شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 273-312

وذهب بعض المتأخرين إلى أنها (أسماء أفعال) نصبت ما بعدها، والكلام على ترجيح المذاهب غير لائق بالشرح: ونحو زيدٍ ضم وافتحن من... نحو أزيد بن سعيدٍ لاتهن والضم إن لم يل الابن علما... أويل الابن علم قد حتما هذه مسألة المنادى إذا وصف بـ (ابنٍ) ما حكمه؟ فأشار إلى أنه إذا اجتمعت للمنادى الموصوف بـ (ابنٍ) خمسة شروط جاز في المنادى وجهان: أحدهما: بقاؤه على ما كان عليه من الضم الذي استحقه بكونه مفردًا معرفة، سواء أكان غير موصوف أم موصوفًا بغير (ابن) فتقول: يا زيد بن عمروٍ.
والثاني: فتحه إتباعًا لـ (ابنٍ) في فتحه نحو: يا زيد بن عمروٍ، وبهذا الوجه الأخير امتازت هذه المسألة عن غيرها، ولأجله ذكرت.
الشرط الأول: ما نبه عليه تمثيله بقوله: "ونحو زيدٍ" وهو في الحقيقة موضوع المسألة، لأن المضاف والشبيه بالمضاف لا يصح فيه الضم، والمنكور لا يوصف بابن فلان، لعدم تعريفه في الأصل.
والثاني: كون الضم فيه ظاهرا، وذلك ما نبه عليه المثال أيضا، لأن (زيدا) اسم ظهر فيه الضم، ففيه وفي أمثاله يصح هذا الحكم، فلو كان ضمه مقدرا فلا ينوى الفتح فيه.

قال المؤلف: إذ لا فائدة في ذلك، ثم حكي عن الفراء أنه أجاز في قوله تعالى: } يا عيسى بن مريم {الوجهين - الضم والفتح - فإذا اعتبرنا هذا الشرط أخذًا من المثال، وكثيرا ما يعتمد الناظم على الأمثلة، فيترجح مذهبه بما قال في "الشرح": إنه لا فائدة في تقدير الإتباع.
ومن وجهٍ آخر، وهو أن الإتباع أمر لفظي لا يحكمى، ألا ترى أنه تناسب يحصل بإتباع الفتح الفتح بخلاف ما إذا لم يتبع، / فإن الضم والفتح غير متناسبين، وهما ملتقيان أو كالملتقيين.
ومن عادتهم تحصيل التناسب اللفظي، وأما التقدير فلا تناسب بينه وبين اللفظ، ولذلك جاء نحو: منتن، و (الحمد لله) و (الحمد لله) بعيرٍ، ونحوه.
فالصواب ما رآه من التقييد بالظهور، وإنما يحسن تقدير الأمور الحكميه، كالإعراب والبناء وغيرهما.

والثالث: أن يكون التابع له (الابن) لا غيره من الأسماء.
نبه على هذا مثاله أيضا، فلو كان التابع غير (الابن) لزم في (زيد) الضم خلافًا للكوفيين، حسبما يذكر.
والرابع: أن يقع قبل (الابن) علم يكون واليًا له، وذلك قوله: (إن لم يل الابن علما) وهذا الشرط يحترز به من أمرين: الأول: ألا يكون ما قبل (الابن) علمًا نحو: يا غلام ابن عمروٍ، ويا فاضل ابن زيدٍ فهذا لابد فيه من الضم حتما، لأنه لم يل (الابن) علمًا، فنص كلامه أن الضم متحتم عند فقد العلمية مما قبل (الابن) يفهم منه أن علمية ما قبله شرط في جواز الوجهين.
والثاني: أن يكون ما قبله علمًا، لكن غير والٍ له؛ بل فصل بشيء آخر بينه وبينه، نحو: يا زيد الفاضل ابن عمروٍ، فلابد من ضم (زيد) بمقتضى قوله: "إن لم يل" وإطلاقه (الولاية) هنا يريد بها أن يكون بعده متصلاً به.
والخامس: أن يقع بعد (الابن) علم أيضا، فإن لم يقع بعده علم فلابد من الضم في المنادى نحو: يا زيد ابن الرجل، ويا عمرو ابن صاحبنا، وما أشبه ذلك.
فإذا اجتمعت الشروط جاز الوجهان كما تقدم.
ومن ذلك ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: يا حكم بن المنذر بن الجارود

وأنشد أيضاً للعجاج: يا عمر بن معمرٍ لا منتظر ويدخل تحت تحت هذا الشرط ما إذا كان (الابن) بين علمين، كما مثل، أو بين لقبين نحو: يا كرز بن بطة، أو بين علم ولقب نحو: يا زيد بن كزرٍ ويا كرز بن زيدٍ، لأن الألقاب أعلام، وكذلك الكنى كما تقدم له في "باب العلم".
ووجه الفتح الإتباع لحركة نون (ابن) لأن الاسمين لما كثر استعمالهما صارا كالاسم الواحد، فجاز فيهما من الإتباع ما جاز في الاسم الواحد نحو: امرئٍ وابنمٍ، فإنك تتبع في ذلك ما قبل الآخر الآخر، نحو: هذا امرؤ وابنم، ورأيت امرأ وابنمًا، ومررت بامرئ وابنمٍ.
ولأجل أنهما استعملا كثيرا، فصارا كالشيء الواحد، لم يجز هذا الحكم عند ما فصل فاصل.
ولأجل أنهما استعملا كثيرا، والأول علم، والثاني كذلك لم يسغ ذلك مع غير الأعلام إذ توسعوا في الأعلام ما لم يتوسعوا في غيرها، ويدلك على ذلك في الأعلام أنك تقول في غير النداء: هذا زيد بن عمروٍ، فتحذف التنوين، وهذه هند بنت عمروٍ، فيمن صرف (هندًا) فتحذف أيضا.
فإذا قلت: هذا زيد ابن أخينا، لم تحذف التنوين، / وكذلك: هذا غلام ابن زيدٍ، فلا تحذف.

فإن قلت: لم يذكر هنا حكم (بنت) إذا وقع موقع (ابن) مع أن حكمهما واحد، فما المانع من ذكره؟ فالجواب: أن التصرف في (ابن) أكثر، والكلام به أشهر من (بنت) فلم يتعرض له، وعلى أن القياس على (ابن) سائغ فيها على ما تقدم من التعليل، وهو رأى أبي عمرو بن العلاء.
ومعنى قوله: "والضم إن لم يل".. البيت، أن الضم في المنادى لازم إذا لم يقع (الابن) بين علمين مواليين، فإن وقع كذلك لم يلزم الضم على ما تقدم في البيت قبله.
وقوله: (أويل الابن علم) فعل معطوف على "يل" الأول، داخل تحت حكم الجزم بـ"لم" أي: ولم يل الابن علم، و (حتم) معناه: أوجب.
وقوله في البيت قبله: "ونحو زيد" معمول في المعنى للفعلين بعده، تنازعاه، والمعمل فيه هو الثاني، وهو "افتحن" لأنه بغير ضمير منصوب، و"لاتهن" من: وهن يهن، إذا ضعف، أي لا تضعف عن أمرك، وهو من تمام المثال.
واعلم أن هذا الاشتراط إنما هو في القياس وعلى رأى البصريين، أما في السماع فلا.
فقد قالوا: يا فلان ابن فلان، وليس الاسم واقعا بين علمين، ويا سيد ابن سيد ويا ضل ابن ضل.
وفي تمام الشروط روى الأخفش عن العرب.
ضم نون (ابن) فتقول: يا زيد بن عمروٍ، وهو نظير قراءة من قرأ: "الحمد لله" بضم لام (لله).

