمنع وهو معنى قوله: ((ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر)).
يعني أن مدرك المنع إنما هو اللّبس فينبغي إذن أن يُقتصَر في المنع على موضع ولا يُعدَّى إلى ما ليس فيه لبس كما لم يعدّه الجميع في باب كسا, بل فرّقوا بين موضع اللبس فمنعوا وبين موضع أمن اللبس فلم يمنعوا.
وسياق الناظم يشير إلى مدرك المنع عندهم إذ قدم الاتفاق في باب كسا على المنع مع اللّبس, وأن الجمهور مانعون أيضًا في باب علم وأرى.
ثمّ قال/: ((ولا أرى منعًأ إذا القصد ظهر)).
فظهر من ذلك أنّ عمدتهم في المنع وقوع اللبس خاصة, وعليه نص في شرح التسهيل, وأنّ أكثر مسائل هذا الباب مّما يقعُ فيها اللبس قال: ((ولذا منع الأكثرون نيابة الثاني مطلقًا)).
وهذا فيه نظرٌ؛ فإنهم ذكروا للمنع أوجهًا أخر: أحدهما أن المفعول الثاني قد يكون جملة فعلية أو اسمية, أو ظرفًا, أو مجرورًا, نحو: ظننتُ زيدًا يقوم, وظننته أبوه قائم, وظننته عندك, وظننته في الدار, والثاني مع كونه أحد هذه الأشياء لا تصح إقامته؛ إذ لا تكون الجملة فاعلةً أبدًا حسب ما تقدم, فكذلك النائب.
والظرف لا يُقام وهو باقٍ على نصب الظرفية متعلقٍ بكائن أو مستقر, وكذلك المجرور لا يُقام وعامله غير الفعل.
وبهذا الوجه يَرِد على الناظم اعتراض إذ لم يستثن من إقامة الثاني هذه الأشياء كما استثناها في التسهيل, فاقتضى أنّها تُقام مُقامَ الفاعل, وذلك غير صحيح؛ إذ الجملة عنده لا تكون فاعلةً كما مرَّ, والظرف والمجرور عنده في معنى الجملة هنا لقوله قبل في باب الابتداء: ((ناوين معنى كائن أو استقرّ)) فخيّر في الوجهين, وإذا لم تكن فاعلةً لم تُقمْ مُقامه.
والثاني: أنّ المفعول الثاني يكون
نكرة كثيرًا فيؤدي إقامته إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة, وذلك مرفوضٌ إلّا في الشعر, أو في القليل, وهو محمولٌ عند جماعة على القلب إن سمع كقولهم: خرق الثوبُ المسمارَ.
وقد نصّ على هذا المعنى سيبويه في: كان رجلٌ زيدًا, والبابان واحد.
والثالث: أنّ المفعول الثاني إذا كان مشتقًّا -وهو الغالب- فأُقِيم أدّى إلى أمرين محذورين: أحدهما: الإضمار قبل الذكر لفظًا ومرتبة؛ لأنّك إذا قلت: ظُنَّ قائمٌ زيدًا ففي قائم ضمير يعود على زيد, وزيد متأخر الرتبة؛ لأنّه غير مقام, وقائم متقدم الرُّتبة, لأنه في موضع الفاعل, ورتبة الفاعل التقدّم على المفعول فكذلك نائبه, فلا يصح أن يكون في الفاعل ولا نائبه ضمير يعود على المفعول إلا على حدّ قوله:
جزر ربٌّه عَنِّي عَدِيَّ ين حاتم
وهو نادرٌ فيؤدي ذلك إلى ألّا تصح إقامته.
والثاني: أنّه إذا كان مشتقًّا فحقه ألّأ يباشر العامل إلّأ على حذف الموصوف, وإقامة الصفة مُقَامَه, وذلك إذا كانت الصفة خاصة كما سيأتي,
مع أنه قليل, ووقوع المفعول الثاني صفة خاصة قليل.
وإذا لم تكن خاصة- وهو الكثير- لم يصح إقامتها مُقام الموصوف, فلا تصحُّ إقامتها مُقام الفاعل.
فهذه أوجه إذا اجتمعت في إقامة الثاني من باب ظنَّ, وهي جارية في الثالث من باب رأى, فصارت المسائل البريّة عن هذه القوادح نادرة الوقوع, ومتكلّفة في التمثيل, فعند ذلك قال الأكثرون بمنع إقامة الثاني مطلقًا.
وهذا هو الفرق بين منعهم هنا مطلقًا, ومنعهم مع اللبس في باب كسا؛ لأنّ مسائل المنع هنالك قليلة على عكس الأمر هنا, فكيف يقول: إنّ المانع هو اللّبس خاصة؟.
وقد يقال: إنّ المفعول إذا كان جملة أو ظرفًا أو مجرورًا فلا اعتراض به لأمرين: أحدهما: التزام أن يُقام مقام الفاعل ولا محذور في هذا/ فقد قال به جماعة منهم السيرافي, وابن النحاس, وزعموا أنّك تقول في: عرفت أيّهم في الدار: عُرِفَ أيّهم في الدار.
