شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 550-589

أتى في بـ"ما" المفيدةِ للعموم، فاقتضى بظاهره أن كلَّ ما حذفت منه اللام سواء أكان ثلاثياً أم رباعياً أم على أكثر من ذلك تُردُّ إليه على ذل التفصيل، فسأل السائل عن المنقوص هل يدخل له هنا أم لا؟ فإن دخل له هنا كان فاسداً؛ إذ ليس حكمه ما قُدِّم في الثلاثيِّ، بل هو على حكمٍ آخر، وإن لم يدخل له كان الكلام صحيحاً، لكن يبقى الدليل على عدم دخوله.
والجواب: أن المنقوص قد تقدم له حكمه، وتفصيل القول فيه، وإذا كان قد تقدم ولم يمكن أن يقال: إنه يريده هنا وإن كان ظاهر هذا الكلام العموم، فكلامه يخصص كلامَه فلم يُرِدْ هنا إلا ما عداه، وما عداه هو الثلاثيّ المحذوف اللام استقراء؛ إذ ليس ثمَّ غيره في مستعمل كلام العرب، فتعين هذا الموضع له.
وإذا ثبت هذا بقي النظر في كلام الناظم من أوجه خمسة: أحدها: أنه ذكر ما يُرَدُّ غليه المحذوف في التثنية وأخويها مطلقاً، وما لا يرد مطلقاً، وبين حكمها، وترك حكم ما فيه في الرد وجهان شهيران، أو لغتان مستعملتان تساوتا أو لم تتساويا، والناس قد تكلموا في هذا، وهو من ضرورات المسألة، والخطب في هذا قريب؛ إذ حكمه خارج من القسمين؛ لأن ما فيه لغتان ينظر في كل منها، فتلحق بأحد القسمين، فمَن لغته أن يردَّ / في التثنية أو جمعَي التصحيح، فلا بد أن يَرُدَّ في النسب حتماً، ومَن لغته عدم الرد، فحكمه في النسب جواز الوجهين، ومثال ذلك: هنوك، فيه للعرب

لغتان قد تقدمتا في باب المعرب والمبني، وأن منهم من يقول: هنوك كأخوك، وهؤلاء يقولون في التثنية: هنوان، وفي الجمع بالألف والتاء: هنوات، أنشد سيبويه: أرى ابنَ نِزارٍ قد جفاني وملني على هَنَواتٍ كلُّها متتابِعُ فهؤلاء يقولون في النسب: هَنَويٌّ لا غير، ومن العرب مَن يقول: هَنكَ كيدَكَ، وهؤلاء يقولون في التثنية: هنان، وفي الجمع أيضاً: هنات، كقوله عليه السلام: "أسمعنا من هَناتك"، فهؤلاء بالخيار، فتارة يقولون: هنيٌّ، وتارة يقولون: هنويٌّ، وهكذا سائر ما جاء مما فيه لغتان في الرد في التثنية والجمع وعدم الرد، فاحمل كل لغة على قسمها كأنها منفردة بنفسها، وعلى هذا الترتيب لا يحتاج الناظم إلى التنبيه على قسمٍ ثالث؛ لاكتفائه بما تقدَّم له عنها.
والوجه الثاني من أوجه النظر: أنه أحال في المسألة على التثنية وجمعَي التصحيح، أما إحالته على التثنية والجمع بالألف والتاء فصحيح مقيَّد، وأما إحالته على الجمع بالواو والنون فلا فائدة له فيما يظهر؛ لأن ما حذفت لامه لم يستعمل في كلام العرب علماً، وإنما وجد في النكرات كيدٍ ودمٍ، وما كان نحو ذلك، وأيضاً فإنما

وُجد في الجوامد لا في الصفات، فإذاً لا سبيل إلى جمعه بالواو والنون لفقد شروطه، وأيضاً فإذا فرضنا وجود الشروط أو استعمال بعضها استعمال الصفات كأخٍ وحمٍ وهنٍ ونحوها مما اعتبر فيه الأصل من الصفة، فجمع بالواو والنون لم يكن فيه دلالة؛ إذ لا يظهر فيه ما يرد مما لا يرد.
ألا ترى أن المنقوص المتقدم الذكر يظهر المحذوف منه في التثنية والجمع بالتاء إذا رُدَّ، فيقول: شَجِيان وشَجِيات، وقاضيان وقاضيات، ولا يظهر في الجمع إذا قلتَ: شجون وقاضون وشجين وقاضين بسبب الإعلال، فلا يعلم فيه هل رجعت اللام أم لا، وإنما يستدل على رجوعها ثم حذفها للإعلال برجوعها في غيره، فكذلك أيضاً في مثل هذا، حتَّى إنَّا لو سمينا بيدٍ أو دمٍ أو غدٍ قلتَ: يَدون ويَدِين، ودَمُون ودَمِين /، وغَدُون وغَدِين، هذا فيما لم يُردَّ فيه في التثنية، وكذلك ما رُدَّ فيه التثنية نحو: أخ وأب ونحوهما، إذا استعملتها العرب، فإنك تقول: أبون وأبين، كما قال الكميت: فلمَّا تعرَّفْنَ أصواتَنَا بَكَيْنَ وفدَّيْنَنَا بالأبينَا فلا يظهر فيه رد المحذوف مع أنك تقول في التثنية: أبوان بلا بد،

وكذلك الأخ نحو ما أنشده الفراء من قول الشاعر: فقلنا: أسْلِموا إنَّا أخوكم وقد برئتْ من الإحَنِ الصُّدُورُ وما كان نحو ذلك فلا فرقَ في الظاهر بين ما يُردُّ فيه المحذوف وما لا يُردُّ فيه.
فالحاصل أن الجمع بالواو والنون لم يظهر له فائدة، وغير الناظم من النحويين لم يحكِ في هذا الردَّ إلا على التثنية والجمع بالتاء وترك الجمع بالواو والنون غير ملتفت إليه في هذا الغرض.
وقد تقدم نص سيبويه في هذا، وقوله اعلم أن كل اسم على حرفين ذهبت لامه، ولم تردَّ في التثنية إلى الأصل ولا الجمع بالتاء وأن أصله "فَعْل أو فَعِل أوفَعُل" فإنك في الخيار، فلم يعرِّج على الجمع بالواو والنون، ونِعِمَّا فعَلَ، وكذلك فَعَل المؤلف في "التسهيل" اتباعاً لغيره، وإنما وقع له هذا النوع في هذا الكتاب فكان الواجب أن يحقق عبارته، ويسقط عنها هذا الجمع، فيقول مثلاً: "في الجمع بالتاء ولا في التثنيهْ" فيكون قد أتى من ذلك على المحتاج إليه، كما فَعَل غيره، ولا أجد الآن جواباً عن هذا السؤال.

والوجه الثالث: أن كلامه يشمل - كما تقدم - كلَّ محذوفٍ فيشمل ما حذف منه، وعوض من المحذوف ألف الوصل، نحو ابن وابنم واسم واست، ونحو ذلك، ولما كانت هذه الأسماء لا يرد إليها المحذوف في التثنية كان لها فيها وجهان، إذ كنتَ تقول: ابنان وابنمان واسمان واستان، وأنت إذا قلتَ في النسب: ابْنِيٌّ أو اسْمِيٌّ فليس لك إلا ذلك ما دامت ألف الوصل ثابتة، فلا تقول: ابْنَوِيٌّ أو اسْمويٌّ، ولا نحو ذلك، لكم إذا أزيلت ألف الوصل ردت اللام، فقلت: سَمَوِيّ وبَنَوِيّ وهذه حالة أخرى غير تلك، والتثنية إنما تقع عليها ألفات الوصل ثابتة فيها، فالتخيير إذاً لا يقع عليها إلا وألفات الوصل ثابتة فيها على مقتضى كلامه.
وهذا مخالف لِمَا تقرَّرَ من أنها مع ألفات الوصل على وجه واحد، وهو عدم الرد، فهذا من كلامه مشكلٌ.
والجواب عن هذا: أن ألف الوصل / قد ثبت بالدليل أنها عوض من اللام، فلا تجمع معها، لما يلزم من اجتماع العوض والمعوض منه، وهما جاريان مجرى الضدين على المحل الواحد، وإذا كان كذلك فما دامت ألف الوصل، فإنما تنسب إليها دون رد اللام، فإذا أردت ردَّ اللام اضطررت إلى حذف ألف الوصل لأجل المعاقبة، فقلت: بَنَوِيّ وسَمَوِيّ وما أشبه ذلك، وليس لك إلا ذلك، فالوجهان معاً جاريان على مقتضى كلام الناظم لكن عرض في هذه الأسماء التعويض، فلا بد من اعتباره من خارج، وإن لم ينبه عليه.

