ذاك إلا لمنعها ما كان جائزا ولو لم تجز إمالة مثل هذا مع فقد المستعلي لم يكن لتمثيله بهذا المثال معنى بل كان يمثل من سفر قاسم ونحوه من المنفصل
والموضع الثالث اشتراط ما ليس بمشترط في صحة الإمالة وهو وجود الراء وقد وقع في التذكرة للفارسي ما نصه: سألته فقلت كيف مثّل سيبويه في باب ما يمال من الحروف لوقوع الراء بعدها مكسورة فاعتزم على الراء في التمثيل دون غيرها وكرر المسائل وأطالها على ذلك؟ فقال لأن في الراء من تكريرها الصوت ما ليس في غيرها فلذلك وضع يده عليها قلت له ولم احتيج في باب الحروف الممالة الحركات إلى قوة ذلك المعنى حتى جاء بالراء لقوتها بالتكرير وأنت وهو جميعا تنزلان الفتحة هنا منزلة الألف وأنت قد تميل الألف للكسرة من غير راء نحو سالم ونابل فإذا جاز أن تميل الكسرة في غير الراء الألف فهلا جاز أيضا أن تميل الفتحة؟ بل هلا كان ذلك في الفتحة أحسن لقلتها عن الألف فإذا أثّرت في الأقوى كان تأثيرها في الأضعف أحرى؟ فهلا قيل من سَلْمٍ ومن كعب كعمرو؟ فقال القياس يجيزه ولكنه قدم الراء لقوتها قلت فيؤكد ما قلته اعتذاره من ترك إمالة فتحة تاء تحسب ونحوها ولا راء هناك قال نعم انتهى ما ذكره وهو نص على صحة الإمالة فيما ليس فيه راء وقد نسبه لسيبويه وله في موضع آخر من التذكرة ما له إشعار بهذا فكيف يجعل الناظم الراء شرطا في هذه الإمالة؟ [209]
والموضع الرابع أنه لم يذكر حكم حرف الاستعلاء هنا وقد كان من حقه ذلك لأن للراء المكسورة في هذا الموضع مع حرف الاستعلاء حالين حال يكفها فيه عن تسبيب الإمالة وذلك إذا وقع حرف الاستعلاء بعدها نحو من الشرِق ومن الفَرِق إذا قيل فلا تميل هنا فتحة الشين والفاء إذ يلزم فيه التصعد بعد التسفل وقد تقدم استكراهم لها وحالٌ لا يكفّها فيه عن التسبيب وذلك إذا وقع قبلها نحو من البقر ومن النظر ومن البطر ومن البخر ومن الصِّغر ومن البصر ومن الحضر وما أشبه ذلك فالإمالة هنا جائزة ولا أثر هنا لحرف الاستعلاء
والجواب عن الاعتراض الأول أن يقال لعل مذهبه وقف المنفصل بحرف على السماع لأنه سبب بعدي فهو أضعف كما كانت الكسرة البعدية لا تقتضي الإمالة عنده إلا مع الاتصال هذا في الكلمة الواحدة وأما إذا كانت الراء في كلمة أخرى فمذهبه فيه عدم الإمالة وذلك حيث قال «وَلَا تُمِلْ لِسَبَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ» ولا شك أن مثل هذه المسألة داخل تحت ما ذكر إذ لم يقيد ألفا من فتحة فيحمل على كل ما ذكر في الباب من الأسباب والمسببات وقد تقدم بيان هذا المذهب في موضعه ونحو هذا يجاب عن الرابع فإنه قد ذكر ما يكف من حروف الاستعلاء وما لا يكف وتقدم أن المستعلي إذا تقدم على الراء المكسورة لا يمنع كقارب وخارج وقد نزّل سيبويه هذه الحروف هنا [210]
منزلتها إذا كانت قبل الألف وبعد الألف راء وأما إذا تأخر فإنه يكف السبب كما قال فارق وناعق فكذلك ههنا فلم يترك ذكر ذلك إهمالا له وإنما تركه اختصارا لتقدم ذكره وعلى هذا لا إشعار للمثال بمخالفة مع النص على الحكم الصحيح ومن ههنا نقول أيضا إذا كانت الفتحة على راء والكسرة على راء فلا بد من الإمالة وإنما ذلك لأن الراء المكسورة تمنع الراء وإن انفتحت عن كف الإمالة فتميل نحو بِشَرَرٍ ومن الضرر ومن السِّرَرِ ونحو ذلك وهو منصوص عليه في صحة الإمالة عند النحويين
وأما الثاني فإن غالب الإمالة هنا مع تطرف الراء فلعله رأى أن ما كانت الراء فيه متوسطة مما لا يبلغ مبلغ القياس عليه فأخرج عن المقيس باشتراط التطرف
وأما الثالث فالذي ذكر السيرافي أن ذلك مختص بما فيه الراء ولذلك فسر هو وابن خروف مسألة «تحسبُ» على أنها ليست من الباب وإنما هي من باب كسر حرف المضارعة وإنما نُقل أنها من باب الإمالة عن الفارسي فالناظم جرى على معهود كلام الناس وظاهر مساق سيبويه وتبويبه وكلامه [211]
