الصرف تنوين أتى مبينا... معنى به يكون الاسم أمكنا
هذا باب "ما ينصرف وما لا ينصرف"
ولما كان الكلام في أحكام (الصرف) أو عدمه ثانيًا عن تصور معناه: ابتدأ الكلام في معناه، فاعلم أن (الصرف) هو تنوين يلحق الاسم مبينًا لمعنًى يكون الاسم بسببه أمكن، أي يدعى بأنه أمكن، وذلك أن الأسماء عند النحويين على قسمين، وذلك باعتبار التمكن وعدمه: متمكن، وغير متمكن.
و(المتمكن) في اصطلاحهم: يطلق على ثلاثة معان:
أحدها: أنه المعرب المتصرف بوجوه الإعراب، فغير المتمكن على هذا: ما اقتصر فيه على وجه واحد وإن كان معربا، نحو: ايمن الله، وسبحان الله.
والثاني: أنه الاسم الذي تعتور عليه المعاني الموجبة للإعراب، وهي الفاعلية، والمفعولية، والإضافة، فأسماء الإشارة على هذا متمكنة وإن كانت مبنية، وهذا أعم من الأول، وكلاهما غير مراد الناظم.
والثالث: وهو مراده، أنه كل اسم مستحق للإعراب، لكونه لم يشبه الحرف، أي هو متمكن في بابه، وغير المتمكن: هو كل اسم خرج عن استحقاق الإعراب، لشبهٍ حصل بينه وبين ما لا يدخله إعراب أبدًا، وهو الحرف أي لم يتمكن في الاسمية.
والأول على قسمين:
(متمكن أمكن) وهو الذي يجري بوجوه الإعراب على أصلها، من الرفع بالضمة، والنصب بالفتحة، والجر بالكسرة، وهذا هو الذي قصد بالذكر.
و(متمكن غير أمكن) وهو الذي نقص عن تلك الرتبة، ولم يخرج عن بابه جملة، وهو الجاري ببعض وجوه الإعراب وهو الرفع والنصب، دون بعض وهو الجر.
فأخبر أن (الصرف) تنوين، و (التنوين): نون ساكنة مزيدة في آخر الاسم لمعنى يختص به.
وذلك المعنى على أوجه:
منها أن يدل على بقاء الأصالة، ويسمى "تنوين الصرف" وهو الذي أراد بقوله: "الصرف تنوين" أتى بالجنس الذي يشمل ما يدل على الأصالة وما لا يدل على ذلك؛ بل على معنى آخر كـ "تنوين التنكير" الدال على تنكير ما هو صالح للتعرف كـ (صه، ومه، وأف) وكـ "تنوين العوض" اللاحق عوضًا من مضاف إليه، كـ (حينئذ، ويومئذ) ونحوهما، وكـ "تنوين المقابلة اللاحق مقابلا لنون جمع المذكر، كـ (مسلمات)
ولما كان ذلك داخلا عليه بين أنه يريد منها ما هو دال على معنى الاسم، وذلك المعنى من أجله سمي الاسم أمكن، والأمكنية، فكأنه قال!: التنوين هو النون الدالة على الأمكنية في هذا الاسم، وذلك نحو: رجل، وفرس، وزيد، وعمرو.
فإن التنوين في هذه الألفاظ لا يدل على معنى زائد على الأمكنية؛ إذ ليس عوضًا من شيء، ولا مقابلًا لشيء، ولا مبنيًا تنكير شيء؛ إذ كان يلحق الفكرة والمعرفة، فتحصل تعريف (الصرف).
ومقصوده بتعريفه تبيين أن ما دخله (الصرف) يسمى منصرفا، وما لم يدخله يسمى غير منصرف، فـ (صه، ومه) ونحوه لا يسمى منصرفا، لأن ذلك التنوين فيه لم يلحق لمعنى الأمكنية، حتى لو فرضنا فيه التعريف ببحقه التنوين.
وكذلك (إذ) في (حينئذ) ونحوه لا يسمى منصرفًا، إذ لم يلحق لالًا على الأمكنية.
وكذلك (مسلمات) ونحوه لم يلحقه التنوين الصرفي، حتى لو فرضنا أن ليس له مقابل للحق.
وإذا ثبت هذا التعريف ورد عليه أسئلة:
أحدها: أن (الصرف) هو التنوين الدال على معنى الأمكنية، والأمكنية إنما وجدنا باستقراء مواقع التنوين، حتى رأينا أن تنوين نحو (رجل، وزيد) إنما لحق دالًا على معنى الأمكنية.
فمعنى الأمكنية لم نجده من غير ذلك؛ إذ لم تشافهنا العرب بذلك.
وإذا كانت معرفتنا لمعنى الأمكنية إنما صدرت من جهة (تنوين الصرف) صار هذا التعريف دوريًا لأنا لا نعرف (الصرف) إلا بكونه يدل على الأمكنية وهذا بالغرض، ومعنى الأمكنية لم نعرفه إلا بالصرف وهذا بالاستقراء، والدور في التعريفات فاسد.
والثاني: أن المعنى الذي عرف به أتى به مبهما؛ إذ قال: مبينًا معنى من شأنه أن يكون الاسم به أمكن.
وذلك المعنى لم يعينه باسمه ولا عرفه، كما ينبغي في (التعريف)
فحاصل ذلك أنه أحال في (التعريف) على ما هو مفتقر إلى التعريف، ولم توضع الرسوم إلا على البيان.
والثالث: أن المعرف بالألف واللام، والمضاف، إما أن يقول: إنها منصرفة أو غير منصرفة، فالقول بأنها منصرفة غير صحيح على مقتضى التعريف؛ إذ لم تتصف بالصرف وهو التنوين، وهذا بالحس، وإذا لم تتصف به لم يصح أن يقال: إنها منصرفة، والقول بأنها غير منصرفة باطل، وإن لم يلحقه الصرف الذي هو التنوين، وهذا بإجماع.
وأيضًا، يطلق النحويون على المضاف وذي الألف واللام الانصراف كثيرا، فيقولون: إن غير المنصرف إذا أضيف أو دخلته الألف واللام انصرف.
ولا يقال: إن الألف واللام، والإضافة، لما كانا يعاقبان التنوين سمي ما هما فيه منصرفًا حكمًا للمعاقب بحكم ما عاقبه، ولذلك دخله الجر مع الألف واللام والإضافة، فلا غرو أن سموه منصرفا- لأنا نقول: إذا كان الاسم الذي لا ينصرف لم يكن فيه تنوين- فما الذي عاقبت الإضافة أو الألف واللام؟ فهذه ليست بمعاقبة صحيحة، وإنما تجرى المعاقبة بينة في نحو: الرجل، وغلام زيد.
وأما مثل: حمراء الأسد، ومساجد بني فلان، فما الدليل على هذا؟
والرابع: أن هذا التعريف يقتضي أن نحو: (مسلمات، وصالحات) قبل التسمية، وكذلك بعد التسمية، نحو (عرفات، وأذرعات) غير مراد، لأن التنوين المذكور لم يلحقه.
وإذا كان كذلك فإذا قلت: هذه عرفات مباركًا فيها، فمنعته التنوين والخفض على لغة من قال بذلك- فما الذي منع هنا؟
فإن قلت: تنوين الصرف.
فكيف هذا وهو تنوين مقابلة وإن كان مسمًى به؟ والدليل على ذلك بقاء اللفظ على ما كان عليه في اللغة الأخرى، ومعاملته معاملة ما لو كان جمعًا حقيقة، ولا خلاف أن تنوين (عرفات) قبل التسمية به هو
التنوين بعد التسمية به على اللغة الشهيرة.
وقد قالوا: إنه تنوين مقابلة، فكذلك بعد التسمية به.
فقد حصل في ظاهر الوجود أن ثم من المنصرف ما لا يدخله تنوين الصرف المذكور، فصار التعريف غير منعكس.
فأما السؤال الأول: فقد يجاب عنه بأن الدور ساقط في التعريف، لأن التعريف حصل أن الصرف هو التنوين المفيد لمعنى الأمكنية، فالصرف متوقف على معنى الأمكنية، والأمكنية لا تتوقف على معرفة (الصرف) بل إنما تتوقف على معرفة حصول وجوه الإعراب فيه، لأن وجوه الإعراب ما دخلت فيه واستوفاها إلا لمعنى فيه يسمى الأمكنية، أي هو متمكن في وجوه الإعراب الثلاثة.