والوجه الرابع: أن هذه المسألة لم يبين فيها إذا رُدَّتِ اللام ما حكم العين، ولا شك أن العين في المحذوف اللام تارة تكون ساكنة قام الدليل على ذلك فيها كيَدٍ، أصله: يَدْيٌ بالسكون استدلَّ على ذلك سيبويه بقولهم أَيْدٍ في الجمع، وأيدٍ يكون في القياس جمعاً لـ (فَعْل) أو (فُعْل)، وغدٌ أيضاً غَدْوٌ بدليل قول بعض العرب آتيك غَدواً، وأنشد سيبويه للبيد: وما الناس إلا كالديار وأهلُها بها يوم حلُّوها وغَدْواً بلاقعُ ودمٌ أصله دَمْيٌ؛ لأن الأصل في الدعوى السكون، ولا يُدَّعى التحريك إلا بدليل، ولا دليلَ، وقولهم: "يَدَيَان بَيْضَاوَان...... " و: "جرى الدَّمَيَان بالخبر اليقين" ضرورة.
وتارة تكون متحركة، قام الدليل أيضاً على ذلك كأخ أصله: أخَوٌ بدليل الجمع على آخاء؛ إذ (أفعال) لا يكون في القياس لـ (فَعْل) صحيح العين، وإنما يكون جمعاً لـ (فَعَل)، وكذلك أبٌ وحمٌ لقولهم: آباءٌ وأحماءٌ، وابن لقولهم: أبناء، وما كان نحو ذلك، فأمَّا ما كان متحرك العين فلا إشكال فيه، وأما ما كان

ساكن العين فهو في موضع الإشكال، إذ مذهب سيبويه أن يحرك النسب فيقول: دَمَويٌّ ويَدَويٌّ وغَدَويٌّ، وإن كان أصلها السكون، ودليله القياسُ والسماعُ.
أما القياسُ فإن العين لما تحرَّكت بحركة الإعراب وأَنِسَت بذلك التحريك بَقَّوا عليه حكمَ التحريك، فحركوها؛ لأنهم أرادوا تقويتها، فلو حذفوا الحركة لكان كالمناقض لقصدهم، وهذا أولى من أن يجعل غَدَويّ ويَدَويّ شاذاً مع أنه لم يأت من كلامهم ما يناقضه.
وأما السماع فإن العرب قالت: غَدَويٌّ في غَدٍ، وزعم سيبويه أن يَدَويٌّ ودَمَويٌّ عربيٌّ كله، يعني: أن العرب تقوله، ومذهب / الأخفش أن الرد إلى الإسكان، فيقول: يَدْيِيٌّ وغَدْوِيٌّ، وهو عنده القياس، وكذلك يقول في دم: دمْيِيٌّ، وكذلك ما أشبهه، ومذهب المبرد كمذهب الأخفش إلا أن دماً عنده (فَعَلٌ)، فيوافق سيبويه فيه، والذي رجح الناسُ مذهبُ سيبويه، قال السيرافي: وقول سيبويه أولى؛ لأن الشين في "شِيَة" متحركة، ولم يُحتج إلى تغيير البناء [كما لك يُحتج في عِدَة]، إنما احتجنا إلى زيادة حرف، فيترك الباقي على حاله، يعني أن البناء قبل النسب اقتضى تحريكَ العين، ولم

يحتج فيه من التغيير إلا إلى رد حرف لا إلى تغيير البنية عما كانت عليه، وذلك يقتضي بقاء العين على تحريكها، وترك ردها إلى أصلها كما يقول الأخفش؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، فإذا كان الأمر في العين على ما ذكر، فكان الواجب عليه أن يُبَيَّنَ الحكم فيها على مذهبه إن كان له فيها مذهب، وهو الظاهر إذ بين بعد هذا في شِيَة أنك تحرك الشين بالفتح، وهذا مذهب سيبويه، والخلاف في الموضعين واحد، وهذا السؤال متجه، إلا أنا نقول في الجواب عنه: إن مذهبه فيها ندَّعي أنه مذهب سيبويه، مثل المسألة الثانية في شِيَة، وذلك أنَّ تَرْكَ التنبيه على التحريك أو خلافه مشعر بهذا القصد؛ إذ العين قبل رد اللام متحركة بحركة الإعراب، فقد ثبت لها في الاستعمال التحرك، وحين حرف برد اللام، ولم ينبه على الرجوع إلى الأصل دل على تركه على ما هو عليه، وإلحاق اللام ثم الياء، وهذه عادته، كما تقدم ذكره: أنه إذا لم ينبه على شيءٍ في الاسم المنسوب دل ذلك على أنه عنده على ما كان عليه قبل النسب، فكذلك ههنا، ولا يبقى في الموضع إلا تعيين الحركة، وذلك قريبٌ؛ لأن الكسرة لا تتوهم، والضمة بعيدة في الموضع، فلم يبق إلا الفتح.
فإن قيل: لو كان هذا مقصوداً للناظم لفعل مثله في شِيَة، فكان يسكت عن حكم تحريك الشين بالفتح لكنه لم يفعل ذلك، بل قال:

فَجَبرُهُ، وفتحُ عينه التُزِمْ فدل هذا على إغفاله التحريك بالفتح في مسألتنا.
فالجواب: أن كلامه في شِيَة بخلاف مسألتنا، ومسألتنا قد تبين فيها استقرار التحريك من / كلامه.
وأما شِيَة فلو سكت عن التنبيه عليه لكان يُستَقْرَأُ له منه مذهب الأخفش، وهو لم يذهب مذهبه، وبيان ذلك أن شِيَة أصلها وِشْيَة، لكان لما حُذفت الفاء نقلت حركتها إلى العين، فإذا أرادوا الرد فلا بد من رد الحركة إلى موضعها، هو الفاء إذ لا تحرك بغير حركتها، وإذا رُدَّتْ حركتها بقيت العين على سكونها الأول، هذا الذي كان يُفهم له لو لم ينبه على تحريكها بخلاف المسألة الأولى.
فإن اللام إذا أُتيَ بها ثبت لها تحريكها بحركة الإعراب بعد ما ثبت لما قبلها التحريك أيضاً إذ حلَّ محلَّ اللام، فيبقى على حاله، فلما تفاوت الموضعان في فهم المراد نبَّه على ما يحتاج إلى التنبيه فيه، وترك التنبيه إلى ما استغني فيه عن التنبيه، فتأمله.
والوجه الخامس من أوجه النظر بناء على صحة ارتضائه مذهب سيبويه أنهم استغنوا من ذلك المضاعف فلم يحركوه، كما إذا سمَّيت بـ"رُبَ" المخففة، ثم نسبت، فإن شئت لم ترد المحذوف، وإن شئت رددت الباء، وإذ ذاك لا بد من الإدغام، فتقول: رُبِّيٌّ، وعلّل سيبويه ذلك بكراهية التضعيف، ونظره بمسألة شديدي حيث لم يحذف الياء كراهية التضعيف، واستدلّ على صحة دعواه بقول