وقوله «مِلْ تُكْفَ الْكُلَفْ» من تمام التمثيل فللأيسر متعلق بمِلْ فعل الأمر من مال يميل ميلا وهو على حذف الموصوف أي مل للأمر الأيسر وهو بمعنى الأخف وتُكْفَ جواب مِلْ وهو من كفيته مَئُونة كذا أي رفعتها عنه والْكُلَفْ جمع كلفة وهي المشقة في الشيء والتكليف منه فكأن الناظم أتى ضمن تمثيله بحكمة يريد: مل للأمر الأيسر الذي لا تكبر مئونتُه ترتفع عنك المشقة والتعب فيه وهي حكمة جارية في كل أمر من أمور الدنيا والدين
ثم قال «كَذَا الَّذِي تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ فِي... وَقْفٍ» هذا هو السبب الثاني من أسباب إمالة الفتحة وهو وقوع هاء التأنيث بعدها و «الَّذِي» يحتمل أن يكون صفة حذف موصوفها لتقدم ذكره وهو الفتح ويعني أن الفتح الذي يقع قبل هاء التأنيث في الوقف يمال أيضا كما يمال إذا وقع قبل راء مكسورة ويحتمل أن يكون الموصوف هو الحرف على الجملة كأنه قال كذا الذي يقع قبل هاء التأنيث ويدل على هذا قوله بعد «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» فإنما الظاهر أن يكون الاستثناء من الحرف الموصوف بالذي وهذا المحمل هو الظاهر لأن ضمير «كَانَ» لا بد أن يعود على مذكور [212]
وهو ما وقع عليه الذي ووصف بها لكن يلقى فيه أنه أطلق الإمالة على الحرف والمراد حركته لأن إمالة الحركة إمالة للحرف المحرك بها قال سيبويه «وسمعت العرب يقولون ضربت ضَرْبهْ وأخذت أخْذه» ثم علل ذلك بأنهم شبهوا الهاء بألف فأمال ما قبلها كما يمال ما قبل الألف ولم يعيِّن أيَّ ألفٍ أشبهت لكن الأقرب أنها شبهت بألف التأنيث وذلك للشبه اللفي والمعنوي أما المعنوي فمعنى التأنيث الذي دل عليه كل واحد منهما وأما اللفظي فلأن كل واحد منهما آخر ولأن ما قبلهما لا يكون إلا مفتوحا لاجتماعها في المخرج وهو أقصى الحلق وفي الصفة وهي الخفاء ولأن كل واحد منهما في الوقف ساكن لا يقبل الحركة فهذه خمسة أوجه من الشبه بين هاء التأنيث وألف التأنيث وللثلاثة الأخيرة منها وجب أن يكون ذلك في الوقف لأنها في الوصل تاء ومخرجُ التاء ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا فقد اختلف المخرجان واختلفت الصفة أيضا والتاءُ متحركة بخلاف الألف فإذًا هي في الوصل بعيدة من الألف بخلاف الوقف والإمالة هنا لغة ثابتة للعرب كما ذكر سيبويه وقال السيرافي: إمالة ما قبل الهاء في ضرْبه ونحوه لغة فاشية في البصرة والكوفة والموصل وما قرب منهن [213]
وقيد الهاء هنا في جلبها الإمالة بقيدين:
أحدهما كونها للتأنيث نحو ضرْبة ونعمة ورحْمة وأخْذِة ليلة وميتة وكذلك ما أشبه فإذا كانت للتأنيث حصل لها تمكنُ الشبه بألف التأنيث فرن لم تكن للتأنيث فيظهر أن الإمالة لا تدخلها بمقتضى قيده وهذا هو المنقول الشهير وقد حكى بعض أهل القراءة إدخالَ هاءِ السكت للكسائي في الإمالة نحو مالِيَهْ وما هِيَهْ وحسابِيَهْ ونحوه قالوا وإليه ذهب ثعلب وابن الأنباري وعُلل بالشبه اللفظي الذي بين هذه الهاء وهاء التأنيث في الوقف قال بعضهم وهذا عندي مثل إمالة «طَلَبْنا» في الشذوذ فالناظم لم يثبت الإمالة لهاء السكت لشذوذها
والثاني كونها في الوقف وقد تقدم آنفا وجه اختصاص الإمالة بالوقف وقوله «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» قيدٌ للمُمال قبل الهاء يعني أن ما قبل الهاء إنما يمال إذا لم يكن ألفا كما تقدم تمثيله فإن كان ألف فمقتضى مفهوم شرطه أن الهاء لا تقتضي إمالة في ذلك الألف وهذا مفهوم صحيح فإن الهاء لما عوملت معاملة ألف التأنيث لم يُمَل لها إلا ما يمال للألف وهو الفتحة قبلها خاصة فأما الألف فإن كان معها ما يقتضي إمالتها أميلت [214]
نحو مرضاة ومُزجاة ونحوهما وإلا بقيت على فتحها نحو مناة واللات إذا وقفت عليها اللاه والزكاة والصلاة وما أشبه ذلك وقد تقدم الكلام على ذلك
