شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافيةصفحات 168-192

وقد يكون من لأولِ ما يتقدّمُ فيه الدليلُ على المحذوف، كما يقول: مُطِرنا سهلُ وجبلُنا، يريد: سهلُنا وجبلُنا.
وأنشد المؤلِف بيتاً صدرا 1 سُقَى الأرضين الغيثُ سهلَ وحزنَها فإن تخلَّف الشرط الذي شرطه الناظم في الجواز امتنع حذفُ المضافِ قياساً، وإن جاء منه شيءٌ فموقوفٌ على محلّه، نحو ما حكاه أبو علىّ من قولهم 2: ابدأ بهذا من أوّلُ-مثلَّث اللاَّم-والشاهد فيه كسر اللاَّم من غير تنوين، والتقدير: من أولِ الأشياء، ونحو ذلك.
وحكى الكسائيّ عن بعض العرب: ((افوق تنام أم أسفلَ))، على تقدير: أفوق هذا تنام أو أسفلَه؟ )) أو نحو ذلك.
وقرأ ابنُ مُحيصِنٍ-فيما يروى عته-: ﴿فلا خَوفُ عليهن 3﴾ بِرَفْع الفاء من غير تنوين، أي: فلا خوفُ شيءٍ عليهم.
وعلى هذا حمل المؤلِّفُ قولَ بعضِ العرَب: ((سَلاَمُ عليكم 4))، بغير تنوين، أي: سلامُ الله عليكم.
وقال ذو الرُّمة 5: فلما لَبِسْنَ الليل أو حين نَصَّبَتْ له من خَذَا آذانِها وَهْو جانحُ

أراد: أو حين أقبل، كذا، قدرَّه ابنُ جني 1. فمثلُ هذا عنده غيرِ مقيس، وإنما جاز 2 ما تقدّم دون هذا لقلة هذا بالنسبة إلى ذاك، ولأن المضاف فيما تقدم لما كان مذكوراً مماثلاً للآخر، صار أحدهُما كأنه مغنٍ عن صاحبه، بخلاف ما استثنى فإنه لا دلالة في اللَّفظِ على المحذوف، فلم يكن من شأنِ اللفظ أن يَبْقى على حاله قبل الحذفِ، وصار كقبلُ وبعد وبابهما إذا قطعت عن الإضافة، تلحقها الأحكام التي من شأنها أن تلحق غير المضاف فلهذا فرّق الناظم بين الموضعين، وهو سديدٌ من النظر 3. ويبقى هنا نظرٌ في المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: النوع الأول، فإن الناظم ارتضى فيه الجواز قياساً، على تأويل حذف المضاف إليه من الأول.
أما الجوازُ قياساً فهو أحد المذهبين على الجملة، وهو رأي الفراء والسيرافي.
والجمهورُ على المنع، وهو مذهب سيبويه، لأنه لما أنشدَ بيتَ الأعشى المتقدّم أنشد معه بيتاً من الفصل، ثم قال: ((وهذا قبيح، يجوز في الشعر على هذا: مررتُ بخيرِ وافضلِ مَنْ ثَمَّ 4)).
والراجح عند الناظم الأول، وذلك من جهة القياس والسماع.
أما السماع فقد كثُر فيه كثرةٌ توجب القياس وأن قلَّ في نفسه، فلا مانعَ من القياسِ عليه.

وأما القياسُ فإنَّ المضاف إليه الثاني لما كان هو الأول بعينه، صار كأنه حاضرٌ في موضعه، فلذلك بَقِى بعد الحذفِ على تَهيِئَتِهِ.
وأيضاً فإنَّ ذلك شبيهٌ بالإعمال، فالمضافُ الأولُ كأنه طالبٌ للمضافِ إليه الثاني / فصار حذفُ الأول كلا حذفَ، وكأنه موجودٌ.
وأما تأويلُ حذفِ 407 المضاف [إليه 1] فهو رأي المبِّرد، لأنه يُقَدِّر المسألة إعماليةً، والمختار عند البصريين إعمالُ الثاني، فكذلك هنا، قُلْتَ: قطع الله يَدَ ورجلَ من قالها، أعملت الرِّجْلَ في ((مَنْ))، وقُدِّر لليد ما يعمل فيه، ويكون محذوفاً.
وهذا أحدُ المذاهبِ في تأويل المسالة.
وذهب سيبويه إلى أنها من باب الفصل بين المضافِ والمضاف إليه، فكأنَّ الأصل: قطع الله يد من قالها ورجله، ثم أقحم الرِّجلُ بين المضاف والمضاف إليه، فصار في التقدير: يد ورِجلْه من قالها، ثم حذفت الهاء اجتزاءً بِمَنْ عن الضمير، وإصلاحاً للفظ، فصار: يدَ ورجلَ من قالها 2. والراجُح عن الناظم الأولُ؛ لأنك بين أمرين: أن تُقَدِّر المسألة من باب الفصلِ بين المضاف والمضاف إليه، أو تجعلها إعمالية، أما الأول فخاصٌ بالشعر أو شاذٌ في الكلام، لأنه قبيحٌ أن يُفصلَ بين شيئين هما كشيءٍ واحدٍ وليسا في تقدير المنفصلين، بل الثاني حالٌّ من الأولِ محلَّ التنوين، فلم يَسُغِ الفصل بينهما.
ولا يُعَتَرضُ بنحو: ﴿قَتْلُ أولادْهم شركائِهم 3﴾، لأنه من باب الفصل بين الفعل والفاعل كما سيأتي، فهما في تقدير ما يصحُّ انفصاله، فلم يبق إلا أن يكون من باب الإعمال، حُذِفَ