العرب في قُرَة، وهم قومٌ من عبد القيس: قُرِّيٌّ، ولم يقولوا: قُرَرِيٌّ، وأصله قُرَّة، فخفف، فالناظم لم يستثن هذا، فأوهم جريان حكم التحريك فيه، وهو غير صواب.
والجواب أن التحريك ثابت قياساً لكن عرض فيه فكُّ المضاعف، وهو ثقيلٌ، فخفف بالإدغام، فالإدغام ثانٍ عن التحريك بلا بُدٍّ، ألا ترى إلى قول سيبويه في التعليل، وإنما أسكنت كراهية التضعيف، فجعل الإسكان ثانياً عن ثبوت التضعيف، فإذا كان التحريك فيه ثابتاً قياساً لم يلزم الناظم أن يأتي بحكم الإدغام هنا؛ لأنه يذكره في بابه، ولما كان أختٌ وبنتٌ من المحذوف اللام قد عرض فيها أمر آخر خلاف ما ثبت في بابهما، وخرج حكمهما عن الحصول تحت القاعدة [المذكورة] خصَّهما بالذكر، فقال: وبأخٍ أختاً وبِابْنٍ بِنتاً أَلْحِقْ ويُونُسُ أَبَى حَذْفَ التَّا يعني: إذا نسبتَ إلى / أختٍ وبنتٍ جعلتَ أُخْتاً كأخ، وبنتاً كبنت، ونسبتَ إليهما كما تنسب إلى أخ وابن، فتقول في أخت: أَخَويٌّ؛ لأن ذلك حكم أخ، وفي بنت: بنَويٌّ؛ لأن ذلك حكم ابن، وهذا مذهب سيبويه والخليل، وذلك أن التاء في أخت وبنت عوض من لام الكلمة، وأصلها أن تكون للتأنيث، لكنهم بنوا الكلمة عليها

وألحقوا أختاً بقُفْل وبنتاً بعِدْل، فإذا نسبتَ إليهما فلا بدّ من حذف التاء لشبهها بتاء التأنيث، ووجه الشبه اختصاصها بالمؤنث وحذفها في الجمع بالألف والتاء اعتباراً بأصلها؛ إذ قالوا: أخوات وبنات، ولم يقولوا: أختات ولا بنتات، فلو لم يعتبروا أصلها لتركوا التاء على حالها في الجمع، فإذا حذفوا التاء ردوا اللام من حيث كانت عوضاً، ولأنهم قالوا في أخت: أخوات، فردّوا في الجمع بالتاء، ولم يقولوا في بنت إلا بنات، وفي التثنية: بنتان فلم يردوا شيئاً، كما أنهم لم يردوا في ابن في التثنية، بل قالوا: ابنان، فوجه الرد أنهم لما حذفوا العوض وهو التاء في بنت، لزم رجوع المعوض عنه، كما أنهم لما حذفوا همزة الوصل في ابن لزم رجوع المحذوف كما تقدم.
هذا وجه ما قال، وأيضاً فإن النسب قد ثبت له جواز رد اللام المحذوفة فلا بد من جواز أَخَوِيّ وبَنَوِيّ كما جوزوا في النسب إلى ابْنُم بنويٌّ، لكن يبقى النظر في جواز أُخْتِيّ وبِنْتِيّ، ولا شك أن هذه التاء شبيهة بتاء التأنيث؛ إذ لم تزد قط إلا في مؤنث كأُخت وبِنت وهِنت وهنتان وكلتا وكيتَ وذيتَ في كيَّة وذيَّة، ولا بد إذن من حذف التاء كذلك، ولِمَا ثبت من حمل النسب على التثنية والجمع.
وذهب يونس إلى تركهما على حالهما، والنسب إليهما كذلك فتقول: أُخْتِيٌّ وبِنْتِيٌّ، وهو قول الناظم: "ويونسُ أبَى حذفَ التا"

أي: أن التاء عنده ثابتة بلا بدّ، وقد احتجَّ له بأشياء، منها: أن هذه التاء ليست للتأنيث بدليل سكون ما قبلها، وتاء التأنيث لا يسكن ما قبلها، وأيضاً قد جعلها سيبويه كتاء سنبتة وتاء عِفريت، وذلك يدل على بناء الكلمة عليها، وتاء التأنيث لا تُبنى عليها الكلمة، وأيضاً قد اتفقوا على صرف أخت وبنت إذا سَمَّوا بهما رجلاً، ولو كانت للتأنيث لم يصرف كما لو سمَّى / رجلاً بطلحة.
وبهذين الأخيرين استدل الفارسي في "التذكرة" لصحة قول يونس، وأيضاً فإن ابن الضائع ذكر أن ليونس أن يقول في أخوات وبنات الذي احتج به سيبويه: ليسا بجمع أخت وبنت.
ألا ترى أنه ليس قياسُ المؤنَّثِ الذي ليس فيه علامة التأنيث أن يجمع بالألف والتاء، فلا يقال في قِدْر: قِدرات، ولا في قدَم: قَدَمَات إلا شذوذاً، قال: فالأولى أن يقال في أخوات وبنات: إنه جمع لمؤنث لم ينطق به، ويتعين ذلك في أخوات، كأنه جمع أخةٍ مؤنث أخ، وأما بنات فلا ضرورة تدعو لذلك؛ لأنه جمع ابنة، كما هو جمع ابن.
قال: وهذا ظاهر في توجيه قول يونس، وقد أجيب عن هذه الحجاج انتصاراً لمذهب سيبويه الذي اختاره الناظم.

أما كون التاء سكن ما قبله وما بعده، فلا شك أن التاء هنا لها شبهان: شبهٌ بتاء التأنيث، وهو ما تقدَّم.
وشبه بما هو من نفس الكلمة.
قال ابن خروفٍ: هذه التاء عوملت معاملةَ تاءِ التأنيث من حيث كانت زيادة في الاسم لا تدخل عليها علامة أخرى في الإفراد، ولا تصحب هذه في الجمع [شبهت بها]، قال: ومن حيث سكن ما قبلها، ولم تبدل منها الهاء في الوقف فارقتها، فجعلت عوضاً كهمزة الوصل وغيرها، وحذفوها في الجمع لما صارت عوضاً، فلزم ردُّ الأصل فقالوا: أخواتٌ على القياس، قال: والتغيير في بنات قياسٌ، وترك الرد غير قياسٍ.
وأما اتفاقهم على صرفها اسمَ رجل فلأنَّ شبه هذه التاء لتاء التأنيث شبهٌ معنويٌّ لا لفظيٌّ، ولأنها لما لزمت المؤنَّث صارت كأنها دالة على التأنيث، وعلى هذا لا بدَّ من الصرف؛ لأن المراعى في باب ما لا ينصرف الشبه اللفظي، ولأنه لما سُمِّيَ بها رجلٌ صار ذلك التأنيث لا حكم له.
وأما كون أخوات وبنات ليسا بجمع لأخت وبنت فلا ينبغي أن نقول بذلك، فإن العرب تقول في تثنية أخت: أختان، وفي الجمع: أخوات، فليس لنا أن نقول إلا أنَّه جمعه، كما أنه ليس لنا أن نقول في عُرُسات إلا أنه جمع عُرس حقيقة، فلا نقول: إنه جمع لمقدر هو

عرسةً مثلاً، ويزيله عن الشذوذ أن هذه التاء شبيهة بتاء التأنيث، فعوملت معاملتها، وهو أولى من دعوى شذوذين: أحدهما: أن أختاً لم يجمع؛ / فإنه شذوذ، والآخر: أن أخوات جمع لشيء لم ينطق به، وهو شذوذ أيضاً، وكذلك نقول في بنات: إنه جمع ابنة، واستغني به عن جمع بنت، أو هو جمع لهما، وهو الأولى.
هذا معنى ما أجاب به ابن الضائع، والكلام في المسألة أوسع من هذا، وإنما ذكرت منه جملة يتبين منه رجحان ما اختاره الناظم.
ويونس الذي ذكر هو يونس ابن حَبيبَ الضَّبِّيُّ مولىً لهم، يكنى أبا عبد الرحمن، وكان من أهل جبا، أخذ النحو عن أبي عمرو بن العلاء البصري، وعن حمَّاد بن سلمة، وحكى ابن عائشة أن يونس قال: أول مَن تعلمت منه النحو حمَّاد بن سلمة، وكان النحو أغلبَ عليه، وكان كثير البذل له، قال أبو زيد النحوي: ما رأيت أبذلَ للعلم من يونس، وقيل: لم يكن عند يونس علم إلا ما رآه بعينه كأنه يعني به الميل للتحقيق في المسائل، وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة، أو ثلاث وثمانين ومائة، الشكُّ مني، وكان حين مات ابن ثمانٍ وثمانين سنة، ويقال: إنه جاوز المائة، ويقال: قاربها ولم يتجاوزها، وهو من ثقات العلماء المعتمد عليهم في اللسان العربي.

