شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 81-94

وأما غير الدعاء فمنه قولك: حسبك ينم الناس، أي اكتف ينم الناس.
وقالوا: اتقي الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه، معناه: ليتق، ومنه قوله تعالى: } يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار}.
الآية: بعد قوله: } تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}.
قال الزجاج: هو جواب ل (تؤمنون) أي إن تؤمنوا يغفر لكم، وهو خبر معناه الأمر، والدليل عليه قراءة ابن مسعود: } آمنوا وجاهدوا} وفي الآية محمل آخر.
ولا يجوز أن تنصب بعد الفاء، فتقول: حسبك فينام الناس، ونحو ذلك، والعلة في المنع عند ابن المؤلف ما تقدم في اسم الفعل، من عدم صحة تقديره بالمصدر، لأن الجملة الاسمية أو الفعلية لا يصح أن تتقدر بالمصدر، ولا تقع صلة ل (أن) فلا يصح أن ينتصب بعدها شيء.
والنوع الثالث: التحذير والإغراء ونحوهما، نحو: إياك وزيدا تسلم منه، وأخاك أخاك تقو به.
وهذا أولى في الجزم من قولك: حسبك ينم الناس، لأن باب "التحذير والإغراء" قام فيه المفعول مقام الفعل، فهو مقدر كأمه منطوق به، و"حسبك" لفظ خبري يعطي معنى فعل الأمر، ولا دلالة له على لفظه، فكان أبعد

منه، إلا أنهم لازموا هنا تقدير الفعل وعدم اللفظ به، فصار الأمر بغير (فعل) كما في (دونك، وعليك) وعلى ما اقتضاه كلام الناظم هنا لا يقال: إياك والأسد فتسلم ولا أخاك أخاك فتقوى به، لأنه شبيه بأسماء الأفعال في لزوم إقامته مقام الفعل.
ومن هذا الباب ما قام من المصادر مقام أفعال الأمر لزوما، كضربا زيدا يتأدب، ولا يقال: فيتأدب.
وهذا كله إنما أتيت به على ما يحتمله كلامه، وما يسوغه القياس، ولم أر فيه نصا فانظر فيه.
ووجه امتناع النصب ما تقدم من تعذر تقدير الكلام بالمصدر، وعدم تأتي جعله صلة (أل).
والفعل بعد لافاء في الرجا نصب... كنصب ما إلى التمني ينتسب.
هذا تمام الكلام في الجواب بالفاء، وهو ما لم يدخل له تحت العقد المتقدم/، لأن (الرجاء) ليس بطلب، كما كان الاستفهام والعرض والتحضيض ونحوها طلبا، وكذلك (التمني) لأن الطلب إنما هو ما أعطى معنى (افعل) فالاستفهام والعرض وغيرهما فيها معنى (افعل) فقولك: هل قام زيد؟ في معنى: أخبرني عن قيان زيد، وكذلك: ألا قمت، وهلا قمت، في معنى (قم) بخلاف الرجاء والتمني.
وقد جعل ابن الناظم (التمني) داخلا تحت الطلب، فهو عنده

قسم سابع من أقسامه.
وقد يشعر بذلك قول الناظم: "كنصب ما إلى التمني ينتسب" فأتى به في مساق المقرر الحكم، حيث جعله مشبها به.
فإن أراد الناظم هذا فهو بعيد، لبعد الطلب في التقدير من معنى التمني.
ألا ترى أنه لا يستلزم حضور مخاطب كالترجي، بخلاف الاستفهام وغيره مما تقدم، فالتمني والترجي من باب واحد، والفرق بينهما أن الرجاء إنما يكون في الممكن، كقولك: لعلي أحج، ولعلي أكرمك، والتمني يكون في الممكن وغير الممكن، نحو: ليت لي مالا أنفق منه، و: ليت هذا الليل شهر... لا ترى فيه عربيا.
فأخبر الناظم- رحمه الله- أن الفعل ينتصب بعد الفاء في الرجاء، فتقول في الرجاء: لعل لي مالا فأنفق منه، وقرأ حفص عن عاصم: } لعلي أبلغ الأسباب.
أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى} بنصب (أطلع) وقرأ عاصم أيضا: } وما يدريك لعله يزكي.
أو يذكر فتنفعه الذكرى} بنصب

(فتنفعه) وذلك كله على جواب (لعل) ومعناها الترجي.
وأنشد الفراء: عل صروف الدهر أودولاتها... يدللننا اللمة من لماتها فيستريح القلب من زفراتها.
بنصب "يستريح".
والنصب بعدها ليس بكثير، لم يطرد في الكلام أن يقال: لعلك تأتينا فتحدثنا، ولكنه قد جاء في الكلام الفصيح الذي هو القرآن، فلا يقال: إنه ممتنع.
وقد حكى ابن المؤلف في "التكلمة" عن البصريين أنهم يمنعون النصب بعد (الرجاء) لأنه في حكم الواجب، وحكى جوازه عن الكوفيين، بناء على كون "لعل" تأتي للاستفهام وللشك فيجاب في الوجهين، ومن أمثلتهم: لعلي سأحج فأزورك.
والاستفهام ب (لعل) غير معروف عند البصريين.
وقد استدل المؤلف على

ثبوته بقوله عليه السلام: "لعلنا أعجلناك" وبقوله: } وما يدريك لعله يزكى} ولا حجة في شيء من ذلك.
/والصحيح أنها محمولة على التمني في نصب الجواب، لأن التمني والترجي متقاربان في المعنى، فكأنهم أشربوا (لعل) معنى (ليت) فنصبوا، وكذلك قال الجزولي: وأشربها معنى (ليت) من قرأ (فأطلع) نصبا.
وإلى هذا أشار الناظم بقوله: "كنصب ما إلى التمني ينتسب" أي نصب على حد نصب ما انتسب إلى التمني، لتقارب معنييهما.
ولما كان النصب في الترجي عنده ثابتا نبه عليه، وعلى أنه من كلام العرب، بقوله: "والفعل بعد الفاء في الرجا نصب" وأنه مثل التمني، فلا بد من القول بقياسه، كما يقوله الكوفيون، خلافا للبصريين على ما حكى ابنه عنهم، لكن ليس على ما يتأوله الكوفيون، بل على ما يتأوله البصريون.
وقوله: "بعد الفاء" قيد للنصب بعد "الرجاء" وظاهره أنه مقتصر به على ما بعد الفاء، فإذن لا يدخل ما بعد الواو في هذا الحكم، فلا يقال: لعلي أحج وأزورك.
وذلك غير مستقيم، لأن النحويين المتأخرين من البصريين يجيزون ذلك مطلقاً.

والجواب بالفاء والواو في الأجوبة الثمانية صحيح سائغ عندهم، ولم يستثنوا ترجيا ولا غيره.
والجواب عن هذا أن ذكر الفاء ليس بقيد يخرج الواو، بل ذكرها ليلحقها بما تقدم من النفي والطلب.
والناظم قد تقدم له أن الواو كالفاء في وقوعها جوابا إذا كانت بمعنى (مع) يعني حيثما وقعت، ومن مواقعها الرجاء والتمني، فلا بد أن تقع الواو فيهما فتقول إذن: لعلي أحج وأزورك، على معنى: لعلي يجتمع لي حج وزيارة لك، وهذا ظاهر.
وقوله: "كنصب ما إلى التمني ينتسب" أي أن الفعل بعد الفاء إذا كان منتسبا إلى التمني، أي واقعا جوابا له، لأنه إذا وقع جوابا انتسب له، فقيل: جواب التمني، فإنه ينتصب أيضا، لأن الكلام مع التمني غير واجب، فاستوى في ذلك مع الاستفهام والدعاء ونحوهما، فتقول: ليت لي مالا فأنفق منه، ومنه قوله تعالى: } يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} وتقول في الواو إذا وقعت جوابا: ليت لي مالا وأنفق منه، ومنه قراءة حفص وحمزة: } فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} بنصب "نكذب" و"نكون" على جواب التمني، أي يا ليتنا يجتمع لنا هذا وهذا، وقرأ ابن عامر بنصب "نكون" على الجواب، ورفع "نكذب" عطفا على "نرد"/ولم يذكر ها هنا كون ما بعد الفاء جوابا في القصد، لذكر ذلك فيما تقدم، فلم يحتج إلى إعادته لأنه معلوم.

و"ما" في قوله: "ما إلى التمني" موصولة، وهي واقعة على الفعل الواقع جوابا.
بعد الفاء.
وإن على اسم خالص فعل عطف.
تنصبه أن ثابتا أو منحذف هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين يجوز فيهما إظهار (أن) وإضمارها، وذلك إذا عطف الفعل على الاسم الخالص.
يعني أن الفعل إذا عطف على اسم خالص، فإن ذلك الفعل ينتصب ب (أن) ثابتة غير محذوفة، أو محذوفة غير ثابتة، لكن قوله: "الخالص" يمكن أن يفسر بأحد وجهين: أحدهما أن يريد به ما أراد النحويون بقولهم: الاسم الصريح، أي غير المؤول، ومثلوا ذلك بنحو قولك: أعجبني قراءتك وتفهم، وإن شئت قلت: وأن تفهم.
ومنه قوله تعالى: } وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} على قراءة النصب، وهي قراءة من عدا نافعا من السبعة.
وأنشد سيبويه قول الشاعر، وهو لميسون بنت بحدل الكلابية:

للبس عباءة وتقر عيني... أحب إلي من لبس الشفوف.
ولا يختص هذا العطف بالواو، بل يجوز في غيرها أيضا، ولذلك لم يقيد ذلك الناظم، فيدخل فيه العطف (أو) كما في الآية المذكورة، والعطف ب (ثم) نحو قوله: إني وقتلي سليما ثم أعقله... كالثور يضرب لما عافت البقر.
وبغير ذلك.
وقوله: "على اسم خالص" أعم من أن يكون ذلك الاسم مصدرا أو غيره، فالمصدر كما تقدم، وغير المصدر نحو قوله، وهو كعب الغنوي، أنشده سيبويه: وما أنا للشيء الذي ليس نافعي... ويغضب منه صاحبي بقؤول جعل "ويغضب" معطوفا على "الشيء" أي ما أنا بقؤول للشيء: غير نافع،

ولأن يغضب، أي للسبب المؤدي إلى الغضب، وقال الآخر: ولولا رجال من رزام أعزة... وآل سبيع أو أسوءك علقما.
ومثال إظهار (أن) في هذا قول الشاعر: أبت الروادف والثدي لقمصها... مس البطون وأن تمس ظهورا.
وإنما لزمت (أن) هنا لأجل المشاكلة، من حيث كان الفعل لا يعطف على الاسم إلا إذا كان الاسم مشاكلا للفعل، كاسم الفاعل ونحوه، فإن لم يكن مشاكلا فلا بد من رد الفعل إلى الاسم، وذلك مع تقدير (أن).
وإنما/جاز إظهارها لأنها إذا ظظهرت مع الفعل كالاسم الصريح، ولذلك يطلق سيبيويه على (أن) أنها اسم، لما كانت في تقديره، فناسبت لذلك المعطوف عليه، وهو الاسم الصريح المتقدم، فجاز الإظهار لذلك، وفارق بذلك باب (ما تأتينا فتحدثنا) وهو المتحرز منه على هذا التفسير، لأن المعطوف عليه ليس بصريح، فلو أظهر لم يكن في اللفظ ما يعطف عليه، فامتنع.
ومن هذا تحرز بقوله: "على اسم خالص) لأن المصدر في (ما تأتينا فتحدثنا) غير خالص، بل هو مقدر تقديرا معنويا، فلا يجوز أن تظهر (أن)

تقدم ذكره عند ذكر الأجوبة.
والوجه الثاني: أن يكون معنى "الاسم الخالص" الذي لم يشبه الفعل، فكأنه خالص الاسمية، وعلى هذا حمله ابن الناظم، ومثاله ما تقدم، قال: فلو كان المعطوف عليه وصفا شبيها بالفعل لم يجز نصب الفعل المعطوف على ذلك الوصف، كما قد نبه عليه بقوله: "على اسم خالص" أي غير مقصود به معنى الفعل، قال ابن الناظم: واحترز بذلك من نحو: الطائر فيغضب زيد الذباب، فإن "يغضب": معطوف على اسم الفاعل، ولا يمكن أن ينصب، لأن اسم الفاعل مؤول بالفعل، لأن التقدير: الذي يطير فيغضب زيد الزباب، هذا ما قاله.
وهو ممكن في التفسير، إلا أنه يرد على كلا التفسيرين إشكال.
أما الأول فلا شك أنه يدخل عليه النصب، بل وجوبه في مسألة (الطائر فيغضب زيد الذباب) ونحوها من مسائل عطف الفعل على الاسم الذي بمعناه، نحو: مررت برجل ضارب ويشتم، والنصب هنا غير سائغ، لأنه في المعنى كعطف فعل على فعل، كما تقدم في "باب العطف".
وأما الثاني: فيخرج له عن الحكم بالنصب المصدر المقدر ب (أن) والفعل، لأنه ليس باسم خالص عن قصد معنى الفعل، لان قولك: أعجبتني قراءتك وتفهم، في تقدير: أن تقرأ وتفهم، فلم يتمحض إلى جانب الاسم.
فإن قال: إن المصدر غير شبيه بالفعل وإن كان عاملا عمله، وإنما عمل بالنيابة لا بالشبه، إذ لا شبه له بالفعل كشبه اسم الفاعل به.
فالجواب أن هذا الاعتذار يدخل له في وجوب المنصب مسألة (الطائر

فيغضب زيد الذباب) لأن اسم الفاعل، بالألف واللام، إنما عمله بالنيابة لا بالشبه، لأنه في تقدير: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، والدليل على ذلك أنه يعمل وإن كان في معنى الماضي كما تقدم، فالإشكال وارد على التفسيرين/ معا.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن المصدر المقدر ب (أن) والفعل حاصل له حكم النصب كيف اعتقدته، فإن اعتبرت فيه تقدير الفعل فهو منصوب، فالمعطوف عليه مثله، وإن اعتبرت لفظ المصدر فهو صريح في الاسمية.
وأما اسم الفاعل فله أيضا جهتان: جهة الاسمية الخالصة إذا قدرتها فيها، بحيث يكون نحو (قائم) في حكم: كاهل، وغارب، فلا شك على هذا التقدير في نصب الفعل بعده، نحو: يعجبني فاضل ويتكرم.
وعلى هذا التقدير يصح قولك: عجبت من رجل ضارب ويشتم، بالنصب.
والأخرى جهة معنى الفعل، والعطف فيها في المعنى من "باب عطف الفعل على الفعل" وقد تقدم أن الفعل يعطف على الاسم الذي يعطي معنى الفعل، إعمالا لمعناه، وإهمالا للفظه، فكأنه ليس باسم صريح بذلك الاعتبار، فخرج له عن الحكم بالنصب.
وأما الثاني: من الإشكالين فهو قوي، والاعتذار عنه صعب، فلذلك كان التفسير الأول الذي جرى عليه الناس أولى، والله أعلم.
وقوله: "فعل" مرفوع بفعل مضمر، يفسره "عطف" تقديره: وإن عطف على اسم خالص فعل عطف، و"ثابتا" حال من (أن) وذكره لأن

تذكيره جائز، و"منحذف" معطوف عليه، على لغة: رأيت زيد أراد "أو منحذفا" وشذ حذف أن ونصب في سوى... ما مر فاقبل منه ما عدل روى.
يعني أن حذف (أن) مع بقاء نصبها في غير المواضع المذكورة، حذفها فيه لا يجوز في الكلام، وما جاء منه فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، ومما جاء من ذلك ما أنشد سيبويه لعامر بن جوين الطائي: فلم أر مثلها خباسة واجد... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله.
أراد: بعد ما كدت أن أفعله، وأنشد الكوفيون قول طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي.

وحكى الكسائي عن العرب: لا بد من تتبعها.
وقيل: خذ اللص قبل يأخذك.
وهذا نادر، وكلام العرب على خلاف ذلك، بل إذا حذفت (أن) رفعت الفعل، نحو قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" وعلى الرفع أنشد سيبويه قول طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى... وأن أشهد الذات هل أنت مخلدي.
ويقال: تفعل كذا أحسن، وتكرم الضيف خير لك، والمراد: أن تفعل، وأن تكرم كقول الله تعالى: } وأن تصوموا خير لكم} ومن ذلك في /أحد الوجهين قوله تعالى: } تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون} الآية بعد قوله: } هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ففسر التجارة بالفعل، والمراد مصدره، فلما حذفت أداته وهي (أن) رفع، وهو كثير في كلام العرب.
وقوله: (فاقبل منه ما عدل روى) تنكيت على مذهب الكوفيين القائلين بجواز الحذف مع بقاء النصب، قياسا على ما شذ من ذلك، على عادتهم

في القياس على الشذوذات، فكأنه يقول: إن ما جاء من ذلك برواية العدل فإن حكمه أن يقبل قبولا، ويحفظ فقط، لأنه شاذ، لا أن يقاس عليه.
وهذا رد من جهة السماع، والقياس أيضا غير قابل له، لأن عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، فلم تقو أن تحذف ويبقى عملها، كما تحذف عوامل الأسماء، ويبقى عملها: وإنما حذفت (أن) فيما تقدم لوجه من القياس موافق للسماع، ولولا ذلك لما أعمل فيها القياس، وهذا ظاهر.
وجر "سوى ب (في) لأنها عنده متصرفة، وقد تقدم نصه على ذلك في باب "الاستثناء".

جارٍ التحميل