وأما مخالفة البصريين، فذكر عن الكوفيين أنهم لا يقتصرون في فتح الموصوف على (الابن) بل يقولون: يا زيد الكريم، ودليلهم على ذلك قول الشاعر، وهو جرير: فما كعب بن مامة وابن سعدي... بأجود منك يا عمر الجوادا رووه بنصب راء (عمر) ومثل هذا شاذ لا يعتد به.
ويرد عليه اعتراض هنا، وهو أنه ترك شرطا معتبرا في الحكم الذي قرر، فإن جواز الوجهين لا يكون إلا إذا أعرب (الابن) صفًة للأول، فحينئذ يحكم له بحكم الإتباع.
وأما إذا كان بدلاً، أو على تقدير نداءٍ آخر - فلا يصح فيه إلا وجه، وهو ضم الأول، وذلك قولك: يا زيد ابن عمروٍ، فـ (ابن عمرو) تعربه بدلا، فلابد من ضم (زيد) لأن البدل هو المقصود بالحكم دون الأول، فلا يتأتى فيه ما يتأتى في الصفة مع الموصوف، وكذلك إن قدرت قبل (الابن) حرف نداء فهو أولى بالانقطاع من الأول وكلامه ليس فيه ما يعطي هذا الشرط، وقد أشار في "التسهيل" إلى هذا الشرط، وهو حقيق بالاشتراط.
والجواب: أنه فرض المسألة سماعية، لأنه قال: "ونحو كذا" ولم يفرضها صناعية، وإذا كان كذلك فالمثال الذي ذكر، وما أشبهه، جائز فيه الوجهان على

الجملة، لأنك إن فرضت (الابن) صفة، فهو ذاك، وإن لا، فأحد الوجهين لازم، فقد حصل جواز الوجهين، إلا أن أحدهما وهو الأصل على ثلاثة تقديرات، والآخر على تقدير / واحد، ولا خلل في عدم تفصيل الأوجه الصناعية.
والله أعلم.
واضمم أو انصب ما اضطرارًا نونا... مماله استحقاق ضم بينا أخبر في هذين الشطر أن الشاعر إذا اضطر إلى تنوين المنادى الذي كان مستحًق للبناء على الضم، وهو المفرد المعرفة، جاز له وجهان: أحدهما: بقاؤه على ضمه، وهو الذي ابتدأ به في قوله: "واضمم" لأن التنوين عارض للضرورة، فلا يعتد به، بل يجعل كالمعدوم، فيبقى على ضمه.
وأيضًا: فيقويه شبه حركة البناء في المنادى بحركة الإعراب.
والثاني: رده إلى أصله من النصب، ولذلك قال: "أو انصب" ولم يقل: أو افتح، كما قال: "واضمم" إشعارا بأن الفتحة إعراب لا بناء.
ووجه ذلك أن البناء إنما كان لشبهه بالمضمر، أو وقوعه موقع (كاف) الخطاب، أو تضمنه معناها.
وعلى كل تقدير فقد ضعف بالتنوين لأنه من خصائص الأسماء كالإضافة، ومقل هذا الاسم الذي لا ينصرف، إذا نون ضرورًة رد إلى

الجر بالكسرة، كقول امرئ القيس: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزةٍ وهذا الوجه أقيس من الأول، إذ لم يبق عربي الاسم على جره بالفتحة حين اضطر إلى صرف ما لا ينصرف [كذلك ينبغي أن يكون المنادى.
وأيضا فإنه بالتنوين أشبه المطول، فكان الوجه فيه النصب، غير أن البقاء على الأصل أكثر في السماع، ولذلك لم يسمع سيبويه النصب حسبما حكي عن نفسه.
وكأن الناظم قدم الضم على النصب إشعارًا بأنه الأولى عنده، واعتمادًا على ترجيح السماع.
والمسألة مختلف في المختار فيها من الوجهين، ولا خلاف في جوازهما.
فالخليل وسيبويه يختاران بقاءه على الضم، لما تقدم من القياس، ولشبهه بالممرفوع الذي لا ينصرف] ولأن السماع عليه، أنشد سيبويه للأحوص

سلام الله يا مطر عليها... وليس عليك يا مطر السلام وقالت بنت النضر بن الحارث، واسمها قتيلة، حين قتل النبي صلى الله عليه وسلم أباها: أمحمد والضنء ضنء نجيبةٍ... في قومها والفحل فحل معرق وقال لبيد بن أبي ربيعة: قدموا إذ قيل: قيس قدموا... وارفعوا المجد بأطراف الأسل أراد: يا قيس.
وأما أبو عمرو وأتباعه فيختارون النصب، لما تقدم من القياس، والسماع أيضا، كقول عدى بن ربيعة أو أخيه مهلهل:

ضربت صدرها إلى وقالت... يا عديًا لقد وقتك الأواقي وقال كثير: ليت التحية كانت لي فأشكرها... مكان يا جملاً حييت يا رجل ويروى "مكان يا جمل" على اختيار الخليل وسيبويه، وقال الآخر: يا سيدًا ما أنت من سيد... موطأٍ الأكناف رحب الذراع وهنا مسائل ثلاث: إحداها: أن قوله: "مما له استحقاق ضم" أراد به كل حقه أن يبني، والذي هو كذلك المفرد العلم كما تقدم تمثيله، والنكرة المقصودة المفردة نحو: يا رجل، وعليه بيت كثير، والبيت بعده، فكأنه نبه على أنه لا يستثنى من المبنى على الضم شيء.
وظاهر كلام النحويين كظاهر هذا النظم في تعميم الحكم في العلم وغيره مما يجب بناؤه.
وذهب علماء سبتة، فيما حدثنا شيخنا

الأستاذ - رحمة الله عليه - إلى أن ذلك مختص بالعلم، وعللوا ذلك بأن المعرف بالقصد والإقبال لا ضرورة تلحق فيه، لأنهم إن / أرادوا تنوينه قدروه منكرًا فانتصب.
ورواية بيت كثيرٍ يرد عليهم، وأيضًا، فإن التنكير لا يتأتى في كل موضع؛ بل لابد من موضعٍ يكون قصد التنكير فيه مخلاً بمقتضى الحال، فالأصح عموم الحكم.
و(ما) من قوله: "ما اضطرارًا نونا" منصوبة المحل على المفعولية، تنازعها الفعلان قبلها.
والثانية: أنه قال: "مما له استحقاق ضم بينا" فختم بقوله: "بينا" وهو في موضع الصفة لـ"ضم" بمعنى: ضم أظهر وفائدة هذا التقييد التحرز من الضم المقدر، فإنه، وإن كان مقدرًا، يلحقه التنوين على الجملة، كقاضٍ وفتًى، فأخرج الضم المقدر من هذا الحكم، لئلا يتوهم أنه ينون ضرورًة، وليس كذلك؛ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، لأنه إما مبنى أو معرب، وعلى كلا التقديرين لا يضطر إلى تنوينه، لأن الحرف الذي قدرت فيه الضمة ساكن، نحو: يا قاضي، ويا فتى، فإذا نون حذف لالتقائه ساكنًا مع التنوين، فلم يفد التنوين في وزن الشعر شيئا، كما أفاد إذا كانت الضمة ظاهرة، وفي هذا البحث نظر يتبين في باب ما لا ينصرف إن شاء الله.

