شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 417-456

هذا هو النوع السابع من المنصوبات التي ينصبها كل فعل متعديًا كان أو غير متعدٍ، وهو الحال، وابتدأ بتعريف الحال أولًا قبل الحكم عليه على غالب عادته، وهو الصواب؛ لأن الكلام في أحكام الشيء وأوصافه ثانٍ عن فهم معناه، فقال في تعريف: الحال وصف فضلة منتصب... مفهم في حالٍ كفردًا أذهب فأتى بأربعة أوصاف مساق الجنس والفصول المترتبة في الحدود: أولها: أنه وصف، وهو الجنس الأقرب للحال، ومعنى كونه وصفًا أنه يصح أن يتصف به، لا أنه يريد الجاري على الموصوف، وهو النعت؛ لأن من شأن الحال ألا يجري على صاحبه وهو حال في الاصطلاح، بل إذا جرى عليه عاد وصفًا وخرج عن كونه حالًا، وهذا ظاهر.
والثاني: أنه فضلة، والفضلة مقابل العمدة، وهو ما استغنى الكلام عنه، نحو: جاء زيدٌ راكبًا، فراكبًا لو لم يأت به لصح الكلام وتم بأجزائه، وكذلك إذا قلت: زيدٌ منطلقٌ راكبًا، فلو لم تأت للفعل بفاعل، ولا للمبتدأ بخبر لكان "راكبًا" فاعلًا مع الفعل وخبرًا مع المبتدأ، فكنت تقول: جاء راكبٌ، ويزيد راكبٌ، فيكون إذ ذاك عمدةً لا فضلة؛ لأن الكلام لا يستغني عنه، فلا يكون إذ ذاك حالًا.
فهذا معنى كونه فضلة، فتحرز إذًا منه في قولك: قام راكبٌ، وزيدٌ راكبٌ، وإن كان وصفًا من الأوصاف،

ويخرج عنه بذلك أيضًا المفعول الثاني في باب علمت، نحو: علمت زيدًا راكبًا، فإنه عمدة، فلم يتناوله الحد فليس بحال.
والثالث: كونه منتصبًا، فبين بذلك أن إعرابه أبدًا النصب لا غيره من وجوه الإعراب، وخرج عن ذلك النعت أيضًا، نحو: جاءني رجل راكب، ومررت بزيد القائم، فإن القائم [والراكب] في المثالين وصفٌ وفضلة جاءت بعد تمام الكلام مع أنها ليست بحال.
والرابع: أنه مفهم: في حال، أي مفهم هذا اللفظ المحكي الذي هو (في حال) هكذا مخفوضًا بغير تنوينٍ مهيأ للمضاف إليه كأنه اختزل من قولك: جاء زيدٌ في حال كذا، لأن تقدير الحال هكذا، فإذا قلت: جاء زيدٌ راكبًا، فالتقدير: جاء زيد في حال ركوب.
وإذا قلت: جاء ضاحكًا، فالتقدير: في حال ضحك، وكذلك سائر المثل، فأتى بقوله (في حال) مقتطعًا من الكلام المقدر ليبين لك خصوصية الحال التي بها يفارق الوصف، وذلك أن راكبًا في قولك: رأيت رجلًا راكبًا وصف فضلة منتصب لكنه غير مفهم معنى (في حال كذا)، وإنما مفهومة رأيت رجلًا صفته كذا، لا في حال كذا، بخلاف: رأيت زيدًا راكبًا فإنه مفهم معنى: في حال ركوب، وكذلك إذا قلت: رأيت زيدًا الراكب لا فرق بينه وبين قولك: رأيت رجلًا راكبًا في منع تقدير (في حال كذا)، وهذا معنى تعريفه.

ثم فيه بعد نظر.
فإن هذه الأوصاف لم توف بالمقصود على ما ينبغي في التعريف، أما الأول فإما أن يريد بالوصف [الوصف] المعنوي، أي هو وصف من الأوصاف التي لصاحب الحال، وذلك لا يستقيم، لأن راكبًا من قولك: جاء زيدٌ راكبًا لا يقال فيه إنه وصفٌ معنويٌ، بل هو موصوفٌ بالركوب، والركوب هو الوصف المعنوي، وأيضًا إن كان المعتبر هو الوصف المعنوي لم يصلح له ما بعده من الأوصاف، وهي قوله: "فضلة منتصب إلى آخره"، لأن [هذا] شأن الألفاظ لا المعاني.
فهذا الوجه غير متجه، وإما أن يريد الوصف الاصطلاحي، فراكبٌ في المثال وصفٌ بلا شك لكن إنما يدخل له من الأحوال ما كان مشتقًا، وأما ما كان جامدًا فلا يدخل فيه، كما في قولك: بعته مدًا بدرهم، وبعته يدًا بيد، وهو كثيرٌ جدًا بحيث لا يقال فيه: إنه قليل، أو إنه مقصور على السماع، فلذلك لم يعتبر به، بل هو كثير، وقد نبه على كثرته بقوله: "ويكثر الجمود في سعر إلى آخره" فالجمود على الجملة في الحال شهير كثير بحيث لا يخرج عن باب الحال، كقول الله تعالى ﴿فانفروا ثباتٍ﴾ وقوله ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾، ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾، ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ إلى أشياء لا تنحصر إلا أن الاشتقاق أكثر على كل

حال، وإذا كان كذلك أشكل تفسير الوصف بكل تقدير.
فإن قيل: إن التأويل فيما جاء من الأحوال الجامدة ممكن، فينصرف به الجامد إلى الاشتقاق، ولا يبقى في هذا الوجه إشكال.
فالجواب: أن كلامه يدفع هذا حيث أثبت الجمود في الحال، وارتضاه، ولم يرتض القول بلزوم الاشتقاق، وتأويل ما جاء من الجوامد.
وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، فالإشكال واردٌ.
وأما الوصف الثاني فغير مخلص أيضًا، لأن الحال تأتي كثيرًا غير مستغنًى عنها، إذ لا يتم الكلام دونها [بل] إذا فرض طرحها صار باقي الجملة غير مفيد كقول الله تعالى ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ فكسالى حال لو فرض سقوطها لم يفد قوله ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا﴾ فائدةً، وكذلك قوله ﴿وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾ ومن ذلك كثيرٌ، وكذا قولهم: ضربي زيدًا قائمًا، وبابه، فإن الحال هنا غير مستغنًى عنه، وكل ما لا يستغنى عنه في الكلام فهو عمدة في ذلك الكلام، وبهذا المعنى بعينه اعترض بعض الناس على النحويين هذا الموضع؛ إذ يشترطون في الحال أن يكون بعد تمام الكلام، وهو معنى ما قال الناظم من كونه فضلة- بقول الشاعر، وهو عدي بن الرعلاء: إنما الميت من يعيش كئيبًا... كاسفًا باله قليل الرجاء

فكئيبًا حال مع أنه لا يتم الكلام دونه؛ إذ لا يصبح أن يكون قوله: "إنما الميت من يعيش" كلامًا حتى يأتي بالحال، فكيف يكون الحال فضلة لزومًا؟ ! وأما الوصف الرابع، وهو قوله: "مفهم في حال" فقد اعترضه عليه ابنه بأنه يشمل النعت؛ لأن معنى: مررت برجلٍ راكبٍ هو معنى قولك: مررت برجلٍ في حال ركوب، كما أن قولك: جاء زيد راكبًا في معنى: جاء زيدٌ في حال ركوب.
وما قاله بدر الدين ابنه قد ألم هو به في التسهيل، وفي الشرح، فإنه قال في التسهيل حين عرف بالحال "وهو ما دل على هيئةٍ وصاحبها متضمنًا معنى في غير تابعٍ ولا عمدةٍ".
وقال في الشرح: "إذا قلت: جئت ماشيًا، وزيدٌ متكئٌ، ومررت برجلٍ متكئٍ، فإن معناه جئت في حال مشيٍ، وزيد في حال اتكاءٍ، ومررت برجل في حال اتكاء ثم قال: "فشارك الحال في هذا المعنى بعض الأخبار، وبعض النعوت فأخرجتها بقولي: "غير تابع ولا عمدةٍ".
فإذا كان كذلك فقوله: "مفهم في حال" يشمل النعت، ويشمل أيضًا بعض الأخبار إلا أن الخبر قد خرج بقوله: "فضلة" فبقي النعت كما قال ابن الناظم، ثم إن تقدير (في حال) غير مبينٍ ولا مبينٍ؛ فإنك إذا قلت: جاء زيدٌ راكبًا فكيف يقال في تقديره، هل يقال: في حال راكبٍ، فلا يصح؛ لأن الراكب هو زيدٌ نفسه، وأنت لا يستقيم لك أن تقول: جاء زيدٌ في نفسه، أو في حال نفسه، وأما قولك: في حال