وقال ابن الضائع: الصحيح عندي جواز: قد عُلِمَ أزيدٌ في الدار أم عمرو؟؛ لأنّ كلّ فعل يتعدّى المفعول فلا مانع أن يُرَدَّ ويبنى للمفعول, قال: وكذلك: قد قِيل زيدٌ منطلق, وهو موجود في كلام العرب كثيرًا, وفي القرآن.
قال: ويُقَوِّي ذلك أنّه يجوز في المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله ما لا يجوز في الفاعل, ألا ترى قولهم: مُرَّ بزيد, فزيد في موضع رفع, ولا
يجوز في الفاعل إلّا حيث يكون الحرف زائدًا, وليس هنا بزائد, وإذا ثبت هذا لم يكن في القول بإقامة الجملة مُقام الفاعل خرقٌ لإجماعٍ, ولا مخالفة دليل.
والثاني: أنّا إذا لم نقل بجواز ذلك فهو مستثنى عن هذا الوضع.
فقوله: ((ينوب مفعول به عن فاعل- فيما له)) يعني من الأحكام, ومن جملتها ألّا يكون جملة, ولا ما أشبهها.
وإذا استثناه بقيَ الباقي على الحكم المذكور.
وأمّا الوجه الثاني: فإذا كان المفعول الثاني نكرةً فلا محذور؛ لأنّ الإخبار هنا عن النكرة عارضٌ, وفي بنية عارضة, والمقصود الإخبار عن المعرفة.
وإن كان على القلب فهو جائزٌ, وإن كان قليلًا, فذلك ليس بمانع جملة, أو نقول: إذا فُرِض الإخبار هنا بالمعرفة عن النكرة فإن أفاد ذلك جاز, وإلّا لم يجز, فالمسألة راجعة إلى باب الابتداء بالنكرة, وقد مَرَّ.
وأمّا لزوم الإضمار قبل الذكر, فله جوابان: أحدهما: أنّ ذلك عارض, والأصل تأخيره في بنية الفاعل, فلا محذور في تقديمه, بل هو في الحقيقة مثل قولك: ظُنَّ قائمًا زيدٌ, وضرب اباه زيدٌ.
والثاني: إذا سلّمنا ذلك, فيلزم فيه تأخير المُقام, فتقول: ظُنَّ خالدًا قائمٌ كما يلزم تأخير العمدة في قولك: ضرب زيدًا أبوه.
وقد نبّه على هذا المعنى بعض المتأخرين.
وأمّا ولاية المشتق العامل فيجوز في مثل هذا لاسيّما على طريقة القلب كما يجوز: كان قائمٌ زيدًا على القلب, وإن كان ضعيفًا بل هو هنا أجوز, لأنه في بنية عارضة بخلاف باب كان فإنّ الإخبار به عن النكرة في بنية أصلية.
فهذا مما يرجّح الجواز, ولا يكون على حذف الموصوف كما لا يكون كذلك في باب كان.
وأمّا حمل الأقل على الأكثر في المنع فإذا سلمنا أم مسائل أمن اللبس قليلة- وليست كذلك-
فالأصل أن تُعطى كلّ مسألة حكم نفسها, ولا يُحْمَلُ ما ليس فيه موجبُ المنع على ما فيه الموجب في مسألتنا, بل يمنع ما فيه الموجب, ويجاز غيره.
فإن قلت: فهذا خلافُ القاعدة المعلومة عند أهل العربية, فإنّهم يحملون ما ليس فيه موجبٌ على ما فيه الموجب؛ بيجري الباب مجرى واحدًا, كمسألة: تَعِدُ وأعِدُ, ونَعِدث في حملها في الإعلال على يَعِدُ, وحملهم هما وهنّ وسواهما على هو و (نا) في البناء الذي موجبه شبه الحرف اللفظي, وحملهم حذامِ, وفجارِ على حذارِ عند جماعة, على مسائل لا تنحصر.
فالجواب: أنّهم إنّما قالوا ذلك حين ألجأهم السماع إليه؛ ولذلك لا تجد مسائلهم التي يحتجّون بها على القاعدة إلّا على مقتضى ما استقرأوا من كلامهم لا على أمرٍ مقيس عُدِم فيه السماع.
فالقاعدة مبنيّة على التفسير بعد السماع/ كما قال سيبويه: ((قف حيث وقفوا ثمّ فسّر)).
وإن رأيت أحدذأ منهم يُعْملُها في موضع فذلك اتبّاع للسماع عنده لا إجراء لمجرد القياس.
فابن مالك لم يثبت عنده امتناع العرب من نحو: ظُنَّ سمينٌ كبْشَك, بإطلاق, فأجازه؛ لأنّ القياس يقبله فقال بجوازه, وممن قال بقول الناظم السيرافي في اللإقناع, وابن الأنباري, وابن طلحة, وجماعة من المتأخرين.