معمولُ الأولِ وأُعمِل الثاني.
ولا يقال: إن الاسمين معاص مضافان إلى الثاني، للاتفاق على بطلان ذلك؛ إِذ لا يضاف اسمان معاً إلى اسم واحد.
فإِن قيل: لو كانت إعماليةً لجاز إعمالُ الأوّل عند الجميع، وإن كان غير مُنكر عند البصريين، فكنت تقول: قطع الله يد ورِجْلَه من قالها، كما يُعمِلُ الأول في الفعل.
فالجواب: أن ذلك لم يجز لما يلزم من الفصل الذي فُرَّ منه، وأيضاً فيلزم على مذهب سيبويه التهيئة والقطع، لأنه حَذَفَ الضمير من الرِّجْلِ وهيَّأه للعمل في ((مَنْ))، ثم لم يُعمله.
وهو ممنوعٌ عندهم، بخلاف ما ذهَبْنا إليه.
فإن قيل: يلزمُ من الحذف أن يُنَوّن المضافُ؛ إِذْ صار كالمقطوع عن الإضافة، فلمَّالم يفعلوا ذلك دَلَّ على أنه مضافٌ في اللفظ إلى ((مَنْ))، ووقع الفصلُ بالرِّجْلِ المُقحَمةِ.
فالجواب: أنَّ هذا مُشَتَرك الإلزامِ، فإنكم مقرُّن بأنّ الرِّجْلَ غير مضافٍ في اللفظ، بل قُطع عنها، فيلزم أن يُنَوَّن ويجرى مجرى المقطوع عن الإضافة في أحكامه.
فإن قيل: إِن الظاهر وهو ((مَنْ)) ناب عن الضمير المحذوف، فكأَنَّ الرِّجْلَ مضافٌ إلى الظاهر لأنه يليه، وهو المضمرُ بعينه، فلذلك بقي المضاف على حالِهِ قبل حذف الضمير.
قيل: وكذلك نقولُ نحن: لَمَّا كان اليدُ مضافاً في الأصل إلى ((مَنْ)) والدليلُ عليها المماثل لها حاضرٌ، صارت كأنهّا هي، فبقى المضاف على تهيئته وعلى الجملة.
فَحَذْفُ المضاف أسهلُ من الفصل، والله أعلم.
والموضعُ الثاني: هو النوع الثاني، فإِنّ الناظم حَكَم بالقياس فيه، وظاهر

كلام الناس أنه سماع/، وكأنه رأى مجيئَه في الحديث الذي هو أفصحُ كلام البشر، وأنه 408... في صحة النظر كالنوع 1 الأول؛ لأن الدليل حاضرٌ، والمحذوفَ مماثلٌ له' فصار في حكم الموجود، فعُومِل معامَلَةَ الموجود.
والموضع الثالث: حيث تخلَّف الشرطُ، فإنه حكم فيه بعدم القياس، حسب ما يقتضيه مفهومُ الشرط، وظاهر التسهيل فيه القياس، فإنه قال هنالك: ((ما أُفرد لفظا من اللازم الإضافة معنىً إن نُوِى تنكيره، أو لفظ المضاف إليه، أو عُوِّض منه تنوين، أو عطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف، لم يغيّر الحكم، وكذا عُكس هذا الأخير 2)).
فقوله: ((أو لفظ المضاف إليه))، وهو الضَّرْبُ الذي تحرَّز منه في هذا النظم فأخرجه عن القياس، وقوله: ((أو عُطِف على المضاف اسمٌ عاملٌ في مثلِ المحذوفِ))، وقوله: ((وكذا لو عكس هذا الأخير))، هو الضرب الذي أجازه قياساً.
والأظهر ما ذهب إليه هنا؛ حُكى من السماع لا يبلُغ مبلغ القياس في أمثاله، مع إمكان التأويل في بعضِه، وأيضا فقد تقدَّم فرقُ ما بين الموضعين في القياس وعدمه.

فَصْلَ مُضافٍ شِبْهِ فِعْلٍ ما نَصَبْ مَفعولاً أوْ ظَرْفاً أَجزْ ولم يُعَبْ فَصْلُ يَمِينٍ، واضِطراراً وُجِداَ بِأَجْنَبِيٍّ أوْ بنَعْتٍ أوْ نِداَ

