ثم قال:
هذا هو النوع السادس من المنصوبات التي ينصبها كل فعل، وهو المستثنى.
وترك الناظم حد الاستثناء فلم يذكره، ولم يشر إليه اتكالًا على فهم معناه من مساق الكلام، ومفهوم الجملة، وحد في التسهيل المستثنى بأنه: المخرج تحقيقًا أو تقديرًا [من مذكور أو متروك] بإلا أو ما في معناها بشرط الفائدة.
فقوله: "المخرج" هو الجنس الأقرب، لأن المستثنى مخرج عن ما تقدم من مذكور أو مقدر، ومعنى إخراجه أن ذكره بعد إلا مبين أنه لم يرد دخوله فيما تقدم، فبين ذلك للسامع بتلك القرينة لا أنه كان مرادًا للمتكلم ثم أخرجه.
هذه حقيقة الإخراج عند أئمة اللسان: سيبويه وغيره، وهو الذي لا يصح غيره حسب ما تبين موضعه.
وقوله: "تحقيقًا" أراد به المتصل.
"أو تقديرًا" أراد به المنفصل، وسيبينه.
وقوله: "بإلا" وكذا، هي خاصة المستثنى فيتميز بها عن التخصيص بالصفة وغيرها.
وقوله: "بشرط الفائدة" احترازًا من نحو: جاءني ناسٌ إلا زيدًا، وجاءني القوم إلا رجلًا، وما أشبه ذلك مما لا يفيد.
[ثم قال].
ما استثنت إلا عن تمام ينتصب... وبعد نفي أو كنفي انتخب
اتباع ما اتصل وانصب ما انقطع... وعن تميم فيه إبدال وقع
اعلم أن المستثنى على قسمين:
أحدهما: ما توقف الكلام قبله عن أن يتم دونه، فلا يتم إلا به من حيث القصد، وهذا هو الاستثناء المفرغ، أي فرغ العامل فيه لطلب ما بعد إلا فصار معربًا بحسب ما يطلبه.
وسيأتي.
والثاني: ما تم الكلام دونه، واستقل بمعناه، فصار لما بعد إلا حكم الفضلة المستغنى عنها.
وهذا القسم هو الذي شرع فيه الآن، ويكون على وجهين: متصلًا، ومنفصلًا.
وقد أجمل الكلام فيهما أولًا ثم فصله، فيريد بقوله: "ما استثنت إلا عن تمام" هذا القسم يعني أن ما كان واقعًا بعد إلا مستثنى بها فإنه ينتصب إذا كان الكلام تامًا لم يفرغ العامل له، وسواء أكان متصلًا أو منقطعًا، ومثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا، ورأيت القوم إلا زيدًا، ومررت بالقوم إلا زيدًا.
هذا في المتصل.
ومثاله في المنقطع: جاءني بنو تميمٍ إلا زيدًا الهاشمي.
ورأيت القوم كلهم إلا فرس بني فلان، ومنه في القرآن الكريم: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس﴾ الآية وقال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيةٍ ينهون عن الفساد في
الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم} وذلك كثير، وجميعه مما وقع الاستثناء فيه بعد تمام الكلام من غير افتقر إلى ما بعد إلا.
هذا معنى الكلام على الجملة، ثم فيه بعد مسائل خمس:
إحداها: أن قوله: "ما استثنت إلا" نسب فيه الاستثناء إلى الأداة، وليست هي المستثنية، وإنما هي مستثنى بها، ولكن لما كانت الأدوات في هذه الصناعة إليها ينسب العمل، وتضاف الأحكام ساغ ذلك فيها أيضًا، فجرى على مطلق الاصطلاح، كما يقال: ما النافية، وإن المؤكدة، وما الكافة، وليست هذه المعاني إلا فعل المتكلم، وله أصل في كلام العرب أن ينسب الفعل إلى ما انتسب إليه بوجهٍ ما، كقولهم: نهاره صائمٌ، وليله قائمٌ، وفي التنزيل الحكيم: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ وهو كثير.
والثانية: أن الظاهر في إطلاقه الاستثناء إنما هو بمعنى الإخراج حسب ما فسره في التسهيل، فكأنه قال: ما أخرجت إلا، والإخراج في الحقيقة إنما يظهر في الاستثناء المتصل، وأما المنقطع فلا يصلح فيه الإخراج؛ إذ كان الإخراج مخصوصًا بما كان من الجنس، فلا يقال: إن الفرس في قولك: رأيت بني فلان إلا فرس أحدهم مخرجٌ؛ إذ ليس الفرس من جنس بني فلان، إلا أن يتأول ذلك بمجازٍ بعيد.
وهو قد يشمل المتصل والمنقطع بكلامه، فقد يشكل هذا.
والجواب: أن الاستثناء شامل لهما معًا، لأن الإخراج حاصلٌ فيهما لكن تارةً يكون الإخراج تحقيقًا، وذلك في الاستثناء المتصل، وتارةً يكون تقديرًا، وهو في الاستثناء المنقطع، وهذا يتنزل بناء على ما رآه المازني في وجه الإبدال
عند بني تميم بأن يطلق الأول على ما بعد إلا، فيشمل المستثنى منه والمستثنى معًا مجازًا، فيكون المستثنى في المنقطع على هذا إخراجًا من الجنس، أو على النحو الآخر.
ولكن هذا الجواب غير مخلص، إذ لا يطرد ذلك في جميع مسائل الاستثناء المنقطع.
ويمكن على بعدٍ أن يكون جاريًا في ذلك على مذهب الفراء الذي يجعل الاستثناء من العامل لا من الاسم، فإذا قلت: ما رأيت أحدًا إلا حمارًا، فالحمار مستثنى من الرؤية لا من أحد، فعلى هذا يكون قوله: "ما استثنت إلا" واقعًا على القسمين تحقيقًا، لكنه لم يعرج عليه في غير هذا الكتاب، فيبعد أن يقصد إليه لاسيما، وهو مشكل في نفسه.
والأولى في الجواب- والله أعلم-: أن يكون أراد ما وقع بعد أداة الاستثناء منصوبًا لا أنه يريد ما أخرج بإلا.
والثالثة: أنه عين إلا في أول كلامه ولم يقصد غيرها إلا بعد ما قرر أكثر أحكام الباب بها لأنها أم الباب لا معنى لها في الأصل إلا الاستثناء وإنما يدخلها غيره بالعرض حملًا على ما هو الأصل في غيرها، (فغيرُ أصلها الوصف، وإنما دخلت في الباب لعروض معنى إلا، وكذلك سوى، وغيرها من الأدوات، وأيضًا فإن الاستثناء بها مطرد بخلاف غيرها).
والرابعة: أنه أطلق القول في الانتصاب هنا مع أن غير النصب جائز، وذلك في الاستثناء المتصل؛ فإنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا جاز لك أن تقول: إلا زيدٌ بالرفع، فيجري صفةً على الأول حملًا على غير؛ إذ كان أصلها الصفة، وكذلك تقول: مررت بالقوم إلا زيدٍ، ومن كلامهم: لو كان معنا أحدٌ إلا زيدٌ
لغلبنا وفي القرآن الكريم ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا﴾ على قول سيبويه، وأنشد سيبويه لذي الرمة: أنيخت فألقت بلدةً غير بلدةٍ... قليل بها الأصوات إلا بغامها وأنشد أيضًا: لو كان غيري سليمى اليوم غيره... وقع الحوادث إلا الصارم الذكر وأنشد لعمرو بن معدي كرب: وكل أخٍ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلا الفرقدان فهذا كله، وما كان مثله مما وقعت فيه إلا صفةً بمعنى غير، وهو باب واسع،
وقاعدة مطردة في باب الاستثناء حتى في النفي إذا قلت: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ، فإن إلا يحتمل أن تكون صفة إذا أردت معنى غير، وإذا كان كذلك أشكل إطلاقه القول بالنصب من غير تعريج على غيره.