وهذا التفسير على أن مدلول «الذي» هو الحرف وضمير «كان» عائد عليه فإن كان الفتح كأنه قال كذاك الفتح الذي يليه هاء لتأنيث فضمير كان لا يعود على الفتح لفساد المعنى بل على الحرف المفهوم من سياق الكلام وهو بعيد والأول أظهر
ثم يبقى النظر في مقتضى إطلاقه في هذه الإمالة وذلك أنه أطلق فيها القول ولم يستثن شيئا فيمكن فيه في بادئ الرأي محملان:
أحدهما المحمل الثابت في تفسير كلامه والذي يقتضيه القياس في هذا الموضع وهو أن يُجرى حكم الإمالة فيما قبله حرف من حروف الاستعلاء أو الراء أو غيرها من غير استثناء نحو جنّةْ وبدْرَةْ وقبضَةْ وبسطةْ وعِظَةْ ونشأة وفرقةْ ومنحَةْ وحفصةْ وما أشبه ذلك وإنما كان القياس مقتضيا لهذا لأن الإمالة للهاء هنا محمولة على الإمالة لألف التأنيث وقد تقدم أن ألف التأنيث كالألف المنقلبة لا يكفها المستعلي الذي قبلها [215]
فكذلك يكون ما حُمل عليها ألا ترى أنهم حين حملوا ألف التنوين على ألف التأنيث أمالوها وإن وقع قبلها المستعلي نحو رأيت عِلْقا حكاه سيبويه مع إمالة عِنَبا وعِلْما ونحو ذلك مما سمع ممالًا وبهذا استدلوا على أن الإمالة فيها بالحمل على ألف التأنيث فكذلك هاء التأنيث وكلام الناظم قابل لهذا المحمل وجار على مقصده
فإن قيل قد تقدم في إمالة الفتحة لكسرة الراء أن المستعلي فيها كافٌّ إذا وقع بعد الراء وغير كافّ إذا وقع قبلها على حد ما رسمه قبلُ في إمالة الألف تقيد كلامه بذلك فلا بد من حمل كلامه هنا على ذلك التقييد أيضا وإلا كان كلامه على غير ترتيب صناعي ولا مساق مفهوم حيث يقصد في بعض المسائل التقييد وفي بعضها الإطلاق فإذا كان هذا غير مستقيم أمكن أن يحمل على استثناء حروف الاستعلاء وهو المحمل الثاني فيكون نحو خاصَّةْ وفضةْ وبسطةْ وغِلظةْ وصِبغةْ وصرخةْ وفرقةْ غير ممال لكفِّ المستعلي وكذلك الراء نحو بررةْ وكفرةْ وغبرةْ وهي طريقة تنحو إلى طريقة القراء في مذهب الكسائي وإن لم تكن إياها من كل وجه لكنها أسعد بنظم كلامه
أجيب عن هذا بأن في كلامه ما يعيّن المحمل الأول وهو قوله «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» وبيان ذلك أنه أتى أولا بقوله «كَذَا الَّذِي تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ» والذي صيغة عموم فكان يحتمل التخصيص بما تقدم كما قيل في السؤال لولا أنه عم ما عدا الألف بقوله «إِذَا مَا كَانَ غَيْرَ أَلِفِ» أي ليس في جميع الحروف الواقعة قبل هاء التأنيث ما يخرج عن حكم الإمالة غير الألف فخرج بالتنصيص على هذا المعنى عن حكم التقييد بما تقدم فبقي على أصله من [216]
التعميم في المستعلي وغيره ما عدا الألفَ وأيضا فلو حملناه على ما قيل في السؤال من استثناء حروف الاستعلاء والراء خاصة لكان خراجا عن مذهب النحويين وخارجا أيضا عن مذهب القراء فأما خروجه عن مذهب النحويين فظاهر وأما خروجه عن مذهب القراء فإن ما قبل هاء التأنيث عند القراء في مذهب الكسائي في الإمالة وعدمها للقراء فيه طريقتان فطريقة أبي مزاحم الخاقاني موافقة القياس وهو فيها آخذ برواية رويت عن الكسائي تقضي بالتعميم في جميع الحروف إلا أنهم استثنوا الألف وطريقة ابن مجاهد وهي الشهيرة عند الذين تأخروا عنهم أنها على ثلاثة أقسام قسم لا يمال بإطلاق وذلك حروف الاستعلاء السبعة ويزاد عليها ثلاثة أحرف وهي الألف والعين والحاء قالوا لأن الألف لا مدخل لها ههنا والعين والحاء عند الكوفيين من حروف الاستعلاء ويجمعها هجاء: (ضُغِط قص خظ) وقسم ثان يمال بإطلاق وذلك خمسة عشر حرفا يجمعها هجاء: (فجثت زينبُ لذَوْدٍ شمسٍ) وقسم ثالث يمال في حال دون حال وهو أربعة أحرف يجمعها هجاء: (أكْرَه) فتمال إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة أو ساكن قبله كسرة وتفتح فيما عدا ذلك هذا مذهب القراء وليست واحدة من الطريقتين بموافقة لما ذكر في السؤال فلزم أن لا يقال به [217]