ذَكَر في هذا الفصلِ مواضعَ جوازِ الفصل بين المضافِ والمضافِ إليه، ثم أَتبعها بما لا يجوزُ ذلك فيه إلاّ ضرورةٍ، وذلك أَنَّ الأصل أن لا يُفصلَ بيتهما كما لا يُفصل بين أجزاءِ الاسم؛ إذ كان المضافُ إليه قد تنَزَّل منزلة الجزءِ أو ما هو كالجزءِ من المضافِ، لأنه واقعٌ موقع تنوينه، فصار الفصلُ بينهما محظوراً، فإن جاء جهة الاضطرار والشذوذ، لكن لما جاء فيه ما فيه كثرةٌ في بعض المواضع وساعده النظر قال بالقياس حيث كَثُر، وأبقى ما سوى ذلك على المنع إلا أن يسمع فيحفظ، وموضعُ القياس عنده على ما ذكر هنا موضعان: أحدهما: أن يكون المضافُ اسماً يُشِبه الفعلَ، والفاصلُ منصوباً على المفعولية أو الظرفية معمولاً للمضافِ، وذلك قولُه: ((فصلَ مضافِ شبْهِ فِعلٍ ما نَصَبْ))، إلى آخره.
فقولهُ: ((فصلَ)) منصوب بأَجِزْ، والمصدرُ الذي هو ((فَصْلَ)) مضافٌ إلى مفعوله، و ((ما نَصَب)) هو الفاعلُ الي رفعه ((فَصْلَ)).
و ((مفعولاً)): حالٌ من الضمير المحذوف من ((، نَصَب)) العائد على ((ما)) وثَمَّ مجرورٌ محذوفٌ دلّ عليه الكلامُ متعلِّق بِفَصْلَ، وتقدير الكلام: أَجِزْ أن يَفصِل مضافاً يُشبِه الفعلَ من المضاف إليه الاسمُ الذي نصبه ذلك المضافُ، مفعولاً به أو ظرفاً.
فحصل من هذا الكلامِ أنّ الفصل بين المضافِ والمضاف إليه جائز بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون المضافُ اسماً يُشبِه الفعل، وذلك المصدرُ المقدَّر بأَنْ والفعِل، واسمُ الفاعل، واسم المفعول؛ لأنها التي/ تعملُ عَمَلَ الفعلِ وتُؤَدِّي معناه على التمام، وهو... 409 الذي قال فيه: ((فَصْلَ مضافٍ شِبْهِ فِعْلٍ)).

والثاني أن يكون الفاصلُ بينهما معمولاً للمضاف، ولا يكون أجنبياً منه معمولاً لغيره.
والثالث: أن يكون منصوباً على المفعولية أو الظرفية، فلا يكون مرفوعاً 1 به.
ويجري مجرى الظرف المجرور؛ إذ هما في الحكم واحد.
فإذا اجتمعت هذه الشروطُ الثلاثةُ ساغ القياسُ، فتقول: أعجبني ضَرْبُ زيداً عَمْروٍ، وقيامُ زيدٍ، وسَيرُ يومَ الجمعةِ زيدٍ.
وتقول: هذا ضاربُ غداً زيدٍ، وهذا مُعطي درهماً زيدٍ.
وما أشبه ذلك.
وإنما قال بالقياس في هذا النمط لِمَا ثَبَتَ فيه السماعِ الذي يقاس على مثله، فمن ذلك قراءةُ ابن عامر: ﴿وكذلك زُيِّنِ لكثير من المشركين قَتْلُ أولادَهم شُرَكائِهم 2﴾، فقتلُ: اسمٌ يُشبِه الفعلَ، والفاصل الذي هو (أولادَهم) معمول القتل، وهو أيضاً منصوب، والتقدير: أن يقتلُ أولادَهم شركاءُهم.
وهذه القراءة وحدها عُذرٌ لمن قاس في الموضع، لأنها نُقِلت عن موثوقٍ بعربَّيته قبل التعلّم، فإنه كان من كبار التابعين، ومن الذين يُقتَدى بهم في الفصاحة كأمثاله الين لم يعلم منهم مجاورةٌ للعجم يَحدُث بها اللحن، كذا قال ابن مالك 3. وأيضاً فهو من العدول الذين لا يُظَنّ بمثلهم إدخالُ الرأي في القراءة 4، كما ظُنَّ بغيرهم، ولا اتباعُ خطّ المصحف مع عدم اعتباره الرواية.
فالأولى في هذه القراءة (أن تجعل 5) حجةً في الجواز، فإنها من أقوى ما يُحتَجّ به، وقد جاء

ما يُؤَيِّدها من السماع والقياس.
فأما السماع فنُقِل أيضاً عن بعض السلَّفِ أَنَّه قرأ: ﴿فلا تحسبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدَه رُسُلِه 1﴾، أراد: مخلِفَ رٌسٌلِه وَعْدَه.
واسمُ الفاعلِ والمصدر سواءٌ في الإضافة.
ونُقل عن عبدالله بن ذَكْوَانَ 2 في كتابه أنه قال: سألني الكسائيّ عن هذا الحرفِ-وبَلَغه من قراءتنا 3، يعني: ﴿قتلُ أولادَهم شركائِهم﴾ - فرأيتُه قد أعجبه ونزع بهذا البيت فيه 4: تَنْفِى يداها الحَصَى في كلِّ هاجرةٍ نَفْىّ الدراهِمَ تنفاد الصياريف هكذا أنشده، وأنشدوا من ذلك للطرمَّاح 5: يَطُفْنَ بِحُوزِىِّ المراتِعِ لم يُرَع بِواديِه من قَرعِ القسِي الكنائِنِ

وأنشد الأخفش 1: فزججتُها بِمِزحَّةٍ زَجَّ القَلوصَ أبى مَزَادَهْ وأنشد أبو عُبَيدة مَعْمَرُ بن المثَنَّى 2: وحَلَقِ الماذِىِّ والقَوانِسِ فداسَهَمْ دَوْسَ الحصادَ الدائسِ وأنشد أيضاً لجندل بن المثنّى 3: يَفْرُكن حَيَّ لسُّنْبُلِ الكُنَافِجِ بالقاع فَرْك القُطنَ المَحَالجِ هذا مما وقع فيه الفصل بالمفعول.
ومما وقع فيه الفصلُ بالظرف-وفي