وقد دل أيضاً كلام الناظم على عدم ارتضاء مذهب أبي الحسن في النسب إلى أخت، وذلك أنه يجيز بقاء الهمزة على ضمها، فيقول: أُخَويٌّ ليدل على أنه منسوب إلى أخت، لا إلى أخ رفعاً للالتباس، ورده الفارسي بأن "أخت" عرض له الضم لأجل التاء، فإذا زالت التاء رجع إلى أصله في الجمع والنسب، وألزمه ابن خروف أن يقول في الجمع: أخواتٌ؛ لأنه بناءٌ يسلم فيه الواحد.
ولما غيروا في الجمع غيروا في النسب، قال: وهذا الذي ذكر من اختراع اللغة لا سبيل إليه، ثم قال: وضاعِفِ الثانيَ من ثُنائِي ثانيه ذو لَيْنٍ كَلاَ ولائِي اعلم أن الثنائي من الأسماء المتمكنة على قسمين: أحدهما: ما كان الحرف الثاني منه وهو (العين) حرفاً صحيحاً نحو: يدٍ ودمٍ وأخٍ وأبٍ، وهو الذي تقدم ذكره؛ إذ لا بد أن يكون محذوف الثالث إذا كان متمكناً، كسائر الثنائيَّات من الأسماء المتمكنة.
والثاني: ما كان الحرف الثاني منه حرف علة، وهذا على قسمين: أحدهما: ما كانت لامه معلومة الأصل نحو: (ذي) بمعنى صاحب، و (في) بمعنى الفم، وشاة، وما أشبه ذلك، وهذا لا يوجد

في كلام العرب مستقلاً / إلا بتاء التأنيث نحو: شاة، أو لازماً للإضافة كفي زيدٍ، وذي مال، ولا يوجد على غير ذلك.
والثاني: ما ليس له أصل معلومٌ ولا لام معيَّنة، وهذا إنما يوجد في الأسماء غير المتمكنة والحروف إذا سُمِّيَ بها، وأما في المعربات فلا، على أن سيبويه جعل من المجهول الأصل (لات) من قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعُزَّى﴾ فحكم لها بحكم غير المتمكن، قال السيرافي: لما لم يُدْرَ ما الذاهب منه فُعِلَ به ما يُفعل بما لا يُدْرَى أصله، وإذا ثبت هذا فظاهر الناظم أنه إنما تكلَّم على هذا القسم الآخر، فهو الذي يثبت فيه ما ذكر، وأما ما قبله وهو المعلوم الأصل، فليس حكمه إلا أن يرد إلى أصله، كان حرف لين أو غيره، فليس بداخل تحت قوله: "وضاعف الثانيَ من ثنائي"؛ لأنَّ "شاة" مثلاً إنما تقول فيه: شاهيٌّ على رأي سيبويه، وشَوَهيٌّ على رأي الأخفش، فكذلك سائر الأمثلة، فأين التضعيف في مثل هذا؟ فهو غير داخل له هنا أصلاً، وليس بداخل في قوله: "واجبُرْ بردِّ اللام" إلى آخره؛

لأن النظر فيه مع التثنية والجمع بالتاء غير ملتزم كما كان ملتزماً في الصحيح العين، بل الحكم فيه أن يكمَّل مطلقاً رجعت اللام في التثنية والجمع بالتاء أو لم ترجع، لا بدَّ من ردِّ اللام ضرورةً بسببب أن الاسم لا ينسب إليه حتى يقدر مستقلاً بنفسه مختزَل التاء إن كان ذا تاء، ومقتطعاً من الإضافة إن كانت فيه، وإذا كان كذلك لم يمكن أن يبقى ما ثانيه حرف علة على حاله؛ إذ لا نظير له في كلام العرب كما تقدم، فلا بد إذن من الرد، ومن هنا تقول في "ذي مال": ذَوَوِيٌّ، وفي "شاه": شاهيٌّ أو شَوَهيٌّ، وأمَّا فو زيدٍ: فقد عوضت العربُ الميمَ في العلَمين، واللام في الإفراد فكفتنا العربُ مئونته، فالحاصل أنه لم يتكلم على هذا القسم رأساً، وهو مما نقضه من الضروريات، ومما يوهم كلامُهُ دخولَه تحته، وهو فاسدٌ، كما تقدم، ثم نرجع إلى كلامه، فقوله: "وضاعف الثاني من ثنائي" يعني: أنَّ الاسم الذي حرفين وثانيهما حرفُ لين، وهو الألف أو الياء أو الواو، إذا نسبتَ إليه فإنك تضاعفه أبداً، وحينئذ تلحقه ياء النسب، وإنما عبر اللين ولم يقل: ذو مدّ؛ لأنه أعم؛ إذ يدخل تحته ما كان من تلك الأحرف الثلاثة حركة ما قبله من جنسه نحو: "كي، ولو، وأو"، / وكذلك يدخل تحت عمومه ما إذا كان متحركاً نحو: (هو، وهي) فكل هذا إذا سُمِّيَ به ثم نسبتَ إليه تضاعف الثاني منه حتى يصير على ثلاثة أحرف، ومثل الناظم من ذلك مثالاً وهو قوله: "كلا ولائي"،

فـ"لا" إذا نسبتَ إليه ولا يكون ذلك إلا في التسمية تقول: لائيٌّ لأنك إذا سميتَ بـ (لا) قلتَ: (لاء) على وزن: شاء وماء، وشاكلته، فـ (لائيٌّ) في كلامه مثال للنسب إلى (لا) مسمًّى به، لكنه خفف ياء النسب كما يخفف ياء النسب كما يخفف المشدد في الوقف على الرَّويّ المشدد، نحو: أَصَحَوْتَ اليومَ أم شاقَتْكَ هِرّ وكذلك تقول في (ما، ويا، وها): (مائيٌّ ويائيٌّ وهائيٌّ)، وكذلك ما أشبهه وكذلك تقول في "لو": لوِّيٌّ، وفي "أو": أوِّيٌّ، وكذلك ما أشبهه، وإنما وجب التضعيف فرارً من بقاء اسم متمكنٍ على حرفين ثانيهما حرف لين، وذلك معدومٌ في كلامهم، وتعيَّن التضعيف دون ادِّعاء حرفٍ آخر؛ لأنَّ حرفاً غير مناسب للعين محتاجٌ إلى دليل، فلم يكونوا ليجعلوا الذَّاهب من "لو" غير الواو إلا بدليل، وأيضاً فقد فعلته العرب في كلامها، قال أبو زُبيد: ليتَ شعري وأينَ منِّيَ ليتُ إنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ فضاعف العين، فكذلك تقول فيما أشبهه.

ثم ننظر في هذا الكلام في ثلاث مسائل: إحداها: في الاسم إذا نُسب إليه، وكان ثانيه ياء فضوعفت، فإن الناظم إنما ذكر في مثله أنَّك تضاعف الثاني خاصة، ولم يبين هنا غير ذلك، وهذا يظهر فيما كان التضعيف فيه واوياً نحو: "لو وأو"، فإنك تقول: لَوِّيٌّ وأَوِّيٌّ، كما تقدم، كما إذا نسبتَ إلى "جوٍّ"، فإنك تقول: جَوِّيٌّ، وإلى "دَوٍّ" فإنك تقول: دَوِّيٌّ ودَويَّة منسوبة إلى الدَّوِّ، لحقت ياء النسب كقولهم: دوَّار ودوَّاريٌّ، قال الشاعر وهو من أبيات سيبويه: ودَوِّيَّةٍ قَفْرٍ تُمَشِّي نَعَامُهَا كمشْيِ النّصارى في خِفاف الأَرَنْدَجِ فمثل هذا في النسب ظاهر، وأما ما الثاني منه ياء فكان تضعيفه يائياً، فإن ظاهره هنا أنك تقول: كَيِّيٌّ وأَيِّيٌّ، وليس كذلك إذ لم يبيِّن هنا أكثر من مضاعفة الثاني، لكن ترك ذلك إحالة على ما تقدم له قبل هذا في حيّ ونحوه؛ إذ قال: "ونحو حيٍّ فتحُ ثانيه يجب... إلى آخره"، فالحكم في مثل هذا مأخوذ له من الموضعين، فتقول على هذا في النسب إلى (كي): كَيَوِيٌّ، وفي النسب إلى (أَيْ): أَيَوِيٌّ، وإلى (إي) بمعنى نعم: إِيَوِيٌّ، وما أشبه ذلك، وهذا ظاهر.
والمسألة الثانية: في فائدة / تمثيله بـ (لا) وإن كان جائزاً له أن