والثالثة: أن هذه المسألة من المسائل المختصة بـ"الضرائر الشعرية" وكلامه فيها بناًء على أن تنويون المنادى جائز في الشعر، لأن الكلام في حركته المتبوعة ثانٍ عن كونه تابعا لحركة، وأن ذلك حاصل، وهذا صحيح.
ولكن الكلام في أصلها، بالنسبة إلى هذا المختصر، كـ"الفصل" الذي لا يحتاج إليه، لأنه قد ترك من أحكام الكلام كثيرا، فكيف يذكر أحكام الشعر، وأحكام الكلام آكد بلا شك؟ فيعترض من جهتين، من جهة كلامه في "الضرائر" وهي أحكام أقلية، ومن جهة تركه أحكامًا أكثرية، وقواعد ضرورية، وكان قادرا على وضعها موضع تلك الأقلية.
والعذر عن هذا من وجهين: أحدهما: عام، وهو أن الاحتياج إلى أحكام "الضرائر" أكيدة بالنسبة إلى الشعراء، كما كانت أحكام "الاختيار" أكيدًة بالنسبة إلى الجميع، فلابد من الإلماع بشيء منها في أثناء الأبواب، ليعمل عليها من كان من أهلها؛ إذ ليس كلام النحويين مختصًا بأحكام "الاختيار".
إلا ترى أن سيبويه بوب على أحكام "الضرائر" على الجملة، ثم نبه في الأبواب على تفاصيلها، فاتبعه المصنفون على ذلك فني كتبهم المطولة والمختصرة، كالزجاجي وغيره، علما منهم بأن الاحتياج إليها لأهلها لا يقصر عن الاحتياج للجميع، فلا بعد في أن يكون الناظم قد اتبعهم في هذا المقصد.

وأيضاً فقد تكون المسألة شهيرة طبولية، فينبه عليها لشهرتها، ولا تقصير في هذا.
والثاني: خاص، وهو أن لحاق التنوين للمبني في غير التنكير غريب، ويكاد يكون غير معترفٍ به؛ إذ كان تنوين صرف، وتنوين الصرف إنما يلحق حركة الإعراب اللاحقة للمتمكن من الأسماء، الذي لم يشبه الحرف ولا الفعل، فأنت ترى حركة الإعراب / لا يتبعها تنوين مع شبه [الفعل] المعرب، نحو: أحمد، وإبراهيم، فأولى ألا يتبع حركة البناء لشبه الحرف.
فلما كان الأمر كذلك، وكانت العرب قد ألحقت هنا تنوين الصرف، أراد أن ينبه على ذلك، وأنه جارٍ على وجهٍ قياسي، ليبنى على ذلك القول في أحكام التوابع، لأن التابع في هذا الباب يحمل على لفظ، وهو اللفظ المبنى، وذلك أن حركة البناء هنا شبيهة بحركة الإعراب، ذلك أن الحركات في أواخر الكلم لغير التقاء ساكنين ثلاثة أضرب: ضرب حدث بشيء، وضرب حدث دون شيء، وضرب لم يحدث بشيء ولا حدث دون شيء.
فالأول: هو الإعراب، وهو يحدث بالعامل.
والثاني: هو البناء، ويحدث من غير عاملٍ ولا غيره.
والثالث: المبنى هنا وفي باب (لا) فإنها تحدث عند حدوث حرف النداء و (لا) ولا تحدث بهما؛ إذ ليس حرف النداء بعاملٍ مطلقا، ولا حرف النفي بعاملٍ نصبًا في مفرد يقبل التنوين من غير تنوين.

فقد صار الضم في (المنادى) حادثًا بحدوث شيء، وبهذا أشبه حركة الإعراب، وغير أثر العامل، وبذلك دخل في حركات البناء، ومن حيث أشبه حركة الإعراب، ولم يلحقه تنوين أشبه حركة ما لا ينصرف، فلما كان كذلك لحقه التنوين في الضرورة، كما لحق ما لا ينصرف في الضرورة.
هذا وجه لحاق التنوين على الجملة، إلا أن بعضهم حكم الشبه بما لا ينصرف، فرد عند (الضرورة) إلى الأصل من النصب، كما يرد في حالة الجر ما لا ينصرف إلى الأصل من دخول الجر بالكسرة.
وبعضهم اعتبر مجرد شبه الحركة بحركة الإعراب في المنصرف، فأتبعها على لفظها، كما تتبع حركة المنصرف.
وكلاهما له نظر، فقد يمكن أن يكون الناظم جعل هذا مقدمة لإتباع (المنادى) على اللفظ، كأنه يقول: إن الضم هنا كالرفع، ولذلك نون، فكذلك يتبع على اللفظ، والله أعلم.
وباضطرار خص جمع يا وأل... إلا مع الله ومحكي الجمل والأكثر اللهم بالتعويض... وشذيا اللهم في قريض يعني أن حرف (النداء) لا يجمع بينه وبين الألف واللام، وهي (أل) في حالة "الاختيار" أصلا، وإنما يحص ذلك بالاضطرار الشعري، إلا ما استثنى، وذلك لأن (يا رجل) معناه كمعنى (يا أيها الرجل) فصار معرفة بالقصد والإشارة إليه، فاستغنى بذلك عن الألف واللام، كما استغنت "أسماء الإشارة" بتعريف الإشارة عن الألف واللام، وكما استغنى بـ (اضرب) عن (لتضرب) فصار القصد

والإشارة في النداء كالعوض من الألف واللام، فلا يجمع بينهما في الكلام، فلا يجوز لك أن تقول: يا الرجل، ويا الغلام، وهذا مذهب سيبويه والبصريين.
وأجاز ذلك الكوفيون مطلقا، وأجاز بعض / النحويين دخول (يا) عليها إذا كان ثمه تشبيه، نحو: يا لأسد شدًة، ويا لخليفة جودًا.
ودليل البصريين ما تقدم مضافًا إلى السماع، وأما الكوفيون فاحتجوا على ذلك بالقياس والسماع.
وأما القياس فقاسوا ذلك على لفظ (الله) إذ جاز دخول (يا) مع الألف واللام فيه بإجماع، وليستا من أصل الكلمة، وإنما هما زائدتان، فكذلك يجوز أن تقول: يا الرجل، ويا لغلام، ويا الفاضل، ونحو ذلك.
وأما السماع فقد أنشدوا: فيا الغلامان اللذان فرا... إيا كما أن تكسباني شرًا وهذا، على طريقة ابن مالك، يمكن أن يدخل في قبيل "الاختيار" لتمكن قائله من أن يقول: فيا غلامان اللذان فرا

وأنشدوا أيضا: من أجلك يا التي تيمت قلبي... وأنت بخيلة بالود عني وهو من أبيات الكتاب، ولم يرتض الناظم البناء على ما احتجوا به.
أما القياس على (يا الله) فغير صحيحٍ عنده، فلذلك استثناه من المسألة فقال: "إلا مع الله" وذلك لأن هذا الاسم قد اختص بأشياء خارجة عن القياس، منها هذا.
وأيضًا، فلدخول (يا) عليه، مع الألف واللام، وجه من القياس ليس في غيره، حسبما يذكر إن شاء الله تعالى.
وأما البيتان فهما من الشذوذ بالمكان المكين، وإنما شأن العرب إذا أرادت نداء ما هما فيه، إن لم ترد حذفهما، أن تأتي بـ (أي) فتقول: يا أيها الرجل، أو تأتي أيضا باسم الإشارة فتقول: يا هذا الرجل، ولا تقول: يا الرجل ونحوه، إلا في "الاضطرار" كما قال.
وأما جواز (يا الأسد شدًة) فقال ابن مالك في "الشرح" هو قياس صحيح، لأن تقديره: يا مثل الأسد، ويا مثل الخليفة.
قال فحسن لتقدير دخول (يا) على غير الألف واللام.