ركوب، فلا يفهم أيضًا من كلامه هذا دون الأول؛ إذ لا معين له، والإشكال أيضًا واردٌ فيه؛ لأن حال الركوب هو الركوب، ولا يصح أن يقال: جاء زيدٌ في ركوبه.
فالحاصل أن هذا التعريف غير معرف.
والجواب عن الأول: أن المراد الوصف الاصطلاحي لكن الوصفية في الحال ضربان: ضربٌ هي فيه صريحةٌ، وذلك حيث الاشتقاق، وضربٌ هي فيه بالتأويل، وذلك حيث الجمود حسب ما يأتي بحول الله، ولا يخرج الجامد بذلك عن كونه جامدًا، وأيضًا فالعمدة في مجيء الحال أن يكون مشتقًا؛ ولذلك قال: "وكونه منتقلًا مشتقًا يغلب" فجعله الغالب في الباب كما ترى، فهو المحدود إذًا، وما سواه يرجع إليه بالتأويل.
وعن الثاني: أن الفضلة في الاصطلاح ما جاز الاستغناء عنه في الأصل أعني أصل التركيب، والعمدة ما لا يجوز الاستغناء عنه في الأصل، وقد يعرض لكل واحد منهما ما يخرجه عن أصله فيستغنى عن العمدة، كقولك: كل رجلٍ وضيعته، وأقائمٌ الزيدانِ؟ ويمتنع الاستغناء عن الفضلة كقولك: زيدًا، في جواب: من ضربت؟ ولا تخرج العمدة بهذا العارض عن كونها عمدةً، ولا الفضلة عن كونها فضلة، ويعبر عن هذا المعنى بأن معنى كون الحال فضلة وبعد تمام الكلام أن يكون الفعل قد أخذ فاعله، والمبتدأ خبره، وذلك حاصل في قوله: إنما الميت من يعيش كئيبًا ونحوه.
والعبارة الأولى أعم.
وعن الثالث: أن ما قاله ابن الناظم غير مسلمٍ، فإن النعت تخصيصٌ

للمنعوت لتقع الفائدة في الإخبار عنه، فالنكرة الموصوفة توافق من جهة المعنى التعريفي الاسم المعروف، فكأنك لفظت باسمٍ واحدٍ مخصصٍ معرفٍ، بخلاف الحال فإنك لم تقصد به تخصيصًا ولا تعريفًا بل اكتفيت بما حصل لك من معرفته بالاسم المتقدم، ثم عبرت عن حالته التي هو فيها كما تخبر عنه بما شئت من الأخبار.
والنعت ليس بخبرٍ عن المنعوت بالوضع اتفاقًا، وإنما هو من تمام المنعوت وتكملة له فافترقا، والدليل على ذلك أنه يصح الإتيان برأيت زيدًا قائمًا في جواب: كيف رأيت زيدًا؟ لأن معنى كيف: على أي حال، أو: في أي حال، بخلاف قولك رأيت زيدًا القائم، وما كان نحوه، لا يصلح جوابًا لكيف؛ وما ذاك إلا لأنه لا يفهم معنى: في حال كذا، فخرجت الصفة عن حده، ولعل ما قاله في التسهيل وشرحه لم يقل به ههنا.
وهو الصواب.
والله أعلم.
وعن الرابع: أن قوله: مفهم كذا دال على أن المراد ما يصح معناه، وذلك أن يقدر: في حال ركوب، فهو المعنى المفهوم من الحال، ولا يفهم منه معنى: في حال راكبٍ، إذ لا يصح من جهة المعنى، فكأن الناظم لم يحتج إلى بيانٍ زائدٍ على معنى: في حال، لقرب فهمه، ووجه هذا الفهم أن راكبًا وإن كان زائدًا في المعنى لا يمتنع فيه تجريد معنى الركوب لأن راكبًا يدل على الركوب.
ألا تراهم قد قالوا: إذا نهي السفيه جرى إليه

أي إلى السفه، لما كان في الصفة ذكر المصدر، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن يفهم: جاء زيد في حال ركوبه، وإذا سلم أن معنى ذلك: جاء في ركوبه فلا يمتنع ذلك، كأنه يجعل الركوب ظرفًا لفعله مجازًا؛ لأن المصادر قد تكون ظروفًا نحو: مقدم الحاج، قال أكثر هذا المعنى الفارسي في التذكرة، فطالعه ثمة.
وقوله: "كفردًا أذهب" مثال من الحال متقدم على العامل، والفرد بمعنى المنفرد: وكونه منتقلًا مشتقًا... يغلب لكن ليس مستحقا يشترط في وقوع الاسم حالًا شروطٌ سبعةٌ، منها لازمة لا بد لكل حال منها، ومنها غالبةٌ على جمهور باب الحال، وقد يأتي الحال بدونها.
فاللازمة: أن يكون منصوبًا، بعد تمام الكلام، مقدرًا بفي من جهة المعنى، نكرة.
والثلاثة الأول قد تقدمت، وهي التي أتى بها فصولًا في تعريفه.
والرابع سيذكره بعد.
وأما الغالبة فأن يكون مشتقًا، منتقلًا، وصاحبه معرفة، فالشرطان الأولان هما اللذان شرع الآن في ذكرهما، وإن كان قد أشار إلى شرط الاشتقاق في التعريف لكنه لم يبين فيه ما يحتاج إلى بيانه.
والثالث سيذكره بعد.
ويريد هنا أن كون الحال منتقلًا وكونه مشتقًا يغلب في الاستعمال، وليس بوصفٍ لازم له، ولا يستحق الحال أن يشترط ذلك فيه لزومًا عند العرب.
والانتقال معناه: أن يكون الحال وصفًا غير لازمٍ لصاحبه، ولا ثابتٍ له، كقولك: ذهب زيدٌ

مسرعًا، وسار راكبًا، وجاء ضاحكًا، وما أشبه ذلك، فالإسراع لزيد ليس بصفةٍ لازمةٍ له لا تفارقه، وكذلك الركوب ليس بصفةٍ لازمةٍ له، وكذلك سائر الأمثلة.
والاشتقاق: أن يتضمن معنى الفعل كقائمٍ، وقاعدٍ، ومسرع، وراكب، فهذان الوصفان غالبان للحال، وأكثر مجيء الحال عليهما.
وقد يكون على خلاف هذين الوصفين، فلا يكون منتقلًا بل لازمًا، ولا مشتقًا بل جامدًا.
فمما جاء منه غير منتقل قول الله تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط﴾.
فقائمًا حالٌ من اسم الله، وهو وصف ثابت لا ينتقل، وكذلك قوله تعالى ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا﴾، وقوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾، وقوله ﴿ويوم أبعث حيًا﴾، وقوله ﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾، وقالت العرب: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها.
ومما جاء منه غير مشتق قوله تعالى ﴿فانفروا ثباتٍ﴾ أي: جماعات في تفرقة، فهذا غير مشتق، وكذلك قوله تعالى ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ حال ولا اشتقاق فيه، وقوله تعالى ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾.
ويكثر ذلك في السعر كما قال.
ومما اجتمع فيه الثبوت

والجمود ما مثل به سيبويه من قوله: هذا خاتمك حديدًا، وهذه جبتك خزًا.
ووجه عدم التزام هذين الوصفين أن الحال خبرٌ من الأخبار، والأخبار لا يشترط فيها اشتقاق ولا انتقال باتفاق، فكذلك ينبغي أن يكون ما في معنى الخبر.
وقد يسمي الحال خبرًا سيبويه في بعض المواضع اعتبارًا بأن ذلك معناه.
وكأن الناظم نبه هنا على مسألتين: إحداهما: أن المستقر في كلام العرب من وصف الاشتقاق والانتقال أنه يغلب ولا يلزم.
فقوله: "وكونه منتقلًا مشتقًا يغلب" بيان أن كلام العرب هكذا، ولا يريد أنه شرط للنحويين شرطوه غالبًا؛ لأن هذا لا معنى له، وإنما كان يكون شرطًا للنحويين لو قال مثلًا: "والأحسن أو والأولى كونه منتقلًا مشتقًا" أو يقول: "ويضعف في القياس كونه غير مشتق أو غير منتقل" أو ما أشبه ذلك.
وعلى هذا يجري في كلامه كل ما كان نحوه كقوله: "وغالبًا ذا التا لزم"، وقوله: "غالبًا جا ذا البدل"، "وشارع نحو خاف ربه عمر"، وما كان مثل ذلك.
وينبني على ذلك المسألة الثانية، وهي: أن شرطي الانتقال والاشتقاق عنده غير مشترطين بل يجوز عنده أن يأتي الحال جامدًا ولازمًا؛ إذ لم يستحق كونه كذلك في السماع، فلا يستحق ذلك في القياس خلافًا لمن جعلهما شرطين مستحقين، فإن طائفةً من المتأخرين يقولون بذلك، ويؤولون الجامد واللازم