الجواب: أنه قد حرر كلامه فلم تدخل له الصفة حين قال: "ما استثنت إلا" فشرط فيها أن تكون للاستثناء بمعنى أنها تدل عليه في تلك الحال، وإلا الواقعة صفة ليست كذلك، بل هي بمعنى غير، وغير خالية في الأصل عن معنى الاستثناء حتى تضمنه، فكذلك (إلا) الصفة تجرد من معنى الاستثناء حتى تصير موافقةً لمعنى غير في الأصل، فقولك: قام القوم إلا زيدٌ، بمعنى قام القوم غير زيدٍ أي القوم المغايرون لزيد، فليس في هذا أن زيدًا مستثنى من جملة القوم، فإذًا ليس بعد إلا التي يستثنى بها إلا النصب على الاستثناء، أعني في الإيجاب، وعلى أن الناظم لم يتعرض هنا للوصف بإلا، ولا تكلم فيه، وهو فصل يجب التنبيه عليه، وليس من الأحكام الأقلية التي يباح لمثله إغفالها، بل هي من الجلائل التي لا غنى به عن ذكرها، ولعله لم يذكر هذه المسألة هنا في إلا، ولا في غير؛ لأنها من باب الوصف، وليس فيها معنى الاستثناء الذي يقتضي النصب.
فإن قيل: فكان ينبغي إذًا أن يترك البدل، نحو: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ؛ لأنه ليس من باب الاستثناء، بل من باب البدل فلم ذكره وترك ذكر الوصف.
فالجواب: أن البدل عريقٌ في الباب من جهة المعنى وإن كان اللفظ مخالفًا له؛ فيكون رفعًا وجرًا، فالمعنى معنى النصب على الاستثناء، فليس بخارج عن باب الاستثناء بخلاف الوصف، فإنه في المعنى مخالف لمعنى الاستثناء، وإذا ثبت هذا أمكن أن يكون عذرًا للناظم.
والخامسة: أنه قال: "ينتصب" ولم يعين له ناصبًا، وعادته تعيين الناصب
في هذه المنصوبات حسب ما تقدم.
والمسألة قد اضطرب الناس فيها على ثمانية أقوال:
أحدها: أنه انتصب بعد تمام الكلام انتصاب الدرهم بعد العشرين على التشبيه بالمفعول به، ويعزى لسيبويه.
والثاني: أنه انتصب بإلا وحدها، وهو رأي ابن مالك، وزعم أنه مذهب سيبويه، والمبرد.
والثالث: أنه انتصب بالفعل المتقدم بوساطة إلا وهو رأي السيرافي، والفارسي، وابن الباذش، وزاد أن النصب في غير بغير واسطة، بل عمل فيها كعمله في الظروف المبهمة لأن غيرًا تشبهها في الإبهام.
والرابع: أن النصب بالفعل المتقدم بغير وساطة إلا، وهو رأي ابن خروف.
والخامس: أن النصب بما في إلا من معنى الاستثناء، فكأن النصب بفعل، فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، فالتقدير: استثنى زيدًا، ونسب هذا إلى المبرد، ونحوه منقول عن الزجاج.
والسادس: أنه منصوب بالمخالفة؛ لأن ما بعد إلا مخالف لما قبلها، وهو أصل الكوفيين، وحكي عن الكسائي.
والسابع: أن النصب على إضمار أن، والتقدير: إلا أن زيدًا لم يقم، وينسب أيضًا إلى الكسائي.
والثامن: أن إلا مركبة من إن ولا ثم خففت إن وركبًا، فإذا انتصب ما بعدها فعلى تغليب حكم إن، وإذا لم ينتصب فعلى تغليب حكم لا؛ لأنها عاطفة.
وجميع هذه الأقوال القصد بها واحدٌ، وهو ربط القوانين وتثبيتها في النفس، ويمكن على بعدٍ أن يؤخذ له من هنا تعيين الناصب من جهة أنه لما جعل الحكم في الاستثناء إلى الأداة، ونسبه إليها ثم أطلق الانتصاب، ولم يعين له خلافًا كان في ذلك إشارة إلى أن الحكم في النصب لها أيضًا، وهو المختار عنده في التسهيل، وغيره، وحجته في ذلك أن إلا مختصة بالاسم.
وليست بجزء منه، فيجب لها العمل كسائر عوامل الأسماء التي هي كذلك ما لم تقع بين عامل مفرغٍ تحقيقًا أو تقديرًا ومعمول، فلا يجب العمل كلا في: لا مرحبًا، تعمل إذا لم تدخل على عامل ومعمول، ولا تعمل هنا.
فإن قيل: فإن إلا تدخل على الأفعال.
قيل: كل فعلٍ دخلت عليه في تأويل الاسم، وذلك لا يبطل الاختصاص بالاسم، وإلا لم يضف إلى الفعل، ولا وقع حالًا، ولا خبرًا لكان أو إن ولا مفعولًا لظن، فلما لم يبطل ذلك الاختصاص بالاسم في تلك الأبواب، فكذلك هنا.
فإن قيل: لو كان كذلك لاتصل بها ضمير النصب، وأن لا تقول إلا: ما ضربت إلا إياه.
قيل: لم يتصل لأنه أشبه المنصوب على النداء في أنه منصوب لا مرفوع معه، وأشبهت أيضًا ما النافية في موافقة الفعل معنى، وفي إعمالها مرةً وإهمالها أخرى.
ومعمول ما إذا كان ضميرًا- منفصلٌ، فكذلك ما أشبهه.
وأشبهت أيضًا العاطفة في وقوعها وسطًا، ومخالفة ما بعدها لما قبلها، والضمير إذا وقع بعد العاطف منفصلٌ، فكذلك هذا، وأيضًا لما التزم الانفصال مع التفريغ أجروا الباب كله على سننٍ واحد، وأيضًا فإلا وما بعدها في قوةٍ جملة مختصرة، واتصال المنفصل اختصار فيكون إجحافًا، وأيضًا فقد وصلوا تنبيهًا على الأصل في نحو:
ألا يجاورنا إلاك ديار
و... فما لي عوض إلاه ناصر
وقد تضع العرب المنفصل موضع المتصل، نحو:
... ضمنت إياهم الأرض...
والعكس غير موجود، فلو لم يكن الأصل الاتصال لم يسغ لقائل البيتين الانفصال، وأيضًا ليس فيهما ضرورة لتمكن الأول أن يقول: ألا يكون لنا خلٌ ولا جار، والثاني أن يقول:
فما لي غيره عوض ناصر
فإن قيل: اللائق بالعامل الذي لا يشبه الفعل الجر.
قيل: بل اللائق به عمل لا يصلح للفعل، وهو الجر أو نصب لا رفع معه، ثم رجح وجوب النصب مع إلا، والخفض مع غيرها من حروف الاستثناء.
وكلامه في ذلك كله طويل، وفي استقراء مذهبه من كلام سيبويه، فمن أحبه بكماله طالع الشرح، ولولا الإطالة لاجتلبته، ونبهت على ما فيه.
ثم قال: "وبعد نفي أو كنفي انتخب" إلى آخره هذا الكلام قسيم الكلام المتقدم، لأن الاستثناء على ضربين:
أحدهما: أن يقع في كلامٍ مثبت.
والثاني: أن يقع في كلامٍ منفي أو ما أشبه المنفي.
ولكل قسم حكم يختص به.
فأما الأول فهو الذي تقدم لكنه لم يكن فيه ما يشعر بأنه قسيم المثبت، فلما أتى بالقسم الثاني، وهو قسم المنفي دل على المقصود بالأول، وتعين أنه المثبت، فكأنه قال: "ما استثنت إلا بعد الإثبات مع تمامٍ ينتصب" وكثيرًا ما يجري له مثل هذا؛ أن يجتزئ بتعيين القسم الثاني عن الأول، وقد مضى منه بعض المواضع.
ويعني أن الاستثناء بإلا بعد النفي أو ما أشبه النفي يختار فيه الاتباع للأول، فيجري على حكمه في الإعراب، إن كان مرفوعًا ارتفع، وإن كان منصوبًا انتصب، وإن كان مجرورًا انجر، وذلك إذا كان الاستثناء متصلًا، نحو: قولك: ما قام القوم إلا زيدٌ، وما رأيت القوم إلا زيدًا، على الاتباع لا على الاستثناء، وما مررت بأحدٍ إلا أخيك، وما أشبه ذلك.