وفيما قاله ابن مالك نظر؛ إذ ليس تقدير (مثل) بمزيلٍ لقبح الجمع بين (يا) والألف واللام، وإلا فكان يلزمه أن يجيز (يا الرجل) لأنه في معنى (يا أيها الرجل) وليس مذهبه ذلك.
ويلزمه أن يقول: يا القرية، لأنه في تقدير (يا أهل القرية) وما أشبه ذلك.
ولا يقول به ابن مالك ولا صاحب المذهب المذكور، فدل على أن هذا كله غير صحيح، وأن ما ذهب إليه هنا، من منع إدخال (يا) على ما فيه الألف واللام، هو الصحيح إلا فيما استثنى.
والذي استثنى من ذلك فأجاز اجتماعهما فيه شيئان: أحدهما: لفظ (الله) فإنه لا يختص اجتماعهما فيه بـ (الاضطرار) فيجوز ذلك فيه في (السعة) فتقول: يا ألله اغفر لي.
وعلل ذلك سيبويه بأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما فيه عروض من همزة (إله) فصارت بذلك كأنها من نفس الكلمة، وليس بمنزلة (الذي قال ذاك) لأن (الذي قال: ذلك) يعني الموصول، وإن كان لا تفارقه الألف واللام، ليس باسمٍ غالبٍ على مسماه كزيدٍ وعمروٍ، لأنك تقول: يا أيها الذي قال: ذاك كما تقول: يا أيها الرجل، فامتنع أن تقول: يا الذي قال: / ذاك، كما امتنع (يا الرجل) ولا يجوز أيضا: يا الصعق، ولا يا الدبران، وإن كانت الألف واللام لا تفارقانه لأنهما ليسا

عوضًا عن شيء من نفس الكلمة، كما كان ذلك في لفظ (الله) حين عوضتا من همزة (إلاه) هذا محصول تعليل سيبويه.
والذي يصحح تنزلهما منزلة ما هو من نفس الكلمة [قطع الهمزة] كما قال: مبارك هو ومن سماه... على اسمك اللهم يا ألله كما أن الفعل الذي أوله همزة وصلٍ إذا سمى به قطعت فقلت: جاءني أقتل وإضرب، ولو كانت في تقدير الانفصال لقالوا: (يا الله) موصول الهمزة، فهذا! وجه ما جاء فيه.
والثاني: من المستثنيين محكي الجمل، يعني به المنادى المسمى بالجملة التي تلزم حكايتها بعد التسمية إذا كان في أولها الألف واللام، كما إذا سميت رجلاً بقولك: الرجل قائم، فإنك تقول: يا الرجل قائم.
قال سيبويه: لأنه بمنزلة (تأبط شرًا) لأنه لا يتغير عن حاله؛ إذ قد عمل بعضه في بعض.
يعني أنه جملة يجب أن تحكى ولا تغير عن حالها.

وعلل ذلك المؤلف بأن معناه: يا مقولاً له: الرجل قائم.
قال: وقاس المبرد عليه دخول (يا) على المسمى به من موصولٍ فيه الألف واللام نحو: يا الذي قام.
قال: وهو قياس صحيح.
يعني من حيث هو في التقدير في معنى: يا مقولاً له كذا.
ولم يعلل سيبويه إلا بما تقدم، فمنع دخول (يا) على (الذي قام) مسمى به، كما لا يجوز أن تنادى (الضارب أبوه) إذا كان اسما، لأنه بمنزلة اسم واحد فيه الألف واللام، فكذلك (الذي) وما بعده من صلته بمنزلة اسم واحد فيه الألف واللام، كالحارث والنضر ونحوهما، مما فيه الألف واللام.
وظاهر كلام الناظم هنا موافقة سيبويه ومخالفة رأيه في "شرح التسهيل" لأنه قال: "ومحكي الجمل".
و (الذي قام) ليس من محكي الجمل، لأنه يجرى بوجوه الإعراب، وصلته، وإن كانت جملةً داخلة فيه كالجزء.
وإذا كان كذلك خرج عن مراده من ذلك اللفظ، فهذا الموضع من المواضع التي خالف فيها "التسهيل" و"شرحه" وكان فيها مصيبا؛ إذ ليس التقدير ما قدره المؤلف، وإلا لزم ذلك في كل منادى، فيقدر فيه: يا مقولاً له كذا، لأن الحكاية في التسمية بها وغيرها سواء، فزيد وعمرو ونحوهما في النداء لا يقدر معهما شيء، فكذلك كل ما جرى مجراها من الأعلام.
وأما الموصول فاسم واحد كالاسم المبدوء بالألف واللام [فلم يسغ فيه إلا ما ساغ فيه] ثم قال: "والأكثر اللهم" لما قدم أنه يقال في النداء: يا ألله، في فصيح الكلام، ذكر الآن أن الأكثر في الكلام التعويض، وهو إلحاق الميم

المشددة آخر الاسم عوضًا من (يا) في أوله، فيقال: اللهم، فإذًا الوجهان جائزان، والأكثر (اللهم)، فعليه معهود الاستعمال، ولذلك لم يقع في القرآن إلا (اللهم).
وفي قوله: "بالتعويض" تنبيه على أمرين: أحدهما: التنبيه / على المذهب الراجح في هذه (الميم) وهو كونها عوضًا من (يا) قال سيبويه: وقال الخليل رحمه الله: اللهم نداء، والميم هاهنا بدل من (يا) قال: فهي هنا فيما زعم الخليل آخر الكلمة بمنزلة (يا) في أولها، إلا أن (الميم) هنا مبنية في الكلمة، كما أن نون (مسلمين) في الكلمة بنيت عليها.
وهذا مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أن (الميم) ليست عوضا من (يا) وإنما هي مختصرة من (أم) وأصل الكلام: يا الله أمنا بخير، إلا أنهم لما كثر استعمالهم لذلك، وجرى في ألسنتهم، حذفوا بعض الكلمة للتخفيف، كما قالوا: (هلم) في: هل أم، و (ويلمه) في: ويل أمه، و (عم صباحًا) في: أنعم صباحًا، و (أيشٍ) والأصل: أي شيءٍ، وذلك كثير.
ولو كانت عوضًا من (يا) لم يجمع بينهما، لكن العرب جمعت بينهما كما سيذكر، فدل على أنها غير عوض، لأن العرب لا تجمع بين العوض والمعوض منه.
وقول البصريين أصوب، لأن المستفاد من قولك: اللهم، هو عين المستفاد من قولك: يا الله، فلو كان في الكلام معنى زائد لعلم، وكل ما قدره الكوفيون لا دليل عليه، فوجب اطراحه، وما جاء من الجمع بينهما

فشاذ لا يقاس عليه، وقد أفسدوا دعوى الكوفيين بأشياء أكثرها ضعيفة، فلا حاجة إلى إيرادها.
والأمر الثاني: أن التعويض يقتضي ألا يجمع بين الميم و (يا) فلا يقال: يا اللهم لأن الجمع بين العوض والمعوض منه غير سائغ.
ويقتضيه أيضا قوله: "وشذ يا للهم في قريض" لأن الشاذ هو الذي لا يجوز في الكلام قياسا، وهذا رأى البصريين أيضا أن ذلك لا يجوز.
وذهب الكوفيون إلى جواز الجمع بينهما، وأن يقال في السعة: (يا اللهم) وما قالوه مرجوح، فإن القياس إنما يجري إذا فهمنا من العرب إجراء القياس، وذلك يكون بوجوده مسموعًا كثيرا جدا في النثر والنظم، أو بمجرد سماعه من غير وجود معارض له، وليس ما نحن فيه كذلك، لأن السماع إنما فشا بعدم الجمع، ولم يوجد الجمع إلا في الشعر، ولا وجد في الشعر إلا شاذا، كما قال الناظم: "وشذ يا اللهم في قريض".
فأخبر أنه شاذ في نفسه، وأن ذلك الشاذ إنما أتى في الشعر لا في الكلام، وكل واحد منهما قد كان كافيا على الجملة عند اشتهار عدم الجمع، فقد فهم بسبب ذلك أن العرب لا تجمع بينهما في السعة.
ولم يعتبر الكوفيون هذا، وهو حقيق بالاعتبار، فإن القياس لا ينبغي أن يعمل جزافًا وكيف اتفق؛ بل ينظر في كلام العرب بالاستقراء الصحيح، والتتبع الحسن، فما وجد مشهورا عندهم، لا يتحاشي من استعماله في النثر والنظم،

ساغ القياس عليه، كان له معارض أولا، لكن إن كان المعارض نادرا اطرح ذلك المعارض، وأعمل القياس فيما اشتهر، وإن كان مشتهرا مثله أعملا / معًا.
وما وجد عندهم غير مشهور بل كان نادرا، فإن كان لمعارضٍ أشهر ترك الأندر للأشهر.
وإن لم يكن له معارض أصلاً أعمل، وإن كان إنما سمع في الشعر؛ إذ لم يقم دليل على أنه مما اختص بالشعر، فيحمل على أنه من مطلق كلامها، حتى يوجد ما يعارضه، ويدل على أنه مما اختص بالشعر، قاله الشلوبين.
وقد تقدم التنبيه منه على شيء من هذا، ومحل بسطه "الأصول" فالكوفيون لم يعتبروا هذا الأصل؛ بل تلقوا كل ما جاء في كلامٍ أو شعرٍ نادرًا أو شهيرًا، فقاسوا عليه، وجد له معارض أو لم يوجد، فلم يلتفتوا إلى المعارض.
وبسبب ذلك اتسع عندهم نطاق القياس، وانخرمت عليهم أشياء من الضوابط الاستقرائية.
ولما رأى أهل التحقيق البناء على مثل هذه "الأصول" المحققة الاستقرائية مطردًا عند الخليل وسيبويه، وغير مطرد عند الكوفيين - اعتمدوا على قياسهما، واعتمدوا على نقلهما وتحقيقهما، ونعما فعلوا.
وقوله: "وشذ يا اللهم في قريض" يريد أن الجمع بين (يا) والميم شذ في القريض وهو الشعر وهو (فعيل) بمعنى (مفعول) من: قرضت

الشعر، أقرضه قرضًا، فهو قريض ومنه قول عبيد بن الأبرص: "حال الجريض دون القريض" قاله الجوهري.
وقد يطلق (القريض) في مقابلة (الرجز) وهو نوع من الشعر، قال الأخفش: هو كل ما كان على جزءين أو ثلاثة من أوزانهم، وأنشد ابن الأنباري للأغلب العجلي: أرجزًا تريد أم قريضا... أم هكذا بينهما تعريضا ومراد الناظم الأول فمما جاء في الشعر من ذلك ما أنشده الكوفيون وأبو زيد: إني إذا ما حدث ألما... دعوت يا اللهم يا اللهما

وأنشد الكوفيون أيضا قول الراجز: وما عبيك أن تقولي كلما... سبحت أو هللت يا أللهما أردد علينا شيخنا مسلما وقال الآخر: غفرت أو عذبت يا اللهما وهذا شاذ كما قال.
فصل في تابع المنادى تابع ذي الضم المضاف دون أل... ألزمه نصبًا كأزيد ذا الحيل وما سواه ارفع أو انصب واجعلا... كمستقل نسقًا وبدلا وإن يكن مصحوب أل ما نسقا... ففيه وجهان ورفع ينتقى

هذا الفصل يذكر فيه التوابع الخمسة، وهي النعت، وعطف البيان، وعطف النسق، والتوكيد، والبدل، وذلك إذا تبعت المنادى، لأن لها في تبعيته حكمًا زائدا على ما تقدم.
ولما كان النعت داخلا في التوابع بمقتضى إطلاقه ظهر أنه مخالف للأصمعي في منعه نعت المنادى مطلقا، ومخالف لسيبويه في تفصيله؛ إذ منع نعت ما كان مختصًا بالنداء نحو: يا ملأمان، ويا لكاع، واللهم.
ومن / ثم أعرب (فاطر) من قوله تعالى: "قل اللهم فاطر السماوات والأرض" منادى ثانيا أو بدلا.
فالناظم موافق للمبرد المجيز لنعت المنادي بإطلاق.
وحجة المؤلف أن المنادى اسم ظاهر كسائر الأسماء الظاهرة، فلا مانع من نعته.
وأيضا فإن في القرآن: } قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة {والظاهر أنه نعت.
وتقدير استئناف النداء خلاف الظاهر، و (البدل) في المشتق خلاف الأصل، وإنما باب التابع المشتق أن

يكون نعتاً.
وحكي يونس: يا فاسق الخبيث، إلى غير ذلك من المسموع.
وقال الشاعر: فما كعب ابن مامة وابن سعدى... بأجود منك يا عمر الجوادا فالقياس والسماع متعاضدان على الجواز مطلقا، فيما اختص بالنداء وفي غيره.
وما احتج به الأصمعي من أنه شبيه بالمضمر، والمضمر لا ينعت، مردود بأن مشابهة المنادى للمضمر عارضة، فمقتضى الدليل ألا تعتبر مطلقا، كما لم تعتبر مشابهة المصدر الأمر في نحو: ضربًا زيدًا، لكن العرب اعتبرت مشابهة المنادى للضمير في البناء استحسانًا، فلم يزد على ذلك.
كما أن (فعال) العلم لما بني حملاً على (فعال) المأمور به لم يزد على بنائه شيئًا من أحوال ما حمل عليه، ونظائر ذلك كثيرة.
وأيضا فإن سلم أنه يعتبر في غير البناء اعتبار الضمير - فعلى الجواز لا على اللزوم.
وسبب ذلك أن العرب قد أبقت عليه حكم أصله في أحد الاعتبارين، ألا ترى أنهم قالوا: يا زيد نفسه، على الغيبة، ويا زيد نفسك، على الخطاب، فلو اعتبروا وقوعه موقع المضر البتة لاقتصروا على الخطاب كما يلتزمون: يا أنت نفسك، فلا يقولون: يا أنت نفسه.

وإذا ثبت الاعتبار أن لم يمتنع أن ينعت اعتبارًا بحال الاسم الظاهر، ولا يمنع القول بإطلاق الجواز، حسبما يظهر من الناظم.
وبسط حكم التوابع على ما يعطيه كلامه، بمنطوقه ومفهومه، أن المنادى إذا أتبع على قسمين: أحدهما: أن يكون منصوبا، كالمضاف، والشبيه به، والمنكور، فهذا القسم لا يختلف حكم التابع معه في جميع ما تقدم في التوابع، فالنداء وغيره في ذلك سواء، وهو النصب في التابع، لأن المتبوع منصوب، لكن إذا كان نعتًا، أو توكيدا، أو عطف بيان، نحو: يا غلام زيدٍ الطويل، ويا ضاربًا أبوه الفاضل، وكذلك يا أبا عبد الله محمدًا، ويا بني تميمٍ أجمعين لا يجوز غير ذلك.
وهذا مفهوم من تقييده هنا في قوله: "تابع ذي الضم حكمه كذا" فقيد موضع المخالفة الذي يحتاج إلى ذكره، فبقي غير ذي الضم على الأحكام المتقدمة.
وخرج من هذا الإطلاق البدل، وعطف النسق، بقوله: "واجعلا كمستقل نسقًا وبدلا".
فيكون التابع في قوله: "تابع ذي الضم" لا يريد به عموم التوابع؛ بل التوابع / الثلاثة: النعت، وعطف البيان والتوكيد، فلا يؤخذ له على إطلاقه، لتداخل التقسيم، فكأنه قال: تابع ذي الضم إذ كان أحد الثلاثة حكمه كذا، وأما إذا كان بدلاً أو نسقا فحكمه حكم المستقل.

والثاني من القسمين: أن يكون مبنيا على الضم، وهو الذي أخذ الآن في الكلام على تابعه، وجعله على ضربين.
أحدهما: أن يكون التابع مضافا من غير أن تلحقه الألف واللام، فحكم هذا النصب مطلقا، وذلك قوله: (المضاف دون أل) و"المضاف" في كلامه صفة لـ"تابع" فتقول في (النعت): يا زيد ذا الجمة، ويا عمرو ضارب زيدٍ، ويا رجل صاحب عمروٍ، ومثله الناظم بقوله: أزيد ذا الحيل.
وفي (العطف البياني): يا زيد أبا عبد الله، عمرو أخانا، وفي (التوكيد): يا تميم كلهم.
ووجه ذلك في النعت أن العامل في النعت هو العامل في المنعوت، وحرف النداء لا يعمل في المضاف إلا النصب، وكذلك عطف البيان، هو كالنعت في وجه النصب، والتوكيد أيضا كالنعت في المعنى.
والضرب الثاني من قسمي تابع المبنى على الضم ما سوى ما تقدم، وذلك التوابع الثلاثة، وما فيه الألف واللام من المضاف.
وحكمها جواز وجهين، وهما الرفع حملاً على اللفظ.
فتقول في (النعت): يا زيد الفاضل، ويا بكر الكريم، وفي (البيان): يا غلام زيد، ويا رجل بكر، وفي (التوكيد): يا تميم أجمعون.
والنصب حملاً على الموضع، فتقول في (النعت): يا زيد الفاضل، وفي (البيان): يا غلام زيدًا، وفي (التوكيد): يا تميم أجمعين.

وعلى الوجهين في (عطف البيان) أنشد سيبويه لرؤبة: إني وأسطارٍ سطرن سطرا... لقائل يا نصر نصر نصرا يروى هكذا.
ويروى: "يا نصر نصرًا نصرا" بالرفع والنصب على (عطف البيان) ويروى أيضا بالضم على (البدل).
ويدخل في هذا القسم ما استثنى في القسم الأول، وهو المضاف المصحوب بأل نحو: يا زيد الحسن الوجه [ويا عمرو الطويل القامة، يجوز في (الحسن، والطويل) الوجهان، الرفع، والنصب، فالنصب حملا على الموضع، لأن موضع المبني نصب فتقول: يا زيد الحسن الوجه] والرفع حملا على اللفظ نحو: يا زيد الحسن الوجه.
وإنما جاز فيه الرفع وهو مضاف، لأن إضافته في نية الانفصال، ولذلك دخلت عليه الألف واللام، فكأنه غير مضاف، وهذا كله معنى قوله: "وما سواه ارفع أو انصب" أي ما سوى المضاف العاري من الألف واللام، من التوابع

الثلاثة، يجوز فيه الرفع والنصب معًا.
وعلى هذا يجوز الوجهان في التابع المطول نحو: يا زيد الضارب عمرًا، والضارب عمرًا، فإنه أيضا في حكم المفرد.
وإذا كان المضاف إضافة غير محضة يجوز فيه الوجهان لشبهه بالمطول] وهو: الحسن الوجه فالمطول أولى، وهذا صحيح.
والقسم الثاني من التوابع: البدل، وعطف النسق، وحكمه، حسبما نص عليه، حكم المستقل بالنداء، وقد تقدم ذلك، وأن المنادى إن كان مفردا معرفا بني على ما كان يرفع به، وإلا أعرب نصبا، فكذلك يكون البدل هنا، وعطف النسق، وذلك قوله: "واجعلا كمستقل نسقًا وبدلاً".
(نسقًا وبدلاً) نصب على المفعول الثاني لـ (اجعل).
والمفعول / الأول الكاف في "كمستقل" على حد قول امرئ القيس: وإنك لم يفخر عليك كفاخرٍ... ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مغلب فالكاف اسم كـ (مثل) والنسق: أراد به المنسوق، ويريد أن هذين التابعين لهما حكم أنفسهما، لا حكم التبعية، فإن كانا مفردين مقصودين بالنداء بنيا على الضم مطلقا، إلا ما استثنى في المنسوق.
فتقول في (المعطوف): يا زيد وعمرو، ويا خالد ومحمد.

وكذلك إن كان المنادى معربا نحو: يا عبد الله ومحمد، أو كان المعطوف عليه معربا أيضا والمعطوف مفرد أو مضاف نحو: يا عبد الله وزيد، ويا عبد الله وأبا بكر.
وكذلك البدل نحو: يا زيد أخانا، ويا رجل زيد، ويا عبد الله أخانا، ويا أبا عبد الله زيد، وما أشبه ذلك.
ووجه ذلك أن حرف العطف لما كان مشركا بين المعطوف والمعطوف عليه في حرف النداء وجب أن يكون حكم المعطوف مع العاطف على حكمه مع حرف النداء، وكذلك البدل، لأنه المقصود بالحكم، فكأن الحرف قد باشره، سواء أقلنا: إنه على تقدير تكرار العامل أم على تقدير طرح الأول.
وقد ظهر من هذا الكلام موافقة الناظم للجمهور من البصريين في مسألتين إحداهما: مسألة عطف النسق، فإن مذهبهم، كما تقدم، اعتبار المنسوق بنفسه، كما لو ولى حرف النداء.
وذهب المازني، ونقله المؤلف عن الكوفيين، إلى جواز إجرائه مجرى النعت يجوز فيه الرفع والنصب، فيقولون: يا زيد وعمرو، وعمرًا، كما تقول باتفاق: يا زيد والنضر، والنضر، ويا خالد والغلام، والعلام.
وما قالوه مخالف للسماع، والفرق بين هذا وبين المعطوف ذي الألف واللام أن هذا صالح لولاية (يا)، فلم يكون بد من اعتباره بذلك، بخلاف ما فيه الألف واللام، فإنه غير صالح لذلك، فأشبه التوكيد والنعت.

قال المؤلف في "شرح التسهيل": ما رأوه غير بعيد من الصحة إذا لم تنو إرادة حرف النداء، فإن المتكلم قد يقصد إيقاع نداءٍ واحد على الاسمين، كما يقصد تشريكهما في عامل واحد، نحو: حسبت زيدًا وعمرًا حاضرين، وكأن خالدًا وسعدًا أسدان.
وما قاله غير ظاهر، لأنك لو قصدت ذلك لكان المعطوف والمعطوف عليه في كم الاسم الواحد المثنى، وذلك يصيره ممطولا، فلا يسوغ فيه على ذلك التقدير إلا النصب، لأنه يشبه ما إذا سميت بـ (زيدٍ وعمروٍ) فإنك تقول: يا زيدًا وعمرًا، ليس غير، فصار مثل ندائك ثلاثًة وثلاثين رجلاً، فإنك تقول على كونهما كالشيء الواحد: يا ثلاثًة وثلاثين، وهو أحد القولين، وعلى كونهما أشياء منفصلة متعددة: يا ثلاثة والثلاثون، وهو قول الفارسي.
والوجهان جائزان عند ابن خروف، فليس لك في (زيد وعمرو) إلا وجهان، كلاهما خارج عما قال المؤلف، وهما البناء فيهما، أو / النصب فيهما.
وأما البناء في أحدهما دون الآخر فمشكل.
فإن قيل: فليكن كالنعت والمنعوت وغيره قيل: النعت غير مقصود بالنداء لنفسه، وإنما هو من تمام الأول، كالتوكيد وعطف البيان، بخلاف المنسوق، فإن كل واحد منهما مقصود، فصارا شيئين منفكين، فالصواب ما ذهب إليه هنا.
والله أعلم.

والثانية: مسألة البدل، فإن الناس فيها على ما تقدم، وأجاز ابن مالك في "الشرح" أن يجرى مجرى النعت والبيان والتوكيد، لأن للبدل عنده حالين، حالاً يجعل فيها كمستقل، وهو الكثير كما تقدم، وحالاً يعطي فيها الرفع والنصب، لشبهه فيها بالتوكيد، وعطف البيان، والنعت، وعطف النسق المقرون بأل، في عدم الصلاحية لتقدير حرف النداء قبله.
قال: وصحة هذه المسألة مرتبة على أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه.
وقد بين ذلك في (باب البدل) فإن القائلين بأن العامل في البدل والمنسوق غير العامل في المبدل منه والمعطوف عليه استدلوا بضم (زيد) في النداء في قولهم: يا أخانا وزيد، ويا أخانا زيد.
قال المؤلف: والجواب أن العرب التزمت في البدل والمعطوف أحد الجائزين في القياس، وهو تقدير حرف النداء، تنبيهًا على أنهما في غير النداء في حكم المستقل بمقتضى العامل، فلم يجز لنا أن نخالف ما التزمته.
هذا مقصود ما احتج به، فإن كان مقصوده بالإجازة ما أجاز الجواز القياسي الذي لا يعتبر التكلم به لأنه لم يسمع - فذلك لا يقدح فيما قال هنا، مع ما فيه من الإشكال المتقدم.
وإن أراد الجواز الذي يتكلم به فقد صرح في (باب البدل) من "الشرح" على المنع من ذلك، فوافق كلامه هنا، فلا خلاف في المقصود، والله أعلم.

ومسألة ثالثة، وهي أن ابن الأنباري أجاز رفع النعت المضاف إذا كان المنعوت مبنيًا نحو: يا زيد صاحبنا.
ورده المؤلف باستلزامه تفضيل فرعٍ على أصل، لأن المضاف لو كان منادى لم يكن بد من نصبه، فلو جوز رفع نعته مضافًا لزم إعطاء المضاف في التبعية تفضيلاً على المضاف في الاستقلال.
وفيما قاله نظر، فإن ذلك لازم في النعت المطول، فلو اعتبر ما قال لم يكن في نحو: يا زيد الضارب الرجل، والضارب الرجل، والوجهان جائزان، مع أنه لو باشر حرف النداء لم يكن فيه إلا النصب.
والذي ينبغي الرد به حكاية سيبويه عن العرب كلهم أنهم يقولون: "أزيد أخا ورقاء" بالنصب وهو عين مسألتنا، فالظاهر من النقل مخالفة ابن الأنباري.
ثم في عبارته شيء، وهو أنه خص "التابع" هنا بـ"ذي الضم" دون غيره، وهذا يقتضى بظاهره أن هذا الحكم لا يكون في المبنى على الألف أو الواو نحو: يا زيدان، ويا زيدون، وهذا الاقتضاء غير صحيح؛ بل الحكم المذكور جارٍ في

المبني كله، فإنك تقول: يا زيدان القائمان والقائمين، / ويا زيدون القائمون والقائمين، إذا نعت بالمفرد.
فإن نعت بالمضاف قلت: يا زيدان صاحبي عمروٍ، ويا زيدون أصحاب عمروٍ، هذا هو اللازم.
وكذلك سائر التوابع، يجري فيها مع المبنى على غير الضم ما يجري مع المبني على الضم من الحكم، ولذلك قال في "التسهيل" حين أخذ في الكلام على التابع: "لتابع غير (أي) واسم الإشارة، من منادًى كمرفوع، إن كان غير مضاف الرفع والنصب" إلى آخره، فقال: "كمرفوع" ولم يقل: من منادى مضموم.
وبين في "الشرح" مراده من ذلك، فكان من حقه هنا أن يحرر عبارته فيقول: تابع ذي البناء، أو ما يعطي معنى مراده.
فلو قال مثلا: تابع مبنى مضافًا دون أل - لأعطى العموم في الجميع، وصح الإطلاق.
ثم استثنى من المنسوق ما كان منه بالألف واللام بقوله: "وإن يكن مصحوب أل ما نسقا" إي آخره.
يعني أن ما عطف على المنادى المضموم عطف النسق، وكان فيه ألف ولام، ففيه وجهان: الرفع والنصب، فإذا قلت: يا زيد والرجل - جاز لك في (الرجل) الرفع والنصب، فتقول: يا زيد والرجل، ويا زيد والرجل.

ومنه القراءتان: } يا جبال أوبي معه والطير {برفع (الطير) وهي قراءة الأعرج، وأبى نوفل، وأبى يحيي، وأبى عبد الرحمن.
وبنصبه وهي قراءة السبعة.
وأنشد الزجاجي: ألا يا زيد والضحاك سيرا... فقد جاوزتما خمر الطريق هذا بيان جواز الوجهين على الجملة: وأما المختار منهما فاختلفوا فيه على أقوال أربعة: أحدها: أنه الرفع مطلقا، وهو الذي رآه الناظم إذ قال: "ورفع ينتقي" أي يختار.
انتقيت الشيء، بمعنى: اخترته، ونقاوة الشيء: خياره.
وهذا مذهب الخليل وسيبويه، والمازنى.
والثاني: أن المختار النصب مطلقا، وهو مذهب أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، ويونس، والجرمي.
والثالث: التفرقة، فإن كان المنادى نكرًة مقبلاً عليها فليس إلا الرفع، وإن كان على غير ذلك - فكما قال الخليل، وهو مذهب الأخفش.

والرابع: أنه إن كانت الألف واللام للمح الصفة فكما قال الخليل، وإن كانت لمجرد التعريف فكما قال أبو عمرو، وهو مذهب المبرد، واختاره ابن عبد المنعم السبتي، حسبما أخبرنا شيخنا الأستاذ، رحمة الله عليه، بذلك.
ووجه اختيار الرفع مطلقا ما فيه من مناسبة اللفظ المتقدم، وهو لفظ المعطوف عليه، لأن البناء فيه شبيه بالإعراب، والتابع ليس بمضاف ولا شبيهٍ بالمضاف.
وأيضًا فإنه مفرد، والأصل في هذا التابع إذا كان مفردا ألا ينصب.
وأيضا فإن الرفع هو الأكثر في السماع، كانت الألف واللام للتعريف أو غيره، كان المنادى نكرًة أولا قال سيبويه لما حكي مذهب النصب: فأما العرب فأكثر ما رأيناهم يقولون: يا زيد والنضر - يعني بالرفع - فإذا كان يحكي عن العرب أن الأكثر هو الرفع، وأن النصب ليس في كثرة الرفع، كان /اختياره أولى، ولذلك اختاره الناظم لأنه منقاد للسماع في قياساته، ومذاهبه، وهو صواب، لأن القياس آتٍ من وراء السماع، ولذلك يقول سيبويه: قف حيث وقفوا، ثم فسر.

وهذه "قاعدةٌ" موضع شرحها "الأصول" فكل ما علل به أرباب المذهب الأخر لا تنهض مع السماع إلا بمقدار موافقتها له.
وقوله أول الفصل "تابع ذي الضم" منصوب بإضمار فعل من باب "الاشتغال" مفسره (ألزمه) أي انصب تابع ذي الضم المضاف دون أل ألزمه نصبًا و"الحيل" جمع حيلة و"ما نسق" اسم "يكن" و"مصحوب أل" هو الخبر.
والصحوب هو الذي صحبه غيره، أي صحبته الألف واللام.
وأيها مصحوب أل بعد صفه... تلزم بالرفع لدى ذي المعرفه هذا من تمام الكلام على "التوابع" فإن لـ (أي) واسم الإشارة هنا حكمًا غير ما تقدم ويريد أن (أيًا) الموصولة بهاء التنبيه إذا وقع عليها النداء فإن الذي يتبعها لزوما أحد ثلاثة أمور: إما الاسم المصحوب بالألف واللام، وإما اسم الإشارة، وإما الموصول الذي في أوله الألف واللام.
وذلك أن (أيًا) إنما جئ بها ليتوصل إلى نداء ما فيه الألف واللام؛ إذ كانت أدوات النداء كما تقدم - لا تجتمع معهما، فأتوا بـ (أي) لذلك، كما أتوا بـ (ذي) التي بمعنى (صاحب) ليتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس ثم ألحقوها هاء التنبيه عوضًا من الإضافة والصلة، وتوكيدًا للتنبيه الذي في (يا) ثم أتوا بما أرادوا نداءه فقالوا: يا أيها الرجل، ويا أيتها المرأة، ونحو ذلك، وألزموها إياه لأنه المقصود بالنداء من جهة المعنى، وأجروه صفًة لـ (أي).
فقوله: "أيها" مبتدأ، و"مصحوب أل" إن كان مرفوعًا، مبتدأ ثان، خبره صفة.
و"تلزم" من صفة قوله: "صفة" أي صفة لازمة.

و"بعد" متعلق (مصحوب) و (بالرفع) في موضع نصب على الحال من ضمير (تلزم) العائد على (صفة).
والتقدير: هذا اللفظ الذي هو أيها، مصحوب أل بعدها صفة لازمة لها حالة كونها مرفوعًة، عند ذي المعرفة.
ومعناها أن (أيها يلزمها الوصف بما فيه الألف واللام مرفوعا، وهذا هو النوع الأول، وهو الأصل كما تقدم.
وقوله: "لدى ذي المعرفة" يريد أهل المعرفة من النحويين، وإنما أتى بها تنكيتًا، لأنه حشو بغير فائدة؛ بل فيه فائدة، لكن هذا القول إما أن يكون راجعا إلى ما تقدم من الأوصاف، لأنه قدم لـ (أيها) أوصافًا، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، ولكن أهل الحذق والمعرفة التامة أثبتوا ذلك لـ (أي) فأما المتفق عليه فهو وقوع ما فيه الألف واللام بعدها، وكونه لازما لا يستغنى عنه، فلا أعلم خلافا في صحة قولك: يا أيها الرجل، وأن صفة (أي) لا يجوز تركها، فلا يقال: (يا أيها) مقتصرًا عليه.
وأما المختلف فيه منها فكونه صفًة، وكونه مرفوعا.
أما كونه صفًة فالخلاف فيه من موضعين: أحدهما: أن الجمهور ينفون عنه كونه / صفة؛ إذ ليست (أي) عندهم موصولة، وإنما هي اسم تام مبهم يتوصل به إلى نداء ذي الألف واللام.

وذهب الأخفش إلى إجازة كونها موصولًة، وأن ما بعدها صلةٌ لها، لكن حذف المبتدأ منها، وبقي الخبر والتقدير: يا أيها هو الرجل، كأنه: يا الذي هو الرجل، ولا يتكلم به.
ورد عليه بأمور: أحدها أنه يلزمه النصب لأنه منادى مطول.
قالوا: وهذا لا يلزم، لأن الصلة لا موضع لها من الإعراب، وإنما يطول الاسم بالمعمول.
وأيضًا لو كان كذلك للزم النصب في (بعلبك) ونحوه إذا نودي، وليس كذلك.
والثاني: أنه لو جاز كونها موصولًة لجاز أن ظهور المبتدأ، ولكان أولى من الحذف، لأن كمال الصلة أولى من اختصارها، فأن لم يفعلوا ذلك قط دليل على أنها على غير ما قال.
والثالث: أنها لو كانت موصولًة لجاز يغنى عن المرفوع بعدها جملة فعلية، وظرف ومجرور، ولجاز أن يكون بغير ألف ولام، كما يجوز ذلك في (أي) في غير النداء، وفي جميع الموصولات مطلقا وإن قل، لكنهم التزموا معها ذا الألف واللام دون زيادة، فدل على أنها غير موصولة.
والثاني: أن ذا الألف واللام الواقع بعد (أي) صفة مطلقا، كان مشتقًا أو جامدًا.
أما إذا كان مشتقًا فظاهر إن قلنا: إنه ليس على حذف الموصوف، نحو: يا أيها الفاضل.
وأما إذا كان جامدا فكذلك أيضًا، إلا أنهم استجازوا هنا الوصف بالجامد، وهو قول النحويين المتأخرين ونصهم.

جارٍ التحميل