وأمّا في باب أعلمت فقال بالجواز الجزولي, والشلويين في التوطئة, وتلميذه ابن الحاج في الرد على المقرّب ما لم يئد ذلك كلّه إلى اللّبس.
وفاته التنبيه على حكم الثالث في باب أرى وقد حكى ابنُه في شرح النظم الاتفاق على المنع من إقامته وأنّ الخلاف إنّما هو في الثاني, وما حكاه من الاتفاق ليس على إطلاقه؛ إذ قد ذكر بعض المتأخرين جواز إقامة الثالث لكن مع حذف الأول, وأجرى فيه الخلاف المذكور في الثاني, وأيضًا فقد أطلق أبوه في التسهيل الجواز أيضًا, فقال: ((ولا يمتنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقًا)) إلى آخره.
وألزم ابن الحاج من قال بإقامة الثاني في: ظننت, أن يقول به في أعلمت؛ إذ لا فرق بينهما إلّا من جهة ما يعرض من اللّبس مع الأول.
وهو إلزامٌ صحيح؛ إذ لا فرق بينهما؛ فالثاني في ظننت هو الثالث في أعلمت, فالقائل بالجواز في ظننت في الثاين قائلٌ به- ولا بد- في أعلمت, فإنّ القائل بحكم في مسألة قائلٌ به في نظيرتها, إذا لم يظهر فرْق حسب ما تبيّن في أصول الفقه.
ولو كان ما نَقَلَ من الاتفاق صحيحًا لم يسغ لأبيه, ولا لغيره القولُ بخلافه مع معرفتهم بمذاهب الناس وفاقًا وخلافًا.
وإنّما لم يذكر الناظم حكم الثالث لأحد أمرين: إمّا لأنّه داخل له بالمعنى في حكم الثاني كما تقدم, وإمّا لأن المسألة محلُ نظر, ألا ترى أنّ بعض من أجاز إقامة الثاني في ظننتُ منع إقامة الثالث في: أعلمت, فترك للناظر في كتابه محلًا للنظر.
والله أعلم.
وما سوى النائبِ ممّا عُلّقا... بالرافع النصبُ له محقّقًّا
يعني أنّ ما عدا النائب من هذه المفعولان فهو منصوبٌ, كما كان منصوبًأ في بنية الفاعل, فلا يجوز رفعه؛ لأنّ الفعل لا يطلب مرفوعين إلا بالتبعيّة, فإذا لا
يرفع إلّا واحدًا فيبقى ما سواه منصوبًا, فتقول: أُعطِيَ زيدٌ درهمًا, وعُلِمَ أخوكَ منطلقًا, وأُعْلِمَ أخوك زيدًا قائمًا.
وهذا ظاهر.
وقوله: ((مما علّق بالرافع)) و ((ما)) فيه لغير النائب, و ((علّق بالرافع)) معناه: ألْزِمه, والرافع هو الفعل, ويقال: عَلِقْتُ بفلان وعُلّقتُه: أي أحببته, وعَلِق بقلبي أي لصِق به ولزمه, واراد بالتعليق العمل, فالمعلّق بالرافع هو معموله, فأراد أنّ ما عدا النائب من معمولات الفعل يلزم نصبه تحقيقًا/.
والمعمولات هنا كلُّ ما عمل فيه الفعل مما تصحُّ نيابته عن الفاعل كان مفعولًا به, أو مصدرًا, او ظرفًا أو غيره, إلّا أن النصب تارةً يكون في اللفظ كالأمثلة المتقدّمة, وتارة يكون في الموضع كالمجرور, وضمير المفعول, والمصدر, والظرف, وغيرها, وفي قوله: ((علّق بالرافع)) نصٌّ على أنّ فعل المفعول هو الناصب, أو هو ظاهر فيه, فإنّ الرافع هو فعل المفعول.
وقد جعل ما عدا المُقام معلّقًا به أي معمولًا له, أو معلّقًا به معنى, فالفعل طالب له فهو العامل فيه؛ لأنّ اصل العمل الطلب.
وهذا أحد المذهبين, وهو رأي المحققين, ويُنسَبُ إلى سيبويه.
وقيل: إنّ الناصب له فعل الفاعل المحوّل إلى بنية المفعول.
فالأصل نصب هذه الأشياء بفعل الفاعل, فلمّا حوِّل إلى بنية المفعول رفع واحدًا منها, وبقي ما عداه على نصبه الأول, والأول عندهم أصح؛ لأنه رفع المرفوع باتفاق فليكن هو الناصب, لأنّه الحاضر في اليد, وأصلُ العمل الطلَبُ, وهذا الحاضر هو الطالب, فهو الناصب إذًا, ولا فرق بين فعل المفعول وفعل الفاعل في ذلك.
والخلاف في هذا لا ينبني عليه في العربية حكم إلّا حُسْنُ ترتيب الحكمة في الصناعة, وربطُ الاصطلاح, ولا شك أنّ ما ذهب إليه الناظم أقَلُّ تكلُّفًا.
والله أعلم.