يمثل بما شاء، لكن لا بد من فائدة قصدها بذلك المثال، وذلك أنَّ التضعيف في هذا الفصل على ثلاثة أوجه: تضعيف واويٍّ، ولا إشكال في أخذ حكمه من هذا الموضع، كما تقدم.
وتضعيف يائيٍّ، وهو مأخوذ الحكم من موضعين، كما تقدم أيضاً.
وتضعيف الألف وهو الذي مثَّل به، ولا شك أنك إذا ضاعفتَ الألفَ فلا تبقى الثانية على حالها؛ لما يلزم من التقاء الساكنين، والحكم فيها أن تنقلب همزةً على ما هو مقرر في التصريف، فلو ترك التمثيل فيه لم يفهم له وجه التضعيف؛ إذ لا يشعر بقلب الألف الثانية همزة، ولذلك قال في "التَّسهيل": وإن كان حرفَ لين آخر الثنائي الذي لم يُعلم له ثالث ضعِّف، وإن كان ألفاً جُعل ضعفها همزةً، فكان تمثيله بقوله: "كَلاَ ولائي" مبيناً لذلك على اختصار.
والمسألة الثالثة: أن تمثيله بقوله: "لائي" بالهمزة، واقتصاره عليه يدل على أنه إنما ارتضى هذا الوجه خاصة، وهو بقاء الهمزة على حالها، ولا شك أن ما كان من باب "شاءٍ وماءٍ" مُسَمًّى به، ففيه وجهان جائزان: ما ذكر، وقلبها واواً، فيجوز هنا: لاويٌّ على قولهم في شاءٍ: شاويٌّ، أنشد سيبويه: فلستُ بشاويٍّ عليه دَمامة إذا ما غدا يغدو بقوسٍ وأسهُمِ وأنشد السيرافي وغيره لمبشِّر بن هُذيل الشمخي:

لا ينفعُ الشَّاويَّ فيها شاتُهُ ولا حِمارَاهُ ولا عَلاتُهُ وذكر سيبويه أنك إذا سميتَ بشاءٍ ففيه الوجهان: هذا، وإن كان ما ذكر هو الأولى، فاقتصار الناظم على أحد الوجهين اقتصارٌ على أحد الجائزين، وهو موهمٌ للوجوب، لكن هذا أيضاً ينضاف إلى موضع آخر، فيؤخذ منه كلا الوجهين، وهو أنه ذكر في الممدود في الهمزة المنقلبة عن أصل الوجهين، ولا شك أن هذا من ذلك، وإنما فرع سيبويه "شاويّ" على قول من قال: عطاويّ في عطاء، فلا إشكال في كلامه.
ثم أخذ في القسم الثالث من الأقسام الثلاثة، وهو ما كان المحذوف منه الفاء فقال: وإن يكنْ كشِيَةٍ ما الفا عَدِمْ فجّبْرُهُ وفتحُ عينِهِ التُزِمْ اعلم أن المحذوف الفاء على قسمين: أحدهما: أن تكون اللام حرفاً صحيحاً كعِدَة وزنَة ورقَة، وهذا لم يذكر الناظم حكمه على الخصوص؛ لأنه ليس فيه تغييرٌ خاصٌّ به، بل حكمه حكم زيدٍ وعمروٍ في النسب / إليه، فلم يحتج إلى ذكره

لذلك، فتقول في رِقة: رِقِيٌّ، وفي عِدَة: عِدِيٌّ، وفي زِنَة: زِنِيٌّ، وما أشبه ذلك، ووجه عدم الرد قد تقدَّم.
والثاني: أن تكون اللام حرف علة كمثاله الذي مثل به، وهو: شِيَة فهو الذي نصَّ عليه، فإنما أراد بقوله: "كشِيَة" هذا القيد، وهو اعتلال اللام، ويعني: أن حكم مثل هذا أن يُجبَرَ، وجبرُهُ الذي ذكره يكون بأحد وجهين: إما بإتمامه بحرف ثالث آخراً، فتقول: شِيَويٌّ، وهذا هو الذي حكى أبو الحسن عن حمَّاد بن الزبرقان، وإما بردِّ ما حُذف منه وهو الفاء، وهذا الثاني هو الصحيح، والأول لم يرتضه النحويون، وقد رده سيبويه بالتصغير؛ لأنهم لما احتاجوا إلى حرف ثالث لإقامة بنية التصغير ردّوا الفاء، فقالوا في عِدَة: وُعَيدة، فكذلك إذا احتاجوا إلى الردِّ، فإنما يردُّون ما هو الأصل، وأيضاً إذا احتيج إلى ثالث فلا يكون الحرف الذي ليس من الكلمة أولى ممَّا هو منها؛ لأن ما ليس منها أجنبي، فهو أولى بالاجتناب منه،

بأن يختارَ، وحكايةَ من حكى شِيَويّ شاذة، ووجهها كثرة ما جاء في النسب من التغيير، فهو من جملة تغييرات النسب، فإن كان أراد الوجه الأول فليس رأيه بسديد، وإن كان أراد الثاني فهو الذي يقتضيه، والذي عليه جمهور النحويين ويظهر من كلامه؛ إذ قال: "فجَبرُهُ وفتحُ عينِهِ التُزِم"؛ لأن لفظ الجبر أظهر في ردِّ ما حذف منه، وإذا جبر بردِّ ما حذف منه، فلا بد أن تُفتَحَ عينه كما قال، والعين في "شية" هي الشين، فتقول فيه: وِشَويٌّ، وهذا ظاهر في اختيار مذهب الخليل وسيبويه من تحريك العين، وإن كان أصلها السكون اعتباراً بأنها الحركة قبل الرد، ولأن ردَّ المحذوف تقوية للكلمة، وسلبها ما أَنِسَتْ به من تحريك العين تضعيفٌ لها، وهما متدافعان، فوجب البقاء على التحريك، وما ذهب إليه الأخفش من قوله في شِيَة: وِشْيِيٌّ، كظبْيِيٍّ في ظبية، وحِمْيِيٌّ في حِمية، لم يرتضه الناظم، وقد تقدم الاحتجاج به على ذلك، ثم يبقى في مذهب الناظم نظرٌ في وجه تحريك العين بالفت لم يتعرض له؛ إذ هو وجه صناعةٍ لا ثبوت حكم تركه للناظر في المسألة، وقد ذكر شيخنا الأستاذ (رحمة الله عليه) في ذلك وجهين:

أحدهما: أن تكون حركة العين نقلت إلى الفاء؛ لأنها هي التي كانت حركة الفاء قبل النقل، فردت إلى موضعها.
/ والثاني: أن تكون العين حُرِّكت بالكسر على الوجه المستعمل، لكن لما صارت "وِشْيَة" على صفة إبل فعلوا بها ما فعلوا بإِبِل من فتح العين، هذا ما ذكره الأستاذ محكياً عن شيخه أبي إسحاق الغافقي، وأنهما وجهان مقولان له، قال الأستاذ: والأوَّل أولى على طريقة قولهم: رأى الأمرَ يُفضي إلى آخِرٍ فصيَّرَ أخِرَهُ أوَّلا والوجهان معاً منقولان عن غير الشيخ أبي إسحاق بذكر السيرافيّ الوجه الثاني، وأن العين بقيت على كسرها، وحركت الفاء لما ردت بمثل حركتها، وهو الذي خرج ابن خروف على قول سيبويه.
وقياس سيبويه أن يلحق الوا متحركة بمثل حركتها في الأصل؛ إذ حركتها في العين.
قال: ولا يمتنع أن تُردَّ إليها حركتُها، وتحرك العين بمثل حركة الميم من دَمَوي، فليس الوجهان بمختصين بنظر الشيخ، كما يظهر

من كلام الأستاذ (رحمه الله).
وقوله: "التزم" خبر قوله: "فجبروه"، وفتح عينه أي: التزم هذان الحكمان، وإنما لم يقل: التزما وهما شيئان؛ لأنهما في حقيقة النسب وكيفيته شيء واحد، أي: التزم هذا الحكم المركَّب من شيئين، ووجه التزا فتح العين قد تقدم، وأما وجه الجبر فقد ذكر أن الاسم المنسوب يقدَّر قبل لحاق ياء النسب كالمستقل، وعليه ينبني النسب، وإذا كان كذلك وحُذفت التاء من شِيَة، بقي الاسم على حرفين، ثانيهما حرف لين، وذلك لا يكون في معربات الأسماء، فافتقروا إلى جبره لذلك، كما افتقروا إلى الجبر في التصغير؛ إذ لا يمكن في الموضعين إلا ذلك، وإلى هذا المعنى أشار الجرميُّ في طرة الكتاب بقوله: "الرد في شِيَة لا بد منه؛ لأنه يُبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين.
والشِّيَةُ: ل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، وقوله: ﴿لا شِيَةَ فيها﴾ أي: ليس فيها لونٌ يخالف سائر لونها، ويقال وشيتُ الثوبَ وَشْياً وشِيَةً: إذا زيَّنتَه بألوان تخالف لونه، والفاء في قوله: "ما الفا عَدِم" مفعولٌ به بـ"عَدِم" والجملة صلة "ما"، و"ما" اسم كان، وخبرها المجرور قبلها، وضمير "فجبره وفتح عينه" عائد على مدلول "ما"، وهو الاسم المحذوف الفاء.