والتنوين الصرفي: تابع لوجوه الإعراب بعد تقرر حصولها له، وإنما كان يكون دورًا لو توقفت معرفة الأمكنية على معرفة التنوين الصرفي، وليس كذلك.
وأما الثاني: فيجاب عنه بأن المعنى المعرف به مشروح، لأنه قال: "به يكون الاسم أمكنا" فاشتق له من الأمكنية وصفًا، فمعناه: يكون به الاسم ذا أمكنية، والمعنى المراد هو الأمكنية، فليس فيه إبهام كما زعم.
وأما الثالث: فإن المنصرف إنما يطلق عند النحويين في مقابلة غير المنصرف، فلا يقال للاسم: (منصرف) إلا إذا كان بحيث
يدخله المانع، فيمتنع صرفه، وذلك إذا كان فيه التنوين.
و (غير المنصرف) هو ما منع تنوين الصرف، كما يقرره الناظم.
فإذًا لا يقال فيما فيه الألف واللام أو الإضافة إنه (منصرف) إلا بضربٍ من المجاز، وهو اعتبار المعاقبة على الجملة، حين كانا يعاقبان التنوين.
والدليل على ذلك: أن سيبويه إنما يقول فيما فيه الإضافة أو الألف واللام: إنه انجر، ولا يقول: انصرف.
ألا تراه قال في "باب المجاري": وجميع ما لا ينصرف: إذا دخلت عليه الألف واللام أو أضيف انجر، لأنها أسماء أدخل عليها ما يدخل على المنصرفة.
ولم يقل: انصرف، كما عبر عما فيه التنوين بالمنصرف، فالحق فيما فيه الألف واللام ألا يقال فيه: منصرف، ولا غير منصرف، كما لا يقال للمثنى والمجموع على حده: إنه منصرف أو غير منصرف.
فإذا لا يصدق على ما فيه الألف واللام أو الإضافة أنه منصرف، لأنه لا تنوين فيه، ولا غير منصرف، لأنه لم يكن المانع له منه شبه الفعل؛ بل الألف واللام أو الإضافة.
وأما السؤال الرابع: فالجواب عنه أن المجموع بالألف والتاء لا يسمى منصرفا، وإن كان ابن النظام ينازع في ذلك، لأن "تنوين الصرف" مفقود منه وهو باقٍ على أصله، وكذلك إذا نقل إلى التسمية على اللغة الشهيرة اعتبارًا بالأصل.
وأما من منع فإنه اعتبر حالة التسمية وهو إذ ذاك مفردٌ فيه تاء التأنيث فأشبه (علقاة) إذا سميت به رجلا، فإنك تمنعه (الصرف) فكذلك (عرقات) ونحوه.
وإذا كان معنى الإفراد فيه معتبرا خرج بذلك عن كون تنوين مقابلة، لأن تنوين المقابلة مختص بالجمع، وهذا ليس بجمع.
فإن قلت: فكذلك (عرفات) ونحوه مفرد على اللغة الشهيرة؛ إذ هو اسم لجبل بعينه.
فالجواب: أن معاملتهم إياه معاملة الجمع في كونه يجر بما ينصب به، ولا يمنع صرفه مع توفر علل المنع وهو التأنيث والتعريف- دليل على اعتبار معنى الجمع فيه، وعدم اعتبار معنى الإفراد، وهذا واضح والله الموفق.
وقوله: "أتى مبينًا" جملة في موضع الصفة لـ (تنوين) و (معنى) مفعول بـ (مبينًا) و (به) متعلق بـ (يكون) والجملة في موضع الصفة.
فألف التأنيث مطلقًا منع... صرف الذي حواه كيفما وقع
هذا أحد موانع الصرف، وهو الألف الذي للتانيث وجملة الموانع التي ذكر هنا عشرة:
التأنيث بأقسامه الثلاثة، والألف والنون، والوصف، والوزن بقسميه، والعدل، والجمع على (مفاعل) أو (مفاعيل) والعلمية، والتركيب، والعجمة، وألف الإلحاق.
وزاد بعضهم ألف التنكير، كقبعثري، ضبغطري"، مسمى بهما، وهذا قليل فلم يعتبره، وزيد أيضًا شبه العجمة، وهو الجمع المتناهي مسمى به.
وقد ذكر الناظم التسمية به، وأخبر أنه ممنوع الصرف، ولم يعين مانعه.
والظاهر أنه منع الصرف عنده تشبيهًا بأصله.
وزاد آخر: وشبه العلمية، كألفاظ التوكيد، ولعلها تدخل له تحت العلمية.
وابتداء بألف التأنيث، وهو أحد أقسام التأنيث الثلاثة، وهو الذي يمنع مطلقا في المعرفة والنكرة، وذلك أنه جعل مانع الصرف على وجهين:
أحدهما: ما منع مطلقًا.
والثاني: ما منع في حال التعريف، دون حال التنكير.
فأما المانع مطلقا: فثلاثة أشياء: ألف التأنيث مقصورة أو ممدودة، والوصف إذا اجتمع مع زائدي (فعلان) أو مع الوزن، أو مع العدل، ووزن (مفاعل) أو (مفاعيل).
وأما المانع حال التعريف خاصة بما سوى ذلك.
وابتدأ الناظم بالقسم الأول، وبألف التأنيث منه، فقال: "فألف التأنيث" إلى آخره.
يعني أن الألف التي للتأنيث، سواء كانت مقصورة أو ممدودة، يمتنع، بدخولها وحدها، صرف الاسم الذي حوى هذا الألف، كيفما وقع ذلك الاسم، كان نكرة، أو معرفة بالعلمية أو منكرًا بعد التعريف.
وكذلك الإفراد والجمع والاسم والصفة، الحكم سواء في ذلك، فتقول: هذه امرأة حبلى، وهذه بشرى حسنة، وذكرى بليغة، هذا في المقصورة.
وتقول في الممدودة: هذه صحراء، وجبة حمراء، وصفراء، وكذلك كبرياء، وسيمياء، وفي العملية نحو: زكرياء، وعاشوراء.
وإن نكرت قلت: زكرياء آخر.
وهذا مما لا خلاف فيه بين النحويين.
وأطلق عليها في (صحراء) ونحوه لفظ الألف اعتبارًا بأصلها.
والأصل: صحراا، بألفين، فقلبت ألف التأنيث، وهي الثاني، همزة لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة.
وقد يحتمل أن يرجع قوله: "مطلقًا" للمنع، كأنه قال: إن الألف يمنع الصرف مطلقا، في حال التعريف والتنكير.
ويكون قوله: "كيفما وقع" راجعا إلى الألف، يعني سواء أكان الألف باقيًا على أصله غير منقلب أم منقلبًا همزة، الحكم واحد في إطلاق المنع.
ولعل هذا التفسير أسعد بكلام الناظم لموافقته الاستعمال؛ إذ يقال: ألف التأنيث تمنع مطلقا، ووزن (مفاعل) يمنع مطلقا، يعني أنه يمنع في المعرفة والنكرة، مع أن الوجه الأول لا مانع له من جهة المعنى.
وجعل ألف التأنيث هنا مانعًا منفردا، وشأن موانع الصرف ألا تمنع إلا إذا جاء اجتمع منها سببان فأكثر، ولكن هذا ثابت فيه، وفي موازن
(مفاعل ومفاعيل) وما عداهما فهو الذي لا يمنع وحده على ما سيأتي ذكره إن شاء الله.
وعلى أن كثيرا من متأخري النحويين يردون ذلك إلى علتين، لا إلى علة واحدة، طردًا لما ثبت في غير ذلك.
فأما شيخنا القاضي- رحمه الله- فكان يقول: قد يقال: إنه أشبه ما فيه علتان توهما، فكأن اجتماع التأنيث المعنوي مع اللفظي علتان ثنتان، وكأن معنى الجمع مع لفظه الذي لا نظير له علتان أيضا، طردًا لقاعدة "اجتماع العلتين اللفظية والمعنوية التي بسببها أثر الشبه.