معناه المجرور-ما في الحديث من قوله عليه السلام: ((هل أنتمُ تاركوُ لي صاحبِي 1))، أراد: تاركو صاحبي لي.
وقال بعضُ العربِ: تركُ يوماً نَفْسِك وهواها سعيٌ في رداها)).
وأنشد سيبويه للشماخ 2: ربّ ابن عمٍّ لسْلَيمى مُشْمَعِلْ طَبّاخ ساعاتِ الكرى زادِ الكَسِلْ / على من رواه بجرِّ الزادِ.
وانشد أيضاً للأخطل 3:... 410 وكَرَّارِ خَلْفَ المُحْجَرين جَواده إذا لم يُحامِ دُون أُنْثَى حليلُها وأنشد المؤلف 4: لأَنْتَ معتادُ في الهيجا مُصَابرةٍ يَصْلَى بها كلُّ من عَاداكَ نِيرانا وأما وجهُ القياس فإنّ ما تقدَّم من الشواهد استمل على فصلٍ بِفَضلةٍ بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعلٌ في المعنى أو مفعولٌ وبين

معموله 1، فَحسَّن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كونُ الفاصلِ فضلةً، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به.
والثاني: كونُه غير أجنبيّ لتعلُّقِه بالمضاف.
والثالث: كونه مقدَّر التأخير؛ من أجل أن المضاف إليه مقدّر التقديم، بمقتضى الفاعلية مع المفعولية، أو المفعولية مع الظرفية.
فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياسُ استعماله، لأنهم قد فَصَلوا في الشعر بالأجنبيّ كثيراً، فاستحقّ الفصلُ بغير الأجنبي مزيّةً تقتضي القول بجوازه.
هذا معنى ما قاله المؤلف 2 مع زيادة شيءٍ مّا، ويُسوِّغ ذلك أيضاً كونُ الإضافة أصلُها الرفعُ أو النصبُ، فكان محصولُ هذا الفصلِ فصلاً بين فعلٍ ومرفوعه أو منصوبه ببعض معمولاته، فهو في الحقيقة تقديمُ مفعولٍ على فاعلٍ، أو ظرفٍ على مفعول؛ إِذْ كان قولُك: من قَرْعِ القِسِىَّ الكنائنِ كقولك: من قَرْعٍ (القِسِىَّ الكنائنُ 3). وقولُك: طباخِ ساعاتِ الكرى زادِ الكَسِلْ كقولك: ((طباخٍ ساعاتٍ الكرى زادً الكًسِلْ.
وكذا سائر المُثُلِ، فصار ذلك كلُّه كقولك: ضَرَبَ عمراً زيدٌ، وضربت اليوم زيداً.
ولا إشكال في جواز مثل هذا.
فهذه المسألة راجعةٌ إليها من جهة المعنى ومن جهة التقدير اللفظي، فلا

يُسْمَع قولُ من قال بِتَخْطِئِة ابن عامرٍ والغضِّ منه بأنه اتّبع رأيه، وخطَّ المصحف، وترك الرواية، وأن تلك القراءة لحنٌ وغير جاريةٍ على أصول كلام العرب؛ فإن هذا القول تخرُّصٌ عليه، وعدمُ توفيةٍ لحقِّ الإمامة والتقدمِ والعدالةِ ولقاءِ الصحابةِ والأَخْذِ عنهم؛ إذ كان من شيوخه الذين عَوَّل عليهم عثمانُ بن عفانَ، رضي الله عنهم أجمعين.
وأيضا فهو ممّن اتّفَق الجمُّ الغفير على اتِّباعه الأثَر وعدمِ أخذه بالرأي كسائر السبعةِ وغيرهم، وممن اشتهر بِنَبْذِ الرأي واتباع السنَدِ في القراءة.
ولا أعني بهذا الكلام من زَعَمَ أن [مثل 1] هذا مختصٌّ بالشعر، وأنه شاذ غير مقيس؛ فإنَّ قائِلَ ذلك مُقِرٌّ بأنه 2 لم يُحَفَظْ مثلُه في كلام العرب، أو لم يكثر كثرةً تُعْتَبر في القياس، أو لم يُدرِكْ وَجْهَ القياس فيه، أو أدركه لكن رآه ضعيفاً.
فمثلُ هذا لا كلام مَعَه ولا عَتْبَ عليه، وإنما المراد من زعم 3 أن هذه القراءة خطأٌ، وأن ابن عامرٍ رأى في مصحف الشاميّين فيه ياءٌ مُثبَتةً في (شركائهم)، فقدَّر أن الشركاءَ هم المضلُّون لهم الداعون إلى قَتْل أولادهم، فأضافَ القَتْلَ إِليهم كما يُضافُ المصدر إلى فاعله، ونصب الأولاد، ولو أضافه إلى/ المفعول وهم الأولاد لزمه... 411 رفعُ الشركاءِ فخالف المصحف.
ثُمَّ وَجّه كون (شركائهم) مرسوما بالياء على خفضه بدلاً من الأولاد لأنهم شركاء آبائهم في إهلاكهم.
وأيضاً فقد تكون الياء مضمومةً بدلاً من