وهذا مثال النفي الصريح، وأما ما أشبه النفي فمنه النهي، نحو: لا تضرب أحدًا إلا زيدًا، ولا يقم أحدٌ إلا زيدٌ، ولا تمرر بأحدٍ إلا زيدٍ، ومنه الاستفهام، نحو: هل قام أحدٌ إلا زيدٌ، وهل مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، ومن أكرمك إلا زيد؟ وفي التنزيل: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ وقال: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾.
وقد يكون من النفي ما ليس بصريح لكنه كالنفي الصريح فيدخل تحت قوله: "أو كنفي": ما كان [نحو]: أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ، وقل رجلٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، فهو على معنى: ما يقول ذلك إلا زيدٌ، فالرفع هو المختار في هذه
الأمور، ويجوز النصب لكن مرجوحًا غير منتخبٍ، فتقول: ما قام أحدٌ إلا زيدًا، وما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وفي القرآن: ﴿ما فعلوه إلا قليلًا منهم﴾ على ما في مصحف أهل الشام، وكذلك تقول: هل يقوم أحدٌ إلا زيدًا، ومن يقوم إلا أخاك؟ وقد حمل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ فجعل من منصوب المحل، و (نفسه) توكيد له، والنصب لغةٌ لبعض العرب، قال سيبويه: "حدثنا بذلك يونس وعيسى جميعًا أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول: ما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدًا، وعلى هذا: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فتنصب زيدًا على غير رأيت"- يعني على الاستثناء قال: "وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلًا من الأول، ولكنك جعلته منقطعًا مما عمل في الأول" يعني منصوبًا، ووجه اختيار الإتباع أن المعنى فيه معنى التفريغ فأجري الكلام على معناه.
هذا معنى تعليل سيبويه، وغيره.
وقال في الشرح: "وإنما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النصب؛ لأن معناه ومعنى النصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين".
ثم هنا مسائل:
إحداها: أن قوله: "انتخب إتباع ما اتصل" أطلق فيه القول، ولم يقيد فدلَّ على
ارتضائه مذهب الجماعة، وخلاف قول القائل: إن المستثنى إن تباعد من المستثنى منه رجح النصب، كقولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتًا ينفع الناس إلا زيدًا، ولا تنزل على أحدٍ من بني تميم إن وافقتهم إلا قيسًا، وإليه ذهب المؤلف في الشرح، قال: "لأن سبب ترجيح الإتباع طلب التشاكل وقد ضعف داعيه بالتباعد" قال: "والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها، فقال له العباس: إلا إلاذخر يا رسول الله، فقال: إلا إلاذخر" وأتى بحديث آخر.
والأصح في هذا قول الجماعة بعدم التفصيل بناء على تعليل سيبويه، ولموافقته كلا العرب، وما استشهد به لا شاهد فيه لندوره.
والثانية: أنه لما أجاز الوجهين من غير تقييد دل على مخالفته من ألزم النصب حيث يقدر ما قبل الاستثناء مستقلًا، وهو ظاهر ابن السراج حيث قال: "إن لم تقدر البدل جعلته كقولك: ما قام أحد- كلامًا تامًا لا ينوى فيه الإبدال من أحد.
ثم استثنيت، نصبت، فقلت: ما قام أحدٌ إلا زيدًا".
والأولى مذهب الجمهور؛ إذ لم يفصلوا هذا التفصيل، وليس في كلام العرب عليه دليل.
والثالثة: أن إطلاقه في جواز الوجهين دليلٌ على مخالفته للفراء القائل بأن المستثنى منه إن كان معرفة فالوجهان، وإن كان نكرةً فلا يجوز النصب، فقوله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ لما كان معرفةً جاز الوجهان، ولما كان نكرة في قوله: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ لم يقرأ إلا بالاتباع.
قال المؤلف: "ولا حجة له؛ لأن النصب هو الأصل، والاتباع داخلٌ عليه، وقد رجح عليه لطلب المشاكلة فلو جعل بعد ترجيحه عليه مانعًا منه لكان ذلك إجحافًا بالأصل".
والقاطع في المسألة ما حكى سيبويه عن يونس وعيسى بن عمر: "أن بعض العرب الموثوق بعربيتهم يقول: ما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدًا" وهو نص في موضع الخلاف.
والرابعة: أنه بإطلاقه قائلٌ بجواز الوجهين كان المنفي مما يصلح في الإيجاب أولا خلافًا لمن قال من القدماء: إن المنفي إذا صلح أن يقع في الإيجاب فلا يجوز فيه إلا النصب، فيجوز عندهم أن تقول: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، ولا يجوز أن تقول: ما قام القوم إلا زيدٌ.
وإنما تقول: إلا زيدًا، ورد عليهم سيبويه بالسماع والقياس، فأما السماع ففي القرآن الكريم: ﴿ما فعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ وأيضًا فإنه حكى عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الوجه
في اللغة: ما قام القوم إلا عبد الله بالرفع.
وأما القياس فإن للنفي أحكامًا ر تكون في الواجب كحذف المستثنى منه، وتفريغ العامل للمستثنى، وذلك لا يكون في الواجب فلو كان حكم النفي حكم الواجب لما جاز أن تقول: ما أتاني أحدٌ كما لا يجوز أن تقول: أتاني أحدٌ.
وهذا ظاهرٌ فلكل واحد من النفي والإيجاب حكمٌ يخصه، وقد يجتمعان في بعض الأحكام، وذلك غير منكر، وإنما المنكر دعوى التزام الاجتماع في جميع الأحكام.
والخامسة: أنه بإطلاقه أن الاتباع جائز كان المستثنى منه مفردًا أو جمعًا خلافًا للفراء حيث أجازه إذا كان المستثنى منه مفردًا، نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، ولم يجزه إذا كان جميعًا، نحو: ما قام القوم إلا زيدًا بل ألزم النصب لأنه راعى في البدل اللفظ.
ورد قوله سيبويه بأنه إن كان وجوب النصب، لأن الذي قبل إلا جمع فقد قال الله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فقد وقع الجمع قبل إلا، والقراء على الاتباع، وإن كان جواز الإتباع لأن الذي قبل إلا واحد فينبغي أن يجوز الرفع في مسألة: ما أتاني أحدٌ إلا قد قال ذلك إلا زيد؛
لأن الذي قبله واحد، وذلك لا يجوز البتة، بل الواجب النصب؛ لأنه قد صار موجبًا بدخول إلا الأولى.
قال ابن خروف: لا يراعي في الباب إلا كون الثاني بعض الأول موافقًا له في الإعراب.
والسادسة: أنه يشترط [في] هذا الحكم المذكور كون المستثنى مؤخرًا عن المستثنى منه، وذلك مستفادٌ من كلامه من موضعين:
أحدهما: قوله: "انتخب إتباع ما اتصل"، والاتباع لا يتصور إلا كذلك، فإتباع ما اتصل هو إتباع المستثنى المتصل، وإتباعه أن يجعل تابعًا، والتابع شأنه أن يتبع ما قبله لا ما بعده.
والثاني: أنه قد بين على إثر هذا حكم المستثنى إذا تقدم المستثنى منه وقرره على خلاف هذا الحكم، فدل على أنه هنا ليس بمقدم.
وهذا ظاهر.
والسابعة: أنه أطلق القول في الإتباع ولم يبين هل يكون على اللفظ أو على الموضع، أو عليهما.
وكان من حقه ذلك كما فعل في باب المصدر الموصول وغيره، فإن الإتباع قد يكون على اللفظ خاصة، وهو بين.
وقد يكون على الموضع خاصة، وذلك أن يكون ما قبل إلا مجرورًا بمن الزائدة، كقولك: ما جاءني من أحد إلا زيدٌ، فالرفع هنا لازمٌ، وقولك: ما رأيت من أحدٍ إلا زيدًا، النصب واجبٌ، وكذلك المجرور بالباء الزائدة، نحو: ليس زيدٌ بشيءٍ إلا شيئًا لا يعبأ به، وكذلك اسم لا الجنسية لا يتبع إلا على الموضع خاصة كقولك: لا إله إلا الله، ولا عالم إلا زيد، لا يجوز هنا النصب على لفظ لا أصلًا.