والواحدَ اذكرْ ناسباً للجمع ما لم يشابِهْ واحداً بالوضْعِ الواحد مفعول بـ"اذكر" /، و"ناسبا" حال من فاعل "اذكر" أي: اذكر الواحد في حال كونك ناسباً للجمع، ويريد: أنك إذا أردتَ النسب إلى الجمع فإنك لا تأتي بالجمع نفسه فتنسب إليه، بل تأتي بالواحد منه فتنسب إليه، ولم يببيِّن هذا المعنى كلَّ البيان، وإنما محصول كلامه أنك إذا نسبتَ للجمع فاذكر الوحد، وهذا لا يتحصَّل منه المراد صريحاً، وإنما يُعْطِي المعنى المرادَ من قوة الكلام، فكأنه يقول: اذكر الواحدَ ناسباً له حالة كونك مريداً النسب إلى الجمع، والجمع في كلامه محمول على عموم أنواعه، فجمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وجمع التكسير في هذا الحكم على حدٍّ سواء، وما تقدَّم له في المثنى والمجموع جمع سلامة إنما كان حكمَ العلامتين، وسكت عمَّا عدا ذلك إلى أن ذكره هنا، وحكى سيبويه عن العرب "في رجل من القبائي: قَبَليٌّ وقَبَليَّةٌ للمرأة، وفي أبناء فارس: بنَويٌّ، كأنهُم نسبوا إلى قبيلة وإلى ابن، وقالوا في الرِّباب جمع رُبَّة وهي القبيلة من الناس: رُبَِيٌّ"، ومن ذلك قولهم في الفرائض: فَرَضيٌّ، وكذلك لو نسبتَ إلى المساجد قلتَ: مسْجِديٌّ، أو إلى الجمع قلتَ: جمْعِيٌّ، أو إلى العُرَفاء لقلتَ: عَرِيفيٌّ، قال سيبويه بعد

ما ذكره هذه المثل: "وهذا قول الخليل رحمه الله، وهو القياس على كلام العرب"، فهذا كله مما ظهر فيه الرد إلى الواحد كما قال.
فإنما تنسب إلى الواحد منها، وهو مسلمٌ وزيدٌ وضاربٌ، وكذلك تقول في مسلمات: مسلِميٌّ، وفي هندات: هِندِيٌّ، وفي زينبات: زَينبيٌّ فتنسب إلى الواحد أيضاً، لكن لا يظهر الفرق بين النسب إلى الواحد والنسب إلى الجمع فيما تقدم من المُثُل، وإنما يظهر الفرق في بعض المواضع كما إذا نسبتَ إلى تَمَرات، أو إلى دَعَدَات، أو إلى هِنَدَات، إذا حركتَ العين فإنك لا تبقي العين على تحريكها، بل تردها إلى السكون كما تكون في المفرد فتقول: تَمْريٌّ ودَعْدِيٌّ وهِنْدِيٌّ، ولا تقول: تَمَريٌّ، ولا دَعَدِيٌّ، ولا هِنَدِيٌّ إلا إذا سميتَ بها، وإذا نسبتَ إلى قاضين أو داعين جمع قاضٍ وداعٍ فإنك تقول: قاضيٌّ وقاضَوِيٌّ، وداعيٌّ ودَاعَوِيٌّ، ولو نسبتَ إلى ذلك مسمًّى به لم تقل إلا قاضيٌّ خاصَّةً، ولو نسبتَ إلى سنين لقلتَ: سَنَويٌّ ففتحتَ السين، / ولو سميتَ به لقلتَ: سِنِيٌّ فتركتَ السين على كسرها، ففي مثل هذه المواضع يظهر الفرق، كما أنه قد يخفى في جمع التكسير في بعض المواضع، وذلك حيث يكون تغيير التكسير مقدراً كفُلْك وهِجان، ونحو ذلك، وإنما نسبوا إلى المفرد ولم ينسبوا إلى الجمع

على حاله ليحصل لهم الفرقُ بين النسب إليه على حاله وبين النسب إليه مسمًّى به.
هذا تعليل سيبويه وغيره، ورشح هذه التفرقة مما قاله الأستاذ (رحمه الله) من "أن المطلوب من النسب إلى الجمع الدلالة على أنه بينه وبين ذلك الجنس ملابسة، وهذا المعنى يحصل بالمفرد مع حصول الفرق بين النسب إليه جمعاً وبينه مسمًّى به".
ثم استثنى من هذا الحكم ما كان من المجموع يشبه الواحد فقال: ما لم يشابِهْ واحداً بالوضْعِ يعني: أن الرد إلى الواحد في النسب إلى الجمع إنما يكون بشرط ألا يشبه الجمعُ الواحدَ بوجهٍ من وجوه الشبه، وقوله: "بالوضع" راجع إلى "الواحد"، أي: ما لم يشابه الاسمَ الموضوعَ على الإفراد فإنه إذا كان مشبهاً له لم ينسب إلى مفرده ولم يردَّ إلى واحده بل ينسب إليه على حاله، والجمع الذي يشبه الواحد على خمسة أنواع: وذلك أن الاسم الواحد بالوضع الذي أراد الناظم هو أن يكون مفرد اللفظ أي: محكوماً له بحكم المفرد في تصرفات الكلام، مفردَ المعنى، أي: ليس مدلوله متعدداً، والاسم المجموع بالوضع الحقيقي أن يكون على ضد المفرد، فإذا خرج المجموع عن حقيقته إلى أن يعلق به حكم من أحكام المفرد اللفظية أو المعنوية، نُسِب إليه على حاله.

فالنوع الأول: اس الجمع سواء أكان من لفظ مفرده أم لا، كصحبٍ وركبٍ ورهطٍ ونفرٍ، فإن مثل هذا لا تنسب إليه إلا: صحبيٌّ ورَكبيٌّ ورَهْطيٌّ ونَفَريٌّ ولا تردُّهُ إلى المفرد فتقول: صاحبيٌّ ولا راكبيٌّ ولا رَجُليٌّ؛ لأن اسم الجمع بمنزلة المفرد يُخبَرُ عنه إخبار المفرد، كقول الشاعرة: أخشَي رُجيلاً أو رُكَيباً عاديا وصغروه على لفظه، فهو في اللفظ على حكم المفردات، وإن كان المعنى معنى الجمع، قال سيبويه: "ولو قلتَ رُجَليٌّ في الإضافة إلى نَفَرٍ لقلتَ في الإضافة إلى الجمع: واحديٌّ، وليس يقال هذا".
النوع الثاني: اسم الجنس فإنه يصغر / على لفظه وإن كان جمعاً في المعنى، لمعاملته في اللفظ معاملة المفرد، قال الله: ﴿كأنهم أعجازُ نخلٍ منقعر﴾ فتقول هنا في تمر: تَمْريٌّ، وفي نخل: نَخْليٌّ، وفي شعير: شعيريٌّ، وكذلك سائره.
فإن قيل: لا يتعين في هذا النسب إلى اسم الجنس؛ لاحتماله أن