حتى يصيروهما في حكم المشتق والمنتقل، فيعود الشرط لازمًا قياسًا.
وقال الشلويين ليس من شرط الحال الانتقال إلا أن تكون غير مؤكدة، فإنها إن كانت مؤكدة فقد تكون غير منتقلة، ثم أتى بقوله ﴿ويوم أبعث حيًا﴾ ﴿ثم وليتم مدبرين﴾.
ثم بين أن المؤكدة على خلاف الأصل، فعدم الانتقال على خلاف الأصل، فالاشتراط صحيح.
وما ذهب إليه الناظم أصوب فقد تقدم أمثلة مما الحال فيه مبينة، وهي مع ذلك غير منتقلة، وقد تأول ابن عصفور بعض هذه الأحوال التي هي غير منتقلة وردها إلى معنى الانتقال، وهو على بعده لا ينجيه من وجود الحال غير منتقلة، وكذلك أولوا ما جاء من الأحوال غير مشتقة، وصححوا لزوم الاشتراط.
والإنصاف ما قاله الناظم لكثرة ما جاء من ذلك، ولأن التأويل فيها لا يخرجها أو أكثرها عن كونها جامدةً.
والضمير في (ليس) عائدٌ إلى كونه، أي ليس ذلك الكون المذكور مستحقًا للحال أن يكون عليه بلا بد، بل قد يكون على خلاف ذلك.
ثم أتى بمواضع مجيء الحال جامدًا على غير الغالب فقال: ويكثر الجمود في سعرٍ وفي... مبدي تأولٍ بلا تكلف كبعه مدًا بكذا يدًا بيدٍ... وكر زيدٌ أسدًا أي كأسد يعني أن الحال يكثر مجيئه جامدًا في موضعين: أحدهما: السعر مطلقًا، وذلك نحو: بعته الشاء شاةً ودرهمًا، بعته الشاء شاةً بدرهم، وقامرته درهمًا في درهم، وبعته داري ذراعًا بدرهم، وبعت البر قفيزين بدرهم، وبعت السمن منوين بدرهم، واشتريت الخبز رطلين

بدرهم، وأخذت زكاة ماله درهمًا لكل أربعين درهمًا، ولك الشاء شاةً بدرهمٍ شاة بدرهم، وما أشبه ذلك.
ومنه مثاله: "بعه مدًا بكذا"، فمدًا حالٌ من الهاء، وبكذا بيان، كذا قال سيبويه كما كان (لك) في سقيًا لك بيانًا أيضًا، وهذا جار في الأمثلة التي فيها المجرور، وأما نحو شاةً ودرهمًا، فإن الواو فيه بمعنى مع، كقولك: كل رجلٍ وضيعته، فهذه كلها أحوال وقعت في التسعير من غير اشتراط للاشتقاق عند سيبويه، والحذاق، وإنما يقدرون فيها الاشتقاق تقديرًا معنويًا، وذلك غير كافٍ في اشتراط الاشتقاق، فقولك: شاةً ودرهمًا، أو بدرهمٍ في تأويل مسعرًا هذا التسعير، ودرهمًا في درهم في تأويل معادلًا هذا بذاك، أو باذلًا هذا البدل، وذراعًا بدرهمٍ في تأويل مقدرة أو مقومة هذا التقدير أو التقويم، وكذلك سائر الأمثلة المذكورة، وغيرها.
والثاني من الموضعين: حيث يكون الحال الجامد يتأول بالمشتق بسهولة من غير تكلف ولا تعسف، وذلك قوله: "وفي مبدي تأولٍ بلا تكلفٍ".
فمعنى مبدي: مظهر، والتأول صفة المؤول، فيريد أن الحال إذا أظهر بنفسه المعنى الذي يؤول عليه من غير تكلفٍ حتى يصير في معنى المشتق بسهولةٍ.
فذلك أيضًا يكثر عند العرب استعماله، وأتى لذلك بمثالين يحذى حذوهما:

أحدهما قوله: "يدًا بيد" إذا قلت: بعته الثوب يدًا بيد، فيدًا بيدٍ حالٌ في تأويل معاجلًا أو مناجزًا.
وهذا المثال دال على المفاعلة ومنه سايرته قدمًا بقدم، وقابلته دينارًا بدينارٍ، وفاخرته أبًا بأب، وما أشبه ذلك.
والثاني: قوله: "كر زيدٌ أسدًا" على حذف المضاف المشتق كأنه قال: مثل أسدٍ أو شبيه أسدٍ، وهو معنى تقديره بالكاف في قوله: "أي كأسد"، ومنه عند المؤلف قول النميري: تضوع مسكًا بطن نعمان إن مشت... به زينبٌ في نسوةٍ عطرات أي: تضوع مثل المسك، ومنه في الحديث قوله عليه السلام: "أحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا" أي: مثل رجل، وما أشبه ذلك مما كان على حذف المضاف.
فهذان نوعان من الأنواع التي يسهل فيها التأويل، ويظهر معناه من الحال بلا تكلف.
ومنها: أن يوصف الحال بصفة مشتقة كقولك: رأيته رجلًا جميلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فتمثل له بشرًا سويًا﴾.
فالتأويل هنا قريب، لأن الصفة هي المقصودة فكأنه على معنى: رأيته جميلًا، وتمثل لها سويًا في صفة البشر.
ومنها: أن يكون دالًا على ترتيب نحو قولهم: بينت له الحساب بابا بابًا،

يريد مرتبًا سويًا، وادخلوا رجلًا رجلًا، يريد مرتبين هذا الترتيب، وتصدقت بمالي درهمًا درهمًا أي مصروفًا هذا النوع من الصرف.
ومنها: أن يدل على أصالة نحو: هذا خاتمك حديدًا، ورأيت ثوبك خزًا، وفي القرآن ﴿قال أأسجد لمن خلقت طينًا﴾ تقديره: متأصلًا في هذا الجنس، أو مصنوعًا من كذا.
ومنها: أن يدل على فرعية كقولك: هذا حديدك خاتمًا، وهذا ذهبك سوارًا، ورأيت فضتك خلخالًا، والتقدير: مصوغًا على هذا النحو.
ومنها: أن يدل على نوع الشيء، كقولك: هذا تمرك شهريزًا، وهذا تمرك عجوة، أي متنوعًا هذا النوع.
ومنها: أن يدل على تطوير وقع فيه تفضيل، نحو: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا، وهذا الذهب سوارًا أحسن منه خلخالًا، وهذا عنبًا أحسن منه زبيبًا، وما أشبه ذلك، والتقدير: هذا مطورًا هذا التطوير (أحسن منه هذا التطوير) الآخر.
فهذه ثمانية أنواع مما وقع الحال فيه جامدًا لقرب تأوله بالمشتق يقاس عليها ما سواها، والجميع ينتظمه كلام الناظم بإشارة التمثيل، وينضم ذلك إلى نوع السعر، فالجميع تسعة أنواع، وهو ما نص عليه في التسهيل بقوله: "ويغنى عن اشتقاقه وصفه، أو تقدير مضاف قبله، أو دلالته على مفاعلة، أو سعرٍ، أو ترتيب أو أصالةٍ، أو تنويع، أو طورٍ واقعٌ فيه تفضيل" لكن فصلها في التسهيل، وأجملها

هنا في ضابط، وهو أن يكون الجامد يظهر فيه التأويل بلا تكلفٍ فهذا أخصر، والأول أظهر.
والله أعلم، ثم إن كلامه يتم النظر فيه بذكر مسائل أربع: إحداها: أنه لم يصرح هنا بقياس في هذا الذي كثر ولا عدمه بل قال: "ويكثر الجمود في سعر" إلى آخره، والكثرة تحتمل أن تبلغ مبلغ القياس عليها، وتحتمل ألا تكون كذلك، لكن قوله أولًا: "لكن ليس مستحقًا" دليل على أنه قياس؛ إذ لو كان موقوفًا على السماع لكان الشرطان مستحقين، فهذا مشعرٌ بالقياس في هذه الكثرة.
والثانية: أن قوله: "ويكثر الجمود في سعر" من غير تقييد بأن يكون التأويل غير متكلف، ثم قال: "وفي مبدي تأولٍ بلا تكلف".
فشرط عدم التكلف في التأويل دال على أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون السعر غير محتاج إلى التأويل عنده (فكأنه يقول: ويكثر الجمود في سعر من غير افتقار إلى تأويل) بخلاف غير السعر فإنه مفتقر إليه، فيصح أن يقع الجامد حالًا في السعر من غير احتياج إلى تأويل، ولا يصح أن يقع حالًا في غير السعر إلا مع صحة تأوله بالمشتق.
وإما أن يكون السعر قد كثر فيه ذلك، وإن كان التأويل متكلفًا فكأنه يقول: يكثر الجمود في السعر على التأويل، لكن لا يشترط ألا يكون متكلفًا، بل قد يكون كذلك وقد لا يكون كذلك، بخلاف غير السعر.