والثامنة: أن الإتباع هنا لم يقيده الناظم اتكالًا على تفهيم المعلم، وخروجًا عن تعيين أمرٍ مختلفٍ فيه، فإن البصريين يقولون: إنه إتباع على البدل ومذهب الكوفيين أنه على العطف.
وعلى أنه قد يؤخر له أنه على البدل من نصه عليه في الاستثناء المنقطع بقوله: "وعن تميم فيه إبدال وقع"، إذ هو الإتباع ههنا، فلو كان مذهبه أنه ليس على البدل لنص على العطف؛ إذ الإتباع في الجميع إما إبدالٌ وإما عطفٌ.
وقد تقدم أنه لم يتعرض هنا لحكم النعت، فلا يدخل له تحت قوله: "إتباعُ ما اتصل"؛ إذ لو دخل له لكان الإتباع على النعت عنده راجحًا كالبدل، وليس كذلك.
وعلى الجملة فالأصح مذهب الناظم؛ إذ هو على حقيقة البدل من صحة وقوعه موقع المبدل منه على حكم الاستقلال، وإلغاء الأول.
وأيضًا فإن إلا لم يثبت أن تكون عاطفةً بعد فكيف يبنى على ما لم يثبت.
قال ثعلب: كيف يكون بدلًا، والأول منفي، وما بعد إلا موجب.
وأجاب السيرافي بأنه لا يخرجهما اختلافهما عن حقيقة البدلية؛ لأن معنى البدل أن تقدر الأول كأنه لم يذكر، وتقدر الثاني في موضعه.
قال: "وقد يقع في العطف والصفة ما يكون الأول فيه موجبًا، والثاني منفيًا، نحو: جاءني زيد لا عمرو- كمسألتنا- وفي الصفة: مررت برجلٍ لا كريمٍ ولا لبيبٍ".
قال ابن الضائع: كان الأول أن يجيء بهذا في البدل ألا ترى أنك تقول: مررت برجل لا زيدٍ ولا عمروٍ هذا بدل، وليس بعطفٍ؛ لأن من شرط لا
العاطفة أن تكون مؤكدة لثبوت الحكم الأول، وهي هنا مبينة أن المجرور به ليس بزيد ولا عمرو، ولو جاز أن تكون هنا عاطفة لجاز: مررت برجلٍ لا زيد، كما تقول: مررت بزيدٍ لا عمرو، فلزوم التكرار دليل على أنها غير عاطفة.
والتاسعة: أنه ذكر اختيار الإتباع، ولم يصرح بمقابله، والذي يقابله النصب على الاستثناء.
فإن قيل: من أين يؤخذ له هذا.
قيل: من حكم القسم المقابل؛ إذ كان قد حكم عليه بالنصب في قوله: "ما استثنت إلا عن تمام ينتصب" فجعل النصب فيه حتمًا، ثم اختار في هذا القسم الإتباع فدل على أن غيره هو النصب المذكور، فكأنه قال: يتحتم النصب في الإيجاب، ولا يتحتم في النفي، وإذا لم يتحتم فلا بد من وجه آخر فعينه، وجعله المختار، فصار النصب المذكور فيه غير مختار.
ويمكن أن يكون النصب في كلامه منصوصًا عليه على طريقة أخرى من التفسير في قوله: "ما استثنيت إلا" إلا آخره، وهو أن يكون معناه أن ما بعد إلا حكمه النصب على الإطلاق كان موجبًا أو منفيًا، وهذا على الجملة ثم استثنى المنفي، وما أشبهه، فأثبت له على المختار حكمًا آخر، وهو الإتباع، فبقي غير المختار داخلًا تحت الإطلاق المتقدم وهو النصب.
وإتباع: مفعول بانتحب.
و (بعد) المتقدم متعلق به.
وقوله: "ما اتصل" يعني من الاستثناء، والانتخاب: الاختيار، ورجل نخبة، والجمع نخب، كرطبةٍ ورطب، يقال: جاء في نخب أصحابه، أي: في خيارهم.
وقوله:
"وانصب ما انقطع"، أي: انصب من الاستثناء منقطعًا، وهو ما كان فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه، يعني أن المنقطع من الاستثناء حكمه النصب بإطلاق إلا عند بني تميم فإنه جاء عنهم الإبدال، فتقول: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا، وما لي عليه سلطان إلا التكلف.
وفي القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿ما لهم به من علمٍ إلا اتباع الظن﴾ وقوله: ﴿وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمةً منا ومتاعًا إلى حين﴾ والقرآن نزل في غالبه بلغة أهل الحجاز، وأنشد سيبويه للنابغة الذبياني:
وقفت فيها أصيلانًا أسائلها... عيت جوابًا، وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأيًا ما أبينها... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
قال سيبويه: "وأهل الحجاز ينصبون الأواري"، وأنشد أيضًا للنابغة:
حلفت يمينًا غير ذي مثنوية... ولا علم إلا حسن ظنٍ بصاحب
وإنما نصب أهل الحجاز هذا؛ لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة من جهة أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، قال سيبويه: "جاءوا به على معنى:
ولكن، وكرهوا أن يبدلوا الآخر من الأول، فيصير كأنه من نوعه، فحمل على معنى ولكن".
وأما بنو تميم فيرفعون هذه الأمثلة على البدل، فيقولون: ما فيها أحدٌ إلا حمارٌ، وينشدون بيت النابغة:
... وما بالربع من أحد
إلا الأواري......
بالرفع.
وأنشد سيبويه:
وبلدةٍ ليس بها أنيس... إلا اليعافير وإلا العيس
وأنشد أيضًا لابن الأيهم التغلبي:
ليس بيني وبين قيسٍ عتاب... غير طعن الكلي وضرب الرقاب
وأنشد أيضًا للحارث بن عباد:
والخيل لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح
وأنشد أيضًا:
لم يغذها الرسل ولا أيسارها... إلا طري اللحم واستجزارها
وأنشد أيضًا:
عشية لا تغني الرماح مكانها... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
فهذه الأبيات ونحوها مما جاءت على لغة تميم، وحين ذكر سيبويه: ما له عليه سلطانٌ إلا التكلف، وذكر الآيتين، والبيت:
حلفت يمينًا غير ذي مثنوية
قال: وأما بنو تميم فيرفعون هذا كله... وينشدون بيت ابن الأيهم رفعًا.
وأهل الحجاز ينصبون".
وهذا كله على ما قال الناظم: "وعن تميم فيه إبدال وقع" فالضمير في (فيه) عائدٌ على: "ما انقطع"، وبين أن حكمه الإبدال من الأول، وهذا يستلزم إعرابه بإعرابه، فكأنه قال: وعن تميم فيه ابتاعٌ على البدلية وقع، كأن الأصل النصب لما تقدم في التعليل لكن راعى فيه بنو تميم أحد معنيين: إما أنهم حملوا على معناه؛ لأن المقصود هو المستثنى، فالقائل: ما في
الدار أحدٌ إلا حمارٌ، المعنى فيه: ما في الدار إلا حمارٌ، وصار ذكره أحدًا توكيدًا؛ ليعلم أنه ليس ثم آدمي ثم أبدل من أحدٍ ما كان مقصوده من ذكر الحمار، وإما على جعل الحمار إنسان الدار، أي: الذي يقوم مقامه في الأنس كما قال، أنشده سيبويه:
تحية بينهم ضربٌ وجيع
جعلوا الضرب تحيتهم؛ لأنه الذي يقوم مقام التحية، وكذلك قوله أنشده أيضًا:
أنيسك أصداء القبور تصيح
وكقوله: ما لي عتاب إلا السيف.
ذكر الوجهين سيبويه في تأويل الرفع.