يكون النسب إلى المفرد، فتمريٌّ منسوب إلى تمرة، ونخليٌّ منسوب إلى نخلة، وكذلك البواقي، فلعله من المنسوب إلى المفرد.
فالجواب: أن الأمر ليس كذلك بل هو منسوب إلى الجماعة، والدليل على ذلك قولهم في الشعير: شعيري، فلو كان مردوداً إلى الواحد لقالوا: شَعَريٌّ؛ لأن شعيرة (فَعِيلة)، وقياس (فَعِيلة) (فَعَلي) كفَرَضيّ في فريضة، وقبليّ في قبيلة، ونحو ذلك، وهو استدلال صحيح، ذكره المارديّ في "الترشيح".
والنوع الثالث: الجمع المسمى به، فإنك تنسب إليه على حاله فتقول إذا سميتَ برجال: رجاليّ، أو بهنود: هنوديٌّ، أو بمساجد: مساجديٌّ، وكذلك تقول في تمرات: تَمَريٌّ، فتتركه على حاله، وفي دَعَدات: دَعَديٌّ، وفي قاضون: قاضيٌّ لا غير، وقد قالوا في أنمار: أنماريٌّ، لأنَّ أنمار اسم رجل، وقالوا في كلاب: كلابيٌّ، قال سيبويه: ولو سمَّيتَ رجلاً ضَرَبات لقلتَ: ضَرَبيٌّ لا تغيِّرُ المتحركَ؛ لأنك لا تريد أن توقع الإضافة على الواحد"، وإنما كان النسب هنا على لفظ الجمع؛ لأنه صار دالاً على اواحد، كما ان زيد ومنصور ونحوهما دالاً على الواحد، وقصد معنى الجمعية منتفٍ فلا معنى لردِّه للواحد.

والنوع الرابع: الجمع الذي لا واحد له من لفظه في الاستعمال، سواء أكان له مفرد في الاستعمال غير جارٍ عليه أم لم يكن له مفرد أصلاً، نحو: عباديد، ومشابه، ومحاسن، ومذاكير، فإنها جموع جاريةٌ عليها أحكام الجموع الحقيقية التي استعملت مفرداتها، لكنها لما لم يكن لها مفرد مستعمل فأشبهت من أجل ذلك المفرد فتقول: عباديدي، ومشابهي ومحاسني ومذاكيري، وفي ملامح: ملامحي، وكذلك ما أشبهه، والعباديد: الفِرَقُ من الناس الذاهبون في كل وجه، لا واحدَ له أصلاً، وما عداه استعمل له شِبْهٌ، وحُسْنٌ، وذِكْرٌ، ولَمْحَةٌ، ولم يتغيَّر في النسب شيءٌ من ذلك فينسب إلى الجمع.
قال سيبويه: "فإذا لم يكن له واحد لم تجاوزه حتى تعلم، فهذا أقوى من أنْ أُحدِثَ شيئاً لم تكلَّم به العرب"، ومن هذا / قولهم في الأعراب: أعرابيٌّ ليس له مفرد مستعملٌ إلا عربٌ، وعرب أعمُّ من الأعراب، فليس في الحقيقة بمفرد له.
فإن قيل: ولِمَ رددتَ هذه الجموع في التحقير إلى واحدها المستعمل أو المشهور ولم يرد إليه في النسب، فتقول في التحقير: عُبيدِيدون في عباديد، فتصغر عبداً أو عِبيديداً أو عُبدوداً، ولا تفعل ذلك في النسب، وكذلك سائر المُثُل، فيقول سيبويه هنا: هذا أقوى

من أن أحدث شيئاً لم تكلم به العرب، ويقول في التصغير، وإذا جاء الجمع ليس له واحد مستعملٌ في الكلام من لفظه يكون تكسيره عليه قياساً، ولا غير ذلك، فتحقيره على واحد هو بناؤه إذا جُمع في القياس، ثم مثَّل بعباديد.
فما الفرق بين النسب والتصغير؟ فالجواب: أنه لما كان التحقير يناقض جمع الكثرة من جهة المعنى عدلوا عنه حتماً.
هذا مع أن التصغير يغير لفظ الجمع ولا بد، فبقَّوا فيه على القياس.
وأما النسب فليس فيه شيءٌ، بل قصدهم التفرقة، فلم يحتملوا لذل التكلم بما لم ينطق به، وأما محاسن ومشابه، فلو قالوا: حُسنيٌّ وشِبهيٌّ لم يُعلم مرادهم من النسب إلى محاسن ومشابه، ولذلك قال سيبويه: "فهذا أقوى من أن أحد شيئاً لم تكلَّم به العرب" يعني: عباديد.
هذا جواب ابن الضائع في المسألة.
والنوع الخامس: الجمع الذي صار علماً بالغلبة، وإن كان غير مسمًّى به، فإن حكمه حكم ما لو كان علماً بالتعليق، ومثاله: الأنصار، قالوا فيه: أنصاريٌّ؛ لأنه اسم وقع لجماعتهم، ولم يستعمل منه واحداً يكون هذا تكسيره، وكان واحده لو استعمل ناصر، وفاعل قد يُكسر على أفعال، وإن كان قليلاً قالوا: صاحبٌ

وأصحابٌ وشاهدٌ وأشهادٌ، وبانٍ وأبناء، وجانٍ وأجناءٍ، ومثل الأنصار قولهم في المدائن اسم بلد: مدائنيٌّ، كأن المدائن صار اسماً لبلد غلب عليه، قال سيبويه: "وسألتُه - يعني الخليل (رحمه الله) - عن قولهم: مدائنيّ فقال: صار هذا البناء عندهم اسماً لبلد، ومن ثمّ قالت بنو سعد في أبناء: أبناويّ، كأنهم جعلوه اسمَ الحيِّ والحيُّ كالبلد، وهو واحدٌ يقع على الجميع، والأبناء هم: ولد سعد بن زيد مناة بن تميم إلا كعباً وعمراً، فإنهم لا يقال لهم: الأبناء، قاله أبو عبيد.
هذا أصله، ثم غلب / عليهم الاسم حتى صار كالعلم، فنسبوا إليه على لفظه، ومن هنا يكون قولهم في النسب إلى الأصول: أصوليّ صحيحاً في قياس العربية؛ لأن لفظ الجمع قد غلب على اسم ذلك العلم حتى صار كالعلم له، فلا ينبغي تخطئه من نسب إلى الجمع فقال: أصوليّ، هذا جملة ما أشار إليه الناظم بقوله: ما لم يشابِهْ واحداً بالوضْعِ وهو من اختصاره الحسن، إذ أتى فيه بأمرين: أحدهما: جمع هذه الأنواع في هذا اللفظ اليسير وهو أخصر بكثير من لفظه في التسهيل؛ إذ قال: "وينسب إلى الجمع بلفظ واحده إن استعمل وإن

لا فبلفظه" ثم قال: وحكم اسم الجمع والجمع الغالب والمسمَّى به حكم الواحد".
والثاني: إتيانه بلفظ مشعر بالعلة التي لأجلها نسب إلى الجمع بلفظه، وهي مشابهته للواحد بالوضع؛ إذ هي العلّة لذلك الحكم، ولم يأت في التسهيل بشيء من ذلك.
فهذا الكلام من محاسن اختصاره في هذا النظم إلا أنه نقصه من هذا الفصل حكم التثنية وكيفية النسب إليها، ولا مرية في أن حكمها حكم الجمع بالواو والنون فتقول في الزَّيدَين: زيديٌّ، بالرَّدّ إلى الواحد، وفي رِجْلَيْن: رِجْلِيٌّ كذلك، فكان من حقِّه أن يذكر حكمُها هنا، كما ذكر حكمَها مسمًّى بها قبل، والاعتذار عنه بأنه أطلق لفظ الجمع شاملاً للتثنية وغيرها على مقتضى اللغة اعتذارٌ ضعيفٌ.