الهمزة على لغة: شفاه الله شفايا 1، ويُقَدَر: زيّنه شركايُهم قال هذا القائل: وهذان الوجهان تخريج لخطّ المصحف، ولا وجه لقراءة ابن عامر.
هذا ما قال.
وقد تقدَّم-والحمدلله- وجهُها على ما يساعدُ عليه القياسُ المكور مضافاً إلى ما تقدَّمَ من النقل، وذلك غاية ما قصد في توجيه القراءة.
وحصل من مجموع ذلك رُجحانُ ما ارتكبه الناظمُ من القول بالقياس في المسألة.
غير أنّ ههنا قاعدةٌ يجب التنبيهُ عليها في الكلامِ على هذا النَّظْمِ، وما ارتكب صاحبُه فيه وفي غيره، وذلك أنَّ المعتمد في القياس عند واضعيه الأوّلين إِنما هو اتباع صلب كلام العرب وما هو الأكثر فيه فنظروا إلى ما كثُر مثلاً كثرةً مسترسلة الاستعمال فَضَبطوه ضبطا ينقاس 2 ويُتكَّلم بمثله لأنه من صريح كلامهم.
وما وجدوه من ذلك لم يكثُرْ كثرةً تُوازي تلك الكثرة، ولم يَشِع في الاستعمال، انظروا: هل له من معارضٍ في قياس كلامهم أم لا؟ فما 3 لم يكن له معارض أجروا فيه القياس أيضاً، لأنهم علموا أن العرب لو استعملت مثله لكان على هذا القياس، كما قالوا في النسب إلى فَعُولة: فَعَلِىٌّ، ولم يذكروا منه في السماع إلا شَنَئِياً 4 في شَنُوءَةَ فقاسوا عليه أمثاله لعدم المعارضِ له، فصار بمثابة الكُلِّىَّ الذي لم يُوجَد من جُزئيّاته إلا واحد كشمس وقمر.
وكذلك إذا تكافأ السماعان في الكثرة بحيث يصحُّ القياسُ على كلِّ واحد منهما-وإن كانا متعارِضَيْنِ في الظاهر- لأن ذلك راجع إلى جواز الوجهين كلغة الحجازيين وبني تميم في إعمال ما وإهمالها، والتقديم والتأخير في المبتدأ مع الخبر، والفاعل مع المفعول، وغير

ذلك، فليس في الحقيقة بتعارض، لا سيما إن كانا في لُغَتين مفترقتين؛ فْإنَّ اللغاتِ المفارقة الْسِنَةٌ متباينة، وقياساتٌ مستقلة، فلا تعارُضَ فيها البتة، وإن قلَّت إِحداهما بالإضافة إلى الأخرى، إلا أن تضعفَ جداً فلها حكمُها.
وأما الوجهان في اللغة الواحدة فحكمها ما ذُكِر.
وما كان له معارضٌ توقفوا في القياس عليه، ووقفُوه على محلّه، إذا كان المعارضُ له مقيساً، وذلك كدخول أَنْ في خبر كاد تشبيهاً بعسى، لو أعملنا نحن القياس في إدخالها لانحرفت لنا قاعدةُ عدمِ إدخالها، مع أنه الشائع في السماع.
وهذا كلّه مُبَيّن في الأصول.
وإِذا ثبت هذا فمسألة الناظم من هذا القبيل، أما إذا فرضناها عامةً في الفصل بين المضاف والمضافِ إِليه بإطلاقٍ، فلا مِرْيةَ أَنَّ الفصلَ قليلٌ، وعامَّتهُ في الشعر، فهو بحيثْ لا يُلتَفتُ إلى / القياس، وإذا فرضناها خاصّة في إضافة المصدر أو الصفة إلى معمولها، فنحن لا نَشُكّ 412 أَنّ عدم الفصل فيها هو الشائعُ الذائعُ، وأنّ الفصل بالنسبة إلى عدمه كالمعدوم، وأنّ ما جاء منه في الشعر وما جاء في الكلام شاذٌ في غاية الندور، فكيف نُجري فيه القياس وهو مصادمةٌ لما شاع في كلامهم من عدم الفصلِ؟ إِذ لو عزموا على القياس لكانوا خُلَقاءَ أن يتكلموا به ويكثُر في كلامهم كما كثُر عدمُ الفصل، فإن لم يفعلوا ذلك-بل أطبقوا على عدم الفصلِ-دليلٌ على عدم مراعاة ما راعاه الناظم واضحٌ، ولا يصح أن يقال: هو-وإن كان قليلا-قد ظهر له وجه من القياس، حيث جرى مجرى العامل غير المضاف في جواز بعض معمولاته على بعض؛

لأنا نقول: ذلك غيرُ معتبرٍ من وجهين: أحدهما: أن العلَّةَ إذا وُجِدت، وَوَجْهَ القياس إذا ظهر، لا يعتبر إلا مع شياع السماع، أو كونه في قوة الشائع لعدم المعارض، كما تقدم، وهذا ليس كذلك.
والثاني: أنَّ هذا لو كان مراعىً عندهم لَكَثُرَ في كلامهم كما كثر تقديم 1 المنصوب على المرفوع في غير المضاف.
ولا يلزم من عدم القول بالقياس في هذه الأشياء الواقعة في القرآن الكريم أن يكون عَدَمَ مراعاةٍ للفظ القرآن أو إخراجاً له عن الفصاحة أو نحو ذلك، كما يَظُن من لا تحقيق له! بل هو في أعلى الدرجاتِ في الفصاحة، لكنه لم يكثر مثلُه فيقاس عليه.
وعلى هذا بنى سيبويه والمحقِّقُون، هذا الصواب، ولكن ابن مالك رُبَّما أهمل هذه القاعدة كما فعل هنا، ولعله يقع التنبيه على بعض مواضعَ من هذا النوع إن شاء الله.
وقد خرجنا عن المقصود الأصلي لعارضٍ عَرَضَ فَلْنرجِعْ.
فإن تخلَّف أحدُ الشروط المتقدمة لم يَجُزِ الفصل بين المضاف والمضاف إليه قياساً على مقتضى كلام الناظم، فلو كان المضافُ غير شبيه بالفعل لكان الفاصل أجنبياً منهما، فلم يصحَّ أن يقع بينهما.
وكذلك إذا لم يكن الفاصل معمولاً للمضافِ، وإن كان المضافُ شبيهاً بالفعل.
ومذلك لو كان الفاصلُ مرفوعاً، لأنه عند ذلك متمكِّن في موضعه؛ إذ كان له رتبة التقديم على المضاف إليه، فكان الفصل به فصلاً حقيقةً، فاستُكرِه الفصلُ لذلك، فإذا قلت: أعجبني غلامُ في الدار زيدٍ، لم يجز، وكذلك لو قلت: أعجبني ضاربُ عندك زيدٍ، أو قلت: أعجبني ضربُ زيدٌ عمروٍ، أو: الضاربُ أبوه الغلامِ.

وما جاء مما خالف القاعدة فسماعٌ إلا الفصل باليمين فإن ظاهر كلامه هنا إجازته قياساً، لقوله: ((ولم يُعَبْ فصلُ يمين))، وهو الموضع الثاني من موضِعَي الفصل القياسيّ، يعني أنّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالقسم لم يعيبوه حتى لا يجئَ إلا في ضرورة الشعر، بل استسْهلوا أمره، ففصلوا به في الكلام لكن قليلا، فحكى الكسائي/: هذا غلامُ-واللهِ-زيدٍ 1، ونُقِل... 413 عن أبي عٌبيدة أنه حكى: ((إِنَّ الشاة تسمعُ صوتَ -والله-رَبِّها فتقبلُ إليه وتَثْغُو (1)))، وحكاه ابنُ خروفٍ عنه أنه سمع ابا الدُّقَيش يقول: ((إن الشاة تسمع صَوْتَ-قد عَلِمَ الله- رَبِّها، فتقبل إليه وتثغُو)).
وهذا قسمٌ أيضاً، كما فَصلوا بين حرفِ الجرّ ومجروره بالقسم أيضاً، حكاه الكسائي في الاختيار، نحو: اشتريته بِوَالله درهمٍ، فتقول على هذا قياساً: رأيت غلام-والله-زيدٍ، وأتيت بعدَ -لعمروُ الله-عمروٍ، ونحو ذلك.
ووجهُ استسهال الأمر في فصل القسم خصوصاً، حتى لم يشترطوا فيه شرطاً، أَنَّ العرب استعملته على جهة التأكيد زائداً على أصل معنى الكلام، كالجلة المعترضة في أثنائه، فكأنه لا فصل ثَمَّةَ، ولذلك وقع بين إِذَنْ ومنصوبها فلم يُعَدَّ فَصْلا، ولم يمنعها أن تُؤَثّر في الفعلِ فتنصبَه، فقالوا: إذنْ-والله-أكرمَك.
وهذا الموضعُ ممّا خالف فيه الجمهور من النحويين كالموضع الأول، فإن الفصل بين المضاف والمضاف إليه ممتنع في القياس عندهم بإطلاقٍ.
ووجْهُ مذهب الناظم قد مرَّ آنفاً، مع أن السماع-وإن لم يكثر-فقد جاء منه ما يُمكن القياسُ عليه، وقد حَكى 2 الكسائي ذلك في الاختيار فيما هو

أشدّ، وذلك حرفُ الجرّ والمجرور؛ فإن الحرف أشدُّ طلباً للاتصال بمجروره من الاسم، فالاسم أحرى بالجواز.
وأيضاً فقد زعم أبو عُبيدة أن من شأن العرب أنهم ينقُلون المضافَ إليه الذي موضعُه إلى جنب المضاف الأول، فيؤخِّرونه ويُقدِّمون بينه وبين المضاف الأول كلاماً، ثم لا يُغَيِّر ذلك معناه ولا إعرابه عن حاله إذا احتاجوا إلى ذلك.,انشد على ذلك جملة أبيات، وحكى كلام أبي الدُّقَيش، فهذا كله مؤنسٌ بوجوده في النظم والنثر على الجملة، أعني الفصل على الجملة.
وكونُ الفاصلِ هو القسمُ أسهلُ من غيره، فكان القول 1 بالقياس فيه صحيحاً على هذا الترتيب.
وفي إطلاقه القياس في الموضعين نظرٌ من جهة أنه يقتضي جواز الفصل بإطلاق، كان المضافُ إليه ظاهراً أو مضمراً؛ أمّا الفصل مع كونه ظاهراً فمسلَّمٌ على ما قال، وأمّا مع كونه مضمراً فغيرُ مساَّم، لأنّ ضمير الجرِّ متصل أبداً فلا ينفصل البتَّة، ولا ينوبُ عنه في الفصلِ ضميرُ رفعٍ ولا نصبٍ، كما ناب في نحو [قوله 2]: ولم يَأْسِرْ كإيَّاك آسِرُ 3 وقولهم: ما انت كأنا 4. فكان من حقِّه أن يتحرَّزَ من ذلك.

وكذلك يقتضي أيضاً جوازَ الفصل بالقسم إذا كان المضاف إليه جملة، نحو جئت يوم قام زيدٌ، وحين زيد قائم، [1 فتقول: جئت يوم-والله-قام زيد، وحين-والله-زيدٌ قائم (1)].
وجوازُ مثل هذا بعيدٌ؛ إذ لم يسمع مثلُه، ولا يقاسُ إلا على مسموع.
والجواب عن الأول: أن حكم الضمائر المتصلة مأخوذٌ من بابه، فلم يحتج إلى ذكره ههنا، وعن الثاني من وجهين، أحدهما: أن كلامه في أصل الإضافة، والأصل فيها أن يكون المضاف إليه مفرداً لا جملة.
والثاني: على تسليم أنه أطلق القول قصداً، فلا مانع من الفصل وإن كان المضاف إليه جملةً، بناءً على القياس في أصل المسألة، فإنه إذا ثبت إجراء القياس كان تخصيصُ بعض المواضع دون سائرها تحكّماً بغير دليل.
فإن قيل: لا يُقاس إلاّ على مسموع/ ولا سماعَ هنا... 414 قيل: قد ثبت السماع على الجملة، ولم يكن الفصلُ ممتنعاً في الأصل من جهة وصفٍ في المضاف إليه، من كونه مفرداً أو جملة، بل من جهة أنه وقع من المضاف موقع التنوين، فالمفرد والجملة في ذلك سواء، فإذا جاز الفصلُ بينهما في بعض المواضع، إمّا لكون المضافِ إليه في الحكم لم يقع موقع التنوين لكونه منصوباً به تقديراً كالموضع الأول، وإمّا لكون الفاصل كالمعدوم حكماً كالموضع الثاني، فلا فرقَ بين المفرد والجملة في جواز الفصلِ أو منعه.
وهذا واضحٌ.
ثم رجع الناظمُ إلى التنبيه على ما نُقِل مخالفاً لما أَصَّل ولم تتوفَّر فيه شروطُ الجواز، فقال: ((واضطراراً وُجِدا بأجنبيٍّ))، إلى آخره، يعني

إن الفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا لم تُوجَد الشروطُ المذكورة، ولا الفصل بالقسم، قد وجُد في الشعر في حالة الاضطرار، وذلك الفصلُ بالأجنبي، وهو الذي لم يتعلق بالمضافِ ولا كان نعتاً له، ولا كان نداءً، وبالنعت وبالنداء، وأراد النعتِ ونعتَ المضافِ، وبالنداء مع المنادي؛ فإن حقيقة النداء هي التصويتُ بالمنادى، وذلك راجعٌ إلى الحرف المصَّوت به.
ولم يقع الفصلُ به إلا مع المنادى، فلابُدَّ أن يُفسَر بهذا، أو يكون على حَذْف مضافٍ، أي: أو ذى نداء.
فأما الفصل بالأجنبيِّ فنحو قول عَمرو بن قميئةَ، من أبيات الكتاب: لما رَأَتْ ساتيد ما استعبَرَتْ لله درُّ-اليومَ-مَنْ لاَمَها 1 فاليوم أجنبيّ من ((دَرّ))، لأن العامل فيه ((لامها)).
وأنشد لأبي حيَّة النُّميري 2: كما خُطَّ الكتابُ بِكفِّ يوماً يَهُودِيٍّ، يُقَارِبُ أو يزِيلُ فالعامل في ((يوماً)) خُطَّ.
وأنشد أيضاً لذي الرمَّة 3:

كأن أَصواتَ-من إيغالِهِنَّ بنا- اواخِر الميس أصواتُ الفراريج وأنشد ايضاً لِدُرْنَى بنتِ عَبْعَبة 1: هما أَخَوَا-في الحرب- من لا أَخاله إذا خافَ يوماً نبوةً فَدَعَاهُما وقال ذو الرّمّة 2: نَضَا البُرْدَ عنه وَهْوَ ذُو-مِنْ جُنُونه- أجارىَّ مِنْ تَسهاكِ صَوْتٍ صُلاصِلِ = والبيت في ديوان ذي الرمة 996. والميس: الرحل، وهو في الأصل شجر تُعمل منه الرحال.
والإيغال: المضيّ والإبعاد، يقال: أوغل في الأرض، أي أبعد.
يريد أن رحالهم جديدة، وقد طال سيرهم فبعضُ الرحل يحكُّ بعضا، فيحصلُ مثل أصوات الفراريج من اضطراب الرحال، ولشدة السير.
فصل الشاعر بين المضاف والمضاف إليه، فالتقدير: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا.

وأنشد ابن جني 1: فأصبَحَتْ بعد-خَطَّ-بهجتِها كأن قَفْرتً رسُوُمَها قلَما وأما الفصلُ بالنعت، وهو نعتُ المضاف، فنحو قول الشاعر يخاطب معاوية رضى الله عنه 2: نجوتَ وقد بلَّ المرادىُّ سَيْفَه من أبي شيخِ الأباطحِ-طالبِ أراد: ابن أبي طالبٍ شيخ الأباطح، وابن أبي طالب هو عليّ رضي الله عنه: وقال الفرزدق 3: وَلَئِن حلفتُ على يديك لأحِلفَنْ بيمين- أصدق من يمينك- مقسمِ اي: بيمين مُقسِمٍ أصدقَ من يمينك.
وأما الفصل بالنداء فنحو ما أنشده ابن جني وغيره 4:

كأنَّ برذون-أبا عصامِ- زيدٍ حمار دقّ باللجامِ وَيَردُ على الناظم سؤال من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قصد هنا الإتيان بما يخالف الشروط، فكان من حقِّه أن يأتي لكل شرطٍ خُولِفَ بمثالٍ من السماع، لكنه لم يفعل، وإنما أتى بالأمثلة للفصل بما ليس بمعمولٍ للمضافِ، وهو الأجنبي، وترك غير ذلك، مع أنه قد وُجِد الفصلُ بما ليس بمنصوبٍ، بل بمرفوع، وهو معمول للمضاف/ أو لغيره، فالمعمول للمضاف قولُ الراجز 1:... 415 ما إِنْ وَجَدْنا للهوى منِ طبِّ ولا جَهِلْنا قَهْرَ وَجْدٌ صَبِّ والمعمول لغيره ما أنشده الفارسيُّ من قول الشاعر 2: أَنْجَبَ أيامَ- والداه به- إِذْ نَجَلاه، فنِعْمَ ما نَجَلا على تأويل: أيام إذ نجلاه، ووالداه: فاعل أنجب.
وهو أظهر

التأويلين في البيت.
وكذلك قولُ الآخر، في أظهر التأويلين 1: تَمُرُّ على ما تستمرُّ وقد شَفَت غلائِلَ-عبدُ القيس منها- صدورِها فكان أولى أن يذكره، إذ كان تتميماً لشرط نصب الفاصل، كما ذكر الفاصل الأجنبي تتميماً لشرط كونه معمولاً للمضاف.
والثاني: أنه قال: ((واضطراراً وُجِد بأجنبي أو بنعتٍ أو ندا))، فجعل الأجنبي قسيماً للنداءِ، وهو قسمٌ منه؛ إذ النداء جملة مستقلة بنفسها ليس للمضاف فيها عمل، أما النعت فهو غير أجنبي فلا اعتراضَ به.
والثالث: أن قوله: ((بأجنبيٍّ))، ظاهره أنه متعلق بالضمير في ((وُجِد))، وهو ضمير المصدر الموصول، كأنه يقول: واضطراراً وُجِدَ الفصلُ بأجنبي، والمعنى على هذا بلابُدٍّ، لكن فيه نظرٌ؛ فإن الضمير لا يعملُ وإن كان ضمير عاملٍ لجموده في نفسه، فلا يجوز أن يقال: مروري 2 بزيد حَسَنٌ وهو بعمر قبيحٌ، ولأنه مُغَيرَّ عن لفظ فعله؛ ألا ترى أن المصدر الصريح لا يعمل مصغراً [فأولى أن لا يعمل مضمرا؟ 3] وإذا كان كذلك لم يستقم كلامُ الناظم في القياس، فكان مُعتَرَضاً.
والجواب عن الأول: أن إتيانه بشروط جواز الفصل هو المقصودُ الأعظم، وقد عُلِم أنّ ما تخلَّف فيه شرطٌ منها غيرُ جائزٍ في القياس، ولم يبق بعد ذلك إلا

التنبيهُ على شُذوذٍ إِن كان، وليس من ضروريّات هذا النظم، فإن أتى بشيءٍ من ذلك فبها ونعْمَتْ، وإلاّ فلا عَتْبَ عليه؛ وأيضاً فإن قوله: ((واضطراراً وُجِدا بأجنبي)) تَنبيه على ما خالف الشرطِين الأولين، وإنّما بقى عليه التنبيه على ما خالف الثالث، ولم يأت في سماعٍ شُهِر نقلهُ عند النحويين كما شُهِر غيره مما ذكر، أعني كون الفاصِل معمولاً للمضافِ وهو مرفوع، فلعَّله تركه لهذا.
وعن الثاني: أنه إنما ذكر الأجنبي ثم النداء، وجعاه قسيماً له من جهة أنه جملة معترِضةٌ تشبه جملة الاعتراض وجملة القسم، وإذا كانت كذلك بدليل وقوعها بين إِذن ومنصوبها، فليست بأجنبية، ولا أيضاً هي في موضع معمول المضاف، فلم يكن بمنزلته، فصار لها حالً بين حالين، فلم يصح أن تدخل تحت الأجنبي، ولا هي داخلة فيما تقدّم، فخالفت ما ذكر بعدها قسيماً.
وعن الثالثِ من وجهين: أحدهما أن نقولَ: لا نُسلِّم أن المجرور متعلق بالضمير، بل باسم مفعولٍ 1 خاصً حذف لدلالة لفظ الفصل عليه، ويكون الضمير في ((وْجِد)) عائداً إلى المضاف، وكأنه في التقدير: واضطراراً وُجِد المضاف مفصولاً بأجنبي وبكذا وكذا، يعني من المضاف إليه، كما قال: ((فصلَ مضاف شبه فعل ما نصب))، يريد من المضاف إليه.
والثاني: على تسليم أن ضمير ((وُجِدَ)) للفَصْلِ فهو يعملُ عند جماعة

قياساً، وعند الأكثر سماعاً/، وأنشدوا قول زهير 1:... 416 وما الحربُ إِلاَّ ما عَلمْتِم وذقُتْمُ وما هُوَ عَنْهَا بالحدِيتِ المرجَّمِ فعنها متعلق بهو، لأنه ضمير العِلْمِ عند الأعلم 2، وعن بمعنى الباء.
أو ضمير الحديث الذي دلّ عليه الكلام.
فكذلك يكون المجرور هنا متعلقا بالضمير في ((وُجِد))، ولا اعتراضَ إذاً، أَي: وُجِد الفصلُ بأجنبي حال كونه ذا اضطرارٍ

بسم الله الرحمن الرحيم

جارٍ التحميل