وهذا كله إنما هو إذا تقدم المستثنى نفي أو شبهه، وفيه تكلم؛ إذ هو داخلٌ تحت قوله: "وبعد نفي أو كنفي انتخب" كذا، أما إذا لم يتقدم شيءٌ من ذلك فالنصب هو الواجب دل على ذلك.
قوله: ما استثنت إلا عن تمام ينتصب.
وفي كلامه بعد نظران:
أحدهما: أنه لما قال: "وعن تميم فيه إبدال وقع" لم يصرح بكيفية هذا الإبدال عندهم أهو لازمٌ في لغتهم لزوم النصب في لغة أهل الحجاز فلا يجوز
عندهم: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا، أم جائزٌ؟ فيجوز مع الإتباع النصب، فتقول: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا كالحجازيين، وإلا حمارٌ كالمتصل، والذي نص عليه في التسهيل الجواز، وهو نص ابن خروف وغيره، أن الاستثناء المنقطع إذا رفعه بنو تميم فعلى حدٍ ما يرفع الجميع المتصل، فالمختار الإتباع، ويجوز النصب على غير الوجه المختار؛ لأن المنقطع في التأويل قد صار إلى معنى المتصل، وإذا صار إليه فيجري على حكمه، وقد يؤخذ من كلام الناظم جواز الوجهين؛ فإنه لما قال: "وانصب ما انقطع" ثبت أن النصب فيه حاصلٌ بإطلاق على كل لغةٍ، وحين قال: "وعن تميم فيه إبدال" دل على أنه وجه ثانٍ لهم فيه زائدٌ على النصب، فحصلت الإشارة من كلامه إلى ثبوت الوجهين على الجملة، وإلى تعيين الأرجح على مذهبهم وهو الإتباع.
والثاني: أن شرط الإبدال عند بني تميم أن يصح وقوع المستثنى موقع المستثنى منه، نحو ما تقدم من الأمثلة، فإنك إذا قلت: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا، فلك أن تسقط أحدًا، فتقول: ما في الدار إلا حمارٌ، وتقول أيضًا: ما بالربع إلا الأواري، والخيل لا يبقى لجاحمها إلا الفتى الصبار، وبلدةٍ ليس بها إلا اليعافير وإلا العيس.
وهذا كله كلامٌ مستقيمٌ، أما إذا لم يصح أن يقع موقعه فليس في المستثنى إلا النصب كقولهم: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، ففاعل زاد ونفع ضمير مستتر، فكأنه قال: ما نفع ذلك الشيء ولكن ضر، ولا زاد ذلك الشيء ولكن نقص.
وما التي بعد إلا مصدرية، وفي إعرابها اضطراب، ولكن الحاصل أنه ليس بمرفوع على البدل، ولا يصح وقوعه موقع
الضمير فلا يصح أن يقول: ما زاد إلا النقص، وما نفع إلا الضرر، وكذلك قول الفرزدق، أنشده سيبويه:
وما سجنوني غير أني ابن غالبٍ... وأني من الأثرين غير الزعانف
فلا يمكن أن يقال هنا: وما سجنوا غير ابن غالب على أن يكون غير مفعولًا بسجنوا، ومن ذلك كثير، فإذا تقرر هذا.
فكلام الناظم لا يخرج عنه مثل هذه الأشياء بل أطلق القول بأن الإبدال واقعٌ عن تميم، فيقتضي فيها جواز الإبدال، وهو باطل، وقد تحرز هو في التسهيل منه فقال: "وأجاز التميميون إتباع المنقطع إن صح اغناؤه عن المستثنى منه" فكان من حقه أن يفعل ذلك هنا.
ويجاب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه إنما قال: إن الإبدال وقع لبني تميم في الاستثناء المنقطع على الجملة وليس فيه ما يعين أن كل استثناء منقطع كذلك، ولا شك أن الأمر كذلك، وغاية ما فيه أنه لم يبين موضع الإبدال، وذلك قريب؛ إذ قد يقصد في هذا النظم التعريف الإجمالي ويحيل في بيانه على الشيوخ، وقد تقدم منه أشياء، وستأتي أخر، ولا يقال: إن هذا إخلالٌ، إذ يوهم أن الإبدال تتابع في الجميع، لأنا نقول: إنما يكون إخلالًا إذًا أتى بعبارة عامة محكومٍ عليها في جميع أفرادها بحكم غير مطردٍ، كما لو قال: وجوز فيه الإبدال عند تميم، أو نحو ذلك، وأما حين قال: قد وقع فيه الإبدال عند تميم، فليس فيه ما يدل على شمول الحكم، لأنه جعل الاستثناء المنقطع محلًا لوقوع الإبدال، ولا يلزم من وقوع الشيء في
محلٍ شموله لجميع أجزاء ذلك المحل؛ لصحة وقوعه في محلها.
والثاني: أن قوله: "فيه إبدال" قد يشعر بذلك الشرط، وذلك أن من حقيقة البدل أن يصح وقوعه موقع المبدل منه من حيث هو مقصودٌ بالحكم، كما قال في باب البدل: "التابع المقصود بالحكم"؛ ولذلك سمي بدلًا، وإذا كان كذلك فلا يتأتى الإبدال إلا حيث يصح الاستغناء به عن الأول، وذلك عين ما قيده به في التسهيل بقوله: "إن صح اغناؤه عن المستثنى منه" وإذا تأملت جميع ما تقدم من المثل فلا يصح فيها الإبدال؛ لأنه لا يغني عن الأول، ويدل على هذا القصد من كلامه إتيانه بلفظ الإبدال ولم يأت بلفظ الإتباع، فيقول: وعن تميم فيه إتباع وقع، كما قال في البيت المتقدم: "وبعد نفي أو كنفي انتخب.
إتباع ما اتصل" وهذا حسن من التنبيه في حسن من الاختصار لا تنبو مقاصده عن مثله، وفي هذا النظم من هذا القبيل أشياء.
والله أعلم.
وغير نصب سابقٍ في النفي قد... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
يعني أن المستثنى إذا كان سابقًا على المستثنى منه فلا يخلو أن يكون في النفي أو في الإيجاب، فإن كان في الإيجاب فليس إلا النصب على الاستثناء، ولم يذكره هنا لأنه داخلٌ فيما تقدم في الإثبات إما بالشمول، وإما بالقياس من باب أولى.
وإن كان في النفي فقد أجاز هنا فيه وجهين: أحدهما- وهو غير المختار-: أن يعرب بإعراب المستثنى منه رفعًا أو نصبًا أو جرًا، فتقول: ما قام إلا زيدٌ أحدٌ، وما رأيت إلا زيدًا أحدًا، وما مررت إلا بزيد أحدٍ، ويكون الثاني بدلًا من الأول، وهو المتقدم الذكر فيما إذا كان متأخرًا، وأتى الناظم في هذا الوجه بقد فقال:
"قد يأتي" أي قد يأتي قليلًا غير النصب، وهو الإتباع في المستثنى السابق؛ إذ ليس بكثير في كلام العرب، قال سيبويه: "وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحد، فيجعلون أحدًا بدلًا، كما قالوا: ما مررت بمثله أحدٍ، فجعلوه بدلًا" وإنما كان غير مختار لأنهم كرهوا أن يبدلوا الأكثر من الأقل، إذ كان البدل على خلاف ذلك، لأنه لا يوجد بدل كلٍ من بعض.
بهذا يعلل النحويون، ويفسرون به كلام سيبويه في التعليل حين قال: "وزعم الخليل رحمه الله أنه إنما حملهم على نصب هذا- يعني ما لي إلا أباك صديق- أن المستثنى إنما وجهه عندهم أن يكون بدلًا، ولا يكون مبدلًا منه؛ لأن الاستثناء إنما حده أن "تدارك به بعد ما تنفي، فتبدله".
قال: "فلما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخرت المستثنى" يعني النصب، وفسره ابن الضائع بأن الأصل في الاستثناء أن يأتي بعد المستثنى منه، فحده إذًا أن يكون بدلًا لا مبدلًا منه؛ لأن البدل ثانٍ عن المبدل منه؛ فلذلك لم يجز: ما أتاني إلا زيدٌ أحدٌ، على أن يكون أحدٌ بدلًا من إلا زيد، فإنه في تقدير: ما أتاني إلا زيد، ما أتاني أحدٌ، فلما لم يكن حده كذلك، ولم يكن مع التقديم أن يكون بدلًا حملوه على وجهٍ قد يجوز فيه وهو مؤخر، وهو
النصب.