وإما أن يكون التأويل في السعر ظاهرًا غير متكلف لزومًا بحيث لا يوجد الجامد في السعر إلا ظاهر التأويل بخلاف غير السعر فإن الأمر فيه يختلف، فيكون منه متكلف، وغير متكلف، فغير المتكلف هو الذي يكثر، والمتكلف قليل أو معدوم وكأن هذا الثالث أولى؛ لأنه الموجود في السعر كما تقدم.
والثالثة: المتكلف التأويل من الأحوال الجامدة ظاهر أنه ليس بقياس، إذ أخرجه عن الكثرة في السماع فهو إما معدوم فلا يصح القياس، لأن القياس إنما ينبني على أصلٍ وقد فرض معدومًا، وإما قليل لا يقاس على مثله، إذ لو كان عنده قياسًا لم يخرجه عن حكم غير المتكلف التأويل؛ لأنه لا أثر للقلة والكثرة إذا كان الجميع مقيسًا عليه، فلا معنى لقوله: "بلا تكلف" إذًا، فإذا كان الأمر على هذا ثبت أن ذا التأويل المتكلف لا يقاس عليه أصلًا.
والرابعة: ما ذو التأويل المتكلف المتحرز منه.
فاعلم أنك إذا قلت: هذا مالك دينارًا، وجمعت دراهمي أربعةٌ، ومررت برفيقك رأسين، وما أشبه ذلك فتأويل مثل هذا بعيد متكلف لو قدرت معنى دينارًا قليلًا أو متنوعًا، أو قدرت معنى أربعة معدودة، وكذلك الباقي- بخلاف قولك: بينت له حسابه بابا بابًا؛ فإن معنى مفصلًا فيه تأويل ظاهر المعنى، والحال يدل عليه- فمثل هذا لا يقع حالًا، وإن وقع حالًا فمسموع لا يقاس عليه.
والكر ضد الفر، وهو راجع إلى معنى الإقدام.
وقوله: "أي كأسد" بيان لوجه التأويل في المثال؛ إذ لو لم يبينه لخفي مقصوده فكان البيان أولى.
والله أعلم.
[ثم قال]

والحال إن عرف لفظًا فاعتقد... تنكيره معنى كوحدك اجتهد هذا هو الشرط الرابع من الشروط اللازمة المنبه عليها قبل، ولم يأت به تصريحًا ولكنه أتى به ضمنًا، فمعنى كلامه أن الحال إن ج اء معرفًا بأحد وجوه التعريف، فليس في الحقيقة بمعرفٍ، وإنما هو منكر، وهذا الكلام لا يقال إلا فيما ثبت له التنكير أصلًا يرجع إليه، فيريد أن الحال لا يكون أبدًا إلا نكرة، نحو: جاء زيدٌ مسرعًا، وكر زيدٌ راجعًا، ومر بشرٌ ضاحكًا، وما أشبه ذلك، فإن ظهر في اللفظ تعريفٌ فليس في المعنى كذلك، وإنما كان كذلك؛ لأن الحال غالب أمره أن يكون مشتقًا، وصاحبه معرفة، والحال خبرٌ من الأخبار فألزموه التنكير؛ لئلا يتوهم كونه نعتًا لا حالًا، وأيضًا فإن الحال فضلةٌ ملازمٌ للفضيلة؛ إذ لا يكون في الكلام عمدةً أصلًا، فلا يقام مقام الفاعل كغيره من الفضلات: المفعول به، والمجرور والظرف، وغيرها.
فلم يستحق أن يعرف؛ إذ لا فائدة لتعريفه، واستحقه غيره من الفضلات لوقوعه عمدةً، وقيامه مقام الفاعل، فجاز مجيئه معرفةً، بهذا وجه التنكير في الشرح.
وإذا صح استحقاقه للتنكير فمتى وجدته معرفةً في اللفظ فاعتقد تنكيره في المعنى.
والتعريف للحال يكون بالإضافة، ويكون بالألف واللام.
فمما جاء مضافًا مثاله الذي مثل به، وهو: وحدك اجتهد، فوحدك حالٌ من ضمير اجتهد، ومثله جاء زيدٌ وحده، ومررت بهم وحدهم، ومررت بالزيدين وحدهما، فهذا ليس على ظاهره من التعريف، وإنما هو منكرٌ في المعنى؛ إذ معناه: منفردًا، ومنفردين، ومنفردَيْن، ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز: مررت بهم ثلاثتهم، وأربعتهم، وكذلك إلى العشرة.
قال سيبويه: "وزعم

الخليل رحمه الله [أنه] إذا نصب ثلاثتهم فكأنه يقول مررت بهؤلاء فقط، لم أجاوز هؤلاء.
كما أنه إذا قال وحده فإنما يريد أن يقول: مررت به فقط لم أجاوزه".
ومثل ذلك: مررت بهم قضتهم بقضيضهم، وأنشد سيبويه للشماخ: أتتني تميم قضها بقضيضها... تمسح حولي بالبقيع سبالها ومعناه: جاؤوا جميعًا، وهو من الانقضاض، كأنه يقول: انقض آخرهم على أولهم، ومنه: رجع عوده على بدئه، ومعناه عائدًا على بدئه، أي: راجعًا على طريقه.
وقالوا: كلمته فاه إلى في، يريد مشافهًا له، وحكى ابن خروف عن الفراء: جانبته ركبته إلى ركبتي، وجاورته بيته إلى بيتي، وصارعته جبته عن جبتي، وناضلته قوسه عن قوسي، وحكى أبو زيد: بعته ربح الدرهم للدرهم.
فهذه جملة من الحال المعرف بالإضافة، وهو الذي وقع التمثيل به.
وأما التعريف بالألف واللام الذي شمله قوله: "إن عرف لفظًا" فمثاله قولهم: ادخلوا الأول فالأول، أي: ادخلوا مرتبين واحدًا فواحدًا، فهو في تقدير النكرة، وقالوا: جاؤوا الجماء الغفير، والناس فيها الجماء الغفير، ومعناه جميعًا.
وقالوا: أرسلها العراك، أي معتركة، أنشد سيبويه للبيد بن ربيعة:

فأرسلها العراك ولم يذدها... ولم يشفق على نغص الدخال وقرأ الحسن ﴿لنخرجن الأعز منها الأذل﴾ معناه ذليلًا، أو أذل من غيره.
وقد يكون التعريف بالعلمية نحو: جاءت الخيل بداد، أي متبددة، ومنه: ذو الرمة ذا الرمة أشهر منه غيلان، والمعنى: ذو الرمة مسمى بهذا الاسم أشهر منه مسمى بالآخر.
فهذه كلها على خلاف الأصل؛ فلذلك أمر باعتقاد كونها في المعنى نكرات.
وبقي النظر هنا في ثلاث مسائل: إحداها: أن كلامه يشعر بأن ما جاء من الحال معرفًا فإنما هو سماعٌ لقوله: "إن عرف لفظًا" يريد في كلام العرب، فهو قد أوصى بتأويله على التنكير.
ولو كان قياسًا لم يحتج إلى ذلك بل كان يقول: إن الحال يجوز الإتيان به معرفة صح تأويله بالنكرة أو لم يصح.
فإن قيل: أمره بالتأويل لا يدل على عدم القياس؛ إذ قد أحال على التأويل قبل هذا في قوله: "وفي مبدي تأويل بلا تكلف".
وقد تقدم أنه مقيس، فالتأويل لا ينافي القياس.