ومَعَ فاعلٍ وفعَّالٍ فَعِلْ في نسبٍ أغنى عن اليا فَقُبِلْ الغالب على النسب أن يكون بالياء المشددة اللاحقة آخر الكلمة، وقد يأتي على غير ذلك، وهو الذي أخذ في ذكره، "مع" ظرف متعلق بـ"أغنى" و"فَعِلْ" مبتدأ خبرُهُ "أغني"، والتقدير: فَعِلٌ أغنى

عن الياء في النسب مع فاعلٍ وفعَّال، وقد يكون "مع" في موضع الحال أي: حال كونِ فَعِلٍ مع فاعل وفعَّال، ويعني: أن هذه الأبنية الثلاثة وهي (فاعل) و (فعَّال) و (فَعِل) تأتي في كلام العرب مغنية عن إلحاق ياء النسب، ومؤدية معناها، فقوله: "أغنى عن اليا" يريد: في النقل والسماع، وقوله: "فَقُبِل" يريد: أنَّ النحويين قبلوه، كما جاء وبنوا عليه من حيث هو، فنقول: فأمَّا نيابة (فاعل) فنحو: لابِنٍ، وتامرٍ، ودارعٍ، لصاحب التمر والدِّرع، ولصاحب النَّبْل: نابل، ولصاحب النُّشَّاب: ناشب، ولذي الفرس: فارسٌ، ولذي الطعام: طاعم، ولذي / النَّعل: ناعل، ومن ذلك كثير، ومما جاء في الكلام المنقول ما أنشده سيبويه للحطئية: فَغَرَرْتَنِي وَزَعَمْتَ أنَّكَ لابِنٌ في الصَّيف تامِرْ وأنشد أيضاً للنابغة: كليني لهمٍّ يا أميمةُ ناصِبِ وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكِبِ وأنشد أيضاً لذي الرمة: إلى عَطَنٍ رَحْبِ المباءة آهِلِ

وعلى ذلك حملوا قولهم: عيشةٌ راضيةٌ، وقال الشاعر الحطيئة: دعِ المكارم لا ترحل لبُغيتها واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي وقال امرؤ القيس: نطعنُهُم سُلكَى ومخلوجةً لفْتَكَ لأمَيْنِ على نابِلِ وأما نيابة (فعَّال) فنحو قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب العاج: عوَّاج، ولصاحب الجمل: جمَّال، ولصاحب البُتوت: بتَّات، وكذلك: لبَّان وتمَّار ونبَّال وما أشبه ذلك، قال امرؤ القيس، أنشده سيبويه: فليس بذي رمحٍ فيطعُنَني به وليس بذي سيفٍ وليس بنبَّال وهو كثيرٌ أيضاً، وأما (فَعِل) فمثال نيابته عن (فَعِيل) قولك: رجُلٌ عَمِل، ورجل طَعِن، ولَبِسٌ، وقالوا: رجل نَهِرٌ، نقله

سيبويه، وأنشد عليه: لستُ بليليٍّ ولكمي نَهِرْ لا أُدْلِجُ الليلَ ولكنْ أبتَكِرْ وأنشد الجوهري: إنْ كنتَ ليليّاً فإني نَهِرْ حتى أرى الصبحَ فلا أنتظِرْ وقالوا: رجلٌ حَرِحٌ، وسَتِهٌ، طَعِنٌ، فهذه الأمثلة نائبة كما قال عن ياءي النَّسب، فقولك: لابنٌ وتامرٌ نائب عن قولك: لَبَنيٌّ وتَمْريٌّ، وكذلك سائر المثُل؛ إذ ليس على معنى الفعل، ولا فعلَ له هنا يجري عليه، وكذلك قولهم: نبَّال وثوَّاب نائب عن: نبليٌّ وثوبيٌّ إذ ليس بجارٍ على فِعْلٍ أيضاً، قال السيرافي: واستدل سيبويه على أن فعَّالاً بمنزلة المنسوب بقولهم البتّي في الذي يبيع البتوت، واحدها: بتٌّ، وهي الأكسية، قال: وإليه ينسب عثمان البَتِّيّ من كبار الفقهاء، وكذلك قولهم عَمِل ونَهِر في معن عَمَليّ ونَهْريّ، والدليل عليه ما تقدَّم من قوله:

لستُ بليليٍّ ولكنّي نَهِرْ قال سيبويه: وقالوا: نَهِرٌ، وإنما يريدون نهاريّ فيجعلونه بمنزلة عَمِل، ثم أنشد البيت، ثم قال: فقولهم نَهِر في نهاري يدلُّكَ على أن عَمِلاً كقولك: عَمَليٌّ؛ لأن في عَمِل من المعنى ما في نَهِر، قال: وقالوا رجل حَرِحٌ، ورجلٌ سَتِهٌ، كأنه قال: حِرِيٌّ واستِيٌّ، وإنما كان ذلك لعدم جريانه على الفعل، وإن كان منها ما له فعل فهو على عدم الجريان.
هذا شرح كلام الناظم / على الجملة، ثم يقع النظر في مسائل: إحداها: أنه يحتمل التعاقب، وأنك إن شئتَ أتيتَ بياء النسب، وإن شئتَ أتيت بأحد هذه الأبنية؛ لأنه قال: إنها أغنت عن الياء، فتأتي بالياء إن شئتَ أو بالبناء إن شئتَ، ويحتمل أن يكون على غير هذا، بل على أن لهذه الأبنية موضعاً يغني [فيه] عن الياء ويقوم مقامها على غير معاقبة، وإلى هذا الاحتمال الثاني يشير لفظ "أغنى" كما قال في موضع آخر: وأولٌّ مبتدأٌ والثاني فاعلٌ أغنَى في أسارٍ ذانِ

إذْ ليس معناه إلا أن الفاعل انفرد بذلك الموضع مغنياً عن خبر المبتدأ، وكذلك هاهنا أي: يغني عنه بحيث لا يقع في ذلك الموضع إلا أحد الأبنية، وهذا معنى كلامه في التسهيل؛ إذ قال: "ويستغنى عنها (يعني عن ياء النسب) غالباً بـ (فعَّال) من لفظ المنسوب إليه إن قصد الاحتراف، وبصوغ (فاعلٍ) إن قصد صاحبُ الشيء"، وهو ظاهر من كلام سيبويه، فهو أولى ما يُحمَلُ عليه هذا النظم.
وأمَّا الاحتمال الأول فهو مذهبٌ أيضاً، وإليه ذهب ابن عصفور؛ إذْ خيَّر في صوغ أحد الأبنية أو إلحاق ياء النسب، نص على ذلك في "المقرب" و"شرح الجمل"، ويظهر من كلام المارديّ؛ إذ قال: تقول لبائع اللؤلؤ: لؤلؤيٌّ، ولآّلٌ، ولصاحب العاج: عاجيّ وعوَّاجٌ، ولصاحب الزُّجاج: زجَّاجي وزجَّاج.
هذا ما قال.
وهو مذهبٌ مرجوحٌ، وظاهر كلام العرب الاستغناء، كما أشار إليه كلام الناظم، وكلام سيبويه على ذلك يدلّ؛ لأنه لما أتى بمثال من فعَّال، وبين أنه أكثر من أن يحصى، قال: وربَّما ألحقوا ياءي الإضافة كما قالوا: البتِّيّ، فأتى بـ"ربَّما" المقتضية للتقليل، وإنما هو ناقلٌ، فياء النسب في هذ الموضع نادرة، والنادر لا يقاس عليه.

والمسألة الثانية: أن في كلامه ما يدل على أنه قياس، وذلك أنه أغنى عن الياء، فقيل: ولا شك أن قوله: "أغنى" يريد به أن ذلك قد جاء في السماع على ذلك الوصف، وقوله: "فقُبِل" إمَّا أن يعني: أنَّ النحويين قبلوه من حيث هو سماعٌ ولا يقاس عليه، وإمَّا أن يعنيَ أنهم قبلوه وأخذوا بمقتضاه، وقاسوا عليه، فلو أراد الأول لم يكن فيه فائدةٌ؛ إذ الأخبار عن الشذوذات بأنها قبلت نقلاً، كما جاءت لا محصول تحته بالنسبة إلى صنعة النحويين أهل القياس كما / لو قال قائلٌ: إن العرب قد قالت: صددْتِ فأطْوَلْتِ الصُّدُودَ فقبله النحويون، فإن هذا الكلام لا يحصِّل معنًى يُعتد به بخلاف ما إذا أراد أنهم قبلوه في القياس وأخذوا به، فإن في هذا أجل فائدة لهم للإخبار بأن مثل هذا ليس عندهم من السماع المهمل الذي لا يعتمدون عليه، بل هو معتمد عليه مبني على محصوله، وأصرح من هذا في كلامه قوله بعد: وغيرُ ما أسلفتُهُ مقررا... إلى آخره.

جارٍ التحميل