قال ابن الضائع: "ويظهر من سيبويه أنه يمكن أن يكون المستثنى منه بدلًا من المستثنى، ولذلك علله بذلك التعليل".
ثم ذكر أن من علل بما تقدم لم يفهم عن سيبويه، وبين أن المراعى في البدل في الاستثناء أن يقع موقع المستثنى منه، والبعض في الاستثناء لا يقع موقع الكل إلا مع إلا، وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وزيدٌ مع إلا بمعنى غير زيد، وغير زيدٍ هو مدلول أحد، فهو من بدل الشيء من الشيء وهما لعينٍ واحدة، فإلا زيد أشبه ببدل الشيء من الشيء منه ببدل البعض؛ ولذلك لا يقع البدل هنا موقع المبدل منه إلا مع إلا، فليس البدل إلا الحرف مع الاسم، والدليل على أن سيبويه أراد هذا الذي فسرت تشبيهه البدل في الاستثناء بقولك: مررت برجلٍ زيد، وهذا ليس بدل بعض من كل، ولم يتعرض حيث ذكر البدل لبدل البعض من الكل أصلًا، قال: "وتعليله في منع البدل في المستثنى المقدم دليلٌ على ذلك، ولم يفهم عنه أحدٌ مراده" قال: "فعلى هذا كان يصح البدل في: ما قام إلا زيدٌ أحدٌ؛ لأنه يقع موقعه، ويبدل مكانه، ويقع موقع "إلا زيدٌ" لا موقع زيدٍ وحده" انتهى المقصود من كلامه، وبه تبين وجه الإتباع، ووجه اختيار النصب.
ومما جاء على الإتباع ما أنشده يونس في نوادره من قول الشاعر:
رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر
وأنشد الفراء لذي الرمة:
مقزع أطلس الأطمار ليس له... إلا الضراء وإلا صيدها نشب
ولحسان رضي الله عنه:
لأنهم يرجون منه شفاعةً... إذا لم يكن إلا النبيون شافع
والوجه الثاني- وهو المختار- النصب على الاستثناء، وهو الذي قال [فيه].
ولكن نصبه اختر إن ورد" فتقول على المختار: ما لي إلا زيدًا أحدٌ، وما قام إلا زيدًا القوم، وما مررت إلا زيدًا بأحدٍ، ووجه ذلك ما تقدم من الخروج عن قبح البدل، كما فعلوا في نحو: فيها قائمًا رجلٌ، لما لم يحسن أن يجري قائم على رجلٍ مع تقديمه، ولا رجلٌ على قائمٍ نصبوه على الحال، قال سيبويه: "لما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخرت المستثنى، كما أنهم حيث استقبحوا أن يكون الاسم صفةً في قولهم: فيها قائمًا رجلٌ، حملوه على وجهٍ قد
يجوز لو أخرت الصفة- يعني النصب على الحال- وكان هذا أمثل عندهم من أن يحملوا الكلام على غير وجهه".
ثم أنشد لكعب بن مالك رضي الله عنه:
والناس ألبٌ علينا فيلك ليس لنا... إلا السيوف وأطراف القناوزر
وقال الكميت:
وما لي إلا آل أحمد شيعة... وما لي إلا مشعب الحق مشعب
هذا تحصيل ما قصد.
ثم فيه بعد نظر من وجهين:
أحدهما: أن السبق الذي ذكر إما أن يريد به السبق المطلق كان سبقًا على جزأي الجملة معًا أ، على أحدهما دون الآخر، أعني أن يكون السبق على المستثنى منه وحده دون العامل، فإن كان الأول فهو غير صحيح؛ إذ لا يجوز تقدم المستثنى على الجملة كلها أصلًا، فلا تقول: إلا زيدًا قام القوم، ولا: ما إلا زيدًا في الدار أحدٌ، فإن جاء من ذلك شيءٌ فهو خاص بالشعر، كقول الشاعر- أنشده الزجاجي- وغيره:
خلا أن العتاق من المطايا.. حسين به فهن إليه شوس
وهو لأبي زبيد الطائي، وقال الآخر- أحسبه الأعشي-:
خلا الله لا أرجو سواك وإنما... أعد عيالي شعبة من عيالكا
وقال الآخر:
وبلدةٍ ليس بها طوري... ولا خلا الجن بها إنسي
فلا يبنى على مثل هذا، وإطلاق لفظ السبق في كلامه يقتضي جواز مثل هذا.
وأما إن أراد الثاني فصحيح إلا أن لفظه لا يقتضيه بخصوصه، فكان كلامه غير محرر، وقد وجه في الشرح امتناع التقديم بأن المستثنى جارٍ من المستثنى منه مجرى الصفة المحضة من الموصوف بها، ومجرى المعطوف بلا من المعطوف عليه، فكما لا يتقدمان على متبوعهما كذا لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه إلا إذا تقدم ما يشعر به مما هو المسند إليه أو واقع عليه.
والجواب: أن إجازته الرفع على البدل يعين أن التقديم لا يكون إلا على المستثنى منه خاصةً؛ لأنك إذا قلت: إلا زيدٌ لم يقم القوم لم يصح أن يكون واحدٌ منهما بدلًا، وكذلك: إلا زيدٍ لم أمر بإخوتك، وما أشبه ذلك، فلا بد من محل يتصور فيه البدل، وذلك لا يكون إلا عند توسط المستثنى.
هذا وجهٌ من الاعتذار جارٍ، ويمكن أن يعتذر عنه بأنه قد ذهب في ذلك مذهب من رأى جواز التقديم على الجملة بأسرها، حكاه ابن الأنباري عن الكسائي من الكوفيين، وعن الزجاج من البصريين.
وإذا كانت المسألة خلافية أمكن أن يطلق العبارة بناءً على القول بالجواز، ويترجح هذا المذهب بأمرين: الأول: السماع في نحو ما ذكر، والآخر: أن المانع عند البصريين من التقديم شبهه بالصفة مع الموصوف، أو بالبدل مع المبدل منه، أو بالمعطوف بلا مع المعطوف عليه، وذلك الشبه غير معتبر، ولا محصل؛ إذ لو كان كذلك لم يجز تقديمه على المستثنى منه وحده، وهو جائز باتفاق من المختلفين.
وما فرق بن ابن مالك في الشرح ليس بفرقٍ قوي يعمل مثله في بناء الأحكام عليه، وكذلك قول من قال: لما تجاذبه شبهان شبهه بالمفعول، وشبهه بالبدل، والأول طالبٌ بجواز التقدم مطلقًا، والثاني مانع منه مطلقًا، أعطي منزلة بين المنزلتين إعمالًا للشبهين فلو أجيز التقديم بإطلاق
لأهمل أحدهما، وهو خلاف الأولى.
فهذا فرقٌ ضعيف لا يقوى أن يبنى عليه قياس، وإنما يكون توجيهًا للسماع بعد ثبوته.
هذا إن سلمنا صحة شبهه بالمفعول.
وإلا فلقائل أن يقول بمنعه وأيضًا إذا ثبت أن إلا هي العاملة فلا محذور في تقديم المستثنى؛ إذ كانت (إلا) تتقدم أيضًا، وإنما كان يلزم المحذور على القول بأن الفعل هو العامل بوساطة إلا، فالحاصل أن للقول بجواز التقديم مطلقًا وجهًا لا يبعد من أجله ميل الناظم إليه.
والله أعلم.