فالجواب: أنه لم يقل هناك أول الحال الجامد بالمشتق إذا أتاك من كلامهم، ولو قال ذلك لكان سماعًا، وإنما عرف المقيس بكونه يسهل تأويله فذلك الذي لا ينافي القياس، وقال هنا: إذا أتاك المعرفة فأوله بالمنكر، ولا تعتقد تعريفه تعريفًا صحيحًا.
فهذا ظاهر في أن تعريف الحال لا يصح قياسًا، وأنه لو كان قياسًا لم يحتج إلى تأويله.
والثانية: في وجه اعتقاد التنكير، إذ قد أمر به في قوله: "اعتقد" واعتقاد التنكير قد يكون في ذي الأداة باعتقاد زيادتها، وفي ذي الإضافة باعتقاد كونها غير محضة، وفي ذي العلمية باعتقاد التنكير، وقد يكون بغير ذلك.
والذي يشعر به كلامه اعتقاد التنكير من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ فإنه قال: "فاعتقد تنكيره معنى" يريد أن تنكيره ليس من جهة اللفظ بأن تقدر اللام زائدة، والإضافة غير محضةٍ، فإن هذا أمرٌ لفظي، بل هو من جهة المعنى؛ لأن معنى وحده: منفردًا، ومعنى ثلاثتهم: جميعًا، وكذلك سائر المثل.
وعلى هذا المجرى أجراه النحويون على أن بعضهم أجاز أن تكون الألف واللام فيما هي فيه زائدة، ولكن مثل هذا لا يجري في ذي الإضافة، فالأولي أن يكون التنكير بالتأويل المعنوي كما أشار إليه فهو المطرد.
والثالثة: أنه مثل الحال المعرفة بوحدٍ فدل على أنه عنده حالٌ بنفسه، ويظهر ذلك منه في شرح التسهيل أيضًا.
والنحويون في (وحده) مختلفون على ثلاثة أقوال: فمذهب سيبويه والخليل أنه اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فالأصل في قولك: اجتهد وحدك: اجتهد منفردًا،

فمنفردًا حال ثم وضع موضعه (انفرادًا)، فـ (انفرادًا) مصدرٌ في موضع الحال، ثم وضع موضعه وحدك، فوحدك اسم- لأنه لا فعل له في موضع المصدر الموضوع موضع الحال.
وذهب قومٌ إلى أنه مصدرٌ موضوعٌ موضع الحال؛ إذ حكي يوحد وحدًا ووحدةً ووحادةً.
وذهب يونس إلى أنه ظرفٌ بمنزله عند، أو منصوبٌ على إسقاط الجار، ولم يأخذ به سيبويه.
وما ذهب إليه المؤلف مذهبٌ رابعٌ، فهو عنده اسمٌ جامدٌ حالٌ بنفسه على الظاهر من كلامه في هذه الأحوال المعارف؛ إذ بها مثل مع أنها ليست عند غيره بمنزلةٍ واحدةٍ، بل منها ما هو حالٌ بنفسه، ومنها ما هو مصدرٌ في موضع الحال، ومنها ما هو كوحده اسمٌ في موضع المصدر الذي في موضع الحال؛ ولجعله هذه الأنواع بمنزلة واحدة خلطتها أنا في التمثيل المتقدم كما رأيت، فإن كان الأمر فيها على ظاهر كلامه من أنها أحوال بأنفسها حقيقةً فله وجهٌ من النظر، فإنه قد تقرر أن الجامد من الأسماء يقع حالًا قياسًا إذا كان ذا تأويل غير متكلفٍ، ولا شك أن هذه المعارف كلها يصح فيها التأويل على غير تكلف كما تقدم.
فهي إذًا في عداد: بعته يدًا بيد، وكر أسدًا، وما أشبه ذلك، وإنما خالفتها في القلة والكثرة، فقل الحال المعرفة فوقف على محله، وكثر النكرة فقيس، فكما لم يقدر في: يدًا بيدٍ ونحوه أنه اسم في موضع الحال، أو في موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فكذلك لا ينبغي أن يقدر هنا لأنه غير محتاج إليه.
وإن كان مراده أنها وقعت أحوالًا على الجملة من غير نظر إلى نيابةٍ أو عدمها فصحيحٌ، ويكون موافقًا لغيره

على هذا الوجه.
ويدل على هذا القصد من كلامه قوله على إثر هذا: "ومصدر منكر حالًا يقع" فجعله- كما ترى- حالًا بنفعه، وهو مصدر، وعادة النحويين أن يقولوا في نحو: قتلته صبرًا: إنه مصدرٌ في موضع الحال، ولا يقولون عادةً: إنه حالٌ بنفسه، فكذلك يقدر جعله هذه الأشياء أحوالًا بأنفسها أمرًا جمليًا.
وبهذا الوجه تظهر مخالفته ليونس في جعله وحده ظرفًا أو منصوبًا على إسقاط الجار، وهو مذهب مرجوح لم يره سيبويه؛ لأن معنى الظرفية فيه بعيدٌ، وأيضًا فإنه يلزم على قوله أن تقول: زيدٌ وحده، فتجعل وحده واقعًا موقع خبر المبتدأ، كان المبتدأ مصدرًا أو جثةً كسائر الظروف، وليس ذلك بجائزٍ عند سيبويه والخليل لما يلزم على مذهبها من رفعه، ولا يرتفع أبدًا.
وعلى مذهب يونس لا يلزم رفعه؛ لأنه ظرف.
ويبقى المذهبان الآخران أن يكون وحدك عند الناظم على رأي سيبويه والخليل، وأن يكون على رأي من يجعله مصدرًا في موضع الحال.
فالله أعلم بمراده.
ثم قال: ومصدر منكرٌ حالًا يقع... بكثرةٍ كبغتةً زيدٌ طلع يعني أن المصدر المنكر يكثر في كلام العرب وقوعه حالًا كما تقول: طلع زيدٌ علينا بغتةً، فبغتةٌ مصدرٌ واقعٌ موقع الحال، وكان الأصل فيه ألا يقع حالًا؛ لأنه غير صاحب الحال لكنهم لما كانوا يخبرون بالمصادر عن الجثث كثيرًا مجازًا واتساعًا، كقولهم: زيدٌ عدلٌ، وزيدٌ رضا، وصومٌ وفطرٌ، و: فإنما هي إقبالٌ وإدبار

فعلوا مثل ذلك في الحال؛ لأنه خبر من الأخبار كما تقدم، فقالوا: قتلته صبرًا، ولقيته فجاءة ومفاجأة، وكفاحًا ومكافحة، ولقيته عيانًا، وكلمته مشافهةً، وشفاهًا، وأتيته ركضًا وعدوًا ومشيًا، وأخذت الحديث عنه سمعًا وسماعًا، ومن ذلك في القرآن الكريم ﴿ثم ادعهن يأتينك سعيًا﴾، ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية﴾ الآية، ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾، ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾، ﴿ثم إني دعوتهم جهارًا﴾، وأنشد سيبويه لزهير بن أبي سلمى: فلأيًا بلأيٍ ما حملنا وليدنا... على ظهر محبوكٍ ظماءٍ مفاصله وأنشد أيضًا: ومنهلٍ وردته التقاطا يريد فجأة، وقال أوس بن حجر: فكان من أفلت من عامرٍ... ركضًا وقد أعجل أن يلجما

وذلك في الكلام كثير كما قال: "بكثرة"، لكن هذا اللفظ يشعر بأمرين: أحدهما: أن هذا المصدر حال بنفسه لا بالنيابة، وهو مذهب الجمهور.
وذهب الأخفش والمبرد [إلى] أن المصدر ههنا منصوبٌ بفعل مضمرٍ نصب المصادر المطلقة، والفعل المضمر في موضع الحال، لكن حذف وقام مصدره مقامه، فأما الأخفش فذلك عنده على الجواز، ولم ينكر مذهب سيبويه.
وأما المبرد وأصحابه فالتزموه، ولم يقولوا بغيره.
قال السيرافي: "كان المبرد يدعي أن هذا القياس قول النحويين" قال: "وكان الزجاج يذهب إلى تصحيح قول سيبويه، وهو الصواب؛ لأن قول القائل: أتانا زيدٌ مشيًا يصح أن يكون جوابًا لقول من قال: كيف أتاكم زيدٌ؟ وكذلك: كيف لقيت زيدًا؟ فيقول: فجأة"، قال: "ولو كان على قول المبرد لجاز: أتانا زيدٌ المشي، وهو لا يجيزه".
هذا ما قال السيرافي.
ورد غيره قول المبرد بأنه إن كان الدليل على الفعل المضمر لفظ المصدر المنصوب به فينبغي أن يجوز ذلك في كل مصدر له فعلٌ، وألا يقفوا ذلك على السماع، وإن كان الدليل هو الفعل الظاهر، فذلك لا يمكن؛ لأن القتل لا يدل على الصبر، ولا اللقاء على الفجأة، ولا الإتيان على الركض؛ ولذلك منع سيبويه من دخول السرعة قياسًا.