وغيره من شيوخنا وغيرهم يعبرون عن العلتين بالتأنيث، ولزوم التأنيث.
وعبر عن ذلك شيخنا الأستاذ- رحمه الله- بلزوم حرف التأنيث، وبقاء الكلمة عليه.
وفي (مفاعل) يقولون: المانع الجمع المتناهي، وعدم النظير في الآحاد، فقد صيروا العلة الواحدة علتين.
والناظم إنما بنى على ظاهر الحال، وأن الاسم لم يوجد فيه، في الظاهر، إلا علة واحدة، وما فصل غيره فراجع إلى معنى واحد في التحقيق.
والله أعلم.
وإنما منع صرفه كيفما وقع، لوجود علة المنع، أما قبل التسمية فظاهر، وكذلك بعد التسمية، لأن العلمية إنما زادت ثقلا وسببية للمنع، فإن نكر بعد التسمية زالت العلمية، وبقي على أصله قبل العلمية.
وجرى الناظم في هذا البيت على تذكير الألف إذ قال: "وألف التأنيث مطلقًا منع" ولم يقل: "منعت".
وكذلك قوله: "صرف الذي حواه" ولم يقل: "حواها" وذلك جائز، فـ (الحرف) يجوز تذكيره وتأنيثه، كما قال:
كافأ وميمًا وسينًا طاسمًا
وكما قال:
كما بينت كاف تلوح وميمها
وزائدا فعلان في وصف سلم... من أن يرى بتاء تأنيث ختم
هذا هو الأمر الثاني من موانع الصرف مطلقا، وهو الوصف، لكنه لا يمنع وحده؛ بل مع علة أخرى، وجعله مانعا مطلقا في ثلاثة مواضع، هذا أحدها، وهو مع زائدي (فعلان) وهما الألف والنون.
ويريد أن الألف والنون إذا اجتمع مع الوصفية، وهو معنى قوله:
"في وصف" فإنه يمنع صرف الاسم، سواء كان ذلك الاسم نكرة أو معرفة، فتقول: رجل غضبان، وإناء ملآن ماء، ونحوه.
فإن قلت: من أين يفهم أنه يمنع مطلقا، ولعله في حال دون حال؛ إذ لم يذكر ذلك هنا؟
فالجواب: أنه يتحصل من وجهين:
أحدهما: من إطلاقه المنع ولم يخصه، والأصل في الإطلاق حمله في كل ما يحتمله، ولو أراد حالة دون أخرى لقيد، كما يفعل ذلك في غير هذا الموضع.
والثاني: أن قوله: "وزائدا فعلان" معطوف على ألف التأنيث، كأنه قال: وألف التأنيث مطلقا منع، وزائد (فعلان) كذلك، وإلا فأين خبر قوله: "وزائدا فعلان"؟ فليس إلا معطوفًا كقولك: زيد في الدار وعمرو، فالمنع فيه مطلق.
وقوله: "وزائدا فعلان" اشترط في وصفها علة الزيادة، فلو كانت إحداهما أصلية لم يكن لهما تأثير في المنع، كـ (تبانٍ) من: التبن، و (طحان) من: الطحن، و (سمان) من: السمن، وما أشبه ذلك.
فإذا كانتا معًا زائدتين فحينئذ يترتب على ذلك منع الصرف، وينهض الزائدان موجبا.
لكنه شرط في هذا المنع شرطا وهو أن يكون سالمًا من لحاق تاء التأنيث عند إطلاقه على المؤنث وصفًا له، وذلك أن يكون (فعلان) الذي في مقابلة (فعلى) نحو: سكران، وملآن، وغضبان، وعطشان، وعجلان، لأنك تقول في مؤنثة: سكرى، وغضبى، وملأى، وعطشى، وعجلى.
فلو كان تأنيثه بلحاق الهاء لم يكن منع صرفه مطلقا، نحو: رجل سيفان، وخمصان، وعريان، وندمان، ونحو ذلك، فإنك تقول في تأنيثه: سيفانة، وخمصانة، وعريانة، وندمانة.
وكذلك على من قال في نحو (سكران): سكرانة، لا يمنع صرفه مطلقا لفقد شرط الامتناع.
وحكى المؤلف أنها لغة لبني أسد، يقولون في (سكران): سكرانة.
ويشمل اشتراط الناظم ما إذا لم يكن له مؤنث أصلا لا، بالهاء، ولا على (فعلى) لأن قوله: "سلم من أن يرى مختومًا بتاء تأنيث" أعم من أن يكون له مؤنث بغير تاء، أو لا مؤنث له أصلا.
فعلى هذا تمنع صرف (رحمان) من أسماء الله تعالى.
فتقول: الله رحمان رحيم.
وهذا أحد القولين فيه.
فمنهم من قال بما تقدم نظرًا إلى امتناع (فعلانة) فيه، فيمتنع لأنه لم يؤنث بالتاء.
ومنهم من قال بصرفه في النكرة، نظرًا إلى أنه ليس له (فعلى) قال الأستاذ- رحمه الله-: والأول أولى، لأن باب (فعلى) أوسع من باب (فعلانة) والدخول في أوسع البابين واجب.
ومن هذا ما حكي من قولهم: رجل لحيان، إذ ليس له (فعلى) ولا (فعلانة).
ووجه امتناع صرف هذا القبيل مطلقا شبه الألف والنون بالألف والهمزة في باب (حمراء)
والشبه بينهما من أوجه، وهي أنهما، في الموضعين، زيادتان زيدتا معًا، والأولى منهما ألف، وقبلها ثلاثة أحرف، ولا تلحقها التاء، وبناء المؤنث مخالف لبناء المذكر.
فلما قوي الشبه بين (فعلان، فعلى) وبين (فعلى، أفعل) هذه القوة جرى مجراه في الامتناع مطلقا.
وهذا ظاهر تعليل سيبويه.
وربما أطلق على (فعلان) أنها بدل من (فعلاء) أعني بدل النون من الهمزة، وقد فعل ذلك في "باب البدل".
فإن قلت: جعله الوصف يمنع مطلقا مع الألف والنون مشكل، لأن ذلك لا يصح إلا إذا كان الاسم نكرة، أما إذا كان معرفة، فإن التعريف يذهب بالوصفية، لأن الوصفية والعلمية متنافيان لا يجتمعان، وإطلاقه يقتضي أن الوصفية مع صاحبها مانع في النكرة والمعرفة، وهذا لا يصح.
وهذا الإشكال وارد في سائر المواضع التي يمنع فيها الوصف مع غيره مطلقا، وهو الوزن والعدل الآتي ذكرهما إثر هذا.
فالجواب: أن الناظم لما قال: "وزائدا فعلان في وصف" فهذا المساق يقتضي أنه إنما تكلم على كونه وصفًا فيه الألف والنون، وما فيه الألف والنون من الأوصاف إنما يتصور في النكرة، كما في السؤال، فيصح أن يقال فيه: إنه يمتنع صرفه مطلقا، أي لا يختص ذلك بكونه غير مسمى به، أو مسمى به ثم نكر بعد التسمية، لأنه إذا نكر يراجع به الأصل حكما، فيلحظ فيه معنى الوصفية، فكأنه على أصله من التنكير.
وهذا رأي سيبويه، وهو ظاهر كلام الناظم، ويلزم على طريقة الأخفش أن يصرفه بعد التنكير، كما يقول ذلك في (أحمر) إذا سمي به ثم نكر.
فإن قلت: فقد تقدم أنه يذكر في هذا القسم ما ينصرف في النكرة والمعرفة، وهذا الذي قرر هنا مخالف لذلك، من حيث صار الكلام فيه بالنسبة إلى تنكيره خاصة.
فالجواب: أن محصوله أنه لا ينصرف لا في النكرة ولا في المعرفة.
أما في النكرة: فلما ذكر آنفًا، وكلام الناظم صالح للتفسير به.
وأما في المعرفة: فلما فيه من المانع الذي يذكره، بعد، وهو العلمية والألف والنون، فعلى كل تقدير لا ينصرف أصلًا.
وقد يقال، وهو مختص بهذا النوع: إن الألف والنون منعت وحدها لها لما تقرر من الشبه بينها وبين همزة التأنيث حين قال سيبويه إن النون بدل من الهمزة.
قال ابن خروف: يعني بدل العوض، فلما أجروا عليها حكم الهمزة جرت مجراها في المنع وحدها، وتكون العلمية على هذا غير مؤثرة.
وهو ما يظهر من كلام الناظم، لأنه قال: "وزائدا فعلان في وصف" فجعل الوصفي موضوعا، والألف والنون مانعا، ولم يجعل الوصفية مانعا نصًا، وإلا فكان يقول: "وزائدا فعلان مع وصف سلم" إلى آخر وهذا المنزع هو ظاهر كلام سيبويه، لكن هذا التفسير غير مطرد في الأنواع الثلاثة، فالجواب الأول: أولى، وهو المطرد فيها، كأن المشبه لم يقو عنده أن يكون قائما مقام المشبه به.
وقوله: "ختم" جملة في موضع الحال من ضمير "يرى" وهو ضمير "الوصف" وجاء الماضي حالًا خاليًا من (قد) إذ هو جائز عنده كقوله: ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم﴾ الآية.
و"بتاء تأنيث" متعلق بـ "ختم".
ووصف أصلي ووزن أفعلا... ممنوع تأنيث بتاكأ شهلا
وألغين عارض الوصفية.... كأربعٍ وعارض الإسمية
فالأدهم القيد لكونه وضع... في الأصل وصفًا انصرافه منع
وأجدل وأخيل وأفعى... مصروفة وقد ينلن المنعا
هذا هو الموضع الثاني من المواضع التي يكون فيها الوصف ممنوعًا من الصرف مطلقًا، وذلك مع وزن الفعل الغالب على الفعل، فإذا كان نكرة امتنع صرفه للعلتين نحو: أحمر، وأصفر، وأسود، وما أشبه ذلك.
وقيد منع الصرف مطلقا في هذا النوع بقيدين:
أحدهما: أن تكون الوصفية أصلية لا عارضة، بمعنى أن أصل الوضع في ذلك الاسم أن يكون صفة، ولا يضره بعد ذلك أن يستعمل استعمال الأسماء في بعض المواضع، كما سيذكره.
فقول: (هذا ثوب أحمر وأخضر) موضوع على أن يكون وصفا، فيمتنع صرفه مطلقا، في النكرة، والمعرفة إذا سمي به، وإذا نكر بعد التسمية.
حكى ابن خروف عن أبي زيد الأنصاري قال: قلت للهذلي: كيف تقول للرجل له عشرون عبدًا، كل واحد منهم اسمه "أحمر"؟ قال:
عشرون أمر، قال: فقلت: فكيف تقول: إذا كان يقال لهم: أحمد؟ فقال: عشرون أحمدًا، فأجرى "أحمدًا" ولم يجر "أحمر" وهذا موافق لما يعطيه النظم.
فلو كانت الوصفية عارضة لم تعتبر، كما سنبنيه.
والشروط الثاني: أن يكون تأنيثه بالتاء ممتنعا، وذلك قوله: "ممنوع تأنيث بتاء" وإنما يؤنث ببنية أخرى إن كان له مؤنث، وذلك أن (أفعل) إذا كان وصفا على ثلاثة أوجه:
أحدها: (أفعل، أفعلة) نحو: أرمل، وأرملة، فهذا الضرب لا يحكم له بمطلق الانصراف، فإنه الذي تحرز منه، وإنما يذكر بعد هذا، حتى تدخله العلمية، فإنه مما ينصرف في النكرة، ويمتنع صرفه في المعرفة.
والثاني: (أفعل التفضيل) مقدرًا بـ (من) فهذا يدخل له تحت إطلاقه هنا، لأنه قد اجتمع فيه أنه وصف أصلي، وأن التاء لا تدخل في مؤنثه، فلا ينصرف في معرفة ولا نكرة لا قبل التسمية ولا بعدها.
أما قبل ذلك فظاهر، وأما بعده فلشبه الأصل عند سيبويه:
يوافق الأخفش هنا سيبويه، لكن على معنًى آخر، وهو أن هذا عنده من باب الحكاية، فاتفاقهما من وجهين مختلفين.
والثالث: (أفعل، فعلاء) نحو: أحمر، وأبيض، وقد تقدم.
ويندرج تحت هذا الإطلاق نحو: رجل آدر، وآلي، أي عظيم الأليتين، وأكمر، للعظيم الكمرة، وما أشبه ذلك مما ليس له (فعلاء) ولا (أفعلة) وهو نظير (لحيان) في باب (فعلان).
ووجه المنع في هذه مطلقا أن الوزن المختص بالفعل، والوصف الأصلي موجودان فيه في حال التنكير أولًا.
وأما حالة التعريف فللعلمية التي خلفت الوصفية، فإذا نكر بعد التعريف صار يشبه أصله قبل التسمية، فمنع الصرف، وهو مذهب سيبويه.
وأما أبو الحسن فصرفه في التنكير بعد التسمية، وقال: إنما المانع له في التنكير الوصفية، وقد زالت بالتسمية، فلم يبق له مانع إلا الوزن وحده، وهو لا يمنع وحده.
وكلام العرب على ما قال سيبويه، وقد تقدم ما حكى أبو زيد عن الهذلي.
وقد نقل عن أبي الحسن أنه قال في كتابه "الأوسط": إن (أفعل) صفة لا ينصرف في معرفة ولا نكرة.
قال: والقياس أن ينصرف في النكرة.
قالوا: فقد وافق سيبويه في السماع وذكر أن القياس هو الصرف، وهو ظاهر.
وقد رجح الفارسي في "التذكرة" مذهب سيبويه، بإجماعهم على ترك صرف (أدهم، وأبطح) ونحوهما، مما استعمل استعمال الأسماء من هذه الصفات.
وبيان ذلك: أنه ليس في تسميتهم بـ (أحمر) ونحوه أكثر من أن يستعملوها استعمال الأسماء، وقد سلبوا عنها معنى الصفات.
وهذا المعنى موجود في قولهم: (أدهم) وبابه، وقد امتنعوا من صرفه، فكذلك ينبغي أن يكون (أحمر) وبابه إذا سمي به، ثم نكر.
وقد تقدم الاعتذار عن إطلاق الناظم، وإنما لم تؤثر العلتان عند لحاق التاء من قبل أنها قد أخرجت عن تأثير وزن الفعل؛ إذ كان الفعل لا تلحقه هاء التأنيث.
وعلى هذا التعليل يستتب الحكم فيما له مؤنث بغير التاء، أو فيما ليس [له] مؤنث أصلا.
ومثل ما منع التاء بـ (أشهل) وهو من قسم (أفعل، فعلاء)
ثم لما قيد الوصف بالأصلي احتاج إلى بيان ما أشار إليه بالقيد، فقال: "وألغين عارض الوصفية".
يريد أن الوصفية إذا كانت عارضة للاسم، ليست في أصل وضعه، لا معتبر بها، فلا تؤثر منعًا، كما أثرت الأصلية.
فإذا قلت: مررت بنسوة أربع، ورأيت نسوة أربعًا، وهو الذي مثل به، فلا تمنعه الصرف، لأن (أربعًا) أصله الاسمية، وأن يدل على مجرد ذلك العدد.
فمن قال: مررت بنسوة أربع، إنما اعتبر معنى غير المعنى الأصلي، وهو تاويله بمتعددات ونحوه من المشتق، وهو خلاف المعنى الأصيل.
وكذلك أيضا، لا معتبر بالعارض في الاسمية؛ بل يعتبر الأصل من الوصفية، وهو قوله: "عارض الاسمية" [وهو معطوف على قوله: "عارض الوصفية"] مسلط عليه "الغين" أي وألغينّ" أيضا "عارض" الاسمية".
فإذًا من الأسماء ما أصل وضعه أن يكون وصفا، ثم عرض فيه أن وقع اسما من غير اعتبار معنى الوصفية، فتمنعه الصرف؛ إذ كانت الاسمية عارضة لا يعتد بها.
وارتكب هنا قطع همزة الوصل في "الاسمية" إذ لم يستقم له تحريم اللام وسقوط همزة "اسم" لما يلقى فيه من "الكف" في (مستفعلن) والكف لا يقع في (وتد) فاضطر إلى إثبات الهمزة وإبقاء لام التعريف على إسكانها، كما قال الشاعر:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه... بنث وإفشاء الحديث قمين
ثم بين بالمثال مراده بهذا الثاني، فقال: "فالأدهم القيد لكونه وضع".. إلى آخره.
يعني أن قولهم: "الأدهم" مرادًا به (القيد) انصرافه منع، لكونه وضع في الأصل لأن يكون وصفًا من (الدهمة) وهي السواد، كقولك: ثوب أدهم، وفرس أدهم، وبعير أدهم، وناقة دهماء، كأحمر وحمراء.
ثم استعمل للقيد لدهمته، وتنوسي ذلك المعنى فيه، فصار يطلق لا باعتبار الوصف، ولكن بقي في عدم
الصرف على أصله، فتقول: جعل على رجله أدهم، ورأيت على رجله أدهم، كما تقول: رأيت على رجله قيدًا ولا تختلف العرب في منع صرف هذا النوع.
ومنه (الأسود) للعظيم من الحيات وفيه سواد، أصله الصفة.
ثم استعمل اسما.
و(الأرقم) الحية، للحية التي فيها سواد وبياض، واستعمل اسما كذلك.
فالدليل على أنها استعملت اسمًا، قولهم: الأداهم، والأساود، والأراقم، فجمعوها على (أفاعل) لأن مثل هذا الجمع يختص بالأسماء لا بالصفات، إنما الصفات على (فعل) كحمر، صفر.
وقد يأتي في الصفات قليلًا نحو: الأبارق، والأجارع، والأباطح.
والأبطح: المكان المنبطح.
والأجرع: المكان المستوي من الرمل والأبرق: ما فيه لون مختلف، وهو الحمرة والبياض، يقال: تيس أبرق.
وهذه المسألة والتي قبلها مما يقوي مذهب سيبويه في اعتبار الأصل في نحو (أحمر) إذا نكر بعد التسمية.
ثم ذكر ما استعمل صفة في بعض اللغات، واسمًا في بعضها، فقال: "وأجدل وأخيل وأفعى مصروفة"
يعني أن هذه الألفاظ وهي: (الأجدل) وهو الصقر، و (الأخيل) وهو طائر أخضر على جناحه لمعة تخالف لونه، يقال: هو الشقراق، و (أفعى) للحية المعروفة- كلها مصروفة في الأشهر من الكلام، لأنها أسماء غير صفات عند الأكثر وغير مصروفة عند بعض العرب لأنها
عندهم صفات، لأن (الجدل) شدة الخلق، فصار (أجدل) عند هؤلاء في معنى: شديد، وكذلك (أخيل) من الخيلان للونه، ولذلك يقال: رجل أخيل، أي كثير الخيلان.
ومما جرى فيه منع الصرف قول حسان بن ثابت- رضي الله عنه-:
ذريني وعلمي بالأمور وشيمتي... فما طائري فيها عليك بأخيلا
وكذلك (أفعى) لأنها من معنى (فوعة السم) أي شدته.
قاله ابن جني، كأنه على تقدير القلب، أو من باب الاستدلال بالاشتقاق الأكبر.
قال سيبويه: كأنه صار عندهم صفة، وإن لم يكن له فعل ولا مصدر.
وإنما أتى الناظم بهذا ليبين أن ما كان فيه وجهان أصليان، والاسمية والوصفية- ففيه وجهان في منع الصرف وعدمه، مبنيان على ذينك الوجهين؛ إذ ليس أحدهما أصلا للأخر.
ألا ترى أنك لا تقول: لكل شديد: أجدل، ولا لكل من اشتد سمه: أفعى، كما تقول لكل ما فيه السواد أسود، ولكل ما فيه الدهمة أدهم.
فالذي قد استعمل (أجدلا) ونحوه اسمًا لم ينقله من الوصفية إلى الاسمية، ومن اعتقد وصفيته فإنما اعتبر معنى الاشتقاق مجردًا، وذلك موجود في أصل الوضع، فكل واحد من الاستعمالين ممتاز من الآخر، فلم يكن ليرد أحدهما في الصرف أو عدمه إلى الآخر، لاستحقاق كل واحد منهما الأصالة، ولا يضر في هذا كون أحد الوجهين أكثر من الآخر إذا كان أصلًا في نفسه.
وقوله: "وقد ينلن المنعا" "النون" عائدة إلى الألفاظ الثلاثة، أي قد يمنع صرفهن قليلًا، ودل على القلة إتيانه بـ "قد" ولم يبين كونهما لغتين؛ إذا الحاصل مع ذلك ما ذكره من قلة الانصراف وقلة منعه.
ومنع عدل مع وصف معتبر... في لفظ مثنى وثلاث وأخر
ووزن مثنى وثلاث كهما... من واحدٍ لأربعٍ فليعلما
وهذا هو الموضع الثالث الذي يكون الوصف فيه ممنوعا من الصرف مطلقا، وذلك مع العدل.
والعدل: هو أن تريد لفظًا، فتنتقل عنه إلى غير مما يعطي معناه، لضربٍ من التخفيف أو المبالغة.
وذلك أن قولك: (مثنى) معدول عن لفظ: اثنين اثنين، أو عن لفظ (اثنين) مرادًا به التفصيل.
فإذا قلت: جاء القوم مثنى، فمعناه: جاء القوم اثنين اثنين، أي مرتبين في المجيء هذا الترتيب.
فعدل هذا عن ذلك، أو تقول: عدل عن (اثنين) المراد به اثنين اثنين، من قولهم: الزيدان خير اثنين في الناس، أي هما خير الناس إذا قسموا هذا التقسيم.
وكذلك (ثلاث) معدول عن (ثلاثة) المراد به التفصيل على ما ذكر، وهكذا سائرها.
فإذا اجتمع الوصف والعدل امتنع صرف الاسم مطلقا، في النكرة والمعرفة، وهو قوله: "ومنع عدلٍ مع وصف معتبر" فأطلق القول في منع الصرف، كان نكرة أو معرفة.
وكذلك إذا نكر بعد التسمية، لشبه الأصل مع العدل.
وهذا يجيء على رأي سيبويه، ومن لا يراعي الأصل يصرفه هنا.
والذي جرى عليه في هذا النظم هو مذهب سيبويه، أي منع هذين الأمرين معتبر مشهور في الاستعمال، مرتكب فيه في مثل هذه الألفاظ الثلاثة.
أما (مثنى، وثلاث) فنحو: رأيت رجالًا مثنى، ورأيت رجالًا ثلاث، وكذلك (رباع) ومنه الآية الكريمة: ﴿جاعل الملائكة رسلًا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾.
والمعنى: أولي أجنحة اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعةٍ، وهو تفسير الخليل وأبي عمرو.
وأنشد سيبويه قول ساعدة بن جؤية:
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه... سباع تبغى الناس مثنى وموحد
أي اثنان اثنان، وواحد واحد، وهو معنى عدلهما.
وأما (أخر) فنحو: جاءني الزيدون ورجال أخر، ورأيت رجالًا أخر، ومررت برجالٍ أخر، قال الله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾.
ووجه عدله مختلف فيه، فرأى سيبويه وطائفةٍ أن (أخر) من باب (الكبرى والكبر) و (الصغرى والصغر) حقه أن يكون صفةً بالألف واللام؛ إذ كان (الصغر، والكبر) كذلك، فلا تقول: هؤلاء نسوة صغر، ولا كبر، ولا نحو ذلك.
فلما عدل (أخر) عن هذا الأصل منعوا صرفه.
وقيل: إن (أخر) معدول عن (آخر) هذا اللفظ، فكان الأصل أن تقول: مررت بنسوةٍ أخر من هؤلاء، كما تقول: أفضل من هؤلاء، فكأنهم عدلوا عن لفظ (آخر) إلى لفظ (أخر) ورجح الأستاذ- رحمه الله- هذا الثاني على الأول.
وقد نقل عن الفارسي: أن (مثنى وثلاث) ونحوه إذا سمي به انصرف، لأنه إذا كان معرفةً فليس فيه إلا التعريف خاصة؛ إذ ليس معدولًا في حال التسمية، لأنه لم يعدل إلا عن اسم العدد.
وذلك المعنى قد ذهب بالتسمية، ولا يشبه حاله حين كان معدولًا، لأنه الآن
معرفة، وكان في حين عدله نكرة، فإذا نكر أشبه أصله، فامتنع صرفه.
وإطلاق الناظم مخالف لهذا.
وقد رد الناس هذا المذهب، ولعله رجع عنه.
ومذهبه في "الإيضاح" مذهب الجمهور، وهو نصه في "التذكرة" إذ قال حين نقل الكلام أبي العباس في (مثنى، وثلاث، ورباع): إذا سمي بشيء من ذلك.
فالقياس الانصراف، وذلك أن الوصف يزول، فيخلفه التعريف الذي للعلم، والعدل قائم في الحالين جميعا، ثم جعل قياس غيرها من العدول قياسها.
وأما ابن عصفور فارتضى مذهب الفارسي، ومرتضاه عند غيره غير مرتضي، لأن شبه الأصل من العدل حاصل، والعلمية محققة، فسبب المنع موجود، فالوجه امتناع الصرف.
وأيضا، هو مذهب لا نظير له؛ إذ لا يوجد ما ينصرف في المعرفة، ولا ينصرف في النكرة، وإنما المعروف العكس.
وقول الناظم: "لفظ مثنى وثلاث وأخر" أي في هذه الألفاظ الثلاثة المذكورة، وإنما عين أنفس الألفاظ، وهي في الحقيقة غير مرادة؛ بل المراد الوزن، لأجل "أخر" وذلك أنه لفظ لا يقاس عليه غيره في عدله المختص به، فهو موقوف على السماع، لكن ذكره لشهرة استعماله وكثرة تداوله، فلذلك احتاج إلى أن يستدرك بعد ذلك حكم الكلية لمثنى وثلاث، فقال: "ووزن مثنى وثلاث كهما" إلى آخره، فبقي (أخر) على ما فسر فيه، من الاقتصار على لفظه، وما عداه أخبر أن وزنه مثله، من واحدٍ لأربعٍ.
ومعنى ذلك أن ما وافق (مثنى، وثلاث) في وزنهما من واحد إلى [أربعة] فهو مثلهما، يريد: في الحكم بالعدل والوصف وترتب منع الصرف مطلقا في النكرة والمعرفة.
وهذا المقدار هو المقيس منها، وما عدا ذلك فسماع لا يتعدى به محله، فـ (فعال، ومفعل) من (واحد) ممنوع الصرف، للوصف والعدل، وهما وزن (مثنى، وثلاث) الذي ذكر، فتقول: [جاءني ناس أحاد] وجاءني ناس موحد.
وقال الآخر، أنشده الفارسي وغيره:
أحمّ الله ذلك من لقاء... أحاد أحاد في شهر حلال
وقال الآخر:
سباع تبغى الناس مثنى وموحد
وقد تقدم.
وكذلك (مثنى، وثناء) نحو: جاءني الناس مثنى مثنى، وثناء ثناء، وكذلك (مثلث، وثلاث) و (مربع، ورباع) نحو: مررت بقومٍ مثلث وثلاث، ومررت بقومٍ مربع، ورباع، وإنما قال: "من واحد"
فذكر "لأربعٍ" فأتت ضرورة؛ إذ كان الأولى أن يقول: من واحدٍ لأربعةٍ، وهذا سماع.
واقتصاره على العدل من واحد إلى أربعة فيه نظر، فإنه إن أراد القياس فقد قاسه في "التسهيل" إلى خمسة، وزاد: إلى عشرة، فيقال: عنده زائدًا على ما ذكر: مررت بقومٍ مخمس وخماس، ومعشر وعشار.
وقد قال الكميت في (عشار) أنشده الجوهري وغيره:
ولم يستريثوك حتى رميـ... ـت فويق الرجال خصاءً عشارا
بل قد قاسه الكوفيون فيما فوق ذلك إلى التسعة، فأجازوا: سداس ومسدس، وسباع ومسبع، وثمان ومثمن، وتساع ومتسع.
ولا اعتراض في هذا عليه، ولكن الاعتراض إنما هو في تركه قياس ما قاسه في "التسهيل" وإن كان مراده السماع، فالذي سمع من ذلك أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث.
وحكى الجوهري: مثلث، ورباع، وخماس، وعشار، فكان حقه أن يقتصر على المسموع، لكنا نعلم أنه إنما أراد القياس، فهو مقصر فيه.
والجواب: أن السماع الذي بلغ مبلغ القياس إنما هو ما ذكره الناظم هنا، ولذلك حكى الجوهري عن أبي عبيد أنه لم يسمع (عشار) إلا في قول الكميت المتقدم، وذكر أنه لم يسمع إلا: أحاد، وثناء، وثلاث، ورباع.
فبقي (خماس) ولم يذكر سيبويه أيضا نيفًا على (رباع).
فما فعله حسن، ولذلك [قال]: "فليعلما" أي فليعلم أن ما عدا هذه لا يقاس، ولا يبلغ ما سمع منه مبلغ القياس، فبقي مذهب الكوفيين وغيرهم ممن عدى القياس إلى غير ما ذكر.
وذكر هنا من أنواع المعدول ثلاثة، وترك سائر الأنواع لمواضعها، لأن المقصود هنا ذكر ما يمتنع فقط:
وكن لجمع مشبه مفاعلا... أو المفاعيل بمنع كافلا
وذا اعتلال منه كالجواري... رفعًا وجرًا أجره كساري
ولسراويل بهذا الجمع... شبه اقتضى عموم لمنع
وإن به سمي أو بما لحق... به فالانصراف منعه يحق
هذا هو الأمر الثالث من الأمور التي تمنع من الصرف مطلقا، وهو الجمع المتناهي، يعني أن ما كان من الجموع يشبه مفاعل) أو (مفاعيل) فإنه ممنوع الصرف.
ولا يريد بمشبه (مفاعل) و (مفاعيل) ما كان أوله ميم زائدة، ولا ما كان ثانيه أصليًا ولا غير ذلك، وإنما يريد ما كان على هذا الشكل من الجموع مطلقا،
فيدخل تحته (فواعل، وفعائل وفعالل، وفياعل) وكذلك إذا دخلتها الياء قبل الآخر، وما كان نحوها، وذلك نحو (مساجد) و (قناديل) جمع: قنديل، و (ضوارب، ورسائل، وجعافر، وصيارف) وما أشبه ذلك، الحكم في الجميع سواء.
وهذا التمثيل أشار فيه إلى قيود معتبرة في منع الجمع، وضابطه: كل جمع ثالث حروفه ألف ثابتة، وبعدها حرفان، أو ثلاثة أحرف أوسطها ياء، عارٍ من التأنيث أو ياء النسب.
وقد اشتمل هذا التعريف على قيود مقصودة: أحدها: أن يكون الجمع ثالث حروفه ألف، تحرزًا من نحو (أفعلة، وفعول، وأفعال) ونحو ذلك، فإنها وإن كانت جموعا لا تشبه الآحاد المشهورة في كلام العرب، لا تعتبر في منع الصرف، فـ (أفعلة) لا يقع مفردا، وكذلك (إفعل) إلا ناردا نحو: إصبع و (فعول) ليس في الأسماء إلى نادرا، مثل ما حكى سيبويه من قولهم: "سدوس" لضرب من الثياب، وكذلك (أفعال) هو بناء لا حظ فيه للمفرد، إلا ما حكى سيبويه من قولهم: هو الأنعام أو ما قل من ذلك.
وإذا كانت هذه الأبنية وما أشبهها تختص بالجمع كـ (مفاعل، ومفاعيل) وهي منصرفة مع ذلك- لم تعتبر مانعا، لأنها تشبه المفردات في الوزن وفي الحكم.
أما في الحكم: فإنها تجري في التكسير مجرى الواحد فتقول: أقوال وأقاويل، وأنعام وأناعيم، وأيدٍ وأيادٍ.
وأما في الوزن: فإن (فعولا) يشبه (فعولا) و (أفعالا) يشبه (أفعالًا) إلى ما جاء من المفردات فيها، بخلاف (مفاعل) أو مفاعيل) فإنها لا تجمع أصلا جمع تكسير؛ بل هي غاية منتهى الجموع.
ولذلك يقول ابن الحاجب: إن سبب منعه الصرف كونه صيغة منتهى الجموع.
وهو يظهر من كلام سيبويه، فهذا قيد أفاده التمثيل.
والثاني: أن تكون الألف الثالثة ثابتة لا محذوفة، فإنها لو كانت محذوفة لجاز تنوينه، وذلك قولهم في (ذلاذل، وزلازل، وجنادل): ذلذل، وهي أسافل القميص، وزلزل، وجندل.
وهذا- على فرض أنها جموع حقيقة- تنصرف، لأن بناء (مفاعل) قد ذهب لفظا، فأتي بالتنوين، وجعل كأنه عوض من المحذوف.
والثالث: أن يكون بعد الألف حرفان أو ثلاثة أوسطها ياء، تحرز من جمع التكسير الذي بعد الألف الثالثة فيه حرف واحد، نحو: كباش، وديار، وكذلك جمع السلامة بالتاء، نحو: علامات، فإن كان بعد الألف ثلاثة أحرف، أوسطها ألف، فليس بمقصود الذكر، لأن ذلك كله مصروف.
فإن قيل: إن المثال يخرج نحو: دواب، وشواب، مما هو مدغم الحرفين، لأن (مفاعل) غير مشعر به.
فالجواب: أنه ليس كذلك، لأن وزن: دواب (مفاعل) ولابد، لكن عرض فيه الإدغام لاجتماع المثلين، فهو داخل.
وإنما كان يكون خارجا لو أتى بمثال (فعالل) مما يمكن إدغامه ولم يدغم، فهنالك يكون للمعترض مقال، من حيث يقصد بـ (فعالل) ما كان ملحقا بالتضعيف نحو: (مهادد) في جمع (مهدد) و (قرادد) في جمع (قردد) وما أشبه ذلك.
أما إذا لم يأت إلا بـ (مفاعل) فليس فيه ما يرد نحو (دواب) عن الدخول.
والرابع: أن يكون عاريًا من هاء التأنيث، فإنه إن صحب الهاء صار إلى شبه المفردات نحو: حزابية، وعباقية، وشبه ذلك، فتقول: قوم جحاجحة، وصياقلة، وما أشبه ذلك.
والخامس: أن يكون عاريًا من ياءي النسب، فإن صحبها أشبه المفرادات فصرف، نحو: مدائني ومساجدي، وما أشبه ذلك، للحاقه بباب (تميمي، وقيسي) كما لحق الأول أيضا بباب (تمرة، ونمرة)
ولا يدخل في هذا الشرط نحو: كراسي، وبخاتي، فإن الياءين ليستا للنسب إلا في المفرد، ولم تلحقا الجمع، فلا بد هنا من منع
الصرف، بخلاف (مدائني) فإن الياءين لاحقتان الجمع للنسب، وهذا في الجمع، وهذا الذي قيده في قوله: "وكن لجمع مشبه كذا" فأما (مفاعل) إذا وقع للمفرد، فمقتضى كلامه أنه مصروف إلا (سراويل) وما سمي به من هذه الجموع.
وذلك صحيح أن موازن (مفاعل) أو (مفاعيل) على ستة أقسام:
أحدها: أن يكون هذا الوزن عارضًا فيه لأجل الإعلال لا أصليا وذلك نحو: الترامي، والتداعي، فإن لفظه لفظ موازن (لمفاعل) بلا شك، ولكنه ليس بأصلي فيه، وأصله (التفاعل) نحو: التقابل، والتضارب، إلا أن الضمة قلبت كسرة لأجل [الياء] فعلى هذا تصرفه ولابد، فتقول: ما كرهت تراميًا، ولا أحببت تداعيًا.
والثاني: أن يكون عارضا فيه لأجل] لحاق ياء النسب، كقولك في (صباح، وقذال): صباحي، وقذالي، فإن هذا يوازن (مفاعيل) لفظًا، لكنه في الحكم على غير ذلك، لأن الياءين للنسب، فهما كالكلمة الأخرى، ليست الكلمة مبنية عليهما كهاء التأنيث، فلابد هنا من الصرف أيضًا.
والثالث: أن تكون الألف الثالثة فيه عوضًا من إحدى ياءي النسب نحو: يمان، وشآم، فإن وزنه في اللفظ موافق لـ (مفاعل) إلا أنه في الأصل: يمني، وشامي، فخرج عن ذلك الوزن وحكمه، فتقول: هذا يمانٍ، أو رجل شامٍ، ورأيت رجلًا شآميًا أو رجلًا يمانيًا.
والرابع: أن تكون الألف شبيهة بالمعوض من إحدى الياءين، وليست بها، وذلك: ثمان، ورباع، وشناح، ونحوه، فاللفظ لفظ (مفاعل) وهو في التقدير: ثمني، وربعي، وشيخي، فكأن الألف عوض إذا لم تقل بحذف الألف والإتيان بالياءين، فهذا مصروف أيضا.
فتقول: رأيت من النعاج ثمانيًا.
قال أعشي بكر:
ولقد شربت ثمانيًا وثمانيًا... وثمان عشرة واثنتين وأربعا
ورأيت رباعيًا من الإبل، وشناحيًا من الرجال، وهو الطويل.
فهذه الأقسام الأربعة مصروفة، لخروجها في الحقيقة عن وزن (مفاعل) و (مفاعيل) وأما (سراويل) و (مساجد) مسمى به، وهما القسمان الباقيان، فممنوعا الصرف لشبههما بالجمع، على ما سيذكره إن شاء الله.
وذلك لأنهما على (مفاعيل) حقيقة.
فإذًا الحاصل في منع الصرف هو وزن (مفاعل) أو (مفاعيل) فكان من حق الناظم أن يختصر الكلام فيقول: ما كان على (مفاعل) أو (مفاعيل) حقيقة، فممنوع الصرف، ولا يحتاج إلى هذا التطويل، ولا يدخل له شيء مما تقدم.
والجواب: أن المانع من الصرف ليس مجرد البنية، وإنما المانع كونهما على صيغة جمعٍ تنتهي إلى الجموع، ولا نظير لها في الآحاد، فتقيد السبب بكونها للجمع، وهو الذي قصد الناظم الإشارة إليه.
ثم نبه على ما يلحق به من المفردات تشبيهًا، لا لوجود السبب حقيقة، فلو اختصر كما قلت لفاته التنبيه على العلة المانعة.
وأيضًا لكن يفهم منه أن مجرد الوزن هو المانع، وليس بموافقٍ لما ذكر الناس من السبب، فكان ما فعله من ذلك صحيحًا لا اعتراض فيه.
و"الكافل": الضامن، كالكفيل: كفلت بالشيء كفالة، تحملت به.
فمعنى قوله: "بمنعٍ كافلا" أي كن متكفلًا بمنع صرفه، وضامنًا له، فإن العرب كذلك تفعل، و"بمنع" يتعلق بـ "كافلًا" أي كن كافلًا له بالمنع.
ثم قال: "وذا اعتلال منه كالجواري".. إلى آخره.
لما كان للمعتل اللام عند الناظم حكم ليس للصحيح، شرع في تبيينه.
ويعني أن ما كان من موازن (مفاعل) أو (مفاعيل) من الجموع يشبه (الجواري) في اعتلال اللام، فإنه يجري في الرفع والجر مجرى (سارٍ) يريد في التنوين، وحذف الآخر لالتقاء الساكنين وتقدير الإعراب، باقٍ على حد منع الصرف.
فلا يريد أن يجريه مجراه في كل شيء حتى في كونه منصرفًا يجر بالكسرة؛ بل إنما يجر بالفتحة، وهي هنا مستثقلة مثل الكسرة، فلا تظهر، فتقول في الرفع: هذه جوارٍ، وغواشٍ، ومرامٍ، جمع (مرمًى) كما تقول: هذا رجل سارٍ، وداعٍ، ورامٍ وغازٍ.
والأصل في الرفع: جواري، وغواشي، ومرامي، فحذفت الحركة استثقال في موضع الجر والرفع، ثم سيق التنوين عوضًا من الحركة المحذوفة، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين.
وهذا التفسير جارٍ على طريقة الأكثرين.
فإن قيل: إن الناظم زعم أنها عنده تجري مجرى (سارٍ) فتنوينها إذًا للصرف لا للعوض، كما كان (سار) أصله: ساري، ثم حذفت الحركة استثقالا، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وبقي التنوين، كما كان، فإنما يقال على طريقته: كان الأصل جواري، وغواشي، ومرامي، وهو الأصل الأول للأسماء كلها، فحذفت الضمة في الرفع والكسرة في الجر، استثقالًا، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع تنوين الصرف، فصار: هؤلاء جوارٍ، ومررت بجوارٍ، وكذلك باقي الباب.
فصار هاهنا (جوارٍ) في اللفظ كـ (سارٍ) و (جارٍ) من: جرى يجري، و (عارٍ) فزال عنه بناء (مفاعل) أو (مفاعيل) فبقي على صرفه.
وأما في النصب، فلما كانت حركة الياء، وهي الفتحة، لا تستثقل على الياء، لم يكن لحذفها موجب، فبقي بناء (مفاعل) محفوظًا فيه.
فلذلك قالوا: رأيت جواري، وغواشي.
ومن الدليل على صحة اعتبار اللفظ في (جوارٍ) إذا صار كـ (سارٍ) ما تقدم من قولهم: ذلذل، وزلزل، وجندل، مصروفًا؛ إذ كنت تقول: نظرت إلى ذلذلٍ، وإلى جندلٍ، فتخفض بالكسرة حين زال مثال (مفاعل) لفظًا.
فالجواب: أن هذا ليس بمرادٍ له، وإنما مراده مجرد حذف الآخر والإتيان بالتنوين.
ومن الدليل على هذا من كلامه قوله في آخر الباب:
وما يكون منه منقوصًا ففي... إعرابه نهج جوارٍ يقتفي
يعني في كل ما تقدم له من أنواع الممنوع الصرف غير المنصرف المتقدم.
وإذا كان قد أحال عليه، فلا يصح أن يحمل على أنه مصروف، لأنه إن ساغ التعليل في (جوارٍ) ونحوه من أنه على وزن (جناح) فزال المانع، فلا يجري له ذلك فيما إذا سميت امرأة بقاضٍ، ورامٍ، وغازٍ وثمانٍ، ونحو ذلك.
أفترى أن مانع الصرف زال هنا، كلا بل هو باق؛ إذ ليس التأنيث والعلمية والتنوين لابد منه على مذهب سيبويه، الذي اعتمده الناظم، وهو تنوين العوض لا تنوين الصرف.
وعلى هذا لا يمشي على ما مضى من التعليل، إلا على أنه لما حذفت الياء لالتقاء الساكنين وجد تقدير الإعراب في الياء محرزًا لها، فمنع من الصرف لبقاء محرز المثال الأصلي، فلما حذف تنوين الصرف أتي بالتنوين الذي يكون عوضًا من الياء المحذوفة؛ وإذ ذاك يطرد له تعليله الذي علل به السؤال، ويستقيم على مقتضى كلامه فيما بعد، على ما سيأتي إن شاء الله.
وإنما كان يمشي له ذلك إذا سميت بنحو (يرمي، ويغزو) حين وجب على مذهب الخليل (يرمٍ، ويغزٍ) إذ له أن يقول: زال بناء الفعل وتغير، فروجع الأصل، ولكن هذا غير مطرد، ولا موفٍّ بالغرض، فالصحيح ما تقدم.
وأما ما استدل به من (ذلذلٍ، وزلزلٍ) فليس مثل (جوارٍ) لأن (ذلذلًا) حصل التنوين العوضي منه في حرف الإعراب، فلم يمكن أن يبقى على فتحه حالة الجر، بخلاف (جوارٍ) فإن التنوين فيه مانع في الظاهر لحركة ما قبل الآخر، وفتحة الإعراب غير ظاهرة، فأمكن تقديرها مع وجود التنوين؛ إذ لا فتح فيه، كما في (جندل) ونحوه فافترقا.
وقوله: "وذا اعتلال" منصوب بفعل مضمر من "باب الاشتغال" يفسره "أجره" و"رفعًا وجرًا" مصدران في موضع الحال، والكاف: بمعنى (مثل) وهي في موضع الحال من باب "ضربته شديدًا" أي أجره إجراءً مثل إجراء "سارٍ" ثم قال: "ولسراويل بهذا الجمع".. إلى آخره.
يريد أن هذا اللفظ له بمفاعيل ومفاعل، شبه اقتضى ذلك الشبه منع الصرف مطلقا، في النكرة والمعرفة [لأنه على زنة (مفاعيل) كقراطيس وقناديل، فحكموا فيه الشبه فمنعوه الصرف، كما منعوه في الجمع، لأن ثمرة الشبه أن يجري المشبه على حكم المشبه به.
وعند ابن الناظم أنه نبه بهذا الكلام على خلاف من خالف في عموم منع الصرف، يعني في النكرة والمعرفة].
وزعم أن فيه وجهين: الصرف، وعدمه، أي إن ذلك الشبه اقتضى عموم منع الصرف في جميع وجوه الاستعمال، خلافًا لمن زعم غير ذلك.
وكأن المخالف رأي أن القاعدة العربية أن المشبه لا يقوى قوة المشبه به، فيكون هذا من ذلك الباب.
ألا ترى أن ألف الإلحاق قد أشبهت ألف التأنيث، فمنع صرف ما هي فيه، لكن لما لم يقو قوة ألف التأنيث لم يمنع إلا في المعرفة، فيكون هذا الموضع كذلك.
وهذا قد يجاب عنه بأن الشبه في باب ما لا ينصرف يؤثر إطلاق، ويلحق المشبه بالمشبه [به].
ألا ترى إلى امتناع صرف (أحمر) المنكر بعد التسمية وغير ذلك.
ومنه.
مسألة الإلحاق، لأن الشبه لم يحصل إلا بعد التسمية؛ إذ كانت قبلها تلحقها الهاء نحو: علقاة، وألف التأنيث من حقيقتها ألا تلحقها التاء.
ومن هناك غلط أبو عبيدة في مسألة:
فكر في علقى وفي مكور
كما سيأتي إن شاء الله.
فلما امتنعت التاء بالعلمية حصل الشبه، فحصل منع الصرف.
ومقتضى كلام الناظم أن (سراويل) عنده مفرد لا جمع، وهو مذهب سيبويه.
قال: وأما سراويل فشيء واحد، وهو أعجمي أعرب كما أعرب الآجر، إلا أن سراويل أشبه من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، كما أشبه بقم الفعل، يعني بعد التسمية، ولم يكن له نظير في الأسماء.
فما قاله الناظم في البيت هو عين ما نص عليه سيبويه.
وقد قيل: إن (سراويل) جمع (سروالة) وأنشد أبو العباس في واحدها:
عليه من اللؤم سروالة... فليس يرق لمستعطف
وقد حكى سيبويه عن يونس أن من العرب من يقول في تحقير (سراويل): سرييلات لأنهم جعلوها جماعة بمنزلة (دخاريص) وعلى هذا قد تضمنه ضابط الجمع، فلا يحتاج إلى التنبيه عليه.
وإذ كان ذلك لغةً فليس بخلاف، ولكن الأشهر فيه الإفراد، ولذلك لم يحكه يونس إلا عن بعض العرب، فاعتمد الناظم ما هو الأشهر، والسراويل معروف، وهو أعجمي.
وقوله: "وإن به سمي أو بما لحق به" إلى آخره.
يعني أن هذا الجمع الموازن (مفاعل) أو (مفاعيل) إذا سمي به فإنه يستحق منع الصرف كأصله، فتقول في (مساجد) مسمًى به: هذا مساجد، ورأيت مساجد، ومررت بمساجد.
وكذلك ما لحق بالجمع وإن لم يكن جمعا حقيقة، كهوازن، وشراحيل.
ومنه (سراويل) إذا سمي به أيضا على اعتقاد أنه مفرد، فإنه يستحق أن يمنع صرفه، فتقول: هذا سراويل، ورأيت سراويل، ومررت بسراويل.