والنظر الثاني: أن قوله: "ولكن نصبه اختر إن ورد" عبارة غير محررة وذلك أن الكلام مفروض على أن التقديم قياسٌ لا أنه سماع، وهذه العبارة تؤذن بأنه سماع لا قياس، ألا ترى أن قوله: "إن ورد" إنما معناه: إن ورد في السماع، إذ لا يقال فيما كان قياسًا الوجه فيه كذا إن ورد عن العرب، [لأن ما ورد عن العرب]، وكان الكلام فيه موقوفًا على الورود عنهم بعيدٌ من أن يقال إنه قياس، وأيضًا فإن قوله: "نصبه اختر" مع قوله: "إن ورد" كالمتناقض؛ فإنه إذا توقف الحكم باختيار النصب على وروده، فوروده لا بد أن يكون منصوبًا أو مرفوعًا، وعلى كلا التقديرين لا اختيار فيه؛ إذ لا يقال إلا كما سمع، فثبت أن قوله: "إن ورد" غير محصل ولا محرر، فلو قال مثلًا: "ولكن نصبه قد اعتمد" أو ما أشبهه مما يزيل ذلك اللفظ المشكل لكان أولى.
ولا جاوب لي عنه الآن.
ونصبه مفعول (اختر) قدم عليه.
[ثم قال: ]
وإن يفرغ سابق إلا لما... بعد يكن كما لو إلا عدما هذا هو القسم الثاني من قسمي المستثنى، وهو المفرغ، والتفريغ: عبارة عن كون ما قبل (إلا) طالبًا لما وقع بعدها طلبًا لا يفتقر إلى (إلا) من حيث التركيب، فلا يتم الكلام من حيث القصد إلا به، فيطلبه إما بالفاعلية وإما بالخبرية، وإما بالمفعولية على أقسامها، وإما بالحالية، وإما بغير ذلك من الأحكام التي يقتضيها فيه ما قبل (إلا)؛ لأنه لم يذكر له قبلها شيءٌ من ذلك، فيريد أن ما قبل (إلا) إذا كان مفرغًا لما بعدها لأن يطلبه بما تقتضيه من الأحكام، فإنه يعرب بإعراب ما يطلبه به على حد ما لو عدمت (إلا) من الكلام فلم تذكر، لكن لا بد أن يتقدم نفي أو شبهه؛ إذ لا يصح التفريغ من عدمها كما يأتي، فتقول في الفاعلية: ما قام إلا زيدٌ، فزيدٌ فاعل بقام كما كان فاعلًا في قولك: ما قام زيدٌ، وفي الخبرية: ما زيدٌ إلا قائمٌ، فقائم خبر زيد على حد قولك: ما زيد قائم، وعلى ذلك يجري الأمر في المفعولية نحو: ما ضربت إلا زيدًا، وما قمت إلا قيامًا حسنًا، وما خرجت إلا يوم الجمعة، وما قعدت إلا مكانك، وما ضربته إلا تأديبًا، وفي الحال: ما سرت إلا مسرعًا، وفي المجرور: ما مررت إلا بزيدٍ، وما اشتريت إلا من السوق، وفي التمييز: ما امتلأ الإناء إلا ماءً، أو ما شبه ذلك؛ وإنما كان كذلك لأن المستثنى صار خلفًا من المستثنى منه حين ترك؛ إذ كان الأصل: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، وما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وما زيدٌ في موضع من المواضع إلا مكان كذا، وكذلك سائرها، فلما ترك ذكرها لفهم معانيها أقيم المستثنى مقامها، فأعطي اللفظ حقه من العمل فيها على حسب ما كان يطلب المستثنى
منه، وقطعه على الحكم بذلك بناءٌ منه على مذهب الجمهور القائلين بأن لا مقدر قبل (إل) ايعتد به في أحكام اللفظ.
ومن الناس من ذهب إلى أنه يصح تقدير معمول للعامل المتقدم، ويكون له الحكم دون ما بعد إلا، لكن على تفصيل، فقال: لا يخلو أن يكون المعمول الذي يطلبه العامل مما لا يجوز حذفه، أو مما يجوز حذفه، فإن كان مما لا يجوز حذفه لم يصح تقديره قبل (إلا)، ويلزم أن يكون ما بعد (إلا) هو معموله، فوجود إلا هنا كعدمها، كالفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله، كقولك: ما قام إلا زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ.
وإن كان مما يجوز حذفه جاز فيما بعد (إلا) وجهان: أحدهما: أن تجعله على حسب العامل المتقدم.
والآخر: أن تنصبه على الاستثناء، وتجعل معمول العامل المتقدم محذوفًا فتقول على الأول: ما مررت إلا بزيد، وعلى الثاني: ما مررت إلا زيدًا.
وما قاله دعوى لا تقوم عليها حجة، وكلام العرب يخالفها، ولو كان على ما قال لجاز ذلك في الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله، فيكونان مضمرين لا محذوفين كما يقولون في: قام القوم ليس زيدًا، ولا يكون زيدًا.
فإن قيل: الفرق بينهما أن الفضلة يجوز حذفها والفاعل لا يحذف، ولا يصح أن يكون مضمرًا؛ إذ لا دليل عليه، ولا يفهم العموم إلا بعد ذكر زيد، والدليل على أنه حذف في الجميع، وأن ذلك المحذوف معتبر في غير المرفوع ما أنشده الفارسي في التذكرة من قوله:
نجا سالمٌ والنفس منه بشدقه... ولم ينج إلا جفنَ سيفٍ ومئزرَا
فلولا أن ثم محذوفًا مقدرًا لم ينصب مع التفريغ، ومثل هذا لم يأت في المرفوع، فدل على أن مثل: (ما قام إلا زيد) ليس فيه مقدر، وأن مثل: ما مررت إلا بزيدٍ فيه مقدر في أحد الوجهين.
فالجواب: أن هذا الفرق غير صحيح؛ لأمرين: الأول: أن هذا البيت من الشاذ الذي لا يقاس عليه مع احتمال أن يكون الأصل: فلم ينج إلا بجفن سيف ومئزرٍ، لكنه حذف الجاز فانتصب المجرور كما قال:
تمرون الديار ولم تعوجوا
والثاني: أنه إن كان مثل هذا حجةً في جواز تقدير محذوفٍ فليكن مثل ذلك حجةً في تقدير المرفوع؛ فإنهم قد نقلوا أن الراجز قد قال: لم يُعن بالعلياء إلا سيدًا... ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
فيستوي إذًا تقدير المرفوع وغيره، فيبطل ما ذهب إليه من التفصيل، وأيضًا لو صح اعتبار التقدير بإطلاق لجاز البدل من ذلك المقدر، ولو جاز لتكلموا به، فكانوا يقولون: ما مررت إلا زيدٍ- بغير باء، كما يجوز ذلك مع ذكر المستثنى منه؛ إذ لا يشترط في البدل تكرير العامل، فالصحيح أن ما بعد إلا هو مطلوب الفعل، نعم لا ينكر أن يكون المعنى طالبًا بتقدير أمر لا يعتبر لفظًا؛ إذ لا يلزم من التقديرات المعنوية اعتبار الأمور اللفظية بها، قال السيرافي: "إنما جاز أن يستثنى الشيء من لا شيء؛ لأنه وإن "اعتمد لفظ ما قبل حرف الاستثناء على الاسم
الذي بعده في العمل، فلا يخرجه ذلك من معنى الاستثناء كما أن الفعل إذا بني للمفعول... لم يخرجه ذلك أن يكون مفعولًا به" قال: "وكذلك ما قام إلا زيد نعلم أن القيام نفي عن غير زيد لكن تصحيح اللفظ ألا يعرى الفعل من فاعل يجعل ما بعد إلا فاعله مع فائدة إلا، وهي نفي الفعل عما سواه".
وقوله: "وإن يفرغ سابق" السابق عبارة عن العامل الطالب، و (إلا) مفعولٌ بسابق؛ لأنه اسم الحرف حكاه على العادة في الاصطلاح، ولما متعلق بيفرغ، و (بعد) على حذف المضاف إليه، وهو الضمير العائد على إلا، والتقدير: وإن يفرغ عاملٌ سابقٌ أداة الاستثناء لما بعدها يكن ذلك الواقع بعد إلا في الإعراب كما يكون لو عدمت من الكلام.