فإن قيل: فقد أجاز سيبويه أن يكون (سيرًا) في قولك: سير عليه سيرًا على إضمار فعلٍ، وذلك قياسٌ.
فهذا مثل ذلك.
فالجواب: أنه إنما أجاز الإضمار لما كان عليه دليل، وهو الفعل الظاهر، فليس ذلك كمسألتنا؛ إذ لا دليل فيها.
وتمام هذا الوجه في شرح ابن خروف فتأمله هنالك.
والأمر الثاني: التوقف في القول بالقياس في هذا المصدر؛ إذ لو كان عنده قياسًا لم يحتج إلى قوله: "بكثرة"، فلما قال ذلك دل على أن في القياس مغمزًا.
ومذهب سيبويه والأكثر أنه ليس بقياس، فلا تقول: أتانا سرعةً، ولا أتانا رجلةً، كم تقول: أتانا عدوًا، وأتانا ركضًا، وقاس ذلك المبرد في كل شيء يدل عليه فعل من المصادر، فأجاز: أتانا سرعةً، ورجلةً، لأن السرعة والرجلة من ضروب الإتيان، ولا يجيز: أتانا ضربًا، ولا ضحكًا؛ لأنه ليس من ضروب الإتيان.
والمذهب الأول أولى، لأن الحال- كما تقدم- في معنى الخبر، فكما لا يقع المصدر خبرًا عن الجثة قياسًا، وإنما يكون بالسماع فلا تقول: زيدٌ ضربٌ- ولا: أنت قيامٌ ولا عمروٌ أكلٌ قياسًا على قولهم: زيد عدلٌ، وزيدٌ رضا، فكذلك الحال لا يكون بالمصادر قياسًا، وكذلك الحال وصفٌ من الأوصاف التي تجري على النكرات فكما لا تقول: مررت برجل ضربٍ قياسًا على قولهم: مررت برجل عدلٍ، فكذلك لا تقول: أتيته سرعةً كما تقول: أتيته سعيًا.
وهذا ظاهر.
وقوله: "ومصدرٌ منكرٌ حالًا يقع بكثرة" فقيد الكثرة فيه بكونه منكرًا تحرز من المصدر المعرف، فإن وقوعه حالًا قليلٌ، ومنه قولهم: أرسلها العراك، قال لبيد:

فأرسلها العراك ولم يذدها... ولم يشفق على نغص الدخال وقال أوس بن حجر: فأوردها التقريب والشد منهلًا... قطاه معيدٌ كرة الورد عاطفٌ ومن ذلك: طلبته جهدك وطاقتك، وفعله رأي عيني، وسمع أذني، وأنشد ثعلب عن الأثرم عن أبي عبيدة: تعفي الشيب جهدك بالخضاب... لترجع فيلك أبهة الشباب وذلك كله قليلٌ كما قال.
ويبقى على كلام الناظم إشكالٌ وهو أن المساق مشعرٌ بعدم القياس في وقوع المصدر حالًا كما سبق، وثم من المصادر ما يقع حالًا قياسًا لا على مذهب المبرد فقط، بل على مذهب غيره من النحويين فقد نص في التسهيل على ثلاثة مواضع: أحدها: ما كان نحو: أنت الرجل علمًا، وأنت الرجل أدبًا، وأنت الرجل نبلًا، وأنت الرجل فطنةً، أي: أنت الكامل في حال أدبٍ، وحال نبلٍ، وحال علمٍ، وحال فطنة.
والثاني: ما كان نحو: هو حاتمٌ جودًا، وزهيرٌ شعرًا، وهو يوسف حسنًا، وما أشبه ذلك، فالتقدير: هو مثل حاتمٍ في حال جود، ومثل زهير في حال شعرٍ، ومثل يوسف في حال حسنٍ.

والثالث: ما كان نحو: أما علمًا فعالمٌ، وأما سمنًا فسمينٌ، وأما نبلًا فنبيلٌ، وما أشبه ذلك، ومعنى الكلام مهما يذكر إنسانٌ في حال علم فالموصوف به عالم، أو مهما يكن من شيء فالمذكور عالمٌ في حال علمٍ، ويكون على هذا التقدير حالًا مؤكدًا، وإنما يصح هذا التقدير حيث يجوز عمل ما بعد الفاء فيما قبلها على ما هو مقرر في موضعه.
فهذه المواضع ليست بموقوفةٍ على السماع.
والجواب: أن إطلاق القول بالكثرة قد يقال: إنه لا يعطي منه القياس حتمًا، وإنما هو تصريحٌ بمجرد الكثرة في السماع، ويبقى النظر بعد ذلك في القياس، فيكون الأمر عنده في القياس مختلفًا، فمنه ما هو مقيسٌ، ومنه ما ليس كذلك، وسكت عن تفصيل الحكم لنظر الناظر في المسألة، ويترجح هذا القصد بأن النظم الذي في اليد لا يبلغ فيه بسط مثل هذه الأمور لاسيما باب: أما علمًا فعالم، فإن فيه من الصعوبة ما قال بسببها الزجاج: إنه لم يفهمه أحدٌ، إلا الخليل وسيبويه، فإذا كان كذلك لم يلق التفصيل بهذا الموضع، وأيضًا فلا يدخل هنا باب: أما علمًا فعالمٌ على مذهبه في الشرح؛ إذ هو عنده منصوبٌ على المفعول به، والتقدير: مهما تذكر علمًا فالذي وصفته عالم.
وأولى من هذا أن يقال: إن تمثيله قيد في المصدر الذي أراد ذكره، وعلى هذا يبقى ما تقدم غير متعرض له، ولا يلزمه ذكر كل مسألة في الحال، كما لا يلزمه ذلك في غيره.
والبغت أن يفجأك الشيء، تقول: بغتة بغتًا أي فاجأه، ولقيته بغتة أي فجأةً، ثم قال: ولم ينكر غالبًا ذو الحال إن... لم يتأخر أو يخصص أو يبن

من بعد نفيٍ أو مضاهيه كلا... يبغ امرؤٌ على امرئٍ مستسهلًا هذا هو أحد الشروط الغالبة للحال، وهي ثلاثة، تقدم منها اثنان، وهما: الاشتقاق، والانتقال، وهو الآن يشرع في الثالث، وهو: أن يكون صاحب الحال معرفةً، والغالب فيه أن يكون معرفةً، لأن الحال خبرٌ من الأخبار- كما مر- فكما يشترط التعريف في المخبر عنه؛ لأن به حصول الفائدة غالبًا، فكذلك يشترط في صاحب الحال، وأيضًا فإن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الحال؛ لأن الصفة مبينة ومخصصة للموصوف بخلاف الحال، فعلى هذا يكون صاحبها نكرة إلى مع حصول الفائدة كما كانت النكرة لا تقع مبتدأ ولا فاعلًا إلا مع حصول الفائدة، فالناظم أتى بالمواضع التي تحصل فيها الفائدة مع النكرة إذا أتى الحال منها، فيريد أن الحال لا يكون صاحبه نكرةً في الغالب إلا في أحد ثلاثة مواضع: أحدها: أن يتأخر صاحب الحال عنه ويتقدم هو، وسيأتي بيان تقديم الحال على عامله، وذلك قوله: "إن لم يتأخر" فضمير يتأخر عائدٌ على صاحب الحال، ويريد يتأخر ويتقدم عن الحال، ومثال ذلك: فيها قائمًا رجلٌ، وهذا قائمًا رجلٌ، الأصل: هذا رجلٌ قائمٌ، وفيها رجلٌ قائمٌ، وإذا كان كذلك فالأصل أن يجري قائمٌ نعتًا على رجلٍ، وإن كان النصب جائزًا، فالنعت أقوى.
وقال سيبويه: "إنما كان النصب بعيدًا هنا من قبل أن هذا يكون من صفة الأول، فكرهوا أن يجعلوه حالًا كما كرهوا أن يجعلوا الطويل والأخ حالًا حين قالوا: هذا زيدٌ الطويل، وهذا عمروٌ أخوك، فألزموا صفة النكرة النكرة، كما ألزموا صفة المعرفة المعرفة، وأرادوا أن يجعلوا حال النكرة فيما يكون من اسمها كحال

المعرفة فيما يكون من اسمها" يريد بحال النكرة وحال المعرفة حكمها، أي حملوا حكم النكرة على حكم المعرفة في الامتناع من نقل صفتها إلى الحال.
وقال ابن السراج: "إنما ضعف الحال هنا؛ لأن الحال خبر، وحمل الصفة على الصفة أقرب من حملها على الخبر" انتهى.
فلما أرادوا أن ينصبوا القائم على الحال على غير ضعفٍ نقلوه إلى موضع لا يجري فيه على موصوفه، فقالوا: هذا قائمًا رجلٌ، وفيها قائمًا رجلٌ؛ إذ لا يصح في النعت أن يجري على منعوته، وهو متقدمٌ عليه؛ لأن من شرط جريانه التأخير عن الموصوف، ولا يختص هذا الحكم بتقديمه على صاحبه وحده، بل ينصب إذا تقدم صدر الكلام حيث يجوز ذلك، كقولك: ضاحكًا جاءني رجلٌ، وقائمًا رأيت رجلًا، وما أشبه ذلك، ومن ذلك ما أنشد سيبويه لذي الرمة: وتحت العوالي في القنا مستظلةً... ظباءٌ أعارتها العيون الجآذر وأنشد أيضًا: وبالجسم مني بينًا لو علمته... شحوب وإن تستشهدي العين تشهد وأنشد أيضًا لكثير عزة: لمية موحشًا طلل

وتمامه عند الأعلم: يلوح كأنه خلل وروي هكذا: لمية موحشًا طلل قديم... عفاه كل أحسم مستديم وقال آخر: وما لام نفسي مثلها لي لائم... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي ومن أبيات الحماسة: فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا... وفي الأرض مبثوثًا شجاعٌ وعقرب

والثاني: أن يتخصص صاحب الحال النكرة بوجهٍ من وجوه التخصيص، وذلك قوله: "أو يخصص" ومثاله قولك: مررت برجلٍ قائمٍ مستلقيًا، وجاءني أخٌ كريمٌ ضاحكًا، ومنه قول الله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمرٍ حكيمٍ أمرًا من عندنا﴾.
فهذا من التخصيص بالوصف، وقد يتخصص بالإضافة كقولك: مررت بغلام امرأةٍ فارسًا، وفي القرآن الكريم ﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين﴾، وقال: ﴿وحشرنا عليهم كل شيءٍ قبلًا﴾ على قراءة غير نافعٍ وابن عامر، هو جمع قبيلٍ، أي: قبيلًا قبيلًا، وصنفًا صنفًا، وإنما ساغ هنا الحال من النكرة المخصصة كما ساغ الابتداء بالنكرة إذا خصصت؛ لأنها بذلك تقرب من المعرفة فعوملت معاملة المعرفة في صحة نصب الحال عنها.
والثالث: أن يكون صاحب الحال واقعًا بعد نفي أو شبهة، وذلك قوله: "أو يبن من بعد نفي أو مضاهية".
فمعنى يبن: يظهر، أي ما لم يظهر بعد كذا أو كذا.
والمضاهي: معناه المشاكل والمشابه، فأما النفي الصريح، فنحو: ما سافر أحد ضاحكًا، ولا أتى أحدٌ راكبًا، وفي القرآن الكريم ﴿وما أهلكنا من قريةٍ إلا ولها كتابٌ معلوم﴾ فقوله: ﴿ولها كتابٌ معلومٌ﴾ جملة حالية مصدرة بواو الحال، وكذلك: ﴿وما أهلكنا من قريةٍ إلا لها منذرون﴾ بغير واوٍ جملة حالية أيضًا.
وأما المضاهي للنفي فالنهي والاستفهام، فالنهي قد مثله بقوله:

"لا يبغ امرؤٌ على امرئٍ مستسهلًا".
البغي: التعدي، يقال بغى الرجل على الرجل إذا استطال عليه، أي لا يتعد امرؤٌ على امرئ مستسهلًا لذلك ومستخفًا له، ومن ذلك ما أنشده في الشرح: لا يركنن أحد إلى الإحجام... يوم الوغى متخوفًا لحمام وأما الاستفهام فنحو قولك: هل أتاك أحدٌ طالبًا، وأجاءك امرؤ راغبًا، وأنشد في الشرح: يا صاح هل حم عيش باقيًا فترى... لنفسك العذر في إبعاده الأملا وإنما ساغ ههنا انتصاب الحال من النكرة من حيث أشبهت المعرفة في حصول الفائدة بها كالمبتدأ إذا تقدمه نفي أو استفهام.
فهذه ثلاثة مواضع حصر الناظم فيها ما يصح أن ينتصب الحال منه من النكرات قياسًا، وعلى هذا يكون ما عداه مما جاء صاحب الحال فيه نكرة نادرًا، وهو الذي نكت عليه بقوله: "غالبًا"؛ إذ نص أنه لم ينكر غالبًا ذو الحال في غير هذه المواضع، فيفهم له أنه نكر في غيرها قليلًا، وقد أجاز سيبويه على ضعف: هذا رجلٌ قائمًا، وفيها رجلٌ قائمًا.
قال لما ذكر: هذا قائمًا رجلٌ، وهو قائمًا رجلٌ، وذكر وجه النصب فيها، وحمل هذا النصب على جواز: فيها رجلٌ قائمًا، فكأنه جائزٌ عنده على قلة-

أعني: فيها رجل قائمًا- (ومن ذلك قولهم: مررت بماءٍ قعدة رجلٍ، وعليه مائة بيضًا).
وفي هذا الحصر نظرٌ، لاقتضائه أن ما عدا ما ذكر نادرٌ، وليس كذلك فقد استثنى في التسهيل مع تلك المواضع الثلاثة ثلاثة مواضع أخر جاريةً مجراها في القياس غير الأقلي: أحدها: كون جملة الحال مقرونة بالواو كقوله تعالى ﴿أو كالذي مر على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها﴾.
فالحال هنا من نكرة سائغٌ واردٌ في الكلام الفصيح الذي لا أفصح منه، ومنه قول الشاعر: مضى زمن والناس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع وإنما ساغ ذلك لكون الجملة لا يتوهم فيها أنها نعت له.
والثاني: كون الحال لا يصح أن يكون وصفًا لكونه بالجامد، كقولهم: هذا خاتمٌ حديدًا، وعندي راقودٌ خلًا، وهذه صفة خزًا، الظاهر من كلام سيبويه انتصاب هذه الأشياء على الحال، وحسن ذلك التخلص من قبح جريانه نعتًا.
والثالث: اشتراك المعرفة مع النكرة في الحال، كقولك: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين، وهذان رجلان وعبد الله منطلقين بنصب منطلقين على الحال؛ إذ لا يصح جريانه نعتًا على أحدهما للمخالفة التي بين النكرة والمعرفة، وقد بوب

سيبويه على هذا النوع بابًا على حدة.
وثم مواضع أخر: منها: أن تكون النكرة لا يصح وصفها بمعرفة ولا نكرة، وذلك قولك: مررت بكل قائمًا ومررت ببعضٍ قائمًا، لا يصح أن يجري قائمٌ وصفًا عليهما؛ لأنهما في التقدير معرفتان بنية الإضافة، ولا يصح أن يوصفا بالمعرفة أيضًا؛ لأنهما في اللفظ نكرتان، فلم يسغ إلا أن تنصب الصفة حالًا.
ومنها: أن تجتمع نكرتان مختلفتا الإعراب، نحو: قاتل رجلٌ غلامًا فارسين، ومررت برجلٍ ولقيت غلامًا راكبين، فقولك فارسين ينتصب على الحال؛ إذ لا يصح جريانه عليهما مع اختلاف الإعراب، فإذا تقرر هذا فالناظم قد أدخل هذه المواضع بمقتضى كلامه في حيز القليل النادر مع أنها ليست كذلك.
وقد يجاب عن الأول بأنه داخلٌ في باب القليل، ولم يشتهر مثل ذلك، وكونه جاء في فصيح الكلام لا يخرجه عن كونه قليلًا، فكم في القرآن، والكلام الفصيح من الأمور التي تدخل في هذا النصاب، نعم لو منع ذلك جملةً لكان عليه الدرك، وهو لم يفعل ذلك، فلا درك عليه.
وعن الثاني أن النحويين مختلفون فيه، والأظهر فيه النصب على التمييز، فلا يكون حجةً عليه؛ إذ لعله أخذ هنا بمذهب من جعل النصب فيه على التمييز، قال السيرافي: وهو القياس، وجوزه ابن خروف مع تسليم الحال حسب ما ظهر من سيبويه، وقد قال ابن مالك في الشرح: إن المشهور في غير كلام سيبويه نصبه

على التمييز، وإذا احتمل أن يكون رأيه هذا فلا اعتراض عليه، بل الظاهر من حصره أنه رأيه.
وعن الثالث أته لما اشتركت المعرفة مع النكرة في الصفة صار جريانها على الاسمين جريانًا على المعرفة/ أو كالجريان عليها؛ إذ لم تختص النكرة بها فلا يصدق على الحال أن صاحبه نكرة، فخرج بهذا الاعتبار عن مسألته.
وعن الرابع أنه من القليل أيضًا؛ إذ لا تكاد تجد من ذلك إلا كلًا وبعضًا، وعليهما بوب سيبويه.
وعن الخامس أنه لم يذكره لإمكان النصب فيه على إضمار فعل لا على الحال، ألا ترى أنه يجب ذلك إذا اختلف عاملا الاسمين، فلم يجتمعا في معنى عاملٍ واحد كما تقول: فوق الدار رجل وقد جئتك برجل آخر عاقلين، لا يصح الحال هنا لعدم اجتماع العاملين في معنى عامل واحد، فقد يقال: إنهما إذا اجتمعا في معنى العامل الواحد فالأولى النصب على غير الحال فلما كان الأمر كذلك ترك ذكر هذا الموضع؛ إذ ليس الحال فيه بضرورة.
والله أعلم.
ثم قال: وسبق حال ما بحرفٍ جر قد... أبوا ولا أمنعه فقد ورد هذا الفصل يتكلم فيه على الحال من المجرور بحرف هل يجوز تقديمه عليه أم لا يجوز؟ وهذا الحكم ثانٍ عن كون الحال يجوز تقديمه على صاحبه، وثانٍ عن جواز الحال من المجرور بحرف مطلقًا، بخلاف المجرور باسمٍ، فإن فيه تفصيلاً، وسيأتي ذكر ذلك كله إن شاء الله.
وقوله: "وسبق" مفعول بأبوا، و (حال) مضاف إلى (ما)، وهي موصولة صلتها (جر)، و (بحرفٍ) متعلق بجر،

والتقدير: قد أبوا- يعني النحويين- سبق حال الاسم الذي جر بحرفٍ، ويعني أن النحويين منعوا إذا كان صاحب الحال مجرورًا بحرف أن يتقدم الحال عليه، وإنما يكون عندهم متأخرًا عنه لزومًا بحيث لا يجوز في القياس غيره، فإذا قلت مررت بزينب ضاحكة، فهو اللازم، وكذلك إذا قلت: مررت بالزيدين قائمين لا يجوز أن تقول: مررت ضاحكة بزينب، ولا مررت قائمين بالزيدين، وإلا يجوز تقديمه على متعلق الجار وهو الفعل ونحوه أولى، فلا يقال ضاحكة مررت بزينب ولا قائمين مررت بالزيدين.
هذا ما حكاه عن النحويين، ولم يذكر المسبوق ما هو، إذ هو مفهوم أن المراد سبق الحال على صاحبه، وسبقه على صاحبه تارة يكون مع سبق العامل عليهما، وتارة مع سبق الحال على صاحبه والعامل معًا، ثم ذكر ما اختاره مذهبًا ورجحه على غيره، وهو الجواز، فقال: "ولا أمنعه فقد ورد" يريد: لا أمنع ذلك السبق الذي منعتم بل أجيز سبق الحال لصاحبه المجرور بحرفٍ، وسبقه لصاحبه وللعامل معًا، وبين سبب هذه الإجازة، والمخالفة، وأنه السماع المقتضى للجواز بقوله: "فقد ورد" يعني أنه ورد من كلام العرب فهو فيه موجود، وإذا كان مسموعًا فلا سبيل إلى المنع جملة؛ إذ السماع هو الإمام المتبع، فمن ذلك قول الله تعالى ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا﴾.
فالظاهر في كافةٍ أنه حال من الناس كما لو/ قال: للناس كافة.
والعرب لا تستعمل كافة قط إلا حالًا، وهو الزمخشري: إن كافة صفة لموصوف محذوف، أي إلا إرسالة كافة للناس، ضعيف، وكذلك قول الزجاج في جعل كافة حالًا من الكاف؛ إذ هو إذ ذاك مؤنث حال من مفرد

مذكر، وذلك كله لا يعرف إلا بالسماع، ولا سماع إلا ما في محل النزاع، ومن أمثلة الفارسي في التذكرة: زيد خير ما تكون خير منك، على أن مراده: زيد خير منك خير ما تكون، فقدم الحال على صاحبه المجرور بحرفٍ، ومن المنظوم قول الشاعر من أبيات الحماسة: إذا المرء أعيته الرياسة ناشئًا... فمطلبها كهلًا عليه شديد فكهلًا حال من ضمير عليه، وأنشد المبرد: لئن كان برد الماء حردان... صاديًا إلى حبيبًا إنها لحبيب فحران حال من الياء في إلي، والعامل حبيبًا، والتقدير: لئن كان برد الماء حبيبًا إلى حران صاديًا، فقدم الحال على صاحبه والعامل، وأنشد في الشرح من ذلك أيضًا: مشغوفة بك قد شغفت وإنما... حتم الفراق فما إليك سبيل وأنشد أيضًا منه:

غافلًا تعرض المنية للمرء... فيدعى ولات حين إباء تقديره: تعرض المنية للمر غافلًا، وكذلك تقدير ما قبله: قد شغفت بك مشغوفةً، ومثل الآية في تقديمه على صاحبه خاصة قول الآخر، أنشده في الشرح: تسليت طرًا عنكم بعد بينكم... بذكراكم حتى كأنكم عندي تقديره: تسليت عنكم طرًا.
فهذه الأدلة كلها، وما كان مثلها تشهد بصحة القول بالجواز، لكن التقديم على ذي الحال والعامل معًا قليل.
وقد احتج المانعون لتقديم الحال هنا بأوجهٍ من القياس: منها: أن تعلق العامل بالحال ثانٍ لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأن فعلًا واحدًا لا يتعدى بحرف واحدٍ إلى شيئين، فجعلوا عوضًا من ذلك التزام التأخير.
ومنها: أن منع التقديم هذا بالحمل على حال المجرور بالإضافة.
ومنها: أن حال المجرور شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معنى الاستقرار، نحو: زيد في الدار متكئا، فكما لا يتقدم الحال على حرف الجر هذا وأمثاله كذلك لا يتقدم عليه في نحو: مررت بهند جالسة، وهذه التعليلات ضعيفة في أنفسها:

أما الأول: فلا نسلم أن حق الحال تعدي الفعل إليه بواسطة إذا تعدى إلى صاحبه بها، بل حقه الاستغناء عنها لشبهه بالظرف، ولذلك يعمل فيه ما لا يتعدى بحرف كاسم الإشارة، وغيرهما.
وأما الثاني: فإن المجرور بحرف أصل للمجرور بالإضافة أو كالأصل له فلا يصح له أن يحمل حال المجرور عليه؛ لئلا يكون الأصل تابعًا للفرع عكس القاعدة، وأيضًا فالمضاف إليه بمنزلة الموصول مع الصلة، والحال بمنزلة جزء الصلة فيجب تأخيره، وحال المجرور بحرفٍ/ لا يشبه جزء الصلة، فأجيز تقديمه.
وأما الثالث: فالرف ظاهر؛ فإن جالسه منصوب بمررت وهو فعل متصرف لا يفتقر في نصب الحال إلى واسطة كما لا يفتقر إليها في نصب الظرف والمصدر، وحرف الجر الذي عداه إلى صاحب الحال لا عمل له إلا الجر، ولا جيء به إلا لتعدية مررت، والمجرور به بمنزلة المنصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب.
وأما متكئًا في مسألة التنظير فمنصوب بفي لتضمنها معنى الاستقرار، وهي رافعة لضميرٍ هو صاحب الحال فلم يجز تقديمه (متكئًا) على (في)؛ لأن العمل لها وهي عامل ضعيف فمانع التقديم في: زيد في الدار متكئًا مفقود في: مررت بهندٍ جالسة.
فهذا وجه ضعفها، وإذا فُرضت قوية لم تُعتبر لوجود السامع مخالفًا لها كما تقدم.
وهذا الوجه هو الذي اعتمد الناظم في الرد؛ إذ قال: "ولا أمنعه فقد ورد".
والصواب_ والله أعلم_ مع النحويين دون ابن مالك، لأنهم لم يأتوا بوجه المنع إلا بعد استقراء كلام العرب، وأنهم لم يجدوا التقديم إلا في شعر لا يجعل وحده مأخذ قياس، أو في الآية الكريمة مع احتمالها وعدم نظير لها في ظاهرها، ومعارضة الاستقراء للقياس في المسألة، فحينئذ جزموا بمنع المسألة، وأولوا الآية الكريمة حين لم يجدوا لها في الكلام

نظيرًا، ولم يثبت عندهم جواز التقديم في لغةٍ من اللغات، فالحق ما ذهبوا إليه.
ومن عادة ابن مالك التعويلعلى اللفظة الواحدة تأتي في القرآن ظاهرها جواز ما يمنعه النحويون، فيعول عليها في الجواز، ومخالفة الأئمة، وربما رشح ذلك بأبيات مشهورة أو غير مشهورة، ومثل ذلك ليس بإنصاف، فإن القرآن الكريم قد يأتي بما لا يُقاس مثله، وإن كان فصيحًا، وموجهًا في القياس لقلته، ولما تكلم ابن ملكون على بيت الحماسة: إذا المرء أعيته الرياسة ناشئًا... فمطلبها كهلًا عليه شديد مذيلًا على كلام ابن جني فيه قال: "وإنما منع سيبوية من إجازته- يعني تقديم الحال هنا- أرى؛ لقلته في كلامهم، فجرى ما جاء منه مجرى الأشياء الموقوفة على السماع لقلتها، وإن كان لها أقيسة تجوزها كما يتكلم بما تكلموا به، فإن القياس يدفعه، ألا نسمع قوله: "وليس لك أن تريد إلا ما أرادوا" انتهى كلامه.
وهو واضح في أنه ليس كلما تكلم به العرب يُقاس عليه، وربما يظن من لم يطلع على مقاصد النحويين أن قولهم: شاذ، أو: لا يُقاس عليه، أو: بعيد في النظر القياسي، أو ما أشبه ذلك ضعيف في نفسه، وغير فصيح، وقد يقع مثل ذلك في القرآن فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك، وهم أولى لعمر الله أن يُشنع عليهم، ويُمال نحوهم بالتجهيل والتقبيح؛ فإن النحويين إنما قالوا ذلك

جارٍ التحميل