فإن قيل: من شرط التفريغ أن يتقدم الكلام نفي، أو استفهام، أو نهي، كقولك: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وهل أنت إلا قائمٌ، ومنه في القرآن: ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾ ﴿وما محمد إلا رسول﴾ ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ و ﴿لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ ونحو ذلك، والناظم لم يأت بما يعطي اشتراطه بتصريحٍ أو إيماءٍ، فالظاهر أن هذا تقصير، وإلا فمن أين يفهم له ذلك الشرط، وكلامه في التسهيل أصح حيث قال بعد ما ذكر التفريغ: "ولا يفعل ذلك دون نهيٍ أو نفيٍ صريحٍ أو مؤولٍ" فالجواب من وجهين:
أحدهما: إمكان أن يكون ترك ذلك لما لم يستقم التفريغ إلا كذلك، فإن الإيجاب لا يصح فيه ذلك، لو قلت: قام إلا زيد، وضربت إلا زيدًا لم يكن كلامًا مستقيمًا، بخلاف ما إذا لم يكن موجبًا.
والثاني- وهو أشبه-: أن كلامه فيما تقدم إنما هو على الاستثناء الواقع بعد النفي وشبهه من لدن قوله: "وبعد نفي أو كنفي انتخب" إلى ههنا فيكون فصل التفريغ إذًا داخلًا تحت ذلك التقييد، ومنتظمًا في سلكه.
والله أعلم.
[ثم قال]:
وألغ إلا ذات توكيدٍ كلا... تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا
هذا الفصل يذكر فيه تكرير إلا في الاستثناء، أعني أن تكرر مع ما يقع مستثنًى بها.
وهو قد قسمها أولًا قسمين بحسب التكرير المذكور: أحدهما: أن تكرر لمجرد التوكيد لما قبلها، والآخر: أن تكرر لا لتوكيد.
فأما الأول فهو الذي ذكر في هذين الشطرين، فبين أن حكمها حكم ما لو لم تذكر إلا بخصوصها، وهذا معنى الإلغاء في قوله: "وألغ" أي أن ما بعدها يجري على إعراب ما قبلها إبدالًا منه تحرزًا مما يذكره بعد في القسم الثاني من مخالفة ما بعدها لما قبلها في الإعراب، ومثل ذلك بقوله: لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا، فإلا الفتى بدلٌ من الضمير المجرور بالباء، والعلا بدلٌ من الفتى، وإلا لمجرد التوكيد، كأنه قال: إلا الفتى العلا، ويتعلق بهذا الحكم مسائل ثلاث: إحداها: أن هذا الحكم مشروطٌ بأن يكون ما بعد إلا الثانية بحيث إذا سقطت إلا صح معه الكلام، وهو حقيقة كونها مؤكدة، وذلك يتصور على أن يكون الثاني بدلًا من الأول، أو
معطوفًا بالواو.
فأما البدل فأن يكون الثاني هو الأول، وهو بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، وهو الذي مثل به، ومثله: قام القوم إلا زيدًا إلا أبا عبد الله، إذا كان أبو عبد الله هو زيد، ومنه في أحد الاحتمالات ما أنشد الإمام للفرزدق:
ما بالمدينة دارٌ غير واحدةٍ... دارُ الخليفة إلا دار مروانا
على أن يكون غير واحدةٍ استثناء لا صفةً، وإلى ذلك ينحو قول القطامي:
أما قريش فلن تلقاهم أبدًا... إلا وهم خير من يحفى وينتعل
إلا وهم جبل الله الذي قصرت... عنه الجبال فما ساواهم جبل
وبدل البعض من الكل نحو: ما أعجبني إلا زيدٌ إلا وجهه، وما قطع إلا زيدٌ إلا يده، ومن ذلك عند بعضهم ما أنشده سيبويه من قول الراجز:
مالك من شيخك إلا عمله... إلا رسيمه إلا رمله
الرسم والرمل بعض عمله، وظاهر سيبويه أنه من الأول.
وبدل الاشتمال كقولك: ما أعجبني إلا زيدٌ إلا حسنه.
وبدل الإضراب كذلك أيضًا، وتقول: ما أتاني إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله إذا كان غيره على الغلط، والنسيان،
والبداء.
وأما العطف بالواو فكذلك أيضًا إذا قلت: جاءني القوم إلا زيدًا وإلا عمرًا، فهذا من ذلك لأنك إذا أسقطت إلا صح الكلام، فتقول: جاء القوم إلا زيدًا وعمرًا، وأنشد المؤلف على ذلك قول الشاعر:
وما الدهر إلا ليلة ونهارها... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
وكل هذا داخلٌ تحت عبارته.
والثانية: أنه حين بين أن إلا إذا كانت مؤكدة فهي ملغاة في الحكم كأنها لم تكن، فلا بد أن يكون ما بعدها تابعًا لما قبلها في الإعراب، فتقول: ما قام إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله، وما أعجبني إلا زيدٌ إلا وجهه أو إلا حسنه، وما مررت إلا بزيدٍ إلا أبي عبد الله، وما أشبه ذلك، فلا تنصب واحدًا منهما على الاستثناء إلا إذا نصبت الآخر على الاستثناء أيضًا، كما أنك إذا لم تأت بإلا المؤكدة لم يختلفا أصلًا، فتقول: ما جاءني إلا زيدٌ أبو عبد الله، وما مررت إلا بزيدٍ أبي عبد الله، ولا تقول: ما جاءني القوم إلا زيدٌ إلا أبا عبد الله، كما لا تقول: ما جاءني القوم إلا زيدٌ أبا عبد الله، وهذا ظاهر.
والثالثة: أنه أطلق القول، ولم يقيده كما تقدم، فاقتضى أن ذلك الحكم يكون في الإيجاب كما يكون في النفي، وكذلك في الاستفهام، والنهي، وكذلك اقتضى أنه ثابت مع التفريغ وغيره، وأيضًا فيشعر بذلك من كلامه أنه قسم التكرير إلى ما هو توكيد، وإلى ما هو على غير التوكيد، ثم فصل ما هو على
غير التوكيد إلى ما هو مع التفريغ، وإلى ما ليس كذلك، ولم يفصل ما هو توكيد، فدل على أنه لا تفصيل فيه، وأيضًا فيدل على أن هذا الحكم مطلق تقدم الاستثناء أو تأخر لا يختلف الحكم في المستثنى مع التكرار للتوكيد، وأشعر بالإطلاق تقييده في قسم التكرار لغير توكيد، وتفصيله الحكم مع التقديم والتأخير، فعلى هذا تقول في الإيجاب: قام القوم إلا زيدًا إلا أبا عبد الله، وهل قام إلا زيدٌ إلا أبو عبد الله، ولا تكرم إلا زيدًا إلا أبا عبد الله.
وتقول: ما قام إلا زيد إلا أبو عبد الله، وقام الناس إلا زيدًا إلا أبا عبد الله، وكذلك: قام إلا زيدًا إلا أبا عبد الله القوم، وما قام إلا أبو عبد الله إلا زيدٌ القوم، وما أشبه ذلك كله يشمله كلامه.
القسم الثاني من قسمي تكرار إلا، وهو أن تكرر لغير توكيد، ذكر فيها الناظم ضابطًا أذكره على الجملة ثم أمشيه على لفظه، فاعلم أنه إذا تكررت إلا فلا يخلو أن يكون ما قبلها مفرغًا لما بعدها أو غير مفرغ له، فإن كان مفرغًا له شغل بواحد من تلك المستثنيات على حسب ما كان يطلبه من فاعليةٍ أو مفعوليةٍ أو غير ذلك، ونصب الباقي منها على الاستثنائية، فتقول: ما جاءني إلا زيدٌ إلا عمرًا، وما مررت إلا بزيدٍ إلا عمرًا.
وما أشبه ذلك.
وإن كان ما قبل إلا غير مفرغٍ لما بعدها فإما أن تكون المستثنيات متقدمة على المستثنى منه أو لا تكون كذلك، فإن تقدمت فالنصب لا غير في جميع المستثنيات، ولا يجوز الإتباع، فتقول: ما جاءني إلا زيدًا إلا عمرًا أحدٌ، وما مررت إلا زيدًا إلا عمرًا بأحدٍ، ومنه قول الكميت أنشده سيبويه: